الرئيسية / صفحات الرأي / ظاهرة تقديس الحاكم في سوريا

ظاهرة تقديس الحاكم في سوريا


 سمير شمس

هذا الكتاب مساهمة قيمة، استندت إلى سنوات من البحث الأرشيفي والميداني، لتحليل كيفية توظيف النظام السوري، الأب والابن، للخطاب البلاغي والعروض والرموز كآليات للسيطرة والتحكم بالمجتمع. وعن ظاهرة تمجيد الأسد التي وصلت إلى حد التقديس، من خلال اللافتات والصور والشعارات الرسمية.

لكن لم يفت الكاتبة «المقاومة» التي كان يبديها الأدباء والمفكرون والكتاب والفنانون تجاه الطروحات الزائفة المفروضة عليهم، رغم الضغوط البالغة للمشاركة في جوقة التقديس. فقد رصدت المؤلفة أمثلة لما أطلقت عليه انتهاكات الخطاب الرسمي. هذه الانتهاكات لم تنمُ في حضن النظام السلطوي فحسب، بل استخدمت أساليب التلاعب بالخطاب والبلاغة والأعمال الفنية ورسوم الكاريكاتير كآليات لهذه المقاومة السلمية والعبقرية في آن واحد. من هنا أطلقت على كتابها عنوان «السلطة الغامضة»، بمعنى أن النظام رغم نجاحه النسبي في الإذعان لأوامره في المشاركة بالمظاهرات والاستعراضات وإنتاج الشعارات الفارغة واستهلاكها، فإن الحقيقة أن أغلبية السوريين كانوا يتظاهرون أنهم مصدقون بعظمة القائد الفرد الملهم، دفعا للضرر وحرصا على السلامة. والقلة التي جاهرت بكفرها بظاهرة التقديس دفعت ثمن كفرها وزندقتها حياتها أو سنين طويلة من حياتها وراء القضبان.

أظهر الاستفتاء الرئاسي في ديسمبر (كانون الأول) 1991 الطريقة التي من الممكن من خلالها أن تفتح ظاهرة تعظيم الحاكم، بالإضافة إلى كونها طريقة لإيصال الخطاب البلاغي الرسمي، مجالا متنقلا من البلاغة العامة. فلكونه جاء بعد حرب الخليج، والانتخابات التي جرت في أوروبا الشرقية، ومعاهدة الأخوة والتعاون بين لبنان وسوريا، ومشاركة سوريا في مؤتمر مدريد للسلام، قدم الاستفتاء الفرصة لعروض غير مسبوقة من التزلف، وساد جو من الهستيريا العامة، لأن السوريين كانوا يجرون استفتاء يؤكدون من خلاله ولاءهم وإخلاصهم لحافظ الأسد. وكان الاستفتاء مناسبة للدعاية لاحتمالات الطموح التوريثي العائلي للنظام عندما ظهرت بعض الملصقات التي تحتفل بالأسد كـ«أبو باسل». وعندما قُتل باسل بحادث سيارة في يناير (كانون الثاني) 1994، ظهرت شعارات تقدس ذكراه، وبدأ المنظرون مباشرة بترفيع ابنه الثاني بشّار كخليفة لوالده.

وتسمح مرونة ظاهرة تقديس الحاكم بوجود ادعاءات غير متوافقة، فيمكن للأسد أن يكون «فارس الحرب» و«رجل السلام». كما يمكن أن يكون الصيدلي والمحامي والدكتور والأستاذ، وكل ذلك في حملة انتخابية واحدة. والسؤال هو: لماذا تكون الادعاءات حول الأسد مبالغة ومرنة وغالبا متناقضة في الوقت نفسه؟ وتظهر الإجابات المحتملة كيف أن مرونة الخطاب البلاغي، الطرية التي يمكن أن تعترف بالتناقض، لها وظائف سياسية. فهي لا ترتبط بظاهرة التقديس بذاتها، بل أيضا بالطرق التي من خلالها تعمل الظاهرة ضمن العالم البلاغي الأوسع لسوريا.

