الرئيسية / صفحات مميزة / على عتبة العام الخامس للثورة –مجموعة مقالات-

على عتبة العام الخامس للثورة –مجموعة مقالات-

في ذكراها الرابعة: الثورة ومعركة التدوين والسرديات/ محمد العطار    
في الحديث الغالب عن أيام الثورة الأولى عاطفة لا تحتملها أوضاعنا الراهنة. أربع سنوات مريرة تنقضي وواقعنا اليوم يبدو شديد القسوة. مشهد الحرب بات طاغياً، وخريطة الاقتتال بالغة التعقيد. «حرب الكل ضد الكل» على حد وصف صديق إنجليزي أرسل لي شارحاً عجزه عن فهم هذه الخريطة وتقلباتها. الحق أن ردة فعله تمثل رأياً عاماً غالباً ليس لدى مراقبين في الغرب فقط، وإنما حتى بين سوريين أنهكهم التهجير وضيق الحال. ما بين وسائل إعلام غربية مهيمنة، وأدبيات المنظمات الدولية، يجد هؤلاء جميعاً أنفسهم محاصرين بسرديات عن «صراع دموي» لا نعرف كيف وصلنا إليه! وعن «نزاع مسلح»، يتم تجهيل المسؤوليات الأساسية فيه! وعن حتميات قدرية تنتظرنا في هذه البلاد، تجعل تحررنا من قبضة الفاشيات العسكرية الشمولية مجرد فخٍ لوقوعنا في شرك داعش وفاشيات دينية ناشئة. في كل هذه السرديات تشغل داعش الصدارة في الحديث عن «الأزمة» السورية، التي لا جذور ولا سياق لها!

على أن لسوريين وأصدقاء لهم ما زالوا متشبثين بالأمل وبعدالة هذه الثورة التي ما زالوا يصرون على تسميتها ثورة، سردياتٍ أخرى، تقول أن خلف خريطة اقتتال الفاشيات هذه ما يقول أن لا صواب تاريخياً عرفته بلادنا يماثل انخراطنا في هذه الثورات. ما زلنا نقبض بصلابة على هذه السرديات، على حكايات تقول كل شيء عن أحوالنا وعن زمن متدفق متغير حررته هذه الثورات من سلطة الأبد.

في مطلع صيف العام 2011، وفي خروج خائب من أحد جوامع حي الميدان دون تظاهر بسبب احتشاد الأمن في حينها، وفي بيت أحدهم، تلاقى مجموعة أصدقاء لم يمض على تعارفهم وقت طويل. (ع) أكبر المجتمعين سناً وأكثرهم نشاطاً، مثقف ماركسي الهوى لم يكن يجد أي حرج في الخروج من الجوامع للتظاهر يوم الجمعة. عندما تشكل الجيش الحر، سعى إلى التواصل مع كتائب في الريف الدمشقي، إيماناً منه بأن تفعيل النقاش في السياسة واجب مع هؤلاء.  لكنه سرعان ما اعتُقل واستشهد في سجنه. على عكسه، كان (أ) ابن الأسرة الدمشقية المحافظة، متردداً في قبول عسكرة الثورة ناقداً لها، اعتقل منذ عامين وما زال مغيباً لليوم. (ن) ابن حي الميدان والذي كان يعمل في تجارة عائلته، اعتُقل ونُكل به، خرج عازماً على حمل السلاح، لكن اعتقال أخيه الصغير أجبره على ترك البلاد بضغط من أمه المكلومة. غضبه بعد خروجه من الاعتقال دفعه للاقتراب من نهج السلفية الجهادية، إلا أنه اليوم يُسخر جهوداً كبيرة لمحاججة رفاق له متأثرين بهذا النهج.

محمد ومالك من الريف الدمشقي، كانا لا يفوتان مظاهرة. محمد انخرط لاحقاً في العمل الإغاثي مع حصار الغوطة الشرقية، لكنه انصرف إلى العمل الإعلامي بعد مجزرة الكيماوي. فيما مالك، وهو حلاق، حمل السلاح مع مجموعة محلية من الجيش الحر، قبل أن ينضم إلى جيش الإسلام لاحقاً حيث يقاتل حتى اليوم. لم يعد محمد يتواصل معه كثيراً، فهو يعتبر أنه يعمل مع فصيل يفرض استبداداً جديداً باسم الدين. كلاهما محاصران.

هذه السرديات تذكر أن الثورة هي كل هؤلاء أيضاً، سوريين من مختلف المناطق والمشارب، قضوا أو غيبوا، أو مازالوا مستمرين في العمل بفعالية متفاوتة في حقول متنوعة.

في ريف إدلب التقيت بعبد الله الذي شارك في المظاهرات السلمية أولاً في قريته، قبل أن يحمل السلاح أثناء المعارك ضد جيش النظام الذي حاول سحق الحراك هناك، عبدالله ألقى السلاح في مطلع صيف 2013، ومنذ ذلك الحين متفرغ للعمل المدني في الريف المحرر. ينتقد المسلحين بلا كلل، وحتى بعد أن اعتقلته داعش وأفرجت عنه، رفض العودة لحمل السلاح. فيما قضى أخوه منذ أشهر قليلة في وادي الضيف، بعد أن بايع النصرة وقاتل معهم، حيث كان من قبل متظاهراً سلمياً، قبل أن ينضم للجيش الحر. الدكتو (س) في ريف إدلب أيضاً، طبيب شاب اعتقل في بداية الحراك السلمي. حين التقيته كان متباهياً بانتسابه إلى حركة أحرار الشام. لاحقاً استاء من الحركة عندما لم تقف بحزم في وجه داعش في المعارك التي دارت على امتداد الريف الإدلبي والحلبي وصولاً إلى الرقة. أخوه، جندي منشق عن الجيش النظامي، بقي مع أحرار الشام بعد أن ذابت كتيبة الجيش الحر التي انتسب لها في محيط من فصائل إسلامية، قبل أن يُقتل في معارك مع قوات نظامية. الدكتور (س) ترك الحركة وهو متفرغ اليوم بالكامل للعمل الطبي.

لا يمثل استذكار هذه القصص، وهي غيضُ من فيض، رغبة في إحياء الحنين. هذه السرديات تذكر أن الثورة هي كل هؤلاء أيضاً، سوريين من مختلف المناطق والمشارب، قضوا أو غيبوا، أو مازالوا مستمرين في العمل بفعالية متفاوتة في حقول متنوعة. في تطلعهم للخلاص من الطاغية اختلفوا في الرؤى والوسائل، لكنهم تحرروا من قبضة الزمن الجامد للاستبداد، يتفاعلون ويحاولون التأثير في ما حولهم، لا ينجحون على الدوام، بل يفشلون عموماً حتى اللحظة في إنجاز مشروع جامع للتغيير، لكنهم يتغيرون هم أنفسهم باستمرار. حمل بعضهم السلاح وتركه، وآخرون سيحملونه لاحقاً. ترك بعضهم الجيش الحر لينضم لحركات إسلامية يشتد ساعدها اليوم في عالم يزداد وحشة للسوريين، بعضهم ابتعد عن هذه الحركات مجدداً أو سيفعل بعد حين. التغيير أصاب السوريين، وخاصة من آمنوا به. هل يمكن إنكار هذا؟ السرديات التي تختصر استحضار ذكرى الثورة بالحرب فقط تفعل هذا.

في تعليقه على ذكرى ثورة يناير في مصر، يعترف آصف بيات بقوة الثورة المضادة وهيمنة سردياتها اليوم، لكنه يذكرنا بأن أي نظام استبدادي جديد عليه «أن يحكم مجموعة من المواطنين قد مروا بتحولٍ كبير. فقد مرت قطاعات كبيرة من سكان الحضر والريف الفقير والطبقة المتوسطة المعدمة، والشباب المهمش، والنساء، بلحظات نادرة من الحرية، حتى وإن لم تدم طويلًا، وانخرطت في مساحات غير مقيدة من الوعي الذاتي، والجيشان الجماعي. وكنتيجة  لذلك صار بعض من أكثر هرميات السلطة رسوخًا مهددًا». في مصر كما سوريا، لا زلنا إذن نعاند اليأس، نفعل ذلك أولاً بأن نقارع سرديات تسقط الثورة وكأنها لم تكن! يقول ياسين الحاج صالح «سوريا أنسب مكان لفهم العالم اليوم»، هذا تكثيف بليغ للرد على أصحاب سرديات تختزل سوريا بداعش، أو بثنائيات مُتضادة «عسكر»-«تطرف إسلامي». يريد هؤلاء مثلاً فهم داعش بنسبها فقط لسمات متأصلة بمجتمعاتنا، التي تبدو لهم في الأساس مبهمة وتقوم على خصائص ثابتة. يردد بعضنا للأسف هذه السرديات، ويعيد انتاجها، فنبحث عن أصول داعش في النص الديني فقط. ونهمل بأن داعش هي أيضاً نتاج وحشية الحداثة، وعالم غابت عنه باضطراد العدالة الاجتماعية، يتحكم فيه المركز بالأطراف عبر علاقات اقتصادية غير متكافئة وتحالفات شجعت وتشجع حكم هذه الأطراف من قبل نخب مستبدة، جمهورية أو ملكية، عسكرية أو دينية. قسوة مخاضنا في سوريا هي أيضاً انعكاس لقسوة العالم الذي نعيش فيه ومدخلاً لفهم سقوطه الأخلاقي الرهيب. ولهذا أيضاً لا يمكن الاستسلام لسرديات تُغيِّب الثورة وتختصر فهم بلدنا بمقاربة الحرب فقط، وكأن لا شيء قبلها أو بعدها.

مع انقضاء العام الرابع للثورة السورية، هناك مواجهة أخرى مفتوحة مفروضة على السوريين المؤمنين بضرورة  الثورة. إنها سرديات الثورة في مواجهة سرديات الثورة المضادة، وفي مواجهة سرديات تعتمد الحرب فقط توصيفاً وحيداً لاختزال حكايتنا كلها. إنها معركة توثيق وكتابة وتدوين لحماية ذاكرتنا، للتذكير بعدالة قضية الحرية في سوريا. من المبكر جداً إعلان الهزيمة في هذا المواجهة، إن فعلنا ذلك ستكون هذه خيانة كبيرة لمن رحلوا وهم يهتفون للحرية، وللثورة أيضاً.

موقع الجمهورية

 

أربع سنوات سورية: ألم يحن وقت المراجعة؟/ عمر قدور

لا تحتاج حال الثورة السورية، والحال السورية عموماً، إلى براهين تثبت تراجعهما. فهناك حال من الفشل لطرفي الصراع؛ المعارضة فشلت في استدراج أصدقائها المزعومين إلى التورط المباشر في إسقاط النظام، والأخير فشل أمام حلفائه في استغلال الدعم اللامحدود الذي قدموه له، ما اضطرهم إلى المجيء بميليشياتهم وعتادهم وقادة معاركهم. وأن يكون النظام قد سلّم البلاد إلى حلفائه، كخيار مقبول أكثر من تسليمه السلطة، فهذا شأن متوقع منه، مثلما ليس متوقعاً الآن أو في ما بعد أن يُقدم على مراجعة فات أوانها. من جهة المعارضة، يُفترض ألا نجزم بفوات أوان مراجعة ما حصل، لا لأنها تملك القدرة والإرادة الكافيتين وإنما لكونها الطرف المناط به نظرياً التأسيس لحراك سياسي يقوم النظام على نقيضه التام.

السوريون، بعد أربع سنوات من اندلاع الثورة، ليس لديهم وثيقة سياسية تتعلق بالمستقبل. يتفقون عليها أو يختلفون، لا بأس، الأهم هو الحوار المنبثق من وجودها، وإذا كان صحيحاً أن مسألة إسقاط النظام هي الطاغية على الاهتمام العام فذلك لا يعفي مؤسسات المعارضة من القيام بدورها المؤسسي والتأسيسي. المفارقة أن المبادرة الأوسع صدى في حينه أتت من جماعة الإخوان المسلمين في ما سُمي «وثيقة العهد والميثاق» الصادرة في 25/3/2012، ومن المعلوم أن تلك الوثيقة كانت أولاً بمثابة تطمينات ترسلها الجماعة نظراً للشكوك والمخاوف إزاء تصورها للحكم الإسلامي. التنظيمات المعارضة الأخرى ربما اعتبرت نفسها في حلّ من تقديم تصورات مماثلة، بسبب عدم استنادها أصلاً إلى فكر أيديولوجي مثير للجدل، وبعضها اعتبر وثيقة الإخوان إبراء لذمة الهيكل المعارض ككل بسبب هيمنة الإخوان عليه.

نعم، لقد صدرت أوراق عدة تتحدث عن مستقبل سورية، لكنها اتصفت بالعمومية، ونصت على مبادئ تعبّر عن نوايا «طيبة» لأصحابها. ما كان ينقص تلك الأوراق افتقارُها إلى آليات تنفيذ مقترحة، حتى بعضها الذي تطرق إلى شكل الحكم المقبل، النظام البرلماني على سبيل المثال، بقي في إطار العمومية وكأن الأنظمة البرلمانية متماثلة في العالم كله. ثمة ذريعة، تتسم بالعمومية أيضاً، تنص على ترك القضايا الأساسية ليبتّ الشعب فيها ضمن المرحلة الانتقالية المأمولة، غير أن هذه الذريعة تختبئ خلف مفهوم مطاط جداً للشعب، وهي لا تصمد أمام تجربة سقوط البعث العراقي وفرض دستور «مسلوق» على عجل، الدستور الذي عُرف وقتها باسم المفوّض الأميركي بريمر، والذي لا تزال مفاعيله السلبية ماثلة حتى اليوم.

في حالة مركّبة ومعقدة، كالواقع السوري، الحديث في العموميات سيبدو انفصالاً عن الحراك الفعلي على الأرض، وتشتد الحاجة إلى تصورات محددة تطمئن الأفراد والجماعات على حقوقهم، من خلال اقتراح آليات واضحة وصريحة، بعضها قد يأخذ شكل آليات دستورية، وقد يستلزم بعضها آليات فوق دستورية، بمعنى أن تكون مبادئ تأسيسية لا يجوز التراجع عنها لقيامها على قاعدة الحقوق الأساسية التي لا يُسمح لأي سلطة منتخبة قادمة تجريد السوريين منها. لهذا الغرض، لا تعاني المعارضة شحاً في الكفاءات القانونية السورية، هي فقط تعاني شحاً في الإرادة والعزيمة، وربما جبناً يمنعها من المخاطرة خارج العموميات «الحميدة».

يُستحسن أيضاً أن تكف المعارضة طوال الوقت عن الصراخ بحاجتها إلى السلاح، لا لأن استغاثاتها لا تصل إلى مبتغاها فحسب، لكن لأن عليها أن تتفكر جيداً في تجربة عسكرة الثورة، كما حدثت، لا كما كان مأمولاً منها. فتجربة العسكرة عيانياً لم تكن مشجعة في قسم معتبر منها، خاصة في السنتين الأخيرتين، وسمحت للعديد من أمراء الحرب بالظهور والتنمر على مبادئ الثورة نفسها، ولا يُتوقع من هؤلاء المتنمرين الانصياع لمتطلبات الديموقراطية في حال سقوط النظام. في كل الأحوال، القتال ضد النظام لا يمنح وحده صك انتماء إلى الثورة، ولا حاجة للإتيان بأدلة عديدة على جبهات فُتحت ضد النظام وعلى هدنات معه أتت على شاكلة إمارات الحرب، ولم تأبه إطلاقاً بمتطلبات الحرب المتكاملة ضده. لا هجاء العسكرة ولا مديحها على الإطلاق يعالجان واقعها غير المؤطَّر سياسياً، أو غير المنتظم ضمن مشروع وطني واضح المعالم. يساعد على ذلك الانفصال شبه التام بين المستوى السياسي للمعارضة والمستوى العسكري، حيث تميل الكفة لصالح الثاني منهما بحكم هيمنته على الميدان، وبحكم تجاوزه الأول في قضايا التمويل وما يلحقها من تعدد في الأجندات.

من جهتها، قضية التمويل برمتها تحتاج إلى مراجعة، إذ يتضاءل التمويل المحلي إلى حد كبير، ربما باستثناء المساهمة في قضايا المساعدات والإغاثة الإنسانية. تدني تمويل الأطر السياسية والعسكرية من قبل الرأسمال المحلي دلالة على طبيعته الانتهازية في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى دلالة على العجز عن استمالة أصحاب رؤوس الأموال، حيث اختار أغلبهم النجاة بمشاريعه خارج البلاد والنأي عن الصراع الدائر فيها. أما التمويل الخارجي فيستند بلا شك إلى مصالح الداعمين، ولا يُعرف بدقة حجم تلاقي تلك المصالح مع المصالح المحلية ومدى تغليب الأولى على الثانية لدى بعض أطراف المعارضة أو أفرادها الفاعلين. ولا غرابة في أن يتذبذب الاستثمار الخارجي في الثورة مع التغير في سياسات الداعمين، وألا تستطيع المعارضة سوى الالتحاق بتلك السياسات أو التذمر والشكوى منها، من دون قدرة على التأثير فيها طالما ارتضت لنفسها موقع الضعيف ولم تستثمر من قبل الدعم الذي نالته على نحو يحظى بالاحترام.

بعد أربع سنوات من انطلاق الثورة، هناك من يبشّر السوريين بتواطؤ دولي على إبقاء الأسد، وهناك من ينذر بحرب تحرير طويلة ضد الهيمنة الإيرانية. المعارضة نفسها لا تملك معطيات ترجح أحد الاحتمالين، ومن المتوقع ألا ينجح مشروع إبقاء الأسد من دون مشاركة المعارضة نفسها؛ هذا الاحتمال في حد ذاته إدانة لها لكونها لم تنجح في اقتراح البديل الجيد. البديل الهجين، المتأتي من فشل المعارضة والنظام معاً، قد يكون أسوأ خاتمة لعذابات السوريين، وحينها تكون المعارضة قد قبضت ثمن فشلها على حسابهم. بالتأكيد، السير في اتجاه هذه الخاتمة أقل مشقة، ويعفي المعارضة من مراجعة تجربتها.

الحياة

 

 

 

أربع سنوات من الحرب كشفت الأوهام … وابتعاد الحل/ إبراهيم حميدي

تنقضي اليوم السنة الرابعة من عمر الثورة السورية من دون أمل بقرب التوصل إلى حل، وسط أنباء عن إسقاط دول غربية شرط تنحي الرئيس بشار الأسد قبل بدء المرحلة الانتقالية في مقابل التركيز على محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) واستمرار مساعي توحيد المعارضة، إضافة إلى زيادة معاناة حوالى نصف الشعب السوري من النزوح واللجوء. وأفيد أمس بمقتل محمد توفيق الأسد المعروف بـ «شيخ الجبل»، ووالده هو أحد أبناء عمومة الأسد، برصاص في الرأس في منطقة الساحل غرب البلاد. (للمزيد).

وقالت مصادر ديبلوماسية غربية لـ «الحياة» أمس، إن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا تبلغ من مسؤولين غربيين كبار قبل أيام، أن باريس لم تعد تشترط «تنحي» الأسد قبل بدء المرحلة الانتقالية. وأضافت هذه المصادر أن المسؤولين الغربيين أشاروا أيضاً إلى «اتصالات غير عدائية» بين أجهزة الاستخبارات الأميركية والسورية بعد بدء التحالف الدولي- العربي بشن غارات ضد «داعش» في شمال شرقي البلاد. وأشارت المصادر إلى «تفهم» دول غربية التفسير الذي قدمه دي ميستورا لتصريحه في فيينا قبل أسابيع، وقال فيه إن الأسد «جزء من الحل لوقف العنف في البلاد».

وبين نهاية ٢٠١٢ وانتهاء السنة الرابعة، ظهرت أمور عدة، أهمها: تدخل «حزب الله» في نهاية تلك السنة لـ «منع سقوط دمشق»، وصفقة السلاح الكيماوي في نهاية ٢٠١٣ وتراجع الرئيس باراك أوباما عن تهديداته العسكرية، وظهور «داعش» ثم إعلان التنظيم «الخلافة» في نهاية حزيران (يونيو) 2014 وتدخل مقاتلات التحالف ضد «داعش» من دون تعرضها للنظام.

وتُظهر خريطة التوازن العسكري الراهنة أن «الخلافة» المعلنة من «داعش» تفرض نفسها على ثلث أراضي سورية وعلى عشرة ملايين شخص بعدما أزال التنظيم الحدود السورية- العراقية، إضافة إلى سيطرته على حقول النفط والغاز والزراعة، ما أدى الى قيام «اتفاقات أمر واقع» مع قوات النظام في القوس الممتد من درعا والسويداء ودمشق جنوباً الى حمص وحماة في الوسط وانتهاء في طرطوس واللاذقية غرباً.

وباتت «جبهة النصرة» تسيطر على ريف إدلب في شمال غربي البلاد بعدما قضت على «جبهة ثوار سورية» المعتدلة. ومدت «النصرة» نفوذها الى ريف حلب شمالاً بعدما قضت على «حركة حزم» المعتدلة وإلى هضاب مشرفة على حدود لبنان، في وقت انطلقت معارك في «مثلث الجنوب» بين أرياف درعا ودمشق والقنيطرة بمشاركة إيران و «حزب الله». وبعدما كان «الجيش الحر» يشكل الكتلة الأساسية بين مقاتلي المعارضة، اضمحل في الفترة الأخيرة، لكن فصائل إسلامية معتدلة بقيت محافظة على وجودها في ريف حلب والمدينة، مقابل بقاء «جبهة الجنوب» قرب حدود الأردن والجولان المحتل، تحت ضبط قوي من قبل حلفاء المعارضة مع استمرار سيطرة «جيش الإسلام» وحلفائه على غوطة دمشق.

وأعلن أكراد سورية تشكيل إدارات ذاتية قبل سنة، كما أنهم حظوا بدعم قوات التحالف الدولي- العربي في معاركهم ضد «داعش».

وكان من نتائج اتساع رقعة المعارك وعنفها حجم الدمار الهائل، وتقدر أكلاف الخسائر بأكثر من ٢٤٠ بليون دولار. وكشف تحالف منظمات إنسانية قبل يومين أن ٨٣ في المئة من أنوار سورية أُطفئت، بل أنها وصلت الى ٩٣ في المئة في بعض الحالات. وتتفاوت ظروف أربعة ملايين لاجئ بين لبنان والأردن وتركيا والعراق، لكن الجامع الرئيسي بينهم هو حجم المعاناة وغياب الأمل بحل سريع.

الحياة

 

 

كي لا يستمر الاستخفاف بالعقول/ نجيب جورج عوض

بعد مرور أكثر من أربع سنوات على اندلاع الثورة السورية وتحويلها قسراً وإجراماً، إلى معركة مفتوحة ومدمرة وشعواء؛ وبعد أن بات معلوماً وواضحاً ومرئياً ما يجري في سوريا ومن يتحمل مسؤولية ماذا يجري فيها، مازال هناك أصوات تطلع علينا كل فترة لتردد، بأشد استخفاف ممكن بعقولنا وأشد وقاحة واحتقار لدماء مئات ألوف السوريين الذين ماتوا وقتلوا في السنوات الأخيرة، العبارة القائلة: «حكم الأسد أفضل وأسلم بكثير من حكم داعش». لست ممن يقضون وقتهم عادة في الجدل والعراك اللفظيين مع الآخرين حول آرائهم الخاصة وخيالاتهم الشخصية، خاصة تلك التي لا تمت لا للمنطق ولا للعقلانية ولا للتحليل العلمي والموضوعي بصلة. ولكنني أجد نفسي هذه المرة، مدفوعاً للحوار مع الادعاء السابق بأنني أسمعه يتردد من أفواه شخصيات عامة وأكاديمية ورسمية وشعبية وسياسية بشكل لا أرى فيه سوى استخفاف بتأثير الكلمة واستهتار بعقول المستمعين والقراء.

1- القول، أولاً، إن بقاء الأسد في السلطة أسلم وأفضل من حلول «داعش» محله، يفترض مسبقاً أن «داعش» يقدم نفسه للعالم ولأهل المنطقة كـ» بديل سلطوي» يريد أن يحل محل نظام الأسد في سوريا أو، جدلاً أيضاً، في العراق (حيث ينشط ويمارس عملياته الحالية) وفي ليبيا وربما نيجيريا (حيث يعلن أطراف إرهابية الولاء له). ولكن، متى وأين قال «داعش»، أو أي صاحب قرار فيه، أن التنظيم موجودة ليحل كـ»بديل للسلطة» محل الأنظمة الموجودة؟ متى قال «داعش» أنه جاء ليحكم السوريين بدل من يحكمهم؟ لم يقل داعش يوماً وحتى هذه اللحظة، إنه بديل سلطوي عن الموجود. «داعش» قال فقط إنه يريد تأسيس دولة الخلافة في أوسع بقعة جغرافيا متاحة له، الأمر الذي يعني في الحقيقة إزالة الخرائط الدولتية للكيانات الموجودة «كدول» و»كإمارات» و»كجمهوريات» و»كممالك» برمتها ومن أساسها، بما يعني نسف الكيانات الأممية والقومية والشعبية المكونة لما نسميه بالشعب السوري، العراقي، المصري، الليبي، الأردني، اللبناني، الفلسطيني… الخ. بكلمات أخرى، «داعش» يعلن نفسه بديلاً عن الكيانات وليس «الأنظمة»، بديلاً عن الشعوب وليس القادة. لهذا، ما يجب أن نؤكده كبديل عن تهديد «داعش» وكمناهض له، هو الحفاظ على الكيانات وعلى الدول، جغرافياً ووطنياً وشعوباً، وليس أبداً الحفاظ على الأنظمة الحاكمة. يجب أن يكون المنطق «جمهورية وأمة سورية/عراقية أفضل وأسلم من خلافة داعشية». تلك الأنظمة، مثل نظام الأسد ونظام المالكي، هي السبب الأول والتهديد الرئيس لكيانات الدول المذكورة ولوحدة شعوبها ولطبيعتها «الدولتية»، ناهيك بالجمهورية. فهما السبب الرئيس والقوة الأساس التي أدت إلى تفكك سوريا والعراق من الداخل وعملت على خلق شروخ عميقة وبنيوية فظيعة بين شرائح شعوبها وأثنياتها وجماعاتها، ونسفت أسس تعدديتها من أساسها. لا بل إنَّ نظام الأسد هو الذي عمل على تهيئة الأرض بشكل مؤثر جداً لداعش ومشروعه كي يتمددا ويصنعا تأثيراً على الأرض ويقوما بتنفيذ مشروع التفتيت والإزالة.

2- القول إن نظام الأسد أفضل وأسلم بكثير من حكم «داعش»، يفترض، ويؤسفني أن أقول بمنتهى الوقاحة، إن السلام والاستقرار والأمان والمنعة في وجه «داعش»، أمور مؤمنة ومضمونة طالما نظام الأسد موجود في الحكم. من راقب ومازال أحداث سوريا، ومن يعرف بالأرقام والمعطيات والأدلة، حجم وهول الكارثة التي بلغتها سوريا اليوم، يعرف تماماً أن سوريا لم تبق آمنة ولا سالمة ولا منيعة أثناء وجود نظام الأسد في السلطة. بل إنَّ هذا النظام هو السبب الأول لدمار سوريا. هل استطاع نظام الأسد حماية سوريا من الجهاد الإسلاموي الداعشي وسواه؟ كل من مازال يعيش في سوريا، وكل من مازال يحاول النجاة من الموت فيها، يعلم أن هذا لم يحدث أبداً. لم يطلق نظام الأسد رصاصة واحدة نحو «داعش». كما أنَّ «داعش» يعيث بالأرض خراباً وكأن النظام المذكور غير موجود إطلاقاً ولا يستحق المواجهة. عملت قوات الأسد على تدمير أي أمل بالأمان والسلام في سلوك يعادل سلوك «داعش» فظاعة وفداحة، والكل بات يعلم صفقات التعايش السلمي المتبادل بيت النظام والإجرام الإرهابي المذكور. هل ضمن نظام الأسد الحماية والأمان والمنعة والاستقرار لأنصاره ومن يقول إنهم يؤيدونه من «الأقليات»؟ (أكره هذا المصطلح ولا أؤمن به إطلاقاً). كل من اتواصل معه من تلك الشرائح المواطنية، وأولئك الأنصار، يؤكد أنه لم يعد في سوريا أي أمان أو سلام أو منعة أو استقرار، وأنه لا وجود لدولة فعلية على الأرض السورية بعد الآن، وأنهم يتوقون للخروج من سوريا وعدم العودة إليها أبداً. نسبة الهاربين من سوريا، من الخائفين من الثورة والمؤيدين للنظام تفوق في الواقع نسبة السوريين المشردين والمهجرين والمقتلعين الذين يحتاجون لملاجئ آمنة وفرص حياة جديدة. وجود نظام الأسد في السلطة ليس أفضل من «داعش»، بل هو يعادل وجود «داعش» سوءاً وفداحة وتدميراً وشروراً ضد سوريا وأهلها. نظام الأسد لم يعد على الأرض وفي الواقع، وفي ضوء معطيات الأحداث، «أفضل الشرين» ولا «أفضل السيئ«. نظام الأسد وداعش هما «أسوأ السيء» على الساحة. هما وجهان متعادلان ومتماثلان تقريباً لعملة عنف وقتل ودمار وتفتيت واحدة وحيدة.

