الرئيسية / صفحات العالم / طواحين الهواء في سورية واليمن

طواحين الهواء في سورية واليمن

 


عبدالله ناصر العتيبي *

كما هو متوقع، فقد ارتفع صوت البنادق في اليمن وصار يُخرس ما عداه من الأصوات. انحاز علي عبدالله صالح إلى خيار الحرب الأهلية وراح يهدد أهله وبني جنسيته بالموت واضعاً في حسبانه التجارب الناجحة لبقاء الرؤساء حتى الآن في سورية الأسد وليبيا القذافي!

في المرحلة الأولى من نار الثورات العربية في تونس ومصر، كان أمام صالح خياران فقط، إما الهروب الى خارج البلد بما تيسّر له حمله من أموال الشعب والبقاء ما تبقى له من عمر بعيداً عن كاميرات الإعلام في منفى (ما)، وإما تسليم السلطة مضطراً تحت ضغط الشعب وانتظار ما ستسفر عنه عدالة الثوار! لكن بعد إصابة ليبيا بفيروس الثورة، وانتقاله بالمحاكاة إلى سورية، ظهر لصالح خيار جديد متخلق على أرض الواقع، وهو النضال غير السلمي واستخدام السلاح والصلاحيات الرئاسية ضد ما يُسمى حكومياً بالمتآمرين المندسين الإرهابيين الخارجين عن القانون!

حال سقوط (السابقين) زين العابدين بن علي وحسني مبارك اللذين فازا بالثالثة السحرية (إذ لا اغتيال ولا وفاة في المكتب) هُرع (اللاحق) صالح باتجاه جيرانه الخليجيين عارضاً عليهم التوسّط بينه وبين شعبه لتسهيل خروجه من الحكم بأقل الخسائر، سواء بتمهيد الطريق له أمام هروب (ذي كرامة) من اليمن أو بنقل السلطة الى حكومة وحدة وطنية مع بقائه في بلده معززاً مكرماً كرئيس سابق انتهت فترة ولايته! لكن ذلك الخضوع الرئاسي لم يستمر لفترة طويلة بسبب بروز عاملين مهمين على السطح ساعدا صالح على التنفس بعمق من جديد. الأول اختطاف المعارضة اليمنية صوت الشعب وظهورها على المشهد كمفاوض وخصم للسلطة، الأمر الذي أفرغ الثورة الشعبية، التي هي ملك لكل الناس، من مضامينها وحصرها في وجوه معيّنة لا تختلف كثيراً عن وجه صالح. والعامل الثاني هو دخول ليبيا ومن بعدها سورية على خط النزاع المسلّح، ما فتح درباً جديداً لأمل البقاء الذي لا نهاية له إلا بطريقتين: وفاة طبيعية في المكتب أو اغتيال صغير مدبّر لا علاقة للثورة الشعبية به.

الشعب لا يريد صالح، هو يعرف هذا، ويعرف أيضاً أن الخليجيين قادرون على تسهيل خروجه من السلطة واليمن إن هو أراد بشكل سلس وخالٍ من المشكلات. هو يعرف كل ذلك لكنه أيضاً لا يستطيع تسليم السلطة وترك الحكم وهو «الملك» المتوّج منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ليس بمقدوره نفسياً التنازل عن حكمه برغبة شعبية وهو الذي تولى زمام الأمور من غير أن يكون لأصوات الناس دور في ذلك! كيف تقصيه الرغبة الشعبية وقد جاء الى الحكم بمساعدة البنادق لا صناديق الاقتراع؟! هل يستطيع المواطن أن يقول لا في 2011 وهو الذي لم يقل نعم في 1979؟! فلتذهب الرغبة الشعبية إلى الجحيم ولتحيا الدروس المستفادة من التجربتين الليبية والسورية!

صالح يعرف كل ذلك، ويعرف أيضاً أن ما يدور الآن في اليمن هو تمهيد مثالي لحرب أهلية ستكون قادرة على الاشتعال لفترة طويلة بمساعدة عدد من المحفزات تأتي على رأسها التركيبة القبلية للشعب اليمني وسهولة توجيه الولاءات وانتشار قطع السلاح ووجودها في كل بيت يمني تقريباً. وفي المقابل يعرف اليمنيون المخلصون لوطنهم أن البلد مقبل على منزلق خطير ولا سبيل للخروج منه إلا بإعادة الثورة الشعبية إلى الشارع واحتفاظها بسلميتها الضاغطة. صالح سيسعى كما سعى قبله القذافي والأسد إلى خلق طواحين هواء والبدء في محاربتها لإشغال الجيش والشارع على حد سواء بمتغيّرات جديدة تضمن له التحكم بأمور السلطة والبقاء حاكماً حتى وفاته، ولا يهم إن كان ذلك على حساب أمن الناس وقوتهم اليومي. سيعمل على شرخ العلاقات القبلية – القبلية، وسيبدأ بخلق التحالفات المحلية اعتماداً على تنوع وتعقيد المكوّن اليمني. لن يحتاج إلى مقاتلين أفارقة كما هي الحال مع معمر القذافي، ولن يسعى إلى الاستعانة بخبرات إيرانية مثل بشار الأسد، فاليمن واليمنيون يعرفون ذلك، بيئة صالحة بامتياز لزراعة ما يكفي من الاستقطابات التي بمقدورها خلق مجال مشحون يسمح بنشوب عشرات الحروب الأهلية! سيستعين الرئيس اليمني بالجنّ الأزرق ليبقى، والجنّ الأزرق لن يستطيع أن يقنع الناس بأن يعودوا إلى بيوتهم متخلّين عن مكاسبهم التي حققوها في الأشهر الماضية، ولن يستطيع إضافة بند جديد في المبادرة الخليجية يسمح للرئيس بتمديد فترته الرئاسية! إذاً مرحباً بالخلاص الثالث المتمثل في الحرب التي تملأ الدنيا وتشغل الناس!

على اليمنيين أن يتعاملوا مع صالح وجنّه الأزرق بما يتناسب مع شرعية مطالبهم ونقاء ثورتهم. يجب عليهم أن يفوّتوا عليه فرص التكسّب من إشعال الأوضاع. عليهم العودة إلى الشارع والضغط السلمي على السلطة وعدم استخدام السلاح في مواجهة بلطجيته والمتنفعين من حكمه. عليهم التأكيد على سلمية ثورتهم حتى ولو سقط منهم مئات الشهداء، وعليهم قبل هذا وذاك أن يتبرأوا من المعارضة الحالية التي ساهمت في شكل كبير في بقاء صالح حتى الآن.

على اليمنيين وبخاصة شيوخ القبائل ألا يسمحوا لصالح وجنّه الأزرق باستخدامهم طواحين هواء لا خيار لها في رسم نقطة ابتدائها ونقطة انتهائها.

إن فعلوا فسيكونون ملهمين لليبيين والسوريين، وإن لم يفعلوا فالنصر للحرب وأمراء الحرب!

 

* كاتب وصحافي سعودي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...