الرئيسية / صفحات الثقافة / “عاريات” يوسف عبدلكي في زمن الحرب!/ عيسى مخلوف

“عاريات” يوسف عبدلكي في زمن الحرب!/ عيسى مخلوف

 

 

 

لستُ أدري إذا كنتُ سأكتب عن الصديق الفنّان يوسف عبدلكي الشيءَ نفسه الذي أكتبه الآن لو كنتُ أعيش داخل المجتمع السوري الذي تحوَّل في السنوات الخمس الأخيرة إلى مسلخ بشريّ قلّ نظيره في التاريخ.

أعمال عبدلكي التي سبق أن عُرضَت، نهاية العام الفائت وبداية هذا العام، في دمشق، تُعرَض اليوم في غاليري “كلود لومان” في باريس. لوحات العُري التي أثارت سجالاً واسعاً وعاصفة من الانتقادات، بجانب لوحات موضوعها الطبيعة الصامتة.

ليس ثمّة جسد واحد: الجسد الحيّ والجسد الميت، الجسد الحرّ والجسد المُستعبَد، الجسد المُنَزَّه والجسد المُسَلَّع، الجسد الغاوي والمدلَّل والجسد المقهور والمعذَّب. مسرح الرّغبة واللذة هو، وهو أيضاً مسرح العنف في أقصى أشكاله: الجَلد والحَرق والذّبح والصّلب.

الحركة النازيّة قدَّست الجسد، ورؤيتها الرجولةَ أقرب ما تكون إلى الهذيان. كان هتلر يدعو إلى التربية البدنّية والرياضيّة، لا سيّما ممارسة الملاكمة، بصفتها إحدى أدوات المعركة. في المقابل، كان أحد وزرائه، المهندس المعماري ألبير سبير، يتحدَّث عن تدمير جسد العدوّ. يقول: “لا تقتلوا المساجين الرُّوس، سنقتلهم بالعمل”.

إذا كانت السلطة، وبالأخصّ سلطة أنظمة الاستبداد، تتعاطى مع الجسد كشيء ينبغي تطويعه وسحقه، أليس من حقّ الفنَان أن يرسم ما يشاء، ساعة يشاء؟ أليس من حقّه، خصوصاً إذا كان من أولئك الذين خبروا السجن والمنفى، أن يرسم جسد امرأة لا تفوح منه رائحة الموت؟ ومن قال إنّ صورة المرأة العارية، هنا، ستكون نهاية المطاف وإنّها ستمحو ما حفل به نتاج الفنّان خلال سنوات طويلة: الرأس المقطوع، “أمّ الشهيد”، السكّين المغروز في الخشب، الأزهار المسوَّرة بالمسامير، الأسماك المربوطة بحبال، الطائر المقتول؟

قد يصحّ المحو في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي التلفزيون الذي يعكس على أكمل وجه معنى القصف العشوائي المتواصل بالصور. صورة الحرب تمحو صورة الحبّ، وصورة الغنى تمحو صورة الفقر. مباريات كرة القدم يليها مباشرة مشهد المجاعة والولائم وعروض الأزياء أو حركة الناس في المحلات التجاريّة. صور يأكل بعضها بعضاً، ولا فاصل بينها. ولا تترك لنا مجالاً للمراجعة والتقويم ولا للسؤال عمّا يجري فعلاً حولنا. منطق الصور المهيمن هذا، والذي يتحرّك في لحظته الآنيّة فحسب، يجتزئ الخبر من تاريخه ومن سياقه العامّ ويحوِّر الواقع، هذا المنطق لا يلتقي، بصفة عامّة، مع توجّهات الأعمال الفنّيّة.

الأسلوب الواقعيّ الذي اعتمدت عليه أعمال يوسف عبدلكي في تجربته الفنّيّة ككلّ يذهب أبعد من الواقع. فهو لا يرسم الإنسان فقط، بل الموت الذي يحوم حوله، ويحوم حول العصفور والزهرة أيضاً. صاحب الجسد المسجّى عانى وتألّم قبل أن يموت ولا يزال الدم يسيل من جروحه، والعصفور لم يسقط من الشجرة كثمرة ناضجة، لأنّ الأداة التي قتلته ماثلة بالقرب منه. نحن أمام مسرح تجلّيات العنف وأمام الحياة اليوميّة وقد تحوّلت طاولة تشريح كبيرة لا حدود لها. والإمعان في رسمها بهذه الطريقة التي تزاوج بين البعدين الإنسانيّ والجماليّ هو تعبير عن رفض هذا الواقع بالذات، وإدانة لكافّة مظاهر العنف. إدانة تنطلق من مكان وزمان محدّدين لتلامس كلّ مكان وزمان.

