الرئيسية / صفحات الثقافة / ‘طوق الحمام’ الفائزة بـ ‘بوكر’ العربية: إلى مكة على خُطى رجاء عالم!

‘طوق الحمام’ الفائزة بـ ‘بوكر’ العربية: إلى مكة على خُطى رجاء عالم!

جوخة الحارثي

لم تقتصر غواية ‘طوق الحمام’ لـ ‘رجاء عالم’ على الاستغراق الفذ في تفاصيل الحكاية / الحكايات بزقاق أبي الرووس بمكة، فقد امتدت غواية الكتاب إلى الانتشاء برائحة الورق وتدويرات الحروف، وملمس الغلاف وخشخشة الصفحات، بل إنها غواية أكثر من ذلك وأعمق، غواية وضعتني في هوس السفر إلى مكة ثم وضعتني في طائرة إليها.

في ‘طوق الحمام’ أنت ترى جثة الفتاة، هل هي عزة أم عائشة؟ لعلك تعرف ختاما، ولعل عزة وعائشة في النهاية هما امرأة واحدة، بجسدين، بروحين، ولكن لا يمكن فصلهما. إنها المرأة أمام مرآتها: أوراق عائشة تكشف عزة، وبغياب إحداهما تحضر الأخرى. إحداهما منحت الحياة والحرية لقرينتها، ولكن هل هذه الحقيقة فعلا؟ في ‘طوق الحمام’ أنت لا ترى فقط، لا تتخيل فقط، بل تغبر قدميك بالتراب في زقاق أبي الرووس: السارد الأول في الرواية، وتتذوق طعم الشاي في مقهى زوج أم السعد، التي خزنت الذهب – ميراث أمها- قطعة قطعة في رحمها خوفا من سرقة إخوتها له، وتحس بنسيج عباءات بنات ‘أبي الرووس’ على جلدك، البنات اللواتي يضيق عالمهن وينسد، حتى يضيق الهواء على صدرك من محدودية عالمهن وقيوده، لكن فلاش كاميرا معاذ يفتح عينيك على تفاصيل تفلت من القيود، فالصورة التي اتسعت لجثة الفتاة المهشمة في أبي الرووس ستتسع لعشرات تفاصيل الحياة في مكة. فلا عجب أن تحرقني هذه الرواية على امتداد صفحاتها – التي تقترب من الستمائة – بالحنين إلى مكة، وقد كانت آخر زياراتي لها منذ سنين، رغبتُ أن أتجول في الأزقة التي تشبه أبو الرووس كما رغبت أن أمس أستار الكعبة وأعانق إسطوانات الحرم، وهكذا شددتُ الرحال.

ضحك موظف الاستقبال في أبراج زمزم: أزقة قديمة؟!

ألححتُ: نعم، بيوت فوق الجبال وبين الجبال، وأزقة وحواري ضيقة وملتوية.

التفت لزميله وتبادلا النظرات ثم تمتم: ربما غزة أو جبل النور..لكن لالا..لا يوجد أزقة قديمة في مكة، لقد هُدمَت كلها، الآن عندنا أبراج فقط.

انعكست على وجهه أضواء النجفات الضخمة والرخام المصقول، فيما لاح من النافذة العريضة مشهد الكعبة والطائفين حولها كالنمل. ماذا أقول في مواجهة ابتسامته الهازئة؟ هل أخبره عن طوق الحمام وأبي الرووس ورجاء عالم؟ إن نسخا من روايتها لا توجد حتى في المكتبات التي دلوني عليها باعتبارها ‘حديثة’، أين أنت يا رجاء؟ تعالي إلي لتقوديني في مكتك التي تعرفين، لا مكة هؤلاء: حراس الأبراج وسدنتها.

أوقفتُ سيارة أجرة وقلتُ للسائق: ‘هل يمر الطريق إلى جبل النور على أزقة مكة القديمة؟’

ابتسم السائق وقال: ‘خمسة وعشرون ريالا’.

هاهو جبل النور، هنا أضاء النور إذن! جلست على إحدى صخوره أتأمل أحياء مكة أسفله، حيث تعانق البيوت بعضها بعضا في تراحم، وأحدق في غار حراء في الأعلى، أستحضر أجنحة جبريل تحمل النور لجبل النور ليفيض على العالم، وأتصور النبي الكريم عليه الصلاة والسلام كما صورته سورتا المزمل والمدثر، أريد أن أغيب عن الزمان وأتحد في المكان، ولكن ‘السياحة الدينية’ تلتهم الصفاء الروحي، فالهنود يصورون مبتسمين، والعرب يجادلون في أسعار ألعاب الأطفال والسجاجيد، والمراهقون ينحتون أسماء محبوباتهم على الأحجار، وعشرات الأكياس البلاستيكية والعلب الفارغة متناثرة على امتداد الجبل الطاهر.