من المعيب أن يستمر بعض الأطراف بالقول أن «نظام الأسد أفضل بكثير وأسلم من داعش»، فهذا القول لا ينافي الأخلاق والإنسانية، ولا يحتقر آلام ومآسي الشعب السوري فقط، بل إنه يحتقر وبمنتهى السفاقة عقول وذكاء وفطنة الملايين حول العالم الذين باتوا يملكون معلومات مفصلة وكثيرة جداً عن أحداث الأرض، خصوصاً بعد أن أصبح ما يجري في سوريا، من كوارث هائلة تفوق أي شيء عرفناه في التاريخ المعاصر، عصياً جداً على الإخفاء والتستر والتورية. سندرك التضليل المهول في ترداد الادعاء السابق فقط حين نتوقف عن الإصرار اللاأخلاقي بجعل داعش «خياراً» ما أمام خيار النظام، وفقط حين ندرك أن «داعش» ليس «خياراً» بالنسبة لأي أحد، لأنه نفي لفكرة «الخيار» بحد ذاتها، ولأنه قام كي يدمر مفهوم الخيار من أساسه. من تأسس كي ينسف الخيارات، لا يمكنه أن يقدم نفسه للآخرين تحت صفة «خيار» ولا يريد للآخرين أن يتعاملوا معه على أنه كذلك أصلاً. نظام الأسد أيضاً يتبع نفس المنطق. فالنظام قال منذ البداية «إما الأسد أو لا بلد/ لا سوريا»، أي أنه لا ينظر لنفسه بأنه «خيار» بين خيارات، بل أنه هو حالة الحقيقة الوحيدة والمطلقة.

«داعش» ونظام الأسد، يتبعان المنطق نفسه وينفذان الاستراتيجية نفسها بالحرف. لهذا، فإن النظر لداعش والنظام السوري بأنهما خياران، أو حتى خيارين متضادين، فيه انكار فادح وجاهل لطبيعة كليهما. وفيه أيضاً احتقار شديد لما يريده الشارع السوري والعراقي والعربي بمجمله: لا أحد في الشارع السوري أو العربي يريد «داعش» كخيار بديل عن أي شيء. لهذا فإن فرض منطق التخيير «إما داعش وإما وصاية الأسد» على الشارع السوري والعربي فيه وصائية وغسل دماغ وطغيان فكري مرفوض ومرذول. «داعش» مثل نظام الأسد، هما «اللا-خيار» هما ترسيخ «اللا-وجود.» هذا ما قالته وتقوله عقول وأفواه السوريين المؤمنة بسوريا وبهويتها كشعب سوري: هذا ما يقوله كل عاقل ومتبصر في العالم (غلا من يرددون تلك التفاهات في ظهرانينا). وهذا أمر أنا سمعته ورأيته بدون مواربة في أوساط الكثير من المؤيدين للثورة والخائفين منها على حد سواء. لهذا، ورجاء، قليل من الاحترام لإنسانيتنا وعقولنا. بقاء «داعش» من بقاء الأسد، وبقاء الأسد من بقاء «داعش». كلاهما أداة يحتاجها الأميركي والإيراني في سيرورة تسويق اتفاقهما المزمع، وكلاهما حجة ضرورية تحتاج باقي القوى لوجودها كي تحارب نتائج الاتفاق المذكور. هذا ما تقوله المعطيات. قد يكون هذا واقعاً سياسياً مفروضاً على المنطقة شاءت أم أبت. ولكن، إدراك هذا الواقع ومواجهته شيء، وتسويقه السفيه بمقولة أنَّ الأسد أفضل من «داعش» لاختلافه عنه كخيار، أمر آخر تماماً.

المستقبل

 

 

 

 

في عامها الخامس .. ثورة السوريين مستمرة وتتجدد/ برهان غليون

بعد أربع سنوات من الحرب الضارية التي فرضها نظام الأسد على الشعب السوري، لحرمانه من فرصة التحرر من قيود العبودية والاستعمار الداخلي، تبدو سورية، اليوم، جسداً ممزقاً ومثخناً بالجراح، ولا يكاد يظهر من الثورة إلا الكارثة الإنسانية المروعة التي خلفتها استراتيجية الأرض المحروقة التي اتبعها النظام. تغيرت شروط الصراع كلياً، وتبدلت الرهانات، وصارت الحرب الداخلية حروباً متعددة، طائفية وإقليمية ودولية، تشارك فيها قوى خفية وظاهرة، لم تكن منظورة أو متوقعة. وأمام غياب أي آفاق للحسم العسكري، أو للحل السياسي، وتفاقم الأزمة الإنسانية، يزداد الشعور لدى السوريين بأنهم على وشك خسارة رهانهم الأكبر الذي ضحوا لأجله بكل شيء، بأرواح أبنائهم وأملاكهم وأرزاقهم، وتحولوا إلى مشردين، يبحثون عن أرض تحويهم وملجأ يقيهم من برد الشتاء وعواصفه الثلجية التي لم تعرفها المنطقة في أي وقت، كما حصل في السنوات الثلاث الماضية.

ويفاقم من هذا الشعور بالخسارة والإحباط التراجع المضطرد للجيش الحر والمجموعات المقاتلة التي فقدت، في السنتين الماضيتين، أكثر من نصف الأرض التي كانت قد حررتها، وتراجع الدعم الدولي العسكري والسياسي الذي حظيت به الثورة في البداية، أو وعدت به، بالإضافة إلى الطفرة التي شهدها تطور المنظمات المتطرفة المرتبطة بالقاعدة أو المنشقة عنها. ويزداد الشعور عند أغلب السوريين الذين ضحوا بكل ما يملكونه من أجل الثورة بأنهم خدعوا، وأن الثورة التي راهنوا عليها للتحرر من العبودية والظلم كانت ضحية الكذب والغش والتواطؤ الدولي واللامبالاة العربية، كما كانت ثمرة فشل قياداتهم السياسية. وعلى هامش هذا الشعور بالخيبة وانسداد الآفاق، يزيد الضغط في اتجاه البحث عن أي حل، وتتقدم حكومات عديدة، كانت حتى البارحة من أقوى مؤيدي حرب الإبادة الجماعية، أو من التي صمتت عن المذابح اليومية، لتقطف ثمار ما تعتقد أنها هزيمة الثورة القريبة، وتتنافس على الجائزة التي تنتظرها من إعلان موتها ودفنها.

“الثورة بما تعنيه من الاستمرار في الكفاح من أجل القضية العادلة التي اندلعت من أجلها، أي ثورة الكرامة والحرية، لا تزال حية، وستظل طالما لم تتحقق المبادئ التي خرج السوريون من أجلها”

نصيب القياديين السوريين، العسكريين والمدنيين، من الأخطاء التي أدت بالبلاد إلى الطريق المسدود الذي تجد نفسها فيه اليوم كبير من دون شك. لكنه ليس السبب الأول، ولا الرئيس في الخراب الذي تتقاسم المسؤولية فيه مع النظام دول كبرى، وأقل كبراً، من تلك التي لم تخف عداءها للثورة وأهدافها، وتلك التي أعلنت صداقتها لها. لكن، ليس من أجل مساعدتها على التقدم، وإنما لاحتوائها وحماية مصالحها ورهاناتها، وأحياناً، لتحفظ لنفسها الفرصة، كي تطبع على شفاهها قبلة الموت في الوقت المناسب.

انسداد طريق المهادنة والاستسلام

من حق السوريين الملوعين بمأساتهم التاريخية غير المسبوقة، ومن واجبهم أن يطرحوا على أنفسهم، في هذه المناسبة، وعلى من تصدى لقيادتهم، ولا أعتقد أن مثل هذه القيادة قد وجدت، أو سمح بوجودها في أي وقت، كل ما يخطر لهم من أسئلةٍ تتعلق بمصير ثورتهم، أي بمصيرهم، شعباً وأفراداً معاً، وأن يطالبوا أنفسهم وقادتهم المفترضين وأصدقاءهم والمجتمع الدولي بكشف حساب عما أصبح جريمة من الجرائم التي تتحمل المسؤولية فيها الدول جميعاً، وسوف تدفع الثمن الباهظ، وقد بدأ بعضها في دفعه، منذ الآن، للغدر بها وخيانة القيم والمبادئ التي قامت عليها منظومة الحماية والتضامن الدولية.

لكن، لا ينبغي أن يكون هذا سبباً للانسحاب من المعركة التي فاقت فيها استثمارات الشعب السوري البشرية والمادية والمعنوية أي استثمارات لأي شعب في ثورات العصر الحديث. وليست الآن هي اللحظة المناسبة للدخول في الصراعات والنزاعات الداخلية وتصفية الحسابات، إنما العكس هو الصحيح، وهذا ما يظهره ثبات الشعب السوري، وتصميم أبنائه في خيم اللجوء ومواطن النزوح وفي الأحياء المحاصرة، منذ سنوات، لفرض التسليم بالأمر الواقع والاستسلام عليها. كما لا ينبغي لاختلاط الأوراق والأهداف والرهانات، وما تعرضت له الثورة من عمليات اختطاف من المنظمات والمليشيات والقوى الدولية لأهدافها الخاصة، أن يتحول إلى مصدر إضافي للخلافات، ومبرر للتفريط بالتضحيات الجسام التي قام بها السوريون، في السنوات الأربع الماضية. ولا ينبغي أن يكون التركيز المطلوب على الكارثة التي أصابت أغلب السوريين مدخلاً لتسويق القبول بأي حل باسم الحلول الـ”واقعية” وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

فحتى لو تنازل الشعب للنظام، وقبل بالعودة الى بيت الطاعة، فلن يرضى الجلاد الذي سيتتبعه حتى يقضي عليه. وخططه، منذ الآن، واضحة في إلغاء الشعب واستبداله برعايا آخرين يستجلبهم من كل مكان. مشروع الإبقاء على نظام أسرة الأسد الذي أصبح بالمطلق مشروع احتلال إيراني، بمباركة وتحت مظلة سورية مزيفة، لا يقبل لا بعودة السوريين المهجرين والنازحين، ولا بالاعتراف بحقهم الأول في الحياة. ولن تكون نتيجة السير على هذا الطريق سوى تسهيل المهمة على نظام الاحتلال الأسدي ـ الإيراني، أي تحقيق ظروف أفضل وأقل فضائحية لحرب الإبادة الجماعية السياسية والديمغرافية للشعب السوري.

“إذا كان خط المهادنة يعني التهاون بتضحيات السوريين الهائلة، وتبديدها من دون ثمن، فإن التصلب والمزاودة في التمسك بالشعارات والألفاظ الفارغة يشير إلى الاستهانة بالمعاناة الهائلة التي يعيشها السوريون”

التخاذل والتسليم بالأمر الواقع يعني أننا نتخلى عن شعبنا ونقتله مرتين، الأولى عندما تركناه يقاتل وحده ولوحده، والثانية عندما سنتركه يموت من الجوع والبرد والذل في أماكن اللجوء والتشرد من أجل حصول بعضهم على مقاعد لا قيمة لها في حكومات يسمونها كذباً حكومات وحدة وطنية، وهي حكومات دمار وطني.

ما من شك في أن المرحلة البطولية من الثورة التي جمعت السوريين على قلب واحد، وجعلت كل فرد منهم يتماهى مع المبادئ الكبرى التي حركت الجميع، مبادئ الكرامة والعدل والحرية، قد انتهت منذ فترة طويلة. لكن الثورة بما تعنيه من الاستمرار في الكفاح من أجل القضية العادلة التي اندلعت من أجلها، أي ثورة الكرامة والحرية، لا تزال حية، وستظل طالما لم تتحقق المبادئ التي خرج السوريون من أجلها. ولن تتوقف قبل أن يصار إلى إخراج سورية من فم وحش الاحتلال الذي حل محل النظام، والخروج من الكارثة الإنسانية التي تمس حياة الملايين من السوريين، وتشكل، اليوم، الحقيقة الأولى في سورية وللسوريين، والتي تشرط أي تفكير أو يجب أن تشرط أي تفكير في الحاضر والمستقبل.

في الحاجة إلى المراجعة وتصويب المسار

لكن، في الوقت نفسه، لا يمكن الاستمرار على النهج القديم الذي أدى بالثورة إلى إضاعة البوصلة والطريق. فإذا كان خط المهادنة يعني التهاون بتضحيات السوريين الهائلة، وتبديدها من دون ثمن، فإن التصلب والمزاودة في التمسك بالشعارات والألفاظ الفارغة يشير إلى الاستهانة بالمعاناة الهائلة التي يعيشها السوريون، نتيجة الكارثة المروعة التي حلت بهم. وهو لا يفيد إلا في عزل الثورة وتضييق الحصار عليها وضربها. الاستمرار في تجاهل الواقع، ونكران التحولات العميقة التي شهدتها مسيرة الصراع من أجل الحرية والكرامة على عموم الأرض السورية، لا يساعد على التقدم ولا يفتح أي طريق سالك من أجل إنقاذ رهانات الشعب السوري الأساسية، وإيجاد شروط خروج الملايين من أبنائه من حياة التشرد اللاإنسانية. وكما أن خط التنازل المجاني يشجع المحتلين على الإسراع في تحقيق مشروعهم، مستغلين ظروف الاستسلام والضعف التي يظهرها السوريون المندلقون على النظام، فإن إنكار الحقائق الجديدة والمثابرة على المزاودة في الثورية، كما لو أن شيئا لم يتغير منذ أربع سنوات، لن يفيد إلا في إطالة عمر المأساة، وقطع الطريق على المراجعة النظرية والسياسية الحتمية التي يخشاها كل من تنطع للقيادة السياسية والعسكرية، خلال السنوات الأربع الماضية.

“المطلوب رؤية جديدة مختلفة عن تلك التي رافقت الثورة في لحظتها البطولية والملحمية، والتي راهنت على العمل الشعبي العفوي المتفجر في كل مكان”

كلاهما يقودان إلى الفشل، ولا يقدمان أي مخرج أو حل: التهاون مع تضحيات السوريين والاستهانة بمعاناتهم. المطلوب رؤية جديدة مختلفة عن تلك التي رافقت الثورة في لحظتها البطولية والملحمية، والتي راهنت على العمل الشعبي العفوي المتفجر في كل مكان، واقتصرت على الدعوة لدعمه، والدفاع عنه في الدبلوماسية والإعلام. فلم تعد الحاجة تقتصر على إيجاد “وزارة شؤون خارجية” للثورة، تنسق علاقاتها الدولية، وإنما أصبحت الحاجة ماسة لبناء منظمة وطنية مركزية، تقود العمل التحرري، وتنسق شؤون المقاومات المسلحة والمدنية والثقافية ضد نظام الاحتلال والطغيان الذي يزيد ترسخاً يوماً بعد يوم. ويحتاج بناء مقاومة طويلة المدى لاستنزاف الاحتلال وأعوانه إلى سياسات جديدة، تقوم على توحيد الصف، والعمل على تجميع السوريين من جديد، كل السوريين إذا أمكن، وتوسيع دائرة مشاركتهم وانخراطهم في نشاطات السياسة الهادفة إلى تقريب ساعة الخلاص، ووضع حد لحرب الإبادة والاحتلال الذي يتغذى أكثر فأكثر من نزعة عنصرية استيطانية خطيرة مع احتدام الصراع. كما يحتاج إلى تنظيم أفضل للطاقات والجهود، وتفعيل للجاليات السورية في كل مكان، وتجديد للخطاب السياسي والإعلامي، بحيث تكون الثورة بالفعل لكل السوريين، ولحماية أرواحهم ومصالحهم، والخروج بخطة عمل واضحة، تهدف إلى استعادة جزء من المبادرة المفقودة، وإعادة تعريف الأهداف المرحلية والبعيدة، وحل المشكلات الثلاث الكبرى العالقة، مشكلة القيادة، واستقلال الموارد التي لا قرار مستقلاً من دونها، وتعزيز وطنية القرار، حتى لا يكون مشروع الاحتلال المستفيد الأول من استمرار الصراع.

“فقد السوريون ثقتهم بدول صديقة وشقيقة كثيرة أظهرت عجزاً لا يوصف عن المبادرة، أو كانت مثالاً للامبالاة بحياة السوريين وأرواحهم”

مهما حصل، لن يتخلى السوريون عن حقوقهم، وهم لا يزالون، على الرغم من أربع سنوات من القتال والمواجهة المريرين، والتقويض الممنهج لاجتماعهم المدني والسياسي، والتدمير المنظم لمدنهم وأحيائهم ورميهم على طرقات النزوح وبحار الموت، واقفين يتحدون الموت، ويتصدون للجريمة وهم يلمسون بأجسادهم المدماة الحدود القصوى للهمجية.

بعد أربع سنوات من الخذلان والمعاناة، فقد السوريون ثقتهم بدول صديقة وشقيقة كثيرة أظهرت عجزاً لا يوصف عن المبادرة، أو كانت مثالاً للامبالاة بحياة السوريين وأرواحهم. لكن، ما لم يفقدوه، على الرغم من تجربة البؤس والتشرد والضياع، هو ثقتهم بأنفسهم. وهي التي تدفع بهم إلى الاستمرار والمثابرة والإصرار على اقتلاع إرادة الشر من جذورها. وهذا الإصرار وتلك المقاومة المستمران، والصبر والأمل الذي لا يفارقهما، هما مصدر الفخر لدى كل سوري، ومصدر الاعتزاز لدى كل عربي، يعرف أن السوريين، في نضالهم وشهادتهم وتضحياتهم، قد تجاوزوا حدود الاحتمال، وأصبحوا رمزاً للكفاح من أجل الحرية والكرامة، في العالم العربي والعالم، ضد العنصرية الفاشية ومشاريع الهيمنة الإقليمية الدموية.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

ذلك الزمن النبيل/ رشا عمران

فوجئ بعض سكان دمشق في إحدى أمسيات رمضان 2011 بسلل مغطاة، تحتوي علب فول وحمص وكيساً من حبات التمر. لم يعرف سكان منطقة المزرعة والمالكي والطلياني من وضعها لهم على أبواب بيوتهم. أحدهم وضع السلة، قرع الجرس ورحل. المفاجأة كانت موجودة أسفل مكونات السلة، منشورات تطالب بإسقاط النظام، وأخرى تتحدث عن الدولة الديمقراطية المدنية! في مكان آخرمن دمشق، وقبل شهرين أو أقل من واقعة السلال، كان وفد فني تشكيلي دولي يزور سورية، للمشاركة في ملتقى للتشكيل والنحت في قلعة دمشق. يوم الختام، وقبل مغادرة المشاركين دمشق، عائدين إلى بلادهم، فوجئوا بوجود علب حلويات دمشقية شهيرة تنتظر كلا منهم، هدية من طلاب كلية الفنون الجميلة، كما كتب عليها، وكانت المفاجأة حين خطر لضيف روسي أن يستمتع بطعم الحلويات، وهو في المطار، في انتظار طيارته المتأخرة بعد مغادرة الجميع، أسفل البقلاوة الشامية كان (سي دي) ورسالة مكتوبة بالانكليزية والروسية، تطلب من الفنان المشارك أن يشاهد محتويات السي دي، لدى عودته إلى بلاده، وأن ينقل ما يشاهده إلى الناس إن تمكّن. كان السي دي يوثق المظاهرات السلمية التي كانت تجابه بالرصاص القاتل منذ أول دقيقة. عُرف، لاحقاً، أن في العلبة المخصصة لكل مشارك كانت الرسالة نفسها باللغة الانكليزية وبلغة المشارك مرفقة بالسي دي نفسه.

كانت الحادثتان اثنتين من عشرات الطرق التي استخدمها شباب دمشق وصباياها في مرحلة نضالهم السلمي المدني. لن ينسى سكان دمشق الآف طابات البينغ بونغ، المخطوط عليها جملة (عاشت سورية ويسقط الأسد)، والتي كانت تنزلق عليهم من أعلى قمة في قاسيون. لن ينسوا ضوء اللايزر الشهير في إحدى الليالي المعتمة، وهو يكتب على جبل قاسيون العالي كلمة: (إرحل). لن ينسوا المنطاد الهلوجيني الذي كان حين ينفجر فوق القصر الجمهوري تماماً، يلقي آلاف المنشورات المنددة بجرائم الأسد، والمطالبة برحيله. لن ينسى أحد بحرات دمشق الشهيرة ومياهها مصبوغة باللون الأحمر، في إشارة إلى أن الأسد أغرق سورية بالدم. لن ينسى الدمشقيون صوت إبراهيم القاشوش، وهو يصدح فجأة في كل الأماكن المزدحمة، مسبباً هلعاً واستنفاراً لدى الأمن المنتشر، وغبطة مستترة لدى الناس. كان الشباب والصبايا يخفون آلات تسجيل صغيرة، ويشغلونها عن بعد بأغنية القاشوش. وسيبقى اللونان، الأبيض والبنفسجي، علامتين من علائم (زمن الثورة الجميل)، حين كانت تتم الدعوات إلى ارتداء أحدهما، والنزول إلى شوارع دمشق، في حركة احتجاجية حضارية، كانت تنتهي باعتقال كل من يلبس الأبيض أو البنفسجي مصادفة، أوعن سابق قصد. سيبقى، أيضاً، مشهد مقاعد عربات النقل العامة، وهي مغطاة بلصاقات داعمة للثورة، ومناهضة للأسد، في ذاكرة معظم سكان دمشق، مثلما ستبقى في ذاكرتهم حيطان دمشق التي امتلأت بالغرافيتي المؤيد للثورة. كذلك مشهد مجسم الأسد مشنوقاً ومتدلياً من أعلى جسر الرئيس في وسط دمشق إلى الأسفل. تفاصيل يومية كثيرة في النضال المدني، وتحويل المظاهرات إلى حفلات فرح غناء ورقص ودبكة، في مكابرة على الألم والحزن والقهر على من كانت تفقدهم سورية من شبابها كل لحظة. لم يصدف في التاريخ البشري أن بقيت ثورة أشهر طويلة، بكل هذا الجمال، بينما تقابل بكل ما يمكن من إجرام. لم يصدف أن تنكر العالم هكذا، بغربه وشرقه، لتفاصيل ثورة مبتكرة وخلاقة ومضحية، مثل الثورة السورية، وفي قلب عاصمتها دمشق. هذه الثورة الراقية، والنبيلة حد الألم، والتي عمل الجميع على قتلها وتشويهها، مثلما عملوا على قتل أبنائها وتشويههم. هي الثورة السورية التي لم يعد أحد يذكرها، بعد أن صار الدم هو الذاكرة السورية الوحيدة، وبعد أن تواطأ الجميع على طمس كل ذلك الجمال، لكي لا يبقى منه أثر، يحيي حنيناً ما إلى ذلك الزمن النبيل.

العربي الجديد

 

 

 

السوريون ما زالوا قادرين/ غازي دحمان

على عتبة العام الخامس من الثورة، يبدو المشهد السوري للناظر الخارجي، وقد تحوّل إلى قطع متناثرة، أو ربما جزر مقطوعة الجسور ونقاط التواصل، الرابط الوحيد هو الحالة الكارثية التي يعيشها كل قطاع بصمت وعلى انفراد، فمن جزيرة المحاصرين إلى جزيرة النازحين فالمعتقلين والمغيبين، وحتى أولئك الذين يعيشون في جزيرة النظام، وينهكهم الجوع وعدم الأمان.

لا يختلف الواقع الميداني عن الحال المدني، فبينما تتقطّع جسور التواصل والتنسيق بين جبهات معارضي النظام، وتخوض كل جبهة معركتها الخاصة بها، وكأنّها المعركة الوحيدة في مسرح الصراع، يقابل النظام هذا الوضع بجبهات واستراتيجيات ومقاتلين مختلفين، فمن سياسات الهدن إلى سياسات التطويق والحصار، وصولاً إلى استراتيجيات الأرض المحروقة، أما أدواته فتتنوّع بين مقاتلين من بقايا جيش نظامي إلى مليشيات بأسماء متعدّدة، فضلاً عن جبهات يقودها الحرس الثوري الإيراني، وأخرى يتولى زمامها عناصر لحزب الله اللبناني، وثالثة مسؤول عنها مليشيات عراقية وأفغانية.

تبعاً لذلك، أيضاً، ذهب النظام، وفي محاولته الخلاص من كل أثر للثورة، إلى عمل تصنيف يتناسب وأهدافه في طمس الثورة، ففي الشرق يحارب تنظيم داعش الإرهابي، وفي الشمال تنظيم النصرة والعملاء المرتبطين بتركيا. وفي الجنوب، يخوض حرباً ضد عملاء إسرائيل الذين يخططون لإنشاء شريط عازل، فأين الثورة والثوار في هذه الخريطة؟

إزاء هذا المشهد المعقّد، هل يمكن رؤية بصيص أمل للثورة في عامها الخامس، بل كيف يمكن استشراف مآلاتها في المرحلة المقبلة مع كل التعقيدات التي ينطوي عليها هذا المشهد، والذي بات متشابكاً بطريقة تصعّب من القدرة على قراءة عناصره وتقييمها؟

من نافلة القول إن البعد الجيوسياسي تحوّل إلى عامل أساسي في الصراع بين الثورة والنظام، ما أدى إلى تشبيك مصالح عديدة في الإقليم وخارجه، وتحالف أطرافها ضد الثورة، ولعل ما رفع من سقف إغراء انخراط هذه الأطراف في الأزمة السورية تصوراتها بقدرتها على تحقيق مخارج لأزماتها الدولية التي تصادف ولادة الثورة مع وصول تلك الأزمات إلى ذروتها، فضلاً عن هوامش الحركة الواسعة أمامها التي أتاحها نظام الأسد، والتي وصلت إلى درجة إدارة تلك القوى مسارح المعارك، وإعطائها ساحات للمناورة والضغط على دول الإقليم، وقد ساهم ذلك بزيادة حدّة الخلل الحاصل، أصلاً، لصالح نظامٍ تبيّن أنّه رتّب كل جهوده، طوال سنوات عديدة لهذا النمط من المواجهات مع الشعب، وأسس لذلك البنية اللازمة. ولعل ما زاد من الإشكالية أن النظام لم يعمل أي حساب لمستقبل البيئة المؤيدة له، فلم تمثل بالنسبة له سوى موجات بشرية لكسر الثورة، وظهر أنها بيئة مأسورة، مثل كل المكونات التي تعيش تحت سيطرة الأسد، لا اشتراطات لها، ولا مطالب، أو ضغوط تجعل نظام الأسد يميل إلى المهادنة، أو الحوار.

من قلب هذا المشهد الحالك، تعبر الثورة السورية عامها الخامس، حواملها الأساسيون هم ما تبقى من شعبٍ، لا زال يعاند ويطمح بالخلاص، وثوار توزعوا على جبهات عديدة، وعلى الرغم من تعبهم، لا زالوا فاعلين، ونخبة مثقفة تحلم بسورية مختلفة، لا زالت على إيمانها بأن النصر قادم؟ لكن، هل هذه معطيات كافية لتستطيع الثّورة من خلالها الاستمرار، وخصوصاً أنها تواجه هجمة شرسة، تقودها إيران وأذرعها، بإمكانات ضخمة، تصلح لمواجهة دول إقليمية كبرى؟

“لا يستطيع المرء استشراف مستقبل التطورات، إلا من نقطة صمود الثورة، طوال الأعوام الأربعة السابقة”

شئنا أم أبينا، انتهت الثورة السورية، في عامها الخامس، إلى ماكينة تراكميّة من الأعطاب في قلب النظام الذي أصبحت مفاصل كثيرة منه تعاني من الموات، كما أن النظام بات يعيش حالة من الفوضى الأمنية والعسكرية، وهذه خطوط انقسام يتوقع أن تتعمق في قلب النظام ومفاصله. بالإضافة إلى ذلك، الدعم العسكري من إيران وحزب الله لن يعيد الروح إلى النظام، ولن يعيد وصل شرايينه في المجتمع السوري، هذا الدعم سيكون هدفه عمليات تسكينية سطحية تجميليّة، في مواضع محددة، الهدف منها دائماً شراء عمر لشهور لمنظومة الأسد.

وبما أن الحرب ذات طابع جيوسياسي، فإن الرهان على المتغيرات الدولية والإقليمية يبدو مشروعاً مثلما يستفيد الطرف الآخر من هذه المسألة، ويحاول تمريرها تحت ذرائع الوقوف في وجه المؤامرة ودعم حلف المقاومة وسواها من الصيغ التي لا فائدة لها إلا في تبرير محاولات القضاء على حق السوريين بالعدالة والكرامة. والواضح، هنا، أنّ إيران التي بالغت في تحديها مصالح الأطراف الإقليمية، ومحاولتها التحكم بشروط اللعبة لصالحها، فرضت على العالم تغيير موقفه وسياساته تجاه الوضع السوري، وهو ما ينذر بإمكانية تدحرج النزاع إلى صدام حتمي مع المشروع الإيراني ومشاريع الدول الأخرى. وبهذا الصدد، تتبلور في المنطقة ملامح تكتل إقليمي مضاد لإيران، ومن المقدّر أن تكون له ترجمات حقيقية على الأرض السورية.

في العام الخامس للثورة السورية، لا يستطيع المرء استشراف مستقبل التطورات، إلا من نقطة صمود الثورة، طوال الأعوام الأربعة السابقة، أمام موجات هائلة من العنف غير المسبوق، إلا في الحروب العالمية الكبرى. وبالتالي، يبقى الرهان، كما كان في البداية، منعقداً على قدرة الشعب السوري، قد يكون ذلك مطلباً صعباً وقاسياً على السوريين، لكنهم فعلوها ولا يزالون.

