الرئيسية / صفحات الناس / عاشق الكورنيت السوري.. عسكري “منشق” قتلته الموسيقى/ محمد فارس

عاشق الكورنيت السوري.. عسكري “منشق” قتلته الموسيقى/ محمد فارس

 

 

توقّف عثمان اسماعيل عن التدرّب على آلته الموسيقية، حين بدأ يحضّر للشهادة الثانوية، والتحق عام 2002 بالكلية الحربية في مدينة حمص، وتخرج منها عام 2005 برتبة ملازم أول. غدا شاباً ممشوق القوام، عريض المنكبين، وأكثر ولاءً للمؤسسة العسكرية. وبعد ترفيعه لرتبة نقيب، وخدمته لعدة أشهر في مدرسة الصاعقة للقوات الخاصة، قرب بلدة الدريج في ريف دمشق الغربي، سُجن لأشهرٍ، بداية الاحتجاجات عام 2011 لأسباب غير معلومة.

في مهجعه في سجن صيدنايا العسكري، شمال دمشق، قلّب ذكرياته في “الولاء” لنظام الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، وابنه الرئيس بشار. غالبية الذكريات مع الموسيقى.

معالم في “طريق الفن”

طفولة

منتصف التسعينات، وفي الطريق بين مدرسته ومنزله بين بساتين وادي بردى بريف دمشق، لطالما حاول أن يخفي حقيبته الخشبية المكسوة بالجلد البني. في داخلها بوق كورنيت (Cornet) نحاسي، وهو آلة موسيقية نفخية واظب منذ الثالثة عشرة من عمره على التدرّب على العزف عليها، وحاول مع مراهقين آخرين تكوين فرقة نحاسية “للعزف في المناسبات الوطنية”.

سخرية صِبْيَة الحارة منه غدت لازمة. ما أن يروه حتى يصيحوا بإيقاع سريع: “صفّوري.. صفّوري!”. فحقيبته تشبه تلك التي يحملها من يُعرف في سوريا بـ “مطهّر الأولاد الصفّوري”، نسبةً إلى عائلة تقطن دمشق، وتمتَهِن “الطّهور”، أي جراحة الختان.

غالبية من رأى الحقيبة في يده الصغيرة قال متهكّماً: “إجانا صبي ولازم تشوفه”. ما برحت عمّته العجوز ترمُقُه بنظرة فاحصة ما أن يمرّ من أمام منزلها حاملاً حقيبته، فتضع يدها على خصرها وتمسكُ بالأخرى جزءاً من “غطوتها” البيضاء (غطاء رأس نسائي تقليدي)، وتخفي بها فمها، ثم تُتمتم مُنكِرة منظر ابن أخيها: “ها ابن مين ها؟!”، أي: “ابن من هذا يا ترى؟!’.

كثيراً ما قال والده المتديّن باسماً: “بورظانك مثل زمّور ضوظوطّو أبو فهد”. والبورازان بالتركية (borazan) هو البوق. والضوظوطّو لفظ شعبي لسيارة دوزوتو (DeSoto) من شركة كرايسلر(Chrysler) الأمريكية. وعمل أبو فهد، أحد أشهر سائقي الوادي، على دوزوتو بخمسة مقاعد في نقل القرويين بين دمشق والوادي. وهرّب فيها السجائر والألعاب النارية والأدوات الكهربائية والقرطاسية بين سوريا ولبنان في الثمانينات.

سخر منه أستاذ الرياضيات ذات مرة لتدني درجته في الامتحان، ولامه على انشغاله بالتدريب على “الترمبيكة” قاصداً آلة الترومبيت Trumpet. وحدها والدته خففت عنه بقولها إن حقيبة كالتي لديه “يحملها الأطباء فقط”، وإنها رأت “في المجلة زموراً (مزماراً) كالذي لديه بحوزة بيل كلينتون”، وهو في الواقع آلة الساكسفون التي يتقنها الرئيس الأمريكي الأسبق.

موسيقى “البعث”

حين التحق بالمدرسة بعمر خمس سنوات، عشق اسماعيل الموسيقى. كان يقف بكبرياء يحيّي العلم السوري الرسمي الظاهر، مرفرفاً على شاشة التلفزيون السوري الحكومي، إذ يفتتح إرساله بـ”النشيد الوطني السوري”.

أحب الموسيقى النحاسية أيام الابتدائية، فاستمع إلى عازفين في معسكر صيفي أقامته منظمة “طلائع البعث”، التابعة لحزب البعث الحاكم، بالقرب من نبع بردى في سهل الزبداني، شمال غرب دمشق. أطربته موسيقى “نشيد الطلائع”:

“يا راية الحرية يا شعلة القضية

تموّجي على ذرا السهول والجبال

البعث نحن البعث نحن الدرب والنضال..”

لم يدرِ أن المعسكر استضاف المؤتمر الأول للكشافة العرب عام 1954، وأن “الطلائع” أزاحت الكشافة بدمشق وريفها على الأقل، إذ لم يُعقد معسكر كشفي في الزبداني منذ عام 1970. وشعر بالغبطة، حين علم أن “الأب القائد” حافظ الأسد، زار “طلائع البعث” في المعسكر نفسه في 15 آب (أغسطس) 1975، التاريخ الذي تحتفل المنظمة فيه عيداً لها.