ذلك لأن الآيديولوجية البعثية غامضة عمدا لكي تساعد على إدماج مجموعات متفرقة في دولة وطنية، تقلل الصراعات وتشجع التوافق. واستمرار ظهور الرموز المرتبطة بظاهرة تعظيم الحاكم، يفترض أيضا أن تعمل لتقلل أو تخفي الصراع وتنشد مجموعات من القواعد المختلفة أو ذات المصالح المتعارضة. قد ينتج النظام عبارات غير صحيحة أو يهمل حقائق غير مناسبة لأن الاعتراف ببعض الحقائق قد يكون مخجلا لكل من القادة والمواطنين العاديين. فغموض البلاغة قد يساعد في التضامن الداخلي، وتحديد الأعداء الخارجيين، وذلك بإهمال تفاصيل يمكن أن تتحدى صحة أقوال النظام، أو صورة سوريا كدولة ضحية للأعداء الخارجيين الأقوياء. ومع أن بعض الادعاءات المحددة لا يمكن تصديقها أو أنها غامضة، فإن الرؤية الشاملة حول التضامن الداخلي في وجه أعداء خارجيين أمر يشترك به أغلب السوريين. إن الدمج الرسمي البلاغي لاعتقادات مقبولة، مثل: «الصهيونية مشروع استعماري»، مع تصريحات سخيفة مثل أن الأسد سيعيش إلى الأبد. يمكن أن تساعد المواطنين على تبرير امتثالهم لأنفسهم. إن الادعاءات المقبولة في الخطاب البلاغي تساعد على جعل التصريحات الزائفة هزلية.

إن إنتاج ادعاءات زائفة وعبارات مناقضة للحقيقة يعمل لإيصال قوة النظام بالسيطرة على المجال العام، وبتزويد صيغ للتصرف والحديث العام المقبول. وبما أن هناك خلافات سياسية في المجتمع السوري، فإن البلاغة تعمل لإزالة الحقائق المثيرة للنزاع، وذلك باحتكار النظام للتفسيرات التاريخية بخطوط عامة تساعد على فرض الانضباط والحذر. «فالانتصار في حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 هو نصر الأمة العربية الذي يقود إلى السلام العادل والشامل»، لكن «جريمة معاهدة سيناء الثانية بين إسرائيل ومصر وآثارها التخريبية جعلت الشعب اللبناني يدفع الثمن». لذا «فلا مناص من قيام سوريا بإنقاذ لبنان من المؤامرة».

إن استخدام الأساليب الأدبية الشعبية لا تسمح بأي مجال للشك أو الفشل، فالحقائق غير المناسبة تُدمج وتُحتوى في الرؤية الشاملة التي يقدمها الخطاب البعثي المعاصر. في البلاغة الرسمية يتآمر الأعداء بشكل متواصل لتدمير إنجازات حزب البعث، لكن الحزب سينتصر لأنه يحتضن التاريخ ويجسد إرادة الأمة، إنه يقاد ويشخص من قبل بطل محارب لا يرتكب أي خطأ في القرارات أو في السياسات. تعبّر حركة الأسد التصحيحية عن أهداف وتطلعات الحزب والأمة والشعب.

 أن تكون سورياً يعني جزئياً أن تكون فصيحاً في الصياغات البلاغية، كما لاحظت المؤلفة، وسبب فصاحة السوريين بهذه اللغة أنه «منذ عام 1970 يستخدم السوري من 50 إلى 60 جملة فقط. إنه خطاب فقير، لكنه مستوعب ذاتيا». إن قدرة السوريين على التمييز بين الالتزام السياسي والعبارات الخاطئة الصريحة، متضمنا مع فصاحة كل واحد واستيعابه الذاتي للخطاب الرسمي، تشير إلى الأبعاد الموحدة لقاموس مفاهيمي واحد.

منذ أواخر الثمانينات ظهرت صور الأسد الأب كـ«أبي باسل»، فتحول الولد اللعوب الذي كان يقود السيارات السريعة إلى قائد محتمل غير فاسد يمكن أن يساعد في تسوية بين البورجوازية السنية والجنرالات العلويين الأقوياء. لقد تحوّل أيقونة يعيد إنتاج الرجولة والصفات المادية لظاهرة التقديس دون أن ينافس سلطة أبيه السياسية الفعلية. لكن وفاته في حادث سيارة قاتل عام 1994 أضعفت احتمالات حكم وراثي لعائلة الأسد، لكن استمرار تقديسه ساعد مع ذلك الصعود الرمزي لأخيه بشار. فمع عام 1996 بدأت الصور المركبة والأزرار والأشياء الشخصية تظهر بانتظام للأسد وهو محاط بولديه. وفي بعض الأحيان يكون الثلاثة في اللباس العسكري، للدلالة على أن طبيب العيون عنده مؤهلات عسكرية مطلوبة.

استند بشار مذ تولّى حكم سوريا على موروث الأب القائد، حاول في بداية عهده الخروج على القبضة الحديدية لكن الحرس القديم وقف دون ذلك، فعاد المجتمع للامتثال لطبيعة التصرف المطلوب، والتصنع في الطاعة بمنشورات يومية وتأكيد الصيغ التي تؤطر مصطلحات الدولة والانتماء الوطني. وإذا كانت الطاعة هي بطبيعتها طاعة خارجية، طاعة مستمدة من حكمنا عليها الذي يخبرنا بأن السلطة تستحق الطاعة لأنها جيدة وحكيمة وحسنة، فهذا الخضوع الواعي للسلطة. أمّا في النظام السوري فالسلطة تعبر عن نفسها من خلال قدرة النظام على فرض خيالاته على العالم. فلا أحد مخدوع بالتمثيلية، لكن الجميع مجبر على المشاركة فيها، لانتزاع الطاعة العمياء. وتعتمد الطاعة العمياء على عدم التصديق.

