الرئيسية / صفحات العالم / عامان على الحرب الروسية بسورية: تمرين للبقاء نصف قرن؟/ رامي القليوبي

عامان على الحرب الروسية بسورية: تمرين للبقاء نصف قرن؟/ رامي القليوبي

 

 

بعد مرور عامين على بدء التدخل العسكري المباشر الروسي في سورية إلى جانب النظام ومليشياته، تمكنت موسكو من استبعاد احتمال إزاحة النظام بالقوة وفرضت نفسها على الغرب كقوة عسكرية لا يمكن تجاهلها وسط احتدام التسابق بين موسكو وواشنطن على تحرير دير الزور من قبضة تنظيم “داعش”، مع بقاء تساؤلات عالقة حول آفاق التسوية السياسية للأزمة السورية.

 

وبحسب أرقام وزارة الدفاع الروسية، فإن الطيران الحربي الروسي نفذ أكثر من 30 ألف طلعة و92 ألف غارة منذ بدء عملياته، أسفرت عن مقتل أكثر من 53 ألف مسلح و”تحرير” 87 في المائة من الأراضي السورية. أما إحصاءات وأرقام المعارضة السورية والمنظمات الدولية وعدد كبير من الدول الغربية، فتتحدث عن آلاف القتلى المدنيين الذين سقطوا قتلى بالقصف الروسي وعن المئات وربما الآلاف من المنشآت المدنية التي دمرها القصف الروسي.

 

وفي هذا الإطار، يرى مدير “مركز تحليل الاستراتيجيات والتكنولوجيا” في موسكو، رسلان بوخوف، أن التدخل الروسي أسفر عن تعزيز استقرار النظام، لكن التقدم العسكري يجب أن يتم بالتوازي مع عملية سياسية حتى لا يستمر الاقتتال لعقود. ويقول بوخوف في حديث لـ”العربي الجديد” إن “أهم النتائج التي حققها التدخل الروسي، هي تعزيز استقرار نظام بشار الأسد والإظهار للعالم أن أداء القوات الجوية الفضائية والأسلحة الروسية الحديثة لا يقل كفاءة عن مثيلاتها الغربية”. وعلى مدى عامين من العمليات في سورية، اختبرت روسيا مجموعة من أحدث المعدات العسكرية والأسلحة لأول مرة في ظروف القتال، ومنها صواريخ “كاليبر” المجنحة، وعدد من الغواصات، والقاذفات الاستراتيجية “تو-95 إم إس” و”تو-160″ المعروفة باسم “البجعة البيضاء”، ومروحيات “كا-52” (“التمساح”) وغيرها.

 

ومع ذلك، يشير بوخوف إلى أن العمليات في سورية أظهرت بعض العيوب في الأسلحة وأساليب القتال الروسية، وفي مقدمتها ضعفها في إصابة أهداف متحركة وكثرة أعداد الضحايا نتيجة للقصف. ويقول في هذا السياق: “تواجه روسيا مشكلة عدم توفر ذخيرة من الإنتاج المتسلسل لإصابة أهداف متحركة”. ويضيف أن “روسيا لا تحب الحديث عن ذلك، لكن الاعتماد على القنابل الثقيلة يؤدي إلى أعداد مفرطة من القتلى ودمار للمباني، بينما يكفي في الحروب الحديثة في بعض الأحيان، تدمير سيارة أو نقطة قيادة”، وفق تعبيره.

