الرئيسية / صفحات مميزة / عفرين: على أنقاض سوريّة –تحليلات ومقالات مختارة-

عفرين: على أنقاض سوريّة –تحليلات ومقالات مختارة-

 

القضية الكردية بدلالة عفرين/ عمر قدور

هناك الكثير مما جرى تداوله عن صفقة تطلق يد تركيا في عفرين، مقابل تسليم قسم كبير من إدلب للنظام. في المقابل، هناك تكهنات تنوس بين كون العدوان التركي على عفرين فخاً لأردوغان أو كونه تحجيماً للأوجلانيين، أو ربما حرب استنزاف للطرفين. هذا كله لا يلامس القضية الكردية في سورية في مأزقها الحالي، أو في متاهتها المزمنة، وقد لا نجازف بالقول إن حجم الكراهية المتبادل بين الأكراد والعرب على وسائل التواصل الاجتماعي يكشف عمق القضية الفعلي، ولا يجوز النظر إليه كردّ فعل غرائزي موقت.

عندما تتحدث أنقرة عن محاربة الإرهاب الذي يحكم عفرين فهي لا تلقي كلاماً في الهواء، وإنما تخاطب في المقام الأول حلفاء غربيين يُدرجون حزب العمال الكردستاني على لوائح الإرهاب، هكذا هي الحال بالنسبة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وليس من باب تبرير العدوان التركي التأكيد على أن من يقود عمليات وحدات الحماية الكردية في سورية هم قادة أتراك من حزب العمال، والاستخبارات التركية لديها لوائح كاملة بأسمائهم ونشاطاتهم، وقد خرج إلى العلن استنكارها لقاء مستشارين عسكريين أميركيين بهم على الأراضي السورية. أكراد سورية أنفسهم يعلمون أن القرار الفعلي هو لقيادات جبل قنديل، وأن وراء كل مسؤول رفيع في أيّ من الكانتونات المعلنة مسؤولاً كردياً تركياً هو بمثابة المسؤول الحقيقي.

مرة أخرى، الاعتراف بهذه الوقائع المعروفة على نطاق واسع لا يهدف إلى تبرير العدوان التركي على عفرين، ولننسَ في هذه المناسبة سوريّة الأخيرة بما أن هذه الرابطة مع وقف التنفيذ. الأمر إذا شئنا أم أبينا يتعلق بالارتباط الوثيق بين القضيتين الكرديتين في تركيا وسورية، بل بالأحرى اعتبارهما قضية واحدة من قبل شريحة واسعة من الأكراد، وفهم ذلك على النحو ذاته من قبل شريعة واسعة من عرب سورية.

وإذا كان للقضية الكردية في تركيا اكتفاؤها الذاتي، بمعنى اشتغالها ضمن نطاق جغرافي وديموغرافي واضح ومحدد ومتصل، فنظيرتها السورية يعوزها الاكتفاء بحكم الواقع الجغرافي وعدم وجود اتصال بين مناطق الوجود الكردي. هذا يجعل من القضية الكردية السورية مقطعة الأوصال مفهومياً أيضاً، فغالبية مطالبات الأحزاب الكردية تنص على الحصول على الحقوق القومية بما فيها حق تقرير المصير، مع التأكيد على عدم رغبة الأكراد في الانفصال.

المطالبات الكردية تُفهم على نطاق واسع على الشكل التالي: لا يستطيع أكراد سورية المطالبة بالانفصال، حتى إذا افترضنا موافقة بقية السوريين عليه. فالكيان الكردي الناشئ سيكون مقسوماً إلى قسمين تفصل بينهما مساحة شاسعة، عفرين بمفردها قسم منهما، فضلاً عن المعاداة المحسومة سلفاً للجار التركي. لذا لا معنى للإصرار على حق تقرير المصير مع تعليق استخدامه سوى ترقّب ما ستؤول إليه القضية الكردية في تركيا. وفق ذلك، لن تكون هناك دولة سورية بالمعنى الراسخ والمستدام، بالطبع إذا قامت هذه الدولة على أنقاض الصراع الحالي، ما دامت تنتظر مع جزء من مواطنيها مآل قضيتهم في بلد آخر.

للتحايل على معضلة التواصل الجغرافي، عمدت الميليشيات الكردية بعد الثورة إلى محاولة قضم الشمال السوري كله متضمناً مساحات واسعة ذات غالبية عربية خالصة، ولم تُجابه برفض شعبي كردي، بل حظيت بمباركة شبه جماعية، بما في ذلك مباركة انتهاكات موصوفة مثل التغيير الديموغرافي وتكريد أسماء المدن والقرى وصولاً إلى التمثيل العلني بجثث الخصوم. سياسياً، تدلل المباركة على وعي للمأزق الكردي السوري، أكثر من دلالاتها على إطاحة العوامل الإنسانية والأخلاقية، واستحضار المظلومية الممتدة الكردية مقابل ارتكابات الميليشيات لا يحمل رغبة الثأر إلا على السطح فحسب.

حزب العمال الكردستاني الذي يعي أهدافه، ويعي الأحلام أو الأوهام القومية «سمّها ما شئت» لنسبة معتبرة من الأكراد، يخوض معركته في إطار متكامل ووفق أدبيــــاته التي تنص على مركزية القضية الكردية في تركيا. وقوف الحزب ضد استقــــلال إقليم كردستان يمكن فهمه ضمن هذا الإطــــار، فاستقلال الإقليم لن يتحقق في النهاية إلا على أرضية حسن الجوار مع أنقـــرة، وذلك يتطلب إنهاء وجود حزب العمـــال في الإقليم بجناحيه العسكري والســـياسي، مع عدم إهمال ما يمكن تسميته تنافساً بين البارزانية والأوجلانية في الوجدان الكردي كان سيرجّح كفة الأولى لو نجحت تجربة الانفصال، ومن المؤكد أن موقف أنقرة العدائي من الاستفتاء يصب في مصلحة خصمها الأوجلاني.

تقاذف الاتهامات اليوم، بين من يقولون «مرتزقة أردوغان» ومن يقولون «مرتزقة أوجلان»، لا يحظى بأية أحقية طالما أنه ينبع من رابطة وطنية غير معترف بها أصلاً، والأقرب إلى الواقع أن الطرفين يفهمان الصراع خارج تلك الرابطة الوهمية ولا تنطبق عليهما صفة الارتزاق التي يُفترض بها التجرد عن المبادئ. تالياً، ستكون مضيعة للوقت إيجاد صيغ تفاضل بينهما، فمن هو معتدٍ في مكان سيبرز معتدى عليه في مكان آخر. المظلوميات القديمة بدورها لم تعد معياراً يُعتدّ به، فالساحة السورية تزخر بأصحاب مظلوميات تحولوا إلى ظالمين، مثلما تزخر بمظلوميات جديدة نشأت أو قيد الولادة. وقد ثبت إضافة إلى هذا كله أن التاريخ القريب أو البعيد والميزان العددي ليس لهما أية أهمية راهنة، فالقوة أو الاستقواء يأتيان من قوة السند الخارجي.

وإذا نحينا جانباً مجمل الظروف الراهنة، يبقى حل المعضلة الكردية متوقفاً في المقام الأول على أصحاب القضية نفسها، ويتوقف تحديداً على تقديم مشروع واضح المعالم والأهداف، سواء تضمن البقاء ضمن سورية أو الانفصال عنها، ومن بعدُ يصبح المشروع محل تفاهم أو تصادم مع الآخر العربي. ويكاد يكون مستحيلاً تقديم تصورات متجانسة ومنسجمة من دون حل الاشتباك مع القضية الكردية في تركيا، أو اعتبار القضية الكردية في البلدين شأناً واحداً. بقاء حالة الالتباس التي يمثّلها حزب العمال في البلدين ستفاقم المشكلات، لا على صعيد تسخين الحدود مع تركيا فقط وإنما أيضاً على الصعيد الكردي الداخلي وعلاقته بجواره العربي.

ما سبق لا يعفي بالتأكيد الحكومات التركية المتعاقبة من مسؤوليتها عن حل قضيتها الكردية، مثلما لا يعفي حكم البعث والأسد من مسؤولية مشابهة، مرة عن اضطهاد الأكراد ومرة عن دعم حزب العمال.

الحياة

 

 

 

تركيا تنضم إلى نادي احتلالات سوريا/ صبحي حديدي

الذين فوجئوا بالاختراق التركي في عمق الأراضي السورية، على امتداد منطقة عفرين أوّلاً، ونحو منبج لاحقاً كما يتردد؛ يتجاهلون حقيقة ماثلة للعيان منذ عقود، وأغراضها الجيو ـ سياسية تسبق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حزب «العدالة والتنمية»، لأنها إنما ترتدّ إلى جذور أتاتوركية، وتتطابق استطراداً مع عقائد الأحزاب التركية القومية ومختلف قوى المعارضة التركية باستثناء المجموعات الكردية.

تلك الحقيقة هي الرفض القاطع، المسلّح بخيار القوّة العسكرية حين يلزم الأمر، لأيّ مشروع يمكن أن يفضي إلى كيان كردي، أياً كانت سوية انفصاله عن تكوين المنطقة الجغرافي وتشكيلها الحدودي الراهن، وأياَ كانت درجة استقلاله أو تمتعه بأيّ مستوى من الحكم أو الإدارة الذاتية. وفي تركيا على وجه الخصوص، أكثر من سوريا والعراق وإيران، يكتسب هذا النزاع مع الكرد صفة المسألة الوجودية، القومية بامتياز؛ ولتي استوجبت، وتستوجب، اضطهاد المواطنين الكرد وحجب الكثير من حقوقهم السياسية والثقافية.

بهذا المعنى فإنّ التدخل العسكري التركي المباشر لتفكيك شبكة «روج آفا»، بوصفها مشروع كيان كردي جنيني يمكن أن يتطوّر إلى صيغة سياسية وإدارية أرقى، حتى إذا كانت خيوطها لم تنعقد تماماً، لم يكن احتمالاً مرجحاً بقدر ما ظلّ خياراً وشيكاً لا يعيق أنقرة عن تنفيذه إلا نضج الظروف الملائمة والسياقات المريحة؛ في بلد يشهد احتدام التنافس بين مصالح، وجيوش وميليشيات وقواعد، ثلاث قوى إقليمية ودولية كبرى، روسيا وأمريكا وإيران، إلى جانب تركيا ذاتها.

ومن الواضح أنّ عوامل كثيرة مواتية قد نضجت مؤخراً على نحو يسوّغ انطلاق الخيار العسكري: الداخل التركي مهيّأ، بالنظر إلى النفور الشعبي من الممارسات العنفية التي طبعت سلوك حزب العمال الكردستاني، والكاريزما الشخصية (العثمانية ـ الإنكشارية، في بعض جوهرها) التي يتمتع بها أردوغان؛ وموسكو سعيدة بدقّ إسفين إضافي بين تركيا والولايات المتحدة، فضلاً عن الحلف الأطلسي؛ وطهران تعتبر أنّ الجيش التركي يقوم ببعض مهامها، لجهة وأد مطامح الكرد هنا كي يسمع أخوتهم الكرد في إيران؛ وواشنطن لا تملك سياسة متكاملة في الملفّ السوري أصلاً، وما يغريها في التعامل مع الكرد شرق الفرات، لا ينطبق بالضرورة على الكرد غرب النهر؛ وأمّا الكرد، أياً كانت القوّة الدولية أو الإقليمية التي تعاضدهم أو تناهضهم، فقد ظلوا عرضة للغدر والخيانة والتحالفات قصيرة النظر، طيلة قرون!

وهكذا فإنّ الاختراق التركي الراهن لا صفة أخرى له سوى الاحتلال، من جانب قوّة أجنبية، تسعى إلى خدمة مصالحها عن طريق فرض أمر واقع على الأرض، أداته العمل العسكري. وهو، في هذا التعريف البسيط، يستدعي الرفض والإدانة من كلّ وطني سوريّ، عربياً كان أم كردياً؛ خاصة إذا توسّعت عملية «غصن الزيتون»، كما يبشّر أردوغان، لتشمل منبج تالياً، ثمّ سائر مناطق الشمال السوري المحاذية للحدود مع تركيا، وصولاً إلى العراق.

لكنه احتلال لا جديد فيه سوى أنه ينضم إلى نادي الاحتلالات في سوريا!

إيران وميليشياتها وقواعدها، خاصة في الضمير والـ»تي فور» والشعيرات وريف حماة وريف دمشق وحوض اليرموك وإزرع؛ وروسيا، في الساحل السوري عموماً، وحميميم وطرطوس خصوصاً؛ وأمريكا، في الرقة ومنبج والرميلان ومناطق انتشار «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات؛ وحزب العمال الكردستاني ـ قيادة جبال قنديل، في عشرات البلدات والقرى والمدن السورية؛ وأخيراً، نظام بشار الأسد، في ما تبقى له من مناطق سيطرة…

وأن يقف امرؤ ضد الاحتلال التركي الوشيك لمنطقة عفرين أو سواها، أمر يقتضي منه اتخاذ الموقف ذاته إزاء كل الاحتلالات، أياً كانت هويتها؛ تضامناً، بصرف النظر عن العرق والدين والمنطقة، مع المواطن السوري الذي كان ويبقى الضحية الأولى لهذا النادي غير المقدس؛ وإحقاقاً لحقّ الكيل بمكيال واحد متوازن، أخلاقياً على الأقلّ.

القدس العربي

 

 

ماذا بقي من أردوغان؟/ عمر قدور

عندما تأسس حزب العدالة والتنمية التركي عام 2001 بدا كأنه إجابة عن أسئلة إقليمية، فوق كونه حلاً لمعضلة صراع الإسلاميين مع العسكر في تركيا. الحزب ذو الصبغة الإسلامية قُدّم بوصفه حزباً يقبل بالتلازم بين الديموقراطية والعلمانية، ولا يهدد على غرار أحزاب إسلامية أخرى بفرض نمط أيديولوجي معين على الدولة والمجتمع، فضلاً عن أن القاعدة الاقتصادية الصاعدة التي دعمت الحزب لا تتناسب طموحاتها مع الانغلاق الأيديولوجي.

إذا استرجعنا أدبيات تلك الفترة فسنرى حجم المدائح الذي نالته تجربة الحزب عربياً، حتى من أقلام تُعرف بعدائها للإسلام السياسي العربي، إذ كانت تلك الأقلام تشير إلى مسار التطور المطلوب عربياً. بل كان النموذج التركي، الذي وُضع في سياق واحد مع النموذج الماليزي، بمثابة الدليل الإقليمي مقارنة بحكم الملالي في طهران. هذه الحفاوة تشير إلى مشكلة مزمنة، أبطالها المباشرون هم العسكر والإسلاميون، مع شيوع عدم الرضا عن الطرفين في المحصلة، وإن مالت الكفة هنا أو هناك بحسب الظروف.

دولياً أيضاً أتت تجربة الحزب، الذي أُعلن عن تشكيله قبل أسابيع من أحداث 11 سبتمبر، بمثابة هدية للغرب المتلهف إلى بديل عن الإرهاب الإسلامي. الإدارة الأمريكية سارعت إلى إقامة علاقات جيدة مع حكومة حزب العدالة، وشجعت الاتحاد الأوروبي على المضي قدماً في مشروع ضم تركيا إليه، ولا شك في أنها من خلال علاقاتها التقليدية بالجيش التركي قد لجمت بعض ضباطه الكبار عن محاولة الانقلاب على عدوهم المعتاد. في المقابل أفصح حزب العدالة عن طموح أكبر من سابقيه من أجل دخول تركيا إلى المنظومة الأوروبية، مع ما يتطلبه ذلك من التزامات تتعلق بحقوق الإنسان، وهذا استدعى انفتاحاً خجولاً على بعض ما في التاريخ مثل مجازر الأرمن، وانفتاحاً أكبر على القضية الكردية في تركيا، حيث بدأت مفاوضات فعلية وجادة مع زعيم حزب العمال المسجون، ما بشّر بحل ديموقراطي للقضية، وأثار حتى في الأوساط الكردية نقاشات عن فوائد البقاء في بلد شريك لأوروبا مقارنة بحلم الانفصال عنه. وفي موازاة الانفتاح على الغرب لقي الخطاب الإسلامي المنفتح على الجوار ترحيباً، بسبب تركيزه على الدين كعامل ثقافي مشترك لا كأيديولوجيا، فضلاً عن كونه يحقق مصلحة اقتصادية لذئاب الأناضول الصاعدة.

لشخص أردوغان مكانة محورية في كل ما سبق، فهو زعيم الحزب الجديد، وهو القادم من نزاع صاخب مع العسكر، على رغم تعرض عبدالله غل أيضاً لتجربة السجن في عهد حكم الجنرال كنعان إيفرن. وبينما يتخلف أردوغان عن غل في المستوى الأكاديمي، حيث يتشاركان دراسة الاقتصاد، فهو ربما قد اكتسب من ماضيه كلاعب كرة قدم حساسية التعامل مع الجمهور، وكان لخطابه الشعبوي أثر كبير في ازدياد شعبية الحزب، بالمقارنة مع خطاب أكثر هدوءاً لعبدالله غل وخطاب أكثر نخبوية لأحمد داود أوغلو.

بالطبع يستحيل القول أن اليوم ابن الأمس، فشخصيات أساسية في الحزب مثل عبدالله غل وأحمد داود أوغلو قد أُقصيت عنه لصالح آخرين يدينون أولاً بالولاء لأردوغان وطموحاته، بل هناك من يطرح اسم عبدالله غل كممثل للمعارضة لينافس أردوغان في انتخابات الرئاسة القادمة. أيضاً النظام السياسي التركي لم يعد نفسه النظام الذي تسلمه حزب العدالة، إذ أُدخل إليه التعديل الأول الذي نص على انتخاب الرئيس بالاقتراع الشعبي، تمهيداً للتعديل الذي جعله نظاماً رئاسياً يرضي طموحات الرئيس الحالي. العلاقات التركية الخارجية لا تذكّر إطلاقاً بالذروة التي بلغتها قبل اندلاع الربيع العربي، وأحمد داود أوغلو صاحب نظرية “صفر مشاكل” أُرغم على ترك رئاسة الحزب والحكومة لمصلحة تصورات أردوغان. وبينما تتأرجح العلاقات مع دول الجوار صعوداً وهبوطاً انحدرت العلاقة بالغرب إلى أدنى مستوياتها ربما منذ انضمام تركيا إلى حلف الناتو، وعلى نحو متواتر يخرج أردوغان بنفسه لينتقد الغرب بشدة، سواء أكان الغرب الأمريكي أو الأوروبي أو منظومة الناتو.

في كل ما سبق قد يكون ثمة ما هو اضطراري بحكم غليان المنطقة واحتدام الصراعات فيها، بخاصة الصراع في سوريا وعليها وما استتبعه أحياناً من محاولات تحجيم الدور التركي. لكن ذلك لم يخرج أيضاً عما ظهر في بداية الربيع العربي من انتعاش قوى الإسلام السياسي، ومن رغبة القيادة التركية في ركوب الموجة واستثمارها، من دون وجود نية في تقديم نفسها نموذجاً للاعتدال كما كان الأمر من قبل، ولعل هذا ما تجلى مثلاً في الافتراق الواضح بين الأردوغانية والإسلام السياسي المشرقي من جهة وحركة النهضة التونسية من جهة أخرى.

قضايا مثل تراجع منسوب الحريات في تركيا، بما فيها الحريات الإعلامية، والتدهور التام على صعيد معالجة القضية الكردية، فضلاً عن التراجع الاقتصادي والتدني المتواصل في قيمة صرف الليرة قياساً إلى العملات الأخرى؛ هذه جميعاً بمثابة رزمة واحدة يمكن وضعها في الكفة المقابلة لإنجازات حزب العدالة في بداية صعوده. وضع الحزب نفسه يشرح هذا التحول، فاليوم بالكاد نجد حديثاً عن تجربة الحزب كما كان الأمر في السنوات الأولى، ويكاد اسم أردوغان يختصر كل الكلام فهو رئيس الحزب ورئيس الجمهورية والناطق الفعلي باسم الاثنين، بينما لا تُرى إلى جانبه شخصيات ذات وزن تعوّض الذين جرى إقصاؤهم. بقاء الحزب في السلطة أو نجاح أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة لن يكون على قاعدة الزخم الجديد الذي قدمه للحياة السياسية، وإنما على قاعدة التدهور في الحياة السياسية عموماً والتحالف مع القوميين المتطرفين.

في مجمل هذه التغيرات ثمة فرص مضيّعة لتركيا وللإقليم وربما أبعد منهما، منها فرصة المصالحة بين الإسلام السياسي والديموقراطية والعلمانية، وفرصة المصالحة بين الغرب والشرق عبر جسر البوسفور، وفرصة حل ديموقراطي للقضية الكردية في تركيا يكون نموذجاً لدول الجوار. طموح أردوغان الشخصي كان له دور مؤثر في إهدار هذه الفرص، ولعل ذلك بلغ ذروته في ما حدث بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، وكأنه يقول: أنا الأجدر بالانقلاب على نفسي!

المدن

 

 

 

 

ليس للعفريني إلا… الزيت/ ماهر الجنيدي

بعدما أطلقت الولايات المتحدة الأميركية تصريحات في شأن إنشاء قوة عسكرية قوامها ثلاثون ألف مقاتل، غالبيتهم العظمى أكراد، للمرابضة على الحدود الشمالية والشرقية السورية، انبرى وزير الخارجي التركي مولود جاويش أوغلو، قبيل دخول قوات بلاده إلى الأراضي السورية، ليقول في تصريح لا يخلو من بعض السينيكية وبعض حسّ الدعابة: سورية دولة ذات سيادة، لذلك تواصلنا مع إيران وروسيا للتنسيق في شأن دخول عفرين.

جاء هذا في خضم تصريحات عدة من كافة الأطراف المنخرطة في أزمة شمال حلب باستثناء النظام السوري نفسه، الذي أجّل تصريحاته إلى ما بعد دخول القوات التركية تلك الأراضي، حين نفى إبلاغه بأي معلومات مسبقة عن التحركات العسكرية التركية، بعدما قال البنتاغون والتحالف الدولي إن عفرين لا تقع ضمن المجال الحيوي لعملياته.

وفي غمرة التصريحات والتصريحات المضادة، يبدو بناء موقف سوري من الحدث مسألة مفخخة، يحيط بجوانبها الكثير من الخطوط الحمر وحقول الألغام. حتى عبارات التضامن المقتضبة مع أهالي عفرين ومأساتهم قد تصبح محلّ تساؤل وتشكيك يتناول النوايا، إلا ما اقتصر منها على جملة “متضامن مع عفرين” الفقيرة، حمّالة الأوجه.

وتزدحم في هذا الظرف سحابة داكنة ملأى بالأسئلة السوداء حيال عفرين… كبد حلب!

هل يمكـــن الطلب من قوات حماية الشعب الـــخروج من عفرين؟ ولكن، كيف يمكن أن تطلب ذلك من دون أن يفهم منك أــــنك تودّ تقديم المدينة لقمة سائغة لقوات الغزو التركية، أو حتى لجيش النظام الذي قد يسبقها بمعونة الروس؟ وكيف يمكن أن تشـــرح أنّ أحد همومك، بل أبرزها على الإطـــلاق، هو الحفاظ على حياة ومعيشة أهـــــل عفرين، أهلنا، الذين تتهددهم كارثة أشــبه بكارثة حلب الشرقية أو حتى كركوك؟

هل يمكن الطلب من قوات حماية الشعب الصمود في عفرين؟ ولكن، كيف يمكن أن تشرح أن أحد همومك هو أن لا تتفاقم توجّهات تقاسم “جسد سورية المريض” إقليمياً بعدما تمّ تقاسمها دولياً؟ وكيف يمكن أن تشرح أنك لا تقدّم هدية مجانيةً لقوات حماية الشعب، الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديموقراطي الكردي، التي لم تعمل فقط على بناء سلطة استبداد وقمع جائر في عفرين ضد الأكراد أنفسهم والقوى الكردية أساساً، بل ساهمت إسهاماً دؤوباً ونشطاً في سقوط مدينة حلب أواخر 2016، خصوصاً أن هذه القوات كانت تشكّل فكّاً من فكّي الكماشة اللذين أطبقا على معبر الكاستيلو الحلبيّ؟

هل يمكن أن تقول إن هذه المعركة لا تعنيني؟ ولكن، كيف يمكنك النأي بالنفس وحالة عفرين ستكون على الأغلب، إذا نجحت تركيا، نموذجاً قد تحتذي به دول الجوار، على كامل مدار الخريطة السورية المهشّمة أصلاً، فتقضم الأراضي واحدة تلو الأخرى. وكيف يمكنك ذلك، وتغمض عينيك عن معاناة أهالينا في عفرين التي ستتفاقم بشراً وشجراً وحجراً، إنسانياً ومعيشياً وعمرانياً؟

هل يمكن أن تقول إنك ضد ما يُجرى؟ ولكن، كيف يمكنك أن تشيح بوجهك عمّا يحصل وأنت ترى المهجرين من أهالي تل رفعت وجوارها يتهيّأون لمغادرة بقايا خيامهم التي اقتلعتها عواصف الشتاء، استعداداً للعودة إلى قراهم ومنازلهم التي اقتلعتهم منها قوات الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي؟

وإذ يبدو من الصعب مع هذا المعطيات تحديد موقف مرسل حيال العمليات التركية، فإن من الصعب أيضاً وضع هذه العمليات في سياق سياسي محدّد متعلق بمجريات المفاوضات التي كانت دائرة في جنيف، والتي يشكّ بعودتها مجدداً، أو في سياق تفاهم إيراني روسي على صيغة جديدة لإدارة مرحلة انتقالية ما في سورية.

ولعل السؤال الأبرز الذي يطرح في هذه النقطة هو: كيف سيتصرف النظام السوري؟ هل سيكتفي بنفيه تلقّي أية معلومات مسبقة عن التحركات العسكرية التركية؟ ألن يمارس هوايته في خلط الأوراق، مهما كانت الأوراق التي يمتلكها قليلة وضعيفة؟ ألن يشترط، مثلاً، في دورة جنيف المقبلة إذا ما كتب لها الانعقاد، أن يعلن الطرف الآخر، أي “المعارضة” والهيئة العليا للمفاوضات، إدانته الغزو التركي للأراضي السورية؟ ليتحوّل السؤال إلى صيغة جديدة: كيف استعدّت قوى المعارضة السورية لهذا المأزق؟ وماذا تنوي أن تفعل بعدما تبيّن بجلاء أن الأولوية الأولى والأخيرة للحليف التركيّ المفترض ليست سورية على الإطلاق؟

أسوة بالروس الذين استفادوا من سياق انفتاح الفضاء السوري، ومن الأرض السورية الصالحة، لنقل معاركهم من الشيشان إليها، يأتي دخول أردوغان كمحاولة لتأمين الداخل التركي، من خلال نقل معاركه مع الأوجلانيين إلى الأراضي السورية.

لا تبدو للسوريين عموماً، عرباً وكرداً، في الشمال السوري أو أي منطقة أخرى، أيّ مصلحة في المعركة الدائرة في عفرين، مهما كانت النتائج التي تتمخّض عنها مبدئياً، إذ يبدو أن المآل الذي ينتظر بلد الزيت والزيتون مع هذه المعارك القذرة هو أن يتحول إلى ورقة تفاوض ومساومة بين المنتصر والنظام، سواء قدمها أردوغان أو أوجلان. ومن يدري؟ فلربّما تثبت سينيكية أيام الدم والخراب المقبلة على أهلنا العفرينيين أنّ معركة الأردوغانيين مع الأوجلانيين هي على ما سيسلّم عفرين مستقبلاً للنظام.

وفيما يرى فقهاء القانون الدولي أنّ عدم تقديم دولة عضو في الأمم المتحدة شكوى لدى أحد أجهزة المنظمة الدولية، في شأن دخول قوات دولة أخرى أراضيها من دون موافقة علنية منها، هو اتفاق غير معلن أو نوع من القبول الضمني بهذا التدخل، تحتار البوصلة وتضيق ذات اليد، وتبقى المشاعر الإنسانية المؤشر الذي يدفعك لتقول: متضامن مع أهلنا في عفرين… دمنا من زيت عفرين، وليس للعفريني إلا الزيت!

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

معركة عفرين وبداية التوافقات الدولية/ عمار ديوب

لم يتوقف النظام التركي عن تهديد حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي السوري)، أحد أفرع حزب العمال الكردستاني في تركيا، وعن أنه لن يسمح بتشكيل “دويلة” على حدود دولته، ووصل رأس العين والحسكة بعفرين، على الرغم من أن ذلك دونه أغلبية عربية في بلدات الشمال، وهو ما يهم السوريين. قوات الحزب تكفّلت بتهجير أهالي قرى كثيرة لتنفيذ مشروعها، وتمّ ذلك بدعمٍ أميركي، وبحجّة التخلص من “داعش”؛ وقبل ذلك بسبب تسليم النظام لهذا الحزب مدينة الحسكة وبلداتها، ليفرض سلطته عليها. تعاون هذا الحزب كذلك مع الروس، من أجل دعم مراكز وجوده في مدن الشمال السوري، ولا سيما في أثناء “احتلال” مدينة حلب، وكان ذلك بفعل تعاون روسي وتركي وإيراني، أضف النظام، وانسحاب مخزٍ للفصائل منها. ظل التهديد التركي طوال عام 2017، وأنه لن يسمح أبداً بوجود قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (بي يي دي) في عفرين ومحيطها، ولا سيما تل رفعت ومطار منغ وبلدات عربية كثيرة. ما أخاف تركيا، ليس وجود هذا الحزب في عفرين، بل الخطوة الأميركية أخيرا، وإعلانها تشكيل “جيش” حرس الحدود من 30 ألف جندي وبقيادة كردية. وبغض النظر عن التبرير الأميركي لهذه الخطوة، مثل حماية الحدود مع تركيا والعراق، بحجة محاربة “داعش”، فإن تركيا شعرت بخطورة الموقف، وأن ذلك سيكون تمهيداً لربط رأس العين بعفرين، وبالتالي رفع مستوى تهديد مجالها الأمني على شريطٍ حدودي واسع، وهو ما سيُقوي من عزيمة الكرد، ليس في سورية، بل في تركيا، لاسيما أن الأخيرة أوقفت الحوار مع حزب العمال منذ العام 2015، وأعادت سياسة الحرب والتنكيل بالكرد فيها.

لم يفهم حزب الاتحاد وذراعه العسكري أن هناك حسابات دولية لكلِّ أشكال الصراع في

“مشاريع كثيرة لفرع الحزب الأوجلاني، ولا تتوقف عن تشكيل “دويلة” في سورية”

سورية، وأن دوره يتمحور في خضوعه لتلك الحسابات، وأن من غير المسموح له تبنّي سياسات “قومية” أو مستقلة تتعدّى ذلك. وقد أعلنت تركيا أنها تُحضّر للحرب، وسمّت العملية “غصن الزيتون”، والأطراف الدولية حدّدت مواقفها؛ فأميركا قالت إن عفرين ليست مشمولة بمناطق التحالف الدولي، وروسيا سحبت قواتها، والنظام خاضع لها، وإيران بالتأكيد مع اجتثاث قوات حماية الشعب الكردية، وهناك فصائل عسكرية سورية اتخذت موقفاً خاطئاً بالانخراط في العملية العسكرية التركية، وكذلك أيّدَ أكبر تنظيم سياسي سوري معارض، أي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، دعم العملية، وبالتالي صارت المسألة بخانة الاتحاد الديمقراطي. الحزب الأخير، وبدلاً من قراءة المواقف الدولية، والسورية، تبنّى خيار المواجهة وتوريط عفرين ومحيطها بمعركة قد تدمّرها، ما لم تكن هناك اتفاقات دولية محدّدة، تنص على محاصرة المدينة، وإخراج قوات حماية الشعب منها، وتسليمها لإدارة مدنية والسيطرة على المناطق المحيطة بها.

هناك مشاريع كثيرة لفرع الحزب الأوجلاني هذا، ولا تتوقف عن تشكيل “دويلة” في سورية، وتصل إلى البحر المتوسط، وبخطوة تركيا الأخيرة والتهديد بالعودة إلى منبج، ينتهي ذلك المشروع. التطورات هذه ربما تفتح حواراً كردياً كردياً، عن دور ” بي يي دي” في تمكين الأميركان من شمال سورية وشرقها، والعداء الكبير مع العرب، واحتمالات تفجّر معارك كبرى مستقبلاً بسبب سياسات الحزب. المظلومية السابقة، وأن الأكراد بلا حقوق في سورية، وأن فصائل كثيرة، إضافة إلى النظام، عادتهم، وعلى الرغم من صحتها تاريخياً، إلا أنها لم تعد تفيد لتبرير ارتهان الحزب للأميركان وللروس وسواهم. وبالتالي، هناك مشكلات تتعمّق، وتتطلب حلاً، وبما يُنهي وجود هذا الحزب وقواته العسكرية في أغلبية مناطق شمال سورية وشرقها. هذا أكثر من ضروري، لنزع أسباب الحروب القادمة بين العرب والكرد، ولا سيما حينما يحصل توافق كبير بين الأميركان والروس، ويصبح من أول الشروط سحب السلاح، وتمدّد الدولة مجدداً.

تزامنت العملية التركية مع مشاورات مع روسيا، تخص وضع إدلب، وهي بمثابة البداية لحربٍ قد تكون شديدة ضد هيئة تحرير الشام ( جبهة النصرة)، وربما تدمر المدينة، وهذا سيكون بتعاون تركي روسي إيراني؛ وهناك إعلان تركي جديد يقول إن عمليتها في عفرين تهدف إلى السيطرة على 30 ألف كيلو متر، وإعادة أكثر من ثلاثة ملايين سوري فيها. إذا تركيا وروسيا، بشكل خاصّ، تنسِّقان، وبما ينهي المناطق التي تشكِّل مشكلات مستقبلية لهما، ويبدو أن هذه التوافقات بدأت، منذ السيطرة على حلب، والآن فصلها الجديد في عفرين، وستنتهي في السيطرة على إدلب، وبذلك تنتهي الجماعات العسكرية القوية باعتبارها قوات حماية الشعب أو تحرير الشام.

بتشكيل قوات سورية الديمقراطية، وعلى الرغم من أن أغلبيّتها من قوات الحماية الكردية،

“تزامنت العملية التركية مع مشاورات مع روسيا، تخص وضع إدلب”

وقيادتها الفاعلة كردية، فإن هذا التشكيل نفسه يوضح أن أميركا تريد توظيف هذه القوات في إطار معاركها، واقتسام سورية واستراتيجيتها. وبتحقق ذلك، يصبح ضروريا الخلاص منها، ومن قوات الحماية نفسها. تشكل العملية ضد قوات الحماية في عفرين، ومعركة إدلب، بداية التفاهمات مع الأميركان الذين لم يرفضوا العملية فعلياً، وهذا عنصر توافق روسي تركي أميركي إيراني، أي أن العمليات العسكرية تلك تمهد لتفاوض جديد بين الدولتين العظميين.

يأتي الإعلان الأميركي الجديد عن خطة “جديدة” تخص سورية، وأنها تتمحور في محاربة “داعش” ومحاصرة إيران والتخلص من الأسد، شروطا وتحديدات، على طاولة التفاوض مع الروس، وهذا يعني أنه لا قيمة لمؤتمر سوتشي، وكذلك لقاء فيينا المقبل؛ حيث إن المؤتمرين يؤكدان أنهما سيناقشان مسألة الدستور، وبالتالي لن يناقشا قضية الانتقال السياسي، والتي يعتقد إمكانية طرحها مجدداً بعد التطورات أخيرا في عفرين وإدلب وفي السياسة الأميركية.

أخطأ حزب الاتحاد الديمقراطي، بتعاونه مع النظام منذ 2011، وضد الشعب، وبقمع مظاهراته في مدن الشمال، وكذلك أخطأ في “تحريره التدميري” للرقة وكثير ومناطق كثيرة، وببقائه في عفرين أخيرا. أخطأت الفصائل المسلحة، وكل من دعم مواقفها ضد الاتحاد الديمقراطي، أو ضد الكرد؛ كانت هذه الممارسات ضد الشعب السوري، بعربه وكرده وغيرهما، ولصالح الصراعات الإقليمية. وبالتالي هناك ضرورة سياسية كبرى، ولصالح كل السوريين، وتتجاوز القوى السياسية السورية بأجمعها، وتتحدّد بإنتاج مشروع وطني، لا يتجاهل الحقوق الكردية في سورية، ويساهم في إعادة التواصل بين السوريين، وبما يحرّر سورية من كل الاحتلالات الأجنبية. من دون ذلك، هناك تهميش لكل السوريين ولسورية، وهي وظيفة الاحتلالات تلك، فأي كردٍ وعربٍ هؤلاء الذين يساعدون المحتل؟

العربي الجديد

 

 

 

 

تركيا وأكراد سورية … استراتيجيا الإقصاء/ خورشيد دلي

منذ بداية الأزمة السورية، مارست الحكومة التركية سياسة مدروسة بشأن كيفية ترتيب المشهد السوري المستقبلي، وهي سياسة قامت على دعامتين أساسيتين:

الأولى: الإتيان بقوى الإسلام السياسي وتحديداً حركة الأخوان المسلمين إلى السلطة في حال تم إسقاط النظام السوري، وذلك انطلاقا من اعتبارات أيديولوجية وسياسية شكلت جوهر السياسة الخارجية التركية تجاه العالم العربي منذ انطلاق ما سمي بثورات الربيع العربي.

الثانية: إبعاد المكون الكردي عن التشكيلات السياسية التي يجري تأسيسها تحضيراً للمرحلة المقبلة، والعمل على منع إقامة إقليم كردي في شمال سورية خوفا من تداعيات مثل هذا الأمر على القضية الكردية في داخل تركيا. عليه، كانت تركيا حريصة منذ بداية الأزمة السورية على اتخاذ كل الخطوات التي تعيق مسيرة تحول الأكراد إلى قوة حقيقية على الأرض في سورية.

ولنفهم كيف بدأت هذه السياسة لا بد من التوقف عند الخطوات التي قامت بها تركيا في المرحلة الأولى من الازمة السورية:

1- في نيسان (أبريل) عام 2012 عندما اجتمعت أحزاب كردية سورية في القامشلي لترتيب بيتها الداخلي في ظل التطورات التي تشهدها سورية سارع رجب طيب أردوغان (كان وقتها رئيساً للوزراء في تركيا) إلى تحذير النظام السوري من خطر تعرض سورية إلى التقسيم، بغية تأليب القيادة السورية على الأكراد بعد أن شرعت هذه القيادة في منح الأكراد الجنسية السورية في محاولة لكسبهم إلى جانبها في الحرب.

2- عندما تأسست هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديموقراطي المعارضة في سورية برئاسة حسن عبد العظيم في حزيران (يونيو) 2011، تلقى الأخير اتصالا هاتفيا من السفير التركي وقتها في دمشق يطلب منه أبعاد المكون الكردي والمتمثل في حزب الاتحاد الديموقراطي من الهيئة مقابل دعم تركيا للهيئة.

3- ممارسة المزيد من الضغط على أكراد العراق وتحديدا على الرئيس السابق لإقليم كردستان مسعود البارزاني من أجل دعم الأحزاب الكردية السورية المنضوية في الائتلاف السوري (أحزاب المجلس الوطني الكردي) مقابل الضغط على حزب الاتحاد الديموقراطي الذي تعده تركيا الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني وذلك بغية تعميق الخلافات الكردية– الكردية وقطع الطريق أمام حزب الاتحاد الديموقراطي في السيطرة على المناطق الكردية .

4- الدعم التركي العلني لفصائل الجيش الحر خلال هجوم الأخير على مدينة رأس العين الكردية عام 2012 وذلك كي لا تقع المنطقة تحت سيطرة حزب الاتحاد الديموقراطي الذي كان قد بدأ بتشكيل جناحه العسكرية وحدات حماية الشعب.

5 – استدعاء تركيا مرتين لرئيس حزب الاتحاد الديموقراطي السابق صالح مسلم إلى تركيا، وفي المرتين اجتمع مسلم مع مسؤولين من الاستخبارات والخارجية التركيتين، حيث طلب منه الانضمام إلى المعارضة المسلحة لإسقاط نظام الأسد، ولكن الطلب التركي قوبل بالرفض بسبب عدم تقديم تركيا ضمانات بشأن الحقوق القومية للكرد في حال سقوط النظام السوري.

في الواقع، هذه الخطوات المبكرة شكلت جوهر السياسة التركية تجاه المكون الكردي، قبل أن تشهد الأزمة السورية تطورات ميدانية وسياسية كبيرة، جعلت من تركيا تقفز فوق استراتيجية إسقاط النظام، وتجعل أولويتها الأساسية هي محاربة المكون الكردي، لكن العقبة الأكبر التي برزت في هذا المجال هو التحالف الذي نشأ بين الكرد والإدارة الأميركية بعد معركة كوباني– عين العرب، وهو التحالف الذي نجح في إلحاق الهزيمة بداعش في العديد من مناطق شمال شرق سورية، وقد استفاد الأكراد من هذه الانتصارات في توسيع مناطق نفوذهم في شمال شرق سورية إلى درجة أن التقديرات تشير إلى وحدات حماية الشعب وقوات سورية الديموقراطية باتت تسيطر على نحو 30 في المئة من الأراضي السورية، حيث تعد المناطق الواقعة تحت سيطرتهم هي الأغنى لجهة احتواءها على كميات من النفط والغاز والمياه (نهرا دجلة والفرات)، وقد تحول الدعم الأميركي لكرد سورية إلى مشكلة خلافية في العلاقات التركية – الأميركية، كان الكرد المستفيدون الأكبر منها.

وعلى الرغم أن عفرين معزولة جغرافيا عن باقي الكانتونات الكردية في سورية أي كوباني– عين العرب والجزيرة، إلا أنها تحتل أهمية استراتيجية كبيرة في المشروع الكردي، نظراً إلى أنها تشكل الجسر الجغرافي لإيصال هذا المشروع بالبحر إذا ما أتيحت الظروف له، وهو في الوقت نفسه يشكل هاجس تركيا الدائم، إذ إن تحقيق مثل هذه الخطوة سيخرج الأمور عن سيطرة تركيا وسيصبح الكيان الكردي المنشود واقعاً على الأرض، وربما تصبح الفيديرالية على طاولة تسوية الأزمة السورية، وعليه فان مصير عفرين يقع في صلب السياسة التركية المقبلة، وذلك لأسباب كثيرة، لعل أهمها: أن تركيا التي سيطرت على مدينة الباب عبر عملية «درع الفرات»، ترى أن هدفها الأساسي من العملية لم يتحقق بعد، إذ إن إمكانية وصل عفرين بشرقي الفرات ما تزال قائمة، ما دامت منطقة منبج ومعها مثلث الشيخ عيسى وتل رفعت تقع تحت سيطرة قوات سورية الديموقراطية، وتطلع الأخيرة إلى ربط هذه الكانتونات وإيصالها بالبحر كما صرح به العديد من المسؤولين الأكراد.

كما أن تركيا التي أُبعدت من معركة تحرير الرقة من داعش بقرار أميركي، ترى أن مرحلة ما بعد تحرير الرقة ستؤدي إلى توجيه الثقل الكردي نحو عفرين، وعليه ترى بأن عملية عسكرية للسيطرة على عفرين ستكون خطوة استباقية استراتيجية لمنع تمدد المشروع الكردي وقطع الطريق أمامه نهائياً.

يضاف إلى ذلك أن السيطرة على عفرين، ستتيح لتركيا مكاسب استراتيجية على الأرض لجهة الربط بين مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي مع محافظة إدلب، وهو ما سيزيد من نفوذ تركيا ودورها في مجمل الأزمة السورية، بل ربما ترى في ذلك تعويضا عن خسارتها لمعركة حلب لصالح النظام وحلفاؤه.

ومن الواضح أن استراتيجية أنقرة التحرك عسكريا نحو عفرين مرتبط بالتفاهمات على محور موسكو– طهران، إذا ثمة مصالح مشتركة بين هذه الأطراف، فعلى الأقل ترى هذه العواصم موسكو أن خطوة واشنطن إنشاء قوة حرس حدودية في المناطق الشرقية الشمالية تهديدا لاستراتيجيتهم المستقبلية تجاه الأزمة السورية.

في الواقع، في ظل إحساس تركيا بأن حدودها الجنوبية باتت تحت سيطرة الكرد السوريين، ربما وجدت أن تكلفة عدم القيام بعملية عسكرية باتت أكثر تكلفة من الانتظار، مع أن لا أحداً يعرف كيف ستمضي معركة عفرين خاصة أن الأكراد يرون أن معركة عفرين هي استمرار لمعركة صمودهم وانتصارهم في كوباني– عين العرب.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

تركيا في عفرين/ سلامة كيلة

أخيراً تقدمت القوات التركية للسيطرة على عفرين في سورية، وهي تهدد بالزحف نحو منبج، حيث تريد السيطرة على المناطق الحدودية من إدلب إلى جرابلس، “لكي تمنع قيام كيان كردي”، كما قالت منذ دعمت تقدّم بعض الفصائل المسلحة نحو جرابلس، وصولاً إلى الباب.

كانت تركيا في علاقة جيدة جداً مع النظام السوري، وحصلت منه على اتفاق استراتيجي أدى إلى زيادة ضعضعة الاقتصاد السوري. وحاولت إقناع النظام، حين انفجار الثورة، بضرورة التحوّل إلى نظام تعدّدي، لكن فشلها في ذلك دفعها إلى أن تحاول “قطع الطريق” على تدخلات “خارجية”، تُفقدها سورية سوقاً اقتصادياً وطريقاً لسلعها إلى الخليج، لهذا، اندفعت إلى تشكيل بديلها (المجلس الوطني)، وحاولت فرضه ممثلاً للثورة، وبديلاً للنظام في حال جرى أي تدخل عسكري خارجي. وقد اكتشفت أن أحداً ممن توقعت يريد التدخل، وأن أميركا (كانت تفترض أنها ستتدخل) قد ساومت روسيا  و”باعتها” سورية. لهذا لعبت هي بتنظيم داعش وجبهة النصرة، وسهّلت نشاطهما لـ “تخريب” السياسة الأميركية. وفي صراعها من أجل فرض “أحقيتها” في سورية، اصطدمت مع روسيا عسكرياً، لكنها تراجعت وباتت في تحالفٍ معها.

وبالتالي، انطلقت تركيا من مصالحها، وليس دعماً لثورة الشعب السوري، وهذا يجب أن يكون واضحاً جداً، لأنه يعني أن نفهم ما تقوم به انطلاقاً من هذا الأساس. ويمكن تلخيص مصالحها في مسألتين: اقتصادية، حيث كانت سورية مجالاً مهماً لشركاتها. ومنع قيام كيان كردي على حدودها الجنوبية. في المستوى الاقتصادي، باتت ملزمة بالتنسيق مع روسيا، ويبدو أنها تريد عقود إعادة الإعمار في الشمال، وطريقاً لسلعها الذاهبة إلى الخليج، والتي باتت تمرّ بطرق معقدة. وقد باتت روسيا المعنية بتوزيع الحصص فيما يتعلق بإعادة الإعمار، وهي المقرّر في حدود الدور التركي في سورية كذلك. لهذا عقدت مساومتين مع تركيا. الأولى تسليم حلب مقابل السماح لها بالتقدم نحو جرابلس/ الباب. والثانية ما يجري الآن من تسليم إدلب في مقابل سيطرتها على عفرين.

لا علاقة لذلك كله بالثورة السورية، على الرغم من أن تركيا استخدمت كتائب مسلحة “تنتمي للثورة”. وباستخدامها هذا، أضعفت جبهة حلب في حينها، وهي تضعف جبهة إدلب الآن. هذه مساومات سماسرة وليست دعماً للشعب السوري، وهي عملية احتلالٍ، كما فعلت روسيا وفعلت أميركا وإيران.