هذه الطاعة جعلت الناس عملاء لأوتوماتيكية النظام وخدما لأهدافه المحددة ذاتيا. هذه الشمولية الذاتية هي نظام موجّه ذاتيا، وليست نظاما مفروضا من جماعة على أخرى، بل هو شيء يتغلغل في المجتمع ككل. فليس مطلوبا من الناس تصديق التعميمات التي يروجها النظام، وهم لا يصدقون بالفعل. إنهم مطالبون بأن يتصرفوا كما لو أنهم صدقوا، وبهذا التصرف يعيشون «داخل الكذبة» ويديمون النظام الذي يحط من شأنهم. ليس بسبب محتوى الأعراف، ولكن مع أنه لا يوجد من يصدق هذه الأعراف، فكل واحد يطيعها ويلتزم بها. إن التواطؤ محط بشكل مزدوج عندما ينكر الناس أنفسهم أنهم يتصرفون بطريقة تواطؤية، كما أن الآيديولوجية خادعة لأنها تسمح للناس بإخفاء أسباب طاعتهم حتى لأنفسهم. لأنها تصبح غير قادرة على نسج شبكة متماسكة كذات فردية أو جماعية من الاعتقاد والرغبة. إنها تجعلها غير عقلانية، ليس بمعنى أنها فقدت الاتصال بالواقع، لكن بمعنى أنها لا تستطيع بعد الآن عقلنة أو تبرير نفسها لنفسها. فالناس مطالبون بتمثيل «ذات» متوقعة ومهذبة سياسيا، وذلك للتعبير العام. إن التصرفات الرمزية للسلطة تتدخل مع «الذاتيات» السياسية للناس مع إحساسهم بأنفسهم كأفراد سياسيين.

تسجل سياسة التزلف تواطؤ الجنود وقوة النظام، لكن وككل استعراضات الطاعة بما فيها التواطؤ من خلال فرض الرياء العام، فإن لها حدودها السلبية أيضا. أولا، إن السلوك الذي يشجع الوعي بتواطؤ الفرد تذكرة لكل جندي بأنه على خلاف مع النظام، وهناك فجوة موجودة بين التصرف والاعتقاد. ثانيا، مع أن الفجوة تثبت قوة النظام في تحفيز التواطؤ، فإن التواطؤ بحد ذاته يبيّن اعتماد النظام على المشاركة لدعم الممارسة. ثالثا، إن مطالبة المواطنين بالتصرف «كما لو» تترك النظام في مأزق تقييم الشعور العام من خلال منظار الرياء العام المفروض. رابعا، إن التواطؤ يصبح أحيانا فرصا للتمرد.

 بدأ التمرد بتجاوزات وانتهاكات عادية لا تهدف إلى الإطاحة بالنظام القائم، لكن إهمال الظروف الحية التي من خلالها تنتج وتدام تصرفات جماعية، ساعتئذٍ يمكن للنضالات اليومية الاعتيادية أن تتطور إلى تحديات واعية وعلى نطاق واسع ضد النظام السياسي. لأن هذه التجاوزات والانتهاكات موجودة في جوف الحياة السورية اليومية.

 إن تحديدا دقيقا للممارسات التجاوزية يتطلب تحديدا موازيا لاستراتيجيات ومنطق سيطرة محددة للنظام. في حالة سوريا فإن تحديد الطرق لضبط المواطنين من خلال فرض الطاعة والامتثال وعزل المشاركين، كل ذلك يمكننا من تقييم الطرق التي من خلالها يمكن للتجاوزات أن تقوض بعضا من جوانب النظام بينما تعزز جوانب أخرى. وبالعكس فإن تفسير التجاوزات يمكن أن يساعدنا للوصول إلى فهم مختلف دقيق للطرق التي تعمل من خلالها السلطة. فأنظمة السيطرة غير كاملة أبدا، والأشكال اليومية للمقاومة تقترح الطرق الجزئية وغير الكاملة التي تحيطنا علما بالتركيبة المعقدة للرمزية والمشاعر الخاصة التي تؤدي نتيجة ممارسة فائض القوة إلى ضياع الوطن لا إسقاط النظام.

عن ملحق المنتدى الثقافي – جريدة الشرق الأوسط 21/8/2011

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 2 = 6

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...