الرئيسية / صفحات الثقافة / على ضفاف الدم البارد

على ضفاف الدم البارد


    إبرهيم الراعي

كيف يقدر إنسان طبيعي من لحم ودم، أن يشاهد جثث الاطفال المقطوعي الايدي أو الرؤوس، مرمية على أطراف الطرق وأن لا يبدي أي مشاعر إنسانية، بل يتابع بكل برودة تحليلاته الدفاعية عن النظام ونظريته عن “المؤامرة”؟ كيف يقدر أي إنسان أن يصدّق أن قذائف الراجمات الصاروخية التي تنهال على الاحياء السكنية هي ردّ مشروع على “الزمر المسلحة الارهابية” التي ترعب المواطنين الآمنين؟

كانت لنا تجربتنا المماثلة هنا في لبنان حين كانت تتعرض أحياؤنا للقصف المدمر من راجمات “ستالين” (ستالين هنا لا يزال حياً يرزق)، فيما كان البعض من ابناء البيت يعطون براءات الذمة لقوات “الردع” السورية التي كانت تردعنا يومياً. هل ننسى مثلاً تصريحات رئيس الوزراء في تلك المرحلة، “رجل الدولة”، في نظر البعض، “النظيف الكف”؟ هل ننسى اتهاماته المماثلة لإتهامات وليد المعلّم، الى الزمر المسلحة والميليشيات الخارجة على الشرعية، بإثارة غيظ القوات السورية؟ كنا وقتذاك، أطفالاً نذهب صباحاً الى المدرسة على أمل العودة مساءً، لنجد نفسنا متروكين الى مصيرنا في منتصف النهار. البعض كان أهله يأتون بهلع ليصطحبوه من المدرسة، والبعض الآخر كان يقطع المسافة من المدرسة الى المنزل سيراً على الاقدام، فيما أصوات الانفجارات وصفارات سيارات الاسعاف تقطع الهدوء القاتل والفراغ المستحدث في فضاء المدينة.

الحكاية نفسها تتكرر من الاشرفية الى زحلة الى باب التبانة والمسرحية القاتلة هي نفسها والمجرمون هم أنفسهم، لم يتغيروا.

تغيرت بعض الأسماء: أتى بشار مكان حافظ، ووليد المعلم مكان عبد الحليم خدام، وماهر مكان رفعت، لكن آلة القتل بقيت هي نفسها، وبقيت دعائمها نفسها في الخارج. فالبرغم من التحوّل الشكلي في روسيا، من اتحاد اشتراكي بقيادة ديكتاتور كلي السلطات الى اتحاد رأسمالي بقيادة رئيس كلي السلطات، بقيت القوة الثانية في العالم على دعمها للنظام السوري. أما التحوّل المفاجئ الوحيد فكان في المشهد السوريالي في لبنان الذي لم يتنبأ به أحد سوى زياد رحباني. فقد انتقل بعض الذين كان يناصبون النظام السوري العداء ويخوضون الحروب الدونكيشوتية ضده، الى أصدق حلفائه وأشرفهم. بعض هؤلاء يأتي من الاشرفية ذاتها، التي تعرضت لقصف مبرّح طوال ثلاثة أشهر في ربيع 1978، والبعض الآخر يأتي من زحلة التي عرفت معنى المجازر قبل غيرها في ربيع 1981، والتي اختبرت مدى الاحتراف الاجرامي الذي يتمتع به جيش البعث السوري، من قصف للمستشفيات الى استهداف مباشر لمسعفي الصليب الاحمر والدفاع المدني. والبعض أتى من وحدات للجيش اللبناني تعرضت للقصف والمذلة على أيدي ضباط الأسد. هؤلاء اليوم يتحدثون عن “المؤامرة” ضد “سوريا الأسد”، أو يعربون بشكل واضح أو خجول عن آمالهم الصادقة بخلاص النظام من هذا “القطوع” الرهيب الذي جرّ شعبه اليه ويستنكرون “التدخلات الاجنبية” للدفاع عن أبسط الحقوق المدنية، تلك التدخلات التي كانوا هم أول من استنجدوا بها عندما كان أطفالهم يقبعون في الملاجئ تحت القصف. أما الطرف الآخر من محامي الدفاع، وعلى سبيل المثال لا الحصر، رئيس الوزراء في حقبة الرئيس الياس سركيس، فلم نعد نسمع تعليقاته المنوّرة عن الوضع في سوريا، وما إذا كانت هذه أيضاً “مؤامرة” على أيدي عصابات، مثل التي كانت تتجول بحرية في المنطقة الشرقية من بيروت. كذلك يغيب بشكل مفاجئ في هذه الفترة عن شاشات التلفزة “لولب” التحليلات السياسية الكريم البقرادوني، هو الذي كان يعرف دائماً اتجاه الريح فيتأقلم معها، مستعملاً أسلوباً فنياً أدبياً في تحليلاته. لربما لم تهب الرياح بشكل واضح بعد.