الآن، لا شك في الدور السلبي والسيئ لحزب الاتحاد الديمقراطي وقوات سورية الديمقراطية، سواء بالتعامل مع الثورة، حيث كان الحزب ينسق مع النظام، أو كونه بات أداة أميركية في السيطرة على الشرق السوري الغني بالنفط (كانت تستثمره شركات أميركية، ويبدو أن أميركا عادت لتسترجعه أو تساوم روسيا به، كون روسيا حصلت على حقوق الاستثمار بعد انسحاب الشركات الأميركية). وهو يمارس استبدادية مفرطة، على الرغم من أنه يتزين بالديمقراطية، وأيضاً “عنصرية” ضد قرى عربية، وهو بدعم أميركي يريد السيطرة على مناطق عربية، وليس فقط المناطق التي يسكنها أكراد، وأسموا ذلك: روجآفا، ثم حوّلوها إلى فيدرالية شعوب، بعد أن ظهر أن الوجود العربي السرياني لا يسمح سوى بالسيطرة على مناطق محدودة.

لا يجب أن ينعكس ذلك كله على مجمل الأكراد، حيث عانى كثيرون منهم من اضطهاد حزب الاتحاد الديمقراطي. ولا يجب أن يُقبل أي قصف أو تهديد لمناطقهم. وإذا كنا نرفض تدخل أميركا وروسيا وإيران، لا يجب أن نقبل تدخل تركيا. على العكس، تريد تركيا الآن تسلم مناطق كانت خارج سلطة النظام. بالتالي يجب أن نكون ضد كل ما تفعل، كما ضد قوات حزب الاتحاد الديمقراطي (بي يي دي)، ومع السوريين في عفرين. وإذا كانت سياسة “بي يي دي” سهّلت تدخل تركيا، وربما جعلت سوريين يقبلون التدخل التركي، فإن هذا التدخل، منذ جرابلس، هو ضد الثورة. بالتالي، إذا كنا ضد فيدرالية سورية الديمقراطية وسياسات “بي يي دي”، لا يجوز أن نقف مع دولةٍ تحتل أرضاً سورية، بسبب مصالحها هي.

العربي الجديد

 

 

 

عفرين وحرب «غصن الزيتون»/ بكر صدقي

صحيح أن جميع المبادرين إلى الحروب يغطون دوافعهم العدوانية بمبررات مصطنعة غالباً، وشعارات مفارقة لاستهلاك الرأي العام، ولكن يبدو أن تركيا تتفوق في هذا الميدان على الجميع. فمن كان يخطر بباله تحويل الرمز الأشهر للسلام والوصول إلى بر الأمان بعد الطوفان، على ما تخبرنا قصة سفينة نوح، إلى اسم لحرب عدوانية خارج الحدود، غير تركيا صاحبة السابقة القبرصية، حين اجتاح الجيش التركي الجزيرة الصغيرة بعملية عسكرية أطلق عليها اسم «عملية السلام لقبرص» التي ما زالت تذكر في جميع المصادر التركية، إلى اليوم، بهذا الاسم؟

لا شك أن شجر الزيتون الذي تشتهر به منطقة عفرين أوحى لمتخذي القرار بهذه التسمية الآيرونية، في حين رأت مجلة دير شبيغل الألمانية فيها غصن زيتون تمده أنقرة إلى النظام الكيماوي القابع في دمشق، بعد سبع سنوات من العداء المعلن. ألم يعلن رأس النظام، قبل حين، القوات الكردية المتحالفة مع الأمريكيين بوصفهم عملاء، وعن نيته في استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية؟ وبالنظر إلى عجز النظام عن تنفيذ تهديداته الخلبية بشأن الشمال، هو العاجز عن السيطرة على جوار عاصمته نفسها (معركة إدارة المركبات مثلاً)، فها هي تركيا تقوم بالمهمة بدلاً منه. دون أن ننسى المسار الطويل والمتعرج لعودة العلاقات بين الطرفين، بإشراف روسي، منذ اعتذار أنقرة من موسكو، تموز/يوليو 2016، على إسقاط طائرة السوخوي الروسية.

غير أن هذه القراءة لرمزية غصن الزيتون، من دير شبيغل، لا تفي العملية العسكرية التركية حقها من التحليل. فأن يحصل أردوغان على ضوء أخضر من واشنطن وموسكو معاً، ومن قسم كاسح من الرأي العام المحلي، بعد فترة طويلة من التوتر مع واشنطن، ومن الاستتباع لموسكو، ومن شبه عزلة داخلية باستثناء قاعدته الثابتة من الموالاة، فهذا ما يحتاج إلى تفسير، علماً بأن الجهة الوحيدة التي أبدت اعتراضها على عملية عفرين هي إيران وتابعها السوري.

بالنسبة لهذا الأخير، قيل إن موسكو طلبت من حزب الاتحاد الديمقراطي تسليم المنطقة للنظام لتجنب الاجتياح التركي، فرفض الحزب الأوجالاني هذا العرض. لكن الأمر ربما يتجاوز موضوع عفرين إلى محافظة إدلب المجاورة التي تسيطر عليها فصائل إسلامية محسوبة على أنقرة، أبرزها جبهة تحرير الشام (النصرة سابقاً). وبالقياس إلى واقعة تسليم شرقي حلب إلى النظام، مقابل التوغل التركي وصولاً إلى مدينة الباب، أواخر 2016، يمكن الافتراض أن روسيا وافقت على فتح المجال الجوي أمام الطيران التركي لضرب عفرين، وسحبت قواتها المتمركزة في بلدة كفرجنة، مقابل سحب أنقرة لفيلق الشام وفصائل أخرى من جبهة جنوب إدلب إلى جبهة عفرين. هذا ما يفسر انقلاب موازين الصراع في الجبهة الأولى لمصلحة النظام، بعدما تكبدت قواته المهاجمة خسائر كبيرة على أيدي «الفيلق» وحلفائه من الفصائل، بصورة متزامنة مع بدء عملية غصن الزيتون الدامي.

المفاجئ أكثر كان الموقف الأمريكي. فقد تخلت واشنطن عن حليفها الكردي بصورة صادمة لهذا الأخير، حين أعلنت صراحةً عن أن منطقة عفرين هي خارج منطقة عمليات التحالف. صحيح أن التصريح لم يأت بجديد، بالنظر إلى أن الأمريكيين سبق وحددوا منطقة نفوذهم بشرقي نهر الفرات، لكن القوات الكردية المسيطرة على عفرين هي امتداد لتلك التي قاتلت داعش من أجل الأمريكيين طوال السنوات الثلاث الماضية.

يمكن تفسير الموقف الأمريكي على أنه محاولة لرأب الصدع مع أنقرة وإبعادها عن موسكو. فتركيا، بموقعها الاستراتيجي ووزنها العسكري وانتمائها إلى العالم الإسلامي، تبقى محافظة على أهميتها بالنسبة لواشنطن، على رغم كل الفتور والتوتر السابقين بين البلدين. وبما أن «دولة داعش الإسلامية» تم القضاء عليها، إلى حد كبير، في كل من العراق وسوريا، يمكن القول إن أهمية الحليف الكردي بالنسبة لواشنطن قد تراجعت عما كانت عليه قبل ذلك. من غير أن يعني هذا استغناء أمريكياً كاملاً عنه. فالاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سوريا لا تكتفي بالقضاء على داعش، بل تسعى إلى بقاء عسكري مديد شرق نهر الفرات، ومناطق أخرى، بما يوازن الوجود العسكري الروسي، وصولاً إلى «انتقال سياسي» في سوريا، يتضمن إبعاد النفوذ الإيراني.

كان لافتاً أن لوم الناطقين باسم حزب الاتحاد الديمقراطي وإعلامه قد انصب على موسكو أكثر مما على واشنطن، مما يشير إلى أن الخيارات الضيقة التي تركت له (بين موسكو وواشنطن) ربما تدفعه إلى القطيعة مع الروس واستمرار التحالف مع الأمريكيين، بصرف النظر عن مصير عفرين غير القابل للتكهن الآن.

ذلك أن من سيرسم هذا المصير ليس تركيا ولا حزب الاتحاد الديمقراطي. فالعمليات العسكرية ستتوقف، بعد فترة لن تطول، بتسوية ما بين الروس والأمريكيين. واضح أن الأمريكيين لن يمدوا منطقة نفوذهم غرباً من أجل منطقة صغيرة معزولة، فهذا أمر مكلف سياسياً. لكنهم يستطيعون كف يد أنقرة عن عفرين بتسليمها لنظام دمشق الكيماوي، الأمر الذي يناسب روسيا أيضاً، وكذلك تركيا. ولكن ليس بلا مقابل طبعاً. والمقابل الظاهر منذ الآن هو العودة إلى مسار جنيف، والتخلي عن مشروع سوتشي للحل الروسي. ولعل في انعقاد الاجتماع القادم في فيينا، بدلاً من جنيف، رسالة تعني العودة إلى تفاهمات فيينا الدولية بشأن سوريا، قبل 3 سنوات، التي ولد منها قرار مجلس الأمن 2254 الصادر في 18/12/2015.

داخلياً، ذهبت الحكومة التركية بعيداً جداً في استخدام عملية عفرين في الصراع السياسي الداخلي. فقد هدد أردوغان علناً أي محاولة للنزول إلى الشارع تنديداً بالحرب على عفرين. وبالفعل تم قمع عدة محاولات للتجمع في إسطنبول وأنقرة من قبل ناشطين من البيئة الكردية. وتجاوز عدد حالات التوقيف بسبب مشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي التسعين حالة، بينها الصحافية نورجان بايصال التي حطمت الشرطة بابها واعتقلتها، إضافة إلى عدد من نواب حزب الشعوب الديمقراطي في البرلمان. وبلغت حالة الهياج ذروتها حين دعا مقدم برامج إذاعية إلى قتل كل من يرفض العملية العسكرية، سواء كانوا صحافيين أو نواباً في البرلمان. ومن طرائف تصريحات أركان الحكم بشأن العملية، قول الناطق باسم حزب العدالة والتنمية إن عناصر داعش قد حلقوا لحاهم، في عفرين، وتنكروا في هيئات مقاتلي وحدات حماية الشعب!

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

 

معركة عفرين والأسبوع الأول الساخن/براء صبري

يكتمل الأسبوع الأول من المعارك في عفرين، بين تركيا والجماعات السورية المعارضة القريبة منها وبين قوات سوريا الديمقراطية التي تشكل وحدات حماية الشعب عمادها، من نهايته. تلك المعارك التي ما زالت محصورة في الأطراف الحدودية لمنطقة عفرين، حيث عمليات الكر والفر مستمرة بين الجانبين. تلك العمليات التي تجدها تركيا ضرورية لحماية أمنها القومي يجدها الأكراد مصيرية لمستقبلهم الشامل في سوريا. الطرفان المتحاربان في عفرين يعانيان من زوايا مختلفة عن بعضهما البعض، فتركيا بدأت تسمع سؤالا من داخلها عن سبب فشلها في التقدم ببقعة جغرافية صغيرة كعفرين رغم كل التبجح الصادر من الرئاسة والخارجية كل هذه المدة، وكذلك من الخارج حيث بدأ الضغط الدولي لوقف العمليات يزداد على أنقرة، في المقابل بدأت المنطقة الكردية المحاصرة في أقصى الشمال الغربي السوري تشعر بالمسؤوليات الصعبة لإدارة الحالة الإنسانية هناك حيث المنطقة التي تحتوي بالإضافة إلى عشرات الآلاف من سكان المنطقة الأصليين آلاف النازحين السوريين الهاربين من مناطق الاحتدام بين النظام والجماعات المعارضة له. ومع الوقت تزداد الأسئلة عن الزمن المتوقع لنهاية العمليات، وعن تبعاتها الوخيمة على الناس هناك، وعن النتائج المتوقعة منها.

روسيا الصامتة والمتهمة

كانت عفرين التي تتصدر الأخبار حالياً حتى الوقت القريب في ميزان النفوذ على سوريا ضمن النفوذ الروسي، وكانت القوات الكردية هناك تلقت الدعم الجوي الروسي في معاركها قبل شهور في تل رفعت ومنغ وغيرهما. روسيا التي كانت تملك قاعدة عسكرية هناك قررت مع بدء العمليات نقلها إلى تل رفعت، وهو ما اعتبرته قوات سوريا الديمقراطية ضوءا أخضر روسيا للأتراك لبدء الهجوم. روسيا التي اتهمت أمريكا بالتسبب في هذه الأزمة نتيجة دعمها المفرط للأكراد ظلت ساكتة على العمليات طيلة هذه الأيام، وهو بحد ذاته عزز الفكرة التي تتحدث عن رغبتها في الضغط على الأكراد لتسليم مناطقهم للنظام أو أضعافهم قدر المستطاع على يد تركيا في حالة رفضهم لتسليم عفرين للنظام نكاية بواشنطن، وهو ما رفضه علنية الساسة الكرد هناك. وإذا كان الرفض الصادر من القيادة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية صحيحاً، فهذا يعني أن الإدارة الذاتية وصلت لمستوى إعلان الخروج من مخاوفها من النفوذ الروسي في سوريا. لا يعني هذا الحديث أن تلك القيادة تستخف بروسيا، ولكن، الحديث هنا عن أنها ثبتت بوصلة العلاقات الخاصة بها مع الخارج، ولم تعد هناك حاجة للتوازن القلق لعلاقاتها مع الخارج. أصبحت البوصلة مع الغرب تماماً باستثناء لندن ذات العقل السياسي التقليدي. قوات سوريا الديمقراطية فيما يبدو قررت خوض المعركة والإنتصار فيها وحيدة لرفع الحرج عن أمريكا أمام تركيا، وللتخلص من الترهيب الروسي بتركيا لها في عفرين البعيدة عن مراكزها الرئيسيّة، ولسحق ما تبقى من نفس تركي باحتلال شمال سوريا، وللقضاء على آخر تطلعات لواحقه من جماعات المعارضة المسلحة هناك.

النظام والمكتسبات

وترافق الهجوم على عفرين من قبل الجماعات المعارضة ذات النفس المذهبي وتركيا على عفرين دخول قوات النظام إلى مطار أبو الضهور العسكري في إدلب. المطار الذي حاول النظام والجماعات الحليفة معه السيطرة عليه طيلة الفترة الماضية، ظل عصياً عليهم حتى موعد بدء العلميات في عفرين وهو ما زاد الاعتقاد على حدوث صفقة بين روسيا والنظام من جهة وبين تركيا والمعارضة السورية القريبة منها من جهة أخرى، حيث تسمح روسيا لتركيا بالهجوم على عفرين وتغض تركيا والمعارضة المسلحة النظر عن هجوم النظام على أبو الضهور في تكرار لسيناريو جرابلس مقابل شرق حلب الشهير حينها. وما كان التصريح الصادر من هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) التي تقاتل في إدلب عن تواطؤ بين بعض جماعات الجيش الحر والنظام للسيطرة على أبو الضهور في مقابل تحرك هؤلاء للهجوم على عفرين إلا واحدا من الأدلة التي ترجح تلك الصفقة. التصعيد الصادر من دمشق ضد أنقرة قبل بدء العمليات في عفرين خفت مع الوقت، وتحدثت الإدارة الذاتية عن أن دمشق أبلغتهم أن روسيا لم تسمح لهم المساعدة في الدفاع عن عفرين، وكان البيان الذي نشرته وكالات الإعلام عن نداء من قبل الإدارة الذاتية في عفرين للنظام على ضرورة الدفاع عن حدوده في وجه تركيا جزءا من الحرب الإعلامية التي تحاول من خلالها القوات الكردية تجريد النظام من حقيقته التي يتبجح بها وهي اهتمامه بالسيادة الوطنية لعموم البلاد. وتتحدث الكثير من القراءات التحليلية عن معرفة الإدارة الذاتية المسبقة بعدم تحرك النظام ولكنهم رغبوا بتوضيح ذلك للرأي العام السوري والعالمي من خلال تكذيب خطاب النظام المفرط عن وقوفه في وجه التدخلات الإقليمية في البلاد وخاصةً أن عفرين محاصرة من ثلاث جهات من المهاجمين والجهة الرابعة هي مع النظام الذي يرفض حتى تقديم الدعم الإنساني للمدينة من خلال الهلال الأحمر السوري. البيان الذي تحدثت المصادر الكردية عن تأطيره للتدخل المطلوب من النظام بمجرد الانتشار على الحدود دون تسليم عفرين بالكامل له هو تظهير رسمي للصفقة السياسية بين تركيا وروسيا والنظام، وهو تجريد للحجج التي سيقدمها النظام في طاولة المفاوضات للعودة لعفرين فيما بعد ضمن مفهومه المركزي لسيادة الدولة.

الجماعات المعارضة

المعارك التي تحدث في عفرين لن تأتي في ما يبدو مع مرور الأسبوع الأول بالنتائج المرجوة منها للمعارضة المسلحة والهيئات السياسية التي تغطيه من شاكلة الائتلاف السوري المعارض. المعارضة المسلحة المشاركة في المعارك في عفرين والتي تتألف حسب تقرير صادر من «بي بي سي» من «لواء السلطان مراد» التي  تشكلت نتيجة اندماج مجموعات «لواء السلطان محمد الفاتح» في ريف حلب ولواء «الشهيد زكي تركماني» ولواء «أشبال العقيدة « مع قوات «السلطان مراد» ومن «فرقة الحمزة» وهي جماعة دربتها تركيا وأعلنت عن تأسيسها في نيسان/ابريل 2016 وانضمت إليها جماعة تركمانية تدعى «لواء سمرقند» نسبة إلى مدينة سمرقند في أوزبكستان، ومن «فيلق الشام» وهي عبارة عن اتحاد 19 فصيلا إسلاميا مقربا من جماعة الإخوان المسلمين السورية في حلب، وإدلب، وحمص، وحماة، ومن «حركة نور الدين الزنكي» التي تحالفت لفترة طويلة مع هيئة تحرير الشام «جبهة النصرة» ومن حركة أحرار الشام السلفية التي نشأت في السنوات الأولى من الأزمة السورية وذلك باتحاد أربع مجموعات جهادية هي «كتائب أحرار الشام، وحركة الفجر الإسلامية، وجماعة الطليعة الإسلامية وكتائب الإيمان» والتي تتبع لجماعة الإخوان المسلمين، ومن «لواء صقور» الجبل، ومن الجبهة الشامية ذات التشكيل السلفي، كلها ذات نفس عرقي (تركماني) وذات نفس مذهبي (سني) وهي مجتمعة حسب المتابعين تعاني عقدة الهزيمة المتكررة أمام النظام وروسيا وحزب الله. هجوم هؤلاء تحت الغطاء التركي، وبموافقة روسية، وبصمت من النظام في دمشق، لن تجد في تلك المعارك أي فائدة مرجوة منها في صراعها مع النظام حسب العديد من المتابعين، بل هي فقط على ما يبدو عملية تقديم خدمة لأنقرة من دون مقابل، بل حتى تقديم خدمة مع خسائر في جغرافية السيطرة لصالح النظام. قتلى تلك الجماعات رغم الدعم التركي تزيد عن خسائر الوحدات الكردية العسكرية وهو ما أكده المرصد السوري لحقوق الإنسان في تقريره الأخيرعن المعارك هناك حيث فقدت المعارضة المسلحة خمسين مقاتلا مقابل أربعين للوحدات الكردية. مصداقية تلك الجماعات في الحضيض في الشارع الكردي وهم أصبحوا جزءا من منظومة الأعداء بالنسبة لمعظم الجهات السياسية والشعبية للمجتمع الكردي ككل. ولا يعلم ما الموقف الذي ستكون عليه تلك الجماعات إذا صمدت قوات سوريا الديمقراطية حتى توقف المعارك وكيف ستواجه الشارع السوري ككل. وما زال الحديث عن سبب بقاء تلك الجماعات صامتة لشهور رغم جوارها الملاصق للنظام في شمال حلب رغم ادعائها الثورية والمعارضة له، وبين اختيارها للهجوم لجغرافية تعتبر آمنة، وليست تحت سيطرة النظام، وتحتوي العديد من النازحين السوريين، وهو ما يزيد من ريبة الأكراد والعديد من حلفائهم العرب بمن يسمون نفسهم بالمعارضة الثورية المسلحة التي تهاجم عفرين.

ويترقب الأكراد وحلفاؤهم العرب الموقف الأمريكي من الهجوم على عفرين. فالولايات المتحدة التي تعتبر قوات سوريا الديمقراطية حليفها الموثوق والوحيد في عموم سوريا محرجة من كيفية تحقيق التوازن بين حليفتها في الناتو «تركيا» وبين حلفائها في سوريا «قسد». ولكن، مع اشتداد المعارك، ومرور الوقت، وزيادة عدد القتلى والنازحين، يزداد غضب واشنطن على أنقرة، وخاصة أنها تجد في الهجوم التركي خديعة روسية لها. وكان الاتصال الأخير لترامب الغاضب مع أردوغان جزءا من الإشارات الأمريكية لتركيا بضرورة ضبط النفس، وكان اللغط الصادر عن فحوى المحادثة صورة من صور الخلاف الحاد بين الطرفين. أمريكا التي تخشى أن يدفع جمودها في وجه تركيا لأن تفقد ثقة حلفائها في «قسد» وأن يزيد ذلك من تمدد النظام وإيران في مناطق جديدة في سوريا تبحث عن مخرج غير محرج للجميع. وطلبت واشنطن رسمياً من تركيا ان تكون عملياتها محدودة ومؤطرة زمنياً، ويسمع في بعض الزوايا عن تحفيزها «قسد» بالصمود قدر المستطاع لأنها تدرك أن أي خسارة لقوات سوريا الديمقراطية في عفرين قد تتبعها خسارات أخرى في منبج وغيرها، وقد تؤسس لظهور «داعش» من جديد. وتحاول واشنطن الدفع بفرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الفاعلة للتنديد بالعمليات التركية لتوسيع دائرة الضغط على أنقرة لوقف العمليات، ولعدم حصر السجال بينها من جهة وبين أنقرة وموسكو من جهة ثانية.

لا يمكن التصور بقبول الأكراد لسيطرة المعارضة السورية المسلحة على مناطقها مع كل هذه التساؤلات المريبة عن تلك الجماعات، ولا يمكن للولايات المتحدة القبول بزيادة نفوذ دمشق، وطهران، وموسكو، على حساب حلفائها الوحيدين في سوريا. ومع مرور الأسبوع الأول من المعارك بدأ الهيجان الذي تبع إعلان العمليات العسكرية التركية المرفقة ببعض التوابع من السوريين في «عفرين» يخفت مع الوقت. محافل المعركة والتحرك البطيء للقوات التركية يحرج حلفاء تركيا من السوريين التائهين ومنصات الإعلام التابع لهم، والحمل الأعلى هو على المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية في مقاطعة عفرين التي تسعى وحيدة على تدبير الاحتياجات الخاصة للناس هناك. الحديث عن هزيمة عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية هناك بدأ في الغياب فيما يبدو، والحديث الحالي هو عن كيفية إيجاد نهاية للمعارك بصورة تخرج فيها تركيا غير محرجة لأن الجميع يعلم مدى غرورها السياسي. التصريحات الفضفاضة للخارجية والرئاسة التركية تجلب الحرج للعسكريين المتوترين بكيفية تحقيق التوازن بينها وبين الحقائق العسكرية على الأرض، وبين الضغوط الصاعدة على تركيا من دول العالم لوقف تلك العمليات. ولم تتجاوز تركيا بضعة كيلومترات داخل «عفرين» البعيدة أصلاً عن مراكز قوات سوريا الديمقراطية كل هذه الأيام، وما زالت الرئاسة التركية والخارجية تتحدث عن عملية سريعة للسيطرة على عفرين ومعها منبج وكأنها تنسى عدد الأيام التي مرت وعدد القتلى في صفوف توابعها من السوريين.

القدس العربي

 

 

 

 

عملية غصن الزيتون العسكرية التركية.. دوافع ومبررات قانونية/ وسام الدين العكلة

حسمت أنقرة، أخيرا، قرارها، بعد تنسيق دبلوماسي عال مع الأطراف الدولية الفاعلة في الشأن السوري، وشنّت عمليتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني (PKK) والوحدات المرتبطة به المسيطرة على عفرين في شمال سورية، وعدد من القرى والبلدات المحيطة بها تحت اسم “غصن الزيتون”. وعلى الرغم من أنّ العملية في بدايتها، وبالتالي لا يمكن الحكم عليها، أو التكهن بخواتيمها، فإنّ الخطة التركية، كما يبدو، تسير كما هو محدّد لها، من دون أيّة خسائر تذكر حتى تاريخه، وهذا لا يعني أنّ العملية سهلة من الناحيتين، العسكرية والميدانية، لعدّة أسباب، أهمها الطبيعة الجغرافية الجبلية التي تتمتع بها عفرين، والتي تختلف تماماً عن سابقتها في عملية درع الفرات، والخبرات العسكرية التي يتمتع بها عناصر وحدات حماية الشعب الكردية، خصوصاً على صعيد الحرب غير التقليدية المتمرسين عليها، والأسلحة النوعية التي زوّدتهم بها الولايات المتحدة الأميركية. وتدرك أنقرة هذا الأمر جيداً، خصوصاً في ضوء تقارير عن امتلاك هذه الوحدات أسلحة متطورة مضادة للطائرات والدروع، تم تهريبها إلى عفرين، قبيل انطلاق العملية بأيام قليلة، لذلك حشدت أنقرة نحو 25 ألف جندي من فصائل الجيش الحر، للمشاركة في العملية، إلى جانب القوات الخاصة التركية، ووضعت خطة محكمة، لتفادي أضرار هذه الأسلحة، معلنة أن العملية ستتم على أربع مراحل.

وتقول أنقرة إنّ هذه العملية لا تستهدف وحدة الأراضي السورية، مؤكدة رفضها القاطع تشكيل حزام إرهابي قرب حدودها الجنوبية، وعدم رضوخها لسياسة الأمر الواقع التي حاول حزب العمال الكردستاني، وبعض الأطراف الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، فرضها من خلال السيطرة على الشريط الحدودي المحاذي لتركيا، وإعلان الولايات المتحدة تأسيس جيش من 30 ألف جندي، قوامه قوات سورية الديمقراطية تحت اسم “جيش الشمال”، ويبدو أنّ هذا الإعلان الأميركي هو ما سرّع انطلاق عملية “غصن الزيتون”.

حتى الآن، تتماشى الردود الدولية والداخلية مع العملية التركية، على الرغم من

“تمتلك أنقرة أوراق ضغط جعلت جميع الأطراف تقف إلى جانبها، حتى حلفاء حزب العمال الكردستاني الذين تخلوا عنه”

انتقادات المحدودة، والمطالبات بسرعة الانتهاء منها، وحصرها في نطاق جغرافي وزمني محدّدين، ما يدل على امتلاك أنقرة أوراق ضغط جعلت جميع الأطراف تقف إلى جانبها، حتى حلفاء حزب العمال الكردستاني الذين تخلّوا عنه، عندما دقت أنقرة ساعة الصفر، لبدء العملية، وتمثل ذلك بانسحاب قوات الشرطة العسكرية الروسية التي كانت متمركزةَ في بلداتٍ تسيطر عليها المليشيات التابعة للحزب، وإنزال الأعلام الروسية عن المناطق التي انسحبت منها، لإفساح المجال أمام تقدم القوات البرية التركية، وفتح الأجواء السورية أمام الطائرات التركية لشن هجماتها الجوية.

ويبدو أنّ الموقف الأميركي أيضاً جاء مخيباً للأكراد الذين توهموا أن من مدّهم بالسلاح لمقاتلة “داعش” سيوفر لهم حصانة ضد أي عملات عسكرية قد تستهدفهم، خصوصا من عدوهم اللدود تركيا، وهو ما عبّر عنه صراحة السفير الأميركي السابق في سورية، روبرت فورد، في حديث له نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 19 يونيو/ حزيران الماضي، حين قال “إنّ ما تقوم به الولايات المتحدة مع الأكراد ليس فقط غباءً سياسياً، بل غير أخلاقي. استخدم الأميركيون الأكراد سنوات طويلة خلال حكم صدام حسين، هل تعتقد أن الأميركيين سيعاملون حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب في شكل مختلف عما عامل به وزير الخارجية الأسبق، هنري كيسنجر، الأكراد العراقيين عندما تخلّى عنهم؟ بصراحة، قال مسؤولون أميركيون لي ذلك، الأكراد السوريون يقومون بأكبر خطأ لدى ثقتهم بالأميركيين”. وأكد فورد أنّ واشنطن ليست في وارد استخدام الجيش الأميركي للدفاع عن إقليم كردي في شمال سورية.

المبرّرات العسكرية للتدخل المباشر

منذ بداية تأسيس الجمهورية التركية، عملت المؤسسة العسكرية تحت شعار “سلام في الداخل، سلام في الخارج”، الذي أطلقه مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك، معتبراً ذلك مدخلاً ضرورياً لمرحلة التأسيس. وقد قدّم فيها سلام الداخل على سلام الخارج، معتبراً أنّ إنجازه في الداخل يؤمن بالضرورة بالسلام في الخارج. وبناءً على هذه المقولة، سعى أتاتورك إلى تصفير المشكلات مع دول الجوار والانفتاح على الغرب، وتحويل كلّ الطاقات والجهود إلى الداخل التركي، لتثبيت أركان الحكم وبناء الدولة. وبالفعل، منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923 حتى وقت قريب، لم يشارك الجيش التركي في أيّ عملية خارج حدود البلاد، من دون إطار

“مع انحسار تهديد “داعش”، شعرت أنقرة أنها الوحيدة التي لا تزال تتعرّض لتهديدات إرهابية حقيقية”

الشرعية الدولية، عدا المشكلة القبرصية عام 1974، والتي جاءت بعد الانقلاب الذي قاده ضباط من القبارصة اليونانيين، كما لم يشن الجيش التركي أيّ عمل عدائي ضد جيرانه، أو التهديد باستخدام القوة، باستثناء توافقات أمنية جرت بين الحكومة التركية والنظام العراقي السابق في تسعينيات القرن الماضي، ومنحت الجيش التركي حرية التوغل داخل الأراضي العراقية لمسافة تصل أحياناً إلى 25 كلم، لملاحقة فلول حزب العمال الكردستاني، واتفاقية أضنة الأمنية لعام 1998 التي وقعت بين تركيا والنظام السوري لمكافحة الإرهاب الذي كان يستهدف الأمن القومي التركي حينذاك، والمتمثل بنشاط عناصر حزب العمال الكردستاني الذي كان ينشط بقوة على الأراضي السورية، وأفضت الاتفاقية إلى طرد زعيم الحزب ومؤسسه، عبد الله أوجلان، من سورية، واعتقاله لاحقاً في عملية استخباراتية في كينيا.

ومنذ بداية الثورة، حاول النظام السوري جرّ تركيا إلى التدخل العسكري والتوّرط في مواجهة مباشرة، وتمثل ذلك بإطلاق عدة صواريخ على الأراضي التركية، وإسقاط الطائرة التركية في منتصف عام 2012، لكن المسؤولين الأتراك كانوا يدركون خطورة هذا التدخل بشكل منفرد وغير مدروس، وبعيداً عن التنسيق مع الحلفاء الدوليين، أو على الأرض. لكن التهديدات الإرهابية ضد تركيا بلغت ذروتها نهاية العام 2015 وبداية العام 2016 بوقوع هجمات في قلب العاصمة السياسية للبلاد أنقرة، والعاصمة السياحية إسطنبول، وقد أثبتت التحقيقات أنّ تنظيم داعش الإرهابي وحزب العمال الكردستاني هما من يقفان وراء هذه العمليات، في حين أشارت أصابع الاتهام إلى تورط المخابرات السورية في بعض هذه العمليات، الأمر الذي وضع القيادة التركية في مواقف محرجة داخلياً، في ظل عدم إمكانية حماية مواطنيها من هذه الهجمات التي أثارت الرعب في صفوف المواطنين في مدن تركية عديدة، وجعل كفة التدخل العسكري تغلب على الخيارات الأخرى، وهو ما تمثل بعملية درع الفرات ضد “داعش” منتصف عام 2016، وكانت أنقرة عازمةً على توسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، لولا الاعتراض الأميركي.

ومع انحسار تهديد “داعش”، شعرت أنقرة أنّها الوحيدة التي لا تزال تتعرّض لتهديدات إرهابية حقيقية، تستهدف أمنها القومي من حزب العمال الكردستاني الذي استفاد من الدعم الغربي له خلال السنوات الماضية بذريعة محاربة “داعش”، على الرغم من اعتراض أنقرة مراراً على مشاركة الحزب في عمليات التحالف الدولي. وزاد الطين بلّة إعلان الولايات المتحدة الأميركية، أخيرا، عزمها تشكيل جيش لحماية الحدود، قوامه عناصر من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية، وأنّه يشكل الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني، ومحاولة أطراف دولية تكريس وجود إقليم كردي مجاور لها، من خلال فرض دستور يعترف بالفيدرالية والإدارة الذاتية، ما شكّل خطراً دائماً على سلامة أمنها، من وجهة نظرها، ويهدّد وحدة الأراضي السورية. وقد يفضي إلى تقسيمها لاحقاً، وبالتالي إنشاء كانتون كردي، قد تنتقل تداعياتها إلى عدة محافظات تركية تقطنها أغلبية كردية.

مبررات قانونية

تنص المادة الثانية (الفقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة على أنه “يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر، لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”…، إلا أنّ هذه

“تشعر أنقرة أنّها الوحيدة التي تتعرّض لتهديدات إرهابية حقيقية، تستهدف أمنها القومي من حزب العمال الكردستاني”

المادة لا تنتقص من حق الدولة التي تتعرّض لاعتداء، انطلاقاً من أراضي دولة مجاورة، من الدفاع عن نفسها تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهذا الحق تمنحه المادة 51 من الميثاق (تستند إليها الحكومة التركية)، وتنصّ على أنه “ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي”. وطالما أن مجلس الأمن يعتبر شبه معطل بسبب التجاذبات السياسية داخله، فهذا الحق يبقى قائمًا للدولة التي يتعرّض أمنها لاعتداء حقيقي أو وشيك الوقوع (أي الجمهورية التركية) وكل ما يترتب عليها في هذا المقام هو إبلاغ مجلس الأمن بالتدابير التي اتخذتها استعمالًا لحق الدفاع عن النفس. إلى جانب ذلك، تستند تركيا إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة الخاصة بمكافحة الإرهاب، لتبرير تدخلها العسكري.

سياسياً، تهدف العملية التركية، إلى جانب إحباط مخططات حزب الاتحاد الديمقراطي بإنشاء كانتون يمتد من عين ديوار شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط غرباً، وإنهاء خطر وحدات الحماية الكردية في عفرين، إيجاد نوع من التوازن الاستراتيجي على الأراضي السورية يقابل الوجود الروسي والأميركي والإيراني هناك، ويبدو أن هناك مصلحة تركية روسية إيرانية في مواجهة المخطط الأميركي الرامي إلى إقامة دولة كردية على طول الحدود التركية – السورية، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، عندما قال إن “واشنطن شجعت بنشاط، وما زالت تشجع، المزاج الانفصالي بين الأكراد، متجاهلة تماماً الطابع الحساس والأبعاد الإقليمية للمشكلة الكردية، وأنّ واشنطن تقوم بعمليات غير ظاهرة، لنقل أسلحة إلى تلك الفصائل التي تتعاون معها، أولاً وقبل كل شيء، إلى قوات سورية الديمقراطية، وإنشاء سلطات بديلة في جزء كبير من الأراضي السورية”.

أخيراً، يبدو أنّ تركيا ماضية في عمليتها العسكرية إلى النهاية، حتى إتمام أهدافها، كما في سابقتها “درع الفرات”. ويرتبط انتهاؤها بالمتغيرات العسكرية على الأرض، ويبدو أيضاً أن أنقرة لن تقف عند هذه العملية، بل ستنفذ عمليات أخرى في منبج، وحتى في شرق نهر الفرات، عندما تقتضي مصلحتها ذلك.

… إلى متى سيبقى أصدقاؤنا الأكراد يلدغون من الجحر الأميركي، ويعوّلون على الاستقواء بالخارج، فمن خذل مسعود البارزاني في الأمس القريب في شمال العراق، ومن قبله والده، لن يتوانى عن خذلان صالح مسلم في عفرين حالياً ومنبج مستقبلاً. يُؤمل أن تستوعب الطبقة الكردية المثقفة العبر من دروس الخذلان الأميركي، وأن تتخلّى عن أوهام الدعم الأميركي لهم بإقامة دولتهم، وأن تدرك أن أميركا تستخدمهم فقط لتحقيق مصالحها.

كاتب سوري

العربي الجديد

 

 

 

 

أنقرة في مواجهة أكراد سورية … أيُّ عدالة؟/ شورش درويش

تبدّلت الوقائع على الأرض في غير صالح تركيا، فانكسرت القوى التي عوّلت عليها في تحجيم الحضور الكردي وتقهقرت بحيث أصبحت عرضة للهزيمة المبرمة. وفوق ذلك تمكّن النظام السوري من المحافظة على حضوره، ودائماً عبر دعم حلفائه، لتصبح تركيا إزاء خصم بات من الصعب اقتلاعه بعدما شبّ عن الطوق وبات يحكم ثلث مساحة سورية، اي ما يقارب ثلاثة أضعاف مساحة لبنان، تشدّ من أزره قوات التحالف الدولي وفي طليعتها الولايات المتحدة.

مع دخول روسيا عسكرياً على خطّ الأزمــــة، أتقنت نكء الجرح التركي الغائر فــــي سورية عبر مد يد العون للقوات الكـــردية وحمايتها مراراً في مواجهة التــدخــل التركي المباشر وغير المباشر، الأمر الذي ساهم في ما بات يعرف بـ «استدارات» الرئيس التركي أردوغان وتحوّله إلى حلف سورياليّ يجمع كل التناقضات العصيّة على الأفهام، ليقف مع روسيا وإيران اللتين لولاهما لتضعضع بنيان النظام وربما هوى إلى غير رجعة. إلى ذلك لم يعد أردوغان يعير أدنــــى اهتمام للموقف الأخلاقي أو السمعة السيئة التي سيجنيها جرّاء تشبيك علاقاته بنظرائه في موسكو وطهران. فالمهم والعاجل والملّح هو كسر مشروع الكيان الكردي جنوب حدوده، ووقف تمدّده واتساعه، بل إيجاد بدائل تدفع أميركا إلى التخلي عن دعم القوات الكردية. وإذا كانت أنقرة قدمت تنازلات كبرى لأجل وقف تمدد القوات الكردية صوب شاطئ البحر الأبيض المتوسط، فإن تنازلات أكبر قدمتها لروسيا في سبيل إنهاء أي دور مستقبلي لهذه القوات، وربما نجحت التنازلات المقدّمة لروسيا، والتي سبق أن قُدمت لها حلب في مقابل جيوب في جرابلس والباب وأعزاز، في قطع الطريق على تمدد القوات الكردية.

قبل إطلاق عمليّة «غصن الزيتون» الرامية إلى اجتياح عفرين بمشاركة ميليشيات درع الفرات الموالية لها، لم تتوقف أنقرة عن تهديد عفرين، ودفع العصائب السورية المسلّحة الموالية لها إلى تضييق الخناق عليها. فعفرين التي باتت مناط اهتمام تركيا تبدو، بحسب الفهم التركي، اللقمة السائغة التي تبحث عنها تحقيقاً لأي نصر على الأكراد جنوباً، حيث لا تتواجد فيها قوات للتحالف الدولي، وتقع في المنطقة التي تتبع النفوذ الروسي، وفقاً لخطوط التواجد الأميركي – الروسي. إلّا أن عفرين تمتلك، كما تعلم تركيا، مقومات الصمود من خلال الإعداد الكردي المثابر للمقاتلين والتحامهم بالحاضنة الشعبية وإمكانية خوض حرب مغاوير مفتوحة الأمد تساهم فيها الطبيعة الجبلية للمنطقة، الأمر الذي قد يجعل من فكرة «اللقمة السائغة» مثار جدل. ولا تخفى، والحال هذه، طبيعة الروح القتالية العالية لدى المقاتلين الأكراد الذين أطلقوا على مواجهتهم للاجتياح التركي تسمية عملية «صيد الثعالب»، رداً على عملية «غصن الزيتون» التركية. ومهما يكن من أمر عفرين ومصيرها فإن اللقمة الأكبر والعصيّة على الالتهام في نظر ساسة تركيا تبقى القامشلي (قامشلو) بما هي العاصمة الوجدانيّة لكرد سورية، وهي المكافئ الفعلي للحواضر الكردية في تركيا والعراق وإيران، بما تحمله من رمزية المكان والتأثير.

ليست القامشلي بالمدينة الكبرى التي تضاهي إسطنبول وأنقرة، لكنها بلا شك، في المخيال التركي الحاكم، صنو ديار بكر (آمد) معقل الحركة القومية الكردية في تركيا، كما أن القامشلي ليست المتروبول القومي الكردي كما حال مهاباد وأربيل، لكنها مركز القرار القومي الكردي على مدار ما يزيد عن النصف قرن. لذا فإن كانت العيون التركية شاخصة صوب عفرين وتقصفها عبر سلاح الجو والمدافع، فإن العقل مشدود إلى القامشلي. ولذا فإن ما يؤرّق تركيا وأردوغان في هذه الغضون هو الحلف الكردي– الأميركي، الذي لم يعد تقدير استمراره ممكناً بالنظر إلى تصريحات المسؤولين الأميركيين الذين أكّدوا بقاء قواتهم ومستشاريهم في الفترة التي تلي الإجهاز على داعش، ما يعني أن قوس العلاقة المفتوح هذا سيدفع بتركيا إلى التخوّف أكثر من الأدوار التي قد تناط بالقامشلي.

في مقابل التخوّف التركي من رسوخ الكيان الجديد جنوب حدودها، ثمّة تخوّف كردي من انفضاض العلاقة الكردية الأميركية، وإمكانية حصول اتفاقات تلي ذلك بين النظام السوري وتركيا وفقاً لمعادلة بسيطة تقول بتمكين النظام من استعادة سيطرته على كامل تراب سورية، في مقابل إنهاء الحالة الكردية والتخلّص من حزب الاتحاد الديموقراطي.

لكن وفي مطلق الأحوال، فإن الخشية التركية من حدوث اللامتوقع على الأرض السورية وإمكانية تحول الشمال السوري وبعمقٍ يضم كبرى المدن شرقي الفرات (الحسكة والرقة ودير الزور) إلى كيانٍ راسخ، وبقبول أميركي أوروبي وربما عربيّ خليجي، بات له ما يبرره. فكل التوقعات التي كانت تذهب إلى إمكانية انكسار أكراد سورية ذهبت أدراج الرياح، لكن ما هو غير عادل هنا هو أن تبقى تركيا على عدائها المفتوح للقامشلي الوادعة والتي من غير الممكن أن تتحوّل إلى منصّة عسكريّة أو سياسية تعادي تركيا ذات القوّة والإمكانات الهائلة، كما أن لا عدالة في أن توضع القامشلي إزاء أنقرة، وجهاً لوجه. لكنْ هل صغرت أنقرة إلى هذا الحد، أم أن القامشلي باتت على هذا القدر من الأهميّة؟

* كاتب كردي سوري

الحياة

 

 

 

عفرين والحسابات المعقدة/ خورشيد دلي

مع استمرار العملية العسكرية التركية في عفرين في سورية، تُطرح أسئلة كثيرة، في مقدمتها، لماذا عفرين؟ وكيف ستنتهي العملية؟ ومن الرابح والخاسر؟ على الرغم من أن موقع عفرين طرفيٌّ يقع في أقصى الشمال الغربي لسورية، إلا أنه يحتل أهمية استراتيجية كبيرة في المشروعين، الكرديّ والتركي معاً، فكرديّاً لم تتوقف المساعي لربط عفرين بباقي المقاطعات الكردية (كوباني – عين العرب، الجزيرة)، إذا ما أتيحت ظروف ما بعد تحرير الرقة من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وفي الوقت نفسه، فإن مشروع تركيا هو إفشال المشروع الكردي هذا، نظراً لأن من شأن تحقيقه فتح الطريق أمام إقامة كيان كردي على حدودها الجنوبية، وربما تصبح الفيدرالية على طاولة تسوية الأزمة السورية. وعليه، يقع مصير عفرين في صلب الصراع الجاري في الشمال السوري في المرحلة المقبلة.

جاءت العملية التي أعلنها أردوغان بنفسه على وقع تعاظم المخاوف التركية، سيما بعد إعلان واشنطن عن تشكيل قوة حرس حدودية لحماية المناطق الحدودية في شمال شرق سورية، معتمدة على “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، ومن قبل تحرير الرقة من سيطرة مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن ثم مواصلة واشنطن دعم الكرد بالسلاح، بما يشجع ذلك كله الكرد على توسيع نفوذهم في المرحلة المقبلة. وعليه ربما رأت أنقرة أن كلفة الانتظار باتت أكبر من تكلفة عملية عسكرية استباقية، تقطع الطريق أمام المشروع الكردي، ولعلها وجدت في تفاهماتها مع موسكو بشأن الأزمة السورية مساراً للتحرك نحو عفرين عسكرياً، بما يعني أن معركة عفرين غير بعيدة في الأساس عن لعبة الصراع بين موسكو وواشنطن على النفوذ في الأزمة السورية.

في الحديث عن السيناريوهات المطروحة لنهاية العملية التركية، ثمّة تعقيدات كثيرة ومتداخلة، ومع أن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، تحدث عن عملية سريعة، إلا أن المسؤولين الأتراك أنفسهم أعلنوا أن العملية من أربع مراحل، وكل مرحلة محكومة بمحدّدات ميدانية وسياسية ودبلوماسية، وهو ما يجعل من الحديث عن السيناريوهات المستقبلية يصب في باب التحليل السياسي لا أكثر. والثابت هنا أن معركة عفرين ليست نزهة، فمعركة الباب التي خاضتها القوات التركية استغرقت قرابة أربعة أشهر، ومعركة كوباني التي صمد فيها الكرد استغرقت أشهراً طويلة، وهي المعركة التي جلبت لهم التحالف مع الإدارة الأميركية. وغاية القول هنا أن معركة عفرين قد تستغرق وقتاً طويلاً. ولن يكون هذا الأمر في صالح تركيا، ولاسيما إذا أدت العمليات العسكرية إلى وقوع ضحايا في صفوف المدنيين، إذ سيجلب هذا الأمر مزيداً من التعاطف مع الكرد، ومثله من الضغوط على تركيا في المحافل الدولية. وقد نشهد مواقف إقليمية ودولية لصالح الكرد، ولعل الأخطر هنا هو احتمال تفجر الوضع الداخلي التركي، إذا ما أخذنا بالاعتبار وجود نحو عشرين مليون كردي في تركيا، وهؤلاء قد يخرجون في تظاهرات واحتجاجات رافضة للعملية العسكرية التركية، بما يرشح هذا الداخل لانفجار قومي، وربما حرب أهلية، وقد شهدنا ملامح من هذا المشهد خلال معركة كوباني – عين العرب، وصلت إلى حد اجتياح عشرات آلاف الكرد الحدود، وإزالة الأسلاك الشائكة. لكن على الرغم من كل هذه التداعيات المحتملة، قد لا توقف تركيا عمليتها العسكرية، ما لم تحقق نتائج محدّدة، لأن غير ذلك سيشكل انتصاراً قوياً للكرد وخسارة استراتيجية لها، بل ربما تزيد الحرب من شعبية وحدات حماية الشعب الكردية، إذا نجحت في وضع نفسها على طاولة التهدئة، وهو ما يعني أن الجانب السياسي في معركة عفرين لا يقل أهميةً عن الجانب العسكري في معركة الحسابات المعقدة وعلى كل المستويات، لا سيما أن معركة عفرين تبدو جولة كباش أميركية – تركية جديدة.