العربي الجديد

 

 

 

 

عن مسارنا وتلك الأعوام العجاف!/ أكرم البني

تدخل سورية، بثورتها ومحنتها، عامها الخامس بمشهد يدمي القلوب من هول الخراب والدمار وأعداد ما فتئت تزداد من الضحايا والجرحى والمشوهين والمعتقلين والمشردين، ما يثير السؤال عن فرص الخلاص من صراع دموي ذهبت أطرافه بعيداً في الفتك والتنكيل والتعبئة المتخلفة، وعن سبل إنقاذ وطن ودولة يهددهما التفكك والتهالك، وهل ثمة ضوء في نهاية هذا النفق المظلم، أم جولات جديدة من العنف المتمادي وما يخلفه من معاناة مريرة باتت تحاصر الجميع؟!.

يبدو المسار الأوضح هو استمرار الصراع العنيف لمرحلة أطول من الزمن ربطاً بطابع أطرافه التي دأبت على رفض مشاريع التسوية والحلول السياسية، وديدنها خيار الحسم العسكري وخوض المعركة، كمعركة وجود أو لا وجود.

والمشهد جبهات حرب تستعر في عمليات كر وفر بين مختلف الأطراف، يكسب أحدها حيناً ويهزم حيناً، تبعاً لاختلاف المدن والمناطق وللتباينات المستجدة في توازنات القوى وما يستجر من دعم خارجي، والمشهد أيضاً كارثة إنسانية تزداد حدة وعمقاً مع كل يوم يمر، تزيد من الإمعان في تخريب حيوات الناس واجتماعهم ومستقبلهم، والقضاء على ما أنجزوه خلال عقود، وتنذر بتسارع ذهاب الوطن نحو الأسوأ، مؤسسات الدولة والنظام والمعارضة، وحدة المجتمع والوضع الاقتصادي، التعايش والاحتقانات الأهلية والطائفية، الأمن وشروط العيش والحياة.

ولا نضيف جديداً عند التأكيد على مسؤولية النظام بتنكره منذ البداية لأسباب الثورة السياسية والاجتماعية، ورفض مختلف المبادرات السلمية التي طرحت، أو قبولها شكلاً والالتفاف عليها في رهان على الوقت وعلى مزيد من العنف لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، فكيف الحال وقد تصدرت المشهد جماعات جهادية تزدري السياسة وتسعى الى تنفيذ أجندة اقصائية إسلاموية، وصارت، بعد تمكنها من إزاحة قوى توصف بالمعتدلة من «الجيش الحر» وسيطرتها على جبهات عسكرية إستراتيجية، صاحبة القول الفصل في إفشال أي حل سياسي أو تسوية مقترحة، والأمثلة كثيرة، تبدأ بإجهاض مشاريع وقف إطلاق النار الجزئي أو الهدن الموقتة في غير منطقة، وتنتهي بما تعانيه مبادرة ستيفان دي مستورا تجاه مدينة حلب.

وكيف الحال والصراع السوري صار مسرحاً لتدخلات خارجية ورهينة دوائر إقليمية وعالمية لا تزال لها مصلحة في تغذيته وتأجيجه، بدليل وصول المبادرات السياسية على تنوعها، وآخرها لقاء «موسكو1» ومؤتمر «جنيف 2» إلى طريق مسدودة، وغياب أية فرصة للبناء على دور دولي يساهم في وضع حد لعنف منفلت ويفتح الباب أمام حل سياسي، ربطاً بتهتك التوافق الأميركي الروسي، وتقدم دور إيران السياسي طرداً مع تزايد حضورها العسكري، واستمرار حاجة بعض الأطراف العربية والإقليمية ترك الجرح السوري مفتوحاً لاستثماره في سياق المقارعة على النفوذ والهيمنة.

وفي المقابل ثمة مسار يبعث بعض الأمل في وضع حد للمأساة السورية، يكثفه رهان على حضور إرادة أممية تكسر دوامة العنف وتضع البلاد على سكة معالجة سياسية عنوانها الحفاظ على وحدة الوطن والتأسيس لعقد اجتماعي ديموقراطي والشروع بخطط إعادة الاعمار.

يتقوى هذا المسار من حالة الضعف والإنهاك التي تعاني منها الأطراف المتقاتلة بعد سنوات من الاحتراب والاستنزاف، وشيوع إحساس بلا جدوى استمرار قتالها، وبأن الجميع سيخرج خاسراً منه، ومن ينتصر سيرث كياناً هزيلاً يعاني من عوز اقتصادي مريع ومن مشاكل اجتماعية وأمنية خطيرة، وإذا أضفنا تصاعد مزاج شعبي يحث على وضع حد لرحلة الآلام والعذاب، ويرفض تفكيك البلاد أو تقسيمها إلى دويلات طائفية يعادي بعضها بعضاً، وأضفنا أيضاً الخطر الوجودي على البنية الوطنية الذي يولده تصاعد العنف والحضور الفاعل للقوى الجهادية، نقف عند أهم المستجدات الداخلية التي تنمي الحاجة الى تقديم التنازلات والتهدئة وتسمح بمحاصرة جماعات التطرف ودعاة كسر العظم، في أية جهة كانوا. ولكن الأهم هو المستجدات الخارجية، وعنوانها حضور مصلحة مشتركة عند القوى الإقليمية والعالمية لإطفاء بؤرة التوتر السورية ومحاصرة تداعياتها، أوضحها اليوم احتمال نجاح المفاوضات الإيرانية مع الغرب، حيث يرجح أن يفضي إبرام اتفاق نهائي مع طهران حول ملفها النووي، إلى تقدير بعض نفوذها الإقليمي وإزالة أسباب التوتر في الملفات الساخنة. أما أكثرها غموضاً فهو عقد تسوية سياسية تحت ضغط حاجة التحالف الدولي إلى دور سوري يسانده على الأرض للإجهاز النهائي على تنظيم داعش!

وبين الوضوح والغموض تتصاعد الرغبة لدى بلدان الجوار لوضع حد للعنف السوري المستعر، فالتخوف صار على أشده من تزايد الأعباء السياسية والاقتصادية الناجمة عن تدفق اللاجئين إلى أراضيها ومن مخاطر انفلات هذا العنف وانتقاله إلى مجتمعاتها بسبب المساحات الحدودية الواسعة والتداخل العشائري والديني والقومي، يعزز هذه الرغبة ما يشي عن اكتفاء إسرائيل بحالة الإنهاك والاهتراء التي نالت من الوضع السوري، وتنامي مخاوفها من اضطرارها لمواجهات على حدودها مع قوى إسلاموية متطرفة لا ضابط لها.

صحيح أن ثمة فئات واسعة من السوريين أنهكتها السنوات العجاف وباتت تلتمس الخلاص من هذا الوجع والخراب، وصحيح أن هناك ردود أفعال متنوعة ظهرت في غير مكان ضد استمرار القتال وتضغط على أطراف الصراع لوقف معاركهم، وصحيح أن طريق العنف والإقصاء باتت مجربة ولن تقود سوى إلى استمرار دوامة الموت والإفناء المتبادل، ولكن الصحيح أيضاً أن ثمة قوى مختلفة، داخلية وخارجية، لا تزال تستفيد من استمرار العنف، أصابها العمى الإيديولوجي ويفتنها هوس الهيمنة والنفوذ ويأسرها منطق القوة والغلبة لفرض سطوتها.

«إننا محكومون بالأمل»، والأمل ربما يبدأ بإدراك المتصارعين عبثية تغذية هذه النار المستعرة، ويكتمل بتبلور مبادرة أممية أو خطة طريق تجبر الجميع على ترك ميدان الحرب والخضوع لمعالجة سياسية تؤسس لتغيير ديموقراطي يرضي مطامح الناس ويطمئنهم إلى المستقبل.

الحياة

 

 

 

واقع الثورة اليوم/ علي العبدالله

مع دخول الثورة السورية عامها الخامس تثور بين السوريين أسئلة قلقة حول المستقبل والمصير في ضوء الحالة السائدة في البلد، وتمسك النظام بالسلطة، ووضع المعارضة، بجناحيها السياسي والعسكري، الحرج لما تواجهه من انقسامات وتشتت، وفشلها في إدارة الصراع، خاصة بعد تعدد ساحاته، ودخولها، تحت ضغوط إقليمية ودولية، في مواجهة مع الجماعات المتطرفة، وتجرعها هزائم عسكرية في معارك مع قوات النظام وحلفائه، وخسارتها لحواضن شعبية، ولامبالاة المجتمع الدولي بالوضع المأسوي الذي يعيشونه.

أحدث انفجار ثورة الحرية والكرامة وانتصارات الجيش السوري الحر هزات زلزالية وارتدادات محلية وإقليمية ودولية ضربت في العمق معادلات سائدة استثمرت فيها دول كثيرة، فأثارت هواجس ومخاوف هذه الدول لما يمكن أن يحدثه العامل الشعبي السوري، الذي نهض مطالباً باستعادة حقوقه ودوره، من متغيرات محلية وإقليمية ودولية، ما دفعها للتحرك لحماية استثمارها والتحكم بتطورات الثورة وتداعياتها.

ردت هذه الدول بالانخراط في الصراع في أشكال متعددة حماية لمصالحها ومشاريعها عبر دعم موقف أحد طرفي الصراع سياسياً وعسكرياً ومالياً وتغذية المواجهة بالتجييش والتعبئة السياسية والدينية والمذهبية، فتعقدت معادلة الصراع وتعددت الخيارات والتصورات، وهذا وضع سورية تحت قصف عقائدي وسياسي وتسليحي، تسعى كل دولة من خلاله إلى فرض تصورها للحل، مستغلة تطورات الصراع على الأرض وتوازن القوى لإنضاج شروط الحل الذي يستجيب لمصالحها. وهذا رتب وجود صراعات متعددة الأطراف والغايات والأهداف: صراع بين الثورة والنظام، صراع بين معارضة سورية وقوى إسلامية متشددة وافدة بمشاريعها السياسية غير المقبولة، صراع إقليمي- إقليمي، صراع دولي – دولي، صراع دولي – إقليمي على مستقبل الإقليم ومآلاته والذي ستلعب طبيعة الحل في سورية دوراً محورياً في تحديد صورته. وهي صراعات متداخلة ومتشابكة ومتراكبة، وكل منها يتقاطع ويتعارض مع الصراعات الأخرى إلى حد التناقض.

في هذا السياق جاء بيان جنيف في 30/6/2012 فعكس حصول توافق دولي على حل سياسي يُبقي على النظام مع إخراج رأسه من المعادلة وإعادة هيكلة الجيش وأجهزة المخابرات وتشكيل هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات بالتراضي مع المعارضة.

لم تقبل إيران بهذا الحل لأنه لم يراع مصالحها فتحركت لحماية النظام وتعزيز مواقعه وتعديل توازن القوى لمصلحته عبر دعمه عسكرياً ومالياً وإرسال مستشارين عسكريين ومقاتلين من حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية العراقية، ونجحت في إحداث تعديل في توازن القوى، وجاء انفجار الأزمة الأوكرانية واشتعال الصراع عليها بين الغرب وروسيا ليضع بيان جنيف على الرف وتبدأ الضغوط وعض الأصابع مجدداً. وزاد في تعقيد المشهد انطلاق المفاوضات الأميركية الإيرانية حول الملف النووي في ضوء سعي إيران لتعزيز موقفها التفاوضي وتكريس مكاسبها الإقليمية من جهة وحرص أميركا على نجاح المفاوضات وعدم مواجهة التحرك الإقليمي الإيراني خدمة لهذا الهدف من جهة ثانية، فتوسعت إيران في إرسال المستشارين والميليشيات والأسلحة وتصعيد المواجهة والعمل على حسم الصراع عسكرياً.

أفرزت التطورات الميدانية، خاصة مع بروز «داعش» وضربه للجيش السوري الحر وسيطرته على المناطق المحررة وهجومه على الموصل واحتلال مساحات شاسعة من أرض العراق، وإعطاء الأولوية للحرب على الإرهاب والضغط على الأطراف المحلية والإقليمية والدولية لتبني هذه الأولوية، حالة جمود وتردد في التعاطي مع الملف السوري، ما فسح المجال للنظام وحلفائه لتصعيد المواجهة على أمل تسجيل مكاسب توظّف على طاولة المفاوضات، وتحرك منفرداً بحثاً عن حل يفرضه على الآخرين، فطُرح تصور إيراني قائم على إشراك المعارضة في حكومة يقودها النظام، وعقدت موسكو عدة لقاءات مع النظام والمعارضة تمهيداً لعقد لقاء بينهما في إطار ما سمي «منتدى موسكو»، كمدخل لبلوغ حل سوري – سوري تتوحد فيه السلطة والمعارضة في مواجهة «داعش».

انعكست هذه التطورات سلباً على الثورة على الصعيدين السياسي والعسكري وعمقت الضعف البنيوي الذي تعانيه في ضوء فشل المعارضة في مأسسة قواها في كيان موحد، جبهة وطنية شاملة، وعقلنة تحركها السياسي والعسكري بتحويل الثورة من حالة العفوية إلى حالة منظمة ومنضبطة، فالمأسسة التي حصلت بتشكيل التنسيقيات والكتائب المسلحة جزئية وغير كافية لإدارة الصراع باستراتيجية موحدة وخطة ميدانية واحدة، فالفشل في مأسسة المعارضة مأسسة شاملة وتشكيل جبهة وطنية موحدة على أساس وطني عام ترك الميدان للعفوية والتشتت وللعقائد الخاصة كي تفرض نفسها وتصوراتها وقرارها على المناطق فتتفتت القوى وتنقسم الجبهات والحواضن الشعبية ما أضعفها في المواجهة، وفي إقناع المجتمع الدولي بأهليتها لإدارة البلاد بعد إسقاط النظام. وقد تجلت سلبية هذا العامل عندما طرح بيان جنيف وعقد مؤتمر جنيف 2 ومنتدى موسكو حيث انعدم التوافق وتفاضلت القوى بدل أن تتكامل.

لقد خسر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، الذي أنهكته الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، فتآكلت مصداقيته وتراجع دوره، كما خسرت كتائب الجيش السوري الحر ثقة الحواضن الشعبية وتأييدها نتيجة الفوضى والممارسات غير المسؤولة وتراجع الدعم وفقدانها القدرة على التحرك الميداني المخطط والمنسق، ما أتاح لجبهة النصرة مهاجمة جبهة ثوار سورية وحركة حزم والقضاء عليهما والسيطرة على ريف محافظة إدلب، وطفت على السطح، نتيجة لهذا الوضع، الخلافات القومية والدينية والمذهبية وانبعثت الولاءات ما دون وطنية، وتباينت الرؤى والخيارات الوطنية في المجتمع والثورة بين الفيدرالية واللامركزية الإدارية ودولة مركزية بخلفية إسلامية (دولة خلافة) ومركزية تسلطية ودولة مواطنة وديموقراطية ومساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. وهذا أدخل الثورة في مأزق حاد يستدعي إعادة التوازن للفكر والممارسة، وتحمل المسؤولية بجدية، وتجنيب الثورة مزيداً من النكسات والتراجعات، ومراعاة الحالة الإنسانية والمعنوية للمواطنين عامة وللحواضن الشعبية للثورة خاصة، وهذا يتطلب أول ما يتطلبه من قوى الثورة، بجناحيها السياسي والعسكري، وحواضنها الشعبية، توحيد الجهد وتنسيق التحرك لضمان استمرار الثورة وأهدافها والاحتفاظ بموقع رئيس على طاولة التفاوض لتحقيق نسبة معقولة من مطالبها، وهو هدف متاح إذا ما انحاز الجميع إلى التفكير العقلاني والعملي، واستبعدوا الصراعات الطفولية القائمة على إلغاء الآخر وإخراجه من المعادلة بالكامل. فالشراكة والتوافق والتمسك بنسبة استقلالية معقولة في اتخاذ القرار كفيلة بوضع المعارضة على جادة الصواب وفتح طريق الأمل واسعاً أمامها.

الحياة

 

 

 

ثورة سورية واستهزاء التاريخ/ منير الخطيب

تجاوزت إرادة الحرية عند السوريين، بعد مضي أربع سنوات على انطلاق ثورتهم، الأسطورة السيزيفية المشهورة، وكما أن سيزيف قضى قبل أن يستطيع إيصال الصخرة إلى أعلى الجبل، كذلك فإن السوريين لم يصلوا إلى الحرية وإلى الدولة الوطنية، على رغم إراداتهم السيزيفية وإسقاطهم مرتكزات «الدولة التسلطية». ولكن، لماذا استهزأ التاريخ بتلك الإرادات؟ ولماذا سحقت «قاطرته العمياء» أحلام السوريين وتطلعاتهم ودفعت جميع عفاريت الأرض إلى اللعب على المسرح السوري؟ شاء التاريخ أن يدفع حزمة من التحولات الكونية التي هندسها في القرن العشرين، في مواجهة ثورة السوريين. تفاعلت تلك التحولات مع العمارة المجتمعية والبنى الثقافية – السياسية المتأخرة التي ساهمت في إعادة تشكيلها «الدولة» البعثية ذات الملامح السلطانية المحدثة، فأنتجت عناصر فتكت بنزوع السوريين البروميثيوسي نحو الحرية، وقد تملّكهم من بداية ثورتهم السلمية.

فكان على الثورة السورية أن تتحمل تبعات انطلاقها في زمن ارتباك أميركي، ولحظة تحول في الاستراتيجيات الأميركية تجاه قضايا المنطقة، وفي سياق ضمور البعد الديموقراطي – التنويري للغرب وانحسار دوره الكوني، قياساً إلى دوره في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ما أعطى زخماً إضافياً للقوى المتأخرة ثقافياً وسياسياً، سواء كانت دولاً أم تنظيمات، أن تصعد وتملأ الفراغ الذي أحدثه الانكفاء الأميركي والانحسار الغربي، وبرز ذلك جلياً في القضية السورية.

وكان على السوريين وثورتهم مواجهة الأطماع الإمبراطورية للقيصر والمرشد معاً. فالأول، أراد أن يعيد لروسيا دوراً عالمياً على أنقاض حطام الاتحاد السوفياتي السابق من البوابة السورية. والمرشد أدرك أن كسر مشروع الهيمنة الإيراني على المشرق العربي في حلقته السورية يعني انحساره في كامل الإقليم، فوقف الاثنان بكل قوتهما خلف آلة البطش والقتل للسلطة السورية، ومنعا الحسم العسكري، في الوقت الذي منعا فيه الحلول السياسية.

وكان على السوريين وثورتهم، أيضاً، مواجهة آثار انهيار «دور سورية الإقليمي» في المشرق الذي كان من مكونات الهيمنة الشمولية للسلطة، وما نجم عن هذا الانهيار من زيادة في حجم التدخلات الإقليمية في الوضع الداخلي السوري، وانفلات القوى الميليشياوية التي شكل النظام السوري، في ما مضى، مايسترو لها، كي تعيث تدميراً وتخريباً في الواقع السوري، وتساهم بفاعلية في زيادة وتيرة تشظي «المجتمع» وتسعير منطق الحرب الداخلية، وتحولت السلطة التي كانت تتباهى بـ «دورها الإقليمي»، إلى تركة «الرجل المريض» التي يجب اقتسامها من جانب الدول الإقليمية وميليشياتها.

كذلك، واجه السوريون ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ: وهي العداء المطلق ما بين السلطة و شعبـ «ها». فللمرة الأولى في التاريخ، تشهد البشرية سلطة تدمر العمران وتقتل البشر بهذه الطريقة الاقتلاعية، وبمختلف صنوف أسلحة التدمير والقتل، ما سبب خروج غالبية المنادين بالحرية والتغيير السلمي – الديموقراطي من ميدان الفاعلية المجتمعية، ونمو التنظيمات المتطرفة وتَراكبها مع التدخلات الإقليمية والانقسامات العمودية، فتحولت سورية إلى ساحة تتصادم فيها الهويّات.

إن انتقال الثورة السورية من مستوى تكتل السوريين حول مسألة الحرية إلى مستوى الفوضى الراهن وحرب الجميع على الجميع، لا يلغي مشروعية الثورة الأخلاقية والتاريخية والسياسية، بمقدار ما يؤشر إلى قوة عوامل التاريخ التي أمسكت بخناق السوريين، وأيضاً، على عمق أزمات عالمنا المعاصر في ظل إدارة أميركية ركيكة تخلت عن مسؤولياتها كدولة عظمى.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

ما الذي بقي من سوريا؟/ بكر صدقي

بعد أيام قليلة تكتمل سنوات أربع من عمر الثورة السورية التي تحولت إلى مأساة إنسانية كبيرة، من غير أن يظهر، إلى الآن، أي ضوء في نهاية النفق الطويل. نحو ربع مليون قتيل وأعداد غير معروفة من المعطوبين والمغيبين في السجون والمعتقلات، إلى جانب تشريد نصف السكان داخل سوريا وخارجها، وخراب نصف العمران في طول البلاد وعرضها، بما في ذلك شواهد تاريخ هو بين الأقدم عالمياً. من غير أن يعني ذلك أن النصف الآخر من السكان والعمران بخير.

قد تكون الوقائع المذكورة كافية وحدها لطرح السؤال المتشائم في العنوان، لكن المقصود هو أكثر من ذلك: معنى سوريا ككيان وإطار جغرافي ـ سياسي يعود تاريخه إلى نحو قرن من الزمان. نظام الأسد الذي استولى على الدولة وطوبها باسم السلالة الحاكمة، رأى في سوريا ملكاً خاصاً يتصرف به كما يشاء، وهو ما عبرت عنه بشفافية تامة تسمية البلد بـ»سورية الأسد». في مقابل هذا المفهوم كانت المعارضة تسعى ما وسعها ذلك إلى التوكيد على وطنية سورية (ودولة سورية، وشعب سوري..) مستقلة عن النظام القائم. مع اندلاع الثورة، في شهر مارس/آذار 2011، بلغ الصراع على التملك الرمزي لسوريا ذروته. فكان كل من النظام والثورة يتكلمان عن سوريا الوطن والدولة والشعب، كل من منظوره ومفهومه، ويحاول فرض مفهومه هذا على الرأي العام المحلي والدولي. وقد بلغ الشقاق بين الطرفين، دائماً على المستوى الرمزي، حد رفع علمين، بعد ظهور جيش حر في مواجهة جيش النظام الذي ملأ جدران المدن بشعار «الأسد أو لا أحد» الذي يطابق بين وجود الدولة وسيطرة النظام عليها، ثم شعار «الأسد أو نحرق البلد» الذي يعبر عن استراتيجية المواجهة لدى قاعدته الاجتماعية وذراعه العسكرية الضاربة معاً.

في سنتها الأولى التي طغى عليها الكفاح السلمي للسكان، حققت الثورة إنجازات كبيرة في التملك الرمزي لمفهوم سوريا، سواء على الصعيد الوطني من خلال انتشار بؤر التظاهر السلمي على امتداد الأراضي السورية كما من خلال التوكيد على الشعارات الجامعة (الشعب السوري واحد)، أو على الصعيد الدولي من خلال اعتراف أكثر من مئة دولة بازدواجية التمثيل السياسي لسوريا بين الإطار السياسي الرئيسي للمعارضة (المجلس الوطني) والنظام، مع أفضلية نسبية للأول، إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن دولاً كثيرة، عربية وأجنبية، أعلنت صراحةً عن سقوط شرعية النظام ودعت رأسه إلى التنحي، من غير أن تستكمل المترتبات القانونية لسحب الشرعية هذا، فلم تعتبر المجلس الوطني (ثم الائتلاف) «ممثلاً شرعياً وحيداً» للشعب السوري. ستدفع سوريا ثمناً كبيراً جداً لهذا التردد الدولي في سحب الشرعية من النظام سحباً كاملاً. ولعل ما قد يسوغ هذا التردد القاتل، بصرف النظر عن نوايا الدول ومصالحها المتضاربة، هو وجود قاعدة اجتماعية للنظام فشلت في الانفصال عنه واقتراح بديل يمثلها.

التحول النوعي الذي سيغير من موازين الشرعية في التملك الرمزي لسوريا إنما هو الطغيان المطرد للون الإسلامي على الفصائل المسلحة، وبخاصة التيار السلفي الجهادي (أحرار الشام ثم النصرة وصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية). ففضلاً عما يثيره الإسلاميون من ذعر لدى الأقليات الدينية من غير المسلمين السنة، كما لدى كثير من الأنظمة العربية والدول الغربية، تكمن المشكلة الرئيسية مع هذه الجماعات في عدم اعترافها بأي إطار وطني إلى حد اعتبار بعضها سوريا «ملكاً لكل المسلمين» وليس للسوريين وحدهم. الأمر الذي تجلى من جهة في تدفق «مجاهدين» من أربع جهات الأرض على المناطق المحررة من سوريا وسيطرة هؤلاء «المهاجرين»، غالباً، على المفاصل القيادية في المنظمات الجهادية، ومن جهة أخرى في قيام «تنظيم الدولة» (داعش) بمحو الحدود بين العراق وسوريا وإقامته دولة الخلافة على مساحات واسعة ومتصلة من أراضي البلدين.

حين نتحدث عن «معنى سوريا» فنحن نقصد قبل كل شيء دولة مستقلة ذات سيادة بالمفهوم الذي تكرس بعد انتهاء عصر الاستعمار، من غير أن نغفل مستويات أخرى لهذا المعنى، اجتماعية واقتصادية وثقافية، يتحدد بتضافرها معاً موقعها من العالم وصورتها.

في هذا الإطار، يمكن القول إن «سوريا الأسد» فقدت استقلاليتها وسيادتها تماماً مرتين: مرة أولى بفقدان النظام سيطرته على نحو سبعين في المئة من الأرض، وعلى كثير من المعابر الحدودية مع دول الجوار، وثانية مع دخول حزب الله اللبناني الحرب دفاعاً عنه، وصولاً إلى استلام الإيرانيين لزمام الأمور بصورة كاملة بما في ذلك تملك القرار السياسي. وإذا كان الجنرال قاسم سليماني أصبح، بصورة علنية، القائد العسكري الميداني لحرب النظام على سوريا، فقد عبر عدد من القادة الإيرانيين عن تبعية دمشق السياسية لهم، مرة بالقول إن سوريا هي المحافظة رقم 35 من الدولة الإيرانية، ومرة بالتباهي بسيطرة إيران على أربع عواصم عربية (بعد انضمام صنعاء إلى دمشق وبغداد وبيروت)، وأخيراً في تصريحات علي يونسي، مستشار الرئيس روحاني، حول «الامبراطورية الإيرانية التي تملك كل الشرق الأوسط» و.. «عاصمتها بغداد»!

بالمقابل، فقدت المعارضة باطراد استقلالية قرارها لمصلحة الدول الداعمة، بصورة متناسبة مع انفصالها عن الحراك الثوري في الداخل الوطني. لا يمكن الحديث عن السيادة، بالنسبة للمعارضة، إلا على مستوى الخطاب. المؤسف أنها رسبت في الامتحان حتى على هذا المستوى. كان تعليق رئيس الائتلاف الوطني المعارض خالد خوجة على العملية العسكرية التركية لنقل رفاة سليمان شاه، كارثياً بهذا المعنى. فقد اعتبر خوجة العملية التركية مشروعة من وجهة نظر القانون الدولي، الأمر الذي لا يصمد أمام أي تحليل قانوني. ليته اكتفى بتبرير العملية سياسياً نظراً لعلاقة التحالف التي تربط المعارضة بالحكومة التركية. فهذا مفهوم ولا اعتراض عليه. أما أن يضفي الشرعية القانونية على الاختراق التركي، فهذا يعني أن مفهوم السيادة الوطنية فقد قيمته لدى المعارضة كما لدى النظام الكيماوي، سواء بسواء.

 

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

تحولات القضية السورية.. العامل الذاتي الوطني يبقى حجر الأساس/ د. عبدالله تركماني()

مع اقترابها من عامها الرابع يدرك السوريون ما آل إليه واقع ثورتهم من عسكرة سعى النظام إليها، ومن حسابات سياسية مصلحية تراعي مخاوف الغرب من نمو التطرف وتنامي ظاهرة «المجاهدين« الغربيين في سوريا والعراق. لكنهم يعلمون أنّ النظام ليس مسؤولاً فقط عن استدامة الاستبداد في بلادهم لأكثر من أربعة عقود، فهذا الاستبداد هو الذي دفع إلى نشوء الثنائية بينه وبين الإرهاب، مثل ثنائية «الأسد أو نحرق البلد«.

وبفعل سياسات النظام وممارساته الدموية والتدميرية، تحولت أغلبية السوريين إلى قتلى وجرحى وسجناء رأي وضمير ومهجرين، سواء داخل سوريا أو بلدان اللجوء، وجرى تدمير مدن وقرى في مختلف الأنحاء، كما جرى تدمير وتعطيل غالبية القطاعات والمؤسسات الاقتصادية والإنتاجية والخدمية والمرافق العامة، وأُصيبت البنى التحتية من شبكات المواصلات والنقل والاتصالات والمياه والكهرباء بالدمار والتعطيل، وكلها أدت إلى خروج السوريين من دوائر الفعل الاقتصادي والاجتماعي، بحيث لم يبقَ من الدولة والمجتمع، في دائرة الفعل، سوى بقايا المؤسسة العسكرية – الأمنية وبعض المؤسسات المساعدة في تشغيلها ودعم أجهزتها.