على سفح جبل النور حي قديم، فيه عبق ما من أبي الرووس: البيوت المتدرجة الارتفاع، والأزقة الضيقة المتداخلة، ودكاكين البقالة الصغيرة المزدحمة برقائق البطاطا والسكاكر وعلب المياه الغازية والكرات المطاطية. وهذا الدكان ـ الضيق من الخارج، العميق من الداخل- على حافة جرف يذكرني بشبيه له في طفولتي، كانت صاحبته المرأة التي تعلق سلسلة مفاتيحه في رقبتها، كنا نسميها ‘أمي سلامة’ ولم تكن تبتسم قط ، وكنت أحلم أن أتحول إلى نملة لأتسلل من الباب الخشبي إلى دكان أمي سلامة، وحين أصبح في الداخل لا يعنيني الباب المقفول ومفتاحه على الرقبة، بل سآكل ما شئت من الحلوى والعلكة. لم يتسنَ لي التجول داخل الدكان، ولكن لعله أشبه بدكان أبي عزة في طوق الحمام من دكان أمي سلامة في ذاكرتي.

في السيارات المتهالكة على أزقة جبل النور لمحتُ البنات اللواتي لا يُرى منهن شيء، سواد خالص من قمة الرأس حتى أخمص القدمين، ولعل عائشة كانت تشبه واحدة منهن، في هذا الزقاق الفقير البعيد، يصلها بالعالم جهاز حاسوب مهترئ ينبض بلا توقف برسائل الحب إلى الغريب في البلاد البعيدة: ألمانيا حيث تبرع الأمير لعلاجها بعد الحادث الذي أفنى عائلتها. البنات هنا يتجاوزهن الناظر، وقد لاحظتُ أنه حتى حين يوجهن السؤال، ينظر المجيب إلى الرجل معهن وهو يرد الجواب! لكن عائشة التي جربت السفر، أدركت وحدها كم يخسر الإنسان الذي يعيش ويموت في بقعته لا يغادرها، نعم يا عائشة، كم يخسر هذا الإنسان، الذي يرسم حدود عالمه بحدود حيه الصغير وقوانينه. ولكن هذا الإدراك بالخسران لا يتأتى إلا لمن انفتحت له النافذة، وجرب الحياة خلف هذه الحدود، مثلك أنتِ، يا باحثة عن العشق المفقود، ولو عبر جهاز الحاسوب ورسائله.

انحدرتُ في أزقة أخرى أطارد طيوف عزة وعائشة وسعدية والتركية وأم السعد، أتسمَّع لنقاشات لا تُسمَع لمعاذ ومشبب ويوسف وخليل، فلعل هذا البيت ذا الطبقات المتدرجة الارتفاع بتدرج جبل قبيس نظير بيت اللبابيدي المصور، فماذا لو أُشرِعَت هذه المشربيات الخشبية؟ هل ستفيض علينا لوحات اللبابيدي التي خلدت الحرم منذ أوائل القرن العشرين؟ هل سنرى وجوه الحجاج الراجية ورواحلهم ومتاعهم البسيط مجاورين الحرم؟ هل ستنفتح هذه المشربيات الموصدة على سيل الصور التوثيقية لمكة قبل أن تُهدَم جبالها لتُنشئ الأبراج؟ ها قد داخلني الرعب الذي لابس يوسف على امتداد الرواية: ماذا لو أقنعت الشركات الكبرى أولي الأمر بهدم كل جبال مكة؟ ماذا لو تنامى المزيد من الأبراج لتطبق على الحرم كأخطبوط عملاق من جميع الاتجاهات؟ حينما انطلق أذان المغرب في الحرم لم تتجه أنظار المصلين إلى الكعبة المشرفة أو المآذن الباسقة، وإنما إلى برج الساعة العملاق، وفي غضون لحظات كان الناس يتسابقون لإخراج هواتفهم وتصوير الساعة التي تضيء وقت الأذان. يا إلهي، إن يوسف، خريج قسم التاريخ بجامعة أم القرى، حفيد آل شيبة حملة مفتاح الكعبة، ابن الرجل الغامض الذي هاجر إلى طليطلة مسوقا بأشواقه في البحث عن المفتاح المقدس المفقود، عاشق عزة، وكاتب الرسائل الوهاجة لها، وصاحب العمود في جريدة أم القرى الذي يبث فيه أفكاره حول مكة وتحولاتها، إن يوسف هذا، على حق تماما، إنه لأمر مرعب حقا هذا الذي يحدث لمكة يا يوسف، يا عاشق المرأة المكية الفريدة، عزة، قبلة كل العشاق في أبي الرووس، ويا عاشق المدينة الفريدة، مكة، مركز العالم، وقبلة كل المسلمين.