العربي الجديد

 

 

 

عفرين ليست أدلب وأميركا تخبئ مفاجآه لتركيا/ هوشنك أوسي

قبل 20 سنة، في خريف 1998، حشدت تركيا جيوشها على الحدود مع سورية مهددةً بإعلان حرب طاحنة إن لم يسلّمها حافظ الأسد زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان. لم تكن الضغوط وقتذاك ضغوط تركيا وحدها، بل ضغوط أميركا أيضاً. سارع الرئيس المصري حسني مبارك إلى إنقاذ نظام الأسد الأب، بتأكيده جديّة المخاطر، وأن مرحلة المزاح انتهت، وأن الحرب ستقع إن بقي الأسد متمسّكاً بورقة أوجلان وحزبه. دخل مبارك على خط الوساطة بين حافظ الأسد وتركيا. وقتذاك، كان الأسد الأب مصاباً بالسرطان ويخشى على حكم عائلته إن نشبت الحرب وهو لم ينتهِ بعد من تهيئة ابنه بشّار لخلافته بعد مقتل نجله باسل في حادث سير غامض. استمع حافظ الأسد إلى نصائح مبارك، ولم يتخلّ عن أوجلان وحسب، بل تخلّى عن المطالبة بلواء الإسكندرون أيضاً، حفاظاً على نظامه، عبر توقيع اتفاقية أضنة الأمنية في تشرين الأول (أكتوبر) 1998، التي لم يلغها نظام الأسد الابن حتى اللحظة. وبالتالي، يكون الأسد الأب قد شرعن الاحتلال التركي لإدلب، والاحتلال التركي لعفرين لاحقاً، ولا يمكن الأسد الابن الحؤول دونه، لأن نظامه ما زال ملتزماً ببنود اتفاقية أضنة.

الآن أيضاً، تركيا رجب طيب أردوغان، تهدد بشن حرب، لكن ليس على نظام الأسد، بل على منطقة كردية سورية آمنة، تأوي عشرات الآلاف من النازحين السوريين من المدن والمحافظات السورية الأخرى. مع اختلاف طفيف في الحجج، وهي أن أوجلان موجود في تركيا سجيناً منذ 19 سنة، لكن حزب العمال الكردستاني يسيطر على مدينة عفرين، عبر فرعه السوري «الاتحاد الديمقراطي». و «الكردستاني» منذ 2011، وتحديداً منذ سيطــــرته على المناطق الكردية السورية، عبر تفاهـــمات مع النظام السوري، لم يطلق الحزب رصاصة واحدة من الحدود السورية باتجاه تركــــيا، ولم يمرر مقاتلاً واحداً من سورية إلى تركيا. وإلاّ لكانت الأخيرة التي تمـــتلك أقمار تجسس، نشرت فيديوات وصوراً لمقاتلي «الكردستاني» يجتازون الحدود من سورية إلى تركيا، ووضعت هذه الصور أمام الرأي العام العالمي، لتبرير غزوها عفرين.

يقول الإعلام التركي إن أنقرة تتعامل مع «داعش» و «القوات الكردية» على قدم المساواة، بوصفها منظمات إرهابيّة، من دون الإشارة إلى أن تنظيم «داعش» أعلن دولته على الحدود التركية، وتنظيم «النصرة- القاعدة» أعلن دولة في محافظة إدلب على الحدود التركيّة أيضاً، ولم تحرّك تركيا ساكناً. لا بل إن كل المقاتلين الآتين من شمال أفريقيا وأوروبا للالتحاق بـ «داعش» و «النصرة» دخلوا الأراضي السوريّة عبر تركيا وبتسهيلات أمنيّة تركيّة باتت تفضحها اعترافات عناصر «داعش» المستسلمة في الرقة ومناطق أخرى. ووفق المنطق التركي الذي يدّعي المساواة بين التنظيمات الإرهابيّة، كان يفترض بأنقرة أن تدعو مجلس الأمن الدولي إلى الانعقاد وتكون تركيا رأس حربة في تشكيل التحالف الدولي ضد «داعش»، لا أن تكون معرقل لهذا التحالف، طبقاً للكثير من المعطيات والتصريحات بهذا الخصوص.

الحجج التركيّة بأن عفرين تهدد أمن واستقرار تركيا، وأن وجود «العمال الكردستاني» في المناطق الكرديّة السوريّة يهدد وحدة الأراضي التركيّة، لم ولن تقنع الحلفاء الأميركيين والأوروبيين، طالما بقيت كلاماً، غير مقرون بأدلّة (صور، تسجيلات فيديو) توثّق وتؤكّد تسلسل المقاتلين الكرد من سورية إلى تركيا، أو أن المقاتلين الكرد أطلقوا رصاصة واحدة من الأراضي السورية باتجاه تركيا.

من جانب آخر، لن يكفّ الأتراك عن تكرار مقولتهم أن «العمال الكردستاني منظمة إرهابيّة وفق التصنيف الأميركي والأوروبي». لكن الكردستاني منذ 1995 لم يستهدف أيّ من المصالح الأميركيّة والأوروبيّة، حتى بعد اختطاف زعيمه أوجلان سنة 1999، بمشاركة من الـ «CIA»، والأميركيون والأوروبيون يرون هذا ويدركونه. زد على ذلك، أن رجل الدين التركي فتح الله غولن، الموجود في أميركا، كان حليفاً لأردوغان منذ أن انشق عن حزب «السعادة» التركي وأسس حزب العدالة والتنمية. ودعمت جماعة غولن أردوغان في كل الانتخابات التشريعيّة والمحليّة من 2002 لغاية 2012. هذا الداعية الإسلامي أصبح الآن رأس الإرهاب وكبير الإرهابيين لدى تركيا، والمطلوب رقم واحد، والمتهم بأنه وراء الانقلاب العسكري الفاشل! بمعنى أنه وعلى امتداد عقد، كان زعيمُ منظمة إرهابيّة حليفاً لأردوغان! وهذا ما يفضي إلى مزيد من انعدام الثقة بين أردوغان وبين حلفائه في حلف «ناتو».

أردوغان اليوم أشبه بحال شارون ومناحيم بيغين سنة 1982، حين غزت إسرائيل جنوب لبنان بالذرائع عينها: «المنظمات الإرهابية التي تهدد أمن إسرائيل واستقرارها»، مع فارق أنه فعلاً كان لبنان وقتذاك، يعجّ بالفصائل والتنظيمات اللبنانية والفلسطينيّة التي تهاجم الشمال الإسرائيلي، بينما عفرين لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه تركيا! أما الميليشيات التكفيرية المسلحة، التي تحسب نفسها على المعارضة السورية، فإذا ما بقيت تأتمر بأمر المخابرات التركيّة، وتكون رأس الحربة في حرب أردوغان على عفرين، فسيكون حالها كحال ميليشيات أنطوان لحد، وستلقى المصير ذاته من أردوغان بعد انتهاء مهمّتها.

واشنطن تخبىء مفاجأة لتركيا في عفرين. هذا ليس تعويل على واشنطن، بل تكهّن. فأميركا تعرف أن عفرين ليست إدلب، لجهة أن الأخيرة مرتع لـ «النصرة» و «القاعدة»، وهذا ما دفعها إلى الموافقة على دخول الجيش التركي جزءاً من هذه المحافظة السوريّة. أما في عفرين فالوضع مختلف تماماً، وواشنطن أقرب إلى الأكراد في هذه الحرب.

أردوغان يعوّل على ميليشيات سورية يموّلها ويديرها. وكذلك يعوّل على نظام الأسد الابن، وعلى اتفاقية أضنة جديدة سنة 2018. لكن لا الظروف الدولية ولا قدرة النظام السوري، مواتية لإعادة سنوات العسل بين أردوغان وبشار الأسد ضد الأكراد، والتي امتدت من عام 2002 ولغاية عام 2011.

* كاتب كردي سوري

الحياة

 

 

 

 

 

العمال الكردستاني” والقضية الكردية/ ميشيل كيلو

عزّزت الثورة  علاقات عرب سورية وكردها، فما أن بدأت، حتى شكل شباب الكرد تنسيقيات ثورية، وأعلنوا أنهم سيغلّبون المسألة السورية العامة على القضية الكردية الخاصة، وسيجعلون هدفهم المباشر إسقاط الأسد ونظامه. يومذاك، قال الثائرون العرب: بعد الانتصار، ستكون المسألة الكردية قضيتنا الخاصة، وسنكون كردا، وسينال إخوتنا الكرد حقوقهم الشخصية والقومية كاملة غير منقوصة.

كان هذا الموقف الكردي السوري أول ضحايا حزب العمال الكردستاني الذي حل التنسيقيات، واعتقل بعض قادتها، وسلم آخرين للسلطة، واغتال القائد الناشط، مشعل التمو، بسبب إصراره على إسقاط الأسد نقطة وحيده على جدول أعمال الكرد السوريين في الثورة. فعل الحزب ذلك انطلاقا من استراتيجيةٍ هدفها فصل الكرد عن الثورة وسورية في آن معا، وحل قضيتهم في إطار إقليمي، يربطها بالتجاذبات الأميركية/ الروسية، على الرغم من جهلهم بمآلاته، وانعدام نفوذهم عليه، وتضييع حق كرد سورية في حل وطني ديمقراطي، تبنته الثورة وأحزابهم، يقر بحرياتهم باعتبارهم مواطنين أفرادا، وبحقوق جماعتهم القومية التي سينالونها، بوصفهم طرفا رئيسا في الثورة الوطنية الديمقراطية، وبفضل دورهم في انتصارها.

أوقف حزب العمال الكردستاني بالقوة مشاركة كرد سورية في ثورة شعبهم، وتعاون عسكريا مع الأسدية ومخابراتها، وألحقهم بدولة أجنبية، أعلنت بكل صراحة أنها ترفض المشروع الإقليمي لهذا الحزب، لأنه ليس من مصلحتها تبنيه، والدخول في مشكلات مع دول الجوار. ولأن المشروع نفسه غير عملي أو قابل للتحقيق، فهو يطالب باندماج كرد تركيا في دولتها، بينما يعمل لفصل كرد سورية عن دولتها التي لعبوا دورا تاريخيا في تأسيسها! ثم إن الحزب يفرض خياره على الكرد السوريين بالقوة، فيهجّرهم من مناطقهم، ويجند أولادهم وبناتهم في حربٍ لا لزوم لها، ويُخضع كوادرهم وأحزابهم السورية للترهيب والاعتقال والاغتيال، ويحفر هوة عميقة بينهم وبين بقية شعبهم، من خلال هدم كثير من قراهم وتجريفها، وطرد آلافٍ منهم إلى خارج مناطقهم ووطنهم، فلا عجب أن رفضت الأحزاب الكردية مشروعه، وتمسكت بهويتها السورية، وبحل قضيتها في إطار الحل الوطني/ الديمقراطي الذي لا بد أن يشمل جميع قوميات السوريين وأقوامهم. كما رفضت الأحزاب أيضا تعاون الحزب مع النظام الأسدي، ودانت مسلسله الانتخابي في مناطق تبلغ قرابة 30% من إجمالي مساحة الوطن السوري، يدّعي أنها تمثل “كردستان سورية”.

تستخدم واشنطن “قوات حماية الشعب” في حربها ضد الإرهاب، ليس لأنها تعطف على الكرد، أو تقبل مشروعهم الإقليمي، بل لأنها تريد احتلال منطقةٍ هي في سياساتها البديل الاستراتيجي للعراق، فأعلن جنرالاتها أنهم سيقيمون في هذه المنطقة وجودا عسكريا دائما، يجعل منها منطقة سورية محتلة، لن تكون نواة دولة كردية بقرار من حزب العمال الكردستاني، ترفضه واشنطن وينبذه كرد سورية الذين انتقدوا تلاعب قياداته بقضايا الشعب الكردي ووجوده، وسياساتها التي عادت عليه بالهزائم، ولن يكون لها أي عائد غير تضييع حق كرد سورية في عقد اجتماعي/ سياسي يحفظ دورهم ومكانتهم في وطنهم، ويبقي الباب مفتوحا أمام حوار وطني عاقل بشأن الفيدرالية، بوصفها نظاما يطبق باتفاق قواها السياسية وموافقة مواطنيها.

يتحدّث حزب العمال بالنيابة عن كرد سورية، على الرغم من أن أغلب مقاتليه وقادته ليسوا منهم، ولا يعرفون المنطقة التي احتلوها، أو سكانها الكرد والعرب. لذلك تجد بين أبرز قادتهم “بوهز وبوطان” التركيين، و”سركان وسوار” الإيرانيين.

لا تدمروا، أيها الإخوة من كرد تركيا وإيران، قضية كرد سورية وحقوقهم، باسم مشروع لا يشبههم أو يشبهونه. وأوقفوا حربهم ضد إخوتهم العرب وضدهم، والتي تخوضونها بحجة الدفاع عن حقوقهم، التي لا ينكرها السوريون ولا يرفضونها.

العربي الجديد

 

 

 

 

الرّقة وعفرين.. المدنيون والمدينة/ بشير البكر

كانت الحرب في الرّقة موجهةً ضد تنظيم داعش الذي مارس الإرهاب على مستوى المنطقة والعالم، وكان الهدف إسقاط عاصمة الخلافة المزعومة، بعدما جرى القضاء على جسمها الرئيسي في الموصل. أما في عفرين، فإن المسألة تخص المشروع الكردي في سورية، والذي باتت ترى فيه تركيا تهديدا استراتيجيا خطيرا لأمنها ووحدتها، على المديين القريب والبعيد.

في الحالين، ليس للغالبية العظمى من السكان ناقة أو جمل، بل هم دروع بشرية. وما واجهته مدينة الرقة وأهلها يدعو إلى رفع الصوت عاليا، لمنع تكرار الكارثة في عفرين. مأساة الرقة ماثلة للعيان، فالمدينة أصبحت أطلالا، دمرت كاملة ومات آلاف، وتشرّد قرابة نصف مليون من أهلها. وبعد عدة أشهر على تخليص المدينة من “داعش”، ليس هناك من الأطراف الإقليمية والدولية من أبدى اكتراثا بالمدينة وأهلها وإعادة الإعمار والمشردين، حتى الألغام لم يتم تجميعها من شوارع الرقة إلى اليوم.

تم تدمير الرقة بواسطة الطيران الأميركي، واستخدمت الولايات المتحدة على الأرض “قوات سورية الديمقراطية”، المشكّلة من مقاتلي حزب الاتحاد الوطني الديمقراطي، فرع حزب العمال الكردستاني، في سورية، وانتهت العملية من دون تقديم حصيلة فعلية عن “داعش”. هناك معسكر في منطقة عين عيسى تحت إشراف قيادات “سورية الديمقراطية” يضم المئات، ولكن البقية الباقية من الدواعش تبخرّت أو تم تسليم بعضهم إلى بلدانهم، كما حصل مع القادمين من دول القوقاز الذين تم شحنهم من مطار القامشلي إلى روسيا، بالاتفاق بين جميع أطراف اللعبة.

لا تشبه عفرين الرقة على هذا الصعيد، فالمقاتلون في داخلها يواجهون هجوما تركيا تسانده فصائل سورية ترفع راية الجيش الحر، والمعروف منها، بصورة أساسية، فصيل فيلق الشام. وعلى الرغم من أن تركيا تعلن أن هدف العملية القضاء على تهديد حزب العمال الكردستاني، فإن مهاجمة مدينة مكتظة بالسكان لن يكون التفريق فيها بين المدني والمقاتل مسألة سهلة. ولذا يبدو أمر معالجة الوضع في عفرين بطريقة مختلفة عن الرقة في غاية الأهميةـ كي لا يتم خلط الأوراق، وتكون النتيجة دمار المدينة وقتل أهلها وتشريدهم.

تشكل الرقة 11% من مساحة الجغرافيا السورية، في حين تمثل عفرين قرابة 2%، لكن عدد المدنيين في عفرين اليوم يتجاوز ضعف أولئك الذين كانوا يوجدون في الرقة لحظة الهجوم عليها. ولذلك يبدو أمر اجتياح عفرين على قدر كبير من الخطورة إذا حصل.

لكثرة ما أصاب السوريين من نكبات، لم تعد مقاييسهم وطنية، وصار الواحد منهم لا يشم رائحة الحريق في منزل جاره. هناك من السوريين من بكى لدمار الرقة، لكنه غير مكترث بعفرين. وعلى المقلب الآخر، هناك من هو مستنفر ضد الهجوم على عفرين، وكان غائبا وقت الحرب على الرقة. الحجة جاهزة، هي إرهاب “داعش” و”العمال الكردستاني”. وفي حقيقة الأمر، إن من لم يتحرك لمساعدة أهل الرقة يبقى ضعيف الحجة إن أراد أن يتحرك معه الآخرون من أجل عفرين.

ينقسم السوريون من جديد، لكن الانقسام في الحالة الكردية العربية يبدو، هذه المرة، أكثر حدة من السابق، ويتعمق أكثر، تبعا لاختلاف الحسابات والأجندات على الأرض السورية، وتنخرط فيه جماعات على وسائل التواصل، ليأخذ شكلا من أشكال الحروب التي خسرها السوريون سلفا. ولكن، كما جرت العادة، لا يحسّون بالكوارث إلا في وقت متأخر، حين تخرب ويتهدم مزيدٌ البيوت، وتتوسع المقابر ودروب الشتات. ومثلما صرف العالم نظره عن هول تفاصيل معركة الرقة ومجرياتها، ثم وجد نفسه أمام نتائج كارثية لا يمتلك حلولا لها، يجري الأمر ذاته في عفرين، حيث تدور حرب ضارية وسط نفاق دولي لا حدود له، من موسكو إلى واشنطن، مرورا بالعواصم الإقليمية والأوروبية.

العربي الجديد

 

 

 

العملية التركية واكتمال الصراع على سورية/ عمر كوش

تشي العملية العسكرية التي تخوضها تركيا في منطقة عفرين في شمال سورية، بالاعتماد على مقاتلين من فصائل في الجيش السوري الحر، بأن الصراع في سورية انتقل إلى مرحلة تثبيت النفوذين، الدولي والإقليمي، فيها، حيث تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى تثبيت نفوذها بعد إعلان استراتيجيتها الجديدة في سورية، الهادفة إلى إنشاء دويلة أو كيان انفصالي في منطقة الجزيرة السورية، عبر إعلانها العمل على تشكيل جيش مؤلف من ثلاثين ألف مقاتل، قوامه الأساسي عناصر مليشيات “وحدات حماية الشعب”(YPG)، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK)، مهمته الانتشار على طول الحدود مع تركيا والعراق، وعلى الصفة الشرقية لنهر الفرات، إلى جانب إنشائها قاعدة “التنف” في الجنوب الشرقي من سورية، وقواعد ومطارات عسكرية في شمالها، بينما تسيطر روسيا على منطقة الساحل السوري، بدءا من اللاذقية، وصولاً إلى حمص ودمشق، وأقامت فيها قواعد عسكرية بحرية وبرية ومطارات، وثبتت وجودها العسكري باتفاقيةٍ مذلة مع النظام السوري، تقرّ بتحول القوات العسكرية الروسية إلى قوة احتلال شبه دائم في سورية. أما إيران فقد ضمنت الطريق الممتد من طهران إلى بيروت، مروراً ببغداد ودمشق، وثبتت نفوذها في البوكمال في البادية السورية، وفي المنطقة الممتدة من دمشق إلى بيروت، حيث تنشر فيها أكثر من 70 ألف مرتزق من مليشيا حزب الله اللبناني والمليشيات العراقية والأفغانية، فضلاً عن قواعد ومصانع أسلحة، وضباط ومقاتلين من الحرس الثوري الإيراني وسواهم.

وبقيت تركيا الطرف الإقليمي الذي لم يرضه ما حصل عليه في حسابات صراع تقاسم النفوذ،

“مقايضات في التفاهمات بين الأتراك والروس والإيرانيين بشأن عملية عفرين”

إذ اكتفت مرغمةً بمنطقة محدودة، تمتد من مدينة جرابلس إلى بلدة الراعي، وصولاً إلى مدينة الباب، مع أنها من أكثر الدول المعنية بالملف السوري، حيث منعها الأميركان والروس من التقدم باتجاه مدينة منبج، عندما أطلقت عملية “درع الفرات” في 24 أغسطس/ آب 2016. وأرغمت تلك الممانعة الساسة الأتراك على تغيير وجهتهم الغربية باتجاه التفاهم والتنسيق مع الروس والإيرانيين حيال الوضع في سورية.

ولم يكن للعملية العسكرية التركية في عفرين أن تنطلق، لولا حصول تفاهماتٍ عليها ما بين الساسة الأتراك والروس والإيرانيين، وعدم اعتراضٍ من الإدارة الأميركية، لأنه في عالم السياسة والعلاقات الدولية، لا تتصرف الدول إلا حسب مصالحها القومية ومشاريعها. وفي القضية السورية، لا يكترث ساسة هذه الدول بمعاناة الشعب السوري، ولا بالكلفة البشرية والمادية الهائلة التي دفعتها غالبيته خلال سنوات الصراع في سورية وعليها.

وقد جرت مقايضات دولية وإقليمية خلال التفاهمات بين الساسة الأتراك والروس والإيرانيين بشأن العملية العسكرية في عفرين، إذ ليس مصادفة أن ينسحب الجنود الروس من بلدة كفر جنة القريبة من مدينة عفرين، وأن تعلن وزارة الدفاع الأميركية أن منطقة عفرين لا تدخل ضمن نطاق علميات التحالف الدولي الذي تقوده ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأن تفسح كل من روسيا والولايات المتحدة المجال أمام المقاتلات التركية، بوصفهما القوتين المسيطرتين على السماء السورية، كما أنه ليس بعيداً عن ذلك كله تقدم قوات النظام الأسدي والمليشيات الإيرانية في محافظة إدلب، وسيطرتها على مطار أبو الظهور.

ولعل التخلي الأميركي والروسي عن مليشيات وحدات الحماية الكردية في عفرين يكشف هشاشة تعويلها الكامل على الأميركيين أولاً، وعلى الروس ثانياً، لأن ساسة هاتين القوتين العظميين لا ينظرون إلى اللاعبين المحليين إلا وفق منظور استخدامهم وتوظيفهم خدمةً لمصالحهما وأجنداتهما ومشاريعهما التوسعية.

وفي الجانب الإقليمي، ليس مستغرباً أن يحصل التفاهم بين ساسة تركيا وإيران، إذ على الرغم من تضارب إيديولوجية كلتا الدولتين، واختلاف مشاريعهما في المنطقة، وسعي ملالي إيران إلى تنفيذ مشروعهم الهادف إلى السيطرة على المنطقة، إلا أن ساسة هذا النظام لم يتوانوا عن عقد الصفقات المقايضات مع جميع الأطراف. لذلك، جاء الموقف الإيراني من العملية العسكرية التركية في عفرين باهتاً، حيث اكتفت الخارجية الإيرانية بتصريح عبر عن قلقهم البالغ، وعن أملهم “في إنهاء العمليات التركية ضد المدينة” في أسرع وقت.

غير أن اللافت ليس فقط وقف منظومة إس 400 الصاروخية الروسية في سورية، والسماح

“ليس مستغرباً أن يحصل التفاهم بين ساسة تركيا وإيران، على الرغم من تضارب إيديولوجيتي الدولتين”

للمقاتلات التركية بدكّ حصون مليشيات الحماية الكردية، بل تصريح فرانس كلينتسيفيتش، نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس الاتحاد الروسي، لوكالة نوفوستي الروسية، إن “روسيا لن تتدخل، حتى ولو حصل نزاع بين الجيش التركي وقوات نظام الأسد”، متذرعاً بأن “الاتفاقات مع النظام السوري لا تنص على ذلك”. وهو تصريح فريد، والأول من نوعه لمسؤول روسي، عن عدم وقوف روسيا إلى جانب النظام الأسدي.

ومهما كانت التفاهمات والمواقف الدولية حيال العملية العسكرية في عفرين السورية، فإن المدنيين السوريين هم الطرف الخاسر الوحيد، عرباً وكرداً وتركمانا وسواهم، وقد يدفعون ثمناً يضاف إلى الأثمان الباهظة التي دفعوها في السنوات السبع الماضية. ومعروف أنه عندما تشتعل المعارك العسكرية، فإن السياسة لا تغلق أبوابها، بل تفتح على الصفقات والتفاهمات والمزايدات. وتعي تركيا أن دخول مدينة عفرين مكلف جداً على الجميع. لذلك من المرجح أن تقتصر العملية العسكرية التركية على تمكن فصائل الجيش الحر من استرداد البلدات والقرى العربية التي تحتلها مليشيات الحماية الكردية، وأن يُحاصَر مقاتلو هذه الوحدات أو يُرتب انسحابهم من المدينة بتفاهم دولي، وهو أمر لا يبدو سهلاً، لأن منتسبي حزبي العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي يسيطرون على هذه المدينة منذ سنوات، والأهالي أشبه برهائن بالنسبة إليهم، والأمر يتوقف على إرادة اللاعبين والخائضين في الملف السوري وحساباتهم، للبتّ في حدود العملية ومداها.

العربي الجديد

 

 

 

العَمليات التركية… غصن زيتون أم عناقيد غضب؟!/ معتز نادر

مع بدء العمليات العسكرية للجيش التركي التي تستهدف، حسب السلطات التركية، قوات سورية الديمقراطية وفصيل وحدات حماية الشعب الكردية المكون الرئيسي لتلك القوات في منطقة عفرين شمال سورية بالقرب من الحدود التركية، يتساءل الداني والبعيد عن أبعاد هذه العملية التي تستخدم فيها كافة أسلحة الجيش التركي الثقيلة، بما فيها سلاح الجو.

كذلك يتبادر إلى ذهن العديد من المتابعين والمهتمين بالشأن السوري، لا سيما السوريين أنفسهم، حجم الثمن الذي ستدفعه عفرين حتى تحقق تركيا مرادها وتتوقف بالتالي العمليات العسكرية، بينما تشير بدايات هذا الهجوم بما لا يقبل الشك إلى أن الأتراك ذاهبون بعيداً في تحقيق أهدافهم حتى لو كان الثمن أرواح المدنيين، بحسب ما تشير المجريات، مع سقوط ضحايا خلال فاعلية الطيران الحربي، إذ يبدو من المستبعد الاعتقاد بألا يخلف قصف جوي في أي ظرف كان ضحايا للجهة المستهدفة، خاصة إذا كانت الأحياء قريبة من مجموعة الأهداف المحتملة للطرف المهاجم، ومع ذلك لم تتبلور بعد نية الأتراك الحقيقية المتعلقة بحيثيات الهجوم قبل مرور أيام من الاجتياح البري الذي أعلن عنه رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في وقت سابق، كذلك سيكون الأمر متعلقاً بفاعلية التدخلات السياسية الدولية الأميركية الروسية على وجه التحديد، مع تصاعد واستمرار العمليات العسكرية يوماً بعد يوم، وبجدية الضغط السياسي الذي سيمارس على الأتراك لوقف العمليات، علماً أن السلطات التركية تعلم جيداً حجم الضبابية والمناورة الذي تتسم به السياسة الأميركية على وجه الخصوص، لا سيما كونها الداعم الرئيس لقوات سورية الديمقراطية في الشمال السوري.

من زاوية أخرى يبدو أن السوريون القاطنين خارج سورية، وفي تركيا تحديداً، منقسمون حيال ما يجري في بلادهم من تداعيات عسكرية وتدخلات دولية؛ ما بين متفاعل مع التدخل التركي يرى أنه الطريقة المثلى للتخلص من الفصيل الكردي “الراديكالي” وحدات حماية الشعب، وطرف آخر يرى في التدخل التركي تعدياً سافراً على الأراضي السورية وأن الأتراك يستثمرون الأزمة السورية ولا يعملون لحلها بشكل عملي وواضح، وطرف ثالث يبدو قلقاً على مستقبل البلاد لاحقاً، بوصفها مقبلة على مزيد من التفكك أكثر من كونه مهووساً بالتحليل السياسي لما يجري الآن في عفرين.

ويرى سوريون ثوريون آخرون أنه لا يجب التشكيك في شرعية رفض التدخل التركي لما سيحمله من تبعيات إنسانية كبيرة في ما يخص المدنيين في تلك المنطقة، ولأنه سينخر عميقاً في مبدئية الثورة السورية، على اعتبار أن كل بقعة في البلاد هي أرض سورية لا يجب الاستعانة أو القبول بدولة أجنبية لحل مشكلاتها الداخلية، خصوصاً عندما يتعلق الموضوع بتعقيدات الفصائل العسكرية وأيديولوجياتها المختلفة، كما يرى الطرف الثوري الأخير أن الإشكالية العميقة بعقلية الانتفاضة السورية بدأت تتضح أكثر من خلال هذه الأزمة، عبر التردد في منح الدعم المعنوي على الأقل للمناطق المأهولة بالسكان، بعيداً عن أي فصيل عسكري، وعدم إصدار المعارضة السياسية – الرسمية – المتمثلة بالائتلاف السوري المعارض بياناً واضحاً يتعلق على الأقل بسلامة المدنيين جاء معززاً لتلك النظرة الأخير على وجه الخصوص، وهي التي يفترض أنها تأسست بوصفها صوتاً جامعاً لكل السوريين في كل بلدة ومدينة.

العربي الجديد

¨

 

 

غصن الزيتون”: صراع الحرب والسلام في مواقع التواصل/ وليد بركسية

أثارت تسمية “غصن الزيتون” التي أطلقتها أنقرة على العملية العسكرية التركية في منطقة عفرين شمال سوريا، استغراب المعلقين في مواقع التواصل الاجتماعي، كالإعلامي اللبناني يزبك وهبي في “تويتر”، بسبب تضاربها مع الدلالة المتعارف عليها للعبارة كرمز تاريخي للسلام والمبادرة به.

لكن الرد الكردي بإطلاق تسمية “حراس الزيتون” على “قوات سوريا الديموقراطية” المستهدفة في العملية، يحيل التساؤل الأول من مساره السطحي نحو سؤال أكثر جوهرية يتعلق بمعنى السلام أصلاً في بلاد غير مستقرة مثل سوريا تشهد حرباً مستمرة منذ سبع سنوات.

وفيما تشتهر منطقة عفرين بزراعة أشجار الزيتون، وتعطي معنى أكثر حرفية للتسميتين، إلا أن تتبع التصريحات الكردية والتركية على حد سواء يعطي سياقاً مختلفاً للحرب، يتعلق “بإرساء السلام في الشرق الأوسط” ككل، على حد وصف وزير الخارجية التركي، علي يلدريم. وينسحب ذلك إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتشكيل سياق أشمل للعملية، يبحث فيه السوريون عن معاني الشرعية والانتماء في البلاد الممزقة.

وبينما كانت تركيا بعمليتها السابقة “درع الفرات” و”قوات سوريا الديموقراطية”، بشكل منفصل، جزءاً من التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، لإحلال “السلام” في المناطق التي كان التنظيم يفرض حكمه الوحشي عليها طوال سنوات، تأتي العملية الأخيرة ترويجاً لحماية ذلك “السلام” في نطاقه المحلي من جهة، وللاستناد عليه من أجل توسيع نطاقه تحقيقاً لأهداف إقليمية من جهة ثانية، وخصوصاً من جانب تركيا التي كانت تخشى دائماً الوجود الكردي على حدودها الجنوبية المضطربة منذ عقود، بسبب تمرد يقوده حزب العمال الكردستاني، المحظور.

القلق التركي تزايد مع دعم الولايات المتحدة للأكراد السوريين بوصفهم شركاء ضد “داعش”، وبسبب الرغبة المعروفة لدى الأكراد في إقامة منطقة حكم ذاتي في المناطق التي سيطروا عليها بعد “داعش”، بعد فشل الاستقلال في إقليم كردستان العراق المجاور.

المقاربة السابقة تبرز بوضوح في مواقع التواصل الاجتماعي السورية. فالأكراد السوريون يصورون أنفسهم بأنهم حليف أفضل للولايات المتحدة، من تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي “ناتو”، لأن تلك الأخيرة “ترعى الإرهاب السني الذي تمثله بقية فصائل المعارضة”. أما بعض السوريين العرب المعارضين، فيصورون التدخل التركي على أنه تحرير للمناطق العربية من الغزو الكردي “الأجنبي”.

والحال أن الطرح التركي، والردّ الكردي المضاد، يعطي لمحة عن تعقيدات الاستقرار في سوريا التي يروج فيها النظام لنهاية الحرب وانتصاره، لأنه من الواضح حسب نموذج عفرين، ومناطق أخرى، أن السيطرة على الأرض لا تكفي للحصول على الشرعية وإقامة حكم مستدام ومستقر على المدى البعيد، وهو ما يعني أن الحرب الأهلية مستمرة بشكل عبثي إلى أجل غير مسمى بتوليده صراعات عقيمة جديدة بين القوى المختلفة المنخرطة فيها.

ويجب القول أن الجدل بين السوريين حول المعركة في عفرين يتخذ شكلاً وضيعاً من السباب والشتائم وتبادل التخوين، ويظهر بوضوح ما تعنيه الحياة في سوريا اليوم ومعنى الانتماء إلى البلاد الممزقة بفعل الحرب، إلى جانب الحقيقة الصارخة بأن الدولة التي عرفت في يوم ما باسم سوريا توقفت بالفعل عن الوجود، مع وجود أطراف خارجية متعددة فاعلة في إدارة البلاد وصناعة قراراتها.

المدن

 

 

 

عفرين: على أنقاض سوريّة/ حازم صاغية

حين يغزو الجيش والطيران شمال سوريّة الغربيّ، يقال إنّ الأكراد وعفرين استُهدفوا بالغزو. وحين تضرب إسرائيل جنوب سوريّة، يقال إنّ إيران و «حزب الله» استُهدفا بالضرب. وحين تتمدّد إيران في سوريّة، يجري الحديث عن نقاط ومواقع وبلدات مبعثرة كما لو أنّها نفرتْ من خريطة وطنيّة جامعة.

وهذه الأوصاف، للأسف، صحيحة. آخر علامات صحّتها أنّ آلاف المقاتلين من «الجيش السوريّ الحرّ» التحقوا بالغزاة الأتراك الزاحفين من الشمال. ذاك أنّ الحرب الأهليّة بانعقادها على المطامع الإقليميّة لا تترك شيئاً من الثورة، لكنّها أيضاً لا تترك شيئاً من البلد ذاته.

والحال أنّ سوريّة لم تعد سوريّة. لقد غدت جواراً، وربّما أطرافاً، لإيران وتركيّا وإسرائيل. والدول النافذة وذات المنزع التوسّعيّ هذه تشترك في «تنظيف» نطاقها الجغرافيّ المباشر. هذا ما قد يغدو إحدى أبرز سمات المرحلة المقبلة. إنّه، بالأحرى، من أبرز سمات اليوم، يومنا هذا.

تركيّا تخوض حملتها على «جوارها»، أي الأكراد السوريّين في عفرين. إسرائيل لا تريد وجوداً عسكريّاً لإيران في جوارها الذي هو الجنوب السوريّ. لقد أرفقت رغبتها بضربات عسكريّة موجعة. إيران لا تقبل بأقلّ من نفوذ وطيد وراسخ في سوريّة، يكون امتداداً لنفوذها الوطيد والراسخ في الجوار العراقيّ المباشر.

وهذه الدول «تتفهّم» واحدتها الأخرى وتتفاهم في ما بينها. ومعها تتفاهم الدول الكبرى مثلما فعلت إبّان الهجوم على كركوك في العراق. وفي اللحظة الراهنة يبدو التعويل على الرأي العام شبيهاً بالتعويل على دوله. الخدر القوميّ يفتك بجسم المنطقة: القوى الوازنة في تركيّا مجمعة على سياسة أردوغان، والانتقادات تنحصر في التفاصيل. في 90 ألف مسجد تركيّ تُليت «سورة الفتح» وارتفع الدعاء بالنصر للجيش. عن إسرائيل، وفي صحيفة «هاآرتز»، يكتب المؤرّخ وأحد أبرز دارسي الفاشيّة، زيف سترنهِل، عن «فاشيّة نامية وعنصريّة شبيهة بـ [طور] النازيّة المبكرة»، لكنّه ينهي مقالته بأنّ «معظم الإسرائيليّين لا يبدو أنّهم قلقون». في إيران، رفعت «الثورة الخضراء» في 2009، ومن بعدها احتجاجات الأسابيع الأخيرة، مطلب الانسحاب من سوريّة وبقية المشرق. هذا الموقف، على إيجابيّاته المباشرة، يقلّ كثيراً عن المطالبة بالعدالة والحقّ لسوريّة وبقية المشرق.

والأكراد، هنا وهناك، أبرز المذنبين لأنّهم أضعف الضعفاء. في الإقليم، أجروا استفتاء فخنقهم الحصار. في سوريّة، أخطأوا بأن علّقوا صورة لعبدالله أوجلان، فهاجمتهم طائرات رجب طيّب أردوغان ودبّاباته، وانفجرت في وجوههم أشباح صدّام حسين. للتذكير، فإنّ أوجلان الإرهابيّ أسير، بل أسير مزمن.

وإذا كان انعدام الإجماعات السوريّة المصدر الأوّل لهذا البؤس الذي تنتهي إليه البلاد، فإنّ هذه التدخّلات، وآخرها التدخّل التركيّ الراهن، لا تفعل سوى إضعاف الإجماعات الضعيفة أصلاً.

لقد راهن الأسدان، حافظ وبشّار، على دور إمبراطوريّ، فحوّلا البلد ساحة للأدوار الإمبراطوريّة الأخرى. مُزّق ولم يتبقّ منه إلاّ الأنقاض والأشلاء التي يقتسمها الآخرون. وقصّة سوريّة اليوم مثل رواية ذات ألف نهاية، كلّ واحدة من تلك النهايات بداية أخرى، وكلّ بداية من تلك البدايات مأساة أخرى. وهكذا دواليك…

الحياة

 

 

الأكراد: الصورة الأكبر/ حازم صاغية

تبدو الخيارات المتاحة للأكراد السوريّين سيّئة كلّها: احتلال كرديّ أم احتلال أسديّ. «عودة إلى حضن وطن» لم يكن مرّةً وطناً لهم أم قفزات في الفراغ.

أخطأوا؟ بالتأكيد. وبعض الأخطاء كانت فادحة في سوريّة وقبلها في العراق. لكنْ لا بأس بالعودة إلى الأساسيّات.

هنا، حين نقول «الأكراد» لا نغفل عن الفوارق في ما بينهم، ولا نتجاهل أنّ أحداث عفرين محكومة بعوامل لا تطابق العوامل التي حكمت أحداث كركوك. مع هذا، ثمّة الكثير ممّا يوحي أنّ مشكلة الأكراد توحّدهم لأنّ العالم يوحّدهم بصفتهم أكراداً، قبل أن يطالبهم، إذا أرادوا الخلاص، بالتوقّف عن أن يكونوا أكراداً.

هذا يسمح بالقول إنّ الأخطاء ليست ما يُنتج وضعهم السيّء، بل هي ما يظهّره ويزيده سوءاً. هذا الوصف ينطبق عليهم منذ الانقلاب على معاهدة سيفر في 1920 إلى معاهدة لوزان في 1923. المعاهدة الأولى وعدتهم بدولة. الثانية، التي فرضتها انتصارات أتاتورك، انتزعت منهم هذا الوعد. لقد تأكّد أنّ نشأة الدولة القوميّة على جثّة السلطنة العثمانيّة ستكون على حسابهم قبل أن تكون على حساب أيّ طرف آخر.

الآن: أكراد العراق، الذين يعدّون أكثر من ضعف الأكراد السوريّين، لم يُحرزوا شيئاً ممّا صوّتوا لأجله. حصدوا احتلال كركوك وهزيمة لم تتبيّن حتّى الآن كامل نتائجها الكارثيّة عليهم. فلماذا، إذاً، سيخرج الأكراد السوريّون الأضعف والأصغر بنتائج أفضل؟

يضاف إلى ذلك أنّ أكراد العراق متواصلون جغرافيّاً، فيما الأكراد السوريّون غير متواصلين. وأكراد العراق غير متّهمين بالأوجلانيّة. أكراد سوريّة متّهمون بقوّة.

على ماذا التعويل إذاً هنا وهناك؟ على الدعم الأميركيّ للأكراد السوريّين؟ لقد سبق أن رأينا مثل هذا الدعم لأكراد العراق!

يفسّر هذا الواقع المؤلم أنّ الأكراد هم الآخر المطلق في المنطقة. منافسوهم على صفة الضحيّة الأولى في الشرق الأوسط، أي الفلسطينيّون، أحسن حالاً. الفلسطينيّون، قوميّةً ولغةً، عرب، ينتمون إلى محيط هائل الضخامة قد لا يتحمّس لخوض معاركهم، لكنّه يرتبك حيال التملّص منهم أو إنزال الأذى بهم. صعود القوميّات التي تسنّى لها أن تنشئ دولاً طرد الأكراد كلّيّاً إلى الوحشة.

من ناحية أخرى، الإسلام السنّيّ، كهويّة دينيّة، يجمع بين أكثريّة الأكراد وأكثريّة الفلسطينيّين. لكنْ هنا أيضاً ثمّة فارق بارز: حركة «حماس» ذات الأصول الإخوانيّة قوّة بارزة وأساسيّة بين الفلسطينيّين. إنّها تحكم قطاع غزّة. أمّا الإخوان المسلمون فهم الطرف الذي قاتل ويقاتل الأكراد، إلى جانب الأتراك، في عفرين. في المقابل، كان الأكراد أكثر من حاربوا الصيغة الأشدّ تطرّفاً من الإسلام السياسيّ، أي «تنظيم الدولة». زعاماتهم العشائريّة وطرقهم الصوفيّة لم تترك للإسلام الحركيّ والمسيّس مواطئ قدم يُعتدّ بها. تأسيس الأتاتوركيّة التركيّة لقومنة الإسلام، أو لتتريكه، أضعف نسبة الأكراد إلى الإسلام. إنّهم أكراد فحسب.

14 مليوناً في تركيا و6 في إيران و6 في العراق وقرابة 3 في سورية و5 ملايين في الدياسبورا… كلّهم مجرّد أعداد. مجرّد غرباء. العالم يتّفق بسهولة ضدّهم، كما حصل في كركوك. كما هو حاصل، على الأرجح، في عفرين. كما حصل في العراق أواسط السبعينات. كما حصل مع انتفاضة الشيخ سعيد في تركيّا عام 1925 التي تعاونت عليها تركيّا وفرنسا. كما حصل مع انتفاضة آرارات في 1930 التي تواطأ ضدّها، فضلاً عن تركيّا، بريطانيا وإيران والاتّحاد السوفياتيّ السابق…

ولأنّ الأكراد هم الآخر المطلق، والضدّ المطلق، نيط بهم، كما كتب حميد بوزرسلان، أن «يكفّروا عن الذنوب «الانفصاليّة» لبقية الشعوب». لقد اُعدم الشيخ سعيد في 1925 لا لأنّه انتفض فحسب، بل أيضاً «لأنّ دوافع وأسباب التمرّد الأخير في المقاطعات الشرقيّة من الوطن التركيّ الخالد مماثلة لتلك التي ثارت، في ماضٍ غير بعيد، في البوسنة والهرسك المحاطة من ثلاث جهات بأعراق ليست تركيّة ولا مسلمة، ولتلك التي دفعت الألبان، على رغم خمسة قرون من الإخاء، إلى طعن الأتراك في الظهر، وهم الذين لطالما أظهروا محبّة كبيرة لمواطنيهم (…) إنّ الهدف والغاية اللذين ولّدا الثورة الكرديّة هما ذاتهما اللذان كانا قد أفسدا سوريّة وفلسطين…».

هذا النهج لا يزال معمولاً به، مرّة هنا ومرّة هناك، ودائماً ضدّ الأكراد، وغالباً بدم كثير.

الحياة

 

 

 

 

 

تركيا في عفرين: تحديات ما بعد العمل العسكري والمواقف الدولية والإقليمية/ محمود سمير الرنتيسي

تناقش هذه الورقة الوقوف على تفاعلات العملية العسكرية التي تستهدف “وحدات الحماية” في عفرين والتي بدأتها تركيا في 20 يناير/كانون الثاني 2018، وترى أن العملية تمت بتوافق تركي-روسي لرغبة مشتركة في إفشال المخطط الأميركي في شمال سوريا ولحاجة تركيا لضوء أخضر لضمان نجاح عملياتها وخاصة الجوية.

 

تحاول هذه الورقة الوقوف على تفاعلات العملية العسكرية التي تستهدف “وحدات حماية الشعب” في عفرين، والتي بدأتها تركيا في 20 يناير/كانون الثاني 2018. وترى الورقة أن العملية تمت بتوافق تركي-روسي لرغبة مشتركة في إفشال المخطط الأميركي في شمال سوريا ولحاجة تركيا لضوء أخضر لضمان نجاح عملياتها وخاصة الجوية، وترى الورقة أن العملية التي يمكن أن تخفف من مخاوف تركيا الأمنية قليلًا سوف تكون خطوة أولى قبل التقدم نحو منبج وهو ما سيجعل العلاقات التركية-الأميركية أمام تهديد ومواجهة مباشرة. أما فيما يتعلق بالحل السياسي في سوريا وفيما تُظهر الأمور أنها تصب في مصلحة روسيا ودمشق فإن المزيد من التعقيد هو المرجح في مسارات الحل المستقبلي.

تركيا وواقع عفرين

بعد إعلان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بوقت قليل أن العملية التركية الموجهة ضد حزب العمال الكردستاني، وامتداده “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي في عفرين، قد بدأت فعليًّا، أعلنت القوات المسلحة التركية عن بدء التقدم في عملية “غصن الزيتون” في تمام الساعة الخامسة مساء من يوم 20 يناير/كانون الثاني 2018. ووفقًا لمسؤولين أتراك، فقد استندت العملية التي تجري على الأراضي السورية قانونيًّا، كما حصل في عملية درع الفرات، على المادة 51 من قرارات الأمم المتحدة(1).

تَعتبر تركيا تواجد قوات وحدات حماية الشعب في عفرين، المحاذية لمدينتي كليس وهاطاي التركيتين، خطرًا على أمنها القومي؛ وذلك انطلاقًا من مخاطر تتعلق باحتمالات إنشاء ممر كردي على الحدود التركية-السورية. وتُعتبر عفرين التي تبلغ مساحتها 3900 كيلومتر مربع وتتميز بتضاريس جبلية، واحدة من ثلاثة تجمعات كبرى تسيطر عليها وحدات حماية الشعب بالإضافة إلى عين العرب كوباني، والجزيرة، ولكن عفرين -التي تقع في الجانب الشمالي الغربي من سوريا- ليست متصلة بالكنتونات الأخرى ولم يكن هناك سوى مساحات قليلة لوصل الكنتونات الشرقية بعفرين قبل أن تتدخل تركيا من خلال عملية درع الفرات في أغسطس/آب 2016 وتفرض واقعًا جديدًا، لكن هذا الواقع لم يكن كافيًا لإزالة هواجسها. وبالإضافة إلى الخطر المستقبلي فإن هناك خطرًا يتعلق بأمن تركيا الداخلي حيث تعتبر عفرين منطقة أساسية كحاضنة بشرية وكمحطة لتدريب وتأهيل وانطلاق أفراد حزب العمال الكردستاني إلى داخل تركيا وتحديدًا إلى معاقلهم في جبال الأمانوس داخل ولاية هاطاي التركية(2).