على أي حال ترتبت على وحشية النظام، وسلبية المجتمع الدولي، والتدخلات الخارجية المضرة، من الأعداء و»الأصدقاء«، عدة ظواهر:

– انحسار الثورة السورية، وخروج الوضع من تحت سيطرتها، من دون أن يعني ذلك انتهاءها، بدلالة تراجع مكانة إطاراتها، أو تعبيراتها، السياسية والعسكرية والمدنية والإغاثية.

– تحوّل سورية إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية على المشرق العربي، بمعزل عن مصالح السوريين، وبما يضر الثورة والمجتمع.

– تصدّر الجماعات المسلحة المتطرفة والتكفيرية، التي تتغطى بالإسلام، والتي يصعب التمييز بين كونها معطى داخلياً، وبين كونها معطى خارجياً، أو كنتاج للتدخلات المخابراتية، الدولية والإقليمية والعربية المتضاربة.

لماذا وصلت الثورة السورية لهذه النتائج ؟ وما هي الاسباب التي جعلتها تخرج من يد أصحابها الذين أطلقوها؟

حدث التحول لأسباب وعوامل متعددة منها ما هو تحول اضطراري كتسلح الثورة رداً على الخيار الأمني للنظام. لكنّ العسكرة جرت بشكل عشوائي، كما تم إفشال جميع محاولات إنشاء قيادة موحدة تتمتع بقرارات مركزية مطاعة من الجميع. وابتعد حاملو السلاح تدريجياً عن الارتباط بالحراك المدني، وعملوا لوضع المؤسسات المدنية التي أقامتها الثورة تحت سيطرتهم بدل أن يحدث العكس، بأن تتبع القوى العسكرية لقيادة سياسية. مما ترك المجال لتعملق عسكريي الثورة وإخضاع الحراك المدني لكتائبهم المسلحة.

كما أنّ أسلمة العمل المسلح لم يأتِ فقط من غزو الجهاديين الخارجي، بل أيضاً من تأسلم الكتائب للحصول على الدعم المادي والتسليحي الخارجيين. كما استندت الأسلمة لعامل محلي هو درجة عالية من التديّن تميزت بها قطاعات واسعة من الشعب السوري، وبخاصة في الأرياف. لكنّ التديّن الشعبي شيء والتطرف في تديين أهداف الثورة شيء آخر، لا يتفق مع الغالبية المؤمنة في سورية التي كان واضحاً منذ البداية أنّ ثورتها ليست لهدف إقامة دولة دينية بل دولة مدنية.

وفيما يبدو وكأنه مسعى جديد إلى إعادة تعويم النظام والدفع باتجاه إعادة تأهيله، ظهرت، أخيراً، أفكار سياسية ترتكز عليها بعض المبادرات، وتشترك جميعها بفكرة أساسية هي أنّ المعارضة لم تعد طرفاً فاعلاً في هذه الأزمة، وأنها ما فتئت تفقد تأثيرها لصالح جماعات جهادية متطرفة.

وفي هذا السياق، فبمجرد الالتقاء مع ممثلي النظام، خارج أي إطار سياسي أو قانوني، وعلى أرضية ما سمي الحوار الوطني المباشر، ومن دون شروط، تكون هذه المبادرات قد ساهمت في دفن مفاوضات جنيف، وجميع قرارات مجلس الأمن التي تنص على مفاوضات رسمية واضحة، لها هدف محدد، هو الانتقال نحو نظام ديمقراطي، وآلية تنفيذية هي تشكيل هيئة حكم انتقالي تعد البلاد للحقبة القادمة، وشروط أساسية معروفة، في مقدمتها وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين، والاعتراف بحق التظاهر السلمي، وتقديم المسؤولين عن الجرائم إلى المحاكمة.

إنّ مشكلة سورية لا تتمثل في وجود هذا المشروع أو ذاك، بغض النظر عن الموقف منه، وإنما هي تتمثل في الافتقاد المريب، والمشين، لأي عملية سياسية جدية، يمكن أن تؤسس لتوافق دولي وإقليمي، يؤدي إلى وقف تعميم القتل والخراب والتشريد الجاري منذ أربعة أعوام.

في كل الأحوال، هناك شروط أساسية لأي حل، كي يقترب من أن يكون حقيقياً، وأولها ألا يجرى تفصيله على مقاس الرغبات الروسية – الايرانية، وأنه لا بدّ من أن يرسم خريطة خروج الأسد، طريقاً وبوابةً، بدءاً من إقرار إخضاع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية للسلطة السياسية، أي للحكومة الانتقالية، بغية إعادة هيكلتهما وإبعادهما عن التدخل في الحياة السياسية.

وبين كل الاحتمالات يبدو أنّ مآل الحل الواقعي والمنطقي والذي يتفق مع مصلحة السوريين، السعي لإنهاء الوضع الكارثي السوري بحل سياسي تفاوضي يقيم حكماً انتقالياً بكامل الصلاحيات شريطة أن لا يشارك فيه القاتل بشار الأسد وكل الذين تلوثت أيديهم بالدم السوري، يوقف إطلاق النار ويقود عملية انتقالية تمر بدستور جديد وانتخابات تشريعية ورئاسية وعودة المهجرين وإعادة الإعمار ومواجهة المنظمات الإرهابية، وكل من لا يقبل بوقف القتال والاحتكام للعملية السياسية.

الصراع في سورية هو صراع إقليمي ودولي عبر السوريين. ولن ينتهي إلا إذا جرى توافق دولي وإقليمي على الخروج منه. لكنّ التوافق لن يأتي من هذه القوى الخارجية بقدر ما سيأتي من قدرة رجالات ونساء سورية على صنع توافق يحمي بلدهم، على مستوى السياسة كما على مستوى القوى العسكرية.

وبناء على ما تقدم، يبقى العامل الذاتي الوطني حجر الأساس في أي تعامل مع المبادرات والجهود التي تقارب المسألة السورية. فمن دون قيادة سياسية متماسكة للمعارضة تمتلك رؤية سياسة واضحة ومطمئنة لسائر المكوّنات السورية، على قاعدة احترام الحقوق والخصوصيات، وتأخذ في اعتبارها المعادلات الإقليمية والدولية، وتؤكد للجميع أنّ سورية المستقبل ستكون عامل استقرار وسلام لمصلحة الجميع، ستبقى الأمور عائمة، مفتوحة على غير ما هو منشود. ومن دون قيادة كهذه ستبقى كل جهود المعارضة الميدانية، بما في ذلك تدريب القوات لدى الدول المختلفة، مجرد قطع متناثرة في لوحة غير مكتملة.

يستدعي هذا، قبل أي شيء آخر، العودة إلى ذاتنا، واستعادة روح الثورة والمبادئ التي كانت تمثلها، في الحرية والكرامة وحق الشعب في تقرير مصيره، ورفض المساومة على القضية التي ضحى من أجلها ملايين السوريين. فمن دون إحياء روح الثورة من جديد، وتعميم إشعاعها في قلوب أغلب السوريين، لن يبقى هناك أي معنى لمعركتنا الراهنة، وسيتحول الكفاح البطولي المرير الذي خضناه، منذ سنوات، إلى اقتتال مجاني، عبثي. وسوف يشجع هذا جميع القوى الانتهازية على التلاعب بمشاعر السوريين، المنكوبين والمحبطين، لتبرير أي اتفاق على حساب مصالحهم ومستقبل أبنائهم، بما في ذلك تبرير التسليم بالأمر الواقع، والاستسلام لحكم القوة الغاشمة.

() باحث استشاري في «مركز الشرق للبحوث»

المستقبل

 

 

 

 

 

دروس العام الرابع للثورة السورية… وملامح السنة الخامسة/ عبسي سميسم

يبدو أن شعار “الأسد أو نحرق البلد” الذي أطلقه موالو النظام السوري منذ بداية الثورة السورية، لم يكن مجرد شعار لترهيب المعارضين، فقد تبيّن مع تقدّم سنوات الثورة، أنه استراتيجية تبنّاها الرئيس السوري بشار الأسد منذ اليوم الأول بالفعل، ونفّذها بحذافيرها، وهي استراتيجية تقوم على الرد على أي احتجاج بأبشع الجرائم فظاعة، من قتل وذبح وحرق للبشر، مترافق مع هدم المدن وتسوية بعضها بالأرض، وإهانة الرموز الدينية.

كما تقوم على الرد ليس على الفصائل المسلحة التي تقاتله، بل على حاضنتها الشعبية والمدنيين الذين يسكنون في المناطق الثائرة، بهدف تحويل العمل الثوري إلى رد فعل انتقامي غير متوازن، على أفعال النظام، يغذي من خلاله الطائفية، والمناطقية، بهدف تحفيز سكان تلك المناطق على التوجّه نحو التطرف، لحرف الثورة عن مسارها، وتحويله من نظام مستبد يقمع ثورة ضد استبداده، إلى محارب للتطرف.

نجح النظام إلى حد بعيد في تدمير جزء كبير من سورية كدولة، كما نجح في قتل نحو 177 ألف مدني سوري منذ بداية الثورة بحسب إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وفي هدم مدن بأكملها، وصناعة التطرف.

في المقابل، فإن الثورة، ومع دخولها عامها الخامس، استطاعت عملياً أن تُفقد النظام معظم مقوماته الأساسية كالسيادة والسلطة، من دون أن تتمكن من إزاحته بسبب عدم وجود إرادة دولية لإسقاطه، وتفضيل الدول المتدخلة بالشأن السوري وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، أن تسود سورية حالة من الاستعصاء السياسي بين المعارضة والنظام، وتتحول عسكرياً إلى ساحة صراع مسلح، بين مليشيات من مختلف الجنسيات، مع الحفاظ على نوع من التوازن بين القوى المتصارعة.

ومع انتهاء العام الرابع للثورة، يبدو أن الولايات المتحدة غير مستعجلة في حسم الصراع في سورية، والذي قد يكون مؤجلاً إلى ما بعد حسم الوضع في العراق. وما كلام مدير “وكالة الاستخبارات المركزية” الاميركية (سي آي ايه)، جون برينان، يوم الجمعة، عن أن الولايات المتحدة “لا تريد انهيار الحكومة السورية”، سوى دليل جديد وقاطع على السمة الأبرز التي ميّزت التعاطي الدولي مع الثورة السورية خلال سنواتها الماضية، وهو التمسك، بشكل مباشر أو غير مباشر، بنظام الأسد بمبررات عديدة، آخرها أنه “لا بديل عنه سوى التطرف” ممثلاً بتنظيمات “داعش” و”جبهة النصرة”…

يتوقع كثيرون أن تشهد السنة الخامسة إعطاء واشنطن هامشاً أكبر من التدخّل الإيراني في الشأن السوري، كانعكاس للتقدم الذي تحرزه في مفاوضاتها النووية مع إيران، والتي تعوّل عليها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما كإنجاز لها خلال فترتي حكمه.

وبالتوازي مع غض الطرف عن التدخل الإيراني، أنجزت واشنطن اتفاقاً مع تركيا على تدريب المعارضة السورية المسلّحة المعتدلة، في ما يبدو تحضيراً لإنشاء قوة معتدلة لتكون شريكاً في ملء الفراغ بعد نظام الأسد، وقد يمكّن هذا الاتفاق الحكومة التركية من تنفيذ مطلبها بإقامة منطقة عازلة على الحدود السورية التركية، تُشكّل منطقة آمنة للعناصر التي ستقوم بتدريبها، وفي الوقت نفسه تحصّن حدودها الجنوبية من التداعيات المحتملة لتطور الأحداث في كل من سورية والعراق، وقد تستفيد تركيا من التقارب مع السعودية في تحقيق هذا المطلب حتى من دون غطاء دولي.

أما عسكرياً، فعلى الرغم من تنامي نفوذ تنظيم “جبهة النصرة” في شمال سورية، إلا أنه من المتوقع أن يتراجع هذا النفوذ مع التوجّه الأميركي لدعم الفصائل المعتدلة، ويسود الاعتقاد بأن تغيّر بعض الفصائل الإسلامية في استراتيجيتها وتتحوّل للعمل على المستوى الوطني. كما يُتوقع أن تبدأ شعبية “النصرة” بالانخفاض بعد توجّهها نحو التدخل بشؤون المدنيين، واستعداء الفصائل العسكرية الأخرى، ضمن سلوك يشابه إلى حد كبير سلوك تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في تلك المنطقة، والذي أدى إلى طرده منها.

ومن المرتقب أن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من التنسيق بين “حركة أحرار الشام الإسلامية” مع فصائل الجيش الحر الأخرى، بعد التغيير الواضح في استراتيجية الحركة، التي يبدو أنها تتجّه نحو التخلي عن الجهادية السلفية، لصالح الانخراط ضمن المشروع الوطني، كما أن التنامي المستمر لفصائل الجيش الحر في ريف اللاذقية سيؤدي إلى المزيد من التصعيد في جبهة الساحل بينها وبين قوات النظام التي تسعى لتأمين ما تبقى لها من الساحل السوري معقل النظام.

في المقابل، تبدو القوى الكردية الآن الأكثر تماسكاً بين الأطراف التي تعوّل عليها الولايات المتحدة عسكرياً في المنطقة، كما أنها الجهة التي تحظى بالثقة الأكبر لجهة ابتعادها عن التطرف الديني. وبعد الانتصارات التي حققتها على تنظيم “داعش” بمؤازرة الجيش الحر على الأرض، وقوات التحالف من الجو، بدأت تأخذ زخماً كبيراً والتوجه للسيطرة على مناطق ذات أغلبية عربية، إلا أن هذه القوى لديها ميول انفصالية تطرحها مبدئياً من خلال الإدارة الذاتية وصولاً لحلم الدولة الكردية، إلا أن السير في هذا المشروع قد يؤدي إلى صدام بين تلك القوى والنظام الذي كان يريد لها أن تؤدي دوراً في طرد “داعش” كي يحل هو محله.

كما أن سيطرة القوى الكردية على مناطق ذات أغلبية عربية قد تؤدي في المستقبل إلى صدام مع فصائل المعارضة، خصوصاً مع بدء التذمر من ممارسات تلك القوى في المناطق التي تسيطر عليها. ويرتبط بروز القوى الكردية خلال المرحلة المقبلة بمدى الحاجة الأميركية إلى دور قد تقوم به تلك القوى بعدما استخدمتها واشنطن في طرد تنظيم “داعش”.

وفي شرق سورية، يُتوقع أن تستمر معارك الكر والفر بين تنظيم “داعش” وكل من فصائل الجيش الحر، والفصائل الكردية، مع انخفاض وتيرة معارك “داعش” مع النظام السوري وذلك كون بقاء كل منهما يعتمد على بقاء الآخر.

كما يُتوقّع أن تشهد الجبهة الجنوبية مزيداً من التصعيد مع دخول كل من الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” على خط القتال إلى جانب النظام، ومع تنامي قوة الجيش الحر هناك، فإنه سيسعى إلى إحراز تقدم قد يوصله إلى بوابة دمشق من المنطقة الجنوبية، ما يخفف العبء عن المعارضين في غوطتَي دمشق.

وترى بعض القراءات أن يستمر النظام السوري خلال السنة المقبلة، في محاولة إثبات وجوده، وأنه لا يزال فاعلاً ضمن المعادلة السورية، من خلال تفعيل الخيار الطائفي وتقوية مراكز نفوذه في الساحل، مع استمراره باتباع سياسة الحصار لمناطق ريف دمشق المحيطة بالعاصمة واستخدام المزيد من العنف ضدها. لكن مع طغيان النفوذ الإيراني داخله، وزيادة تحكمه بقراره، قد ينشأ صراع خفي يسعى من خلاله النظام للحد من النفوذ الإيراني، أو منعه على الأقل من الحلول مكانه. وقد حملت الأشهر الأخيرة مؤشرات عديدة إلى احتمال تعاظُم اعتراض جدّي من داخل النظام السوري ومؤسساته الأمنية إزاء تحكّم حزب الله والقوى الإيرانية بمفاصل الحكم في دمشق.

ومع تراجع القدرات العسكرية للنظام وإنهاكه خلال السنوات الأربع الماضية، يبدو أنه يتّجه لاتباع استراتيجية جديدة تقوم على الإفناء الذاتي للمجتمع في المناطق البعيدة عن سيطرته المباشرة، وذلك من خلال تشكيل مليشيات محلية في تلك المناطق، وخلق صراعات محلية بين تلك المليشيات يكون هو المتحكم بها بشكل يمنعها من التمدّد نحو مراكز نفوذه، كالمليشيا التي أنشأها أخيراً في الحسكة، وبعض المليشيات العائلية ضمن مناطق سيطرته في حلب، والمليشيات التي ظهرت في السويداء.

ويعتبر رئيس حزب الجمهورية السوري المعارض محمد صبرة، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “الثورة تمكّنت مع نهاية عامها الرابع من إسقاط النظام والمعارضة معاً”، مشيراً إلى أن “سورية تدخل العام الخامس من الثورة ضمن مرحلة فوضى ما بعد الثورة، فيما النظام تحوّل إلى مجرد مليشيا تديرها إيران، بعد انهيار مفهوم الدولة والسيادة والسلطة”.

ويرى صبرة أن “النظام سقط عملياً بعد أن أصبح الإيرانيون يقودون المعارك على الأرض نيابة عنه، ويعدمون ضباطاً من جيشه، وبعد أن أصبحت 41 دولة تقاتل في سماء سورية من دون موافقته”، معتبراً أن “سورية أصبحت مُحتلة من عدد من المليشيات الأجنبية، كمجموعات الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني الذي أعلن أنه يخوض معارك خاصة به في سورية، والمليشيات الشيعية العراقية، وداعش الذي يُعدّ قوة احتلال”.

ويشدد على ضرورة “إعادة بناء المشروع الوطني، وعقد مؤتمر دولي لترتيب الأوضاع في سورية، يُلزم الجميع بسحب القوات الأجنبية منها، وعلى رأسها قوات الباسيج الإيرانية ومليشيا حزب الله، وداعش، بالإضافة للمليشيات العراقية”.

ويرى رئيس حزب “الجمهورية” أن المشهد السوري ذاهب باتجاه التدويل الكامل، ليس للحل فحسب بل تدويل للأزمة بحد ذاتها، موضحاً “أننا لن نشهد طرفين سوريين فقط على طاولة المفاوضات بل ستكون هناك أطراف دولية من الدول ذات المصالح في سورية”.

العربي الجديد

 

 

 

 

ذكرى الثورة السورية و”انتفاضة الاستقلال”: في أن «المصير المشترك» قدَرُ البلدين، تقدماً أو نكوصاً/ عبدالله أمين الحلاق

في مثل هذه الأيام قبل عشر سنوات، اغتيل رفيق الحريري من قِبل مَن يرجَّح أنه النظام السوري وأياديه في لبنان، وانفتح لبنان على احتمالات الانسحاب السوري منه، وهو ما تحقق في 26 نيسان 2005. وبين الاغتيال والانسحاب، اندلعت «انتفاضة الاستقلال» اللبنانية، بالتزامن مع ضغط دولي يدعم مطالب شريحة كبيرة من اللبنانيين بانسحاب الجيش والمخابرات السورية، بعد 30 عاماً من دخولها هذا البلد، وبتفويض دولي أيضاً.

يستطيع الكاتب أن يفنّد ويمر على الكثير من المحطات التي تبعت انتفاضة 14 آذار في لبنان، وصولاً إلى الثورة السورية، وما تبع هذه الأخيرة من محطات سوريِّة أولاً، ولبنانية تالياً. هذه المقالة لن تكون مناسبة لذلك، بقدر ما ستهتم بسرد وقراءة سريعة للمشترك بين لحظتي التغيير السورية واللبنانية، وما تبقى منهما وما قامتا لأجله.

يختلف آذار انتفاضة اللبنانيين 2005 عن آذار ثورة السوريين 2011 ضد النظام ذاته، إلا أن آذار «الممانعة» يلتقي و»ثورة البعث» على اليوم ذاته، ألا وهو 8 آذار، وهو ما لا نعتقد بأنه محض صدفة دنيوية، تبعاً لعلاقة ذلك اليوم الانقلابي في سوريا عام 1963 بمحور ممانع يلوي الغيب الخميني عنقه، على حساب أي سياسة وأي تغيير وأي تطور، بانتظار المخلّص.

هكذا، صارت عبارات مثل «ربيع بيروت» و»ربيع سوريا» و»انتفاضة الاستقلال اللبنانية» و»ثورة الكرامة السورية»، عبارات مستمدة من الوعود التي حملتها رياح التغيير في البلدين، قبل أن يتعثر المشروع، في الوقت الذي كان فيه محور «8 آذار « بشقيه السوري واللبناني، خالياً من أي معنى مستقبلي أو ثوري، مقتصراً في أفضل حالاته وتجليات تلك الحالات على تظاهرة «الشكر لسوريا الأسد» في 8 آذار 2005. ولا يخفى على أحد أن تظاهرة كهذه بمضمونها وبالشكر الذي توجهه، كفيلة بمصادرة أي تغيير لصالح ديمومة الأبد السوري في البلدين، وهو ما لم يتحقق لذلك المحور لحسن الحظ، وبفعل الثورة السورية أساساً.

كانت الأخبار تأتينا من لبنان إلى سوريا في تلك الأيام، وكأنها الحلم الذي يواجه كابوساً، متمثَّلة في أن أكثر من مليون متظاهر نزلوا إلى الشارع ضد نظام فتك بهم وبالسوريين على مدى عقود، وهم يبحثون عن استقلالهم وتحررهم. كان مشهد ساحة الشهداء بالنسبة للكثير من السوريين مشهداً سورياً ولبنانياً في آن معاً، وليس لبنانياً فقط. وكان اللبنانيون المنتفضون يفعلون في 14 آذار حينئذ ما فعله السوريون في 15 آذار وما بعدها، ألا وهو التنكيل السِّلمي بنظام آل الأسد وتفرعاته في البلدين. بدا لنا أن المعركة واحدة، وكان سمير قصير يكتب ليخبرنا بأن ما يحدث «عندهم» هو تمهيد لما يفترض أن يحدث «عندنا».

لم يحدث عندنا ما حدث لاحقاً لأن سمير قصير كتب هذا، وليس لأن أي مثقف سوري أو لبناني كتب عن ذلك التلازم الحقيقي، إلا أن الاستشراف والربط بين البلدين ومصيرهما، والعمل على فتح قنوات ديموقراطية لبنانية مع الداخل السوري وبالعكس، كان كفيلاً بقتل صاحبه، وهو ما حدث لاحقاً.

انتفض اللبنانيون ضد نظام الوصاية، بمعظم تنويعاتهم ومشاربهم السياسية والطائفية والاجتماعية، وتشكل تحالف سياسي عريض على وقع الانتفاضة، وعلى إيقاع الضغوط الداخلية والخارجية الدافعة باتجاه التغيير والخلاص من وصاية نظام الأسد في لبنان. وضم ذلك التحالف خصوماً تاريخيين للنظام السوري، كما ضم حلفاء تاريخيين له انقلبوا عليه، عندما بدا فيها أن تغييراً ما وخلاصاً للبنان من هذا النظام قد يحصل. لم تكن فكرة بناء الدولة في لبنان بعد انسحاب الجيش والمخابرات السورية هدفاً لكل قوى وقيادات 14 آذار، إذ سرعان ما حصلت تغيرات في التموضعات السياسية والتحالفات «لأسباب انتخابية» ولأسباب طائفية، وتراجع بعض الساسة اللبنانيين عن مواقفهم الجذرية في مواجهة النظام السوري وعن الذهاب في أهداف انتفاضتهم حتى النهاية، وهو ما ليس مستغرباً عنهم، في الوقت الذي كانت كوادر وقيادات الانتفاضة الجذرية والفاعلة سياسياً وفكرياً تتعرض لاغتيالات لم تتوقف.

كانت جموع 14 آذار وسياسييها متنوعة ومتعددة، منها ما هو معادٍ للنظام ومؤيد للشعب السوري وقضية خلاصه من هذا النظام، معتبراً ذلك الخلاص فاتحة طريق لمستقبل العلاقات بين لبنان وسوريا، ومنها ما هو معادٍ للنظام السوري ويعتبر حرية سوريا شأناً داخلياً، ومنها أيضاً طيف عنصري يناصب النظام السوري والشعب السوري العداء في آن معاً. وعلى الضفة الأخرى كان ثمة محور «آذاري» سبق أن أهدى بندقية المقاومة إلى رستم غزالي، وهو محور يقف بصرامة مهدويّة ضد كل نزعة تحررية للشعب السوري من هذا النظام، الأمر الذي تجلى في السنوات الأخيرة قتلاً من قبل حزب الله للسوريين الثائرين في وجه الأسد داخل سوريا. كان ذلك التنوع جاهزاً إما ليتحول إلى مصدر غنىً للانتفاضة أو مصدر هشاشة لها، وذهبت فكرة الدولة المستقلة أدراج الهجوم الذي قاده النظام السوري وحلفاؤه في لبنان ضد انتفاضة الاستقلال أساساً، وأدراج الانتماءات الطائفية والولاءات الحزبية ما قبل الوطنية لبعض أقطاب وقيادات 14 آذار. وغاب عن كثيرين حينئذٍ ما فعلته 14 آذار 2005 من خلخلة لنظام الوصاية في دمشق أساساً.

من ناحية أخرى، فاجأ اندلاع الثورة السورية عام 2011 كثيراً من اللبنانيين، بقدر ما أعاد لهم أحلاماً خسروها في انتفاضة استقلالهم، التي وضعت أوزارها على لحظة انسحاب النظام السوري، ولم تكمل باتجاه بناء دولة. وصار التضامن مع الثورة السورية ودعمها وفتح قنوات تواصل مع الناشطين السوريين من قبل لبنانيين قضية لبنانية. ومع بداية النزوح السوري الكبير، على إيقاع براميل النظام وصواريخه وأسلحة الإبادة الجماعية التي استخدمها، صار لبنان هو الملجأ الأول لمئات آلاف السوريين الهاربين من المناطق الساخنة، وقبلها، كان لبنان أيضاً وبيروت تحديداً، ملاذاً للناشطين والكتّاب والصحافيين والمثقفين السوريين الذين خرجوا لأسباب أمنية من البلاد. وفي مقابل العلاقات السورية اللبنانية القوية التي بدت على الصعيد الأهلي والاجتماعي والسياسي والثقافي، تصاعد خطاب عنصري لبناني تجاه السوريين في لبنان، ومن قبل تيارات ومجتمعات لبنانية كان بعضها ذات لحظة محسوباً على قوى 14 آذار أو لا يزال، وتحديداً في الأوساط اليمينية المسيحية. وانقسم اللبنانيون بشكل رئيسي بعد الثورة السورية إلى شريحتين: شريحة اجتماعية وسياسية معادية للثورة على أرضية الولاء للنظام، أو على أرضية النظرة العنصرية تجاه السوريين «الذين لا يستحقون إلا نظاماً كهذا ليحكمهم!!»، وقسم آخر مناصر للثورة السورية وقضية الحرية في سوريا، وهو الذي كان السند والمدافع عن السوريين في لبنان بناشطيهم ونازحيهم ومثقفيهم في لحظات العنصرية الفاقعة التي لم تفعل «الدولة» اللبنانية حيالها إلا الصمت، في أفضل الحالات.

واليوم، وفي الذكرى الرابعة للثورة السورية، وفي الوقت الذي يحيي فيه لبنانيون ذكرى انتفاضتهم وشهدائها، يبدو الحال أعقد بكثير من ذلك الرهان على خلاص قريب لسوريا، من وطأة نظام جعلها خراباً في السنوات الأخيرة دفاعاً عن أبده السلالي. كما يبدو أن ما بقي من انتفاضة الاستقلال وأهدافها الاستقلالية هو النزر اليسير فقط، في ظل وجود حزب الله وحلفائه وما فعلوه في البلدين معاً. غير أن الثورة السورية التي لم يبق منها إلا بعض المعاقل، والتي تخوض اليوم واحدة من أشرس المعارك في درعا ضد قوات الحرس الثوري والنظام السوري وحزب الله، كشفت الكثير من الأقنعة وأسقطت مفاهيم متهافتة راجت لسنوات عديدة، مفادها بأن أنصاف الحلول مع النظام السوري وعدم الذهاب في أي ثورة وانتفاضة ضد هذا النظام حتى النهاية، يمكن أن تبني دولة أو تنجز استقلالاً أو تحرراً (من دون إغفال دور المجتمع الدولي طبعاً في تلك المآلات الراهنة والبائسة).

لن تعود عجلة الحكم الوراثي لسوريا بالطبع، إلا أن البداية الضرورية لم تحدث بعد، ونعني نهاية حكم نظام بشار الأسد، الذي فتح البلاد على كوارث لن تقوم لسوريا قائمة بعدها إلا في غضون سنوات طويلة. ويخشى أن يكون النموذج السياسي الذي ينتظر سوريا بعد طي صفحة آل الأسد هو نموذج لبنان، وعندها، يكون البلدان قد وقعا في قعر ما هو مشترك بينهما، في أسوأ حالاته المتوقّعة.

المستقبل

 

 

 

 

الأسد باقٍ وسوريا تترنَّح/ موناليزا فريحة

خلاصة كئيبة تختصر السنوات الاربع للحرب السورية: الرئيس بشار الاسد لم يتزحزح، وسوريا هي التي سقطت في دوامة من الخراب والدمار الاقتصادي والاجتماعي. عملياً، رهن نظام الاسد مستقبل سوريا، دولة وشعباً، للبقاء في منصبه.