كنت وأمي في الحرم حين صحتُ فجأة: ‘ يا أمي، هذا مشبب’، نظرت أمي مندهشة إلى الرجل الأسمر الطويل، فأوضحت لها: مشبب يا أمي، صاحب البستان في زقاق أبي الرووس، الذي يغرف من أسرار الباطن كما يغرف من جمال الظاهر وطرب الروح والولع المبتور بعزة، كعبة شبان أبي الرووس. التفتت إلي أمي: ‘هل تبحثين عن شخصيات رواية في الواقع؟ هل جننتِ؟ هل تلاحقين الأزقة والناس لتصنعي من الورق بشرا وروائح وأمكنة؟’. لا..لا يا أمي، أنا فقط أوسع العالم بالخيال، كما توسعه رجاء عالم بالكتابة، وإلا كيف يتأتى لشخصيات كثيرة، في زقاق منسي واحد، أن تكون كلها على هذه الدرجة العالية من الوعي والغنى الروحي؟ كيف يفكر ناصر، الضابط المحقق في قضية جثة الفتاة، بنفس اللغة الكاشفة العميقة، الرصينة البديعة التي تمتح من آبار الباطن وظلال الروح، لغة يوسف في رسائله المربوطة في نافذة عزة، ولغة عائشة في رسائلها الالكترونية للألماني، ولغة مشبب اللاهي والزاهد في بستانه، ولغة معاذ ابن الإمام حافظ القرآن في معمل صوره؟ ثم هي نفسها لغة نورة في القسم الثاني من الرواية وهو لا يضاهي القسم الأول – بل حتى لغة حارسها الشخصي، لغة لا تنفك عن اللعب بالإشارات والتقاط التحولات والانفتاح الواسع لبوابة الروح الثرية.

هذا هو الحرم إذن، ما عساي أقول فيه مع كل ما قيل مذ شُدَّت إليه الرحال، وظهرت كتب الرحالة المسلمين الأوائل، وجُلهم مقصده الحرم ثم طاف بسائر بلاد الله وأرجاء الأرض. لقد نزل ابن جبير بنفسه في بئر زمزم ليقيس ارتفاع الماء، فما عساه اليوم صانع حين يرى ما يراه ضيوف الرحمن من زمزم: عشرات حافظات الماء المبردة مبثوثة في أروقة الحرم؟ بل ما عساي أقول بعدما قالت رجاء عالم منذ رواياتها الأولى: ‘سيدي وحدانه’ و’خاتم’ و’مسرى يا رقيب’ وغيرها مازجة السرد الروائي بالتاريخ الحقيقي والأسطوري لمكة المكرمة، لتربة الحرم وأساطير أصنامه في الجاهلية، للكعبة التي لا يُفتح بابها إلا لآل شيبة ولو بقي منهم رضيع يحقق المعجزة. رجاء عالم لم تكتب المكان بل أمدته بنسغ حي وهي تنبته على الورق نباتا حسنا، فإذا بالمكان ينمو ويتكشف ويشف، كما تفعل الشخصيات تماما. لم تجاهر رجاء عالم بصرختها ضد الخطر المحدق بمكة، التي تُمحى معالمها وتهدم جبالها وقد ارتبطت بأكثر قصص الخلق قدما وتقديسا، إذ يقال إن آدم التقى فيها بحواء، لكن هذه الصرخة تستفيق في كل سطر في الرواية بلغتها الراقية المختلفة، الواقفة بثبات في وجه الاستسهال الروائي، واللغات والأماكن والمشاعر المسطحة.

تستريح على الدرج الرخامي، تنظر للكعبة والطواف الأبدي حولها، تحلق روحك مع الأرواح، حتى أرواح معاذ ويوسف وخليل وعزة وعائشة، حتى لو أحبطت الأزقة ‘النادرة’ في مكة الزائر الغريب مثلي، حتى لو غابت عنه الروائح التي ينشد وضيَّع الأصوات التي يطلب، حتى لو لم يجد في سائقي الأجرة ‘خليلا’ واحدا مهووسا بالطيران، ولا في وجوه البنات المغطاة وجه عائشة الفياض، فإن ألق مكة، ألقها الخالد، يسكب السكينة في كل روح.

قالت أمي عاتبة: ظننتك جئتِ لكي تفي بوعدك لي وتأخذيني للعمرة، فإذا بك آتية خلف الكلمات! قلت لها: بلى يا أماه، أنا أفي بوعدي لك، وأتبع خطى رجاء عالم، الجنية، التي تعرف من الحكايا ما لا يكفي عمر بشر واحد ليحيط به.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...