لقد تكرست سيطرة وحدات حماية الشعب المدعومة من التحالف الدولي بقيادة واشنطن بعد إعلانها الحكم الذاتي، في يناير/كانون الثاني 2014، وتغطية على الصبغة الكردية لوحدات حماية الشعب تم إنشاء قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، في أكتوبر/تشرين الأول 2015، كقوة برية مدعومة من التحالف الدولي بهدف معلن وهو طرد تنظيم الدولة. وضمَّت قسد مقاتلين عربًا وأرمن ذكرت بعض المصادر أن نسبتهم لم تتجاوز 3% ولكن قلبها كان من وحدات حماية الشعب والتي كانت تتبع في قراراتها باهوز أردال، القيادي في حزب العمال الكردستاني(3). وقد بدا أن أهداف “قسد” تنسجم مع مصالح كل من واشنطن وموسكو، وبالفعل استفادت “قسد” من أزمة تركيا مع روسيا في أعقاب إسقاط تركيا لمقاتلة روسية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وتقدمت في مناطق المعارضة واحتلت مناطق مهمة مثل تل رفعت ومطار منغ بدعم جوي روسي بل وبادرت بالتقدم نحو مدينة الباب، وفيما لا يوجد في عفرين قواعد عسكرية أميركية على عكس الحال في الجهة الشرقية من نهر الفرات فإن الروس هم من ملؤوا هذا الفراغ؛ حيث تواجدوا في مواقع في منطقة كفر جنة وفي جندريس بالقرب من عفرين(4).

الأوضاع السياسية قبل عملية عفرين

بينما كانت تركيا تتقدم بخطى ملموسة في سوريا عبر تفاهماتها مع روسيا وإيران في مسار آستانا-سوتشي الذي تمخض عن اتفاقيات مناطق خفض التوتر ودخول القوات التركية إلى إدلب، كانت مستويات الثقة بين واشنطن وأنقرة تسير في منحى متدهور خلال السنة الماضية إلى أدنى مستوياتها، ومنذ عدم إيفاء إدارة أوباما بتعهداتها بإخراج وحدات الحماية من منبج بعد القضاء على تنظيم الدولة بقيت تركيا مستعدة لسيناريو تقوم بموجبه، عبر تدخل عسكري آخر بعد عملية درع الفرات، بإفساد الخطة الأميركية لتقوية الميليشيات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وقد وصل الخلاف في الموضوع السوري ذروته بعد تزايد الدعم العسكري الأميركي لوحدات الحماية الذي وصل إلى أكثر من 4000 شاحنة عسكرية، وفق المصادر التركية، وتزامن ذلك أيضًا مع تنفيذ إقليم شمال العراق استفتاء شعبيًّا من أجل الاستقلال عن العراق. وقد عزَّز هذا قناعة الأتراك بأن الدعم الأميركي لوحدات الحماية لم يكن تكتيكيًّا لمواجهة داعش بل له أهداف استراتيجية منها البقاء في شمال سوريا، عبر دعم وجود كيان كردي من خلال إضفاء شرعية سياسية على الميليشيات الموجودة. ويُعتبر الموقف الأميركي الحالي في تركيا موقفًا عدائيًّا حتى لو لم يتم التعبير عن ذلك رسميًّا.

وفي ذات السياق، قرأ الأتراك إعلان وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، ملامح استراتيجية واشنطن في سوريا في حديث له في جامعة ستانفورد، والتي ترتكز على المحافظة على وجود عسكري دائم عبر مزيد من الدعم والشراكة مع وحدات الحماية، وقد استشاطت تركيا غضبًا مع تزامن ذلك مع الإعلان عن تشكيل التحالف الدولي لقوة حدودية قوامها 30 ألف مقاتل نصفهم من وحدات حماية الشعب(5) دون استشارتها، وهي دولة عضو في حلف الناتو والذي أعلن هو أيضًا أنه لم يُستَشَر بخصوص إنشاء هذه القوة.

وبالتأكيد لم تَرُقْ هذه الفكرة لروسيا بل لربما اعتبرتها محاولة أميركية لتقسيم سوريا ولإفشال مسار سوتشي خاصة بعد أن توصلت موسكو إلى أن هجمات الطائرات بدون طيار الأخيرة على قواعدها في حميميم وطرطوس كانت بهدف إظهار أن تركيا وراء ذلك، ولهذا كان ما سبق دافعًا لموقف يسمح بدخول الأتراك إلى عفرين.

لا يوجد أدنى شك في أن تركيا لم تكن لتتمكن من بدء عملية في عفرين دون تنسيق مع موسكو، وقد لوحظ هذا التنسيق سواء في اتصالات زعيمي البلدين أو في زيارة رئيس الأركان ورئيس المخابرات التركيين إلى موسكو قبل بدء العملية، ويُعتَقَد أن روسيا قد منحت ضوءًا أخضر لتركيا للقيام بعملية في عفرين ولكن قراءة سبب موافقتها تدور بين عدة أمور، ومنها: أن وحدات الحماية رفضت عرضًا روسيًّا بتسليم عفرين للنظام؛ ومن هذا اعتبرت روسيا أن وحدات الحماية تتحرك ضمن المخطط الأميركي، ومنها: أن هناك تفاهمًا على تقدم تركيا في عفرين فيما يتقدم النظام في مناطق في إدلب، ومنها: أن ذلك فرصة جديدة لبوتين لدقِّ إسفين آخر في شرخ علاقة أنقرة وواشنطن.

بدء العملية والقراءة العسكرية

بدأت العملية العسكرية من خلال القصف المدفعي والجوي لبعض مواقع وحدات الحماية، ثم قصف الطيران التركي 108 أهداف عسكرية من أبرزها مطار مينغ العسكري ومواقع في جبل برصايا وتل رفعت، تلا ذلك تقدم بري للقوات التركية وقوات الجيش السوري الحر من أكثر من محور نحو عفرين ويُتوقَّع أن يتم العمل على إجلاء المدنيين قبل استكمال العمليات، وربما ينسجم هذا مع ما ذكره رئيس الوزراء التركي من أن العملية تسير ضمن 4 مراحل وتهدف لإنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كيلومترًا. وتتراوح التقديرات لعدد القوات المهاجِمة في مجموعها ما بين (20-25) ألفًا حيث تُقدَّر القوات التركية بما بين 6-10 آلاف عسكري بما فيهم قوة من نخبة القوات الخاصة التركية فيما تُقدَّر قوات الجيش الحر بما بين 10-15 ألفًا، ووفق التقديرات التركية أيضًا، فإن المسلحين من وحدات حماية الشعب تُقدَّر أعدادهم بـ 8-10 آلاف مقاتل وهم منتشرون حاليًّا على عدة محاور من أهمها غرب أعزاز وجندريس وبلبل وشيخ الحديد وتل رفعت.

ويبدو تقدم العمليات في اليوم الخامس لعملية غصن الزيتون، من عدة محاور، وهي المحور الشرقي من جهة أعزاز والمحور الشمالي من مدينة كيليس والمحور الغربي من هاطاي ومن المحور الجنوبي وإن بدرجة قليلة، وهو محور إدلب، علمًا بأن دخول تركيا لإدلب كان في الأساس لأجل عفرين وبذلك تكون المدينة تحت حصار كامل للقوات التركية عدا منطقة التقاء مناطق سيطرة وحدات حماية الشعب مع مناطق سيطرة النظام السوري، وهو شريط يمتد من منطقة تل رفعت ويستمر جنوبًا بمحاذاة محيط بلدتي نبل والزهراء.

ومما لا شك فيه أن هناك تفوقًا عسكريًّا تركيًّا واضحًا من خلال استخدام الطائرات الحربية والطائرات بدون طيار التي أسهمت في إحداث تفوق نوعي، كما لوحظ أن هناك تحضيرًا وتخطيطًا مسبقًا للعملية من خلال الإعلان عن قصف أكثر من 90% من بنك الأهداف، ولكن الطبيعة الوعرة للتضاريس والبيئة غير الصديقة مقارنة بمناطق درع الفرات والاستعدادات المتمثلة في الأنفاق والأسلحة النوعية (مضادات الطائرات ومضادات الدروع التي يُرجَّح أنها وصلت من الشرق عبر مناطق النظام) التي من الممكن أن يتم اللجوء لها في الأيام القادمة مع التعمق البري قد تسفر عن خسائر في القوات المهاجمة وهو ما يتم العمل على تجنبه.

ومن الأمور التي تخشى تركيا منها أيضًا، احتمال قيام حزب العمال الكردستاني بنقل المعارك إلى داخل تركيا سواء باستهداف المدن التركية من داخل عفرين أو من خلال هجمات داخل تركيا، وقد تتعقد الأمور إذا حصل الاستهداف من مناطق شرق الفرات حيث التواجد العسكري الأميركي، وقد أحبطت تركيا حتى الآن أكثر من 100 محاولة تسلل. ولا تبدو العقبات العسكرية في مسار مناطق العمليات هي الأصعب بل الإرادة السياسية أمام الضغوط والحسابات الدولية التي قد تتزايد مع تقدم العمليات من دول مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا. ولكن تركيا أيضًا تبدو عازمة على عدم التجاوب مع هذه الضغوط قبل تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض.

المواقف الدولية

ثمة مواقف دولية مهمة وخاصة للقوى الدولية والإقليمية التي تمتاز بحضور وتأثير داخل المشهد في سوريا، وهي: أميركا وروسيا وإيران بالإضافة إلى موقف النظام السوري، وفيما يلي نستعرض ردود أفعال هذه القوى على العملية التركية في عفرين.

الموقف الأميركي

من المعلوم أن أحد البواعث الأساسية للعملية التركية هو تطور الاعتماد الأميركي على وحدات حماية الشعب وتزايد الدعم لهم بالرغم من القضاء على داعش. وقد تساءَلَت تركيا كثيرًا عبر رئيسها عمَّا يعنيه وصف العلاقة بين أنقرة وواشنطن بالتحالف في ظل الدعم الأميركي لجهة على حدود تركيا تعتبرها الأخيرة إرهابية. ولهذا، فإن الذي كان ماثلًا أمام واشنطن، والتي ليست موجودة في عفرين، هو تخفيف الاحتقان التركي لتجنب تضرر أكبر في العلاقة مع تركيا وعدم تقديم فرصة أكبر لموسكو للتغذي من هذه الحالة؛ وقد قال وزير الدفاع الأميركي، جيم ماتيس، أمس: إن لتركيا مخاوف أمنية “مشروعة” في المنطقة، وإنها كانت على علم مسبق بالعملية العسكرية في حين قالت الناطقة باسم الخارجية الأميركية، هيذر ناويرت، في أول يوم للعملية العسكرية: “نحض تركيا على ممارسة ضبط النفس وضمان أن تبقى عملياتها محدودة في نطاقها ومدتها، ودقيقة في أهدافها لتجنب سقوط ضحايا مدنيين”(6). وقد قال وزير الخارجية الأميركي، تيلرسون: “إن بلاده “تُقدِّر” حق تركيا في الدفاع عن نفسها ضد الإرهابيين، ولكن “الوضع الآن صعب؛ حيث يوجد اختلاط كبير بالمدنيين، ولذلك طلبنا منهم أن يكونوا دقيقين، وأن تكون عملياتهم محدودة، وأن يُظهروا تقيدًا، وسنرى إذا كان بإمكاننا العمل معهم لخلق مناطق أمنية قد يحتاجونها”. قد يكون الموقف الأميركي مقدِّرًا لحالة عدم التحمل التي وصلتها تركيا أو لما يقال إنه فخ روسي نصبه بوتين للإيقاع بين واشنطن وأنقرة ولهذا فإن الموقف الأميركي قد غضَّ الطرف عن العملية التركية في عفرين ولعل هذا ما يفسر تراجع واشنطن عن إعلانها عن تعبير قوة حدودية إلى قوة داخلية في سوريا ولكن ربما سنكون أمام موقف مختلف فيما لو توسعت العملية إلى منبج أو مناطق شرق الفرات.

وفي ذات السياق، ذكرت مصادر صحفية تركية أن تركيا هددت واشنطن بإغلاق قاعدتي إنجرليك وكوجيجك أمام القوات الأميركية، في حال عارضت عملية عفرين، ونُقل عن وزير الخارجية التركي قوله: “فلا تُجبرونا على اتخاذ خطوات أحادية الجانب، فإن كنتم تضعون هذه الخسائر نصب أعينكم استمروا بمعارضتكم”(7).

الموقف الروسي

ساد شيء من عدم الوضوح بخصوص الموقف الروسي قبيل تقدم تركيا إلى عفرين حيث نفى لافروف انسحاب قوات بلاده من عفرين والتي انسحبت قبل بدء العملية بساعات، وبالرغم من أن روسيا أعربت عن قلقها إلا أنها أعلنت أن واشنطن هي من دفعت أنقرة لهذه الخطوة وأن واشنطن تضغط على الأكراد وتشجعهم على التوجهات الانفصالية، كما أن التنسيق التركي مع روسيا برز بشكل مباشر من خلال توجه رئيس الأركان والمخابرات التركيين إلى موسكو حيث ذكر وزير الخارجية التركي أن بلاده تُجري مشاورات مع روسيا وإيران لتمكينها من استخدام المجال الجوي السوري، وقال: إن زيارة رئيس الأركان التركي إلى موسكو تأتي في إطار مشاورات مع روسيا وإيران الداعمَتين الرئيسيتين لبشار الأسد، للسماح لطائرات تركية بالمشاركة في حملة عفرين(8).

الموقف الإيراني

بالرغم من أن تركيا عملت مع إيران بشكل وثيق لإحباط نتائج استفتاء إقليم شمال العراق بشكل ناجح إلا أن إيران التي تحتفظ بتواجد في مناطق قريبة من عفرين دعت إلى إنهاء العملية العسكرية بحجة أن ذلك قد يؤدي لتقوية الجماعات الإرهابية، وقد قال حسين جابر أنصاري، مساعد وزير الخارجية الإيراني: إن كلًّا من الدول الضامنة لوقف إطلاق النار عليها ألا تُقدِم على خطوة من هذا القبيل حتى لا يتأثر مؤتمر سوتشي في 29 و30 يناير/كانون الثاني 2018، ومن جهته أيضًا، دعا رئيس الأركان الإيراني، في اتصال مع نظيره التركي، إلى تأكيد تركيا على احترام وحدة الأراضي السورية وأنها ليس لها أطماع في سوريا(9) وهو ما أكدته تركيا بشكل واضح، حيث لم يعتبر الأتراك، الذين حرصوا على التنسيق المكثف مع إيران، موقف الأخيرة موقفًا معارضًا بل اعتبروه أيضًا موقفًا متفهمًا للخطوة التركية(10). وعند هذه النقطة تحديدًا، فإن طهران التي لديها مخاوف مشتركة من مشروع كيان كردي لا تريد بالتأكيد للنفوذ التركي -الذي تعرف موقفه من نظام بشار الأسد- أن يتزايد في شمال سوريا على حسابها، وتريد طهران أن تبقى صاحبة كلمة من خلال العمل مع موسكو ودمشق، ولكن إدراكها أنها مستهدفة في الاستراتيجية الأميركية الجديدة قد جعلها تُبدي مرونة وربما يكون هناك تنسيق لاستخدام الأراضي التي تهيمن عليها قوى تابعة لها في العمليات.

موقف النظام السوري

بالرغم من حرص تركيا على التنسيق، ولو بشكل غير مباشر، مع دمشق وتأكيدها على احترامها لوحدة الرأي السورية، وصفت الخارجية السورية العملية التركية بأنها “تمثِّل الخطوة الأحدث في الاعتداءات التركية على السيادة السورية”، مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقفه، حيث أكد وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أن “تركيا أبلغت النظام عبر مذكرة مكتوبة بعملية عفرين”(11). وعلى الأرجح، وصلت هذه المذكرة عبر روسيا لكن مصادر مقربة من النظام نفت ذلك، ومن الواضح أن النظام أضعف من أن يعارض الموقف الروسي ولكن موقفه الحالي قد يتيح له حرية التحرك في أكثر من اتجاه لاحقًا. وبالفعل، تقدم النظام في أكثر من بلدة قبل وأثناء العملية التركية، ومن هذه الأماكن: مطار أبو الظهور العسكري الذي يبعد 50 كيلومترًا عن إدلب.

خاتمة وسيناريوهات

تسير العملية في إطار سيناريوهين محتملين:

أولهما: أن تكون العملية مركزة تستهدف تدمير البنية التحتية لوحدات الحماية وقصيرة تستهدف إنشاء منطقة عازلة بعمق 20 إلى 25 كيلومترًا داخل الحدود السورية.

أما السيناريوالثاني، وهو الأكثر ترجيحًا في الوقت الحالي، هو مضي تركيا في عملية شاملة متدرجة تصل بالنهاية إلى سيطرة كاملة على عفرين وهذه العملية لن تكون عملية سريعة.

إن سيطرة تركيا على عفرين ستثبِّت قدمها ودورها أكثر على طاولة المباحثات كما ستقود توجهها نحو منبج والذي سيكون التحدي فيه هو الموقف الأميركي وليس التحدي الميداني، والذي من المحتمل أن يكون أكثر حزمًا، وخاصة لمنع تركيا من التوجه إلى مناطق شرق الفرات التي تحتوي مواقع عسكرية أميركية. وهنا، فإن الكرة في ملعب واشنطن؛ فهل ستقوم بالتفاهم مع تركيا بعد عفرين أم ستترك تركيا تتجه بشكل أكبر نحو روسيا؟

ما زالت دول تركيا وروسيا وإيران ملتزمة بمسار آستانا-سوتشي الذي أصبح يتقدم بشكل أكبر على الأرض والذي تعتبر عملية عفرين نتاجًا للتنسيق بين أطرافه، ويمكن القول: إن نتائج الاجتماع القادم في سوتشي مهمة جدًّا في تحديد ملامح مرحلة ما بعد عملية عفرين.

____________________________________________

محمود سمير الرنتيسي، باحث متخصص في الشؤون التركية

مراجع

1 جان أجون، 5 أسئلة عن عملية غصن الزيتون، مركز سيتا للدراسات، 21 يناير/كانون الثاني 2018، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018: https://www.setav.org/5-soru-zeytin-dali-harekati/

2 المرجع السابق.

3 “قوات سوريا الديمقراطية”.. جيش الأكراد بسوريا، الجزيرة نت، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018: https://goo.gl/RTqSzm

4 خالد الخطيب، لماذا تتواجد روسيا في عفرين؟، المدن، 22 مارس/آذار 2017، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018: https://goo.gl/DHvpJY

5 Tillerson in policy speech at Stanford, Stanford, 18 Jan 2018, ( 24 يناير 2018): https://news.stanford.edu/2018/01/18/secretary-state-rex-tillerson-discusses-u-s-strategy-syria-stanford/

6 عفرين: مواقف دولية متباينة، بي بي سي، 22 يناير/كانون الثاني 2018، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018): http://www.bbc.com/arabic/in-depth-42780452

7 عبد القادر سلفي، حرييت، 24 يناير/كانون الثاني 2018، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018: http://www.hurriyet.com.tr/yazarlar/abdulkadir-selvi/rusyanin-afrin-mesaji-neydi-40719798

8 انسحاب روسي من عفرين، الجزيرة نت، 19 يناير/كانون الثاني 2018، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018: https://goo.gl/dyibD7

9 إيران: مؤتمر سوتشي قد يتأثر، حرييت، 24 يناير/كانون الثاني 2018، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018: http://www.hurriyet.com.tr/bir-aciklamada-irandan-kongreyi-etkileyebilir-40716646

10 برهان الدين ضوران، مقابلة مع قناة إن تي في، 23 يناير/كانون الثاني 2018، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018: https://www.setav.org/zeytin-dali-harekatinin-bolgedeki-kurtlere-etkisi/

11هل يتدخل الأسد لإنقاذ عفرين؟، DW، 22 يناير/كانون الثاني 2018، تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2018: https://goo.gl/sxm9Zd

 

 

 

 

 

تحوّلات السياسة التركيّة في الصراع السوري/ ماجد كيالي

اتسمت السياسة التركية إزاء الصراع السوري بالاضطراب، وتغيير التموضع، إذ بات يتعذّر على كثيرين فهمها، سواء من منظور استقرار تركيا، وتالياً تعزيز مكانتها الإقليمية، أو من منظور تمكين الثورة السورية، بالحفاظ على سلامة مسارها وتحقيق مقاصدها، وهذا ما تحدث عنه الزميل عبد الوهاب بدرخان في مادته المتميزة هنا («خيارات تركيا في سورية… مجازفات بلا ضمانات»، الخميس الماضي).

والحقيقة، كان واضحاً، منذ البداية، أن ثمة مداخلات وتأثيرات تركية مقصودة في الثورة السورية، مباشرة أو غير مباشرة، سواء في تشكيلاتها السياسية أو العسكرية أو المدنية، ولجهة تحديد أنماط صراعها مع النظام، كما على مضامين خطاباتها، وعلاقاتها العربية والدولية.

في هذا الإطار، مثلاً، لا يمكن تجاهل أن تركيا لعبت دوراً مهماً في أخذ الثورة السورية نحو انتهاج الصراع المسلح، الذي أزاح أشكال الصراع الشعبية، إن من خلال الدفع بإنشاء كيانات عسكرية متعددة، أو بالتشجيع على انتهاج نمط معيّن في الصراع العسكري ضد النظام يتمثل في السيطرة على مناطق في المدن والأرياف مأهولة بالسكان، من دون توافر القدرة للدفاع عنها، أو تأمين المقومات الأساسية للعيش فيها، مع تأكيدنا أن النظام هو المسؤول أساساً عن ذلك بانتهاجه الحل الأمني حصراً لوأد توق السوريين للحرية والكرامة والتخلص من الاستبداد.

أيضاً، كان لتركيا دور مؤثّر في تحجيم، أو إزاحة، «الجيش الحر»، وتوجيه الدعم نحو الفصائل العسكرية التي تتغطّى بالإسلام، وتحديداً من النمط الجهادي السلفي، ليس على حساب هذا الجيش فحسب، وإنما حتى على حساب التيارات الإسلامية الأخرى المدنية والمعتدلة، وعلى حساب كيانات المعارضة السياسية، وأيضاً على حساب المقاصد الأساسية التي انطلقت من أجلها الثورة السورية والمتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، التي باتت على الهامش، في حين تصدّرت الخطابات الإسلامية – الجهادية. وفي المحصلة، فإن هذا الوضع أدى إلى صبغ الثورة السورية بطابع معين، ديني وطائفي، ما خدم النظام، وساهم في ترويج روايته عن الصراع مع «الإرهاب»، وضد التدخّلات الخارجية»، كما أدى إلى إضعاف الإجماعات الوطنية عند السوريين وزعزعة ثقة قطاعات واسعة منهم بثورتهم.

المسألة الأخرى التي أثرت فيها تركيا وهي المتعلقة برؤيتها للمسألة الكردية في سورية، وعدم تمييزها عن المسألة الكردية فيها، بحيث إنه بدت الأوساط السائدة في المعارضة السورية (السياسية والعسكرية) متماهية تماماً مع الموقف التركي في هذا الأمر، مع تأكيدنا أن ثمة مسؤولية كبيرة تقع أيضاً على عاتق حزب الـ «بي يي دي» (و «قـوات حماية الشعب») الذي لم يميّز، أيضاً، بين المسألة الكردية في سورية ومثيلتها في تركيا، إذ إنه ظل يتصرف بسلوكياته ومواقفه وراياته كأنه امتداد لحزب العمال الكردستاني (التركي)، ويأتي ضمن ذلك رفعه صور اوجلان بعد تحرير مدينة الرقة من «داعش» وتعبئته المستمرة ضد تركيا.

لم يتوقف الأمر عند هذه التأثيرات، التي انعكست سلباً على ثورة السوريين، وعلى صدقيتها، إذ إن تركيا التي كانت شجعّت على الصراع المسلح ذهبت فجأة نحو العمل على وقف هذا الصراع، لكن من دون الارتباط بأي أفق سياسي، كما حصل في توافقاتها مع روسيا وإيران على «مناطق خفض التصعيد»، حتى قبل تلبية الشق الإنساني من الاتفاقات الدولية. وبدلاً من أن تعزّز المسار التفاوضي في جنيف، وفقاً لمرجعية بيان «جنيف1» (2012)، وقرار مجلس الأمن الدولي 2254، أخذت المعارضة نحو مسار تفاوضي آخر في آستانة، وها هي ربما تدفع إلى حضور مؤتمر سوتشي، الذي تعتزم روسيا عقده قريباً، بالتشارك مع إيران، على رغم عدم نجاح اتفاقات «خفض التصعيد».

وهي بدلاً من أن تراقب ما يُجرى في إيران، بانتظار ما يمكن أن يتمخّض عنه الحراك الشعبي، الذي حصل فيها مؤخراً، إذا بها تعبر عن وقوفها مع النظام الإيراني، الذي من المفترض أنه ينتهج ممارسات معادية لها، أو ينافسها على المكانة في الإقليم، هذا مع الاحترام للعلاقات الاقتصادية والمصالح القوية المتبادلة التي تربط الدولتين.

هذا يطرح، أيضاً، عديد الأسئلة. فمثلاً، أليست توافقات آستانة هي التي مكّنت النظام، بمعونة روسيا وإيران، من استعادة سيطرته على كثير من المناطق؟ وهل أوقفت روسيا قصفها، وإيران اعتداءاتها، والنظام هجوماته، على السوريين في المناطق منخفضة التصعيد؟ ثم هل يخدم الدفاع عن النظام الإيراني مصالح تركيا الإقليمية، ومصالح الاستقرار في سورية والعراق، حيث تلعب إيران دور المخرب والممزّق للبنى الدولتية والمجتمعية؟

طبعاً من حق تركيا الدولة أن تحدّد أولوياتها ومصالحها، والأنسب لشعبها، لكن هذا يفتح على مسألتين، أولاهما، أن المعارضة السورية ينبغي أن تميز بين مصلحة الدولة ومصلحة الثورة، وإنها معنية بتمثل مصالح السوريين وحقوقهم، وسلامة مسار ثورتهم، قبل أي شيء، أو أي أحد، آخر، فهذه هي مهمتها، أو مبرر وجودها. وثانيتهما، أن المعارضة يجب أن تحافظ على استقلاليتها، وضمن ذلك حقها في نقد حلفائها، أو أصدقائها، والعمل بشكل حثيث على إيجاد التقاطعات، لا توسيع الفجوات، بين مصالح هذا الحليف وأولوياته ومصالح وأولويات الشعب السوري. بل إنه حتى من زاوية مصلحة تركيا الأجدى للمعارضة المساهمة في تصويب سياساتها وتسليط الضوء على مكامن الخطر التي تضر بتركيا، باستقرارها وبمكانتها الإقليمية، فما هي هذه السياسة التي تقوم على أساس التحالف مع إيران وروسيا اللتين تدافعان عن النظام وتدمران وتقتلان الشعب السوري؟ وما هي هذه السياسة التي تهمش مسار جنيف التفاوضي لمصالح مسارات أخرى؟

قبل عام كنت نشرت في هذه الصفحة مقالاً عنوانه: «تركيا قبل الربيع العربي وبعده» (18/1/2017)، قلت فيه إن تركيا «خسرت جزءاً مهماً من استثمارها السياسي لدى حكومات بل ومجتمعات العالم العربي، وذلك بسبب طبيعة تدخّلاتها في سورية»، بعد أن كانت قد أضحت، منذ بداية حكم «حزب العدالة والتنمية» (2002)، بمثابة نموذج ملهم للمجتمعات العربية، باستقرار مجتمعها، وصعودها السياسي والاقتصادي، وبقوّتها الناعمة، وبكونها دولة ديموقراطية، برلمانية، وتتمتع باقتصاد قوي وناهض، وكونها دولة يقودها حزب إسلامي في نظام علماني وديموقراطي. وأخشى أن ذلك ما زال قائماً، مع مسار قد يفضي إلى تشبّه تركيا بإيران، كدولة ذات أجندة حزبية ودينية وإقليمية، وتستخدم القوة الخشنة، لا الناعمة، وهو ما لا نريده لتركيا ولا لنموذجها، من أجلها ومن أجل جوارها.

* كاتب فلسطيني سوري

الحياة

 

 

 

 

 

المعركة التي هي منعطف لسورية وللأكراد/ حسن شامي

يبدو أن التوغل العسكري التركي منذ أسبوع تقريباً في منطقة الشمال السوري، للسيطرة على مدينة عفرين، أحدث قلقاً استثنائياً. ثمة بالفعل ما يجيز اعتبار المعركة الحالية حول عفرين استثنائية. فهي لا تشكل فقط حبكة تعقيد إضافية يستقبلها مسرح المواجهات المتعددة في سورية وعليها. فالتدخل التركي ليس جديداً على الإطلاق وعمره الحدثي والتجريبي المباشر هو من عمر الأزمة السورية التي بدأت قبل سبع سنوات بحراك لتحرير الطاقة البشرية السورية من الخناق الأمني الذي فرضه بطريقة متعسفة نظام استئثاري ونخبوي. الجديد هو حصول مواجهة عسكرية مباشرة بين القوات التركية وحلفائها المنضوين في الجيش السوري الحر وبين قوات سورية الديموقراطية التي تتزعمها «وحدات حماية الشعب» الكردية المدعومة من واشنطن.

سقط حتى الآن عشرات القتلى من الجانبين إضافة إلى ضحايا مدنيين شاءت الأقدار أن يكونوا، مثلهم مثل الكثير من السوريين الآخرين، من سكان مدينة أو بلدة وجدت نفسها في قلب أجندات نزاعات أهلية – محلية وإقليمية ودولية. ليس سقوط قتلى وضحايا واحتمال حصول عمليات نزوح هما ما يحملان جديداً هذه المرة. فعلى هذا الصعيد، يبدو أن «تطبيع» الفظاعة المتناسلة في سورية قد بلغ حداً، في دوائر القرار والسلطات النافذة وقطاعات من الرأي العام، يجيز اللامبالاة والاستسلام لنوع من القدرية الزاحفة. معركة عفرين تأتي كلحظة أو حلقة نافرة في مسلسل من التقلبات الدرامية التي حولت سورية كموقع جغرافي – سياسي إلى مسرح نزاعات مفتوحة ومتنوعة. وفي هذا المسلسل، تحول السوريون بدورهم إلى أدوات ومواد لهذه النزاعات وتخصيبها بوعود تشفي الغليل وتحضّ على الثأر والتشفي وإن كانت، في نهاية المطاف، أشبه بوقائع انتحار وطني معلن.

تؤشر معركة عفرين إلى انعطافة في المسار العبثي للمأساة السورية. فهي تحصل فيما اللعبة الديبلوماسية ولغتها المشذبة تبدوان أشبه بعملية رقص على حافة الهاوية. هذا ما يُستشفّ من التصريحات المتبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة التركية. وإذا كانت العملية العسكرية التركية لا تخلو من الرعونة ومن التغطية التسويقية الصلفة كإطلاق اسم «غصن الزيتون» على العصا التركية الغليظة، فإن إدارة ترامب تتحمّل مسؤولية مباشرة عن تطور الأحداث. فقد سبقت العملية التركية إعلانات أميركية عن بقاء قواتها في سورية وعن عزمها على نشر ثلاثين ألف مقاتل معظمهم من الوحدات الكردية على طول شريط حدودي مع تركيا لإنشاء منطقة آمنة. وردت تركيا بأنها هي الأخرى تريد إنشاء منطقة آمنة وتريد أيضاً إرجاع ثلاثة ملايين ونصف من اللاجئين السوريين إلى مساكنهم. نحن لا نعلم إذا كان الإعلان الأميركي قد تم بالتشاور مع قيادات الوحدات الكردية. من المؤكد، بالمقابل، أن الخطوة الأميركية المعلن عنها تعتبرها أنقرة استفزازاً. وليس مستبعداً أن تكون الإدارة الأميركية سعت إلى استدراج أنقرة إلى معمعة اشتباك مباشر مع الوحدات الكردية التي تعتبرها الحكومة التركية الأردوغانية امتداداً «إرهابياً» لحزب العمال الكردستاني الموصوف هو أيضاً بالإرهاب وفقاً لتوصيف شائع ومبتذل دشنته وسوقته القوى الكبرى. يندرج الاستفزاز المذكور في سياق التموضع المستجد للإدارة الأميركية ومحاولتها خلط الأوراق في سورية لإرباك اللعبة الروسية وتحجيم النفوذ الإيراني.

هناك خشية متزايدة من حصول مواجهة بين القوات التركية وحلفائها السوريين وبين القوات الأميركية وحلفائها، خصوصاً مع تزايد الإصرار التركي على توسيع رقعة التوغل العسكري لتشمل مدينة منبج حيث توجد القوات الأميركية. وقد أفصح الطرفان عن هذه الخشية وعطفاها على حرصهما على تفادي الأمر قدر المستطاع. المشكلة الفعلية الآن باتت تتعلق بوضعية القوة الكردية الصاعدة وكيفية ترجمتها إلى دور سياسي في الخريطة السورية المنهكة والمتشظّية. فمن الواضح أن أنقرة تسعى إلى وضع حد لتعاظم الموقع الكردي في سورية وبالتالي في تركيا نفسها. صحيح أن المتاهة السورية أسفرت عن بزوغ قوة فاعلة كردية تعمل وفق أجندة خاصة بها، مما عرّضها ولا يزال يعرّضها لنيران متقاطعة تصدر عن النظام ومواليه وعن قسم واسع من المعارضة في آن. ويخشى أن يدفع الأكراد ثمن المناورات الإقليمية والدولية وتحويلهم من جانب الحليف الدولي، من طريق وعود وابتزازات، إلى مجرد أداة تستخدم لحسابات لا علاقة لها بالشرعية المعنوية والأخلاقية لتطلعات الأكراد وطموحهم إلى تشكيل جسم سياسي متمايز ومستقل. هناك وصفة صلفة أطلقها نافذون في إدارة جورج بوش الإبن إبان اجتياح العراق لرسم حدود لدور حلفاء أكبر حجماً ونفوذاً من الأكراد وغيرهم وهي تقول: نحن نطبخ وأنتم تغسلون الصحون.

ثمة في المنطقة من يقبل بغسل الصحون. وهذه ليست حال تركيا، بغض النظر عن رأينا في سياسات أردوغان ونزوعه إلى الشخصانية السلطوية. ومن المفترض أن يكون قادة القوى الكردية الوازنة كذلك بالنظر إلى خبرة سياسية مكتسبة ولا يستهان بها. ففي عالمنا هذا ليس هناك تطابق بين الشرعية الأخلاقية والشرعية السياسية. هذا التطابق غير موجود أصلاً. أقصى ما نجده هو نوع من التقريب النسبي جداً بين المستويين. والحال أننا في حقبة تسود فيها الصلافة وتكاد تستولي على حقل السياسة برمته. يكفي أن ننظر، بالأحرى أن نسمع تغريدات رئيس الدولة الأعظم في العالم، بلبل النيوليبرالية في نسختها الميركنتيلية الفجة. فها هو يغرد واعداً بقطع المساعدات عن الفلسطينيين لأنهم قللوا من احترام أميركا، أي لم يسبحوا بحمدها. هكذا يصبح إعلانه الأخير أمام نتانياهو عن أن موضوع القدس أصبح خارج التفاوض بمثابة تأديب للولد الفلسطيني العاق. والذين قارنوا بين وضع الفلسطينيين ووضع الأكراد لم يقدموا خدمة جيدة لا لهؤلاء ولا لأولئك. بل للديماغوجيا. فالأكراد غير مهددين بالاقتلاع والاستيطان. طموحهم الشرعي إلى تشكيل جسم سياسي معترف به ومتمايز بخصوصيته اللغوية والثقافية أمر قابل للتحقق، وإن بصعوبة، في إطار وطني تعددي ومنفتح.

ليس لدينا أي إعجاب بسياسات أردوغـــان في تركيا وفي سورية تحديداً. غير أن النزاهة تقتضي الاعتراف بأن لحكومة منتخـــبة ديموقراطياً وتستضيف أكثـــر من ثلاثة ملايين لاجئ، وتعرضت لمحـــاولة انقلاب يمهّد لحرب أهلية، الحـــق في الدفــاع عن مصالحها. أما اختلاط الشعبي والاجتماعي بالأهلي فهو مشكلة أخرى.

 

 

 

 

شرخ أميركي – تركي يتسع في سورية/ جويس كرم

كأن العلاقة التركية- الأميركية المتأزمة أصلاً بين محاكمات في نيويورك تطاول مقربين في مجال الأعمال من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتهديدات القنصلية، وسياسة المحاور بين إيران وروسيا والأكراد، كان ينقصها التوغل التركي في شمال سورية لتزداد سوءاً.

التصريحات العلنية «المتفهمة لقلق تركيا الأمني» التي شدد عليها وزيرا الدفاع والخارجية الأميركية جايمس ماتيس وريكس تيلرسون لم تعد كافية لإخفاء امتعاض واشنطن مما تقوم به أنقرة في سورية ولأسباب عدة أبرزها اثنان:

أولاً، اختيار تركيا توقيت العملية بعد أيام من إعلان تيلرسون استراتيجية أميركية جديدة في سورية أعمدتها وجود عسكري أميركي طويل الأمد، إنهاء «داعش»، وإضعاف إيران مع التأكيد أن تحالف القوات الكردية والعربية الذي تدعمه واشنطن سيحتفظ بالأراضي التي حررها من «داعش». وفي حين يمكن تفهم انزعاج تركيا من هدفين في هذه الاستراتيجية على الأقل، فإن قيامها بالعملية ومن دون تنسيق مسبق مع واشنطن، أزّم الوضع مع إدارة دونالد ترامب.

مصادر غربية قالت لـ «الحياة» إن واشنطن علمت للمرة الأولى بالعملية من طرف ثالث وليس من تركيا وتفاجأ المسؤولون الأميركيون بالخبر. هذا الطرف كانت أبلغته أنقرة كما يتم التعاطي مع الحلفاء، ولَم تبلغ الإدارة الأميركية إلا قبل وقت قليل من إعلان العمل العسكري. وجاءت محاولة ماتيس بالتأكيد أن أنقرة أبلغت واشنطن، لاحتواء الخلاف وفتح قنوات الاتصال بدل مفاقمة الأزمة. ونقل هذه الرسالة وفد أميركي زار تركيا في ٢٣ كانون الثاني (يناير) الجاري وشمل نائبي مساعدي الخارجية والدفاع لشؤون أوروبا وحلف شمال الأطلسي جوناثان كوهن وتوماس غافوس. والتقى الوفد بمسؤولين في الخارجية التركية وقيادات عسكرية للبحث في ما يجري في عفرين على رغم أن الزيارة كانت معدة قبلاً.

وجاء اتصال ترامب بأردوغان ليُخرِج إلى العلن نقاط الخلاف الأميركي- التركي ومع تأكيد البيت الأبيض ضرورة خفض التصعيد في عفرين والدعوة إلى تنسيق أفضل مع الجانب الأميركي.

السبب الثاني في استياء واشنطن من التحرك التركي هو في عدم تحديد مداه ومخاوف من أن يهدر نجاحات الاستراتيجية الأميركية ضد «داعش». ففي حال تقدم تركيا إلى وسط عفرين والدخول في معركة في قلب المدينة، فهذا سيعني عدد ضحايا أكبر، وثانياً إمكانية انتقال القوات الكردية التي تحارب «داعش» من تلك المناطق في شرق سورية إلى الشمال للتصدي لتركيا، بالتالي إمكانية عودة «داعش» وخلاياه المنسحبة للسيطرة على هذه المناطق.

هذا السيناريو هو خط أحمر لواشنطن، وهناك ضغوط أميركية جارية على تركيا لعدم التوغل عميقاً في الشمال السوري أو حتى التفكير في دخول منبج، حيث هناك قوات أميركية قد تدخل المعركة إلى جانب الأكراد في حال الشعور بتهديد عسكري. وهنا يسعى الجانب الأميركي إلى حل وسط يتعاطى مع مخاوف تركيا الأمنية وحيال حزب العمال الكردستاني الذي وصفه ترامب «بالإرهابي» وفِي الوقت ذاته يراعي أولويات واشنطن في سورية على رأسها هزيمة «داعش». ومن المقترحات منطقة آمنة مصغرة أو شريط حدودي لتركيا في الشمال، يضمن أمنها ويتفادى توغلاً عميقاً في عفرين أو غيرها. شكل هذه المنطقة وجغرافيتها ما زال قيد الدرس إنما تحقيقها بات ضرورة أمنية لتركيا واستراتيجية لواشنطن لحماية مصالحها.

أسبوع على العملية التركية ولا حل عسكرياً في الأفق، مع وقوع أكثر من ٢٤ ضحية مدنية. الوقت ليس لمصلحة أي من أنقرة أو واشنطن، وكون حرب استنزاف تركية- كردية في سورية ستفيد خصوم الأميركيين والأتراك أولاً. بالنسبة لسورية نفسها، فالحرب دخلت مرحلة المحاصصة الإقليمية والدولية وتوزيع نفوذ بغض النظر عن شكل العملية السياسية أو اسم رئيس البلاد أو حكومته في دمشق.

الحياة

 

 

 

 

 

هل تنقذ موسكو عفرين وتعدّل «مسار سوتشي» ؟/ جورج سمعان

بدأت تركيا «عملية عفرين». تحولان رئيسيان دفعاها هذه المرة إلى ترجمة تهديداتها ميدانياً: أولهما هجوم قوات النظام بمساندة حليفيه الإيراني والروسي على مناطق إدلب، وثانيهما عزم الولايات المتحدة على إنشاء جيش جله من الكرد شمال سورية وشرقها. ويعمق هذان العاملان الخلاف بين أنقرة وكل من موسكو وواشنطن. روسيا كانت أعلنت أن مهمات قواتها هذه السنة هي القضاء على «جبهة فتح الشام» (النصرة). وانتظرت طويلاً أن تتولى تركيا هذه المهمة باعتبارها معنية بمنطقة «خفض التوتر» في محافظة إدلب. لكنها تريثت ولا تزال بانتظار ضوء أخضر من شريكيها في آستانة من أجل إنهاء «الإدارة الكردية» في عفرين. كانت تتوقع اعتماد نموذج حلب عندما تخلت في 2016 عن هذه المدينة والفصائل المعارضة فيها، مقابل سيطرتها على الباب بعد جرابلس وأعزاز. كانت تتوقع ربما إطلاق يدها لمواجهة «حزب الاتحاد الديموقراطي» مقابل تقدم قوات النظام نحو إدلب واستعادة السيطرة على طريق حمص- حلب. ما أثار الخلاف والشكوك بين موسكو وأنقرة ليس العلاقة الجيدة بين الأولى والكرد فحسب، بل انتشار عناصر روسية في عفرين وقراها عندما حاولت قوات موالية لتركيا التقدم نحو المدينة. وهنا العقبة الأساس، وليست في موقف أميركا التي لا وجود عسكرياً لها في هذه المنطقة، وصرحت بأن عملياتها لا تشمل هذا الجزء من سورية. لكنها عارضت وتعارض العملية العسكرية.

العقبة أمام تركيا في موقف روسيا التي عليها أن تجد الوسيلة للحفاظ على علاقات جيدة مع أنقرة ومع الكرد في آن. فهي حريصة على إنقاذ مؤتمر سوتشي وكذلك على… عفرين التي تهدد بإشعال حرب مدمرة قد تفتح الباب على مواجهات أوسع. فلا أحد يضمن عدم امتدادها على طول الحدود الشمالية لسورية (نحو 400 كيلومتر)، إذا اختار «حزب الاتحاد الديموقراطي» تخفيف الضغط عن مناطقه غرب الفرات. لذلك تبقى العملية التركية التي بدأت ضمن حدود ترسمها موسكو التي يبدو أنها أشعلت «الضوء الأصفر» فقط. أي أنها قد تسمح بتطويق عفرين والسيطرة على بعض القرى والنواحي المجاورة لها التي يسكنها العرب. وتسعى بعدها إلى إقناع الحزب الكردي بإخراج مقاتليه من المدينة وإقامة «إدارة ذاتية جديدة» فيها فلا يشكلون شوكة دائمة في خاصرة تركيا. وهي بذلك تطمئن الأخيرة التي تبالغ في الحديث عن خطة أميركية للربط بين المناطق الكردية شرق النهر وغربه، ثم العمل مستقبلاً على فتح ممر إلى البحر المتوسط يمر شمال غربي إدلب و… جنوب أنطاكيا (هاتاي) أيضاً. وهو ما يهدد وحدة الأراضي التركية! وتدرك القيادة الروسية مدى حاجتها إلى أنقرة لتعميق ابتعادها عن الولايات المتحدة وأوروبا والأطلسي عموماً، ولمساعدتها في توفير غطاء لـ «مؤتمر الحوار» بالضغط على فصائل معارضة ودفعها إلى سوتشي. مثلما تدرك هذه القيادة حاجتها أيضاً إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع «حزب الاتحاد» الذي ساعدها في كثير من المــــواقع، وبينها حلب. وسهل لقوات النظام التقدم على حساب الفصائل المعارضة. فهي تراهن على ورقـــة الحزب لتقرير مصير شرق سورية وشمالها مستقبلاً، وتقاسم النفوذ فيها مع النفوذ الأميركي. وتزداد حاجتها إليه اليوم أكثر بعدما أكدت واشنطن أنها باقية في بلاد الشام، وتعزز «قوات سورية الديموقراطية»، وتعارض «الحل الروسي المنفرد» للأزمة. وتسعى إلى إعادة إحياء دور الأمم المتحدة.

كانت تركيا، قبل «عملية عفرين» تسعى إلى المساومة مع شريكيها في آستانة. دانت هجوم قوات النظام وحليفيه نحو مناطق تعدها جزءاً من فضائها الأمني. وهددت بإعاقة مؤتمر سوتشي ما لم يتوقف هذا الهجوم. وذهب وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو أبعد من ذلك. لوح بخلق مسار سياسي بديل، بترتيب اجتماع لوزراء خارجية الدول «ذات الرؤى المشتركة» حيال أزمة سورية. أي أن بلاده لن تعود معنية بتفاهمات العاصمة الكازاخية، ولن تسهل «مؤتمر الحوار». في حين تبدي موسكو حرصاً على دور أنقرة في إقناع فصائل معارضة بحضور المؤتمر الذي كلما اقترب موعد انعقاده ارتفعت الأصوات المعارضة له. لكن ما أقلق القيادة التركية ودفعها إلى تحريك قواتها هو توجه الأميركيين إلى المساعدة في إنشاء جيش جله من الكرد. ولم تفلح واشنطن في تهدئتها وطمأنتها إلى أن هذا الجيش لن يطاول دوره حماية الحدود. المهم أن «عملية عفرين» تضيف صورة إلى المشهد الاستراتيجي الجديد في سورية. وهو مشهد يكاد يكتمل بعدما كشفت إدارة الرئيس دونالد ترامب استراتيجيتها في بلاد الشام، وبدأت خطوات على طريق التنفيذ. وزير الخارجية ريكس تيلرسون كشف أن لوجود بلاده في سورية خمسة أهداف على رأسها إنهاء نفوذ إيران والتوصل إلى حل سياسي برعاية الأمم المتحدة (على أساس القرار 2254) يؤدي إلى رحيل الرئيس بشار الأسد. وأكد أن التغيير قادم، وحض موسكو على الوفاء بالتزاماتها وبالضغط على النظام في دمشق للانخراط في مفاوضات جنيف. وترجمة لهذه الاستراتيجية التي باتت واضحة تماماً عقد اجتماع خماسي قبل أيام ضم ممثلين عن بلاده وفرنسا وبريطانيا والسعودية والأردن لدرس مسودة إصلاحات دستورية وإعادة هيكلة المؤسسات السورية. وسيكون هذا بديلاً من «سلام زائف» تعد له موسكو!