شمال سوريا وشرقها صارا مسرحا لـ”الدولة الاسلامية” وتنظيمات متطرفة أخرى طبقت فيها شرائعها وأعادتها قرونا الى الوراء. المناطق الاكثر كثافة سكاناً من اللاذقية، الى حمص التي استعادها النظام أخيراً، ودمشق، الى السويداء في الجنوب، اصابتها الحرب بوهن كبير. حتى النصر الكامل لاي فريق كان، لن يترك سوريا الا كياناً أجوف مع مشاكل اقتصادية واجتماعية وأمنية كبيرة. ناهيك بجروح عميقة ستنكأ مراراً وتنزف كثيراً قبل أن يبلسمها مرور الزمن.

خلال أربع سنوات، لم يعدم الاسد وسيلة للبقاء. اعتمد على مساعدة ايران لاعادة رص صفوف قواته العسكرية والامنية، متيحاً لطهران مهمة الاشراف القوي على الجيش السوري. اعتمد على الحرس الثوري و”حزب الله” لتحقيق انتصارات عسكرية على الارض. جعل الميليشيات الشيعية والعلوية المحلية والخارجية الاخرى، جزءاً لا يتجزأ من الجهد الحربي. تناسى أن أمراء الحرب هؤلاء الذين اعتادوا فرض الخوات وممارسة السلطة في مناطقهم، لن يعودوا بسهولة الى كنف الدولة، أي دولة.

بشرياً واقتصادياً، كبّد سوريا ثمناً باهظاً برفضه أي حل سياسي لا يفصّله بنفسه. أكثر من 220 الف قتيل ومليون جريح. أربعة ملايين لاجئ حملوا معاناتهم الى دول مجاورة وبعضهم ارتأى الهرب أبعد، فوصل من وصل وابتلع البحر من تعثر حظه مجدداً. نحو ثمانية ملايين نازح داخل سوريا و13 مليوناً آخرين يعيشون على المساعدات الانسانية. أمراض خلنا أن الزمن عفاها عادت تطل في القرن الحادي والعشرين، مع انهيار النظام الصحي.

الاقتصاد السوري يعيش على الانعاش. الدولة التي يتباهى الاسد بأنه نجح في البقاء على رأسها، فقدت أكثر من 50 في المئة من أراضيها وثلث سكانها وحقولها النفطية وخطوط تجارتها مع العراق وتركيا. عمليا، صارت دولة الاسد بلا واردات، وباتت تعتمد على المليارات من القروض والمساعدات التي تقدمها لها ايران وروسيا. وليس ثمة من يتوهم أن طهران أو موسكو ستنسى ديونها ومساعداتها لسوريا يوماً ما. وعندما يأتي يوم الحساب، ستكون سوريا، لا الأسد، من يدفع الثمن.

في سنتها الرابعة، تجاوزت الحرب السورية عقدة الاسد. لم يعد بقاؤه أو رحيله المشكلة الوحيدة. معه أو من دونه، صار ما تبقى من سوريا دولة ضعيفة ومشرذمة ومثقلة بالديون ولا تتمتع بحصرية النفوذ على جيشها وأراضيها. والأسوأ من هذا أن لا شيء في الافق يوحي بأن في السنة الخامسة ستضع الحرب أوزارها وقت صار سقف الجهود الدولية “تجميداً للقتال” لن يتحقق.

النهار

 

 

 

في ذكرى ثورة لم تبدأ بعد/ ساطع نور الدين

الاعتراف بالخطأ الواحد فضيلة. اما الاعتراف بالاخطاء المتعددة فهو فضيحة.

الثورة السورية نموذج حيٌ. هي في ذكراها الرابعة تقدم الدليل تلو الدليل على أن ما بدأ في مثل هذا اليوم من العام 2011 سار في الاتجاه المعاكس تماما لكل ما جرى تقديره، بما في ذلك “المؤامرة الخارجية” التي لا تزال علامات ظهورها تلوح لبعض الواهمين او الحالمين بقرب انتهاء المذبحة السورية، حتى ولو كان الثمن يتمثل في ارتفاع رايات الاسلام على مباني دمشق..

خابت كل التوقعات ما عدا واحداً فقط، هو ان النظام السوري لن يستجيب للنداءات التركية والقطرية والسعودية والفرنسية وحتى الاميركية الملحة للاصلاح والتغيير، (والتي بلغت حد تقديم عروض تمويل حملاته الانتخابية الرئاسية والنيابية)، بل سيلجأ حتما الى اقسى درجات العنف والقسوة، ولن يتورع عن استخدام اشد انواع الاسلحة فتكا ضد المدنيين، وسيقفل جميع ابواب الحوار والتفاوض، وسيتحول تدريجيا الى قائد لثورة عفوية، كانت غالبية ساحقة من السوريين تود تفاديها او الحد من خسائرها.

فعل النظام ما كان متوقعا منه تماما. إعتمد على تجارب سابقة وعلى ملفات وبيانات وتقديرات أمنية قديمة. خرج الى معركة طاحنة تحت شعار وحيد: ” إما قاتل او مقتول”. لم يعد بامكانه التراجع، ولا طبعا التقدم الذي يزداد صعوبة مع مرور الايام، مما ساهم في احياء “نظرية السد” التي تروج مجددا الان، والتي تفيد بان النظام سينهار فجأة ودفعة واحدة نتيجة التصدعات والشقوق العميقة في هيكليته الداخلية. وهي النظرية التي تثير حالياً هلعاً مضاعفاً في كل من واشنطن وموسكو وباريس ولندن، من سيناريو يوم القيامة الذي يتمثل في عدم وجود قوة قادرة على ملء الفراغ المرتقب في غير داعش والنصرة..

على النقيض من النظام، لم تفعل المعارضة ما كان متوقعا منها ابداً: لم يكن يخطر في البال ان هؤلاء السوريين الذين قدموا تلك التضحيات الجسام الجاهزين من اجل إصلاح النظام أو إطاحته لن يتمكنوا طوال اربع سنوات كاملة من تشكيل جسم سياسي موحد يتفق على الحد الادنى من برامج التغيير وادواته، وتكوين جسم عسكري وأمني واحد يقود معركة مشتركة على مساحة الجمهورية السورية.. بدل القتال الذي تخوضه المدن والبلدات والقرى كل على حسابها الخاص، وتفترض ان اي قائد ميليشيا او لواء او كتيبة هو الخليفة الاوحد لبشار الاسد.

كانت التجربة ولا تزال محبطة. منذ اللحظة الاولى كان الزعم ان الثورة السورية ستكون أقل تشددا وإسلامية من الثورتين المصرية التونسية لان الشعب السوري اقل تديناً والتزاماً من شقيقيه المصري والتونسي بل وأكثر مدنية وعلمانية من بقية الشعوب العربية. وقد كانت ثورته هكذا بالفعل في سنتيها الاوليين على الاقل . لكن ما حصل في العام الرابع هو النقيض التام، بحيث اصبحت سوريا محجة الاسلاميين من مختلف انحاء العالم ومنارة الجهاد التي تبهت امام أضوائها الأشعة الافغانية، وتخفي كل ما عداها من تشكيلات مدنية او علمانية او حتى وطنية كانت ( ولا تزال كما هو مرجو ) عميقة الجذور في الاجتماع السياسي السوري.

كان يعتقد ايضاً ان الخارج العربي والاجنبي “سيتآمر” على سوريا بطريقة مختلفة، ولن يكتفي بالتورط او التسامح مع تسلل نحو ثلاثين الف مقاتل سني غير سوري ومثلهم من المقاتلين الشيعة غير السوريين الى داخل الاراضي السورية، للقتال على طرفي الجبهات المفتوحة، ولن يغض النظر عن واحدة من افظع المذابح البشرية في التاريخ الحديث، ولن يعترض على فرض حظر جوي ولو محدود في بعض الانحاء السورية المهددة بالدمار الشامل.. ولن يلتزم بالاعتراض الاسرائيلي المشدد على تزويد المعارضين السوريين بالسلاح النوعي الحاسم!

لم يكن يتوقع ابداً ان تُختزل الثورة السورية في عامها الرابع بتلك المحرقة المنظمة للجهاديتين السنية والشيعية، وذلك المخطط المكشوف لاطالة أمد الصراع وإستنزاف عامة السوريين بذريعة التخلص من أقصى التطرفين اللذين انتجتهما، تطرف النظام من جهة وتطرف مناهضيه، واللذين يحيلان سوريا الى خراب تام.

اربع سنوات من الاخطاء المتواصلة التي لا يبررها سوى الزعم ان الثورة السورية لم تبدأ بعد.

المدن

 

 

 

 

“ريح” الجهاديين بسوريا/ إياد الجعفري

يمكن توصيف السنة الرابعة من الثورة السورية بأنها سنة الجهاديين بامتياز، فقد أعلن تنظيم “الدولة الإسلامية”، “الخلافة”، على ثلث الأراضي العراقية والسورية، فيما توسعت مناطق سيطرة “جبهة النُصرة” في شمال غرب سوريا، وفي وسطها، في الوقت الذي تعزز فيه تحالف “الجبهة الإسلامية” في حلب، بابتلاع حركة حزم “المعتدلة” تحت لافتة جديدة، هي “الجبهة الشامية”.

وإذا كان ما حدث في السنة الرابعة من عمر الثورة السورية يمثل امتداداً لما كان يحدث في السنة الثالثة منه، من حيث ازدياد نفوذ الجهاديين على الساحة السورية، إلا أنه يبدو أن السنة التالية، وهي الخامسة من عمر الثورة السورية، ستشهد، حسب ما نعتقد، وصول نشاط الجهاديين بسوريا إلى ذروته، وبدء الخط التنازلي لوجودهم على الساحة السورية.

وبعيداً عن الموقف القِيمي من الآيديولوجية الحاكمة لهذا الخليط الذي يجمعه أمر واحد فقط، وهو اعتبار الساحة السورية ساحة “جهاد”، يبدو أنه وفق مصدر تلك الآيديولوجية “الجهادية”، أن الجهاديين في طريقهم للفشل. وحسب النص القرآني، الذي يعتقد الجهاديون أنه المصدر الرئيس لأفكارهم، حسب قراءاتهم الخاصة له، فإن التنازع والخلاف بين الجهاديين هو المدماك الأول في صرح انهيارهم وفشلهم.

ونحن هنا لسنا في وارد تقييم إخلاص هؤلاء الجهاديين، لكننا نسعى لتقييم مناهج عملهم على الأرض، بناءاً على المصدر الرئيس لأفكارهم، حسب قراءاتهم، وهو النص القرآني، الذي يؤكد في أكثر من مطرح بأن التنازع والخلاف بين “المؤمنين” يعني من دون أي نقاش أو مواربة، الفشل الحتمي.

وبنظرة بانورامية سريعة لمدارس الجهاديين وتشكيلاتهم بسوريا، وعلاقاتهم ببعضهم تحديداً، يمكن الجزم بأن التنازع والخلاف هو المعيار الأبرز لنشاطهم. فخلال السنتين السابقتين، ربما انشغلت التنظيمات الجهادية بالقتال في ما بينها، أكثر مما انشغلت بالقتال مع نظام الأسد. وإن كان الوِزر في ذلك يقع في معظمه على تنظيم “الدولة الإسلامية” تحديداً، فإن ذلك لا ينفي أن النزوع إلى التفرّد والسيطرة يحكم معظم التنظيمات الجهادية الأخرى، إن لم يكن جميعها، ولنا في جولات “النُصرة” بمواجهة “جبهة ثوار سوريا”، ومن ثم حركة “حزم”، مثال على ذلك، دون أن ننسى جولات “جيش الإسلام” ضد جماعات جهادية في غوطة دمشق تحت ذريعة ارتباطها بتنظيم “الدولة الإسلامية”.

ورغم أن كل التنظيمات الجهادية، تقريباً، خرجت من المشكاة نفسها، إلا أن كلاً منها اشتق سبيلاً خاصاً لنفسه، مما يدفع أي مراقب، مهما حاول اعتماد الموضوعية في قراءته، إلى التشكيك بمدى جدوى المشاريع الجهادية المتنوعة في تحقيق الغايات الأخيرة للـ “الجهاد” في سوريا، وهو إقامة حكم الشريعة وهزيمة المناوئين له. بل ربما يدفع مشهد اقتتال الجهاديين في ما بينهم إلى التشكيك بنوايا بعضهم وبغاياته الأخيرة.

يجزم النص القرآني بأن التنازع يؤدي إلى ذهاب “ريح” المتنازعين. فهل يعني ذلك أن “دول” الجهاديين وقوتهم قاربت على التلاشي بسوريا؟

نستطيع القول بأنه في حال استمر الجهاديون بسوريا، على اختلاف فصائلهم وتوجهاتهم، على ذات نهجهم المُعتمد منذ سنتين، وهو المُتوقع منهم، فإن ذلك يعني أن المزيد من الانتكاس لهم على جبهتين، سيكون مُرتقباً، على جبهة الصراع مع نظام الأسد والمحور الإيراني الراعي له، وعلى جبهة “تطبيق الشريعة”.

وإن كان المشهد أعقد مما سبق بسوريا، بحيث يبدو أن الأشهر والسنوات القادمة ستشهد بزوغ وأفول قوى وتنظيمات عديدة، إلا أن القاعدة “القرآنية” واحدة وحاسمة، وتفيد بأن مشروع الجهاديين بسوريا المتمثل بفكرتين أساسيتين: تحكيم شرع الله، ومقاتلة المناوئين له من الداخل ومن الخارج، يبدو أنه في طريقه للأفول.

اليوم، تتحدث تقارير ميدانية عن تراجع درجة تشدد تنظيم “الدولة الإسلامية” في تطبيق “أحكام الشريعة الإسلامية” في بعض مناطق سيطرته في سوريا، وسط تعليمات للولاة ومسؤولي التنظيم بضرورة كسب ودّ الناس والجمهور في وقت يتلقى فيه التنظيم ضربات قاسية على جبهة شمال سوريا وشرق العراق، وتضيق مصادر موارده، ويخسر أعداداً كبيرة من مقاتليه.

المثال السابق يُثبت أن المشروع “الجهادي” للتنظيم يفقد بوصلته في سبيل الحفاظ على “دولته”، فهو اليوم، حسب شهود عيان، يتساهل في تطبيق “الشريعة”، وفي الوقت نفسه، يفشل في مواجهة أعدائه على جبهتين، ويعجز عن تحقيق أي اختراقات ميدانية لافتة منذ أشهر.

القصة لا تختلف كثيراً في حال تنظيمات أخرى، فـ “جيش الإسلام” في غوطة دمشق دفع ثمناً باهظاً لسعيه إلى بسط سيطرته المطلقة على مسقط رأس قادته، فكانت النتيجة خسارة جبهات عديدة في المنطقة لصالح نظام الأسد، وازدياد وطأة الحصار والقصف على دوما وريفها، مما يهشّم تدريجياً مكانة “جيش الإسلام” في نفوس الحاضنة الاجتماعية له، وسط عجزه عن حمايتها وتأمين احتياجات معيشتها الأساسية.

ينطبق المثالان السابقان، على معظم التنظيمات الجهادية الأخرى، بما فيها “النُصرة”، التي رغم أنها الأكثر كفاءة في مقارعة نظام الأسد بسوريا، إلا أنها سبق أن خسرت جبهات لصالحه، بغية تمتين سيطرتها المطلقة على مناطق بعينها.

الميل إلى التفرد والسيطرة لدى مختلف التنظيمات الجهادية بسوريا، يقتلها تدريجياً، ويحولها إلى كانتونات ميليشياوية أكثر منها تنظيمات جهادية ذات غايات “سامية” وفق ميزان الإسلاميين.

لا نعرف ما المدى الزمني المطلوب لأفول الجهاديين بسوريا. ولا نستطيع الجزم بأن الجهاديين سيسيرون على مساراتهم المُعتمدة خلال السنتين السابقتين، فالتضامن العملياتي بين “النُصرة” والتنظيمات الجهادية المنضوية في صفوف “الجبهة الإسلامية”، ربما يمثّل النقطة المضيئة الوحيدة في سيرة الجهاديين بسوريا. لكن ما نعرفه، أن الغايات الكبرى للجهاديين بسوريا على اختلاف مشاربهم (تحكيم الشريعة، ومقاتلة مناوئيها)، قد تكون مهددة بفقدان أولوية أهدافهم، في الأشهر والسنوات القليلة القادمة، وهو ما يعني، حسب النص القرآني، “ذهاب ريحهم” وفشلهم.

المدن

 

 

 

سورية على أبواب الصومال/ داود الشريان

أصدر «المركز السوري لبحوث السياسات» تقريراً مفزعاً عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني في سورية. التقرير خلص إلى أن سنوات الحرب التي دخلت عامها الخامس، أوصلت هذا البلد العربي الكبير الذي كان مصنع المنطقة وسوقها التجارية، إلى وضع يشبه حال الصومال خلال سنوات الاقتتال. التقرير استند إلى معلومات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ووكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، («أونروا»).

يقدر التقرير، المتشائم، الخسائر الاقتصادية لسورية منذ بداية الحرب حتى نهاية العام الماضي، بمبلغ يصل إلى 202.6 بليون دولار، وهو ما يعادل، تقريباً، أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لسورية عام 2010، فضلاً عن تدهور الصادرات السورية، وإن شئت توقفها. وبلغ العجز في الموازنة العامة للدولة أكثر من 40 في المئة العام الماضي. ووصلت البطالة إلى ما يقارب 60 في المئة بين المواطنين، وهذا أفضى إلى فقدان أكثر من 12 مليون سوري مصدر دخلهم، وأصبح حوالى أربعة من كل خمسة سوريين فقراء، وبات ثلثا السكّان في حال فقر شديد، عاجزين عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية، ومنهم 30 في المئة بات عاجزاً عن تأمين لقمة العيش، فضلاً عن أن نصف السوريين ترك سكنه بحثاً عن الأمن.

التعليم شبه معطّل، ونسبة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم العام من إجمالي عدد الأطفال السوريين يصل إلى 50 في المئة، والنصف الباقي خسر ثلاث سنوات من التحصيل الدراسي. وإذا استمرت حرب الاستنزاف في سورية، فإن الوضع في هذا البلد سيشكل سابقة في الكوارث الإنسانية.

هل تكفي هذه الحقائق لإقناع طلاّب الحرب، والمحرّضين على استمرارها، بفداحة نتائجها؟ الحرب في سورية اليوم لا تفرّق بين إسقاط النظام وهدم الدولة، والمؤسف أن بعض المعارضة السورية، يدفع باتجاه هذا الهدف، ويصر على الترويج لفكرة أن لا حل إلا بالحرب، ويؤيد عسكرة الأزمة، والمطالبة بزيادة تدفّق الأسلحة إلى سورية.

لا شك في أن المعارضة السورية تعاود تكرار أخطاء المعارضة العراقية، وربما في شكل أسوأ، والفارق بين المعارضتين هو أن الأخيرة سهّلت احتلال البلد، بوعود كاذبة. أما المعارضة السورية، فوعودها باتت وسيلة لقتل السوريين، وهدم الدولة.

الأكيد أن المعارضة السورية لا تجيد فن السياسة، وتعيش حالاً من الفرقة، فضلاً عن أنها تفتقد رؤية واضحة للحل، وتعيش أزمة أخلاقية، وبعضها يتمنى أن يجد مخرجاً من أزمة الضمير.

أوقفوا تدمير سورية بأي ثمن. أنقذوها من مصير العراق… لا بد من وقف الرهان على حل لا يرى سورية إلا من فوهات المدافع.

الحياة

 

 

 

دمّروها ولم يُسقطوها/ سميح صعب

غداً تدخل الحرب السورية سنتها الخامسة من غير ان تظهر في الافق بارقة أمل في امكان وقف نزف الدم والدمار في وقت قريب. وقبل أربع سنوات اعتقد من غذى عسكرة الاحداث في سوريا ان الازمة لن تطول وستنتهي سريعا بمجرد نقل سوريا من موقعها الحالي في الجغرافيا السياسية الى الموقع المعاكس. ولكن غاب عن بال هؤلاء ان الانتقال سيكون مكلفاً لسوريا والجوار والعالم.

وكيف لم يفكر من اراد احداث الانقلاب في الموقع السوري ، ان سر قوة النظام فيها تكمن في هذا الموقع بالذات اكثر من أي شيء آخر. أي ان قوة سوريا هي بتحالفها مع ايران و”حزب الله” وروسيا وان هذه القوى ما كانت لتسمح بقلب المعادلات في سوريا تحت اي مسمى، لانها هي بالذات من سيتضرر وينعكس عليه ذهاب دمشق في اتجاه آخر.

وفي الوقت عينه، كانت اميركا تحديداً تدعم اسقاط النظام في دمشق لاضعاف حلفاء سوريا اكثر منها للنيل من نظامها في ذاته. فسقوط النظام السوري كان سيعني ضربة استراتيجية لايران وروسيا تفوق في مضاعفاتها وارتداداتها أي تغيير حصل في المنطقة منذ 2011. أما دول الخليج العربية وتركيا فإن معركتها في سوريا لم تكن تتعدى معركة انفعالية وشخصية مع الرئيس السوري بشار الاسد نفسه، خصوصاً ان أياً من هذه القوى لا يمكن ان تعتد بتجربتها الديموقراطية او تداول السلطة. وهذا رجب طيب اردوغان يتوج نفسه سلطاناً غير معلن. ولم تمانع هذه القوى في دعم اكثر جماعات الجهاديين تطرفاً من “داعش” الى “جبهة النصرة” في سبيل تحقيق هدف واحد ألا وهو اسقاط النظام السوري. وتواضع بعد ذلك بعضهم بالقبول برحيل الاسد من دون النظام. واوروبا التي تخشى عودة جهادييها اليها اليوم، غضت الطرف عند سفرهم الى سوريا املاً في أن يساهم ذلك في اسقاط النظام. فكانت اوروبا بذلك تصنع مشكلتها بنفسها.

وبذلك تفرعت الحرب السورية الى حروب، حتى وقع الغرب في حيرة من أمره، أي طرف يجب ان يحارب في سوريا، الاسد ام الجهاديين. بينما لا وجود لهذا الاشكال لدى القوى الاقليمية التي لا تزال ترى ان الاولوية يجب ان تكون لمحاربة الاسد في تناقض مع بعض الواقعية التي تسود في بعض دول الغرب التي تعتبر ان الجهاديين يشكلون خطراً اكبر مما يشكله النظام السوري. ولذلك تعيد ترتيب الاولويات. وينسحب ذلك على مصر ما بعد “الاخوان المسلمين”.

أربع سنوات من الحرب تحت شعار اسقاط النظام في سوريا، لم ينتج منها سوى تدمير سوريا نفسها والبقية تتبع.

النهار

 

 

 

 

مشهد الرعب يطغى على سورية بعد سنوات الحرب الأربع

فرانس برس

مع دخول النزاع عامه الخامس، يطغى الرعب على المشهد في سورية، حيث تخطف ممارسات تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الوحشية، الأنظار، في وقت يتشبث نظام بشار الأسد بالسلطة، من دون أن يغيّر حرفاً من خطابه السياسي منذ بداية الأزمة.

وتكاد أخبار التنظيم المتطرف تختصر وحدها الحدث السوري في الإعلام، بينما يستمر النزف في البلاد المقسمة إلى مناطق نفوذ متعددة، وقد انهار اقتصادها ودمرت بناها التحتية، ويدق الجوع أبواب شريحة واسعة من سكانها.

ووصف مقال للباحثين من “مجموعة الأزمات الدولية”، بيتر هارلينغ، وسارة بيرك، التنظيم “بأنه ليس مجرد شر، إنه شيطاني، مثل إبليس المذكور في الكتاب” المقدس.

وأضاف المقال الصادر في مطلع الشهر: “لعل هذا يفسر لجوء التنظيم إلى جرائم ليست مرعبة فحسب، بل منفذة باخراج مذهل، من قطع الرؤوس إلى صلب الكفار والعملاء إلى إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة داخل قفص، والتجول بسجناء آخرين داخل أقفاص للتهديد بالمصير نفسه، وصولاً إلى الرجم والإلقاء بالناس من أعلى الأبنية، وسبي النساء والاعتداء على الأقليات…لا تنضب فنون تنظيم داعش في أساليب القتل والتنكيل التي تكاد تكون أقرب إلى الأفلام السينمائية الهوليوودية، منها الى الواقع”.

ويجمع المحللون على أن بروز الجهاديين، كان العامل الأبرز في تعويم نظام الأسد الذي كانت المطالبة بتنحيته، المطلب الأساسي للانتفاضة السلمية التي انطلقت ضده، في منتصف مارس/آذار 2011 قبل أن تتحول إلى نزاع مسلح دام.

وأوضح الباحث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، كريم بيطار، أن “التنظيم ذهب بعيداً في الترويع، إلى درجة بات الغرب اليوم مقتنعاً بان داعش يمثل العدو المطلق، وكل ما تبقى شر أدنى منه”.

وتابع: “عدنا إلى الذهنية التي ترى كل شيء من منظار الحرب على الإرهاب، وإلى الفكرة التي كانت سائدة قبل الثورات العربية، وهي أن الاستبداد أقل خطورة ولا بد من تقارب مع الأنظمة المستبدة”، وبينما يترنح حلم الديمقراطية و”ربيع سورية”، يثبت النظام على موقفه.

وراهن النظام السوري المدعوم من روسيا وايران، على عدم تدخل الغرب عسكرياً في سورية، وفاز بالرهان، ولعل المنعطف الحقيقي بالنسبة إليه، بدأ يوم نجح في تجنب ضربة عسكرية أميركية ضده بإعلان استعداده لتسليم أسلحته الكيميائية، بعد أن اتهمه الغرب بالوقوف وراء هجوم كيميائي على ريف دمشق في أغسطس/آب/ 2013 وحصد مئات القتلى.

الغرب: لم يعد رحيل الأسد أولوية

وبالنسبة إلى الغرب، لم يعد رحيل الأسد اليوم أولوية، وقد اعتبر الموفد الدولي إلى سورية ستيفان دي ميستورا أخيراً، أن الأسد “جزء من الحل”.

واستبعد الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، إميل حكيم، “حلاً سياسياً على المديين القريب والمتوسط”، مضيفاً “قد يتراجع مستوى العنف لأن العديد من الأشخاص قتلوا، وقد يحصل نوع من نقل للسكان… لكن من الصعب رؤية سورية تتعافى قريباً”.

من جهته، أشار بيطار إلى أنه “خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، كان هناك فريقان محددان، واليوم أصبحت حرب الجميع ضد الجميع”.

وكرس العام المنصرم، تراجع قوة وحجم ما عرف بـ”الجيش الحر” الذي لم يبق منه إلا مجموعات صغيرة محدودة التجهيز والفاعلية، في المقابل، برز الأكراد كقوة عسكرية وقفت في وجه “داعش”، في معركة عين العرب التي استنفرت لأشهر طويلة الإعلام العالمي.

وفي موازاة “الدولة” المعلنة من تنظيم “الدولة الإسلامية”، تسعى “جبهة النصرة”، ذراع تنظيم “القاعدة” في سورية، إلى التفرد بـ”إمارة” في شمال غرب البلاد (ريف إدلب)، بينما يعمل الأكراد على الحفاظ على “الإدارة الذاتية” لمناطقهم، في أجزاء من ريف حلب والرقة (شمال) والحسكة (شمال شرق).

أما الكتائب المتعددة الولاءات والقيادات وغالبيتها إسلامية، فهي لا تزال تقاتل في الجنوب (درعا والقنيطرة) وريف دمشق وحلب، حيث تسيطر على الأحياء الشرقية للمدينة وأجزاء من المحافظة، وريفي حماة (وسط) واللاذقية (غرب)، تارة ضد النظام وطوراً ضد الجهاديين.

وكلما ازداد النزاع الذي حصد حتى الآن أكثر من 210 آلاف قتيل تعقيداً، كلما ازداد الوضع الإنساني سوءاً، وقد تسببت الحرب السورية بـ”أسوأ موجة نزوح عرفها العالم في السنوات العشر الماضية”، (أكثر من 11 مليوناً داخل سورية وخارجها)، بحسب الأمم المتحدة، فيما أكثر من 12 مليوناً يحتاجون الى مساعدات ملحة.

وقال الناشط الإعلامي، يزن، الذي عاش على مدى سنتين، حصاراً فرضته قوات النظام على مدينة حمص “في بداية الثورة، ظننا أن الغرب سيهرع إلى نجدتنا…أين الثورة اليوم؟ أنا واثق بانعدام الضمير لدى المجتمع الدولي”.

 

 

 

 

 

 

 

سوريا.. الثورة اليتيمة

قبل أربعة أعوام خرج السوريون من الأرياف المهمشة والمدن الصغرى إلى الشوارع طلبا للحرية والكرامة. ووجهوا في البداية بآلة القمع المتمرسة التي رعاها النظام على مدى ما يقارب نصف قرن من حكم الحزب الواحد.