المدافعون عن النظام في سوريا يعطون تبريرات عدة للوقوف الى جانبه، منها أن الأسد الابن هو غير الأسد الأب (ألم تُظهر الاحداث الاخيرة سقوط هذه النظرية، ليتأكد أن “فرخ البط عوّام””)، ومنها أن بشار أتى من أجل إنجاز إصلاحات في سوريا وإحداث تغيير جذري للنظام. في كل دول العالم الديموقراطية يعطى الرئيس الجديد مهلة ولاية واحدة من 4 الى 5 سنوات لتحقيق وعوده الاصلاحية، فإما يعاد انتخابه إذا صدق وإما يسقط من اللعبة السياسية. هنا، دامت فترة السماح أكثر من 10 سنين من دون أي إصلاحات تُذكر. يقول المدافعون أن السبب هو الاحداث المتسارعة في المنطقة. هذا عذر بديهي يجب التوقف عنده. نعم، صحيح أن الاحداث تسارعت. فبشار أتى الى سدة الرئاسة (بالتعيين طبعاً) في منتصف العام 2000. في أواخر العام 2001 أتت ضربة نيويورك وتحضيرات أميركا للحرب على أفغانستان. لكن حتى اندلاع الحرب على العراق المجاور في 2003 لم يكن هناك ما يعوق الاصلاح، الذي لم يأت. بعد عام 2003 أمر آخر: انشغل النظام السوري بتفخيخ الاوضاع في العراق، كما انشغل بالحراك السياسي في لبنان وبضرورة لجم التطلعات الاستقلالية التي انضم اليها رفيق الحريري. بعد القضاء على الحريري أتت المفاجأة الاولى التي ألزمت الجيش السوري الانسحاب. من العام 2005 الى العام 2008 مسلسل استيعاب الصدمة اللبنانية من خلال إعادة رصّ صفوف المعارضة وبرنامج حافل من الاغتيالات السياسية، بالتزامن مع متابعة الوضع العراقي وحرب تموز الشهيرة. إذاً، كان النظام في سوريا في انشغال دائم يعطيه بعض الاسباب التخفيفية. لكن منذ انتصار 2008 في الدوحة الى مأثرة البوعزيزي في أوائل 2011، لم يكن هنالك من أسباب وجيهة تعوق الاصلاح، هذا إذا صدّقنا أن نظاماً فاقداً للشرعية السياسية والاخلاقية والاقتصادية يمكن إصلاحه. هنا يأتي الطابع الانساني، فيقول المدافعون إن شخصية الأسد الابن هي شخصية إصلاحية وإنسانية بالعمق. طبعاً من يشاهد الأسد الابن يدرك أنه غير أبيه، فالاب كان يبدو في إطلالاته التلفزيونية النادرة شخصاً بارداً ستالينياً بصمته، فيما الابن لا ينقطع عن الحديث في لقاءاته السياسية. إنه كما يقول الانكليز “an outgoing personality”، عكس أبيه، وقد انتقى فتاة عصرية لتواكبه الحياة، السيدة أسماء، التي في مظهرها الطبيعي غير المتزمت وغير المتزلف أعطت الانطباع بأنها تجسيد للاميرة ديانا، بنسخة عربية. لكن المظاهر هذه لا تعني شيئاً في السياسة. أدولف هيتلر كان ودوداً مع أصدقائه وكلبه المفضّل، كما أن ستالين كان اباً حنوناً. المشكلة هي في النظام، ورأس النظام هو العنصر المنبثق طبيعياً من هذا النظام. فالحديث عن إصلاحات ضمن النظام كلام فارغ يهدف الى إمرار 10 سنين أخرى، يتم التفكير بعدها ربما بالاصلاح و”التغيير”. في هذا الوقت يموت الاطفال في حمص ودرعا وريف دمشق ودير الزور وتلكلخ، ونشاهدهم كل ليلة على شاشات مختلفة الانتماءات: إنها صور حقيقية، دامية، تبعث الثورة في النفوس. إن الحيوانات على اختلافها لا تصل في تنافسها وتقاتلها الى ما وصل اليه الانسان هنا من وحشية ولاإنسانية تستوجب شرعة جديدة للانسانية، تضع كل مجرم من هذا النوع، ومن دون مفاوضات ديبلوماسية تشبه الرقص على القبور، في خانة الاتهام المباشر وتحت قوس اتهام محكمة دولية عادلة. أما التخوف على مصير الاقليات، فهذا لا يبرر الصمت أو التواطؤ مع نظام إجرامي يقتل شعبه، ولا يمكن أن يكون عذراً. لا أظن أن السيد المسيح، الراعي الصالح، كان ليقبل بأعذار كهذه، تسمح باستمرار مسلسل القتل في سبيل المحافظة على جماعته.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...