هذا التحول الجذري في موقف واشنطن يطوي صفحة السياسة التي اعتمدتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ومنحها روسيا الفرصة تلو الأخرى لحل الأزمة. ويخفض سقف توقعات الكرملين من مؤتمر سوتشي. ويؤسس لحضور أميركي في سورية سيكون بالتأكيد على حساب اللاعبين الآخرين، خصوصاً إيران وتركيا، ما دام أن موسكو أقرت في أكثر من مناسبة بأن لا تسوية في هذا البلد من دون تفاهم مع واشنطن. ويؤسس هذا التحول لمسار ثانٍ داعم لمسار جنيف. ويفرض توازناً لا يمكن موسكو تجاهله. فهل يعقل مثلاً أن تقرر الأخيرة دعوة ممثلي الدول الكبرى الأخرى في مجلس الأمن كمراقبين إلى مؤتمر يرسم مستقبل سورية وموقعها في خريطة النفوذ الإقليمي! لا تتجاهل الولايات المتحدة حقيقة أن الحل «شراكة» بينها وبين روسيا وأوروبا وقوى إقليمية أخرى. لذا لا يمكنها أن ترضى بأن يستأثر الكرملين بتوزيع «الحصص» في بلاد الشام، سياسةً وإعادة إعمار. أو أن يرسم لها وللمتصارعين الآخرين على بلاد الشام حدود أدوارهم ومصالحهم، وأن يسعى في الوقت عينه إلى مباركة أو «شرعية» دولية لسياسته!

روسيا أمام امتحان كبير في «عملية عفرين» لإنقاذ علاقاتها المتجددة مع تركيا. وهو امتحان يترافق مع امتحان آخر. فهل تأخذ في الاعتبار جديدَ الموقف الأميركي فتعدل خطتها إلى سوتشي، وتقدم إلى وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» الذي سيزورها قريباً ما يشجع المعارضة على المشاركة في «مؤتمر الحوار»؟ ومثلها أنقرة تواجه تحدياً لدورها في سورية شبيهاً بالتحدي الذي سيواجه إيران التي بدت الرابح الأكبر حتى الآن. لكنها مثل النظام ترتاب من مقررات «مؤتمر الحوار»، بقدر ما ترتاب من إمكان قيام تفاهم أميركي- روسي ينتهي بتحجيم دورها وحضورها، خصوصاً أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة التي كشفها تيلرسون أخيراً هدفها الرئيس مواجهة هذا الحضور مقدمة لتقليص هيمنتها على الإقليم كله وقطع الجسر الذي يصلها بالبحر الأبيض المتوسط. وما يزيد من ارتيابها إحجام القيادة السورية عن التزام الاتفاقات الاقتصادية التي كانت توافقت مبدئياً عليها مع دمشق بعدما استجابت هذه ضغوط موسكو في التريث. لذلك، ستجد نفسها، مثل تركيا اليوم، ملزمة مراعاة شريكها الروسي لحاجتها إلى قوة كبرى في مجلس الأمن أعلنت أخيراً أنها ستعمل على حماية الاتفاق النووي. مع إدراكها أن قيام مسار أميركي جديد للتسوية قد يدفع الكرملين إلى التمسك أكثر بدورها الميداني على الأرض وإن… موقتاً.

الحياة

 

 

 

صرخة سورية في وجه أردوغان/ حازم الامين

من أطلق على رجب طيب أردوغان لقب «أسد السنّة» لا يملك حساسية أخلاقية حيال «أسد سورية»، لا بل هو معجب إلى حدٍ بعيد بـ «أسد» بلاده، بصفته نموذجاً يجب إطاحته لإحلال «أسدٍ» مشابه مكانه. ومناسبة هذا الكلام استئناف جماعات سورية موالية لأردوغان هذه العبارة في سياق حربه على أكراد بلادهم.

والحال أن المرء يعجب من قلة اكتراث أردوغان بالحسابات السورية في سياق تقلباته من موقع إلى موقع، ومن حرب إلى حرب. بالأمس القريب ذهب في خطابه ضد بشار الأسد إلى حدود وصف «صديقه القديم» بالشيطان الرجيم، وها هو اليوم يعود أدراجه إلى موسكو وإلى طهران غير مكترث بما تجرّه هذه العودة من تداعيات على حلفائه من الجماعات السورية المعارضة. وإذا كان من الطبيعي أن يتقدم الحساب التركي حسابات الرجل في سورية، فإن الحساب السوري لا يتقدّم على ما يبدو حسابات أتباعه السوريين. وهذا شأن الجماعات المستتبعة في كل حروبنا الأهلية. وأردوغان غير المكترث للحسابات السورية وما تجر تقلباته عليها من مآسٍ واختلالات، يشبه في قلة اكتراثه، شريكاً إقليمياً آخر له، هو طهران، فالأخيرة بدورها خاضت حروباً هائلة في سورية لم تقم فيها أي اعتبار للحساب السوري. قُتل في هذه الحروب مئات الآلاف من خصومها المذهبيين ومن حلفائها المذهبيين أيضاً، ولم يعن لها هذا أكثر من أثمان «طبيعية» لحرب الحفاظ على الموقع.

والغريب أن طرفي الحرب السورية الإقليميين (إيران وتركيا)، إذا ما اعتبرنا روسيا والولايات المتحدة طرفيها الدوليين، يصولان ويجولان في كل من العراق وسورية في حربٍ واحدة يتحالفان فيها في لحظتها الكردية ثم يعودان ويبتعدان في لحظتها المذهبية بما يشبه رقصة فالس دموية. اليوم حان وقت مدينة عفرين. طهران أفسحت المجال لشريكها في الرقصة الدموية. خطوة إلى الوراء مع ابتسامة لعوب على ما تقتضي قواعد «الفالس»، أما المجتمع المحلي، فهو مكتفٍ بالتصفيق والإعجاب. وأردوغان يحمل «غصن الزيتون» ويتقدم إلى المدينة، على وقع هذا التصفيق. الرجل الذي باع حلب للروس، ويفاوض اليوم على إدلب، غير مكترث بمستقبل المصفقين. يريد أن يهزم الأكراد في عفرين، تماماً كما هزمهم قاسم سليماني في كركوك، مع فارق طفيف يتمثل في أن طهران أهدت بعض غنائم نصرها في كركوك إلى حلفائها من الشيعة في العراق، فيما أردوغان بصدد أن يدفع ثمن نصره لعدوي حلفائه من السنة في السورية، أي إلى موسكو وطهران.

من الصعب ومن المؤلم مطالبة ما تبقى من معارضة سورية بموقف صلب من تركيا، فذلك سيجر عليها أثماناً إنسانية يصعب دفعها اليوم. لكن إعادة النظر هنا تبدو ملحة، والألم السوري فاض على حسابات الحروب الكثيرة التي يشهدها هذا البلد. فأردوغان مثله مثل قاسم سليماني ومثل بشار الأسد تحول راقصاً على دماء السوريين، والرابطة المذهبية جرت على أصحابها ما لا يمكن ضبطه من مآس ليس مصير حلب صورتها الوحيدة.

ثمة حدث هائل في سورية اليوم، وليست عفرين مسرحه الوحيد. عودة أميركية وانعطافة تركية وتحفز روسي، وفي موازاة ذلك لا يبدو أن هناك أثراً لصوت سوري يعلن أنه معني بما يجري. النظام هو الحلقة الأضعف في تحالف موسكو وطهران، والمعارضة عاجزة عن إعلان موقف من فصائل سورية ذاهبة إلى قتال سوريين آخرين إلى جانب جيش غير سوري.

سيتكشف «النصر» التركي في عفرين عن مزيدٍ من الهزائم التي أصابت وتصيب السوريين. سيتعزز موقع موسكو وطهران، وستزيد فرص بشار الأسد في النجاة والاستمرار رئيساً. الذاهبون إلى القتال في عفرين إلى جانب رجب طيب أردوغان، ذاهبون إلى حرب إدامة سلطة النظام الذي قتل السوريين. ألا يتطلب ذلك تضحية مهما كانت أثمانها، موقفاً أخلاقياً على الأقل، صرخة في وجه الشريك القديم الجديد للطاغية؟

الحياة

 

 

 

تطوّرات خطيرة في سوريا

رأي القدس

تمثّل عمليّة «غصن الزيتون» (الاسم الذي أطلقته وزارة الدفاع التركية على معركتها مع «وحدات الحماية الكردية» في مدينة عفرين) بؤرة تجميع لعدد من التطوّرات الكبيرة على الساحة السورية.

أول هذه التطوّرات هو أن العملية تمثّل أول انخراط عسكريّ برّي وجوّي كبير لتركيا داخل سوريا، مما يستلزم تحريكا كبيراً للقوّات والطائرات والدبابات، مما يعني، على المستوى البعيد، سيطرة فعلية على مساحات كبيرة من سوريا توازن التواجد المتعدد للقوات الأمريكية والروسية والإيرانية.

غير أن هذا الانخراط التركيّ المباشر ما كان ليحصل لولا اضطرار القوتين المسيطرتين على السماء السورية: أمريكا وروسيا، لقبول هذه العملية، وهو ما تبدّى عبر التصريحات الأمريكية التي تخلّت عمليّا عن حلفاء واشنطن الأكراد في عفرين بدعوى أن قواتهم هناك لا تشارك في عمليات «التحالف» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وعبر انسحاب العناصر الروسية التي كانت متواجدة في عفرين، حسب تأكيدات لمراسلي «القدس العربي».

يرتبط هذا الحدث بتطوّر آخر لا يقلّ أهمّية عنه ويتمثل بإعلان الولايات المتحدة الأمريكية العمل على تشكيل جيش من ثلاثين ألف مقاتل من «قوات سوريا الديمقراطية» لحماية الحدود العراقية والتركيّة، وهو ما اعتبر شكلاً من إعلان دولة كرديّة تسيطر على مناطق شاسعة وغنيّة بالنفط والمحصولات والمياه، وما تبع ذلك من إعلان غير مسبوق لاستراتيجية أمريكية حول سوريا تتصّدى عمليّاً لكل من روسيا وإيران.

إعلان هذه الاستراتيجية الأمريكية فاجأ الروس وساهم، كما هو واضح، في قرارهم السماح، لأول مرة، بوقف منظومتهم الدفاعية الصاروخية وفتح الطرق الجوّية والبرية لحركة الجيش التركي، ولعلّ المستجدّ غير المتوقع في هذا الإطار هو تأكيد فرانس كلينتسيفيتش نائب رئيس لجنة الدفاع والأمن بمجلس الاتحاد الروسي أن بلاده لن تتدخل في حال نشب نزاع بين قوات النظام السوري والجيش التركي، وهو تصريح فريد من نوعه لأن موسكو، كانت على مدار سنوات الأزمة السورية، هي الراعية الكبرى لنظام بشار الأسد وحاميته العسكرية.

على المستوى الإقليمي، كان تصريح الخارجية الإيرانية لافتا حيث استخدمت تعبيرات «قلق بالغ»، و«الأمل في إنهاء العمليات التركية ضد المدينة» وهو ما يكشف عن رفض أقلّ مما هو متوقع بينما رفضت الخارجية المصرية العملية واعتبرتها «انتهاكا جديداً للسيادة السورية»، وهو أمر يمكن أن يُفهم على ضوء العداء المستحكم بين النظام المصري والحكومة التركية، وفي خلفيّته طبعاً تأييد الأخيرة للرئيس المعتقل محمد مرسي ومواقفها المعلنة ضد سيطرة إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي على السلطة.

يمكن قراءة هذه التطوّرات العسكرية على أرضية آفاقها السياسية الممكنة، وفي صلبها بالتأكيد، اتضاح الموقف الأمريكي من رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، فدعم روسيا المستجد لدخول تركيا حمأة الساحة السورية بقوّة يمكن اعتباره ردّاً على هذا الموقف (إضعاف الجناح الغربيّ لحلفاء أمريكا الأكراد)، كما يمكن اعتباره تفاعلاً معه (التصريح «الحيادي» حول عدم التدخل في صراع محتمل بين القوّات التركية وقوّات الأسد)، وقد يفسّر باعتباره قبولاً مبدئياً بواقعية فكرة «تحجيم النفوذ الإيراني».

وإذا كان موقف نظام الأسد، الذي اعتبر ما حصل «عدوانا غاشما»، لا يمكن احتسابه فعليّاً كونه رهينة بيد الروس والإيرانيين، كما أن موقف السيسي المهموم بـ»السيادة السورية» بعكس رئيسها نفسه، وصاحب تصريح استخدام «القوة الغاشمة» ضد شعبه، لا يمكن أن يؤثر فعلياً على المعادلات السورية المعقدة، فإن القوة الدولية الوحيدة التي ناهضت العمليّة كانت فرنسا التي دعت لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، وهو أمر يصعب تفسيره.

القدس العربي

 

 

 

هل ينتهي حلم أكراد سوريا في “كورداغ”؟ تعرّف على “عفرين

أنقرة – الخليج أونلاين (خاص)

ما إن أطلقت القوات التركية عملية “غصن الزيتون” العسكرية لتطهير المناطق الخاضعة لسيطرة المسلحين الأكراد المدعومين أمريكياً، في مدينة عفرين، حتى أثيرت العديد من التساؤلات عن أهمية المدينة بالنسبة لتركيا أو المشروع الكردي المدعوم أمريكياً، قرب الحدود السورية – التركية.

وزير الدفاع التركي نور الدين جانيكلي، أعلن الجمعة 20 يناير 2018، بدء القوات التركية والجيش السوري الحر عملية عسكرية في منطقة عفرين التي تسيطر عليها “وحدات حماية الشعب” و”قوات سوريا الديمقراطية” الكرديتان، اللتان تعتبرهما أنقرة تهديداً لأمنها القومي، رغم مناشدة الولايات المتحدة تركيا عدم القيام بعمل عسكري في عفرين.

وشنّ الجيش التركي غارات على عدة مواقع في المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد. وقال إنه استهدف مواقع للمسلحين الأكراد، الذين تعتبرهم أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني المحظور.

وفي أكثر من مناسبة، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، نية بلاده اجتياح منطقة عفرين السورية وتولي مسؤولية تأمينها؛ بسبب تمركز المسلحين الأكراد وتوليهم مسؤولية الأمن فيها.

ونشرت تركيا مئات الجنود وعشرات المدرعات والدبابات في محافظة إدلب (شمالي سوريا)، كما أقامت ثلاث قواعد عسكرية تشرف على منطقة عفرين المجاورة.

وحشدت أنقرة كذلك قوات كبيرة على الحدود مع منطقة عفرين، وقصفت عدة قرى فيها انطلاقاً من قواعدها داخل الأراضي التركية ومن منطقة إعزاز المجاورة ومن محافظة إدلب؛ بناء على اتفاق “خفض التوتر” الذي تضْمنه مع روسيا وايران.

– تأمين المنطقة

وبموجب الاتفاق الروسي التركي الإيراني، من المزمع أن تقيم القوات التركية 14 نقطة في إدلب بهدف الإشراف على وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية والمعارضة في المحافظة.

وتقول أنقرة إن عمليتها في إدلب تكللت بالنجاح رغم حدوث اشتباكات بين قوات النظام والمعارضة مؤخراً.

وأبدت القوات الكردية، مؤخراً، استعدادها للتدخل في إدلب؛ للتصدي لما وصفتها بـ”الجماعات المتشددة”، معتبرةً أن المحافظة منطقة جغرافية، مميزة بجبالها ووديانها وسهولها.

وقالت القوات الكردية على لسان صالح مسلم، الرئيس السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي، إنها ستكون على قدر المسؤولية في طرد جميع القوات الإرهابية منها.

– عفرين

عفرين، هي مدينة سورية تقع في ريف حلب الغربي، وهي خاضعة لسيطرة “وحدات حماية الشعب” الكردية، وتطالب تركيا بتطهيرها من “المنظمات الإرهابية”، التي تقول إنها تهدد أمنها القومي.

وتبعد المدينة عن مركز مدينة حلب بنحو 60 كيلومتراً في الجهة الشمالية الغربية، وهي أحد التجمعات الكردية الثلاثة، إضافة إلى الجزيرة (تقع بمحافظة الحسكة) وعين العرب (كوباني)، وهي منطقة حدودية محاذية لولاية هاتاي التركية.

وتضم عفرين نحو 350 قرية وبلدة صغيرة وكبيرة، من أهمها عفرين المدينة، وجندريسة وبلبلة وشية، وراجو وشرا.

وعكس منطقتي كوباني والجزيرة، تقع عفرين بنقطة بعيدة نسبياً عن المناطق الكردية الأخرى في شمالي سوريا، وتحاذيها مدن ومناطق عربية، ولا تجاورها في الجهة التركية مدن ولا قرى كردية.

وتمتاز عفرين بتنوع تضاريسها بين الجبال والسهول، ويمر منها نهر عفرين، الذي يعتبر من أهم المصادر التي تمد الأراضي الزراعية السورية بالماء، ويتراوح ارتفاع المدينة بين 700 و1296 متراً، ويعتبر الجبل الكبير أو ما يُعرف بجبل كرية مازن أعلى قممها، وتبلغ مساحتها 2 في المئة من مساحة سوريا.

وتشتهر عفرين بإنتاج زيت الزيتون والحمضيات والعنب، إضافة إلى وجود العديد من المواقع الأثرية مثل قلعة سمعان، وقلعة النبي هوري وتل عين داره، والجسور الرومانية على نهر عفرين وجسر هره دره، الذي بَنَتْه ألمانيا قبيل الحرب العالمية الأولى.

ويعتمد النشاط الزراعي بمنطقة عفرين أساساً على الزيتون؛ إذ تضم 18 مليون شجرة، ونحو ثلاثين ألف شجرة رمان، إضافة إلى محاصيل أخرى مثل العنب والكرز والبطيخ والخيار، وتؤمِّن محاصيل هذه الزراعات الاكتفاء الذاتي لعفرين وزيادة.

كما أن هناك سكة حديدية بَنَتْها الدولة العثمانية قبيل الحرب العالمية الأولى، وهي تأتي من تركيا عبر منطقة عفرين وتصل إلى مدينة حلب.

– التاريخ والسكان

تشير بعض المصادر إلى أن الاسم القديم لمنطقة عفرين هو “جبل كورمينج”، وأُطلق عليها اسم “كورداغ” خلال حكم الدولة العثمانية، ولكن بعد مجيء الانتداب الفرنسي إلى شرقي البحر الأبيض المتوسط وسوريا، قُسمت منطقة “جبل كورمينج” إلى قسمين: الأول ظل تحت سلطة فرنسا في سوريا، في حين أُلحق الثاني بتركيا.

وبعد استقلال سوريا عقب الجلاء الفرنسي عنها، أصبح اسم المنطقة “عفرين”.

وتشير إحصائيات غير رسمية إلى أن عدد سكان عفرين بلغ قبل الثورة السورية نحو نصف مليون نسمة، يتوزعون في مركز المدينة وسبع نواحٍ رئيسة: شران، وشيخ الحديد، وجنديرس، وراجو، وبلبل، والمركز، ومعبطلي.

غير أن المدينة اكتظت لاحقاً بالسكان بعد توافد نحو نصف مليون نازح من المدن المجاورة، ليتجاوز عدد سكانها مليون نسمة.

وفي حين تؤكد معظم المصادر أن عفرين ذات أغلبية كردية، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 17 نوفمبر 2017: إن “أغلبية سكان منطقة عفرين هم من العرب”.

تعتبر منطقة عفرين مركزاً تجارياً وإدارياً، وذكر تقرير لمجموعة عمل اقتصاد سوريا في أغسطس 2015، أن المنطقة تضم معامل ومنشآت صناعية كبيرة، خاصةً تلك التي تعتمد على المنتجات الزراعية مثل معاصر الزيتون ومعامل البيرين والفحم، كما انتقل عدد من معامل الألبسة من مدينة حلب إلى عفرين؛ بسبب الوضع الأمني المتدهور في حلب، التي كانت العاصمة الاقتصادية لسوريا.

– الأهمية

تخضع المدينة سياسياً للإدارة الذاتية، وعسكرياً وأمنياً لـ”وحدات حماية الشعب”. وفي يناير 2014، أعلن حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) إدارةً ذاتيةً شمالي سوريا في تجمعات ثلاثة: عين العرب (كوباني)، والجزيرة في الشرق، وعفرين بالغرب.

وتحتل عفرين أهمية استراتيجية في المشروع الكردي؛ نظراً إلى أنها تشكل الجسر الجغرافي لوصل هذا المشروع بالبحر الأبيض إذا ما أتيحت الظروف لذلك، كما صرح بذلك العديد من المسؤولين الأكراد.

غير أن هذه المنطقة تعد خطاً أحمر بالنسبة لتركيا، التي تؤكد أنها لن تسمح بإقامة كيان كردي على حدود تركيا الجنوبية مع سوريا.

وقال الرئيس التركي، في تصريح سابق، إنه لن يسمح بإقامة “ممر إرهابي” يبدأ من عفرين ويمتد إلى البحر المتوسط.

كما طالب أردوغان في 17 نوفمبر 2017، بتطهير عفرين من الأكراد. وقال: إنه “من الضروري جداً بالنسبة لنا تطهير منطقة عفرين من المنظمة الإرهابية؛ حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه وحدات حماية الشعب الكردية”.

وتفصل منطقة عفرين بين مناطق سيطرة فصائل “درع الفرات”، التي تدعمها تركيا في جرابلس، والباب، وإعزاز إلى الشرق من عفرين ومحافظة إدلب في الغرب؛ ومن ثم فإن السيطرة التركية على عفرين تحقق تواصلاً جغرافياً على جميع المناطق الحدودية الواقعة بين مدينة جرابلس غربي الفرات والبحر المتوسط.

وتعني هذه السيطرة القضاء على أي إمكانية لتحقيق التواصل الجغرافي بين المناطق الكردية ومنع الأكراد من وصل مناطقهم بعضها ببعض.

وأعلن الرئيس التركي في 9 يناير 2018، أن جيش بلاده سيوسع عملية “درع الفرات” لتشمل منطقتي عفرين ومنبج (شمالي سوريا).

وأطلقت تركيا عام 2016 عملية درع الفرات على حدودها مع سوريا؛ للقضاء على ما وصفته بـ”ممر الإرهاب”، المتمثل في خطر تنظيم الدولة، والمقاتلين الأكراد السوريين، الذين تقول تركيا إنهم يتبعون حزب العمال الكردستاني التركي المصنف إرهابياً في تركيا وأمريكا وأوروبا.

– مسألة وجود

وبالنسبة للأكراد، فإن عفرين بوصفها إحدى المقاطعات الكردية الثلاث في سوريا، والمحافظة عليها والدفاع عنها يعتبران مسألة وجودية بالنسبة لهم ولن يتخلوا عنها بسهولة. كما أنهم يطمحون إلى وصلها بالمناطق الكردية الأخرى، بحسب تصريحات القيادات الكردية في سوريا.

ورغم تأكيد الولايات المتحدة التزامها بالدفاع عن شركائها الأكراد في المنطقة الواقعة غربي نهر الفرات، فإنها تجنبت

 

 

 

 

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تتبنى قوة محلية سورية تستهدف تركيا/ رائد الحامد

بدت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في سوريا، ردا عمليا على الاتهامات التي واجهتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بغياب استراتيجية واضحة في سوريا، وردا على الاتهامات الموجهة للإدارة السابقة بغياب الدور الأمريكي الفاعل في الأزمة السورية.

وأواخر عام 2017 قررت الولايات المتحدة الأمريكية البقاء في سوريا لأجل غير محدود، بما يفرضه هذا القرار من تعزيز القدرات القتالية للقوات الحليفة لها، الممثلة بقوات سوريا الديمقراطية، وهي قوات تتشكل من عرب وأكراد وفئات قومية أخرى تخضع في قرارها بشكل مطلق لقيادة وحدات الحماية الشعبية، التي تمثل الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا.

أدخلت الولايات المتحدة تعديلات جوهرية على مجمل استراتيجياتها في سوريا، كما أعلن عنها مؤخرا وزير الخارجية ريكس تيلرسون؛ وتتضمن التعديلات استمرار الوجود العسكري الأمريكي في مرحلة ما بعد الانتهاء من قتال تنظيم «الدولة»، وضرورة هذا الوجود لتدمير ما تبقى من عناصر التنظيم، من خلال محاصرتهم وعدم السماح لهم بالفرار من الجيوب المتفرقة التي ما زالت تحت سيطرتهم. كما كشفت الاستراتيجية الأمريكية عن استمرار الوجود العسكري الأمريكي، لأجل غير محدد لمنع الرئيس السوري بالتحالف مع إيران من فرض سيطرته على كامل الأراضي السورية، ووجوب رحيله كشرط مسبق لأي انسحاب امريكي من سوريا، التي تعتقد الولايات المتحدة أن انتخابات حرة وشفافة ستؤدي إلى رحيله بشكل دائم.

ويمكن استكشاف الخطوط العريضة للاستراتيجية الأمريكية في سوريا في منع عودة تنظيم «الدولة»، وتنظيم «القاعدة» مجددا، والحد من نفوذ إيران في سوريا والمنطقة، ومنعها من الوصول إلى الحلفاء في لبنان وسوريا عبر الأراضي العراقية؛ كما كشفت عن عدم السماح للرئيس السوري بشار الأسد ونظامه بلعب أي دور في مستقبل سوريا بعد التوصل إلى تسوية سياسية للحرب الأهلية السورية، وضمان عودة النازحين واللاجئين السوريين إلى مدنهم وقراهم طواعية من دون إكراه، كما أفصح عنها وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون عندما كان يتحدث في مؤتمر في جامعة ستانفورد الامريكية، أقامه معهد هوفر في 18 يناير 2018. وعلى الأرض، ثمة خطوات عملية لتحقيق الاستراتيجية الأمريكية، كانت أكثرها وضوحا، تمثلت في إعلان التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في الرابع عشر من يناير 2018 عن تشكيل قوة حرس الحدود قوامها نحو 30 الف مقاتل تحت قيادة قوات سوريا الديمقراطية، يتشكل نصفها من مقاتلي هذه القوات، بينما يتم تجنيد النصف الثاني من أبناء المناطق التي تسيطر عليها وحدات الحماية الشعبية، التي تقود قوات سوريا الديمقراطية. وسيتم نشر قوة حرس الحدود على طول الحدود السورية التركية، في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية شرق نهر الفرات، وعلى الضفة الشرقية للنهر وصولا إلى مدخل النهر إلى العراق، في منفذ البو كمال الحدودي لإقامة نقاط تفتيش ونشر فرق مكافحة العبوات التي خلفها تنظيم «الدولة» في المناطق التي خسرها، ومهام أخرى.

وتجنبا لردود الفعل التركية الغاضبة، حاول وزير الخارجية الأمريكي في الثامن عشر من يناير التخفيف من الدور الأمريكي في إنشاء قوة حرس الحدود بالقول، إن بلاده لا نية لديها لإنشاء قوة حدودية في سوريا، لكنها ستحافظ على وجودها العسكري حتى بعد انتهاء تهديدات تنظيم «الدولة» تفاديا للخطأ الذي وقعت فيه إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، الذي سحب قواته من العراق نهاية 2011 من دون أن يتم القضاء على التنظيم بشكل كامل، الامر الذي أدى إلى عودته ثانية بشكل أكثر قوة نهاية 2013 ومطلع عام 2014.

ومنذ أكثر من ثلاث سنوات بنت الولايات المتحدة تحالفا عميقا مع قوات كردية قاتلت في مدينة كوباني (عين العرب) ضد تنظيم «الدولة» الهدف الأول للتحالف الدولي الذي تشكل في أغسطس 2014 بعد شهرين من سيطرة التنظيم على مدينة الموصل ومدن أخرى في العاشر من يونيو 2014، واستمرت الولايات المتحدة في تقديم الدعم التسليحي لتلك القوات والتدريب والاستشارة، على الرغم من الاعتراضات التركية.

وكانت تركيا قد أطلقت في أغسطس 2016 عملية «درع الفرات» لانتزاع المدن والمناطق الحدودية من سيطرة تنظيم «الدولة»، ومنع الأكراد من ربط الكانتونات الثلاثة جغرافيا في شمال وشمال غرب سوريا؛ لكن الأكراد بدعم أمريكي يمضون قدما باتجاه إقامة منطقة حكم ذاتي، أو إدارة لا مركزية بصلاحيات مستقلة عن حكومة المركز في الكثير من جوانبها، وعززت هذه المساعي إقدام التحالف الدولي على تشكيل قوة حرس حدود خاصة تحت قيادة قوات سوريا الديمقراطية، التي تدير مناطق الإدارة الذاتية (الكانتونات الثلاثة). وأقامت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم أمريكي، منطقة إدارة ذاتية شملت ثلاثة كانتونات (مقاطعات) في الشمال السوري، تمتد من الشرق على الحدود العراقية في محافظة الحسكة، بما يعرف باسم كانتون الجزيرة، ويتجه غربا بمحاذاة الحدود التركية، بما يعرف باسم كانتون كوباني (عين العرب) شرق نهر الفرات الذي تفصله جغرافيا عن الكانتون الثالث المعروف باسم كانتون عفرين غرب نهر الفرات، مناطق خاضعة لفصائل المعارضة السورية الحليفة لتركيا في بلدات جرابلس والراعي واعزاز على الحدود التركية.

وتحاول الولايات المتحدة الحفاظ على وجود قوات أمريكية في مرحلة ما بعد الانتهاء من قتال تنظيم «الدولة»، لضمان ملاحقة مقاتليه وعدم السماح للتنظيم بإعادة هيكلته، بما «قد» يشكل خطر احتمالات عودته للسيطرة على مناطق ومدن سورية في مرحلة لاحقة؛ لكن الحكومة التركية لا تجد في الايحاءات الأمريكية لمهام القوة الجديدة ما يكفي من التطمينات للخطط الأمريكية، التي تصب دائما في تعزيز قدرات قوات سوريا الديمقراطية القتالية والتسليحية وزيادة نفوذها على الأرض. لكن الولايات المتحدة، ومع الدعم المستمر لقوات سوريا الديمقراطية، لا تزال تعارض إنشاء كيان سياسي كردي مستقل في سوريا؛ كما أن الدعم الأمريكي ظل مثار تساؤلات عدة، حول إمكانية استمراره على المدى البعيد، بعد الانتهاء من قتال تنظيم «الدولة» الذي كان يشكل الهدف الأول من تشكيل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، واستعدادها للتضحية بعلاقاتها الاستراتيجية مع تركيا، العضو الشريك في حلف الناتو الذي يستضيف قاعدة الدعم الأساسية لعمليات محاربة الإرهاب انطلاقا من قاعدة أنجرليك في جنوب تركيا. وتجد تركيا في خطوة التحالف الدولي بتحويل قوات سوريا الديمقراطية إلى حرس حدود بمثابة قوة ثابتة تهدد الأمن القومي التركي، تستوجب اتخاذ ما يلزم من الإجراءات الاستباقية لمنع الولايات المتحدة والتحالف الدولي من بناء مثل هذه القوة، التي ستزيد من قدرات مسلحيها على حدودها الجنوبية، وهددت على لسان الرئيس رجب طيب اردوغان بوأد هذه القوة التي وصفها بأنها «جيش إرهابي»؛ وهي سياسة تركية ثابتة في مواجهة تهديدات أي قوة مسلحة على حدوها الجنوبية.

ومع انطلاق عملية غصن الزيتون في 20 يناير لإخراج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من مناطق كانتون عفرين، سيكون للقوات التركية وبإسناد من المعارضة السورية المسلحة محطة أخرى نحو الجنوب، حيث مدينة منبج الخاضعة هي الأخرى لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وكلاهما غرب نهر الفرات، الذي لا تعترض الولايات المتحدة على مثل هذه العمليات طالما لم تتطور العملية العسكرية إلى شرق الفرات.

وتعلن تركيا أن عملية غصن الزيتون تشمل منطقتي عفرين ومنبج في مرحلتها الأولى ومناطق الشريط الحدودي شرق نهر الفرات، وصولا إلى الحدود السورية العراقية التركية في المرحلة الثانية، وهو ما قد يخلق حالة توتر غير مسبوقة في العلاقات التركية ـ الأمريكية يمكن أن تتطور إلى دعم امريكي حقيقي للقوات الكردية وقوة حرس الحدود الجديدة؛ وتعد مناطق شرق الفرات منطقة نفوذ عسكري امريكي لا تسمح بتقويضه، وهذا ما تدركه تركيا جيدا، التي قد تكتفي بتأمين مناطق غرب نهر الفرات بانتظار تفاهمات روسية تركية أمريكية مستقبلا.

كاتب عراقي

القدس العربي

 

 

 

 

 

حرب عفرين: امتحان للقدرة العسكرية لتركيا ولعلاقاتها الإقليمية/ إسطنبول ــ باسم دباغ

انتقلت أنقرة عبر إعلانها عملية “غصن الزيتون” في عفرين السورية ضدّ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الجناح السوري للعمال الكردستاني، إلى مرحلة أخرى من المواجهة مع الأخير. وبعد توجيه ضربات قاسية ضد الكردستاني في الأراضي التركية وتدمير جزء كبير من قواعده في جبل قنديل، تبدو “غصن الزيتون” المواجهة الأولى المباشرة في الأراضي السورية بين الجانبين، بعد مناوشات عديدة على مدى مراحل الحرب الدائرة في سورية منذ ما يقارب السبع سنوات.

ونجحت الإدارة التركية من خلال اتصالاتها الدبلوماسية، على الأقل حتى الآن، بضمان صمت عدد كبير من القوى الكبرى وتلك الفاعلة في الحرب السورية، وتأتي على رأسها روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وأيضاً ألمانيا. وتمكّنت من تجنّب أي أزمة دبلوماسية كبيرة مع الحلفاء التقليديين في الغرب، خصوصاً الولايات المتحدة، وسط اعتراضات تبدو خافتة من قبل فرنسا وإيران، بينما بدت القوى العربية الأخرى، كالعادة، أضعف من أن تتحرّك لوحدها.

أمّا من الناحية العسكرية، وإن كان من المبكر تقييم العملية، إلا أنّ سلاح الجو التركي، وعلى خلاف التوقعات، بدا قادراً على شنّ عمليات كبرى باستخدام 72 طائرة في اليوم الأول، في وقت متزامن مع تسيير طائرات إكمال الوقود، وكذلك الطائرات بدون طيار وطائرة “أواكس” للمراقبة، وذلك رغم أنه كان من أبرز المتأثّرين بحملة الإقالات التي تلت المحاولة الانقلابية الفاشلة في منتصف يوليو/ تموز 2016، وعانى من رفض الولايات المتحدة إرسال مدربين للطيارين الجدد، وكذلك منع باكستان من إرسال طياريها لمساعدة الأتراك.

أمّا من الناحية البرية، فلا يبدو بأن العمليات بدأت بشكل حقيقي بعد، كما أنه من غير المنتظر أن يستسلم الاتحاد الديمقراطي بسهولة للأتراك، بل غالباً ما يبدو بأن السيناريو الأقرب سيكون مقاومة شرسة في محاولة لإطالة المعركة أكبر وقتٍ ممكن، أملاً في رفع التعاطف الدولي ومحاولة قلب الساحة الدولية على الأتراك، على غرار ما حدث في عين العرب (كوباني) أثناء هجوم “داعش”.

يأتي هذا، بينما اضطر “العمال الكردستاني”، أخيراً، بعد نحو أربع سنوات من المناورة، إلى الاختيار، بين كل من روسيا وأميركا، لصالح الأخيرة، في تحوّلٍ يمكن اعتباره انقلاباً في تاريخ علاقات الحزب الدولية على مدى تاريخه، إذ بدا بأنه تورّط أكثر من المتوقّع في العلاقات مع واشنطن، التي ورغم اختلاف نبرة التصريحات بين أجنحتها، إلاّ أن الثابت فيها، بأنها لن تدعم العمال الكردستاني ضد حليفتها تركيا، بأي شكل، على الأقل حتى الآن.

إلى ذلك، قطع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشكوك، مؤكداً بأن العملية تلقى دعم موسكو، وقال أثناء اجتماع نقله التلفزيون في أنقرة “نحن مصممون، فمسألة عفرين سيتم حلها، ولن نتراجع. تحادثنا بهذا الشأن مع أصدقائنا الروس، ونحن متفقون”، بينما اتهمت “قسد”، روسيا، بعمل “لا أخلاقي” في عفرين لانسحاب قواتها ومن ثم إفساح المجال للطائرات التركية، معلنةً أنها تدرس إمكانية إرسال تعزيزات إلى المدينة للمساعدة في صد الهجوم التركي.

وبدا واضحاً، منذ البداية، من خلال التحركات التركية، بأن العملية برمّتها تمّت بالتنسيق مع موسكو، وبإبلاغ الحلفاء التقليديين في الغرب على مراحل. وكان الإبلاغ الأميركي في مرحلة مبكرة، الأمر الذي أكده، وزير دفاع الولايات المتحدة، جيمس ماتيس، يوم الأحد الماضي، بالقول: “لتركيا قلقها الأمني المشروع، وكانت صريحة معنا، لقد أبلغونا قبل شنّ الحملة الجوية التي كانوا يعتزمون القيام بها وبالتشاور معنا. نحن نعمل الآن على كيفية المضي قدماً”.

وبينما بدت التصريحات الإيرانية الأولى فيما يخصّ “غصن الزيتون” أقرب للحياد، عاد وتغيّر الموقف الإيراني، يوم الأحد الماضي، على لسان المتحدث باسم الخارجية، بهرام قاسمي، الذي قال إن إيران: “تتابع عن كثب وبقلق الأحداث الجارية في مدينة عفرين، وتأمل انتهاء العمليات فوراً والامتناع عن تصعيد الأزمة في المناطق الحدودية بين تركيا وسورية”، مضيفاً أنّ “استمرار الأزمة في عفرين يمكن أن يؤدي إلى تقوية المجموعات التكفيرية الإرهابية مجدداً في المناطق الشمالية في سورية، وإشعال نيران الحرب والدمار من جديد في هذا البلد”.

ولم يمض الكثير على تصريحات القاسمي، حتى أجرى رئيس الأركان التركي، الجنرال خلوصي أكار، مكالمة هاتفية، مع نظيره الإيراني، الجنرال محمد باقري، لتبادل وجهات النظر حول القضايا الأمنية في سورية والتعاون في مجال مكافحة المنظمات الإرهابية، بحسب ما ذكرت وكالة “الأناضول”.

وعن الخلاف مع إيران، قال مصدر تركي مطلع لـ”العربي الجديد”: “تمّ التجهيز للعملية بالتفاهم مع الروس فحسب، الأمر الذي يبدو بأنه أزعج الإيرانيين، إذ طالبوا أنقرة بأن تقوم بسحب قواتها من عفرين بعد انتهاء العمليات وتسليمها للنظام، ولكن تم رفض ذلك، إذ لا توجد أية ضمانات بأنّ النظام لن يقوم بتسليمها مرة أخرى للعمال الكردستاني للضغط علينا في أية مرحلة من مراحل الحرب التي لا يبدو أن لها نهاية قريبة”، مضيفاً “بكل الأحوال إن التزامنا بوحدة الأراضي السورية أمرٌ يقع في عمق مصالح أمننا القومي، وقلنا لهم، في حال وصلت مفاوضات أستانة وسوتشي إلى نتائج ناجحة وتمّ الاتفاق على الانتخابات والدستور، فإن عفرين ستكون تابعة لدمشق”. وتابع المصدر “الإيرانيون لا يدعمون، من خلال موقفهم، العمال الكردستاني بأي شكل، ولكنهم يرفضون وجود ممرّ بين عفرين وإدلب، على أي حال المفاوضات مستمرة، ولا أعتقد بأن التوافق مع إيران أمرٌ صعبٌ”.

وكان لفرنسا الصوت الأعلى بين الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن في الاعتراض على العملية التركية، من خلال تعبير وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، عن قلقه البالغ من العملية التركية في عفرين، إضافة إلى دعوته لعقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لمناقشة التدهور المفاجئ للوضع في سورية، ليقوم وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، يوم الأحد، بإجراء مكالمة هاتفية مع نظيره الفرنسي، صرح بعدها من العاصمة العراقية بغداد، بالتأكيد على أن “أي اعتراض على العملية التركية يعني الوقوف إلى جانب الإرهاب”، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني. ولكن وبما أن العملية التركية في عفرين نتاج اتفاق تركي روسي، فمن غير المنتظر أن تسمح روسيا بالتحرك ضد الاتفاق في مجلس الأمن، بينما تراه فرصة تاريخية لزيادة الشرخ بين أنقرة وواشنطن، الأمر الذي بدا واضحاً من خلال تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي اتهم واشنطن بتقوية النزعة الانفصالية للأكراد في سورية من خلال تصرفاتها.

وتعليقاً على الموقف الفرنسي، قال المصدر التركي: “لم يتم التشاور مع الفرنسيين خلال التجهيز للعملية، بل تم إبلاغهم بها في وقت لاحق. الفرنسيون لا يريدون أن يفهموا بأن الوضع في المنطقة تغيّر، وسورية لم تعد مستعمرتهم”.

في غضون ذلك، يبدو بأن زيارة جاووش أوغلو إلى بغداد، كانت في إطار محاولات أنقرة لفتح جبهة أخرى ضد العمال الكردستاني في العراق وتحديداً في منطقة سنجار التابعة للموصل، لزيادة الضغط على “الكردستاني”، ولكن لا يبدو بأن الإدارة العراقية ستعمد لذلك، بسبب الرفض الأميركي المحتمل، وكذلك من دون وجود رضا إيراني لذلك، وهو الأمر الذي قد ينتج عن المباحثات الجارية مع الأتراك.

العربي الجديد

 

 

 

 

في عفرين وضحاياها../ علي نون

هناك «ضحايا» من غير الأكراد للحملة التركية على عفرين السورية، أولهم بشار الأسد. وثانيهم إدارة دونالد ترامب. وثالثهم (لمن يشاء) إيران وامتداداتها وأتباعها المرصوصون تحت لواء «الممانعة» والذين أثبتوا على مدى السنوات الماضية أنّهم لا «يمانعون» في واقع الأمر، إلاّ من يتحدّى نفوذهم السلطوي بغضّ النظر عن هويّته!

فعل «الممانعة» في وجه إسرائيل (مثلاً!) مُعلّق على طرف الحيط ومشبوك بخيط مثل صورة عتيقة، أو قول «مأثور» من غابر الزمان ويدلّ على شيء أفل وغاب في النسيان.. ومن دواعي «الاحترام» والدلالة على الذاكرة النشطة، أن يبقى في مكانه، تعبيراً عن نوستالجيا ليس إلاّ!

دخل الأتراك في معركة عفرين لحساباتهم الخاصة المتصلة بأمنهم القومي. وهذا سبق له أن أدخلهم إلى «أماكن» جيوسياسية غير مسبوقة في تاريخهم الحديث. كأن ينفصلوا (مرحلياً!؟) عن الاستراتيجية الأميركية وأداتها الميدانية الدولية المسماة «حلف الناتو». وأن يذهبوا إلى شراء صواريخ «أس-400» من روسيا وهي الدولة الأم لـِ«الاتحاد السوفياتي» الذي ظلّت تركيا طوال عقود الحرب الباردة، خطّ التماس الأول معه، في موازاة خط ثانٍ شكّلته إيران أيام الشاه الراحل.

و.. ثمّ أن يذهبوا على هامش ذلك، إلى استدراك الدفع نحو مواجهة الجيران الروس بسبب الجيران السوريين. وإلى تبديد الخلافات الأصلية الخاصة بالموقف من بشّار الأسد، والطارئة المتأتّية عن إسقاط طائرة «السوخوي» في أواخر العام 2015، وصولاً إلى إنتاج مساحة مشتركة للتلاقي عليها. وهذه على ضرورتها وغرابتها وتعقيداتها، وكونها مصدراً للإحراج (لأنقرة أولاً) دلّت من جديد، على أنّ مصالح الدول والشؤون المتصلة باستقرارها القومي (الأمني والمعيشي) هي بديهيات لا تُناقش ولا تُجادَل، وناشفة وباردة، ولا مكان فيها للشعر واللسانيات والإنسانيات والأدبيات اللغوية والعاداتية المأثورة في نواحينا!

غيّرت أنقرة مقاربتها السورية العامة تحت وطأة العامل الروسي وموجبات أمنها القومي.. ثمّ غيّرت ذلك التغيير(!) تبعاً لموقف أميركي غريب ارتأى أن يأخذ من الأكراد أكثر مما يعطيهم. ولم يتوقف، لا كثيراً ولا قليلاً أمام هواجس المعنيين الإقليميين بتنشيطهم «أكثر من اللازم». لكن المفارقة التي ولّدتها معركة عفرين، هي أنّ الموقف التركي المشترك مع بقايا السلطة الأسدية وإيران من المسألة الكردية، والذي أكمل ظواهر التقارب مع الروس، تحوّل الآن ليكون مصدر عودة إلى المربّع الأول: الأسد يولول ويبربر بالسيادة! وطهران مكتفية بالتفرّج السلبي المحكوم بالحرج: لا تُمانع في ضرب (أو مواصلة ضرب) أي جموح كردي جغرافي أو سياسي، لكنّها في الوقت نفسه تعرف أن التمدّد التركي في الشمال السوري سيضع حدّاً لطموحاتها هي وتابعها الأسد، لإكمال الحرب «حتى استعادة كل شبر» من الأرض، على ما تلهج به ماكينة التخريف «الممانعة» بدءاً من قاعدتها الميدانية في دمشق!

أَخْرَسَ الروس اعتراض الأسد. وخرجت أنباء تقول أنّهم «حذّروه» من مغبّة الاشتباك مع الأتراك! وفي البال، أن معركة عفرين تشكّل بالنسبة إليهم معادلة كسب مزدوج: تلجم الاستطراد الإيراني – الأسدي باتجاه «الحسم العسكري» من جهة، وتضرب الحسابات الأميركية (المستندة إلى الكرد!) ميدانياً من جهة ثانية. عدا عن كونها بطبيعة الحال، تثبّت التنسيق المفتوح مع أنقرة، وتؤكد «الاحترام» المتبادل لمصالح الطرفين في سوريا، وغيرها!

.. والمشهد في مجمله يؤكد الاستنتاج، بأن الذئاب الناهشة بالجسم السوري، لا تقيم وزناً أو حساباً لتلك الفزّاعة الخشبية في «قصر المهاجرين»، بل تنظر من زواياها المتفرقة إلى الخلاصة ذاتها التي وصلت إليها صحيفة «قانون» الإيرانية.. وأيّ خلاصة!!

المستقبل

 

 

 

«لا صديق للأكراد إلا الجبال»/ غسان شربل

كان ظهور «داعش» مصيبة كبرى ابتليت بها المنطقة. لكن انحسار هذا التنظيم الرهيب أعاد التذكير بحقيقة مرة، وهي أن مصائب المنطقة لم تبدأ مع «داعش» لتنحسر بانحساره. ولا مبالغة في القول إن «داعش» شكل بممارساته الدموية الهمجية ستاراً من الدخان أتاح لقوى كثيرة إخفاء الأسباب الحقيقية لحرصها على التسلل إلى الملعب السوري أو التدخل فيه علانية.

غياب «داعش» طرح على القوى التي تستبيح الأراضي السورية، بطلب أو من دون طلب، سؤالاً واضحاً: ماذا تفعل في سوريا؟ وإلى متى سترابط هناك؟ وما برنامجك الحقيقي ومطالبك العميقة؟ وليس سراً أن إيران لم تتدخل في سوريا لمحاربة «داعش». وأن روسيا لم تتدخل هناك فقط لإبعاد خطر «داعش». ويمكن أن يقال الأمر نفسه عن الأميركيين وعن كل هذه القافلة من الأعلام الغريبة التي ترابط على الأرض السورية.

مؤلم للسوري والعربي معاً أن تتحول سوريا ساحة لتصفية الحسابات في كل أنواع الحروب المعلنة أو المستترة. وأن تتحول أجزاء من الأرض السورية والشعب السوري إلى مجرد أوراق يتم تحريكها من قبل قوى إقليمية أو دولية. كشفت المأساة السورية هشاشة هذا البلد الذي كانت له قبل اندلاع الأحداث فيه صورة القلعة محكمة الإقفال في وجه لاعبي الخارج. كشفت أيضاً هشاشة الدول المحيطة بسوريا وسعيها إلى تبديد مخاوفها عبر حجز مواقع لها على أرض سوريا وإطلاق حروب بديلة هناك.