وبعد أقل من عام على انطلاقتها نجح نظام الرئيس بشار الأسد في حرف الثورة عن مسارها السلمي وعسكرتها. وتدحرجت المواجهة بين جنود انشقوا عن الجيش النظامي وآلة القمع الرسمية لتصل بعد أربعة أعوام إلى ما نراه من تنازع للسيطرة في كل الجغرافيا السورية بين جيش النظام وجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية والأكراد المدعومين عسكريا ولوجستيا من الغرب وما تبقى من الجيش السوري الحر.

الجزيرة تلقي الضوء على ثورة سوريا التي باتت ” يتيمة” بعد أن تركت وحدها لتواجه مصيرها، في ظل تشظي حلفائها القدامى والانقسام العربي والإقليمي والدولي بشأنها.

من الثورة إلى الحرب

تغيرت طبيعة الصراع في سوريا والمجموعات المنخرطة فيه منذ العام الأول للثورة، فالاحتجاج العفوي الذي بدأه في مارس/آذار 2011 تلامذة درعا عند كتابتهم شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” على جدران مدينتهم، تطوّر إلى دوامة عنف أطلقتها اليد الطولى لأجهزة النظام. ولم ينقض العام 2011, حتى تحولت ثورة مارس/آذار السلمية إلى حرب داخلية وصراع إقليمي، فضلا عن تحولها إلى أزمة دولية.

وسرعان ما أدى تداخل هذه العوامل إلى اجتذاب جهاديين من لبنان والعراق، بالتزامن مع تدخل إيران وحزب الله بالمال والخبرات والمتطوعين لصالح نظام الرئيس بشار الأسد. وتطورت الأحداث في الجبهة المقابلة، دافعة الثوار إلى التحالف في مواجهة النظام حينا، والاقتتال فيما بينهم أحيانا. وأدى ذلك إلى اختفاء تنظيمات ونشوء أخرى، لتستقر صورة القوى المتحاربة في العام الرابع للثورة على أربع.

تضم أولى هذه القوى القوات النظامية وغير النظامية الموالية للرئيس الأسد، وتتمتع بمساندة حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني. ويشرف هذا الأخير على إدارة وتمويل وتوجيه مجموعات من المتطوعين الأفغان والباكستانيين، إلى جانب المليشيات العراقية مثل: عصائب أهل الحق، ولواء أبو الفضل العباس، وجميعها أتت إلى سوريا بدعوى الدفاع عن المراقد الدينية.

في المقابل تتصدر جبهة النصرة المجموعات التي تقاتل النظام بعد تنحي الجيش السوري الحر وتشرذم تشكيلاته، وهي تسيطر عمليا بعد تصفيتها حركة حزم -المدعومة من الغرب- على مناطق واسعة في 11 محافظة. وتقف إلى جانب النصرة مجموعات جهادية أخرى فاعلة في محافظات بعينها، كجيش الإسلام الناشط في غوطة دمشق، وحركة أحرار الشام التي تتركز قوتها في محافظات إدلب وحلب، وجيش المجاهدين الذي ينشط في ريف حلب.

وينفرد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق بمكانة مستقلة بين المتحاربين، نظرا للتغيير الذي أحدثه على مسار الحرب السورية، ولعقيدته الرافضة لمفهوم الوطنية السورية, وتطبيقه لمفهومه الخاص للدولة الإسلامية، وهدمه الحدود بين سوريا والعراق.

أما القوة الرابعة فتشمل المقاتلين الأكراد، سواء السوريين منهم والوافدين من الخارج للقتال إلى جانبهم.

وفي ما يلي تعريف موجز بأبرز المجموعات المتحاربة في سوريا.

الجيش النظامي

رغم تأثره بانشقاقات الجنود والضباط واضطراره للقتال على كامل الجغرافيا السورية, يحاول الجيش النظامي استخدام تكتيك القصف بالبراميل المتفجرة وحصار المدن والقرى المناهضة له لتعويض النقص في التسلح والجنود.

ويقول خبير الشؤون العسكرية بمعهد واشنطن للدراسات جيفري وايت إن وحدات من جيش النظام السوري “تشن انطلاقا من دمشق وحولها، هجمات لاستعادة بعض الضواحي”.

ويسيطر الجيش على “طرطوس والسويداء واللاذقية”، ووفق وايت “يتعثر الجيش في قتاله الثوار في محور القلمون-يبرود، وأيضا في حلب بعدما نجح في فتح الطرق المؤدية إليها”.

ويضيف وايت أن وحدات الجيش “تخوض الآن أيضاً عمليات استنزاف في دير الزور والرقة وإدلب والقنيطرة ودرعا وحماة، بينما تزداد صعوبة تصنيف الوضع في بعض المحافظات مثل حمص والحسكة”.

وقالت وكالة “أكي” الإيطالية للأنباء يوم 18 فبراير/شباط الماضي إن “قادة في الحرس الثوري الإيراني استدعوا نحو 300 راجمة صواريخ إلى درعا والقنيطرة تحت غطاء نيراني من 40 دبابة تي72”.

القوى الحليفة للنظام

أقر حزب الله اللبناني بتدخله في الأزمة السورية في نوفمبر/ تشرين الأول 2012 عندما اعترف أمينه العام حسن نصر الله بوجود مقاتلين له بالمنطقة الحدودية المتداخلة بين البلدين، زاعما أنه يقومون بحماية أسر لبنانية تقيم في سوريا. لكن معركة القصير في مايو/أيار 2013 أثبتت تورطه في القتال لمنع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.

تشير مصادر مختلفة إلى وجود عشرة آلاف مقاتل لحزب الله في سوريا , لكن جيفري وايت -هو زميل للشؤون الدفاعية بمعهد واشنطن ومتخصص بالشؤون العسكرية والأمنية لدول المشرق العربي وإيران- يفيد بأن ذلك يمثل عدد الذين تناوبوا على القتال هناك. ويؤكد أن العدد التقريبي هو أربعة آلاف ينتمون إلى “قوات النخبة” و”القوات الخاصة” و”القوات الاحتياطية”.

وتتوزع مهام هذه القوة بين القتال المباشر -كما حصل في القصير- وتدريب القوات النظامية وغير النظامية، والدور الاستشاري، إلى جانب تأمين التعزيزات للمليشيات العراقية التي تعمل في ضواحي دمشق. ولا يعرف عدد قتلى الحزب بسوريا بدقة، لكن العدد التقريبي -وفق وايت- لا يقل عن ألف بين قتيل وجريح.

الحرس الثوري الإيراني

نقلت وكالة رويترز عن قائد في الحرس الثوري الإيراني يوم 21 فبراير/شباط 2014 قوله إن عدد القادة الكبار من فيلق القدس الإيراني بسوريا بين ستين وسبعين، وإن مهمتهم تتلخص في تقديم المشورة والتدريب، وإن الحرس الثوري يتولى توجيه القتال بناء على تعليمات من قادة فيلق القدس. وأقر المصدر كذلك بوجود “آلاف من المتطوعين” المنتمين إلى الحرس الثوري ذاته واعترف الإعلام الإيراني بمقتل قادة بالحرس، أبرزهم العميد محمد جمالي وحسن شاطري وعبد الله إسكندري والجنرال إسماعيل حيدري والعقيد محمد صاحب كرم أردكاني .

ويتوزع مقاتلو الحرس الثوري ومتطوعوهم بريف دمشق في مناطق متباعدة ضمن الجغرافيا السورية، تمتد من مقام السيدة زينب بريف دمشق، وصولا إلى قريتي نبل والزهراء بريف حلب.

غير أن نطاق الوجود اتسع ليشمل محافظة درعا، حيث أعلنت وكالات إيرانية يوم 6 مارس/آذار عن تشييع 16 شخصاً قتلوا هناك خلال مواجهات مع جبهة النصرة . وقبلها بأيام، شيع في مدينة مشهد الإيرانية سبعة متطوعين أفغان من المقيمين أصلا لاجئين في إيران بعد مقتلهم بدورهم في درعا. وعلى رأس هؤلاء قائد لواء فاطميون الأفغاني علي رضا توسلي الذي سقط في معركة مع جبهة النصرة يوم 28 فبراير/شباط 2015.

“عصائب أهل الحق”

تنتشر شبكة مقاتلي “عصائب أهل الحق” في ريف دمشق بسوريا، وخصوصاً بالمناطق المحيطة بمقام السيدة زينب، حيث يبررون وجودهم في سوريا لحماية المقام. وقال المتحدث باسمهم أحمد الكناني إن جماعته تستند في وجودها بسوريا إلى فتاوى صدرت عن كل من المرجع أحمد الحائري والمرجع محمود الهاشمي والمرشد علي خامنئي، وتدعو العراقيين للقتال في سوريا دفاعا عن المقدسات، وفق تصريح أدلى به لصحيفة الزمان يوم 14 أبريل/نيسان 2014.

ويقول مهدي الأسدي، وهو صاحب مكتب للدفن بالنجف “من يقتلون بسوريا على الرغم من أن عائلاتهم تفضل دفنهم في مقابرها وفق التقاليد العراقية، فإن 15 شهيدا أسبوعيا ترد جثامينهم إلى مقبرة السلام سقطوا في سوريا”.

لواء أبو الفضل العباس

تم تأسيس لواء أبو الفضل العباس من شيعة عراقيين يقيمون بسوريا “دفاعاً عن النفس وحماية لمرقد السيدة زينب، وليس لمقاتلة الثورة” وفق أمينه العام الشيخ أوس الخفاجي. إلا أنه في أعقاب فتاوى لمراجع الشيعة، انضم لواء أبو الفضل لصفوف قوات النظام السوري في القتال ضد الثوار، في الغوطة الشرقية وفي حران العواميد والعتيبة وغيرها من القرى.

ويقول المحلل العسكري هشام خريسات إن لواء أبو الفضل العباس “أعلن أنه يخوض حرباً طائفية ضد السنة”. وفي هذا السياق، يقول أبو عمر -الناشط من ريف الشام الجنوبي- إن لواء أبو الفضل العباس “يرتكب الفظائع بالمناطق التي يدخلها حيث يقوم بذبح الأطفال والنساء وحرق الجثث، أو ودفنها في مقابر جماعية، وهو داعش الشيعة”.

حزب الله العراقي

يقول ما يكل نيست، بمركز دراسات واشنطن “حزب الله العراقي نخبة قوامها أربعمائة رجل من المقاتلين الشيعة العراقيين المتمرسين، يقدمون تقاريرهم مباشرة إلى قيادة (قوة القدس) التابعة لـ (الحرس الثوري الإيراني”(.

وأعلن الحزب عام 2013 أنه سيتصدى لمن يحاول إضعاف نظام بشار الأسد، ثم أرسل مقاتلين له إلى سوريا للدفاع عن المقدسات والتصدي لما أسماه المشروع السعودي الأميركي.

القوى المناهضة للنظام

بعد ثلاث سنوات من صدور بيانها الأول الذي يدعو “السوريين للجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري” في يناير/كانون الثاني 2012، باتت جبهة النصرة لأهل الشام المنتمية إلى التيار السلفي الجهادي، أبرز قوة عسكرية بين فصائل المعارضة الساعية لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.

نشط مقاتلو جبهة النصرة -التي بايع زعيمها أبو محمد الجولاني زعيم القاعدة أيمن الظواهري- في 11 من أصل 14 محافظة سورية، خاصة في إدلب، وحلب، ودير الزور. كما يحتفظون بحضور قوي في جنوب دمشق وريف القلمون غربا، وجزء من مدينة درعا وريفها جنوبا، بالإضافة إلى مدينة القنيطرة وريفها في هضبة الجولان.

حُملت الجبهة مسؤولية العشرات من التفجيرات التي تسببت في قتل كثير من المدنيين. ويتميز مقاتلوها بأنهم على درجة عالية من التدريب والتسليح، ويقومون بعمليات هجومية عادية وهجمات كبرى. ويقدر خبراء غربيون عدد أفراد الجبهة بستة آلاف، إلا أن صحيفة “فايننشال تايمز” ترى أنهم أكبر من ذلك بكثير.

حركة أحرار الشام

هي إحدى الفصائل العسكرية الإسلامية التي نشأت مع دخول الثورة السورية مرحلة القتال المسلح، وتم إعلان ظهورها في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، ويقدر عدد مقاتليها بنحو 25 ألف مقاتل.

ينشط مقاتلو أحرار الشام في مختلف المحافظات السورية، إلا أن قوتهم تتركز في محافظتي إدلب وحلب شمالي البلاد، حيث برزت قوتهم في مواجهة جيش النظام في مواقع عدة، مثل: طعوم وتفتناز وجبل الزاوية وسراقب وأريحا وبنش وغيرها من قرى إدلب.

قتل مؤسس الحركة حسان عبود -ولقبه أبو عبد الله الحموي- وشقيقاه مع أكثر من 45 قياديا آخرين في سبتمبر/أيلول 2014، إثر انفجار استهدف اجتماعا لمجلس شورى الحركة في بلدة رام حمدان بريف إدلب. وعّين هاشم الشيخ (أبو جابر) أميرا وقائدا عاما للحركة خلفا لعبود.

جيش المجاهدين

ظهر جيش المجاهدين في حلب وريفها مطلع العام 2014 في إطار ردود بعض كتائب المعارضة في ريف حلب الغربي على توسع تنظيم الدولة الإسلامية، وسخطهم من ممارساته، خصوصا قتاله المعارضين السوريين بدلا من النظام، حسبما قال أحد مؤسسيه.

وقال قائد الجيش المقدم محمد جمعة بكور للجزيرة إن الهدف الأول لجيش المجاهدين هو إسقاط نظام الأسد، وإقامة دولة العدل والمؤسسات التي قام من أجلها الشعب السوري منذ اللحظة الأولى للثورة مطالبا بالحرية.

وأضاف بكور أن الجيش يضم قرابة خمسة آلاف مقاتل، وينشط بشكل أساسي في ريف حلب الغربي وقسم من الريف الشمالي وريف حلب الجنوبي ومدينة حلب بشكل رئيسي.

الجيش السوري الحر

لم يعد اسم الجيش السوري الحر بعد أربع سنوات من انشقاق ضباطه وجنوده تباعا عن النظام اعتبارا من يوليو/ تموز 2011، يشير إلى مجموعة عسكرية مؤثرة في سير القتال ضد قوات النظام.

وتجمع التقارير الصحفية على أن قوة الجيش الحر ضعفت جراء الخلافات بين كبار ضباطه وضعف تسليحه، ودخول وحداته في صراعات مع الجماعات الجهادية التي انتشرت في المحافظات السورية مع اتساع رقعة الصراع المسلح.

تواصل وحدات من هذا الجيش العمل بتعليماتها من هيئة الأركان المشتركة- المتمركزة بتركيا- في مناطق انتشارها في أرياف حلب وإدلب شمالا وريف اللاذقية في الشمال الغربي، وفي درعا وريف القنيطرة في الجنوب والجنوب الغربي.

ويقول المحلل العسكري اللواء فايز الدويري لدوتشه فيله إن ” الجيش السوري الحر دمر فعليا، ولم يعد له وجود فعلي باستثناء الجنوب وبعض الجيوب في محافظة حلب”.

جيش الإسلام

مثل لواء الإسلام النواة الرئيسية لجيش الإسلام الذي تشكل في سبتمبر/أيلول 2013 من نحو خمسين فصيلا عسكريا تعمل في دمشق وضواحيها.

يشار إلى أن أهمية لواء الإسلام تصاعدت بعد تبنيه تفجير مقر مكتب الأمن القومي بدمشق في يوليو/تموز 2012، حيث قُتل العديد من كبار مسؤولي الأمن بمن فيهم وزير الدفاع صهر الرئيس الأسد، في حين يزعم البعض أن عناصر داخلية هي من نفذت الهجوم.

ويعتبر لواء الإسلام الذي أسسه زهران علوش الجماعة الأكبر والأفضل تسليحاً في الحزام الزراعي المحيط بدمشق في الغوطة الشرقية.

وخطف علوش الأضواء مطلع العام الجاري بعد إعلانه دمشق منطقة عسكرية، وقصفه أحياء سكنية تضم مواقع أمنية، في رد على الغارات الجوية للنظام على مدن الغوطة المحاصرة.

المقاتلون الأكراد

تتشكل النواة الأساسية للقوات التي تقاتل في المناطق الكردية في شمال وشمال شرق سوريا من “وحدات حماية الشعب الكردي”. والأخيرة مليشيا كردية سورية منتشرة في مناطق الأكراد بسوريا، ينظر إليها على أنها الفرع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وموالية لحزب العمال الكردستاني، وقد قاتلت في عين العرب (كوباني) ضد قوات تنظيم الدولة الإسلامية.

تلقت وحدات حماية الشعب دعما تسليحيا وبشريا في أكتوبر/تشرين الأول 2014 عندما أتاحت الحكومة التركية لوحدات من قوات البشمركة الانتقال من كردستان العراق لقتال تنظيم الدولة في مدينة عين العرب.

يقول عناصر وحدات حماية الشعب في عين العرب إنهم يملكون أسلحة خفيفة فقط، ويقاتلون بشراسة في مواجهة الأسلحة الثقيلة التي يستخدمها تنظيم الدولة بعدما غنمها من القواعد العسكرية التي اقتحمها في العراق وسوريا. ويعتقد أن هذه الوحدات تمتلك بعض الأسلحة الثقيلة والدبابات التي غنمتها من مجموعات مسلحة أخرى أو من قوات النظام في سوريا.

تنظيم الدولة الإسلامية

منذ انخراط التيارات الجهادية في القتال بسوريا مطلع عام 2013 انغمس تنظيم الدولة الإسلامية في جولات اقتتال مع الفصائل الأخرى في محافظات شمال وشمال شرق سوريا.

واتهمت الجماعات المعارضة بما فيها جبهة النصرة تنظيم الدولة بمحاولة الانفراد بالسيطرة والنفوذ والتشدد في تطبيق الشريعة وتنفيذ إعدامات عشوائية فضلا عن قتل المخالفين في الانتماء الديني حسب الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية عبد الرحمن الحاج.

وأدى الاقتتال إلى انكفاء تنظيم الدولة إلى معقله في الرقة الذي سيطر عليه بالكامل مطلع عام 2014 إلى جانب أجزاء من ريفي حلب ودير الزور، وهو ما يمثل حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان 35% من مساحة سوريا.

وتتميز هذه المساحة بأنها متصلة جغرافياً، وممتدة من بادية حمص للرقة و الهول إضافة لمحافظة دير الزور وهي تضم مناطق الشمال الشرقي الغنية بالنفط .

ويضاف إلى تلك المساحة من الأرض السورية سيطرة تنظيم الدولة اعتبارا من يونيو / حزيران عام 2014 على نحو ثلث مساحة العراق في الجزء المحاذي لسوريا وإزالته الحدود بين البلدين.

وقدر خبراء غربيون عدد مقاتلي تنظيم الدولة عند تمدده داخل العراق ب13 ألف(7آلاف في العراق و6 في سوريا) لكن التقديرات الحالية تشير إلى عدد أكبر بكثير.وقال رامي عبد الرحمن- مؤسس المرصد السوري في هذا الصدد إن “الدولة جندت ما لا يقل عن 6300 رجل في يوليو /تموز الماضي فقط”.

ويشكل تنظيم الدولة الإسلامية مصدر قلق للغرب نظرا للثروة التي يمتلكها والتي قدَّرتها ديلي تلغراف بنحو 800 مليون جنيه إسترليني. إلى جانب تمدده تجاه عين العرب -كوبا ني المدينة ذات الغالبية الكردية على حدود سوريا مع تركيا

حصار الغوطتين

من غوطة دمشق الشرقية إلى غوطتها الغربية مروراً بجنوب العاصمة، يعيش مئات آلاف المحاصرين الذين فرض عليهم النظام السوري حياة تخلو من أدنى المقومات، انتقاماً لثورتهم ضده وخروجهم عن طاعته.

ففي شرق دمشق، تحاصر قوات النظام حوالي ستمائة ألف مدني في عشرات القرى والبلدات، أكبرها دوما عاصمة الغوطة الشرقية، كما يعيش الآلاف في أحياء جوبر والقابون وتشرين ضمن حصار لم يشفع له وجود طرق زراعية تربط تلك الأحياء بحي برزة الذي وقع هدنة مع النظام مطلع العام الفائت.

وفي الجنوب الدمشقي، يعيش حوالي 150 ألف مدني في مخيم اليرموك والتضامن المحاصرَين بشكل تام، إلى جانب بلدات ببيلا ويلدا وبيت سحم المحاصرة جزئياً، كما ترزح داريا ومعضمية الشام وكناكر وخان الشيح والمقيلبية والطيبة غرب العاصمة تحت وطأة حصار خانق، ويعيش فيها أكثر من مائتي ألف مدني.

ووسط تلك الصعوبات، يجمع ناشطون ومدنيون على أن الحل الوحيد لإنقاذ مئات آلاف الأرواح هو فتح ممرات إنسانية وإدخال المواد الغذائية والطبية الضرورية للمناطق المحاصرة.

حساء البهارات

وفي حديث للجزيرة نت، يقول الناشط الإعلامي والإغاثي من مخيم اليرموك عمار القدسي إن عدد شهداء الجوع في المخيم وحده تجاوز 160 شهيدا، وهو عدد مرشح للزيادة بسبب الأوضاع المأساوية للمخيم بشكل خاص وجنوب العاصمة بشكل عام.

ويضيف القدسي: “يعتمد الأهالي على حشائش الأرض أو ما تقدمه المؤسسات الإغاثية التي يقتصر دورها على توزيع الحشائش المطبوخة وحساء البهارات، وهي أطعمة لا تسمن ولا تغني من جوع. أما المنظمات والهيئات الدولية فتدخل كميات قليلة وغير كافية من المساعدات بين الحين والآخر عن طريق حواجز النظام”.

وبحسب القدسي، لا توجد وسيلة لإدخال الطعام والأدوية إلى الجنوب المحاصر سوى عقد اتفاقيات بين تجار الأزمات وعناصر الحواجز التابعة للنظام، لتهريب البضائع وبيعها للمحاصرين بأسعار خيالية، وهو ما لعب دورا كبيرا في اشتداد الحصار واستغلاله لرفع الأسعار وتحقيق أكبر قدر من المكاسب المادية.

بدوره يقول فاروق الصالح وهو ناشط إغاثي وإعلامي في جنوب دمشق، إن إغلاق المعابر المؤدية للجنوب -وأهمها معبر ببيلا- أدى لتفاقم أزمة المدنيين والذين تبلغ نسبة البطالة بينهم حوالي 80%، بينما يعمل بعضهم في مجالات لا تسد رمق عائلاتهم وسط غلاء الأسعار الفاحش، حيث يبلغ سعر كيلوغرام واحد من الأرز ثلاثة آلاف ليرة سورية (12 دولارا) والبرغل 2500 ليرة (عشرة دولارات).

ويضيف الصالح للجزيرة نت: “مع منع إدخال أي مواد غذائية للجنوب، تندفع مئات النساء والأطفال يومياً للخروج سيراً على الأقدام من معبر ببيلا بعد انتظار قد يطول عدة ساعات بهدف شراء بعض الأطعمة وتناولها خارج المنطقة، ومع غروب الشمس تبدأ رحلة العودة والانتظار مرة أخرى، وهو أمر لا يسمح به الحاجز سوى لنساء بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم المهادنة”.

وينبه الصالح إلى صعوبات أخرى يعاني منها السكان، كالحصول على مياه نظيفة للشرب لتفادي انتشار الأمراض وأهمها مرض التهاب الكبد الوبائي، وتأمين مواد للتدفئة كالحطب والوقود، والتي يستعاض عنها بمواد بلاستيكية ونفايات وملابس قديمة.

مقايضة

ولا يبدو الوضع أفضل بكثير في غوطة دمشق الشرقية، حيث يبيع السكان موجودات منازلهم من أثاث وأدوات وملابس مقابل الحصول على كميات قليلة من الطعام، وذلك بحسب أحد الناشطين الإغاثيين هناك.

ويقول أبو حاتم للجزيرة نت: “تتوفر المواد الغذائية بشكل مقبول ضمن أسواق الغوطة لكن بأسعار تفوق نظيرتها في العاصمة دمشق بأكثر من عشرة أضعاف. ويعتمد السكان على زراعة بعض المحاصيل كالملفوف والفجل واللفت، ودعم بعض الجمعيات الإغاثية التي بالكاد تسد جزءا صغيرا من حاجاتهم”.

ويؤكد أبو حاتم أن السبيل الوحيد لإدخال البضائع إلى الغوطة هو عن طريق حاجز مخيم الوافدين، وذلك بالتنسيق بين عدد من التجار وضباطٍ تابعين للنظام. ويرى أن لهؤلاء التجار الدور الأكبر في رفع الأسعار، والاستفادة من الحرب التي باتت مصدر رزق لهم، على حد تعبيره.

يذكر أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون دعا لرفع الحصار عن مئات آلاف المدنيين السوريين، وندد بعدم اكتراث الأسرة الدولية لحل الأزمة السورية، وذلك في تقرير قدمه لمجلس الأمن الشهر الفائت.

تدريب الثوار وجدواه

من المفترض أن يكون برنامج تدريب وتجهيز أفراد من المعارضة السورية على أراضي تركيا قد بدأ مطلع مارس/آذار الجاري، حسبما نقل عن المتحدث باسم الخارجية التركية تانجو بيلغيتش يوم 27 فبراير/شباط الماضي.

جاء هذا التطور بعد توقيع مساعد وزير الخارجية التركي فريدون سينيرلي أوغلو والسفير الأميركي في أنقرة جون باس في 19 فبراير/شباط الماضي، اتفاقا “لتدريب مجموعات معارضة سورية معتدلة في قاعدة تركية وتزويدها بمعدات عسكرية”.

وسينتشر نحو ألف خبير أميركي في تركيا بالتزامن مع برامج مماثلة في السعودية والأردن وقطر، بهدف تدريب 15 ألف معارض سوري تصفهم المصادر الأميركية بـ”المعتدلين”، على مدى ثلاث سنوات.

وحول ما إذا كان التدريب يؤثر على الواقع الميداني، يقول الأستاذ الدكتور عصام عبد الشافي الخبير في الدراسات الدولية والإستراتيجية: “نعتقد أن التدريب لو تم فعلياً فسيكون له تأثيراته على مسارات الأحداث، لأنه سيتم استخدامه كآلية للتفاعل وخلق نوع من التوافق بين هذه الفصائل، وبناء آلية للتنسيق بينها”.

إدامة الصراع

ويضيف عبد الشافي: “لكن وجهة نظري أن الأمر يرتبط بالإرادة السياسية لواشنطن ومدى رغبتها في حسم الملف السوري، ومدى جديتها في تنفيذ هذه الفكرة، لأن كل المؤشرات تؤكد أنها تريد إطالة أمد الصراع، في إطار تبنيها لإستراتيجية التدمير الذاتي”.

ومن وجهة نظر الخبير الإستراتيجي بلال المصري -السفير المصري السابق في أنغولا والنيجر- فإن “الأمر برمته مرتبط بأحداث أكثر خطورة تهتم بها الولايات المتحدة في العالم، ولذلك هناك تطوير للموقف الأميركي خاصة”. ويعتقد الخير الإستراتيجي أن “القيادة السعودية الجديدة تلح في إنهاء الملف السوري، مع انطلاق خطر الملف اليمني من نقطة خطره في نجران، واتصالها بالمنطقة الشرقية حيث الهفوف والإحساء والظهران التي يقطنها شيعة ثائرون باستمرار، وبها منابع النفط”.

ويختتم بلال بالقول: “تقديري أن هناك حسما قادم للأزمة السورية، لو لاحظنا التدريب في تركيا، وقيام الأتراك بنقل رفات مؤسس الدولة العثمانية”، وهو ما “أذل النظام السوري” بحسب رأيه.

عين العرب بعد استعادتها

بعد أربعة أشهر من المعارك بين القوات الكردية وتنظيم الدولة الإسلامية، تمكنت وحدات حماية الشعب الكردية، بالتحالف مع تشكيلات من الجيش الحر ومساندة قوات البشمركة العراقية، وبتغطية جوية من طيران التحالف الدولي؛ من استعادة السيطرة على مدينة عين العرب (كوباني) وغالبية الريف المحيط بها.

وتحرز القوات المتحالفة مزيدا من التقدم، وباتت على مشارف مدينة جرابلس (نحو 125 كلم) شمال شرق مدينة حلب المطلة على نهر الفرات، إضافة إلى بلدة منبج (جنوبا) المجاورة لها، وهما تعدان أكبر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في ريف حلب الشمالي.

مسارات المعركة

مدينة عين العرب لفتت الأنظار لصمود المقاتلين الأكراد في المعركة، رغم تفوق تنظيم الدولة بعدد مقاتليه وسلاحه الثقيل، فالأخير حاصر المدينة من جهاتها الثلاث -شرقا وجنوبا وغربا- لمدة عام ونيِّف، بينما بقيت الجهة الشمالية تحت رحمة الدولة التركية التي طالبت المجتمع الدولي بفرض منطقة عازلة ضمن الأراضي السورية لوقف تدفق المزيد من النازحين الوافدين إليها.

واستبعد محي الدين شيخ آلي رئيس حزب الوحدة الكردي (يكيتي) قدرة الجيش التركي منفرداً على التدخل براً في الأراضي السورية وإقامة مناطق عازلة، وقال للجزيرة نت إن “تركيا لا تستطيع التدخل وحدها بمعزل عن حلف الناتو ومجلس الأمن الدولي، وبخلاف السياسة الأميركية الخاصة بالنسبة لسوريا”، ويشير الشيخ آلي العضو في الائتلاف الوطني السوري إلى “وجود معارضة متنامية وقوية داخل تركيا الرافضة لسياسة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان تجاه الأزمة السورية”.