 

وعلى الرغم من تعزيز مواقع النظام نتيجة للتدخل الروسي، يذكّر بوخوف بقلة السوابق لإنهاء النزاعات بحلول عسكرية بحتة وبعد عقود من القتال في أغلب الأحيان، ويتابع أن “سورية لن تكون في مرحلة ما بعد الحرب، كما كانت عليه قبلها، ولن تقبل أطياف مختلفة من السوريين العيش تحت حكم (بشار الأسد)، فيجب الشروع بشكل متوازٍ في عملية سياسية، كما كان الحال عليه في نزاعات أخرى”، وفق تأكيده. ويقدم مثلاً على تسوية سياسية ناجحة، قائلا إنه “بعد انتصارها العسكري في الحرب الشيشانية الثانية، سمحت موسكو لجمهورية الشيشان بدرجة كبيرة من الاستقلالية وقدمت لها دعماً مالياً كبيراً من الميزانية الفدرالية”. لكنه يتساءل في الوقت نفسه حول ما إذا كانت “روسيا مستعدة لإجبار الأسد على ذلك؟”.

 

وعشية الذكرى الثانية لبدء التدخل الروسي التي تصادف اليوم السبت، أقر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أثناء زيارته إلى أنقرة يوم الخميس، بـ”توفر الظروف اللازمة لإنهاء الحرب الأهلية في سورية والقضاء النهائي على الإرهابيين وعودة السوريين إلى الحياة السلمية”.

 

“احتلال لنصف قرن”

وعلى الرغم من أن روسيا كانت تتوقع أن تدوم عملياتها لدعم النظام لبضعة أشهر فقط، إلا أن وجودها في سورية تحوّل تدريجياً إلى وجود دائم بعد تحديد فترة بقاء القوات الروسية في قاعدتي حميميم وطرطوس لـ49 عاماً قابلة للتمديد. ويشير الإعلامي السوري المعارض المقيم في موسكو، نصر اليوسف، إلى أنه بعد مرور عامين على تدخلها العسكري المباشر، لم تتمكن موسكو من دعم النظام فحسب، بل ثبّتت وجودها في شرق المتوسط لنصف قرن مقبل، لكن ذلك ورطها في قتل عشرات آلاف المدنيين السوريين بكافة أنواع الأسلحة، بحسب تعبيره. ويقول اليوسف في حديث لـ”العربي الجديد” إنه “عندما تدخلت روسيا قبل عامين، كان النظام مهدداً بالسقوط في غضون أسابيع، حسب اعتراف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

 

وكانت حوالي 83 في المائة من الأراضي السورية خارج سيطرته، وكان الجيش السوري الحر يسيطر على مناطق شاسعة بين الحدود التركية واللاذقية وفي محافظات حماة وإدلب وفي الجنوب السوري. لكن روسيا تدخلت بفظاظة، وضربت مواقع المعارضة بشكل دموي، معتبرة أن كل من يرفع السلاح في وجه الأسد إرهابي”، بحسب ما ذكر اليوسف. ويضيف في ذات السياق، أنه “على مدى أربع سنوات، لم يستطع التحالف الطائفي الذي يضم فلول الجيش الأسدي والشبيحة، وحزب الله اللبناني، والحرس الثوري الإيراني، ومليشيات طائفية من العراق وأفغانستان وباكستان، كسر شوكة ثورة فجرها سوريون أحرار بعيداً عن إرهابيي النصرة وداعش”. ويضيف المتحدث المعارض أن “القصف الدموي الروسي بكافة أنواع الأسلحة الاستراتيجية الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من المدنيين في حلب وإدلب وحماة وحمص والغوطة الشرقية، هو الذي حيّد الجيش السوري الحر تماماً وقضى على آخر معاقله في حلب في نهاية عام 2016، بينما ظل داعش في أمان في الرقة ودير الزور”، على حد تأكيده.

 

وحول مجريات الأحداث بعد سقوط حلب، يتابع اليوسف أنه “لم يستطع الجيش الحر مواجهة أسلحة استراتيجية لقوة عظمى، فسقطت حلب، لتبدأ مفاوضات أستانة، لكن الاتفاقات التي تمخضت عن تلك المفاوضات، ظلت حبراً على ورق، ليصبح التحالف الطائفي في عز قوته مدعوماً بالغطاء الجوي الروسي”. ويذكّر الإعلامي السوري المعارض بأن “تركيا كانت تدعم المعارضة المعتدلة، ولكنها اضطرت في نهاية المطاف لقبول شروط موسكو بعد الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليها، وبعد تخلي حلفائها في حلف شمال الأطلسي عنها أثناء محاولة الانقلاب في منتصف يوليو/تموز 2016”.