كان واضحاً في الشهور الماضية أن التطورات السورية بددت الأحلام السابقة للرئيس رجب طيب إردوغان وبينها حلم رؤية سوريا بلا الرئيس بشار الأسد. نجح فلاديمير بوتين في تحويل حادث إسقاط قاذفة روسية بصاروخ تركي إلى فرصة لتطويع سياسات تركيا السورية. وهكذا انتهى الأمر بتركيا شريكة مع روسيا وإيران في رعاية مسار «سوتشي» الذي يهدف أساساً إلى حرف مسار «جنيف» والالتفاف عليه. من حزمة الأحلام السابقة احتفظ إردوغان بحلم وحيد هو نسف المكاسب التي حققها أكراد سوريا على حدود بلاده. ولم يتردد دبلوماسيون في القول في الشهور الماضية إن إردوغان يستطيع التعايش مع سوريا إيرانية – روسية يحكمها الأسد، لكنه لا يستطيع التعايش مع إقليم كردي في الجانب السوري من الحدود مع بلاده.

والحقيقة أن تطورات السنوات الثلاث الأخيرة أوقعت الأكراد في مزيج من الأحلام والأوهام. اعتقدوا أن الدور البارز الذي لعبوه في مقاومة «داعش» في العراق وسوريا والذي كلفهم آلاف القتلى والجرحى أعطاهم شرعية لم توفرها لهم معاركهم السابقة سعياً إلى نيل حقوقهم واحترام تطلعاتهم. ولعلهم ذهبوا بعيداً في الاعتقاد أن دورهم في التصدي لـ«داعش» أعطاهم نوعاً من الحصانة ضد حملات التأديب التي كانت جيوش دول المنطقة أدمنت القيام بها ضدهم كلما انتفضوا معترضين على تكريس موقفهم كمواطنين من الدرجة الثانية داخل هذه الدولة أو تلك. وقد يكونون توهموا أن من مدّهم بالسلاح لمقاتلة «داعش» سيكون ملزماً بتوفير مظلة لهم تقيهم غضب الجيوش التي تعتبر خطر «داعش» عابراً وخطر الأكراد مقيماً ودائماً..

إطباق الجيش التركي وحلفائه المحليين على منطقة عفرين أمس، ذكرني بقول سمعته مرات في السابق ومن أكراد العراق وسوريا معاً، وهو أن «لا صديق للأكراد إلا الجبال». وذكرتني خيبة الأكراد السوريين أمس من روسيا بخيبة الأكراد العراقيين سابقاً من أميركا.

في 19 يونيو (حزيران) الماضي نشرت «الشرق الأوسط» حديثاً مع السفير الأميركي الأخير لدى سوريا روبرت فورد، أجراه زميلنا إبراهيم حميدي، وتكررت بعده إطلالات فورد في صفحات الرأي في صحيفتنا.

قال فورد: «أعتقد أن ما نقوم به مع الأكراد ليس فقط غباءً سياسياً بل غير أخلاقي. الأميركيون استخدموا الأكراد لسنوات طويلة خلال حكم صدام حسين. هل تعتقد أن الأميركيين سيعاملون (الاتحاد الديمقراطي) و(وحدات حماية الشعب) في شكل مختلف عما عامل به (وزير الخارجية الأسبق) هنري كيسنجر الأكراد العراقيين (عندما تخلى عنهم)؟ بصراحة. مسؤولون أميركيون قالوا لي ذلك. الأكراد السوريون يقومون بأكبر خطأ لدى ثقتهم بالأميركيين». وأكد أن واشنطن ليست في وارد استخدام الجيش الأميركي للدفاع عن إقليم كردي في سوريا.

دائما يرجع الأكراد بالخيبة من رهاناتهم. تتغير أشياء كثيرة ولا يتغير موقعهم في دائرة الخاسرين. ثمة حقائق جغرافية صارمة لا يخفف من وطأتها سقوط نظام أو ذهاب حاكم ومجيء آخر. بعد انتصار الثورة الإيرانية ابتهج الأكراد بغياب الشاه. شجعهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات على الاتصال بقيادة الثورة ورتّب لهم موعداً. استقبل الخميني الوفد الكردي الرفيع الذي جاء للتهنئة. بعد التهنئة والمجاملات أشار الوفد الكردي إلى الوضع الصعب لأكراد إيران. ردّ الخميني أن المشكلة لن تكون مطروحة بعد التغيير الذي حصل، «فالثورة إسلامية وللجميع وليست لأبناء قومية أو عرق». ولا حاجة إلى سوق الأدلة على أن أوضاع الأكراد في إيران لم تتغير.

أكثر من ذلك. كانت بعض الأنظمة تلجأ أحياناً إلى دعم الأكراد خارج حدودها وتحتفظ بسياسة كتم أنفاس الأكراد داخل حدودها. فدعم النظام السوري لعبد الله أوجلان ضد السلطات التركية لم يدفع دمشق إلى تغيير سياستها حيال أكرادها. قبل سنوات، أطلق إردوغان من كردستان العراق تصريحاً استثنائياً قال فيه: «إن زمن تجاهل حقوق الأكراد ولى إلى غير رجعة». اليوم تتقدم القوات التركية لإقامة حزام أمني داخل الأراضي السورية لإبعاد الأكراد عن حدودها. تتناسى أنقرة أن هذا النوع من الانتصار على الأكراد لا يفعل غير التأسيس لصدامات جديدة حين تتغير الظروف.

ذات يوم حاول الرئيس العراقي السابق جلال طالباني إقناع طارق عزيز وزير خارجية صدام أن للأكراد حقوقاً قديمة في كركوك تجب مراعاتها، فجاءه الرد صاعقاً: «ليس لكم في كركوك غير حق البكاء عليها كما بكى العرب الأندلس ألف عام».

عبر عملية عفرين (وهي جزء من منطقة جبل الأكراد) تشهد المنطقة فصلاً جديداً من فصول الحرب السورية. لا الحروب تلغي أسباب النزاع ولا تمزيق الخرائط يشكل حلاً. انحسر «داعش» ووجدت المنطقة نفسها أمام نزاعات أخطر وأعمق. بعد شهور من تأديب أكراد العراق ها هي تركيا تؤدب أكراد سوريا. «لا صديق للأكراد إلا الجبال».

الشرق الأوسط

 

 

 

 

سوتشي في خطر بعد الهجوم التركي/ ألكسندر غولتس

ما يحدث اليوم في شمال سورية، يتوافق مع وجهات نظر موسكو وأنقرة إلى كيفية تنظيم السياسة الدولية. ويبدو أن بوتين وأردوغان يريان أن السياسة الدولية هي أقرب إلى غابة ديناصورات: الحيوانات المفترسة الكبيرة تأكل الحيوانات الصغيرة. وهما يتجنبان تداخل مساعيهما، ويتقاسمان مناطق الصيد. وعليه، زار رئيس الأركان العامة التركية ورئيس جهاز الاستخبارات التركية موسكو الأسبوع الماضي. ولا شك في أنهما حصلا على موافقة روسيا على الغزو. وعلى رغم كل ما يحصل، يصر الجيش الروسي على أن أنظمة الدفاع الجوي الخاصة به تُحكم السيطرة على المجال الجوي في سورية.

ويكشف انسحاب المراقبين الروس من عفرين قبيل الهجوم التركي أن الوجود العسكري الروسي ليس أكثر من ورقة في لعبة جيوسياسية غامضة إلى حد ما. وعلى رغم اتهام الأكراد روسيا بالخيانة، فإن وزارة الدفاع الروسية لم يسعها غير أن تلقي لائمة الهجوم على الولايات المتحدة، وعلى «دعمها المستمر القوات الموالية لها في شمال سورية».

ومن المدهش أن موسكو تغفل أن أبرز الأسباب للغزو الروسي سورية هو ضمان سيادة البلاد وسلامتها. لذا، أدان بشار الأسد إدانة شديدة «الهجوم العنيف التركي على مدينة عفرين». كما اعترضت إيران، الشريك الروسي الداعم نظام الأسد، على الهجوم التركي. وكل هذا يضعف حظوظ عقد مؤتمر الشعب السوري في سوتشي أواخر كانون الثاني (يناير) الجاري، والذي يعقد وفقاً للاتفاقات التي أبرمت بين موسكو وأنقرة وطهران.

وترى موسكو أن هذا الاجتماع يفتــــح الطريق أمام تسوية سياسية ووقــــف الحرب الأهلية المستمرة منذ ســــت سنوات. ولكن يبدو أن الألعـــاب الجغرافية السياسية الروسية والتـــركية في سورية تطيل أمد الحرب هناك وتكر سبحتها إلى ما لا نهاية.

* محلل عسكري، عن موقع «يجيدنفني جورنال» الروسي، 22/1/2018، إعداد علي شرف الدين

الحياة

 

 

 

موسكو وأنقرة تتقاسمان الكعكة السورية/ أنطون مارداسوف

تقدم أنقرة وموسكو رسمياً عملية «فرع الزيتون» ضد جيب عفرين الكردي على أنها تدبير قسري ناجم عن التحركات الاستفزازية التي تقوم بها واشنطن، على رغم أن المفاوضة حول هذا السيناريو تعود إلى تمّوز (يوليو) 2017. وفي وقت يبدو أن الاتهامات ضد الولايات المتحدة تتناسب مع منطق الدول الضامنة لعملية السلام في سورية، إلا أنها، على ما يبدو، ترمي إلى إخفاء صيغة «المقايضة» في العلاقات الروسية- التركية.

من الخارج، تبدو الأمور بسيطة: أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن عملية ضد الجيب الكردي بعد تصريحات قوات التحالف الدولي، على رأسه الولايات المتحدة، ضد «داعش». ومفاد التصريحات هذه أن واشنطن ستعد قوات لحماية الحدود السورية مع تركيا والعراق نواته من «قوات سورية الديموقراطية»، وهو تحالف عربي-كردي. روسيا لم تعارض دخول الأتراك لأن خطط الأكراد المدعومين من أميركا تتعارض مع الهدف المعلن بالحفاظ على وحدة أراضي سورية. وتحركات تركيا الأحادية خطر كبير: انتقال عدد كبير من قوات المعارضة السورية إلى جبهة عفرين، مع العلم أنها لن تكون قادرة على العودة إلى مواقعها السابقة بسرعة، في حال بدأت فجأة قوات الأسد بالتحرك نحو الحدود التركية عبر محافظة إدلب.

في المقابل، لا يسع روسيا أن تحل مشكلة أكبر، منطقة خفض التصعيد، من دون مساعدة تركيا. وتقدم القوات الموالية للحكومة السورية في إدلب والمحافظات المجاورة، يؤدي إلى توحيد صفوف الجماعات المتمردة وتشكيل ائتلاف جديد من المتطرفين والمعتدلين، وإلى أزمة إنسانية جديدة ونزوح مئات الآلاف من المناطق المكتظة بالسكان. والأهم من ذلك، فإن هذه العملية من شأنها أن تؤدي إلى إضعاف جيش الأسد الذي خارت قواه، وتفاقم التورط الروسي في النزاع. وفي سبيل الحؤول دون ذلك، لا مناص من الاتفاق مع أنقرة وتقديم بعض التنازلات لها تصب كذلك في مصلحة دمشق.

* خبير في العلاقات الدولية، عن موقع «آر به كا» الروسي، 22/1/2018، إعداد ع. ش.

الحياة

 

 

 

واشنطن بوست”: هل وصلت العلاقة الأمريكية – التركية إلى نقطة الانهيار؟/ إبراهيم درويش:

كتب المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ديفيد إغناطيوس عن مصير التحالف الأمريكي- التركي الذي يقول إنه وصل إلى نقطة الإنهيار. وأشار لحديث مع الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية في الشرق الأوسط وأن ما قاله هو تذكير بالتناقض الظاهري لحدود القوة الأمريكية وقدرتها على تحديد نتائج الحرب. فقد ساهمت قنابل الأمريكيين بتدمير تنظيم الدولة في سوريا إلا أنهم لم يستطيعوا “تقطيب الدمية السورية الرثة”. ويقول إن المأساة السورية دخلت مرحلة سيئة هذا الأسبوع عندما قامت تركيا بغزو مدينة عفرين الحدودية. وقالت إنها تقوم بحماية نفسها من المنظمة الكردية المعروفة ب”بي كا كا” والتي تسيطرعلى عفرين وتعتبرها أنقرة منظمة إرهابية. و”المشكلة هي أن الأكراد السوريين (باسم مختلف) يعتبرون من أهم حلفاء الولايات المتحدة في هزيمة تنظيم الدولة”. وتحتل القوات الكردية السورية مع المستشارين الأمريكيين نقطة ساخنة أخرى وهي مدينة منبج في شمال سوريا. وهي المدينة التي هدد الرئيس التركي الأسبوع الماضي بمهاجمتها.

وأخبر مسؤول أمريكي بارز الكاتب قائلاً وبطريقة واضحة وفجة: “التهديد لقواتنا أمر لا نقبله” وهو ما يؤدي لتفكك علاقة الولايات المتحدة مع “شريك الناتو” بل وتحولت إلى مواجهة عسكرية. ويقول إغناطيوس إن التاريخ يعيد نفسه بعدما حرف تنظيم الدولة الإنتباه عن الكثير من المظالم القديمة والتي أجلها التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لهزيمة وتدمير الخلافة. وعادت بانتقام تلاحق كل من تركيا، إيران، إسرائيل، الأردن، روسيا والولايات المتحدة، وكل منها لها أهدافها الخاصة. وقد انهار المجال الذي كان يفصل بينها ووضع القوات الأمريكية في مواجهة خطيرة مع روسيا وإيران وتركيا.

محو الكراهية

ويضيف إغناطيوس أن الجيش الأمريكي كلف قبل ثلاثة أعوام بمهمة سحق تنظيم الدولة. وحقق الجنرال فوتيل والقادة الآخرون المهمة مستخدمين كما قال شراكات إبداعية وتكتيكية ولكنهم لم يستطيعوا محو الكراهية المحلية أو يبنوا حكما مستقراً. وكان فوتيل حذرا في وصفه للمهمة الأمريكية في سوريا، حيث كان يتحدث في الأسبوع الماضي من مقر القيادة في تامبا أثناء زيارة دورة تدريبية. كما أن وجود حوالي 1.500 جندي أمريكي سوري “مشروط” وأضاف أن عمل القوات سيركز على “مهام الاستقرار” وليس بناء الدول. و”من أجل تعزيز الأمن بحيث يمكن للناس العودة إلى بيوتهم” وهو ما تدعمه قرارات مجلس الأمن الدولي الداعية لسوريا مستقلة وموحدة.

ويشير إغناطيوس إن المسؤولين الامريكيين يتحدثون وكأن أمريكا لا تقف مع أطراف في سوريا بعد نهاية تنظيم الدولة. وبالتأكيد يجب على أمريكا التحرك ودعم كل قطع الفسيفساء الإثنية السورية ولكن عليها أن لا تنسى أصدقاءها أيضا والقتلى في المعارك الحاسمة مثل الرقة التي قادتها قوات كردية سورية، حيث قتل 650 منهم كما يقول فوتيل مشيرا إلى عدم سقوط ضحايا أمريكيين. كما وتحتاج الولايات المتحدة لتعزيز قوة العرب السنة في سوريا حتى لا يعود تنظيم الدولة. ويعرف الامريكيون أن الأكراد هم الذين قاموا بالجهد الأكبر من القتال. وكان عدد القتلى المدنيين في الحرب مروعا مع أن العدد الحقيقي ليس معروفا. وزار فوتيل مدينة الرقة المدمرة يوم الإثنين وقال للصحافيين ان الحملة العسكرية كانت “بشعة” ولكنها ضرورية. وتحدث في الأسبوع الماضي عن المرحلة الأخيرة من الحملة ضد التنظيم حيث اشترك المستشارون الأمريكيون مع قوات سوريا الديمقراطية في “حرب إبادة” ضد “مئات” من مقاتلي تنظيم الدولة الذين علقوا في الجانب السفلي من وادي الفرات. ويخشى القادة الأمريكيون من ترك مقاتلي سوريا الديمقراطية عملية التمشيط والمشاركة بمواجهة القوات التركية.

نحو الانهيار

ويذكر الكاتب ما يراه صورة عن التصدع في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة وهو ما ورد في عنوان صحيفة “يني شفق” “القادة الأمريكيون يزورون الإرهابيين في الرقة”. ومثل بقية القادة الامريكيين أكد فوتيل أن تركيا لديها “مظاهر قلق مشروعة”. ووصفها بـ “الشريك الجيد” وقامت بعمل جيد في مجال أمن الحدود خلال العام الماضي. ولو وضعنا الكلمات المهدئة جانباً فإن إدارة ترامب تعترف بأن العلاقة مع تركيا تسير وبشكل خطير نحو الانهيار. وكلما صعد أردوغان في غزوه يجب أن تعمل الولايات المتحدة على رعاية حوار بين الأتراك والأكراد وليس في سوريا ولكن في تركيا نفسها. فنجاح أردوغان الاقتصادي والسياسي جاء عندما حاول المصالحة مع الأكراد بمن فيهم “بي كا كا”. ومع نهاية الحملة ضد تنظيم الدولة تعود التناحرات القديمة. ولا يمكن لأمريكا منع كل من روسيا وإيران وتركيا ولم يحن الوقت لسحب 1.500 مستشار من شمال غربي سوريا مما سيخلق فراغاً كبيراً.

القدس العربي

 

 

 

 

من المسؤول عن عملية عفرين؟/ د. بشير موسى نافع

بدأت قوات الجيش التركي، بصحبة قوات من المعارضة السورية، عملية كبيرة في منطقة عفرين، شمال غربي سوريا، منذ صباح السبت 20 كانون الثاني/يناير. هدف العملية، طبقاً لأنقرة، تطهير عفرين وجوارها من المسلحين الموالين لحزب العمال الكردستاني، ومعسكرات التنظيمات اليسارية التركية الأخرى، التي وجدت ملاذاً آمناً تحت مظلة الحزب. وتقول تركيا أن العملية ستمتد بعد ذلك إلى منبج، التي كان يفترض تطهيرها من السيطرة الكردية أثناء عملية درع الفرات، التي أطلقت في آب/أغسطس 2016، وتأمين منطقة بعمق 30 كيلومتراً على طول الحدود السورية ـ التركية غرب الفرات.

دفعت تركيا بقوة عسكرية كبيرة إلى عفرين، تقدر بأكثر من عشرين ألفاً من القوات المحمولة والمدرعة، القوات الخاصة، وآلاف آخرين من المعارضة السورية، والذين سبق أن لعبوا دوراً رئيسياً في عملية درع الفرات. إضافة إلى ذلك، شاركت 72 طائرة من سلاح الجو التركي في اليوم الأول من العملية، التي أطلق عليها، في دلالة لا تخفى، اسم «غصن الزيتون». قوة بهذا الحجم لا يجب أن تثير الاستغراب؛ لأن أهداف العملية لن تكون سهلة. فإلى جانب عشرات القرى العربية والكردية المأهولة، يعيش في مدينة عفرين عدة مئات الآلاف من السوريين، أغلبهم من السوريين الكرد، ولكن بينهم الكثير من العرب والتركمان، ونسبة ملموسة من المهاجرين من مناطق الحرب الأخرى، كذلك. بفضل صمت أو تشجيع نظام حافظ الأسد، اعتبرت عفرين منذ التسعينيات منطقة نفوذ للعمال الكردستاني، ومركز تجنيد هام لمسلحيه.

ولذا، فإن كانت درع الفرات، التي استهدفت وجود داعش في مثلث جرابلس-إعزاز-الباب، استمرت لما يقارب الثلاثة شهور، فإن غصن الزيتون قد تتطلب وقتاً لا يقل عن ذلك. لن تقل عملية غصن الزيتون تعقيداً عن درع الفرات؛ وقد تكون خسائرها أكبر، سواء بين القوات المتحاربة، أو المدنيين. والمحزن أن هذه المواجهة هي بالمعنى السياسي فقط معركة بين الجيش التركي والمسلحين الأكراد. بالمعنى الإثني، تضم قوات الجيش التركي جنوداً أتراكاً وعرباً وكرداً، إضافة إلى وحدات المعارضة السورية العربية، يقف في مواجهتهم مسلحون أكراد، وعدد من مسلحي تنظيمات اليسار التركي، وربما بعض العرب المنضوين في ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية. هذا صدام أهلي مشرقي بامتياز.

فمن المسؤول فعلاً عن هذه العملية، وعن عواقبها؟

مهما كانت الانتقادات للطريقة التي أدارت فيها أنقرة الأزمة السورية، في سنواتها السبع، فالمؤكد أن تركيا لم يعد أمامها من خيار. يتعهد حزب العمال الكردستاني حرباً ضد تركيا وشعبها، بما في ذلك كل من يختلف معه من الكرد الأتراك، منذ 1984. وبالرغم من أن حكومات العدالة والتنمية المتعاقبة تبنت مقاربة جديدة للمسألة الكردية، وأن عملية سلمية لحل شامل أطلقت بالفعل في 2013، كان العمال الكردستاني هو من انتهك وقف إطلاق النار في صيف 2015. وعندما بدأت الأجهزة الأمنية التركية حملتها من جديد ضد الإرهاب المسلح، أكتشفت أن العمال الكردستاني كان يكذب ويخادع طوال فترة العملية السلمية؛ وبدلاً من سحب السلاح والمسلحين من البلاد، استغل الحزب فترة الهدوء لتكديس المتفجرات ونشر الخلايا المسلحة. خلال العامين الماضيين، هزمت انتفاضة العمال الكردستاني المسلحة في جنوب شرقي تركيا، وفككت العشرات من خلاياه. كما أخفق الحزب، خلال فترة الاضطراب التي أعقبت صعود داعش، في تأسيس موقع صلب له في كردستان العراق.

في سوريا، كانت حظوظ العمال الكردستاني، وفروعه، أفضل. تعاونت امتدادات الحزب السورية مع النظام في سنوات الثورة الأولى لتوكيد سيطرتها في عفرين وشمال شرقي سورية، منتهجة سياسة فاشية لاجتثاث كل القوى المعارضة، سيما تلك المنضوية في المجلس الوطني الكردي. ومنذ بداية عملية تحرير عين العرب – كوباني في 2014 – 2015، وضع الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني تحت رعاية أمريكية. بفضل هذه الرعاية، تسلمت الوحدات الكردية عشرات شحنات السلاح الأمريكية، سواء عبر مطارات سورية صغيرة، سيطر عليها الأمريكيون، أو عبر شمال العراق. لم يصل السلاح الأمريكي للوحدات التي تقاتل داعش وحسب، بل وإلى كافة مناطق تواجد المسلحين الأكراد، بما في ذلك عفرين. وسرعان ما بدأ السلاح الأمريكي في التسرب إلى داخل تركيا نفسها، لتستخدمه خلايا حزب العمال في هجماتها الإرهابية ضد الدولة والشعب التركيين. إضافة إلى ذلك، قام الأمريكيون، حتى الآن، بتدريب الآلاف من الأكراد على القتال. في بعض المواقع المهددة من تركيا أو المعارضة السورية المسلحة، دفع الأمريكيون قواتهم أو رفعوا أعلامهم لتوفير الحماية الضروية للوحدات الكردية.

ومن أوهام القوة، التي وفرتها الحماية والإمدادات الأمريكية، مضى الديمقراطي الكردستاني السوري وأذرعه المسلحة، بتوجيه مباشر من قادة العمال الكردستاني في جبال قنديل، نحو إقامة منطقة حكم ذاتي كردية، تمتد من حدود العراق إلى ساحل المتوسط، على طول الحدود مع تركيا. لتحقيق هذا الهدف، تعهدت وحدات حماية الشعب الكردية حملة تطهير عرقي للعرب والتركمان، طالت عشرات القرى العربية والتركمانية في كافة المناطق التي وقعت تحت السيطرة الكردية المسلحة.

بيد أن المسؤولية لا تقع فقط على كاهل العمال الكردستاني. الولايات المتحدة مسؤولة أيضاً. ليس ثمة متابع لشؤون المشرق، كردياً كان أو غير ذلك، لا يعرف العلاقة العضوية بين العمال الكردستاني، التركي، والديمقراطي الكردستاني في سوريا، بكافة المسميات والمنظمات التابعة له. الأمريكيون، الذين يصنفون العمال الكردستاني منظمة إرهابية، وتربطهم بتركيا صلات تحالف تاريخية، وحدهم من يدعي أن التنظيمات السورية مستقلة عن العمال الكردستاني. ولأن تركيا أصبحت من القوة بحيث يصعب إخضاعها لإرادة واشنطن، وجد الأمريكيون في الأكراد السوريين أداة مناسبة لتحقيق أهدافهم في المنطقة. يسعى الأمريكيون لتأسيس وجود بعيد المدى في سوريا، يستند إلى حلفاء طيعين، يؤمن لهم شراكة آمنة في تقرير مصير سوريا. كما يعملون على قطع طريق التواصل الإيراني نحو المتوسط، وتقليص نفوذ إيران وحلفائها في الإقليم. منع داعش من العودة لإقامة منطقة نفوذ آمنة، بات في الحقيقة هدفاً ثانوياً. ولتحقيق هذه الأهداف، لا يكترث الأمريكيون كثيراً بأمن تركيا، ولا بوحدة سوريا.

خلف كل هؤلاء، ثمة مسؤول أولي عن هذه الفوضى الدموية التي تغرق سوريا وشعبها، يجب أن لا يجري تجاهله أو نسيانه: الأسد وحلفاؤه الإيرانيون. الأسد وحلفاؤه في طهران هم من قرر مواجهة حراك الشعب السوري السلمي ومطالبه المتواضعة في الإصلاح بالسلاح وسفك الدماء. وهم من دفع ثورة الشعب من أجل الحرية والعدالة إلى هوة الحرب الأهلية؛ وهم من انتقل بالثورة من مستوى الأزمة الداخلية إلى الحرب الإقليمية. وبعد أن عجزوا عن هزيمة الشعب وقواه، لم يبالوا بتحول الأزمة إلى نزاع دولي، متعدد الأطراف.

ستضطر أنقرة لعقد صفقات وتقديم تنازلات سياسية، لروسيا أو غيرها، لإنجاز أهدافها من عملية عفرين ومنبج. وليس من المستبعد أن تتعرض تركيا لضغوط أمريكية، أو حتى لانتقام أمريكي. ولكن المؤكد أن الشمال السوري لن يصبح دولة كردية، لا تحت سيطرة العمال الكردستاني ولا السيطرة الأمريكية. لم ينته عصر تدخلات الدول الكبرى، ولكن انتهى بالتأكيد العصر الذي تقرر فيه القوى الأجنبية مصير المشرق وشعوبه. وإن كان لعملية عفرين من دلالة، فهي أن سوريا لم تزل بعيدة عن رؤية الضوء في آخر النفق.

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

القدس العربي

 

 

 

 

في تغليب العداء للكُرد على العداء لنظام آل الأسد وحماته/ جلبير الأشقر

إن إطلاق الجيش التركي تسمية «غصن الزيتون» على اجتياحه للأراضي السورية وهو يعلن عزمه على تشكيل «منطقة آمنة» بعمق ثلاثين كيلومتراً يذكّرنا لا محال بإطلاق الجيش الصهيوني تسمية «السلام للجليل» على اجتياحه للأراضي اللبنانية سنة 1982 وهو يعلن عزمه على تشكيل «منطقة آمنة» بعمق أربعين كيلومتراً. ولا يتوقف الشبه عند حد التسمية المنافقة والغاية المعلنة. فالجيش التركي يدّعي تحرير العرب السوريين من سطوة «الإرهابيين» الكُرد مثلما ادّعى الجيش الصهيوني تحرير اللبنانيين من سطوة «الإرهابيين» الفلسطينيين.

وفي الحالتين شبهٌ أيضاً، والحق لا بدّ أن يُقال، في كون ممارسات قوات «وحدات الحماية الشعبية» الكردية لا تخلو من التسلط الذي تحاول تركيا استغلاله مثلما حاولت إسرائيل استغلال الممارسات التسلطية لبعض قوات «منظمة التحرير الفلسطينية» في جنوب لبنان. ويمكننا أن نضيف إلى أوجه الشبه تلك أن الجيش التركي تهلل له وتتواطأ معه أطراف سورية بعضها سعودي التمويل وبعضها تركي الولاء، مثلما هللت للجيش الصهيوني وتواطأت معه أطراف لبنانية أمريكية التمويل وإسرائيلية الولاء. هذا وناهيكم من الوحدات التركمانية السورية العميلة لتركيا مثلما كان جيش أنطوان لحد عميلاً لإسرائيل، باستغلال العرقية في الحالة الأولى والطائفية في الثانية.

وقد بدأ كاتب هذه السطور مقالاته الأسبوعية في «القدس العربي» بمقال صدر يوم السابع من أيلول/سبتمبر 2016 تحت عنوان «عن تدخل الدولة التركية في سوريا» جاءت فيه من بين ما جاء فيه، المقارنة الأخرى التالية:

يندرج تدخل الدولة التركية على الأراضي السورية في نمط من التعامل مع الجوار العربي ينتمي إلى منطق «سياسة القوة» (Machtpolitik) بانتهاك القانون الدولي، وهو ما اتبعته الدولة الصهيونية. إذ تسمح الدولة التركية لنفسها بالتدخل العسكري على أرض البلدان المجاورة متى تشاء وكيفما تشاء سعياً وراء ضرب أعدائها. ومثلما اعتادت الدولة الصهيونية على ضرب أعدائها الفلسطينيين واللبنانيين على أرض الأردن في الأمس وأراضي لبنان وسوريا حتى اليوم، اعتادت الدولة التركية على ضرب أعدائها الأكراد المتواجدين في شمال العراق (كردستان العراق) منذ أن قوّضت الولايات المتحدة قوة الدولة العراقية وشلّتها في حرب سنة 1991. وها أن أنقرة تنقل هذا السلوك إلى الأرض السورية: وإذ أن هجومها لا يتعلق بدعم الثورة السورية على الإطلاق، بل يستهدف أعداءها الأكراد كما ذكرنا، فإنه ينسجم انسجاماً تاماً مع سلوكها على الأراضي العراقية. (انتهى الاقتباس)

هذا وهل ننسى أن منطقة عفرين التي يجتاحها الجيش التركي اليوم منطقة محاذية للواء إسكندرون الذي اقتطعه الاستعمار الفرنسي من الدولة السورية عندما قسّمها إلى خمس دويلات بين الإقليمية والطائفية (مع اقتطاع «لبنان الكبير» من العمق السوري)، ثم سلّمه لدولة مصطفى كمال التركية؟ وهل ننسى أن الدولة الكمالية قامت على التعصّب القومي التركي الذي غدا الشعب الكردي ضحيته الأكبر، فتعرّض لعقود من حروب الاضطهاد خاضها ضده الجيش التركي بمباركة من حلفائه في الحلف الأطلسي وحليفته إسرائيل، هل ننسى؟

وهل نتغافل عن كون رجب طيب أردوغان قد بدّل أولوياته في سوريا من دعم المعارضة لنظام آل الأسد إلى الحرب على الكُرد بعد أن خسر الأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية الأولى سنة 2015 (حزيران/يونيو)، فنظّم انتخابات ثانية بعد خمسة أشهر وبعد أن تعمّد إعادة شنّ الحرب على الحركة القومية الكردية ليستعيد أصوات التعصب القومي التركي التي كان قد خسرها لصالح «حزب الحركة القومية» الفاشي. والحال أن حزب أردوغان، «حزب العدالة والتنمية» بات متحالفاً مع «حزب الحركة القومية»، والحزبان يدعوان اليوم حزباً ثالثاً إلى الانضمام إلى جبهتهما، هو «حزب الاتحاد الكبير» الذي ينسجم معهما تمام الانسجام إذ يجمع بين التعصب القومي الفاشي والنزعة الإسلامية المحافظة.

وإن كان ممكناً أن يُعذر من كان يعتقد في أواخر صيف عام 2016 أن الحكم التركي يجتاح الأرض السورية دعماً للثورة السورية، بينما كان يدخلها بضوء أخضر من روسيا بعد انبطاح أردوغان أمام فلاديمير بوتين معتذراً عن اسقاط طائرة من طائرات القتل والتدمير الروسية ومتخلّياً في الآن ذاته عن مساندة المعارضة السورية في شرقي حلب، فإن لا عذر لأحد اليوم في التعامي عن أن موسكو، عرّابة النظام السوري، هي التي منحت وللمرة الثانية ضوءًا أخضر لأنقرة كي تخوض حربها على الشعب الكردي على الأرض السورية.

أما الغاية من هذا الضوء الأخضر فهي جلية: إنها مناورة مضادة لاستراتيجية واشنطن القائمة على الاتكال على القوات الكردية وحلفائها العرب في الأراضي السورية الواقعة شرقي نهر الفرات، فضلاً عن منطقة منبج، الاتكال على تلك القوات سدّاً منيعاً ليس أمام إعادة إنشاء تنظيم داعش قواعد له في تلك المنطقة الشاسعة وحسب، بل أيضاً وخاصة أمام امتداد سيطرة المحور الإيراني/الروسي/الأسدي عليها بما يستكمل تواصل مناطق سيطرة طهران، التي تكنّ لها الإدارة الأمريكية الحالية شديد العداء، من حدود إيران الغربية حتى البحر الأبيض المتوسط. ولا يجوز لأحد أن ينكر أن لا بديل اليوم عن سيطرة «القوات الديمقراطية السورية» المدعومة أمريكياً شرقي نهر الفرات سوى سيطرة المحور المذكور.

والحقيقة هي أن الحكم التركي، من حيث يدري أو لا يدري، بات أداة تستخدمها موسكو في استراتيجيتها الرامية إلى إحكام السيطرة على شرقي نهر الفرات، وهي منطقة لا يستطيع المحور الإيراني/الروسي/الأسدي اجتياحها في الوقت الراهن لسببين: أضعفهما بسالة المقاتلين الكُرد، وأقواهما دعم واشنطن لهم. فحيلة موسكو هي أن تجعل تركيا، وهي من أركان الحلف الأطلسي، تعبّد الطريق المؤدية إلى تلك الغاية الأساسية. وتراهن روسيا على أن ذلك سوف يزيد من إحراج الموقف الأمريكي في اتكاله «غير الطبيعي» («العبثي» حسب قول منسوب لدونالد ترامب نفسه) على القوات الكردية في الشمال الشرقي، وهي قوات تنتمي إلى طرف طالما صنّفته واشنطن بين «الإرهابيين»، وقد اعتادت على دعم حرب حليفها التركي ضده مثلما تدعم حرب حليفها الصهيوني ضد «الإرهابيين» الفلسطينيين واللبنانيين.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

 

 

 

 

 

«حرب عفرين» أحد فصول تقاسم النفوذ في سورية/ عبدالوهاب بدرخان

استخدمت تركيا معظم أوراقها لحمل الولايات المتحدة وروسيا على إعطائها الضوء الأخضر لعملية «غصن الزيتون» في منطقة عفرين، شمال غربي سورية. نالت عملياً ضوءاً أصفر لن يستغرق طويلاً الوقت حتى يتحوّل أحمر، لأن الخطوط الحمر التي أحيطت بها العملية لا تسمح لأنقرة بتحقيق أهدافها المعلنة، ثم أن المناخ الدولي غير مؤاتٍ راح يلحّ عليها لإنهاء هجومها سريعاً. وضعت تركيا للمرّة الأولى كل علاقاتها الاستراتيجية المزمنة والمستجدّة في الميزان، وعلى رغم أن أحداً لا يصدّق أنها يمكن أن تتخلّى عن حليف كأميركا أو تجازف بموقعها الأطلسي إلا أنها لوّحت بخيارات صعبة «لا رجعة فيها» إذا مُنعت من تنفيذ خططها. ومع أنها لا تريد العودة إلى خصام مكلف مع روسيا إلا أن خدماتها في الملف السوري جمعت لها رصيداً اعتبرته كافياً لإقناع موسكو بدعمها في الخلاص من خطر «حزب العمال الكردستاني» في جيب عفرين، طالما أن اتفاقات آستانة عهدت إليها بضبط الوضع الأمني في إدلب، آخر المناطق المطلوب «خفض التوتّر» فيها بموجب الخطط الروسية.

مع بدء الهجمات التي دُفع فيها بآلاف من مقاتلي الفصائل التركية في «الجيش السوري الحرّ»، لم يعد السياسيّون والعسكريون الأتراك يذكرون منبج التي طالما أكّدوا أن الخطط العسكرية تشملها، وبدا أن أنقرة قدّمت تنازلاً أول بسبب تمسّك الأميركيين بحمايتهم لمنبج وعدم موافقتهم على مدّ السيطرة التركية إليها، إذ كانوا أوقفوا سباقاً إلى المدينة بين قوات النظام والميليشيات الإيرانية الزاحفة إليها من ريف حلب الشمالي وقوات «درع الفرات» الآتية من الباب غرباً. ما لبث الروس أن ارتضوا هذا الوضع وردّوا عليه بإدخال مفاجئ لمراقبين إلى عفرين فأصبحت تحت حمايتهم منذ آذار (مارس) 2017 ثم سحبوهم أخيراً واشترطوا على الأتراك الاكتفاء بمحاصرة المدينة وعدم اجتياحها أو إغارة مقاتلاتهم عليها. هذا تنازل آخر من أنقرة، أما الثالث فهو اضطرارها لغضّ النظر عن استكمال قوات النظام والميليشيات الإيرانية الهجوم على مطار أبو الضهور والسيطرة عليه في شرق إدلب، بعدما كانت طلبت رسمياً من روسيا وإيران وقف ذلك الهجوم لأنه «مخالف» لاتفاقات آستانة.

إذا لم تدخل القوات التركية عفرين ومنبج وتجعلهما جزءاً من منطقة نفوذها فلن يكون هناك انتصار حقيقي يمكن رجب طيب أردوغان أن يعلنه، خصوصاً إذا اضطر لوقف الهجوم من دون أن يتمكّن من إخراج المقاتلين الأكراد من عفرين، وقد تردد أن ثمة ممراً فُتح ليسلكه المنسحبون شرقاً. يشعر الروس والأميركيون بأن ضغوط أردوغان بلغت حدّاً مربكاً، ولا يتوقّعون أن يلتزم الحدود المرسومة له سواء في عفرين أو منبج، بل سيترك للقادة الميدانيين إمكان التوغّل وتجاوز الخطوط الحمر، لكنهم سيترقّبون تورّطه، فهذه الحملة لن تحلّ مشكلته الكردية في سورية، ولا في داخل تركيا وهو الأهم والأخطر. من الواضح أن واشنطن أعلنت أن عفرين لا تعنيها لأنها تقع خارج نطاق عمليات قواتها، وفهمت أنقرة أنها تستطيع التحرّك نحو عفرين فالأميركيون لن يساعدوها ولن يعرقلوها لكنهم لن يسكتوا طويلاً. وهذا أقلّ بكثير مما طمحت إليه.

منذ 2014 تحديداً فقدت تركيا إمكان الحصول على «تفويض» أميركي- أطلسي للتصرف في مناطق شمال سورية، وبعد انتشار «داعش» وإنشاء «التحالف الدولي» لمحاربته راحت تلحّ على دور مشترك مع الولايات المتحدة ولم تحصل عليه. ولعل إصرارها المحموم على عملية عفرين برهن للأميركيين أنهم لم يخطئوا استراتيجياً في عدم إجازة أي دور تركي في سورية، لا لأنه يفاقم التعقيدات الإقليمية للأزمة فحسب، بل لأنه يبطن الفتك بالأكراد. لكن الأميركيين أخطأوا استراتيجياً في إهمال قلق تركيا حين قرروا تسليح أكراد شمال سورية والاعتماد عليهم لمقاتلة «داعش». فهؤلاء المقاتلون في «وحدات حماية الشعب» ثم في «قوات سورية الديموقراطية» (قسد) هم في معظمهم من الجيل الثالث أو الرابع للأكراد الذين هجّرتهم تركيا في حروبها المتواصلة على مناطقهم خلال القرن الماضي، ولم يهتم أي نظام في دمشق بدمجهم وتجنيسهم، مع أنه أقام علاقةً سياسية- عسكرية مع «حزب العمال الكردستاني» واستضاف زعيمه عبدالله أوجلان قبل أن يجبره التهديد التركي على ترحيله إلى روسيا التي كانت ترعاه وتسلّحه، لكنها رحّلته إلى إيطاليا التي رحّلته إلى اليونان التي نقلته إلى سفارتها في نيروبي حيث سلّم إلى الأتراك ولا يزال معتقلاً منذ عام 1999.

لا يجهل الأميركيون هذه الحقائق، ويُفترض أنهم لم يجهلوا حين قرّروا تسليح «حزب الاتحاد الديموقراطي» (الفرع السوري لـ «بي كي كي») أنهم شكّلوا فرصة تاريخية للفرع والأصل المتداخلَين، اللذين ارتبطا بعلاقة مع النظام السوري ومن ثَمَّ مع النظام الإيراني، كما أن التدخّل الروسي في سورية أعاد الروح إلى علاقة «بي كي كي» مع موسكو بعدما كانت ضعفت، لكن الأميركيين كانوا تجاوزوا الجميع عندما حتّمت الظروف أن يدعموا الأكراد لمقاتلة «داعش» وطرده مطلع 2015 من عين العرب- كوباني، بعد معارك شرسة انتهت بتدمير معظم المدينة وبهزيمة أولى مبكرة للتنظيم. استشعر الأتراك هذه العلاقة بين الأميركيين والأكراد بمثابة إنذار أول لما سيكون، خصوصاً بعدما لمسوا ازدياد التداخل بين «بي ي د» و «بي كي كي» (الذي سبق لواشنطن أن صنّفته «إرهاباً»)، وبالأخص بعدما صعّد الأخير هجماته داخل تركيا وسقوط «هدنة» ما كانت تسمّى «عملية السلام»، بالتالي عودة السلطة التركية إلى شنّ الحملات الأمنية في مناطق الأكراد. في غضون ذلك أتاح انتصار «قسد» في الرقّة لـ «بي كي كي» أن يُفصح علناً عن وجوده ودوره الميداني.

لذلك لم يكن كافياً أن يقرّ الوزير الأميركي ريكس تيلرسون أخيراً بضرورة «أخذ مخاوف أنقرة في شأن إرهابيي منظمة «بي كي كي» في الاعتبار»، تحديداً بعد الكشف عن جيش من 30 ألف جندي من «قسد» يعدّه الأميركيون للدفاع عن مناطق شرق الفرات وحراسة حدودها. فبالنسبة إلى أنقرة لا يعني هذا الجيش، إضافة إلى تعهّد بوجود أميركي طويل المدى في شمال سورية ومشاريع لإعادة الإعمار، سوى أن واشنطن ماضية في إقامة «كيان خاص» أو «دولة» للأكراد. لم يكفِ أيضاً أن تحاول واشنطن التقليل من الأمر، فالجنرال الأميركي من «التحالف ضد داعش» تحدّث عن «قوة أمنية حدودية»، وحين احتجّت تركيا ردّ البنتاغون بأنها «قوة سيطرة ميدانية» ثم وصفها تيلرسون بأنها «قوة لحفظ الأمن الداخلي»… وهكذا استنتجت روسيا وسائر الأطراف المعنية (النظام السوري وإيران) أن أميركا اقتطعت لتوّها المناطق التي تهيمن عليها عبر «قسد»، بعدما اقتطعت أيضاً «منطقة خفض التوتر» في جنوب غربي سورية.

لا يعني ذلك أن الأطراف الأخرى تعمل فقط للحفاظ على «وحدة سورية»، بل إن الاستشراس الكيماوي للنظام في الغوطة الشرقية والمنافسة على إدلب وعملية عفرين والتوتّر في «جبهة الساحل» تشير إلى فصولٍ لم تحسم سواء في التجاذب الروسي- الأميركي أو مسلسل تقاسم مناطق النفوذ الدولي والإقليمي في سورية. ولعل اللافت أن تعود واشنطن فجأة إلى طرح إقامة «منطقة آمنة» شمالية بالتعاون مع تركيا. عدا أن إحياء هذه الفكرة يأتي متأخراً ويحتاج إلى تفاهم غير مضمون مع روسيا، فمن المؤكّد أنها لن تحظى بترحيب تركي إذا كانت تتطلّب تعاوناً مع قوات «قسد».

أين نظام بشار الأسد في هذه المعمعة؟ على رغم أن بوصلته الوحيدة الحفاظ على نفسه والمراهنة الدائمة على الوقت معتقداً أن الجميع سيحتاجون إليه في نهاية المطاف، إلا أنه محبط حالياً بالتفاهمات الروسية- التركية في شأن عفرين وإدلب، وكذلك بالإصرار الروسي على مؤتمر سوتشي. اضطر للسكوت بعدما أطلق تهديدات لتركيا بقصف قواتها وإسقاط طائراتها، وأبلغه الروس أن تقدّمه مع الإيرانيين في إدلب سيقتصر على استعادة مطار أبو الضهور. والأكيد أن إحباطه تضاعف بعد المواقف الأميركية الأخيرة، كما أن الاتصالات الأوروبية به انقطعت تماماً.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

في غزو عفرين/ مصطفى زين

منذ اندلاع «الربيع العربي» وأردوغان يستعد لتحقيق حلمه بإحياء الخلافة العثمانية. جرب ذلك في تونس عبر حزب «النهضة» فاصطدم بحيوية التونسيين وواقعية مورو والغنوشي اللذين فضلا المشاركة في الحكم بدلاً من الاستئثار بالسلطة بدعم من أنقرة. ثم انتقل إلى مصر التي انحاز رئيسها الإخواني محمد مرسي إليه وراح ينسق معه كل خطواته فانقض على الدولة العميقة وسعى إلى تغيير رموز المؤسسات الراسخة وتعيين مسؤولين في الحزب بدلاً منهم أي أنه حاول «أخونة» كل السلطات. وعندما ثار الشارع ضده تدخل الجيش وأطاحه فكانت نهاية النفوذ التركي في القاهرة.

في ليبيا تردد أردوغان في البداية في مشاركة الحلف الأطلسي في الهجوم على طرابلس ثم تراجع وانخرط في الحرب. لكن تناحر الليبيين وعدم وجود تيار إسلامي قوي في البلاد جعله ينكفئ ويركز كل جهوده في سورية، فهي الأقرب جغرافياً والأكثر استعداداً لتقبل الفكرة نظراً إلى الوجود الراسخ للإخوان فيها وإلى صراعهم الدموي المستمر مع السلطة منذ الثمانينات، فضلاً عن رفع الغطاء العربي عن النظام. حاول في البداية إقناع الأسد بمشاركة رموز الإخوان في الحكم، من خلال تغيير الدستور وعدم اعتبارهم مجرمين لكنه فشل، فأقدم على فتح الحدود أمام النازحين الفارين من الحروب، وأمام كل من يسعى إلى إطاحة الأسد، من دول ومنظمات ومسلحين. واحتضن «الجيش الحر»، وساعد في التمويل والتسليح والتدريب، متعهداً إقامة حزام أمني على طول الحدود، دافعاً جماعات مسلحة إلى الاستيلاء على قرى في اللاذقية، حيث معقل النظام. وكان استعداد الولايات المتحدة وفرنسا لضرب دمشق عام 2013 فرصة ثمينة له لتنفيذ خطته، لكن تراجع أوباما عن ذلك أحبط مساعيه.

لم يكن العمل العسكري وحده ما خطط له أردوغان ونفذه، بل استبق ذلك، ثم رافقه، بتحرك سياسي حين رعا تشكيل «المجلس الوطني» برئاسة برهان غليون (تشرين الأول عام 2011)، وبعض الشخصيات المعروفة بـ «علمانيتها» وعدائها للنظام. لكن الإخوان كانوا المسيطرين الفعليين على كل القرارات بدعم من أنقرة. كان «المجلس» يهيأ ليكون بديلاً للسلطة في دمشق، و «الجيش الحر» بديلاً للقوات الرسمية. واعترفت بالمجلس عشرات الدول «ممثلاً وحيداً للشعب السوري» لكنه مني بالفشل في نهاية الأمر ليحل مكانه «الائتلاف الوطني المعارض».