إلا أن الكاتب الكردي فاروق حجي مصطفى يربط مصير كوباني وتحريرها بتحرير سوريا من الفوضى الأمنية والسياسية، ولفت في حديثه للجزيرة نت إلى أن بقاء أوضاع البلاد على ما هي عليه، يعني أن كوباني ستبقى مهددة، وأعرب عن قلقه حيال “الأهالي الذين لا يزالون خارج مدينتهم، يعيشون حالة من القلق والحيرة وينتظرون العودة”، في وقت لا تزال فيه المدن والمناطق المجاورة لمدينة كوباني تخضع لسيطرة التنظيم، مضيفاً “من يدري ربما نتعرض لهجمة عسكرية في المستقبل! من يعلم”.

إعادة الإعمار

وقد بدأت أعمال إعادة إعمار المدينة بالفعل، لكن عين العرب (كوباني) التي كان يسكنها قرابة مائة ألف نسمة قبل اندلاع المعارك فيها، قد لا تعود إلى حالتها السابقة إلا بعد مرور عدة شهور أو ربما عدة سنوات.

وخلص الكاتب الكردي فاروق حجي مصطفى إلى وجود إرادتين للحفاظ على الوضع القائم بعد تحرير المدينة، الأولى وجود اتفاق داخلي وإن “كان هناك اتفاق مبدئي ولكن الحلول الداخلية مسلوبة لصالح تفوق المصلحة الحزبية”، بينما الإرادة الثانية “مرهونة بالتوافقات السورية وهي أيضاً مسلوبة من قبل أجندات غير وطنية وسط تجاذبات إقليمية ودولية بعيدة كل البعد عن مصلحة الشعب السوري”، ولعل هاتين الإرادتين تشكلان تحدياً حقيقياً أمام تقدم المشهد السياسي والاجتماعي، بحسب حجي مصطفى.

فالمدينة المحررة تعاني من دمار شامل لكل مرافقها. ولم يتبقَ في الجزء الشرقي منها -والذي بات تحت السيطرة التامة للمقاتلين الأكراد- سوى الركام والمباني المتداعية بسبب عنف المعارك والمواجهات العسكرية والضربات الجوية التي شنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

عودة النازحين

وأشار برنامج الأمم المتحدة لتطبيقات الأقمار الصناعية (أونوسات) إلى أن 1206 مبان طالها الدمار، بينما أُصيب 1169 مبنى آخر بأضرار جسيمة في البلدة من خلال تحليل أولي لصور الأقمار. كما تم التعرف من خلال الصور على حوالي ألف حفرة كبيرة سببها سقوط القذائف والصواريخ في وسط البلدة ومحيطها المباشر.

من جهتها، ذكرت فايزة عبدي رئيسة مجلس الشعب -بمثابة برلمان محلي- في مقاطعة كوباني أنّ “التحدي الأكبر بعد طرد داعش هو إعادة النازحين إلى منازلهم”، وأضافت أن “المدينة شبه مدمرة بما في ذلك البنى التحتية. أكوام الأنقاض منتشرة في كل مكان، فالحرب خلفت خراباً هائلاً”.

وطالبت فايزة عبدي المجتمع الدولي بفتح ممر إنساني عاجل والضغط على الحكومة التركية لفتح المعبر الوحيد (مرشد بينار) بين كوباني والجانب التركي، ونبهت إلى أنه “بدون بوابة حدودية ستبقى المدينة تعيش تحت وطأة الحصار”، وشددت على ضرورة ضمان سلامة الراغبين في العودة وأن تشرف الأمم المتحدة على عملية إعادة النازحين.

شخصيات …

ارتبط تاريخ الثورة السورية بأشخاص تركوا بصماتهم على مسار أحداثها مثل مسؤول فرع الأمن السياسي في محافظة درعا العميد عاطف نجيب. فقد قام المذكور باعتقال مجموعة من الفتية في 9 مارس/ آذار 2012 بجرم كتابة شعارات تمجد الربيع العربي على الجدران وعذبهم. كما قام بعد ذلك بإهانة ذوي الأطفال في ممارسة أعطت ذات المفعول الذي فعلته صفعة الشرطية التونسية لمحمد البوعزيزي.

وفي وقت لاحق تحول الطفل حمزة الخطيب (13 عاما) المنتمي إلى ذات المحافظة إلى دليل حي على وحشية النظام وآلته القمعية. حصل ذلك بعد أن اعتقل في 29 أبريل/نيسان على حاجز للأمن قرب بلدته ثم سلمت جثته لذويه، لكن العالم صدم بعد أن شاهد آثار التعذيب والرصاص على جسم حمزة إضافة إلى التمثيل بجثته وقطع عضوه التناسلي.

في العام الرابع للثورة طغت على المشهد السوري شخصيات أخرى. حضر بعضها من خلال دوره السياسي كالمبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، والوسيط الروسي فيتالي نعوميكن، وآخرون عبر دورهم الميداني كقائد جيش الإسلام زهران علوش. في حين سجل ضابط إيراني -بعد مقتله في غارة إسرائيلية على مرتفعات الجولان- الدليل المادي على حضور طهران على الجغرافيا السورية، وسعيها عبر الحرس الثوري للعب دور مباشر في الصراع مع إسرائيل انطلاقا من سوريا.

انتشار اللاجئين بدول الجوار

تزداد أزمة اللاجئين السوريين تعقدا مع التزايد المطرد في أعدادهم وسوء الأحوال الجوية، فمع دخول الثورة السورية عامها الخامس تقترب أعداد اللاجئين السوريين بالخارج من ستة ملايين.

وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن دول الجوار تؤوي مع بدء عام 2015 ما لا يقل عن 5.835 ملايين لاجئ، وتضيف أن نصفهم من الأطفال، بينما تبلغ نسبة النساء 35 %، والرجال 15%.

وتؤكد الشبكة أن نسبة واسعة جدا من اللاجئين غير مسجلين ضمن المفوضية العليا للاجئين لأنهم ينتقلون إلى الدول المجاورة عبر طرق وممرات غير شرعية خشية تعرضهم للمنع، كما أن نسبة كبيرة منهم يتم استقبالهم من قبل الأقارب والأصدقاء دون تسجيل بياناتهم لدى المنظمات الدولية.

“يفتقر كثير من اللاجئين للرعاية الطبية المجانية، وتزداد معاناتهم إذا لم يكونوا مسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أما المسجلون لدى المفوضية فتواجههم صعوبات في حال انتهاء صلاحية الأوراق الخاصة بهم ”

وبحسب إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، يتوزع اللاجئون السوريون على البلدان المجاورة كما يأتي:

تركيا: ما لا يقل عن 1.9 مليون لاجئ، بينهم قرابة 450 ألف طفل و270 ألف امرأة، ويفتقر نحو 62% منهم للأوراق الثبوتية.

لبنان: ما لا يقل عن 1.7 مليون لاجئ، بينهم قرابة 570 ألف طفل و190 ألف امرأة، 27% منهم بدون أوراق ثبوتية.

الأردن: ما لا يقل عن 1.4 ألف لاجئ، بينهم قرابة 350 ألف طفل و175 ألف امرأة، 36% منهم بدون أوراق ثبوتية.

العراق: ما لا يقل عن 525 ألف لاجئ، بينهم قرابة 160 ألف طفل وما لا يقل عن خمسين ألف امرأة.

مصر: ما لا يقل عن 270 ألف لاجئ، بينهم قرابة 120 ألف طفل و75 ألف امرأة.

دول المغرب العربي (ليبيا والجزائر والمغرب): ما لا يقل عن أربعين ألف لاجئ.

صعوبات

يعاني اللاجئون السوريون من صعوبات عدة، فعلى الصعيد التعليمي يبلغ عدد الأطفال اللاجئين الذين لا يتلقون أي نوع من أنواع التعليم منذ أكثر من سنة (وسطيا) نحو 1.3 مليون طفل، ويعتبر اللاجئون في لبنان الأسوأ حالا على هذا الصعيد، حيث تتجاوز نسبة عدم الملتحقين بالمدارس والجامعات 40%.

وعلى الصعيد الغذائي، تنتشر أعراض سوء التغذية بشكل واسع، وقد لا تتوفر المياه الصالحة للشرب، حيث أكد تقرير صادر عن اليونيسيف في يونيو/حزيران 2014 أن اللاجئين في لبنان هم الأكثر معاناة على هذا الصعيد.

وعلى الصعيد الطبي، يفتقر كثير من اللاجئين للرعاية الطبية المجانية، وتزداد معاناتهم إذا لم يكونوا مسجلين لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أما المسجلون لدى المفوضية فتواجههم صعوبات في حال انتهاء صلاحية الأوراق الخاصة بهم التي تصدرها المفوضية والتي يتطلب تجديد صلاحيتها فترة انتظار قد تتجاوز شهرين.

“في الداخل السوري يوجد أكثر من 6.4 ملايين نازح -بحسب الشبكة السورية- ممن تبرز لديهم مشكلات وصعوبات إضافية، حيث يعانون من مخاطر الحرب والقصف على الرغم من نزوحهم هربا منهما إلى العديد من المناطق”

ويعاني بعض اللاجئين من تهديدات ذات طابع عنصري أو سياسي أو طائفي، ففي لبنان يتعرض الكثيرون لمضايقات من قبل أنصار النظام السوري لأسباب طائفية، كما بدأ العمل مؤخرا باشتراط حصول السوريين على تأشيرة دخول، كما تم توثيق بعض المضايقات للاجئين السوريين في تركيا من قبل معارضي الحكومة ومؤيدي النظام السوري.

وفي مصر ازدادت المضايقات بعد الانقلاب العسكري وشملت حملات إعلامية ومحاكمات، كما تعرض نحو ثلاثة آلاف لاجئ سوري للطرد من مصر، فضلا عن سن قوانين تشترط حصول السوريين على تأشيرة دخول مصر، بينما يؤكد ناشطون وجود عشرات اللاجئين معتقلين داخل السجون المصرية.

مولودو اللجوء

ويتحدث ناشطون عن أزمة متجددة بين أوساط اللاجئين مع وجود ما لا يقل عن 125 ألف طفل ولدوا في دول اللجوء دون أن يحصل نحو 45% منهم على شهادات ميلاد، إما لفقد هؤلاء الأطفال آباءهم بسبب الحرب والاعتقال، أو لأن آباءهم لا يحملون وثائق تثبت زواجهم.

وفي الداخل السوري يوجد أكثر من 6.4 ملايين نازح -بحسب الشبكة السورية- ممن تبرز لديهم مشكلات وصعوبات إضافية، حيث يعانون من مخاطر الحرب والقصف على الرغم من نزوحهم هربا منهما إلى العديد من المناطق، كما يقول ناشطون إن المساعدات التي ترسلها إليهم المنظمات الدولية تتم “سرقتها” من قبل سلطات النظام لتحويلها إلى سكان المناطق المؤيدة له.

وبحسب الأمم المتحدة، يصل عدد النازحين داخليا إلى 7,6 ملايين نازح، وتتصدر بلدات ريف دمشق، خاصة الغوطة الشرقية بأعداد النزوح لتسجل 2.2 مليون نازح، حيث يتركزون جميعا في أحياء دمشق، خاصة الجنوبية.

وتسببت العاصفة الثلجية التي ضربت سوريا والمنطقة في 7 يناير/كانون الثاني الماضي بالمزيد من الصعوبات، حيث أعدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين خطة لتوفير الأغطية والملابس الشتوية والشوادر البلاستيكية، وأعلنت أنها عملت على إيصالها إلى عشرة آلاف نازح في دمشق وريفها، إضافة إلى أكثر من 31 ألفا بإدلب وطرطوس.

نازحو الداخل تشرد وحنين

عروق يدها البارزة تحكي قصة تعب تراكمت آثاره خلال سنوات حياتها الستين، وزاد نزوح الأعوام الثلاثة الماضية من قساوته. تجول عيناها في أرجاء الغرفة الصغيرة وهي تذكر تفاصيل منزلها القديم التي تحفظها عن ظهر قلب.

تقول أم مسعود، وهي نازحة من غوطة دمشق الشرقية وتقيم اليوم في منزل صغير بحي الشيخ محيي الدين في العاصمة دمشق، إن أكثر ما يؤلمها هو حصولها على معونات من الجمعيات الإغاثية، التي تساعد في سد بعض حاجات العائلة المكونة من سبعة أفراد.

ولا تستطيع أم مسعود، وهي تتحدث للجزيرة نت، إخفاء حسرتها وحنينها لمنزل قديم، وعائلة استشهد عدد من أفرادها، وسافر آخرون هرباً من الحرب أو الخدمة العسكرية، لتبقى مع بناتها وأحفادها معتمدين في حياتهم على عمل ابنتها مدرّسة، وبعض المساعدات.

“لا تستطيع أم مسعود، وهي تتحدث للجزيرة نت، إخفاء حسرتها وحنينها لمنزل قديم، وعائلة استشهد عدد من أفرادها، وسافر آخرون هرباً من الحرب أو الخدمة العسكرية، لتبقى مع بناتها وأحفادها معتمدين في حياتهم على عمل ابنتها مدرّسة، وبعض المساعدات”

وبحنين مشابه يتحدث وليد عن منزل عائلته في حي جوبر الدمشقي، الذي نزحت عنه منذ حوالي عامين. وبسبب غلاء الأسعار استأجرت العائلة الكبيرة المكونة من عدة أبناء وبنات متزوجين منزلين متجاورين في أحد أحياء العاصمة.

يقول وليد إن النزوح يجبر العائلة على إعادة بناء حياة كاملة من جديد، انطلاقاً من أصغر وأدق التفاصيل، وهو أمر لن يعرف مرارته سوى من فقد منزله وأجبرته الحرب على التشرد والمعاناة.

النازحون بالملايين

وبعد مرور أربعة أعوام على انطلاق الثورة السورية، يبلغ عدد النازحين السوريين حوالي تسعة ملايين ونصف مليون نازح، منهم ستة ملايين ونصف يقيمون داخل البلاد، وذلك وفق أحدث إحصائيات الأمم المتحدة.

ويعاني نازحو الداخل -بحسب الناشطة الإغاثية مرح- من أوضاع لا تقل سوءاً عن لاجئي الخارج، فتكاليف تأمين السكن والعمل ومصاريف الحياة التي تزيد بسبب النزوح تفوق قدرة أغلب العائلات، وبحسب بعض التقارير الاقتصادية الصادرة داخل سوريا، تبلغ تكلفة المعيشة الشهرية للعائلة الواحدة تسعين ألف ليرة سورية (360 دولارا) كحد أدنى، بينما لا يتجاوز متوسط دخل الفرد مائة دولار.

تقول مرح إن تأمين السكن يعد أولى العقبات التي تواجه الأسرة النازحة، والتي تتجه للمناطق الآمنة نسبياً في العاصمة وريفها، ومدن أخرى كطرطوس واللاذقية والسويداء. ونتيجة الطلب المتزايد، ارتفعت الأسعار لتبلغ وسطياً 25 ألف ليرة سورية (100 دولار) في مناطق الأرياف والسكن العشوائي، أما داخل المدن وخاصة العاصمة دمشق، فالمبلغ يتضاعف عدة مرات، ودفع ذلك بالكثير من العائلات لاستئجار منازل “على العظم” (أي دون إكساء بالطلاء أو البلاط)، أو محال تجارية في بعض الأرياف بمبالغ أقل لكن ضمن شروط معيشية أسوأ، كما أقامت عائلات أخرى ضمن مراكز الإيواء.

وتضيف مرح للجزيرة نت: “لا تتوقف مشاكل السكن عند ذلك، بل تتعداها لمشكلة الحصول على الموافقة الأمنية، حيث يضطر المستأجر القادم من المناطق الساخنة -وعلى رأسها ريف دمشق- لمراجعة أحد الأفرع الأمنية، وقد يعني ذلك خضوعه لتحقيق مطول عنه وعن عائلته لا ينتهي بالضرورة بالحصول على الموافقة، مما يعني أن عليه البحث عن مكان آخر”.

تكاليف

“تعتمد عائلات على الحوالات المالية من أقارب خارج البلاد، والتي تتعرض بدورها لسرقة من نوع آخر، حيث يمنع استلام الحوالة إلا بالليرة السورية، وتعتمد مكاتب الحوالات سعر الصرف الحكومي وليس سعر السوق السوداء، مما يؤدي لخسارة جزء من المبلغ.”

وبعد تأمين السكن، تبرز حاجات أخرى للعائلة النازحة، فمن فقد عمله عليه البحث عن عمل جديد، وتنخفض الرواتب بشكل كبير لتجد معظم الأسر نفسها عاجزة عن تأمين المصاريف الأساسية كالطعام والشراب والمواصلات والأدوية والملابس.

ونتيجة لذلك، تقول مرح إن عدداً كبيراً من العائلات بات يعتمد على المعونات المقدمة من الجمعيات الإغاثية والخيرية، والتي تحتاج بدورها إلى “واسطة” للحصول عليها بشكل منتظم، ناهيك عن سرقة كميات كبيرة منها من قبل عناصر النظام والحواجز وحتى بعض المستفيدين ضمن الجمعيات، وهو ما يؤدي لتخفيض الكميات المخصصة لكل عائلة.

وتعتمد عائلات أخرى على الحوالات المالية من أقارب خارج البلاد، والتي تتعرض بدورها لسرقة من نوع آخر، حيث يمنع استلام الحوالة إلا بالليرة السورية، وتعتمد مكاتب الحوالات سعر الصرف الحكومي وليس سعر السوق السوداء، مما يؤدي لخسارة جزء من المبلغ.

وترى فرح أن توقف الحرب وعودة الملايين إلى مناطقهم رغم دمارها هو الحل الوحيد كي تستعيد تلك العائلات جزءا من حقوقها وكرامتها المهدورة خلال سنوات الحرب الأربع الماضية.

مولود رغدة ..بلا حقوق

انتصف الليل وادلهمت الأفكار في خواطر رغدة الحولي التي شارفت على الولادة، تقطع مسافة عشرين كلم للمرة الثانية للوصول إلى مستشفى حلبا الحكومي في محافظة عكار شمال لبنان “عسى أن يخفف لنا هذا المستشفى من فاتورة الولادة, للأسف الأمم المتحدة أوقفت بطاقتي الخاصة بالاستشفاء، وعلي أن أدفع خمسمائة دولار ناهيك عن إيجار الطريق, أما الغصة الكبرى فتبقى، فأنا لم أستطع تسجيل طفلتي والحصول على ورقة تثبت أنها ابنتي، خاصة لدى السلطات السورية والسفارة التابعة لها في لبنان”.

تتابع رغدة -التي نلتقي بها في خيمة لجوئها بمخيم الرحمة في عكار(شمالي لبنان)- بعدما تضع في حضنها طفلتها الصغيرة التي لم تبلغ من العمر عشرين يوما “استأجرت لي أختي سيارة, والحمد لله يسر الله لي الولادة, استدنت بعض المال وكان زوجي قد أمن القسم الآخر حتى استطعنا الخروج من المستشفى, حصلنا على ورقة من إدارته تثبت أن هذه الطفلة ابنتي، والسفارة السورية لا تعترف بها”.

يشار إلى أن أرقاما حديثة نشرتها مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تفيد بأن 70% من الأطفال السوريين الذين ولدوا في لبنان منذ اندلاع الثورة السورية قبل أربعة أعوام -وعددهم 42 ألف مولود- لا يملكون وثائق ولادة.

ويعتبر هؤلاء المواليد “غير موجودين” حسب تقدير ناشطة في هيئة حكومية، حيث يفقد غير الحاصل على أوراق ثبوتية حقه في التعليم أو دخول المستشفيات.

وتقول الحولي في هذا الصدد “جارتي ذهبت منذ فترة عبر الحدود السورية بغية زيارة أهلها، فرفضوا إدخال ولدها على الرغم من ورقة المستشفى ومفوضية الأمم، وأخبروها أن عليها تسجيله في السفارة السورية ببيروت, أخشى اليوم على طفلتي فهي ربما ستكون محرومة من كل شيء، من التعليم وغير ذلك, نرجو أن يكون هناك حل لهذه المعضلة”.

4500 شهريا

مسؤول الإدارة الطبية المركزية في اتحاد الجمعيات الإغاثية العاملة في شؤون اللاجئين والمشرف على عدد كبير من المخيمات بمختلف المناطق اللبنانية الدكتور إياد هدهد تحدث للجزيرة نت حول موضوع الأوراق الثبوتية للولادات الحديثة قائلا “بحسب مفوضية اللاجئين السوريين في الأمم المتحدة، قدر عدد الولادات بحوالي ٤٥٠٠ ولادة شهريا, وقد بلغ عدد الذين لا يملكون أوراقا ثبوتية حتى اليوم 42 ألف لاجئ سوري, فمن يدخل المشافي يأخذ شهادة ميلاد ويسجلها عند المختار، ثم الأمن العام اللبناني، ثم السفارة السورية وهنا بيت القصيد، ففي السفارة يصرون على حضور الوالد حصرا دون أي أحد، والتسجيل صعب جدا، والمسألة تكون حسب رضا النظام على أب هذا المولود”.

وختم هدهد “هناك مشكلة عدم ذهاب بعض اللاجئات الى المستشفيات خوفا من الضرر أو دفع المال غير المتوفر، لذلك تتم الولادة في الخيمة، وهذا يحدث كثيرا في المناطق الحدودية كوادي خالد وعرسال، وهذا يسبب مشكلة في تسجيل المولود، وهنا ندعو لتنظيم حملات واسعة لتثقيف اللاجئين من خلال توجهيهم طبيا، وحثهم على تنظيم النسل، والتسجيل في المفوضية، فهم بحاجة إلى ذلك، نحتاج إلى جهات تنفذ برامج متكاملة حول هذا الموضوع, فكما أشرت سابقا هناك الكثير من النسوة لا يأبهن بالولادة في الخيام ومنازلهن خوفا”.

لا أفق

وفي شأن هذا الموضوع، تؤكد المصادر الحكومية كلها عدم وجود أي صيغة في الأفق لحل هذا الموضوع, وهذا ما أكده النائب المستقل في البرلمان اللبناني خالد الضاهر، وقال للجزيرة نت “بداية مشكلة النازحين السوريين والمهجرين من سوريا ليس لها مثيل في العصر الحديث، وأمام هذه الكارثة اﻹنسانية رفعنا الصوت منذ اليوم اﻷول لبداية النزوح بإيجاد مخيمات رسمية تحت رعاية اﻷمم المتحدة، إلا أن الحكومة اللبنانية آنذاك والحكومة التي تلتها أيضا تتعاملان مع السوريين معاملة غير إنسانية، هناك خضوع من الحكومات اللبنانية للنظام السوري لتعذيب النازحين السوريين وإكراههم على مغادرة لبنان والخضوع للنظام السوري، ونحن سمعنا أصواتا تنادي بطرد السوريين من لبنان- حتى النازحين- واعتبارهم إرهابيين كما فعلت أحزاب موالية للنظام السوري كالحزب القومي السوري الاجتماعي والتيار الوطني الحر”.

وأردف قائلا “المسألة ليست فقط أوراقا ثبوتية تأبى السفارة السورية في لبنان إصدارها للاجئين، هناك معاملة غير إنسانية ممنهجة ومعايير مزدوجة، مؤخرا صدرت عن الحكومة اللبنانية قوانين تعرقل دخول السوريين إلى لبنان ووضع شروط تعجيزية، أما عندما يتعلق الأمر بـالآشوريين فإن قرارات تصدر عن وزير الداخلية والحكومة بإدخالهم بطريقة تطمينية، مع أن هذا اﻹنسان إنسان سواء كان مسلما سنيا أو آشوريا أو غير ذلك، لكن نرى أن المعايير مزدوجة في التعامل مع الشعب”.

بلا ثبوتيات

“ذهب ليسجل مولودتنا الجديدة. سنة مرت ولم يعد، زوجي اختفى على حاجز بيت ياشوط، ربما اعتقل أو قتل”.. بكت وتوقفت أم بكر عن الكلام عند هذه النقطة.

أم بكر امرأة من جبل الأكراد في ريف اللاذقية، رغبت في تسجيل مولودتها الجديدة في دائرة نفوس اللاذقية، بعدما أوقف النظام السجل المدني في ناحية كنسبا مع سيطرة الثوار على المنطقة، لكنها اليوم تلطم وجهها ندما على موافقتها على سفر زوجها إلى المدينة.

حال أم بكر يشبه حال كثير من السوريين مع الوثائق والثبوتيات وتسجيل الوقائع المستجدة، بعضهم انتهت صلاحية جوازات سفرهم، وجامعيون لم يحصلوا على شهاداتهم، وأزواج لم يثبتوا زواجهم قانونيا، وغيرها من حالات توثيق البيع والشراء والوفاة، حيث أغلق النظام سبيل ذلك في وجه السوريين الذين يسكنون المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة.

السوريون اليوم داخل سوريا ودول الجوار، وبعد مرور أربع سنوات من عمر الثورة، يفتقدون أغلب الوثائق التي تلزمهم للسفر وإثبات الشخصية، والشهادات لتسجيل الطلاب في الجامعات والمدارس.

لم يكن -والحال هذه- غريبا أن يهيموا على وجوههم في بحار الموت طلبا للهجرة إلى أوروبا ودول اللجوء التي توفر لهم الأمان، وتمنحهم وثائق لم تستطع مؤسسات المعارضة خلال السنوات الأربع من عمر الثورة إيجاد حل قانوني لها.

يؤكد “م. ن” الموظف في الحكومية السورية المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني المعارض، أنه تعيينه في الحكومة كان على أساس الشهادة الثانوية، رغم أنه يحمل إجازة جامعية منذ عام 2012 ، وأشار إلى أنه لم يستطع استلام شهادته في الحقوق لأنه اضطر للهرب من مناطق سيطرة النظام قبل يومين من صدورها، بسبب ملاحقة أمن النظام له لمشاركته في المظاهرات السلمية.

وقال منتقدا الحكومة: هناك موظفون تم تعيينهم على أساس الشهادة الجامعية وهم لا يحملون الثانوية، اشتروا شهادات مزورة من مدينة كلس التركية.

وثائق مزورة

لم تستطع مؤسسات المعارضة ممثلة بالحكومة السورية المؤقتة والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، إيجاد صيغ قانونية لتوفير الورقيات والثبوتيات اللازمة للسوريين، وهذا ما دفع بعضهم لتوفيرها بطريقة التزوير، أو شرائها بمبالغ كبيرة من مؤسسات النظام عبر وسطاء وسماسرة.

مكاتب كثيرة مختصة بهذه الخدمات غير القانونية انتشرت في مناطق سيطرة المعارضة في الداخل ودول الجوار، لا سيما تركيا، حيث تعمل عشرات المكاتب في مدن أنطاكية والريحانية وكلس وعنتاب وأورفة، فتوفر للسوريين الشهادات الدراسية وجوازات السفر وشهادات قيادة السيارات وغيرها.

مدير مكتب “كل ما تريد” في مدينة كلس برر ما يفعلونه بأنه “خدمة للمحتاجين بعدما حرمهم النظام حقوقهم في وثائقهم”، وأشار إلى أن بعض الثبوتيات التي يبيعونها يتم اكتشاف تزويرها.

وقال في حديث للجزيرة نت: أغلب المراجعين يشترون الشهادات الجامعية ويطلبون جوازات سفر، ونحن نؤمن لهم ما يريدون بأسعار مقبولة، إلا من أراد جواز سفر نظاميا، فهذا باهظ الثمن، لأننا ندفع مبالغ كبيرة رشى لضباط النظام لإصداره من مديرية الهجرة والجوازات، عدد كبير من مسؤولي الحكومة والائتلاف اشتروها، لا أحد غيرهم يستطيع دفع تكلفتها.

“مكاتب كثيرة مختصة بالخدمات غير القانونية انتشرت في مناطق سيطرة المعارضة في الداخل ودول الجوار، لا سيما تركيا، حيث تعمل عشرات المكاتب في مدن أنطاكية والريحانية وكلس وعنتاب وأورفة.”

وضحك بخبث وأضاف: نحن نستغل هؤلاء، ونطلب منهم أكثر من السعر الاعتيادي عقابا لهم على تقصيرهم في إيجاد حل لمشاكل السوريين المهجرين والمحاصرين مع الوثائق والثبوتيات.

محاولات فاشلة

وكانت مؤسسات المعارضة قد تحدثت مرارا عن محاولات لإيجاد حل لمشاكل السوريين بتسجيل الولادات الجديدة وحالات الزواج والطلاق والبيع والشراء، من خلال إحداث مكاتب حقوقية للتوثيق في المجالس المحلية في المحافظات.

لكن لم يتحول الحديث إلى فعل ناجح إلا في حالات نادرة، بسبب عدم توفير التمويل، ووجود أغلب مجالس المحافظات في دول الجوار بعيدا عن السوريين في الداخل الذين يحتاجون هذه الخدمات، وفق إفادات نشطاء من مناطق سورية عدة.

وهذا ما أكده مدير في وزارة العدل بالحكومة السورية المؤقتة -فضل عدم الكشف عن اسمه- حيث أشار إلى وجود مخطط لافتتاح مكاتب للتوثيق، تشمل اختصاصات متعددة، لكنه لم يرَ النور بسبب نقص التمويل وعدم استقرار الحكومة.