آمن بأهداف “حزب البعث”، في: “الوحدة والحرية والاشتراكية”، لكنه لم يعرف من “فكره” في الواقع، سوى ما استظهره في كتبه المدرسية. بيد أن مشاعره اهتزّت لكلّ كلمة ونوتة في “نشيد البعث”:

 

من جذور الأرض جئنا من صميم الألمِ    بالضحايا ما بخلنا بالعطاء الأكرمِ

“موكب الثوار واحد أو يقال الظلم زالْ        صامد يا بعث صامد أنت في ساح النضالْ”.

تذكّر بسخرية مسؤولاً بعثياً انتقى ذات خريف تلاميذ مميّزين لتأسيس فرقة نحاسية، آمِلاً أن تدرك “القيادة فوق” أن “الرفاق البعثيين” في القرية ناشطون في “العمل النضالي”. تجمّع نحو 150 طالباً عصراً في الثانوية. أتى مدرّب أنيق قادم من مدينة طرطوس، ووزّع الطلاب بين آلاتٍ إيقاعية ونفخية. عزف المدرّب مطلع الحركة الأولى من السيمفونية 40 للنمساوي فولفغانغ أماديوس موزار. لحن مألوف لاسماعيل، فوالدته تحب أن تفتتح يومها بالاستماع إلى راديو “إذاعة دمشق” الحكومي الذي يبث صباحاً أغنيات مطربتها المفضّلة اللبنانية فيروز. لا تزال أغنية “يا أنا.. أنا ويّاك”، التي وضع كلماتها الأخوان رحباني على لحن موزار نفسه، تداعب مسمعه. قرر أن يأخذ الترومبيت، إلا أن المدرّب اختار له الكورنيت، فهي “مناسبة لحجمه الصغير”. وبعد أشهر قليلة، بقي خمسة تلاميذ هم عماد ما يُفترض أنه فرقة موسيقية. لم يتعلموا قراءة النوتة. كانوا يحفظونها “مترجمة” بحروف عربية، فيكتبون “نشيد الفرح” للألماني لودفيغ فان بيتهوفن كما يلي: “سي سي دو ري ري دو سي لا…”.

أمام “الأب القائد”

صيف عام 1999، شارك مع 3000 شاب وشابة من اتحاد شبيبة الثورة، التابع لحزب البعث، واتحاد كشاف لبنان في مخيمٍ في مدينة مصياف، غرب مدينة حماة. هناك، تأثّر بخطاب مسؤول بعثي قال يومئذ: “مثاليات وقيم عصر الوالد المفدى الرئيس حافظ الأسد احتشدت .. من أجل .. زرع حقول المحبة في وطن النضال، وطن الرئيس الأسد”. كما أحب لحن “نشيد الانتماء”، وهو النشيد الرسمي لاتحاد شبيبة الثورة، وحفرت كلماته عميقاً في  شعوره:

“لبيك يا حافظاً دمانا         سنشعل التراب عنفوانا

لأننا الأباة في زمان حافظ الأسد    وننتمي لكبرياء حافظ الأسد”

وتعلّم عزف النشيدين الوطنيين اللبناني والسوري، وهما على مقام العجم، الذي ظنّ أنه يجسّد “أسطورة شعب واحد في بلدين”. كما تأثّر، وهو ابن وادي بردى، أثناء عزف “نشيد الإخاء”:

“لبنان يعانق سوريا        بإخاء الدم والحريّة..

زيّنا ‘المرجة’ بالشهدا        وملأنا جبين ‘البرج’ فدا..

وجرى ‘الليطاني’ في ‘بردى’        وسقى الأرض اللبنانية”

في شباط (فبراير) 1999، حقق حلماً بالعزف أمام “القائد المفدّى”، إبّان أداء الأسد الأب القسم الدستوري أمام مجلس الشعب رئيساً لسوريا لولاية دستورية خامسة. اصطحب قائدُ فرقةٍ نحاسيةٍ بدمشق اسماعيل للعزف صباح يوم بارد أمام البرلمان. وعلى رصيفٍ في حي الصالحية الدمشقي، وأسوةً بالفرقة الضخمة، وقف بلباسٍ كحلي بخطوط حمراء، معتمراً قبّعةً عليها عُقَاب بلون ذهبي، ليشارك في عزف مقطوعات وطنية وبعثية. شعورٌ غامرٌ بالنشوة والاعتزاز، أخيراً أصبح “عازفاً حقيقياً”، أو هكذا ظن.

حرصاً على سلامة الرئيس، كانت مواكب وهمية من سيارات “مرسيدس” سوداء تبطئ سيرها للتمويه، حين تمرّ أمام الفرقة التي تعزف أمام “جماهير احتشدت” لرؤية الأسد العجوز. وما أن حضر موكب الرئيس، حتى بدأ هتاف الحشود يطغى على موسيقى الفرقة. توقّف اسماعيل عن العزف، وصار يتقافز في مكانه، علّه يلمح “الرفيق المناضل” دون أن يُفلح.