في الأعمال الجديدة المعروضة في العاصمة الفرنسيّة، لم أرَ أجساد النساء منفصلة عن الإطار العامّ لنتاج عبدلكي. كأنه، في تأمّله جسد المرأة الحيّ ورسمه، لا يزال يبحث عن رمق من الحياة وسط الجثث المكدَّسة. كأنّ الفنّان الذي لم يبارح ذلك المكان أراد أن يقول إنّ للجسد وظيفةً أخرى أيضاً غير العذاب والموت.

ثمّ إنّ جسد المرأة العاري، في بعض هذ الأعمال، لا يحيلنا على جسد العري “الإيروتيكي” المألوف. الجسد العاري، هنا، الغارق في سواد قلم الفحم وظلاله المُتقَنة، وعلى الرّغم من حسّيّته وجماله، بدا نحتاً يقف بصمت على مسافة من العين، ويدعوها إلى الذهاب أبعد من السطح الظاهر.

لكن، هل يجوز أن يرسم يوسف عبدلكي جسد الأنثى بينما الأجساد في بلده تُشوَى وتُقَطَّع وتُستباح؟ هل يمكن اقتناص لحظة تنبض بالحياة وسط هذا الموت العميم، وما معنى ذلك؟ يتساءل البعض، وهي أسئلة مشروعة.

نهاية القرن التاسع عشر، رسم الفنّان الإسباني غويا لوحة “الماخا العارية”، وبعدها بسنوات رسم أهوال الحرب. غوستاف كوربيه الذي سُجن إبّان “كومونة باريس”، رسم داخل السجن لوحات تمثّل المرأة، وهذا ما فعله الفنّان النمساوي إيغون شيلي الذي رسم، وهو في السجن أيضاً، ذاك العري الحادّ بالإضافة إلى مجموعة رسوم تجسّد شقاء الاعتقال.

من جهة ثانية، كم من الكتّاب والشعراء والفنّانين كتبوا ورسموا من وحي ما عاشوه في الحربين العالميّتين ومنهم، على سبيل المثال، جوزيف كيسّيل، لويس فردينان سيلين، جان جيونو، ستيفن زويغ، إرنست جونغر، لويس أراغون، إرنست همنغواي، جورج براك، فردينان ليجيه، بيكاسو، ومنهم من قُتل (شارل بيغي) أو أُصيب بجروح بليغة (غيوم ابولينير). لكن، في الوقت نفسه، كم من الكتّاب والشعراء والفنّانين أشاحوا النظر في أعمالهم الأدبيّة والفنيّة عن الحرب وكانوا يعيشون داخلها؟ ألم تكن هذه هي أيضاً حال أتباع الحركة السورياليّة والحركة الدادائيّة في فترة ما بين الحربين؟

عندما خرج يوسف عبدلكي من السجن منذ أربع سنوات وجاء إلى باريس، التقينا في أحد مقاهي ساحة “الباستيل”. في ذلك اللقاء، حدّثني عن حالة السجن الذي أُودع فيه، ووصف ما رأى وما سمع بالدّقّة نفسها التي ينفّذ بها لوحاته. كنتُ وأنا أستمع إليه كأنني أقرأ صفحات من كتاب “ذكريات من منزل الأموات” لدوستويفسكي. أمّا موقفه، ومهما كان موضوع عمله الفنّي، فتختصره العبارة التالية: “لا أتحمّل أن يُقتَل أحد من أجل موقف سياسي. لا أتحمّل أن يُقتل أحد لأنه هتف بكلمة مؤلّفة من أربعة أحرف”.

ضفة ثالثة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصيدة لبابلو نيرودا

    أستطيع كتابة الأبيات الأكثر حزناً هذا المساء أكتب مثلا: “هذة الليلة مليئة بالنجوم، ...