 

ويلخص اليوسف الوضع الراهن في أن “روسيا حققت أكثر مما كانت تتمناه وحصلت على تنازلات كبيرة من الأسد، لتثبّت أقدامها في المتوسط وتحتل الساحل السوري لنصف قرن، ليصبح وكأنه جزء من روسيا، إذ لا يسمح للسلطات السورية بدخول كافة الأماكن التي ترابط فيها قوات روسية، ولا يخضع الجنود الروس للقوانين السورية، ولا تخضع كل الشحنات الروسية لأي تفتيش من الجمارك السورية”، على حد قوله.

 

انحسار “داعش”

فيما كان الهدف المعلن للتدخل العسكري الروسي في سورية، هو مكافحة “داعش” استباقاً لعودة آلاف من مواطني روسيا وبلدان رابطة الدول المستقلة الملتحقين به، إلى وطنهم، إلا أن التقدم الفعلي على مواقعه لم يبدأ إلا مع نهاية العام الثاني من العمليات الروسية، وسط تسابق اللاعبين على الأرض ورعاتهم على إعلان النصر. ويرجع الخبير بالمجلس الروسي للشؤون الدولية، الباحث في شؤون الحركات الراديكالية والإرهابية في الشرق الأوسط، أنطون مارداسوف، التأخر في التقدم على معاقل “داعش” إلى تسابق كل من روسيا و”التحالف والدولي” بقيادة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافه السياسية مع بقاء مكافحة التنظيمات الإرهابية “هدفاً معلناً للجمهور”.

 

ويقول مارداسوف لـ”العربي الجديد” إن “القضاء على داعش هو هدف مشترك معلن للجمهور، لكنه لا يوجد تحالف موحد بسبب الخلافات السياسية وسعي كل طرف لتوسيع مناطق سيطرة القوات المدعومة منه. لا يحقق القصف الجوي الهدف في غياب قوات مركزية على الأرض”. وحول أسباب صعوبة إلحاق هزيمة بـ”داعش” على الرغم من الأنباء المتكررة عن مقتل قياداته، يوضح أن “داعش اكتسب خبرة إنشاء قوات منظمة لها قيادة مركزية وتضم عسكريين محترفين ولا تتأثر بمقتل هذا القائد أو ذاك، ويستغل التنظيم الهدن لإعادة التموضع، وتحوّل إلى علامة تجارية متكاملة للإرهاب”.

 

وكانت روسيا قد بدأت عملياتها العسكرية في سورية في 30 سبتمبر/أيلول 2015 بعد موافقة مجلس الاتحاد الروسي بالإجماع على طلب بوتين استخدام القوات المسلحة الروسية بالخارج. وبحسب تقديرات أوساط معارضة روسية، فإن العمليات العسكرية في سورية كلفت روسيا نحو 3.5 مليارات دولار أميركي، شاملةً النفقات والخسائر غير المباشرة. وفي الوقت الذي تقوله فيه الأرقام الرسمية إن عدد الضحايا في صفوف القوات الروسية في سورية لا يزيد عن 40 قتيلاً، تشير تسريبات إعلامية متكررة إلى أكثر من ضعف هذا الرقم، أغلبهم من عناصر شركة “فاغنر” العسكرية ولا يتبعون للجيش الروسي، وبالتالي، من المستبعد أن تؤثر هذه الكلفة البشرية على شعبية بوتين عشية الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في مارس/آذار المقبل.

 

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بوتين و”شعوب سورية”/ حسام كنفاني

    مرّت تصريحات الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، يوم الخميس الماضي، بشأن سورية مروراً عابراً ...