بعد سبع سنوات على الحرب في سورية يعود أردوغان إلى إحياء حلمه القديم- الجديد بإقامة حزام أمني في الأراضي السورية، مستخدماً «الجيش الحر» وبعض التشكيلات التركمانية السورية غطاء لتقدم قواته إلى عفرين، إثر انسحاب الروس من المنطقة، في خطوة تقول موسكو عنها إنها لإفساح المجال أمام القوات السورية لتولي الأمر فيها بالتعاون مع الأكراد الذين يتهمونها وواشنطن بخيانتهم، وتركهم وحيدين في مواجهة الغزو التركي. غزو تؤكد أنقرة أنه لمنع إقامة كيان مستقل، ما يشكل خطراً كبيراً عليها، فأكرادها يسعون إلى الانفصال منذ الثمانينات ويخوضون حرباً ضد أنظمتها العلمانية والإخوانية كلفت آلاف القتلى والجرحى. وليس مستبعداً أن تنتقل المعارك إلى داخل تركيا إذا طالت عملية الغزو المعقدة المرتبطة بالموقفين الروسي والأميركي، فموسكو ترى في الوضع فرصة لتحييد عفرين وإجبار الأكراد على التعاون مع دمشق، وواشنطن ترى فيه فرصة لتثبيت نفوذها مقابل النفوذ الإيراني.

محاولات أردوغان إحاطة تركيا بأنظمة إخوانية، تمهيداً لتجديد العثمانية وعصرنتها يصطدم بسعي حلفائه وخصومه إلى تثبيت نفوذهم في سورية وبالخطر الذي يشكله الأكراد في الداخل، وما غزو عفرين سوى هروب إلى الأمام فلن تفيد الأيديولوجيا الإخوانية في الحلول مكان الواقع في بلد ممزق مثل سورية، والدليل أنه لم يستطع فرضها في بلاده، على رغم استخدامه القوة وزجه الآلاف في السجون وإقفاله كل الصحف المعارضة.

غزو أردوغان عفرين بداية مرحلة جديدة في الحروب السورية، والحلول السياسية ما زالت بعيدة المنال.

الحياة

 

 

 

 

عن التلاعب الأميركي بأكراد سورية/ خالد غزال

طغى موضوع الأكراد في سورية خلال الأيام الماضية، إذ غطى على معظم الصراع الدائر في سورية. أعلنت الولايات المتحدة نيتها تجنيد ثلاثين ألف مقاتل معظمهم من الأكراد لوضعهم على الحدود مع تركيا، وضمن استراتيجية البقاء الأميركي في سورية، حماية للأمن القومي الأميركي. في المقابل، استنفرت الحكومة التركية ضد هذا الإجراء، معلنة صراحة رفضها هذه القوة، وترجمت ذلك ببدء عملية عسكرية في عفرين السورية، المنطقة ذات الغالبية الكردية، واعدة بتوسيع الحملة الى منبج. حجة الأتراك أن الخطة الأميركية بدعم الأكراد ستصب في إقامة دويلة كردية سيكون لها أثر على الوجود الكردي داخل تركيا لجهة إحياء الشعور القومي بكردستان الأصلية.

تنصّل الروس من الأحداث الجارية، وسحبوا القوة التي كانوا يملكونها في المنطقة، أما النظام السوري، فقد أعلن رفضه الدخول التركي، فيما صرّحت تركيا بأنها أبلغت النظام السوري سلفاً بالعملية. هكذا تختلط الأمور بحيث يبدو أن الوضع السوري أشبه بكلمات متقاطعة، يصعب تفكيك التحالفات ومعرفة من مع من، ومن ضد من؟

في المرحلة الراهنة من الصراع، لا شك في أن الأكراد في سورية هم وقود المعركة، وهم الخاسرون سلفاً، وسيدفعون ثمناً غير قليل فيها. منذ أن عاد الأميركيون الى التدخل بقوة في سورية، كانت خطتهم مزدوجة، تعطيل أي حل سياسي يسعى الروس الى فرضه، ما لم يتم التفاهم معهم، وتعيين حصتهم في سورية وخارجها، ثم الاعتماد على منطقة نفوذ داخلية تشكل مرتكزاً لإدارة معركتهم المحلية. حدد الأميركيون الأكراد الطرف الذي يمكن الاستناد اليه داخلياً. شجعوا المجموعات الكردية على إعلاء الصوت للمطالبة بحكم ذاتي، وصل بهم أحياناً الى الانفصال عن سورية والانضمام الى دولة كردستان المحتمل قيامها. زودوا المجموعات الكردية بأسلحة ثقيلة، ودربوا عناصر كثيرة منهم، وأدخلوهم في المعركة ضد «داعش»، وراهنوا عليهم للمستقبل.

لعب الأكراد دوراً مهماً في محاربة «داعش»، كما أن من حقهم أن تكون لهم حقوق كسائر السوريين، وهم العنصر المضطهد منذ حكم حافظ الأسد الى زمن ابنه. لكن تكبير الطموحات بما يتجاوز موازين القوى القائمة له أثمان سلبية، بدأ الأكراد يدفعونها. لم يجف الحبر على تجربة العراق، حيث اندفع الأكراد بعيداً في تجاوز ما هو معطى لهم من حكم ذاتي، الى القفز من أجل الاستقلال والبدء ببناء دولة كردستان. لقد شجع الأميركيون أكراد العراق، وهو تشجيع جعل الأكراد لا يحسبون الحساب للنتائج المتوقعة. فجأة، تخلى الأميركيون عن دعم استقلال أكراد العراق، ونفضوا يدهم من طموحاتهم، بل تمّ تقريعهم على ما قاموا به. ما يظهر اليوم على الساحة السورية، يبدو كبير الشبه بما حصل في العراق. خفف الأميركيون من دعم الأكراد، وتنصلوا من القوة التي وعدوا بها، وتركوهم فريسة للقوات التركية الغازية، بما يهدد بإلغاء الحد الأدنى مما كسبوه في الحرب ضد «داعش».

مرة جديدة، يستنفر الحراك الكردي، لتوسيع الحقوق أو السعي الى تحقيق حلم الدولة الكردية، القوى الإقليمية المحيطة، من تركيا الى إيران الى سورية. الكلام المتناقض من هذا الطرف أو ذاك، تأييداً لمطالب الأكراد هو كلام غير صحيح ومخادع. فالنظام السوري، على رغم أن مجموعات كردية أساسية تحالفت معه، يضمر العداء لأي تطلعات كردية في توسيع الحقوق، وهو نظام أمعن طويلاً في قمعهم وتهميشهم وحتى حرمانهم الجنسية السورية. الأمر نفسه ينطبق على النظام الإيراني الذي لا يقل عدائية تجاه الحقوق الكردية، وهو يترجمها حرماناً وقمعاً داخل إيران. أما تركيا، فموقفها واضح وهي تترجمه الآن حملة عسكرية واسعة ضد المناطق الكردية.

لا يمكن فصل المعركة الدائرة الآن تحت عنوان الأكراد، عن التخبط الذي يعانيه أقطاب «السلطة الفعلية» في سورية، واستعصاء الوصول الى تسوية للصراع. فروسيا وإيران اللتان سبق لهما وأعلنتا الانتصار في سورية، وحددتا المغانم لكل طرف، ها هما في مأزق، ومراوحة وعدم القدرة على تحقيق تسوية تنهي الحرب. إن الإعلانات الأميركية عن العودة الكبيرة الى سورية، أربكت القوى «المنتصرة»، بل أعادت الأزمة السورية الى المربع الأول. تتصرف أميركا بعدم الاهتمام بالوصول الى تسوية، ولا ترى مانعاً من إطالة الحرب، طالما أن هذه الإطالة تغرق الروس والإيرانيين في وحول هذه الحرب. فالاستنزاف من جانب أميركا للقوى المحلية والدولية، يبدو الاستراتيجية الراهنة للتعاطي مع الأزمة. وبدلاً من التهيؤ لانسحاب الجيوش، ها هي الولايات المتحدة تعلن عن وجود ثماني قواعد عسكرية في سورية.

وسط هذه المعمعة، لا يبدو النظام السوري في موقع الفاعل أو المؤثر في ما يخطط وينفذ في بلده. أما الثمن الأكبر فيدفعه الشعب السوري من دمه ودمار ممتلكاته وتشريده خارج البلاد.

* كاتب لبناني

الحياة

 

 

 

حسابات الربح والخسارة في عفرين/ سلام السعدي

لم تأت العملية العسكرية التركية على مدينة عفرين السورية بشكل مفاجئ. فمنذ أكثر من عام، تواصل تركيا التهديد بالقيام بعمل عسكري “وشيك” على المدينة، ذات الغالبية الكردية، وعلى بعض مناطق الشمال السوري التي تسيطر عليها القوات الكردية. وهو ما يدفع للتساؤل عن سبب التردد والتأخر في إطلاق العملية.

من المفيد أولا استعادة الأحداث التي قادت للعملية العسكرية التركية. خلال العامين الماضيين، عمل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على توسيع سيطرته الميدانية في شمال سوريا وشرقها لحل معضلة تمنع إمكانية تأسيس كيان مستقل وقابل للحياة.

وتتمثل تلك المعضلة بوجود ثلاث مناطق ذات غالبية سكانية كردية، هي كوباني والقامشلي وعفرين، ولكنها عبارة عن جيوب غير مترابطة ومعزولة عن بعضها بأراضٍ تقطنها غالبية عربية وتتقاسم السيطرة عليها كلّ من المعارضة السورية وتنظيم الدولة الإسلامية.

استغلت قوات الاتحاد الديمقراطي الكردي الانخراط الأميركي والروسي في الحرب السورية قبل عامين. فعملت مع الولايات المتحدة على انتزاع أراضي تنظيم داعش في شمال وشرق البلاد، وعملت من جهة أخرى، بدعم مكثف من سلاح الجو الروسي وبتسهيل من قبل قوات النظام السوري، على انتزاع مناطق سيطرة المعارضة السورية في شمال غرب البلاد.

كان ضرب فصائل المعارضة السورية المسلحة هو الهدف الرئيسي للمشاركة الروسية المباشرة في الحرب السورية. هكذا ركزت موسكو عملياتها العسكرية ضد المعارضة بصورة عامة، والمعتدلة منها بصورة خاصة، بدلا من التركيز على تنظيم داعش. وهو ما مكن القوات الكردية من السيطرة على مناطق عربية في ريف حلب، وتحديدا على مدينتي تل رفعت ومنبح، وطـرد المعارضة السورية منها بعد تقسيم للأدوار تخلله قصف جوي روسي عنيف وهجوم للنظام السوري والميليشيات المساندة له عبر المناطق التي يسيطران عليها.

وبالتعاون مع الولايات المتحدة، تمكنت الوحدات الكردية من السيطرة على مدينة الرقة وريفها. وبذلك، كانت القوات الكردية على وشك تحقيق تواصل جغرافي بين مناطق سيطرتها التي أصبحت تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.

ولم يمنع ذلك من التحقق بصورة كاملة سوى العملية العسكرية التركية المسماة بـ“درع الفرات” والتي بـدأت في خريف العام 2016، وسيطرت من خلالها على مناطق داعش المتبقية في شمال غرب سوريا والمحاذية لمدينة عفرين مستبقة محاولات القوات الكردية.

ومنذ ذلك الوقت، تكرّر تركيا تهديداتها بقرب عملية عسكرية ضد المناطق التي سيطرت عليها القوات الكردية وتحديدا على مدينتي منبج وتل رفعت. ولكن تركيا اختارت شن العمل العسكري على مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية وذات الطبيعة الجبلية شديدة الصعوبة.

اعتبر البعض أن شراسة المعركة في عفرين والخوف من الخسائر الكبيرة شكلا المصدر الرئيسي للتردد التركي. ولكن الحقيقة أن هذا لا يشكل عقبة حقيقة بالنسبة لتركيا في ظل الظروف العسكرية الخاصة بالحرب السورية. إذ لا تخوض تركيا المعركة بجنودها فقط وإنما تعتمد على فصائل من المعارضة السورية وهـو ما يقلل من خسائرها المباشرة.

كما أن تفوقها على مستوى السلاح الثقيل والطيران الحربي يجعل طول أمد المعركة لصالحها وليس لصالح المدافعين عن المدينة. لم يعد سرا أن الأطراف التي تتمتع بتغطية الطيـران الحربي والقصف المكثف في الصراع السوري اتبعت تكتيك القتال البطيء والحصار والإنهاك. انتهجت ذلك القوات الكردية نفسها في حربها مع داعش، وكذلك النظام السوري في قتاله لقوات المعارضة، حيث جرى تكثيف القصف اليومي وحصار المدنية المستهدفة لشهور طويلة وتركها تذوي ببطء.

وأخيرا، لا تحتاج تركيا إلى نصر حاسم في مدينة عفرين وسحق المقاومة الكردية فيها حتى تحقق ما تتطلع إليه. قد يكون هدف العملية العسكرية الرئيسي هو زيادة الضغوط على الولايات المتحدة الأميركية لتعيد حساباتها في الشمال السوري وتأخذ مخاوف تركيا بالمزيد من الجدية.

كما يمكن أن تجبر العملية القوات الكردية على تسليم المدينة للنظام السوري، وهو ما أعلنته تلك القوات في بيان صـدر الأربعاء ويدعو “الدولة السورية” إلى تولي مسؤولية حماية المدينة. ويبدو أن تأخر العملية التركية مرتبط بعدم حصولها على موافقة روسيا وإيران والنظام السوري من قبل.

بالنسبة للنظام السوري في الوقت الحالي، لم يعد الخطر الأكبر قادما من تركيا والمعارضة السورية التي ترعاها، بل من التحالف الأميركي- الكردي الذي سيطر على مساحة أربعين بالمئة من مساحة سوريا، ويهدد التواجد العسكري الأميركي بتقييد أيدي النظام وحلفائه وبتكريس هذا الواقع.

كما تتخوف روسيا من التواجد الأميركي في شمال البلاد وإعلان واشنطن عن أن وجودها ذاك غير محدد بمدة زمنية. هكذا سمح النظام السوري وروسيا لتركيا بتوجيه ضربة عسكرية للأكراد ربما تعيدهم إلى أحضان النظام.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

 

 

 

تناقضات روسية – أميركية وخلط أوراق في سورية/ حسين معلوم

أن تستبق القوى الدولية، والإقليمية، الفاعلة والمتشابكة في ملف الأزمة السورية، مؤتمر «الحوار الوطني» في سوتشي الذي ترعاه روسيا، بتحركات متناقضة، فهذا يؤشر إلى محاولة كل منها حجز مكان على الأرض السورية، لتفعيل رؤيته في مسار الأزمة، وفي آفاق الحل السياسي للصراع الدائر منذ سنوات. وأن يستبق كل من هذه القوى المؤتمر بمحاولة «خلط أوراق» اللاعبين الآخرين، فهذا يعني أننا على أبواب مرحلة غاية في التعقيد والخطورة، ليس على سورية فقط، ولكن، وهذا هو الأهم، على بلاد الشام بكاملها.

فأن تستبق الإدارة الأميركية مؤتمر سوتشي، بالإعلان على لسان وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، عن الأهداف الخمسة لوجودها في سورية، فهذا يؤكد التوجه الأميركي إلى تخفيض سقف توقّعات الكرملين من المؤتمر، ويؤسّس لحضور أميركي في سورية سيكون بالتأكيد على حساب اللاعبين الآخرين، خصوصاً إيران وتركيا، إضافة إلى روسيا.

قطعاً، لا يُمكن الولايات المتحدة تجاهل حقيقة أن مسار الحل يمر عبر «الشراكة» بينها وبين روسيا وأوروبا؛ لكنها، في الوقت نفسه، لا يُمكن أن تتنازل إلى درجة تسمح للكرملين باكتساب «شرعية» دولية لتوجهاته في توزيع «الحصص» في المنطقة، أو أن يرسم لها وللمتصارعين الآخرين حدود أدوارهم ومصالحهم. ومن ثم، لنا أن نلاحظ كيف أكد تيلرسون أن التغيير قادم، وكيف حض موسكو على الوفاء بالتزاماتها وبالضغط على النظام السوري للانخراط في مفاوضات جنيف؛ ولعل هذا ما يوضح أحد الأهداف الأميركية الرئيسة في محاولة التوصل إلى حل سياسي، برعاية الأمم المتحدة، على أساس القرار 2254، عبر الضغط لتفعيل مسار جنيف، الذي تريده روسيا تابعاً لمؤتمر سوتشي.

لنا أن نلاحظ، أيضاً، بخصوص الأطراف الإقليمية، أن إنهاء نفوذ إيران، أو، في أقل تقدير، تحجيم هذا النفوذ على الساحة السورية يأتي في مقدّم الأهداف الأميركية؛ من حيث إن الاستراتيجية الجديدة التي كشف عنها تيلرسون أخيراً، تستهدف مواجهة حضور إيران في سورية كمقدمة لتقليص هيمنتها على الإقليم، وقطع الجسر الذي يصلها بمياه البحر المتوسط. وبالتالي، يبدو أن إيران، التي بدت حتى الآن هي الرابح الأكبر، ستواجه تحدياً لدورها في سورية، خصوصاً في حال حصول تفاهم «روسي- أميركي» في هذا الشأن.

أما الطرف الإقليمي الآخر، تركيا، فإنها، مثلها في ذلك مثل إيران، ستواجه تحدياً للدور الذي تحلم به عبر دخولها على خط الأزمة منذ بداياتها. يكفي أن نتأمل مغزى الإعلان الأميركي عن تشكيل قوة حدودية جديدة من قوات سورية الديموقراطية، التي يُشكل عمودها الفقري الامتداد السوري لحزب العمال الكردستاني التركي، للانتشار على الحدود السورية مع تركيا شمالاً والعراق باتجاه الجنوب الشرقي وعلى طول نهر الفرات.

صحيح أن واشنطن حاولت أن تخفف من حدة الإعلان عن تلك القوة، بالنسبة إلى تركيا، عبر تصريحات تيلرسون بأن «المسألة التي أغضبت أنقرة، لم تُطرح بالطريقة الملائمة»؛ وصحيح، أيضاً، أن تحالف واشنطن الدولي لمحاربة «داعش»، أعلن أن مدينة عفرين شمال سورية، والتي أعلنتها أنقرة منطقة لعمليتها العسكرية، تقع خارج نطاق مسؤولياته، إلا أنه يبقى من الصحيح، كذلك، أن مثل هذه التطمينات لم تثن تركيا عن بدء عمليتها في عفرين؛ وهي العملية التي ستساهم في تغيير جذري في التحالفات وفي موازين القوى في الشمال السوري. بل، لا نُغالي إذا قلنا إن «عملية عفرين» ستضيف إلى المشهد في سورية مزيداً من التعقيد، بشكل تصبح معه عملية خلط الأوراق واقعاً جديداً، خصوصاً مع إعلان الإدارة الأميركية استراتيجيتها في بلاد الشام.

ولأن الدولة التركية هي، في الحقيقة، أضعف من أن تُقرر وتُنفذ في صراع تشارك فيه قوى عظمى، قامت على مدى سنوات بالاستثمار فيه، فضلاً عن سعيها لتحقيق مصالحها، المباشرة وغير المباشرة، ولن تمنح هذه القوى تركيا موافقتها ما لم تدفع المقابل السياسي؛ لذا، أعلنت أنقرة عن رغبتها في التنسيق مع موسكو وطهران بخصوص عملية عفرين قبل أن تبدأ. ولعل هذا، نفسه، ما يوضح المسكوت عنه في إعلان المبعوث الرئاسي الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرينتييف، أن العملية العسكرية التركية في عفرين «لن تؤثر في عقد مؤتمر سوتشي»؛ بل هو يكشف لماذا انسحب المراقبون الروس من عفرين قُبيل الهجوم التركي.

في هذا الإطار، يبدو أن روسيا أمام امتحان كبير لإنجاح ما تحاوله منذ زمن في سورية. فهي، من جانب، تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع أنقرة ومع الأكراد في آن. إذ، على رغم اتهام الأكراد روسيا بالخيانة، فإن وزارة الدفاع الروسية لم يسعها غير أن تُلقي لائمة الهجوم على الولايات المتحدة الأميركية، وعلى «دعمها المستمر للقوات الموالية لها في شمال سورية». أما بالنسبة إلى تركيا، فإن روسيا لا يمكن أن تتراجع عما تعتبره انتصاراً لسياستها في منطقة الشرق الأوسط، عبر كسب تركيا الدور الإقليمي المؤثر ذاته، خصوصاً في الوضع السوري، والعضو المؤسس في حلف شمال الأطلسي «ناتو». ثم، إن روسيا، من جانب آخر، تحاول تفعيل رؤيتها في وضع سوتشي مقابل جنيف، خصوصاً إذا تأملنا تصريح وزير خارجيتها سيرغي لافروف، أن لا تقدم في الجولة التاسعة للمفاوضات بين السوريين في جنيف، من دون عقد «مؤتمر الحوار الوطني» في المنتجع الروسي، والأخذ في الاعتبار نتائج جولات آستانة… وهو تصريح يرتقي إلى مستوى «التهديد».

في هذا الإطار، أيضاً، لا يبدو أن روسيا هي الوحيدة أمام امتحان كبير، بل هناك الولايات المتحدة الأميركية، التي تجد نفسها في وضع حرج بين حليفين، تركيا والأكراد. إذ، بعد الإعلان عن الاستراتيجية الأميركية في سورية، يجد الأميركيون أنفسهم في وضع صعب بين تنفيذ خطوة تشكيل القوة الحدودية الجديدة، عبر مساعدة «حليفهم» التكتيكي الكردي، وبين خسارة حليفهم الاستراتيجي التركي، وبين، وهذا هو الأهم، الوقوف على الحياد وخسارة حضورهم شرق الفرات، الذي يؤمن لهم دوراً رئيساً للحفاظ على مصالحهم في سورية.

الحياة

 

 

 

 

بعد أسبوع من العملية العسكرية في عفرين: الحذر عنوان الهجوم التركي/ منهل باريش

تباين التصريحات حول حقيقة المكالمة الهاتفية بين الرئيسين الأمريكي والتركي، الأربعاء الماضي، يعكس بشكل كبير أن العلاقات بين واشنطن وأنقرة ليست على ما يرام الأمر الذي دفع مصادر رسمية تركية إلى تصحيح ما جاء في بيان البيت الأبيض. وقالت مصادر في الرئاسة التركية إن: «الولايات المتحدة لم تطلع الرأي العام بدقة على فحوى الاتصال، وأنها أطلعت الصحافة على مواضيع لم يجر التطرق إليها خلال المحادثة».

وجاء في بيان البيت الأبيض أن «ترامب أعرب عن قلقه من أن العنف المتصاعد في عفرين ينطوي على خطر الإضرار بأهدافنا المشتركة في سوريا»، وهو ما نفته المصادر التركية الرسمية لـ «وكالة الأناضول»، مضيفة أن ترامب لم يتحدث أبدا عن «قلق إزاء العنف المتصاعد» بخصوص عملية «غصن الزيتون» في عفرين السورية.

وأضافت المصادر أن مناقشة الرئيسين للعملية اقتصرت على تبادل وجهات النظر فحسب، ونفت استخدام عبارة «الخطابات الهدامة والخاطئة الواردة من تركيا» التي ذكرها بيان البيت الأبيض تعليقا على المكالمة، وأكدت أيضا أنهما لم يتطرقا إلى حالة الطوارئ في تركيا على الإطلاق. لكنها أكدت طلب ترامب من أردوغان «إطلاق سراح مواطنين أمريكيين موقوفين»، وهو ما اعتبره الرئيس التركي من «اختصاص عمل القضاء».

كما شدد بيان البيت الأبيض على ضرورة ضبط عملية «غصن الزيتون» بوقت محدد، مع الإشارة إلى الوجود العسكري الأمريكي في منبج، والدعوة إلى أخذ الحيطة لمنع احتمال وقوع اشتباكات ساخنة هناك. في حين أشارت المصادر التركية إلى أنه «جرى التشديد خلال المحادثة على ضرورة انسحاب إرهابيي ب ي د من منبج إلى شرقي نهر الفرات وفقا لما تم الاتفاق عليه من قبل، وعند انسحابها ستتم حماية المدينة من أي تهديد محتمل لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) من خلال الجيش السوري الحر بدعم عسكري تركي».

كما لم يتطرق الجانب الأمريكي في بيانه إلى تشديد أردوغان، خلال المحادثة، على ضرورة وقف واشنطن دعمها لتنظيم «ب ي د / ي ب ك الإرهابي» في سوريا، حسب وكالة الأناضول.

تضارب التصريحات يظهر بشكل جلي أن العلاقات التركية – الأمريكية أصبحت في أسوأ لحظاتها منذ قررت أمريكا اعتماد «وحدات حماية الشعب»، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والذي تعتبره تركيا الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني. ولعل التفاهم التركي الروسي شمال سوريا يزيد من الحساسية الأمريكية تجاه تركيا ويساعد في تدهور تلك العلاقة.

العملية العسكرية المستمرة في عفرين والتي بدأت في 20 كانون الثاني (يناير) الجاري بدأت من ستة محاور من الأراضي التركية، ولعل السمة الأبرز لتلك العملية هي الحذر التركي الواضح. فالجيش التركي، الذي يعتبر ثاني أكبر جيوش الناتو يتقدم بهدوء ودقة لتأمين شريطه الحدودي مع عفرين السورية، ويركز قصفه الجوي في محاولة تخفيف الأخطاء المحتملة ضد المدنيين حيث تكتظ عفرين بآلاف الأسر السورية النازحة من مناطق سورية عدة. ويساعد القوات التركية المهاجمة امتلاكها تقنيات متطورة تستطيع من خلالها تجنب الأهداف المدنية، حيث تستخدم القوات الجوية طائرات الاستطلاع المتطورة من طراز فانتوم-4-RF وتايغر-5-RF إضافة الى الطائرات المسيرة الأحدث.

في سياق متصل، وتعليقا على العمليات العسكرية في عفرين، قال رئيس المركز الكردي للدراسات، نواف خليل، في تصريح لـ»القدس العربي»: «إن الجيش التركي القوي بالتأكيد يلاقي مقاومة كبيرة، ولو استطاعوا الدخول إلى عفرين التي تبلغ مساحة منطقتها أقل من أربعة آلاف كيلو متر لفعلوا، كما حصل مع قوات الحشد الشعبي في إقليم كردستان العراق». وانتقد مشاركة بعض فصائل الجيش الحر في معركة عفرين مع الجيش التركي، قائلاً: «كان من الأجدى مشاركتهم في صد قوات النظام المتقدمة في حماة وإدلب وريف حلب الجنوبي بدل الهجوم على عفرين»، معتبرا أنهم «فقدوا البوصلة».

إلى ذلك أصدر المركز الإعلامي في قوات سوريا الديمقراطية، «قسد»، تقييما للعملية العسكرية التركية في عفرين اعترف خلاله بمقتل 43 من مقاتليه، بينهم ثماني مقاتلات من «وحدات حماية المرأة»، إضافة الى مقتل 59 مدنيا في القصف المدفعي والجوي. وأحصى 699 قذيفة مدفعية ونحو 191 طلعة جوية، وحدد 136 اشتباكا مباشرا في محاور تقدم الجيش التركي.

وقال المركز في تقييمه إنه «بالرغم من أن تركيا دفعت بكل إمكاناتها العسكرية والتقنية مستخدمة أسلحة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والدبابات الألمانية، إلا أنها عجزت عن تحقيق نصر عسكري حقيقي على الأرض، وتكبدت خسارة فادحة في العدة والعتاد». إلا أن وزارة الصحة التركية أعلنت عن مقتل ثلاثة من جنودها، فيما أعلنت فصائل درع الفرات عن مقتل نحو 13 مقاتلا بينهم قيادي في لواء سمرقند.

العملية العسكرية التركية مازالت في بدايتها، ومع عدم حسم عسكري قريب فيها يرجح خيار الحل السياسي، حسب ما أبلغ التحالف الدولي الذي يدعم «قسد» سابقا حيث تنسحب عناصر وحدات حماية الشعب منها إلى شرق نهر الفرات وتبقى المنطقة تحت حكم محلي وشرطة محلية تتبع لحكومة النظام السوري. وهي الصيغة التي تفضلها روسيا أيضا، وكانت قد طرحتها سابقا في منطقة ريف حمص الشمالي التي تسيطر عليها المعارضة.

سير المعارك ومحاور الهجوم يدلل على أن تركيا تريد تأمين حدودها وإبعاد الوحدات عنها، ولا ترغب في الدخول إلى عمق منطقة عفرين. الحذر التركي مرده رغبة أنقرة في ألا يكون التدخل لمصلحة روسية ـ إيرانية ضد أمريكا.

 

 

«غصن الزيتون» في عفرين: بداية جولة ثانية للحرب السورية تحركها مصالح اللاعبين الخارجيين/ إبراهيم درويش

منذ بداية الحرب الباردة ظلت تركيا واحدة من أكبر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، فقد انضمت إلى حلف الناتو عام 1952 وساعدت أمريكاعلى بناء حاجز ضد التمدد الشيوعي في المنطقة، وفتحت قاعدتها الجوية «إنجرليك» للطيران الأمريكي أثناء حرب الخليج الأولى عام 1991. ورغم تصويت البرلمان التركي عام 2003 على عدم السماح للقوات البرية غزو العراق من الأراضي التركية إلا أن الحكومة فتحت المجال أمام الإمدادات. وفي الحملة الأخيرة لعبت تركيا دورا مهما في الحرب على تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا عندما فتحت القاعدة لطيران دول التحالف الدولي بقيادة أمريكا وبهذا قصرت الرحلة أمام الطائرات التي كانت تنطلق من القواعد الأمريكية في الخليج العربي. إلا أن نهاية الحرب على تنظيم «الدولة» وهزيمة الجهاديين فتحت الباب أمام مواجهة جديدة بين الدولتين الحليفتين وعضوي الناتو بسبب الخلافات حول الدعم الأمريكي لقوات حماية الشعب الكردية التي ترى فيها تركيا جماعة إرهابية شقيقة لحزب العمال الكردستاني (بي كا كا). ووصل التوتر في العلاقات الأمريكية- التركية لدرجة الخلاف حول فحوى مكالمة هاتفية أجراها الأربعاء الماضي الرئيس دونالد ترامب مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد رفضت الرئاسة التركية ما جاء في بيان البيت الأبيض من دعوة ترامب لضبط النفس وتجنب قتل المدنيين. في إشارة للحملة العسكرية «غصن الزيتون» التي أعلن عنها الجيش التركي في الأسبوع الماضي بمنطقة عفرين ضد قوات حماية الشعب. وفي الحقيقة فالعملية لا تستهدف عفرين تحديدا ولكنها تعبر عن نفاد صبر الأتراك عما رأوا فيه محاولة أمريكية لتقوية كيان كردي على حدودهم الجنوبية، وجاءت نتاجا لرسائل متضاربة عبرت عن التشوش داخل حكومة ترامب نفسها وفي الوقت نفسه تعبر عن ترتيبات ما بعد الحرب على تنظيم «الدولة» حيث تتنافس القوى على تحديد مواقعها تحضيرا لأي مفاوضات. ومن هنا جاءت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي ريكس تيلرسون أن أمريكا ستحافظ على 2.000 جندي وقواعدها العسكرية في مناطق شرق سوريا بشكل يضمن حماية للأكراد الذين يريدون إقامة كيان للحكم الذاتي. ثم جاءت الترتيبات التي أعلنت عنها وزارة الدفاع وهي تشكيل قوة حدود قوامها 30.000 مما تعرف بقوات سوريا الديمقراطية، التي يشكل الأكراد العنصر الرئيسي فيها وهو ما أثار غضب الأتراك وتحركوا لمواجهة «جيش الإرهاب». في قراءة لدلالات العملية التركية في عفرين فإنها تؤشر في صورة منها إلى مرحلة جديدة في الحرب السورية يمكن أن نطلق عليها الجولة الثانية. فالجولة الأولى شهدت حربين في وقت واحد، الأولى جرت بين المعارضة السورية ونظام بشار الأسد، أما الثانية فبين تنظيم «الدولة» والتحالف الدولي بقيادة أمريكا، وحسمت الأولى بالتدخل الروسي في إيلول (سبمتمبر) 2015 أما الثانية فقد حسمت تقريبا في العام الماضي بعدما خسر تنظيم «الدولة» كل مواقعه وأصبح قادته مطاردون. وتمخضت الجولة الأولى كما يقول جوناثان سباير في «فورين بوليسي» (25/1/2018) عن دولة سورية تحت قيادة الأسد لا يملك حق القرار فيها بدون الروس والإيرانيين، ومنطقة كردية بحماية أمريكية ومنطقة تحت سيطرة الجماعات المتشددة في محافظة إدلب. من هنا فالتوغل التركي هو تذكير أن الحرب السورية لم تنته وأن الملفات التي تم تجنبها أثناء قتال تنظيم «الدولة» طفت من جديد على السطح وعاد المتصارعون إلى رقعة الشطرنج السورية. ولعل الأحداث الأخيرة في عفرين تكشف عن الدينامية الجديدة، ففي الوقت الذي شجب فيه نظام بشار الأسد التوغل التركي وهدد بسحقه إلا أن حلفاءه الروس هم من سهلوا له عندما انسحبت قواتهم من المدينة حيث كانت تقدم الدعم لقوات حماية الشعب، ضمن اللعبة السورية الرقص مع كل الأطراف، أو محاولة من فلاديمير بوتين الإستفادة من الخلاف التركي- الأمريكي لصالحه. ويشير سباير إلى أن الأحداث الأخيرة تشير للكيفية التي تحولت فيها القوى السورية المعارضة إلى جماعات وكيلة إن بيد الإيرانيين أو الأمريكيين أو الأتراك الذين دخلوا سوريا بالتعاون مع جماعات مثل فيلق الشام ونور الدين زنكي وجبهة الشرق. وتقاتل هذه من أجل النجاة بعدما أصبح حلم التخلص من الأسد بعيدا. وهو حال الجماعات السورية الأخرى نفسه في الجنوب التي تتعامل مع الأردنيين، الأمريكيين والإسرائيليين. وعليه فالجولة الجديدة في سوريا ليست نابعة من ديناميات سورية داخلية كتلك التي أدت لانتفاضة عام 2011 بل من خلال التنافس على المصالح بين القوى الخارجية: الأتراك ضد الأكراد، إسرائيل ضد إيران وجماعاتها الوكيلة، الولايات المتحدة ضد إيران وربما الآن ضد أنقرة. وتسعى كل واحدة من هذه القوى إلى تعزيز مكاسبها على حساب الأخرى. ومن هنا فالحديث لا يدور حول مسار التسوية في سوريا الذي أصبح منسيا، بل عن تداعيات العملية التركية أولا على العلاقة مع أمريكا وثانيا المكاسب الروسية والإيرانية وبالضرورة النظام منها وثالثا مستقبل الكيان الكردي.

تركيا ضد أمريكا

يتفق الكثير من المحللين حتى من يوجهون النقد الدائم لأردوغان أن إدارة الولايات المتحدة للملف السوري كانت عشوائية ومضللة وتجاهلت عمدا كما ورد في تقرير «نيويويورك تايمز» (25/1/2018) حجم المخاوف التركية من الأكراد عندما دفعت باتجاه دعم وتسليح الجماعات الكردية «الإرهابية». ففي تعجل الأمريكيين لإيجاد قوة محلية شريكة لهم على الأرض في قتال تنظيم «الدولة» تجاهلوا كل مظاهر القلق التركي وعلاقة الفرع الكردي بعبدالله أوجلان الذي علق الأكراد السوريون صوره في قلب المدينة العربية الرقة، بعد تحريرها من تنظيم «الدولة». وفي الأزمة الحالية حاولت واشنطن الفصل بين دعمها للأكراد في مناطق شمال- شرق سوريا وبين عفرين التي قالت إنها ليست داخلة في التعاون، مع أن الأكراد لا يرون فرقا بين عفرين والحسكة وكوباني. وربما كان دخول الأتراك بضوء أمريكي أخضر بعدما سمح الروس لهم باستخدام المجال الجوي السوري. ومع تهديد أردوغان بالمضي نحو منبج فالمواجهة قد تحدث بين حليفين خاصة أن القوات الأمريكية الخاصة موجودة في المدينة مع ما تعرف بقوات سوريا الديمقراطية. وكانت إدارة باراك أوباما قد وعدت تركيا بالإنسحاب من منبج ولم تفعل.

تركيا أهم

وتواجه واشنطن خيارات صعبة بين حليف استراتيجي وآخر تكتيكي وقتي لأن أمريكا لن تظل طويلا في سوريا، أما تركيا فهي حليف مهم كما قال قائد حلف الناتو جيمس ستافريديس في موقع «بلومبيرغ» (24/1/2018). وعليه يجب تسهيل عملية الأتراك في عفرين طالما ظلت محدودة وإلا فالمستفيد من مواجهة الحلفاء هو النظام الديكتاتوري للأسد وتأثر عمليات ملاحقة تنظيم «الدولة». كما ودعا واشنطن لكي تعترف بمظاهر القلق التركي وإرسال مبعوث أمريكي قوي وعلى قادة الإدارة خاصة وزير الدفاع، جيمس ماتيس السفر إلى أنقرة وتطمين الأتراك. ويؤكد الأدميرال على أن هدف الإدارة يجب أن يركز على حماية العلاقة مع تركيا التي تعتبر الحليف الثاني بعد إسرائيل في المنطقة من حيث الأهمية. ويرى ستافريديس أن دين أمريكا للأكراد لا يعني التفريط بتركيا التي قد تنحرف باتجاه روسيا وإيران.

الفائز

ولا شك أن أي مواجهة بين الحليفين ستفيد الرئيس الروسي بوتين. وكما يرى ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» (23/1/2018) فالمعنى الحقيقي لعفرين ربما كان خسارة الغرب لتركيا، وربما كان انتصارا لبوتين لا أردوغان، فالعملية في حد ذاتها تؤشر لاعتماد أردوغان في حربه للأكراد السوريين على روسيا. وربما استخدم بوتين العملية لترتيب ملف إدلب الذي يقول إن الأتراك أسهموا فيه، أو حدثت مقايضة بين عفرين وإدلب. وقد تسمح العملية الأخيرة لبوتين الذي أنشأ ترويكا مع إيران وتركيا التأكيد على عودة بلاده للمشرق وإنجاح مؤتمر سلام سوتشي لحل الأزمة السورية بديلا عن مسارات جنيف. لكن المشكلة هي أن عملية عفرين تؤشر للتقاطع في الأولويات بين تركيا وأمريكا وهذا قد يقود لمواجهة تستفيد منها الأطراف التي تعاديها أمريكا خاصة إيران. ويرى جيمس جيفري وديفيد بولوك في «فورين بوليسي» (25/1/2018) أن التحرك التركي جاء بعد سنوات من المطالب لتبني أمريكا سياسة متماسكة تحقق المصالح الإستراتيجية التركية من ناحية الحفاظ على سوريا موحدة بدون كيان إنفصالي والحد من التأثير الإيراني في سوريا بشكل يحمي مصالح الدولة ويحتوي الخطر الروسي والإيراني وهي السياسة التي تبنتها الدولة العثمانية منذ قرون. ورغم الحلول التي يطرحها الكاتبان حول قيام أمريكا بقيادة حوار بين أنقرة وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسيطر على مناطق شمال- شرق سوريا وإقناعه بفض علاقته مع «بي كا كا» إلا أن هذه الحلول تظل مثالية في ضوء التوتر الحالي والمزاج القومي التركي والديني. فقد نظمت دائرة الشؤون الدينية التركية صلاة خاصة لدعم الجنود الأتراك في عفرين وتمت قراءة سورة الفتح في عشرات الألوف من المساجد ليلة بدء العملية. وغطت القنوات التلفزيونية في البلاد العملية بشكل واسع ولاحقت تقدم القوات من خلال الشاشات التي أظهرت الطيران التركي وهو يضرب مواقع قوات حماية الشعب. وفي منطقة هاتاي حيث انتظرت الدبابات أمر التقدم صنعت النساء الطعام وقدمته للجنود الذين سيشاركون في العملية. وعزفت الفرق العسكرية بالزي العثماني الأغاني الوطنية بصورة تقدم المزاج الوطني العام كما نقلته صحيفة «لوس أنجليس تايمز» (25/1/2018).

الجيب الكردي

وفي الوقت الحالي، لن تتخلى أمريكا عن حماية الجيب الكردي، إلا أن عملية عفرين ليست بالضرورة عنه بقدر ما هي محاولة من أنقرة إسماع صوتها ودعوة حليفتها الكبيرة أن تدير الملف بعقلانية. فالأكراد يعرفون أن الدعم الأمريكي ليس دائما ولهذا احتفظوا بعلاقات مع الروس ولم يحرقوا جسورهم مع نظام الأسد. ويرى أرون ستين في «فورين أفيرز» (23/1/2018) أن ما يهم الإستراتيجية الأمريكية في سوريا هي كيفية إدارة انتصار الأسد وعلاقته مع الأكراد وبالضرورة البحث عن استراتيجية خروجها من سوريا. ويبني ستين مقاربته على فكرة صفقة بين الأكراد والنظام السوري لخروج الولايات المتحدة من سوريا. ولو تمت الصفقة بشروط مقبولة فإنها ستتلاقى مع المصالح الروسية التي ترغب بنظام مستقر، تفضل أن يقوده الأسد. وعند هذه النقطة فستتوفر فرصة خروج أمريكي مع ان العلاقة المتوترة بين الأتراك والأكراد ستظل قائمة. مشيرا إلى ان تركيا ستظل في وضع ضعيف، خاصة أنها لا تستطيع ضرب مناطق الأكراد بوجود الجيش الأمريكي وتتحرك في مجال روسي شمال سوريا، كما أن الجماعات التي تعتمد عليها والراغبة بمواجهة النظام ضعيفة، وبالنسبة لأنقرة فلم يعد وجود الأسد شاغلا لها بقدر ما يهمها الأكراد. وقد يفر هؤلاء كما تقول مجلة «إيكونوميست» (26/1/2018) باتفاق مع النظام حول منطقة الحكم الذاتي شمال- شرق سوريا (روجافا) مقابل تخليهم عن المناطق الخارجة عنهم والتي سيطروا عليها بعد طرد تنظيم «الدولة» منها بالإضافة للمنشآت الحيوية في دير الزور وغيرها. وبعيدا عن الحسابات السياسية وما يمكن أن تنجلي عنه غبار معركة عفرين، فالدلالة الأهم هي أن الأكراد الذين استخدموا وعبر السنوات الماضية كبندقة إيجار ضد تنظيم «الدولة» يواجهون اليوم تبعات طموحهم الزائد. وربما رأت تركيا ما حدث لأكراد العراق في تشرين الأول (أكتوبر) 2017 وخسارتهم كل ما كسبوه من مناطق كانت تحت سيطرة تنظيم «الدولة» وانتهت مغامرة مسعود بارزاني بالإستفتاء على استقلال إقليم كردستان بخسارته مسيرته السياسية. لكن تركيا هي لاعب أمام عدد من المتنافسين على الساحة السورية وكلهم لديهم الكثيرمن الأوراق القوية. وبالمحصلة فنحن ندخل الجولة الثانية وإحدى مبارياتها لحليفين في الناتو. فهل ستتصرف واشنطن بحكمة أم تفرض العقوبات على حليفتها وتمنع عنها الصيانة للدبابات كما فعلت ألمانيا؟

القدس العربي

 

 

 

الألغام والضباب يعيقان محاولات الجيش التركي لتحقيق تقدم قُبيل تعاظم الضغوط السياسية الدولية/ إسماعيل جمال

إسطنبول ـ «القدس العربي»: دخلت عملية «غصن الزيتون» التي ينفذها الجيش التركي إلى جانب الجيش السوري الحر ضد المسلحين الأكراد في مدينة عفرين السورية يومها التاسع وسط محاولات حثيثة من الجيش التركي لحسم العركة أو تحقيق تقدم لافت في العملية قبيل تعاظم الضغوط السياسية الدولية التي تتزايد يومياً على أنقرة.

ويبدو أن القيادة السياسية والعسكرية التركية التي أطلقت العملية العسكرية في عفرين عقب حسابات سياسية وعسكرية وتوصلها إلى تفاهمات دولية حساسة، لم تتنبه إلى جزئية صغيرة تتمثل في الأحوال الجوية التي باتت تعتبر العائق الأكبر والأصعب أمام التقدم العسكري البري وتسببت في تجميد العملية في العديد من المحاور وإبطائها بشكل كبير في محاور أخرى. فالتقدم البري الذي انطلق في اليوم الثاني لعملية «غصن الزيتون» من 7 محاور مختلفة حقق تقدماً لافتاً في الـ48 ساعة الأولى بالتوغل 5 إلى 7 كيلومترات من معظم المحاور، لكن سرعان ما اصطدم بالأحوال الجوية حيث انخفضت درجات الحرارة بشكل كبير وسط تساقط غزير للأمطار. لكن الأصعب على الجيش التركي كان الضباب الذي غطى المنطقة وحجب الرؤية من مسافات قصيرة، وهو ما رفع نسبة الخطر بشكل كبير ودفع القوات المهاجمة إلى التروي ومحاولة الحفاظ على المواقع التي تمت السيطرة عليها.

وأعلن الجيش التركي أنه لم يتمكن من انتشال جثماني اثنين من جنوده قتلا في المعارك داخل عفرين، وسط ترجيحات بأن المسلحين الأكراد تمكنوا من السيطرة عليهما، في حين أظهرت صور جرى التقاطها من النقاط الأمامية للمواجهة تقلص الرؤية بشكل كبير بسبب الضباب وتحول الأرض إلى أوحال وعرة من شدة الأمطار.

وحسب وسائل إعلام تركية لجأ الجيش إلى تحصين المواقع التي سيطر عليها وليتمكن من صد الهجمات المتتالية للمسلحين، إلى جانب اضطراره إلى تكثيف الغارات الجوية والضربات المدفعية والصاروخية التي كان الجزء الأكبر منها بهدف تمشيط الخطوط الأمامية ومنع أي محاولة للهجوم المضاد على القوات المتقدمة ومنع المسلحين الأكراد من الاستفادة من الضباب لإيقاع خسائر في صفوف القوات المهاجمة.

إلى جانب الأحوال الجوية يواجه الجيش التركي و»السوري الحر» مقاومة عنيفة من المسلحين الأكراد الذين يقول الجيش التركي إنهم زرعوا كميات هائلة من الألغام في مناطق سيطرتهم ويستغلون الأنفاق والممرات الأرضية لتنفيذ هجمات ضد القوات المتقدمة وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوفها.

وبينما تنصب التوجهات العسكرية على ضرورة التقدم التدريجي برياً لتقليل الخسائر في الجيش والمدنيين، تضغط القيادة السياسية التركية باتجاه تسريع العملية ومحاولة حسم المعركة مبكراً أو تحقيق إنجازات عسكرية لافتة قبيل تعاظم الضغوط الدولية التي بدأت بالتزايد تدريجياً خلال الأيام الماضية. وتخشى القيادة التركية من الضغط السياسي الدولي، لا سيما مع الإعلان الأمريكي الصريح عن معارضة العملية وحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على وقفها أو جعلها محدودة زمنياً وجغرافياً، والتحذير من إمكانية أن تؤدي إلى اشتباك مع القوات الأمريكية شمالي سوريا.

يضاف إلى ذلك الضغط الذي مارسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الاتصال الهاتفي مع أردوغان وتأكيده على ضرورة تجنب وقوع خسائر في المدنيين، وهو ما تكرر مع رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي تحدثت مع أردوغان هاتفياً حول عملية عفرين، يضاف إلى ذلك العديد من المواقف الغربية المعارضة للعملية.