تقلّبات

لم يكن بإمكانه بداية الألفية أن يقتني آلةً موسيقيةً، فأرخص أنواع الكورنيت، ذاك المصنوع في الصين مثلاً، تجاوز ثمنه ضعف راتب والده. لذلك اكتفى بالمرور أمام محل آلات موسيقية في سوق الحميدية بدمشق، متأمّلاً المعروضات خلف الواجهة الزجاجية، ومدققاً في ورقة مائلة للصفرة متدلّية بخيطٍ كحلي من آلة الكورنيت، مكتوب عليها بخط اليد بقلم حبر أزرق “5,000 ل.س” (104,16 دولار أمريكي، الدولار حينها كان 48 ليرة).

عمل حارساً ليلياً لتسعة أشهر في منشأة سياحية قريبة من قريته مقابل 5,000 ليرة شهرياً. لكنه اشترى بما استطاع أن يدّخره جهاز كمبيوتر. توجّب عليه “أن يختار بين ما هو مهم وما هو أقل أهميةً”.

وليكسب بعض المال، حاول أن يعمل عازفاً في فرق “العراضة”، وفي روابط تشجيع النوادي الرياضية في دمشق. لكنه شعر في الأولى “بانحطاط الفن”، وآثر ألا يكمل “العراضة”. ووجد نفسه وحيداً مطروحاً على أرضية صالة الفيحاء الرياضية بدمشق، بعد أن فرّ الجميع من القنابل المسيلة للدموع التي أطلقتها “قوات حفظ النظام” الحكومية، لتفريق اشتباك بالأيدي والعصي تطوّر إلى أعمال شغب.

مرّ لاحقاً بمرحلة تديّن، أحرق خلالها جميع “نوتاته” الموسيقية، بعد أن حدّثه صديق عن “حرمة العزف في الشريعة” الإسلامية. وخشي “عذاب اليوم الآخر”، فتذكّر “دلالة تحريم” الموسيقى، إذ ذمّها رسول الإسلام محمد بقوله: “ليكونن من أمتي أقوام يستحلون (…) الخمر والمعازف (أي اللهو وآلاته)، فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة”. لذلك آثر اسماعيل “اعتزال الموسيقى” و”الاعتكاف للدراسة والعبادة”.

وداع “القائد الخالد”

ظهر 10 حزيران (يونيو) 2000، اتّصل به صديق من دمشق طالباً منه أن يحضر بسرعة بلباس أسود إلى دمشق. كان يهمّ للذهاب إلى العمل في غسيل الصحون في مطعم في قرية عين الفيجة غرب دمشق. أدرك في الحافلة أن مصاباً جللاً قد حلّ بالبلاد، فأصوات قراءة القرآن في كل مكان. أخيراً سمع على الراديو نبأ وفاة حافظ الأسد.

انتابه شعور غريب بالخَدَر لم يستطع فهمه. كان عليه أن يتماسك حتى يصل إلى دمشق. في “ثانوية بسام حمشو” بحي التجارة الدمشقي، حمل آلته الموسيقية من جديد، وشرع يتدرّب مع “الرفاق الشبيبيين” على عزف “مارش سلاڤ” للموسيقي الروسي بيتر إليتش تشايكوفسكي. مقطوعة توظّف أغنيتين صربيتين، لإظهار الظلم الذي تعرّض له الصرب على يد الأتراك، ووصف تقدّم الروس لمساعدة الصرب. ما هو الرابط؟ ليس مهمّاً. جالت الفرقة شوارع دمشق متقدّمةً “مسيرةً” متّشحةً بالسواد، حزناً على “فراق الأب القائد”.

عام 2002، وأثناء دراسته الثانوية، التحق اسماعيل بمعسكر تدريب “الصاعقة” الصيفي، الذي أقامته منظمة اتحاد شبيبة الثورة في قرية الجربا، شرق دمشق. تعرّف هناك إلى شباب لبنانيين تابعين لـ”حركة أمل”، يهتفون طوال الوقت باسم رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري. وفي المعسكر، أحبّ فتاةً من الطائفة العلويّة، وعزف لها “أهواك” من ألحان الموسيقي المصري محمد عبد الوهاب. “حبٌّ عاصفٌ” انتهى بانتهاء المعسكر.

حال الإفراج عن اسماعيل بداية عام 2013، التحق بالجيش السوري الحر. لم يتمكّن من التفرّغ لطفليه وزوجته. شكّل كتيبةً من المقاتلين المحليين في وادي بردى، ثم قتل في معارك القلمون في 4 أيلول (سبتمبر) 2013. قِيل إنه كان يقود دبابةً “غنمها” من الجيش النظامي، وأصابها صاروخ كورنيت (Kornet) مضاد للدروع. لكن الحقيقة الكاملة لم تُعرف بعد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في مديح صديقاتي النساء/ رشا عمران

      في معظم مراحل حياتي، كانت صداقاتي النسائية قليلة، وتكاد تكون محدودةً جدا، ...