لكن الخشية الأكبر تتمثل في إمكانية توجه فرنسي جديد إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لمطالبة تركيا بوقف العملية العسكرية في عفرين وهو ما قد يحظى بدعم أمريكي وغربي بشكل عام ويضع القيادة التركية في موقف صعب ويجبرها على تقليص أو وقف العملية.

كما أن أنقرة لا ترغب في حصول أي تطورات قد تؤدي إلى تراجع الموقف الروسي الذي وفر الضوء الأخضر للعملية التركية، وفي ظل الكشف عن أن روسيا دعت الميليشيات الكردية لتسليم عفرين للنظام السوري قبيل منح أنقرة الضوء الأخضر ودعوة الوحدات الكردية مؤخراً النظام السوري لحماية المدينة، تخشى أنقرة أن تطلب روسيا من تركيا وقف الهجوم مقابل تسليم المدينة للنظام.

وعلى الرغم من أن تركيا ترى في النظام السوري خطراً أقل بكثير من الوحدات الكردية في منظورها للأمن القومي للبلاد، إلى أنها ترغب في إتمام العملية وتدمير مواقع الوحدات الكردية وتحصيناتها في عفرين وتطهيرها من المسلحين لتصعيب أي سيناريو لاحق لإعادة فرض سيطرتهم على المدينة.

وعلى الرغم من أن الجيش والسياسيين الأتراك أكدوا مراراً أنهم يعملون كل الممكن من أجل ضمان عدم التعرض للمدنيين في عفرين إلا أن تركيا تواجه حملة إعلامية واسعة من قبل أطراف دولية والنشطاء الأكراد حول العالم الذين بدأوا يشكلون لوبيات للضغط على الحكومات الغربية للعمل على وقف العملية العسكرية التركية في عفرين.

وفي هذا الإطار شكلت وسائل الإعلام التركية ووكالة الأنباء الرسمية فرقا إعلامية خاصة وكبيرة من أجل ما تقول إنها لمواجهة «الدعاية السوداء» ضد عملية «غصن الزيتون»، وتقول إنه يجري نشر صور مزورة وأخرى من فلسطين واليمن ومناطق أخرى في سوريا على أنها «جرائم يرتكبها الجيش التركي بحق المدنيين في عفرين»، وتقول إنها تعمل على كشفها وتوثيقها بالأدلة.

وفي أول الخطوات الغربية ضد تركيا قررت حكومة تسيير الأعمال في ألمانيا تجميد أي قرار بشأن تحديث دبابات «ليوبارد 2» ألمانية الصنع والتي تستخدمها أنقرة ضمن عملية «غصن الزيتون»، وسط أنباء عن نية برلين وقف تصدير الأسلحة إلى تركيا.

وعلى الرغم من أن تركيا تقول إن 75% من الأسلحة والذخائر التي يستخدمها الجيش التركي في العملية هي من الأسلحة الوطنية والمصنعة محلياً، إلا أنها تخشى أن تتصاعد هذه الحملة وتشمل قرارات منع تصدير الأسلحة إلى تركيا لدول أخرى مثل بريطانيا وأمريكا وغيرها.

لكن أردوغان يُظهر عدم اكتراثه بالمواقف الدولية المعارضة للعملية ويؤكد نيته الاستمرار بها حتى «تطهير عفرين من آخر إرهابي»، وذهب إلى أبعد من ذلك بالتأكيد على أن الجيش التركي سوف يواصل عملياته لتطهير جميع الحدود السورية التركية من الإرهابيين وصولاً لحدود العراق.

وقال أردوغان، الجمعة: «بعد السيطرة على عفرين سنطهر منبج من الإرهابيين، بعدها نواصل كفاحنا حتى لا يبقى إرهابي حتى الحدود العراقية»، مضيفاً: «البعض يطالبنا بإلحاح بان نعمل على أن تكون هذه العملية قصيرة الأمد، اسمعوا! إنها لا تزال في يومها السابع. كم من الوقت استمرت العملية في أفغانستان؟ كم من الوقت استمرت العملية في العراق؟»

 

 

«غصن الزيتون»: إجماع الفصائل السورية على الحملة وتوافق مع رؤى النظام/ رائد الحامد

بدت المعارضة السورية المسلحة والسياسية متفقة على دعم العملية العسكرية في كانتون عفرين التي تنفذها قوات تركية مساندة لقوات تابعة لفصائل من الجيش السوري الحر بهدف إخراج المقاتلين الاكراد من المدينة.

وأعلن الائتلاف السوري المعارض كممثل لفصائل الثورة المسلحة في بيان دعمه عملية «غصن الزيتون» التي أعلنت عنها تركيا السبت 20 كانون الثاني/يناير لاخراج مقاتلي وحدات الحماية الشعبية من مدينة عفرين السورية التي تمثل مركزا للكانتون الكردي الثالث في أقصى غرب سوريا.

وتنظر عموم الفصائل السورية إلى وحدات الحماية الشعبية بأنها أداة كردية تعمل على فصل أجزاء من سوريا لتشكيل كيان كردي يقوده حزب العمال الكردستاني ضمن مشروع أوسع لإقامة كيان كردي يتشكل من أجزاء من أربعة بلدان، العراق وسوريا وإيران وتركيا.

وتلتقي فصائل الثورة السورية على توصيف وحدات الحماية الشعبية بانها جزء من مشروع انفصالي يتعارض مع أهداف الثورة في الحفاظ على كامل التراب السوري، وان هذه الوحدات ساهمت في تشريد العرب من مناطق سيطرتهم وإرهابهم وإجبارهم على القتال إلى جانبهم من خلال فرض التجنيد الإجباري، وتتفهم تلك الفصائل المخاوف التركية على أمنها القومي كأحد مبررات عملية «غصن الزيتون». ومن وجهة نظر تركية مشتركة مع المعارضة السورية المسلحة فإن وحدات الحماية الشعبية هي جناح عسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي هو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض قتالا مع الجيش التركي منذ عام 1984؛ كما يتشاركان في رؤيتهما لخطوة الحزب والتنظيمات المرتبطة به على وحدة الأراضي التركية والسورية.

لكن الرئيس السوري بشار الأسد وصف العملية التركية بأنها «عدوان غاشم» خلال لقاء جمعه بدمشق مع رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في إيران كمال خرازي الذي أكد على «وجوب بذل المزيد من الجهود لتطهير بقية الأراضي السورية من الإرهابيين».

وترتبط تركيا مع سوريا باتفاقية أضنة التي تجيز للقوات التركية ملاحقة مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي السورية بعمق عدة كيلومترات بمحاذاة الشريط الحدودي، أي ان عملية عفرين تفسرها جهات حقوقية بانها تأتي في إطار اتفاقية أضنة وهي أيضا يجيزها القانون الدولي وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما صرحت به تركيا في الساعات الأولى لشن العملية العسكرية.

ومن غير المستبعد ان يتفق أكراد عفرين مع الحكومة السورية لإعادة ارتباط الشمال السوري والمناطق ذات الكثافة السكانية الكردية بالعاصمة دمشق في إطار التسوية السياسية التي قد تعطي للأكراد إدارة ذاتية بصلاحيات محددة في المجالات غير السيادية على ان يكون ارتباطها بحكومة المركز في دمشق وتابعة له.

ولا تجد تركيا أي غضاضة في عودة النظام السوري للسيطرة على الشريط والمدن الحدودية القريبة من تركيا إذا وجدت ان قوات النظام قادرة على حماية الحدود ومنع عمليات التسلل أو شن هجمات على المدن التركية، طالما ان الحكومة السورية هي الجهة السورية الوحيدة المعترف بها دوليا كممثلة لسوريا والشعب السوري، وهذا ما تتفهمه تركيا.

وعلى صعيد الفصائل السورية، يشارك نحو 25 ألف مقاتل سوري في العملية العسكرية بعفرين إلى جانب قوات تركية مسنودة بقصف جوي وبري، وفقا لتصريحات ياسر عبد الرحيم أحد قيادات الفصائل السورية، غير ان واقع العمليات وحجم الاشتباكات وزخم الاندفاع في عمق مناطق سيطرة وحدات الحماية الشعبية لا يؤيد وجود مثل هذا العدد الكبير في معركة عفرين.

ومع نفي جميع الأنباء التي تحدثت عن انسحاب مقاتلين من جبهات ريف إدلب أو حلب أو حماة لتعزيز مقاتلي جبهة عفرين، بدت حادثة سقوط مطار أبو الضهور في اليوم ذاته الذي بدأت فيه عملية عفرين مسوغا لعدد من قيادات وكوادر ناشطة في الفصائل المسلحة دعت لتشكيل غرفة عمليات لإيقاف استمرار زحف قوات النظام نحو مركز محافظة إدلب التي تواجه خطرا حقيقيا خاصة المناطق في ريف إدلب الشرقي من مطار وبلدة أبو الضهور وصولا إلى سراقب، وأهمية هذه الجبهة في الدفاع عن مدينة إدلب.

وتنظر فصائل المعارضة السورية المسلحة إلى قوات سوريا الديمقراطية التي تقودها وحدات حماية الشعب إلى ان هذه الوحدات منظمة «إرهابية» نكلت بالسوريين واعتقلت الكثير منهم، فيما قضى المئات تحت التعذيب أو عبر الاستهداف المباشر، كما جاء في بيان للائتلاف السوري؛ لذلك لا تبدو هناك حالة ود بين المقاتلين الأكراد وفصائل المعارضة السورية المسلحة التي تتناقض أهدافها في الخروج من الحرب الأهلية بسوريا موحدة مركزية فيما ترى هذه الفصائل ان الأكراد يريدون الخروج من الصراع بكيان سياسي مستقل أو شبه مستقل.

حتى الآن، لا توجد أي إشارات على سعي كردي لإقامة دولة كردية مستقلة في شمال سوريا، كما ان الولايات المتحدة لا تسمح بأكثر من مناطق إدارة لا مركزية مرتبطة بالحكومة المركزية بدمشق، وهذه أيضا لا تخرج كثيرا عن رؤية الحكومة السورية التي أقرت بمنح الأكراد صلاحيات موسعة لإدارة مناطقهم في المجالات الخدمية البعيدة عن الأمن والدفاع والسياسة الخارجة والموازنة العامة.

ولا تزال فصائل المعارضة السورية المسلحة تميز بين الأكراد كجزء من الشعب السوري ومقاتلي وحدات الحماية الشعبية الذين يشكلون العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية التي تضم مقاتلين أكرادا وعربا وقوميات أخرى. ومع ان مقاتلي وحدات الحماية الشعبية أصبحوا في صدارة المشهد، لكن ثمة مواقف أخرى تعارض توجهاتها المرتبطة كلية بسياسات حزب العمال الكردستاني التي لا تتفق مصالحه مع مصالح الشعب السوري بمن فيهم أكراد سوريا.

ويرى كثير من الأكراد السوريين غير المرتبطين بالأحزاب السياسية ان وحدات الحماية الشعبية تنفذ أجندات خارجية تابعة لحزب العمال الكردستاني التركي المنشأ أو تابعة لسياسات الولايات المتحدة بعيدا عن مصالح الأكراد في سوريا والدفاع عنهم، مستدلين بذلك على عدم نقل قوات سوريا الديمقراطية مقاتليها من الرقة ودير الزور إلى جبهة عفرين لحماية الأكراد هناك أو الدفاع عنهم وعن مدينتهم.

 

القدس العربي

 

 

 

الجيش الحر: دخول قوات الأسد «عفرين» لن يغير شيئا من سير المعارك/ حسام محمد

لم تستغل وحدات حماية الشعب الكردية، شمالي سوريا، الدعم العسكري والسياسي والمادي الأمريكي المقدم إليها منذ سنوات لتشكيل تحالفات مع قوى المعارضة السورية المسلحة أو السياسية منها، بل على عكس ذلك استخدمت كل ما قدم إليها لصالح بناء مشروعها الخاص الذي يصفه الكثير من السوريين بأنه مشروع انفصالي خارج الجغرافيا السورية، فهاجمت الوحدات الكردية قوى المعارضة السورية المعتدلة وهجرت القرى والبلدات العربية بأكملها. كما شكل المشروع الكردي خطراً استراتيجياً على الأمن القومي التركي لا بد من استئصاله، بحسب التصريحات المتداولة للمسؤولين الأتراك.

وحدات حماية الشعب الكردية رسمت من خلال الدعم الأمريكي الكبير خطوطاً عريضة لمشروعها الخاص «روج آفا»، إلا إن هذا المشروع بحسب صحيفة «إندبندنت» قد أصبح في مهب الرياح مع دخول عملية «غصن الزيتون»، المنفذة من قبل الجيش التركي وبمساندة كبيرة من فصائل الجيش السوري الحر، حيز التنفيذ.

المدنيون السوريون «المكون العربي» بالإضافة إلى فصائل الجيش السوري الحر كانوا أكثر من دفع ضريبة الدعم الأمريكي لوحدات حماية الشعب الكردية، ففي ريف حلب الشمالي فقط أكد المعارض السوري ماجد عبد النور أن الوحدات الكردية سيطرت على 17 بلدة وقرية عربية بالإضافة إلى عشرات القرى والبلدات شرقي نهر الفرات.

وقال عبد النور: سياسة القطب الواحد التي كانت تنتهجها الوحدات الكردية طيلة الأشهر الماضية أدت إلى تهجير أكثر من مئتي ألف سوري، غالبيتهم من المكون العربي، كما ساهمت في خلق عداء وتنافر بين المكونين العربي والكردي الأمر الذي بات يهدد النسيج الاجتماعي السوري.

أهداف مشتركة

تمثل عملية «غصن الزيتون» التي بدأها الجيشان التركي والسوري الحر نقطة التقاء للأهداف المشتركة بين تركيا والمعارضة السورية، ويرى المحلل السياسي محمد العطار، أن تركيا بدأت معركة «عفرين» بهدف رفع السكين عن رقبة مستقبل تركيا، والذي يسعى الكثير من الدول لنقل الفوضى من الداخل السوري إلى العمق التركي، وأن تركيا دخلت سوريا وفق معادلة «الهجوم خير وسيلة للدفاع».

وقال العطار: تعتبر عملية عفرين ذات أهداف هامة للمعارضة السورية، فالمعارضة دفعت أثماناً باهظة على يد الوحدات الكردية التي استعانت بتحالفها مع واشنطن لتمرير مشروعها، وأن مضي الجيش السوري الحر في المعركة بهذا الحجم، مرجعه لتراكم الانتهاكات والتجاوزات من قبل الوحدات الكردية بحق المدنيين، والحفاظ على الجغرافيا السورية، وكان «السوري الحر» يحتاج لدولة داعمة له حتى يبدأ بمواجهة مشروع الميليشيات الكردية، ومن هنا نجد التحالف الكبير بينه وبين تركيا.

محاربة التقسيم

رئيس اللجنة العسكرية في وفد المعارضة إلى أستانا، العقيد الركن فاتح حسون، الذي يشغل أيضاً منصب القائد العام لحركة تحرير الوطن، قال لـ «القدس العربي»: «نرى كجيش سوري حر أن الأهداف الأولى لعملية غصن الزيتون هي إعادة الاهالي الذين هجرتهم قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، وإنهاء آمالهم بأن يقتطعوا جزءا من سوريا لدولتهم (المزعومة)، فلن ندخر جهدا في محاربة من يريد تقسيم سوريا.»

الهدف النهائي من المعركة، بحسب ما قاله المسؤول العسكري حسون، يكمن في طرد الأحزاب الانفصالية والإرهابية من الأراضي السورية، وذلك بعد ما رأيناه من ظلم هذه الأحزاب الانفصالية للشعب السوري ولما وجدناه من خيانة الثورة.

كما اتهم حسون الأحزاب الكردية بالتنسيق التام مع النظام السوري وبتعاون عسكري عال ضد قوات الجيش الحر، منوهاً إلى إن مشاركتهم في معارك «غصن الزيتون» ثأر لشهداء عين دقنة فقط، الذين مثلت هذه الميليشيات بجثثهم، وأن المعركة هي معركة ثورة وقطع كل أذرع النظام.

وأضاف كما قاتلنا تنظيم الدولة في مدينة الباب بريف حلب وغيرها سنقاتل الأحزاب الانفصالية في عفرين وغيرها لأن داعش وهذه الأحزاب هي أذرع النظام في المنطقة، وأما الأكراد فهم جزء ومكون من مكونات الشعب السوري ولا مشكلة لنا مع الأكراد إنما مشكلتنا مع الأحزاب الانفصالية التي احتلت قرى الأخوة الأكراد ومعركتنا لتحرير هذه القرى».

قتال النظام السوري

وتعهد القيادي المعارض بقتال قوات النظام السوري في حال دخلت مدينة عفرين، وقال: «لا فرق لدينا بين الميليشيات الانفصالية، وقوات النظام، فكلاهما عدو للشعب السوري وثورته، وفي حال دخلت قوات النظام مدينة عفرين فلن يحدث أي طارئ على سير العمليات العسكرية هناك».

الرئيس التركي يشيد

إلى ذلك أشاد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بدور الجيش السوري الحر خلال عمليات «غصن الزيتون» قائلا: «أحيي جنود الجيش السوري الحر الذين يقدمون نضالا مشرفا جنبا إلى جنب مع أبناء الجيش التركي»، وأضاف «لا علاقة لـ (بي كا كا) و(ب ي د) و(داعش) بالإسلام، لأنهم مجرمون يقتلون إخواننا المؤمنين من دون رحمة».

من جانبه رأى العميد أحمد رحال أن الجيش السوري الحر قوة لا يستهان بها، خاصة مع وجود أعداد كبيرة ما بين 10 إلى 15 عنصرا في مناطق درع الفرات، ولو تهيأت له الظروف لكان معادلة صعبة في المشهد السوري، خاصة مع خبرات قتالية كبيرة.

وقال رحال إن المشكلة ليست بالإمكانيات القتالية كما يتصور البعض، بل جوهر المشكلة في العملية العسكرية في مدينة عفرين، ترافقها عملية سياسية، وإن لم تحسم التوافقات الدولية بين تركيا وغالبية الدول الأوروبية والفاعلة في المشهد السوري فإن نصف مفاتيح الحل في عفرين، والموجودة في موسكو، لا تكفي لاستمرار العملية التركية. وأضاف: لذلك نرى أن العملية التركية تتحرك بحذر، فالإنجازات على أرض المعركة لا توازي التحضيرات الكبرى التي أعدت للمعركة، فتركيا تمتلك قدرات عسكرية كبيرة جداً، سواء على صعيد المقاتلات الحربية أو القوات البرية وحتى الصاروخية، بالإضافة لقوات الجيش السوري الحر، وهذه القدرات تقول إن المعركة ستنتهي خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.

ولكن مضى الأسبوع الأول ونحن أمام تعثر على كل الجبهات، ليس لقوة المدافع، وإنما لعدم تمكن تركيا من استخدام القوة العسكرية الكافية، وإذا لم تحسم المعركة السياسية المحيطة بعملية عفرين فإن المعركة ذاهبة لمعركة استنزاف طويلة الأمد.

خسائر عسكرية

وقال وزير الصحة التركي الجمعة إن 14 من الجيش التركي ومقاتلي الجيش السوري الحر قتلوا بينما أصيب 130 آخرون في أعقاب الهجوم التركي على منطقة عفرين السورية.

وقال الوزير أحمد دميرجان للصحافيين بعد زيارة الجنود المصابين في المستشفيات إن ثلاثة جنود أتراك و11 مقاتلاً من الجيش السوري الحر الذي تدعمه تركيا قتلوا حتى الآن في الاشتباكات الدائرة في شمال سوريا.

 

 

إيران حول «غصن الزيتون»: مخاوف ومواقف متضاربة/ نجاح محمد علي

بدت الاعتراضات الإيرانية وإن تعددت مستويات المسؤولين الذين صرحوا بها، على عملية «غصن الزيتون» التركية في عفرين، خجولة رغم حدتها في بعض الأحيان، وكأن شيئاً ما يجري تحت الطاولة بين تركيا وإيران وروسيا، وطبعاً سوريا، بما يعطي الانطباع أن الجميع لا يريدون أن تنهار التحضيرات الواسعة (آنذاك) لعقد مؤتمر «سوتشي» الذي تريده الأطراف المتحالفة مع سوريا منصة لإعلان «انتصار» هذه الأطراف في الحرب السورية.

وبرز واضحاً منذ الوهلة الأولى لبدء العملية العسكرية التركية أن ظل «التفاهم» الذي انعكس منه الكثير على المعركة المستمرة في إدلب كان بارزاً في سيطرة الجيش السوري وحلفائه على مطار أبو الظهور العسكري الاستراتيجي الذي يصفه الخبراء بالمفتاح إلى تحقيق انتصارات أخرى تفوق بكثير ما يمكن أن تخسره هذه الأطراف المتحالفة في العملية العسكرية التركية في عفرين والتي يجزم خبراء على صلة وثيقة بهذه الأطراف المتحالفة، أن نتائجها أيضاً ستكون في صالحها خصوصاً لجهة إيران ومشروعها الرامي إلى إنشاء خط بري يصلها بالعراق فسوريا ولبنان لتأمين إمداداتها اللوجستية إلى حليفها السوري وحزب الله وتحقق حلمها في أن تصبح جاراً مزعجاً لإسرائيل.

وتستفيد إيران من عملية «غصن الزيتون» ويخدم ذلك سوريا أيضاً رغم التنديد السوري العلني بها، في أنها تساعد في إجهاض أو عرقلة -على الأقل في الوقت الحاضر-مخطط واشنطن الذي يمهد للإبقاء على قوة عسكرية أمريكية في سوريا، عبر تشكيل أمريكا قوة عسكرية في شمال سوريا تضم 30 ألف جندي من الكرد لقطع الطريق الاستراتيجيه على إيران من العراق في سوريا وإضعاف القوات الموالية لطهران تدريجياً. ومع أن إيران طالبت بوقف «غصن الزيتون» وحجتها أنها تقوي الجماعات «الإرهابية»، مؤكدة على لسان المتحدث باسم الخارجية بهرام قاسمي، بجدية، ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واحترام السيادة الوطنية لسوريا، ومشددة على أنها تعتقد أن «جذور الأزمة السورية تعود إلى الممارسات غير المسؤولة والتدخلات غير الشرعية للقوات الأجنبية وخاصة التابعة للحكومة الأمريكية وبعض الأنظمة الطامعة في المنطقة ومنها الكيان الصهيوني». إلا أن حدة المعارضة هذه وجهها قاسمي صوب الولايات المتحدة ومخططاتها المتعارضة مع المشروع الإيراني بقوله «مادامت القوات الأمريكية وحلفاؤها من الجماعات التكفيرية والإرهابية متواجدة في سوريا خلافا للقوانين الدولية والمصالح الوطنية للشعب السوري فإن هذه الأزمة سوف تستمر».

تباين في الداخل

وعلى خطى موقف الخارجية الإيرانية، لم يوجه رئيس الأركان الإيراني «محمد باقري» أي تصريحات سلبية للعملية، خلال مكالمة هاتفية أجراها مع نظيره التركي الجنرال خلوصي أكار، مساء الأحد، إلا أن وسائل إعلام إيرانية شنت حملة ضد العملية، واعتبرتها احتلالاً وتدخلاً سافراً في شؤون دولة مستقلة وانتهاكاً لسيادتها.

وكان لافتاً أن وكالة أنباء فارس التابعة للحرس الثوري تجاهلت عن عمد الإشارة إلى أهداف الجيش التركي وحليفه الجيش السوري الحر في مقاتلة تنظيم «ب ي د/ بي كا كا» واكتفت بالقول إن قوات الجيش السوري الحر، التي دخلت إلى الأراضي السورية من ولاية كليس التركية (جنوبا) للمشاركة في عملية «غصن الزيتون»، اشتبكت مع «القوات الكردية»، دون ذكر اسم التنظيمين! فيما نقلت صحيفة « إيران» الرسمية التي تمثل الحكومة الإيرانية أخبار العملية للقُرَّاء، تحت عنوان «تركيا تبدأ عملياتها ضد أكراد سوريا» متجاهلة هي الأخرى الإشارة إلى الأهداف التركية المعلنة رسمياً، في حين وصفتها صحيفة «جهان صنعت» بأنها «مغامرة جديدة للرئيس (التركي) رجب طيب أردوغان». أما الصحف المحسوبة على التيار الإصلاحي الداعم للحكومة في إيران، مثل «مردم سالاري» و»شرق»، فقد نقلت أخبار العملية تحت عنوان «تركيا تشن هجوما على قلب الأكراد في سوريا» منسجمة في ذلك مع موقف يكرره الإصلاحيون دائماً مفاده أن التدخل الخارجي (ومنه الإيراني) في الأزمة السورية، يزيدها تعقيداً ويلحق ضرراً بالدول المتدخلة ومنها إيران.

وقالت صحيفة «اعتماد» الإصلاحية في مقال نشرته على صفحتها الأولى تحت عنوان «أطماع النفوذ التركي في سوريا» وكأنه يمنح أنقرة الحق في تنفيذ «غصن الزيتون» إن وقوف «العناصر الكردية المسلحة إلى جانب نظام بشار الأسد» كان الدافع الرئيسي الذي دفع تركيا لشن العملية.

أما وكالة أنباء «إيسنا» الطلابية فإنها أبرزت موقف النواب الإيرانيين الأكراد في مجلس البرلمان ونقلت بياناً عنهم «يعترضون فيه على العملية العسكرية التركية ضد الأكراد في سوريا».

كذلك قالت صحيفة «دنياى اقتصاد» وموقع «فرارو» الإخباري، إن عملية «غصن الزيتون» حيَّدت نحو ألف إرهابي ينتمون للولايات المتحدة، ومكّنت تركيا من إلقاء الكرة في ملعب الولايات المتحدة».

واعتبرت وكالة «مهر» للأنباء (شبه رسمية تابعة للأمن) العملية «انتهاكا» لسوريا»، في الوقت الذي اعتبر فيه التلفزيون الإيراني «برس تي في» الناطق بالإنجليزية وهي توجه إشارات إلى الغرب عن انتهاك أنقرة لحقوق الإنسان، أن عمليات القوات المسلحة التركية ضد الأهداف العسكرية لتنظيم «ب ي د/ بي كا كا» في عفرين، على أنه «حملة جوية ضد المدنيين في شمال سوريا».

أما صحيفة «كيهان» المتطرفة فإنها وصفت عملية «غصن الزيتون» بأنها «انتهاك واضح للقانون والاتفاقات الدولية».

واستغلت الصحيفة التي تعارض على الدوام سياسات حكومة الرئيس حسن روحاني وتحرض عليه، العملية التركية، لتوجه انتقادات حادة إلى موقف كل من الولايات المتحدة وروسيا حيال عملية «غصن الزيتون»،

وقالت صحيفة «كيهان»، التي يشرف عليها ممثل المرشد علي خامنئي، إن روسيا تواطأت مع تركيا، على خلفية عملية «غصن الزيتون» التركي أطلقتها القوات المسلحة التركية مساء السبت ضد ميليشيات «وحدات حماية الشعب» (YPG) في منطقة «عفرين» السورية.

وقالت الصحيفة الإيرانية إنه لا بد من القول إن موسكو حصلت على بعض المكاسب من الأتراك من عمليات عفرين، وإن هناك تفاهما روسيا تركيا تم حول هذه العمليات. واعتبرت كيهان أن ما حدث «لا يتفق مع ذكاء الروس حتى الآن؛ لهذا يجب انتقاد الروس على عدم تحركهم وعدم ردة فعلهم أمام تركيا». وأشارت إلى أن تركيا تحاول إعادة تنظيم «الجماعات الإرهابية السورية» في جيش يتشكل قوامه من 22 ألف جندي سوري للهجوم على عفرين.

وأضافت كيهان: «خلافا لمحادثات أستانا وسوتشي بين إيران وروسيا وسوريا، وخلافا للمفاوضات السورية -السورية التي انطلقت تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن تركيا بدأت بقصف مدينة عفرين التي تبعد عن حدودها 100 كلم، وفي الوقت ذاته الذي تهاجم فيه عفرين، تعمل تركيا على تشكيل جيش من الإرهابيين السوريين». على حد تعبيرها.

ووصفت كيهان عملية غصن الزيتون بالعدوان التركي، وقالت: «إن عمل الحكومة التركية وفقا للقوانين المتفق عليها بين الدول هو بالتأكيد عدوان تركي، وستكون له عواقب وخيمة على المنطقة».

وتابعت كيهان انتقادها: «العمليات العسكرية التي تنفذها تركيا ستزيد من التدخلات الخارجية في سوريا، ويمكننا القول إن العمل أحادي الجانب في عفرين من قبل تركيا يتعارض مع مهام الجيش التركي في سوريا».

وتوعدت الصحيفة بالرد على تركيا، قائلة: «إن التجربة تقول إن الجيش السوري وحلفاءه (إيران وروسيا) قادرون على التغلب على هذا العدوان العسكري التركي».

ويعكس انتقاد صحيفة كيهان لعملية غصن الزيتون، وجود مخاوف لدى طيف عام في دهاليز القرار الإيراني من عودة قوات المعارضة السورية في المناطق التي سيطر الجيش السوري الحر عليها في بداية الثورة السورية، خصوصاً بعد تقارير تتحدث عن مشاركة «فيلق الشام» في العملية.

المحصلة

ورغم هذا التباين فإن خبراء عسكريين قريبين من دوائر القرار الإيراني في سوريا يرون في الوهلة الأولى أن العملية التركية في عفرين تخدم الخطة الأمريكية المتمثلة بإطالة أمد الأزمة السورية لفرض مشروع التقسيم ولو في المستقبل غير المنظور، واستخدام الكرد شرق تركيا للأهداف نفسها في الجزء الغربي من الحدود التركية وقطع الطريق أمام إيران لتحقيق مشروع الاتصال بسوريا من العراق، وبالتالي قطع الطريق على الجيش السوري من الوصول إلى الحدود التركية في المرحلة الثالثة من معركة إدلب التي بدأها مع حلفائه وتوجت بالسيطرة على مطار أبو الظهور ليكون معبراً نحو انتصارات أخرى إذ يتوسط المطار ثلاث محافظات سورية، هي حماة وحلب بالإضافة إلى إدلب، كما يعتبر مدخلاً إلى البادية من جهة الشرق.

ويبعد المطار عن مدينة سراقب، المعقل الهام للجماعات المسلحة في ريف إدلب، حوالي 23 كيلومترا، وبالتالي يعطي إمكانية لفتح الطريق وفك الحصار عن الفوعة وكفريا. كما يبعد عن نقاط سيطرة الجيش السوري في ريف حلب الجنوبي 17 كيلومترا، فإذا لم تنسحب تركيا عن عفرين أو سلمتها للمعارضة السورية التي تدعمها، وتخطت تفاهمات أستانا فإنها ستعتبر من قبل سوريا، وحليفها الإيراني تحديداً، في موقع المحتل وعندها قد يأتي الطوفان!

القدس العربي

 

 

هل حصلت أنقرة على موافقة ضمنية من موسكو لبدء عملية «غصن الزيتون»؟/ فالح الحمراني

موسكو ـ «القدس العربي»: وَقَعَ في السبت الموافق 20 كانون الثاني/يناير 2018 حدث شكك في إمكانية وقوعه عدد كبير جدا من الخبراء الروس والأجانب، وحتى الأتراك، وتمثل في إطلاق القوات المسلحة التركية عملية عسكرية في عفرين السورية. وقامت القيادة التركية بهذه الخطوة بعد عدد من مظاهر استعراض القوة العسكرية على الحدود. وأولت وسائل الإعلام التركية لعدة أيام اهتماما خاصا للموقف الذي ستتخذه موسكو في حال بدء العملية العسكرية التركية «غصن الزيتون».

وأعربت موسكو رسميا «عن القلق من استعمال تركيا قواتها المسلحة في منطقة عفرين في شمال/ غرب سوريا». وقال تعليق للخارجية الروسية نشرعلى موقعها الرسمي في الانترنت الاحد الموافق 21 كانون الثاني/يناير : «ان روسيا تلتزم بثبات موقف البحث عن حل للنزاع السوري يقوم على الحفاظ على وحدة أراضي واحترام سيادة هذا البلد، والبحث عن تسوية سياسية طويلة الأجل بموجب قرار مجلس الأمن 2254 والاتفاقات التي تم التوصل لها في إطار عملية استانا المتعلقة بعمل مناطق تخفيف التصعيد». وفي ضوء ذلك دعت موسكو «الأطراف المتنازعة التحلي بضبط النفس». وذكر التعليق «ان الهدف الرئيسي الآن للقوات الروسية المتبقية في سوريا، بعد ان خرج الجزء الكبير منها عقب الحاق الهزيمة العسكرية والسياسية ببؤر الإرهاب المشخص بالدولة الإسلامية، هو ضمان نظام وقف العمليات العسكرية في مناطق تخفيف التصعيد».

اتفاق مع موسكو

وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطاب له في أنقرة، ان تركيا توصلت إلى «اتفاق» مع روسيا بشأن إجراء «عملية لمكافحة الإرهاب» ضد الأكراد في عفرين السورية. وأبلغ السكرتير الصحافي للرئيس الروسي ديمتري بيسكوف في 22 كانون الثاني/يناير، ان موسكو على اتصال بالحكومتين السورية والتركية. بيد انه امتنع عن التعليق على كلمات أردوغان بصدد وجود اتفاقية بين موسكو وأنقرة. غير ان وسائل الإعلام تشير إلى ان رئيس هيئة أركان القوات المسلحة التركية خلوص أكار ومدير الاستخبارات الوطنية هاكان فيدان زارا موسكو وأجريا مباحثات مع وزير الدفاع سيرجي شويغو ورئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة السورية فاليري جيراسيموف. كما أجرى الرئيس التركي أردوغان في 23 كانون الثاني/يناير محادثة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. وناقش الرئيسان التطورات الأخيرة في سوريا التي من بينها عملية «غصن الزيتون». ويشير بعض المراقبين إلى ان خطوة الرئيس أردوغان غير المسبوقة جاءت في سياق دعم الولايات المتحدة للحزب الكردي «الاتحاد الديمقراطي» و»وحدات حماية الشعب» الكردية وتسليمهم أسلحة متطورة،

وفندت الناطقة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا الرأي الشائع بين المحللين السياسيين الذي مفاده إن روسيا لا تعترض على العمليات التي يقوم بها الجانب التركي بل تدعمها، ولفتت إلى ان أي مصدر رسمي تناول الموضوع لم يشر لذلك، موضحة ان موسكو تعمل على التسوية السلمية وتصب الآن جل جهودها على عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، كما لم تتفق زاخاروفا مع تصريحات القيادة الكردية في عفرين من ان روسيا تخلت عن الأكراد. وقالت ان موقف روسيا ثابت من القضية الكردية، معربة عن الأسف من ان بعض الأطراف بات يستخدم الورقة الكردية لأهدافه الخاصة. وأشار بعض القراءات غير الرسمية إلى ان القيادة الروسية قدمت تنازلا لتركيا في قضية إجراء عملية ضد الأكراد نظرا لأن تركيا وبفعل تأثيرها على التشكيلات الموالية لها من المعارضة السورية المعتدلة، أتاحت لقوات النظام السوري القيام في كانون الثاني/يناير الحالي بهجوم واسع ضد مسلحي المعارضة المتطرفين من بقايا جبهة النصرة في محافظة إدلب، وتوسيع سيطرة الحكومة السورية في محافظات إدلب وحماة وحلب، ولا يستثني المراقبون ان روسيا تنتظر من أنقرة مقابل عفرين خطوات إضافية مثل تأمين مشاركة الجماعات المعارضة الموالية لها في مؤتمر الحوار السوري في سوتشي في نهاية كانون الثاني/يناير الجاري. وربط بعض المراقبين صمت موسكو على عملية «غصن الزيتون» التركية في عفرين، باعتقاد الكرملين ان خطة أردوغان غير واقعية، فضلا عن انها تتحرك في هذا الإطار ضد الولايات المتحدة الأمريكية. ويشيرون في هذا السياق إلى ان روسيا تسعى من خلال عملية «غصن الزيتون» إلى تعزيز استراتيجيتها الرامية لعزل النخبة السياسية التركية عن المعسكر الأمريكي وفتح فضاء أوسع لتركيا في سوريا.

غضب كردي

ونقلت «وكالة أنباء نوفستي» عن ممثل شمال كردستان في موسكو رودي عثمان قوله: ان الكرد السوريين طلبوا من موسكو وقف العملية العسكرية التي بدأتها تركيا. وقال عثمان «ان تأييد مثل هذه العملية ضد عفرين خطأ فادح. وان على روسيا وقف العملية ورفع الضوء الأخضر الذي أعطته موسكو لها وعدم الوقوف إلى جانب ذلك النظام (في إشارة إلى نظام أردوغان).

وقالت صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» الصادرة الاثنين الموافق 22 كانون الثاني/يناير «إن العملية العسكرية التركية في منطقة عفرين السورية، الأكثر هدوءا نسبيا، لم تكن أن تبدأ إلا بموافقة ضمنية من روسيا». وقالت «ان وزارة الدفاع الروسية سحبت قواتها العسكرية من منطقة عفرين عشية قصف الطائرات التركية للمنطقة على نطاق واسع والتي راح ضحيتها المدنيون فقط». وفسرت الوزارة ذلك «باستباق الاستفزازات المحتملة من قبل التشكيلات الإرهابية، وتلافي الخطر على حياة وصحة الجنود الروس». وقالت وزارة الدفاع الروسية، في لهجة تفهم للعملية: ان «تحركات الولايات المتحدة أججت «الأزمة في المنطقة» وذلك من خلال «تسليم البنتاغون الأسلحة الحديثة للتشكيلات المؤيدة للولايات المتحدة في شمال سوريا» وإن «خطوات الولايات المتحدة الإستفزازية تهدف إلى الفصل بين المناطق، حيث توجد غالبية كردية، مما يؤدي إلى انهيار عملية السلام ومنع مفاوضات التسوية السورية في جنيف التي كان من المفترض ان يشارك فيها الأكراد على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى». وأشارت الصحيفة إلى «أن كل شيء يبدو منطقيا، ولكن قيادة قوات الميليشيا الكردية (YPG) اتهمت روسيا بالخيانة» ووصفتها بأنها «الشريك في جريمة تركيا في قتل المدنيين في المنطقة.» ونوهت إلى ان وزارتي الدفاع والخارجية الروسية لم توضحا لحد الآن سبب ترحيل قوات حفظ السلام الروسية في عفرين وبذلك فانها قامت تقريبا بتصفية منطقة تخفيف التصعيد هناك التي أعلنتها بداية ايلول/سبتمبر 2017 والتي سجلت فيها وزارة الدفاع الروسية مؤخرا «عودة المدنيين الكثيفة لها». ونقلت الصحيفة عن المحلل السياسي نيتكاشيف، أن أردوغان بدأ حربا جديدة ضد الأكراد، وجند دعم موسكو لأنه أدرك ان القيادة الروسية حتما ستدعمه «في سياق بداية حملة الانتخابات الرئاسية التي انطلقت في روسيا، وسيكون غير ملائم جدا لمكانة بوتين وسمعته انهيار المؤتمر الوطني السوري للمصالحة في سوتشي، لان بوتين هو الذي دعا له» أي ان انهيار عقد المؤتمر الوطني سيضر بشعبية بوتين. فأنقرة تستطيع تعطيل هذا المؤتمر من خلال الضغط على الجماعات المسلحة الموالية لتركيا التي تقاتل الأسد والأكراد ومنعها من المشاركة. وبدوره قال الخبير العسكري فلاديمير بوبوف ان الحرب ستسمتر بكثافة في عفرين حتى «تتلقى تركيا إدانة دولية واسعة النطاق وفرض عقوبات مناسبة على أنقرة وربما حتى على موسكو».

القدس العربي

 

 

 

محاولات أمريكية لمنع توسع العملية التركية إلى مناطق أخرى أو استمرارها لفترة طويلة/ رائد صالحة

واشنطن ـ «القدس العربي»: تريد الولايات المتحدة محدودية من حيث النطاق والمدى للعملية التركية الأخيرة في بلدة عفرين السورية التي تسيطر عليها ميليشيات كردية. ووفقا لتعليقات صادرة عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية من مسؤولين كبار فإن واشنطن لا تريد أي نوع من التصعيد في شمال غرب سوريا التي تعتبرها الإدارة الأمريكية منطقة مستقرة نسبيا بالنسبة للبلاد التي مزقتها الحرب.

ولم ترد الإدارة الأمريكية على تصريحات وزير الخارجية التركي التي أكد فيها أن تركيا لا ترى أي طريقة للتعاون مع الولايات المتحدة في حال بقاء وحدات حماية الشعب في الصورة، واكتفت السكرتيرة الصحافية لوزارة الخارجية بالقول إن واشنطن قلقة جدا إزاء الوضع في تلك المنطقة بما في ذلك المخاوف من بدء هجرة جديدة للمدنيين بسبب شعورهم بعدم الأمان .

ولوحظ أن وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون تحدث بإيجاز حول لقائه الأخير مع وزير الخارجية التركي، وهو لقاء يأتي ضمن سلسلة من المحادثات الأمريكية – التركية التي جرت في الأيام الأخيرة إضافة إلى مكالمات صريحة وجادة بين الطرفين بشأن المخاوف من العملية التركية في سوريا، ناهيك عن نشاطات كبيرة للعديد من المسؤولين في السفارة الأمريكية في تركيا تهدف إلى التوصل لاتفاق بشأن الأزمة.

ودعت الولايات المتحدة حتى الآن الأتراك إلى ضبط النفس والحد من عملياتهم في الجيب الكردي، فيما لم تصدر عن الجانب التركي إشارات تفيد الاستجابة بل تصاعد الحديث في انقرة عن توسيع العمليات إلى منبج وغيرها من المناطق التي تتواجد فيها قوات أمريكية.

ومن الواضح أن هناك مشاعر من القلق في الإدارة الأمريكية بشأن مشكلة عفرين التي يردد العديد من المسؤولين الأمريكيين في كل مرة بأنها كانت مستقرة نسبيا. وأكد معظم التصريحات على ضرورة التركيز على مكافحة تنظيم «الدولة الاسلامية» وقالت إن الولايات المتحدة أنها هناك لذلك السبب مع الإشارة إلى أن تركيز الأتراك على قضايا أخرى سيعمل على نقل الموارد المتوفرة والقوات من محاربة التنظيم الإرهابي إلى محاربة الأكراد وهذا سبب مشكلة للولايات المتحدة.

واعترفت وزارة الخارجية الأمريكية بالمخاوف التركية إذ قالت السكرتيرة الصحافية هيثر نويرت إن الولايات المتحدة تتفهم مخاوف الأصدقاء الأتراك، وهم حليف مهم في الناتو، بشأن المنظمات الإرهابية المختلفة وإن الولايات المتحدة تتفهم مخاوفهم بشأن حزب العمال الكردستاني ولذلك تجري واشنطن محادثات مع الحكومة التركية بهذا الشأن من أجل معالجة هذه المشاكل ومحاولة تحقيق الاستقرار. وأشارت نويرت إلى أن الولايات المتحدة تريد تشجيع الأتراك على تخفيف التوتر.

المهمة الدبلوماسية الأمريكية لتحقيق دعوة واشنطن لمحدودية في النطاق والمدة للعملية التركية في عفرين هي مهمة شاقة بالتأكيد حيث تصاعدت التساؤلات عن مدى التزام الولايات المتحدة بالوقوف إلى جانب شركائهم الأكراد الذين قاتلوا مع القوات الأمريكية وساعدوا على طرد «تنظيم الدولة» من الرقة وغيرها من المدن ومدى التزام الولايات المتحدة من جانب آخر بالوقوف إلى جانب حليف مهم في الناتو والمعركة ضد التنظيمات الإرهابية وسط تعقيدات دولية ونزاعات إقليمية لا تحتمل المزيد من التوتر .

وحذرت الإدارة الأمريكية من تصريحات روسية تتضمن اتهامات تقول إن مسؤولية الهجمات التركية تقع على واشنطن لأنها مدت الأكراد بأسلحة إلى وحدات حماية الشعب على الرغم من أن موسكو تغض الطرف عن استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن هذه التصريحات ليست مفيدة على الإطلاق وإنما هي دعاية تسعى إلى دق إسفين بين حليفين في حلف شمال الأطلسي ولكن هذا الشيء لن يحدث ولن ينجح .

وحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان على تقليص العمليات العسكرية في الجيب الكردي، وحذره من أن اتخاذ أي إجراء من شأنه أن يتسبب في اشتباك محتمل بين القوات التركية والأمريكية. وقال إن انقرة وواشنطن يجب أن تركزا بدلا من ذلك على هزيمة مسلحي «تنظيم الدولة».

وطالب السناتور ليندسي غراهام بعقد جلسة استماع بشأن الأزمة مع تركيا قائلا إنه لا يمكن أن تكون الاستراتيجية الأمريكية في سوريا قائمة على تمسك الأكراد بالأراضي العربية بمساعدة من أكراد من حزب الشعب الديمقراطي، وهو ما تعتبره تركيا وسوريا أمرا غير مقبول.

وفي تطور لاحق صعدت إدارة ترامب من ضغوطها على تركيا والجماعات الكردية للانسحاب من الصراع العسكري المتزايد في سوريا، محذرة انقرة من عدم استهداف شركائها الأكراد ومطالبة المقاتلين الأكراد بعدم الانضمام إلى المعركة ضد تركيا. وحث بيان للبيت الأبيض تركيا على توخي الحذر وتجنب أي عمل قد يخاطر بحدوث نزاع بين القوات الأمريكية والتركية. وصرح مسؤول أمريكي «من الواضح تماما أنه ستكون هناك عواقب إذا ما تحرك الأتراك إلى منبج» .

وحذر مسؤولون أمريكيون الأكراد من احتمال فقدان الدعم الأمريكي إذا حاربوا تركيا واستخدموا أسلحة أمريكية من المفترض استخدامها فقط لمحاربة «تنظيم الدولة»، ووصفوا ذلك بأنها مشكلة جدية .

من الواضح تماما أن واشنطن ترغب في إنهاء القتال في عفرين ولكنها ليست مستعدة للقيام بضغط شديد حول المشكلة. وفي الواقع هناك اتفاق وسط العديد من المحللين الأمريكيين بأن الإدارة الأمريكية لا تملك خيارات واسعة للتعامل مع الأزمة ولكنها غير سعيدة قطعا بالإجراءات التركية.

ما الذي يمكن استنتاجه من تحركات تيلرسون بشأن الأزمة السورية بما في ذلك مشكلة العملية التركية في عفرين؟ بشكل عام الولايات المتحدة عالقة في الشرق الاوسط إلى أجل غير معلوم. ومن الواضح أن هناك رغبة أمريكية غير نقية بالبقاء وسط الصراعات في المنطقة إذ أن إعلان ريكس تيلرسون أن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا إلى أجل غير مسمى يعني أن الإدارة الأمريكية ترغب في البقاء في حرب مفتوحة لأهداف غير معلنة، ويعني هذا أن سوريا أصبحت جبهة جديدة في (الحرب الطويلة) وأن واشنطن مصممة على خوض القتال في الشرق الأوسط حتى بدون تقديم خدمة للمصالح الأمريكية الحيوية.

ذهبت القوات الأمريكية إلى سوريا بهدف دفع تنظيم «الدولة» إلى خارج الأراضي التي سيطر عليها هناك، وقد تحقق هذا الهدف في لحظة مثالية للولايات المتحدة لإعلان النصر والانطلاق ولكن واشنطن اختارت عدم الانسحاب، وهذا نهج متأصل في شخصية السياسة الأمريكية، وأصبح عدم القدرة على الخروج من الرمال المتحركة للشرق الأوسط سمة مميزة للسياسة الأمريكية الخارجية مما يعكس فشلا في تكييف السياسة الخارجية مع الظروف المتغيرة.

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...