وكان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة قد وعد السوريين بتمديد جوازات سفرهم عبر سفارته في دولة قطر، إلا أن الملصقات التي تم العمل عليها لم تكن قانونية.

الجزيرة نت

 

 

 

الثورة السورية في عامها الخامس: تحديات ومراجعات/ عبدالباسط سيدا

قبل أربعة أعوام، وبالتحديد في بدايات ربيع 2011، انطلقت الثورة الســــورية وهي تنشد الربيع المنتظر، الربيع الذي يضمن لشعب سورية بكل مكوّناته وتوجهاته، ولأجيال سورية القادمة، مستقبلاً حراً كريماً، بعيداً من سلطة الاستبداد والفساد والإفساد التي تحكم بلادنا منذ نحو نصف قرن، السلطة التي سطّحت العقول والضمائر، وسدّت الآفاق أمام الشباب المتطلع نحو تمثّل مبادئ العصر، والتمتّع بنتائج حضارته، وأفسدت الحياة العامة والخاصة، ومنعت حرية التعبير بالحديد والنار، بل منعت السوريين والسوريات من الشعور بقيمتهم الإنسانية.

خرج شبابنا من كل المذاهب والأديان والطوائف والقوميات، مطالبين عبر تظاهراتهم السلمية بضرورة إنهاء الأوضاع غير الطبيعية لسورية على مدى عقود. وكانت تظاهراتهم مهرجانات احتفالية حضارية، بل أعرساً وطنية تجسّد كل ما هو جميل ونبيل. طالبوا بالإصلاح، لكن النظام واجههم بالقتل والتدمير، واتهمهم منذ اليوم الأول بالإرهاب، وحاول المستحيل للإساءة إلى سمعتهم وحجب جهودهم المخلصة المطالبة بدولة مدنية ديموقراطية تعددية، تضمن حقوق جميع مكوّناتها، بعيداً من التمييز والاقصاء والتهميش.

واستمرّ شعبنا في ثورته السلمية المشروعة، واستمرّ النظام اللاشرعي في وحشيته وجرائمه، فارتكب المجازر تلو المجازر، واستخدم كل أنواع الأسلحة ضد شعبنا في مدننا وبلداتنا وقرانا الآمنة، بما في ذلك الأسحلة الكيماوية. وحينما أيقن أن الأمور بدأت تخرج عن دائرة تحكّمه، استعان بميليشيات حلفائه الطائفية، وجدّد تعاونه مع المنظمات المتشددة الإرهابية القريبة من القاعدة، بل المزاودة عليها، مستخدماً اياها أداة لإرباك الثوار في المناطق المحررة، ودعاية إيهامية هدفها الربط بين الثورة والإرهاب.

واستمر النظام في ألاعيبه وأحابيله، مستغلاً سلبية المجتمع الدولي وتقاعسه، ومعتمداً على دعم حلفائه في روسيا وإيران والعراق ولبنان، الذين غطّوه سياسياً، وأمدّوه بالسلاح والمال والرجال، ما أدّى إلى قتل أكثر من 250 ألف انسان، وتشريد نصف سكان سورية، وتدمير سورية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

ومع ذلك، لم يتحرّك العالم لتقديم المساعدة المطلوبة، وأصبحت الثورة أسيرة الحسابات الإقليمية والدولية، التي لا تُعطي أية أهمية لتطلعات السوريين المشروعة، وحقهم الطبيعي في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وفي يومنا الراهن، نسمع أصواتاً كثيرة ممن أعلنوا أنفسهم منذ بداية الثورة اصدقاء للشعب السوري، يطالبون بامكانية غضّ النظر عن جرائم الاستبداد للتركيز على جرائم الإرهاب، فيما الجميع يعلم أن الإرهاب الداعشي، وغيره مما تشهده سورية اليوم، هو حصيلة إرهاب النظام، بل من صنع هذا النظام الخبير في ميدان التعامل مع المجموعات والمنظمات الإرهابية منذ بداية عهده، وحتى وقتنا هذا.

الشعب السوري اليوم بين نارين: الاستبداد والإرهاب. والطرفان يصرّان على منع هذا الشعب الأبي من بلوغ أهداف ثورته النبيلة التي جسّدت إرادة جميع السوريين والسوريات. لكن النظام بخبرته وامكاناته، وبفعل الدعم اللامحدود الذي حصل، ويحصل، عليه من حلفائه، تمكّن من تسويق رأي زائف أساء كثيراً إلى الثورة المدنية الديموقراطية، البعيدة من كل أشكال التعصب سواء الديني أم القومي أم الإيديولوجي.

لا ننكر أن الظروف الحالية التي تعيشها الثورة السورية صعبة، لكن شعبنا مستمر في ثورته، ويدرك طبيعة المؤامرات والأحابيل التي استهدفتها. وهو مؤمن بعدالة قضيته، متمسك بحقوقه المشروعة، وقد أكسبته التجارب القاسية خلال السنوات الأربع المنصرمة الكثير من الخبرة والحكمة. والقوى المدنية الديموقراطية السورية تُجري اليوم عملية تقويم كبرى لما حدث، وتعيد ترتيب أفكارها وأولياتها لتجاوز الأخطار التي نشأت، وتعمل لتنظيم الصفوف، وتركيز الجهود، بصورة أفضل، حتى يتمكّن شعبنا من القطع النهائي مع الاستبداد القاتل والإرهاب الهمجي البدائي.

الثورة ستستمر، وستنتصر في نهاية المطاف، وسيثبت شعبنا للعالم كله أن من قدّم أبجدية الحرف في يوم ما، قادر على تجديد رسالته الحضارية بما ينسجم مع قيم العصر وروحيته.

* كاتب وسياسي سوري

 

 

 

 

 

سورية … كل هذه المؤامرة/ معن البياري

كان القرار واضحاً منذ الأسبوع الأول للثورة، لدى نظام الأسد في سورية، وهو أن ما لا يحلّ بالقوة، يحلّ بمزيد منها، وهذه أمثولةٌ إسرائيلية، شارونية خصوصاً. وفي وسع الأسد أن يزهو، الآن، ويجهر بانتصاره على ثورة رعاياه الذين ما حسبهم يوماً مواطنين، فيقول إنه الذي بقي في قصر الرئاسة، فيما الذين هتفوا بخلعه، ومن أرادوا التحرر من استبداده، يقيمون، الآن، في المهاجر لاجئين جائعين، أو مشردين، أو محاصرين في قراهم وأريافهم. وفي وسعه أن يزيد، ويقول إن قولته منذ الشهر الأول، قبل أربع سنوات، إن الإرهاب هو الموضوع، وليس الحرية والتغيير وغيرهما من بدعٍ مستحدثة، ثبت أنها الأوجب للنظر، وأن نظامه أولى بالحماية والإسناد من أن تسقط سورية في أيدي إرهابيين، فتذهب في الفوضى التي لن يصير في غضونها أمن إسرائيل مضموناً. في وسع الأسد أن يؤكد أن “الأسد أو لا أحد” لم يكن شعاراً مرتجلاً، بل كان خياراً مؤكداً ولا يزال، وأن “الأسد أو نحرق البلد” لم يكن زفرة انفعالٍ غاضب، بل نهجاً اعتنقته السلطة، وزاوله شبيحتها، وسارت فيه أجهزتها ومؤسساتها، وكذا داعموها الإيرانيون وتابعوهم في لبنان وغيره. وفي مقدور الأسد أن يقول إنه أحبط “المؤامرة” الكونية على نظامه الممانع، بدليل بقائه رئيساً، وإنْ قضى أزيدُ من مائتي ألف سوري، وأُزهِقت أرواحٌ بلا عدد تحت التعذيب، وإنْ شرد الملايين وهجّروا، وإنْ صارت مدن وقرى وحواضر سورية أطلالاً وخرائب، وإنْ تحكُم داعش مساحاتٍ واسعة في سورية، وإنْ لم يبق صنفٌ من الإرهابيين إلا ووفد إلى سورية، “لينعم بالجهاد” على أرضها المستباحة. كل هذه تفاصيل، لا تستحق إتعاب الذهن بشأنها، ولا تضييع وقتٍ في التملي فيها، لأن الحكم ما زال في دمشق للأسد وعائلته ومشايعيه، وهؤلاء منقطعون للتصدي للمؤامرة إيّاها، وإن استغرق حالهم هذا مائة عام أخرى.

هذا لسان حال نظام الاحتلال في سورية، على مبعدة أربع سنوات من أولى هتافات السوريين، لمّا طالبوا بأمنٍ وأمان وإصلاح، قبل أن يجهروا برحيل النظام القاتل الذي واجه صيحاتهم الحذرة الأولى بالرصاص، والفتك الشنيع بحمزة الخطيب وغيره من فتيةٍ وشبانٍ ونسوةٍ في درعا وغيرها. اختار الأسد المسلك الذي يريد، وفي قناعته أن القوة غير الكافية هي السبب في فرار بن علي وتنحي حسني مبارك في تونس ومصر. والآن، نستعيد السنوات الأربع، وفي مقدورنا القول إن المؤامرة هي المشهد الأوضح هناك، فليس أطيب للولايات المتحدة وإسرائيل من أن تتدمر سورية، ويتحطم جيشها، ويتذرّر ناسها، وتفتك بها الانقسامات الطائفية، ويتقاتل أهلها، وذلك كله بأيدي عصابات النظام المحتل وعصابات الإرهاب، ومثلما تمنّى مناحيم بيغن، في خطاب في الكنيست، النصر لإيران والعراق معاً، لمّا قامت الحرب بينهما قبل خمسة وثلاثين عاماً، يتمنى الإسرائيليون، ومعهم ربما الأميركان، النصر لكل المتقاتلين في سورية، وإن بقي النظام فبها ونعمت، وإن غاب فبها ونعمت أيضاً، ولكل حادث حديث.

يدفع السوريون كلفة باهظة من الآلام، ومن ضياع دولتهم التي بنوها بتضحياتٍ مشهودة، ثمن هذا الخيار الذي يرتكبه “أصدقاء سورية” بقيادة الولايات المتحدة، ولا نظن أن مؤامرةً مرّت في التاريخ من هذا الجنس النادر، إذ تُمارس بأيدي من يتصدّون لها، فالنظام المسلح، إيرانياً وروسياً، يساهم في المقتلة غير المقلقة لأحد، وفي التدمير النشط والمطلوب، من دون أن يقتنع، ولو لحظة، بأن الجريمة التي يقترفها بحق سورية جسيمة، وغير مسبوقة، فأي سلطانٍ هذا لرئيسٍ وحكومة على خرابٍ وحطام. أليس من نزرٍ يسير لديه من شعور بشيء من المسؤولية تجعله يذهب إلى خيار الإدارة الانتقالية التي أوحى بها تفاهم “جنيف1″، من أجل سورية، لا من أجل “المعارضات العميلة” في تركيا وفرنسا. هذا أحد أسباب بلا عدد تسوّغ اعتبار ثورة السوريين مغدورة، تم تآمر واسع عليها.

 

 

الذكرى الرابعة للثورة السورية.. ما العمل؟/ نادر جبلي

ها هي ثورتنا السورية اليتيمة تستكمل عامها الرابع. سنوات أربع لا يبزها في قسوتها وصعوبتها وخطورتها على سورية والسوريين شيء، دُمّر فيها البلد، دولة ومجتمعاً وبناء وتاريخاً وحضارة ومستقبلاً، وتجرع فيها السوريون جميع صنوف الحزن والأوجاع والمآسي، واختبروا كل صنوف الموت. يتربص الخطر والخوف والجوع بمن بقي منهم في الداخل، ويتربص الذل والتشرد والحاجة بسعيد الحظ الذي خرج، واليأس يستحكم بالكافة، أقلها على المدى المنظور.

تضافرت على السوريين وثورتهم، لسوء الحظ، مجموعة من القوى والعوامل والظروف، أدت، في المحصلة، إلى ما وصلوا إليها:

-فمن طغمة حاكمة مجرمة، أرادت البقاء في الحكم بأي ثمن، وتعاملت مع السوريين كقوة احتلال غاشمة، وواجهت مطالبهم المحقة في الحرية والكرامة بالعنف العاري، منذ اللحظة الأولى، وأصرت على العنف، ورفعت وتيرته طوال الوقت، إلى درجة أنها لم تدخر سلاحاً، أو وسيلةً، لقتل السوريين وتجويعهم وتهجيرهم، وتدمير بيوتهم وبلداتهم، إلا واستخدمته، مستحقة، وبجدارة، لقب أحقر طغمة حاكمة عرفها التاريخ.

-إلى حلفاء لهذه الطغمة، وقفوا معها بشراسة، وبدون تردد، ومنذ اللحظة الأولى، وقدموا لها، بسخاء، كل أسباب القوة والدعم العسكري والسياسي والاقتصادي، إلى درجة أننا نراهم، الآن، يحاربون ويديرون المعارك، نيابة عن قوات الأسد المتهالكة في غير مكان من سورية.

-إلى تقاعس غربي تتحكم به الإدارة الأميركية، الحريصة على الإدارة عن بعد، والتي لا يعنيها من شؤون المنطقة سوى نجاحها في الملف النووي الإيراني.

-إلى منظمة دولية عاجزة مشلولة، استطاعت روسيا والصين ركنها جانباً عبر سلاح الفيتو، ولم يترك لها سوى حرية التعبير عن القلق.

-إلى أجندات وطموحات ومصالح عربية وإقليمية، صبّت الزيت على النار، ودعمت من يخدم مصالحها من تنظيمات سياسيةٍ أو عسكرية، ما ساهم في تمزيق المعارضة بشقيها، وإضعافها وتناحرها.

-إلى الإضعاف المتعمد والممنهج للجيش الحر الذي يمثل الذراع المسلحة للثورة.

-إلى سيطرة تنظيمات جهادية تكفيرية عدمية على أزيد من نصف الأراضي المحررة، وارتكابها من الجرائم والفظائع ما يعجز العقل عن تخيله، الأمر الذي جعل جرائم النظام، على فظاعتها، تبدو أمراً عاديا أمام العالم، ما أدى إلى تقديم ملف محاربة الإرهاب على ملف استبعاد النظام، وتشكيل التحالف الدولي لهذا الغرض، وحتى بروز أصوات تنادي بالتعاون مع النظام في هذه الحرب.

وصولاً إلى معارضة سياسية مريضة تافهة، وضيعة في معظمها، أصرت على البقاء متفرقة، رهنت نفسها للخارج، وانخرطت بصراعات داخلية وحروب صغيرة فيما بينها، ولم تستطع تغطية الثورة، أو خدمتها في أي مجال، بل غالباً ما انعكس نشاطها سلباً على الثورة، والمذهل في أمرها أن كل دماء السوريين ومآسيهم، على مدى سنوات أربع، لم تستطع أن تغير شيئاَ من تفكيرها وسلوكها، الأمر الذي أدى إلى سقوطها واحتقارها من السوريين وغير السوريين.

هذه صورة الواقع كما أراها، فما نحن فاعلون؟ هل نتفرج صامتين على هذا المسلسل الحزين المرعب، منتظرين نهاية أكثر حزناً يقررها آخرون؟ وهل لدينا ما نفعله، طالما أننا الطرف الأضعف في معادلة القوة هذه، وتأثيرنا في مجرى الأحداث يداني العدم؟

أرى أن ثمة مجالات أخرى كثيرة للعمل، لا تقل أهمية عما كان يفترض بنا عمله الآن وخلال الثورة، منها العمل على السوريين لجهة دعم قدراتهم المستقبلية على التعايش والتعاون والبناء، فهذا الكابوس الذي نعيشه، اليوم، سينتهي عاجلا أو آجلاً، وسنجد أنفسنا أمام استحقاق ما للتعايش والتعاون، ثم لتجاوز قصة التعايش إلى التعاضد من أجل بناء الدولة، وعلينا الاستعداد لهذا الاستحقاق بكل إمكاناتنا، وبمنتهى الجدية، لأن دخولنا في استحقاق من هذا النوع من دون حد أدنى من الاستعداد والتأهيل يعني تمديداً اختيارياً مفتوح النهاية، هذه المرة، لمأساة شعب مرهق منكوب.

خوفي على سورية مركّب، حيث يضاف إلى الخوف مما يحصل خوف آخر مشروع، سببه ضعف قدرة السوريين على استيعاب هذه المحنة، وهضمها، باعتبارهم، لأسباب معروفة، مجتمعاً غير متماسك بما فيه الكفاية، حيث ما زال الشعور بالمواطنة والانتماء للوطن أضعف من الشعور بالانتماء إلى الطائفة أو العشيرة أو العرق. ما يعني أن المحنة قد تذهب بالبلد إلى غير رجعة، وملامح ذلك تبدو واضحة. لذلك أرى أن العمل على تحصين السوريين تجاه خطر التفتت والاحتراب الأهلي المديد عمل وطني ومهم بكل المقاييس.

الآن، ما الذي يمكننا عمله بشأن المستقبل؟ أذكر، تالياً، بعض المجالات، على سبيل المثال:- تأسيس أحزاب سياسية نوعية ومختلفة، بوصلتها المصالح العليا للشعب والوطن، ترفع ألوية الفكر والسياسة والواقع، بدل الإيديولوجيا التي قتلت الفكر والروح، وحوّلت أحزابنا التقليدية إلى مستحاثات، تتبنى الديمقراطية منهجاً وقيماً وسلوكاً وعملاً، تؤمن بالعمل المشترك مع الآخرين، تعمل بالعقلية المؤسساتية، تقيم حياة حزبية داخلية ديمقراطية، مؤسسة على الشفافية والمحاسبة والنقد والمراجعة. هذا النوع من الأحزاب أصبح أكثر من ضرورة لأنه المكان الطبيعي لتعلم السياسة وممارستها، ولأنه الأساس لأي عملية سياسية مستقبلية.

-نزع فتيل الأزمة الطائفية التي تستعر بشدة، منذرة بأسوأ العواقب. وفي هذا المجال، يمكن عمل الكثير، خصوصاً على صعيد نشر الوعي حول المآلات الكارثية للصراع الطائفي، وحول الجذور الثقافية والاجتماعية والسياسية للمسألة الطائفية، وحول دور ومصلحة النظام في إذكاء الصراع الطائفي، وحول مفهوم المواطنة ودوره المركزي في بناء الأنظمة الوطنية الحديثة.

-إزالة الالتباسات والتشوهات العالقة بقضايا ومفاهيم مهمة وحساسة ومفتاحية كثيرة في بناء دولتنا المقبلة، والتي يوحي الجدل الدائر بعمق الاختلاف حولها، منها مفهوم العلمانية وعلاقتها بالدين والمجتمع، ومفاهيم الديمقراطية والحرية والمواطنة.

“علينا أن نبحث عما يمكن أن يقينا قليلاً، ويبقي لدينا شيئاً من القدرة على بناء بلدنا في يوم، نسأل الله أن لا يكون بعيداً”

– تحضير ما أمكن من برامج وأفكار ومشاريع في مجالات القانون والدستور والاقتصاد وإعادة الإعمار، وكل ما من شأنه المساهمة في دفع عملية بناء الدولة والمجتمع، وتخفيف مدتها وتكلفتها ووطأتها.

– تدريب الناس على الحوار وتقبل المختلف، وزرع وتعزيز ثقافة الحوار والنقاش والاستماع المنفتح المصغي لديهم.

يناط تنفيذ المهمات المومأ إليها أعلاه، بالجميع من دون استثناء، أحزاباً وتنظيمات مدنية وأهلية وأفراداً، حيث في مقدور أي كان أن يقدم شيئاً على صعيد واحد أو أكثر.

طبعاً، تبقى المسألة الأكثر أهمية والأبعد أثراً في قضيتنا أن ننتزع دوراً في تقرير مصيرنا، عبر توافقنا، قوى سياسية وقوى عسكرية، على برامج عمل موحدة، لكن ظاهر الحال يعلن أن ذلك مستحيل، بحكم مستحاثات السياسة وهواتها ومتسلقيها وبلطجيتها، وبحكم أمراء الحرب، ويزداد استحالة بحكم ارتهانهم للخارج. لذلك، علينا أن نبحث عما يمكن أن يقينا قليلاً، ويبقي لدينا شيئاً من القدرة على بناء بلدنا في يوم، نسأل الله أن لا يكون بعيداً.

 

 

 

 

ثورة عظيمة.. مستمرة/ خضر زكريا

كثر، في الآونة الأخيرة، الحديث عن انتهاء الثورة السورية، وحتى عن عدم وجود ثورة بالأساس. لا أتحدث، بالطبع، عن نظام الأسد وشبيحته وممالئيه، فهؤلاء أصروا، منذ البداية، على أن ثورة الشعب السوري منتصف/مارس آذار 2011 “مؤامرة كونية”، تستهدف “نظام المقاومة والممانعة”. أتحدث عن مثقفين وكتاب أعلنوا، في يوم من الأيام، تأييدهم الثورة السورية، وعن بعض الذين شاركوا في الحراك الثوري، بشكل من الأشكال، لكن الإحباط أصابهم، فقالوا إن الثورة انتهت، أو توقفت، أو خطفت، أو انحرفت، أو، في أحسن الحالات، كان هناك ثورة لكنها لم تعد موجودة.

من الطبيعي أن يصل بعضهم، ومنهم المخلصون لقضية الشعب السوري، إلى مثل هذه الاستنتاجات، بعد المآسي التي تعرض لها الشعب السوري، في السنوات الأربع من عمر الثورة، سواء من النظام الذي قتل ببراميله المتفجرة وأسلحته الكيماوية وغيرها من أدوات القتل نحو ربع مليون شخص، وتحاصر قواته مناطق عديدة، صار الناس فيها يموتون من الجوع (نعم من الجوع وليس من القصف!)، وتصفي أجهزته الأمنية خيرة شباب سورية وشاباتها تحت التعذيب الوحشي، ما أدى إلى تهجير نصف سكان سورية من بيوتهم. أو كان ذلك من الجماعات الإرهابية كداعش وأخواتها التي تمارس وحشية لا تقل بشاعة عن وحشية النظام، وصارت تسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية؛ أو كان ذلك من “المجتمع الدولي” الذي تخلى، كلياً، عن الشعب السوري، وتركه فريسة بأيدي المليشيات الإيرانية، وتابعيها من حزب الله اللبناني ومليشيات أبي الفضل العباس العراقية من جهة، والمليشيات الإرهابية القادمة من بقاع عديدة، تمارس إرهابها تحت شعار الإسلام، والإسلام منهم براء، من جهة أخرى.

مع ذلك كله، أقول إن الثورة السورية مستمرة، وهي من أعظم الثورات في التاريخ المعاصر. وما أستند إليه في هذا القول:

أولاً: لست مع التعاريف الجامعة المانعة في العلوم الاجتماعية والسياسية، وبالتالي، لا أرى ضرورة لتعريف مصطلح “ثورة”، ولا أرى أهمية كبيرة للنقاش الدائر حول ما إذا كانت ثورة أو انتفاضة أو حراك شعبي أو.. يكفي أن تكون انتفاضة شعبية تهدف إلى إطاحة النظام القديم الذي لم يعد يقبل به الشعب، وإقامة نظام جديد تتبلور ملامحه في خضم الثورة نفسها.

ثانياً: الثورات العظيمة لا تحقق أهدافها بين يوم وليلة، ولا في سنوات قليلة. فالتاريخ الحديث والمعاصر عرف ثورات دامت عقوداً حتى آتت أكلها. الثورات صيرورات متواصلة تحتاج سنوات طويلة لتتبلور، عبر مطبات وتراجعات وإخفاقاتٍ كثيرة، فضلاً عن النجاحات. فكيف إذا جاءت في منطقة تتكالب عليها دول العالم الكبرى ودول الإقليم، وتستخدم فيها كل الأسلحة والوسائل لإفشالها.

ثالثاً: قامت الثورة السورية ضد نظام يكاد يكون فريداً في وحشيته ودمويته، نظام فاشي يمارس القتل والتنكيل بدم بارد، لا يردعه قانون ولا أخلاق. والناس الذين يتمردون ضد مثل هذا النظام، على الرغم من معرفتهم بطبيعته الإجرامية، وعلى الرغم من الذكريات الأليمة التي يحملها كل منهم، في نصف القرن الذي تسلط فيه على رقابهم، هم، من دون أدنى شك، ثوار عظام سيخلدهم التاريخ.

رابعاً: طرحت الثورة، منذ انطلاقتها، شعارات تدل على عمق وأصالة ووطنية الثوار الذين طرحوها. “الشعب السوري ما بنذل” “سورية بدها حرية” “الشعب السوري واحد”. هذه الشعارات عبرت عن أهداف لا يمكن أن تكون أقل من أهداف ثورة عظيمة. شعارات الكرامة والحرية ونبذ الطائفية والانقسام والتشرذم، في وجه نظام أهدر كرامة الناس، وقمع أبسط حرياتهم، وكرس النزعات الطائفية والولاءات المناطقية والشخصية، هي شعارات ثورة عظيمة.

خامساً: سعى النظام، بكل الوسائل، لتحويل الثورة الشعبية السلمية إلى ثورة مسلحة، لأن السلاح هو المجال الذي يتفوق فيه على الشعب. وليس ذنب الثورة والثوار أن حمل بعضهم السلاح دفاعاً عن حياته، وحياة أفراد أسرته وشرفهم وكرامتهم. فالنظام، بإصراره على البقاء بأي ثمن (الأسد أو نحرق البلد)، وأجهزته الأمنية، وبعض قواته العسكرية التي فتحت النيران على المتظاهرين العزل في درعا وحمص، ثم في كل مكان آخر على الأرض السورية، هو من دفع بعض الجنود والضباط إلى الانشقاق، رافضين توجيه أسلحتهم إلى صدور أهاليهم، وهو من دفع شباناً عديدين للتطوع لحمل السلاح في وجه الإجرام المعمم.

سادساً: المجموعات الإرهابية المسلحة (داعش وأخواتها)، والتي يدعي النظام، الآن، محاربتها، هي من صنع النظام نفسه. فهو من أطلق معظم قادتها من سجونه (كما أُطلق بعضُهم من سجون العراق)، بهدف الانقضاض على الثورة، وتحويلها عن أهدافها. والتاريخ يعرف كثيراً من الحالات التي تتحول فيه الجماعات المناصرة لنظام ما إلى مناهضة له، عندما تحين الفرصة المناسبة، وعندما ترى أن في وسعها الحلول محل ذلك النظام، في السيطرة والهيمنة والتحكم بمصائر الناس.

سابعاً: لعل من أهم ما يثبت أنها ثورة عظيمة، أنها مستمرة، على الرغم من تخلي معظم القوى الإقليمية والدولية عنها. ولا أتحدث، هنا، عن روسيا وإيران وأمثالهما من داعمي النظام، بل عمّن سموا أنفسهم أصدقاء الشعب السوري، الذين توهم كل منهم أن بإمكانه السيطرة على الثورة، وتحويلها لتخدم مصالحه وتطلعاته. ولطالما اكتشف الثوار، منذ البدايات، أن كل من دعم الثوار بالمال أوالسلاح، أو لنقل معظمهم على الأقل، كان يفعل ذلك لمصلحته، وتأكيد نفوذه. وهذا هو بالذات ما لعب دوراً حاسماً في تشتت قوى الثورة وتشرذمها، وتحول بعض قادة الجماعات المسلحة إلى أمراء حرب، يستغلون الثورة للإثراء على حساب دماء الثوار والمدنيين.

“الثورة في النهاية تنتصر. وفي سيرورة انتصارها، يتم الفرز بين الغث والسمين، بين الثوار الحقيقيين ومن يحاول ركوب الموجة”

ثامناً: لن أنهي هذه المقالة من دون الحديث عن القوى والجهات التي تنطحت لقيادة الثورة. لا أشك في أن كثيرين ممن شاركوا في تكوين منظمات “المعارضة السورية”، سواء المجلس الوطني أو “الائتلاف” أو هيئة التنسيق أو غيرها (وهو كثير ويتكاثر مع الأيام)، هم من الوطنيين المخلصين للثورة وأهدافها. لكن سلوك “أصدقاء الشعب السوري” والمجتمع الدولي من جهة، ووجود انتهازيين وقناصي فرص كثيرين بين أعضاء تلك المنظمات من جهة ثانية، والحالة البائسة التي أوصل النظامُ معارضيه إليها من جهة ثالثة، أدت إلى الوضع الكارثي الذي وصلت إليه هذه “المنظمات”.

الثورة مستمرة، على الرغم من كل شيء. ففي كل الثورات الكبرى في التاريخ يحدث مثل هذا. تتعدد المواقف ووجهات النظر، وتتصارع الجماعات المختلفة. لكن الثورة في النهاية تنتصر. وفي سيرورة انتصارها، يتم الفرز بين الغث والسمين، بين الثوار الحقيقيين ومن يحاول ركوب الموجة. والثورة ستذيب الجميع في بوتقتها، وتلفظ منها ما لا ينسجم مع مسيرتها الظافرة.

حُطم جدار الخوف، وعادت السياسة إلى المجتمع، بعد أن وُضع الجميع على الرف في العقود الماضية. هناك تنظيمات سياسية تنشأ، وحوارات حول أهم قضايا المجتمع تدور في كل مكان. الثورة بدأت. وهي مستمرة وستنتصر.

 

 

 

صورة الثورة السوريّة: تحطيم البعثنة/ إيلي عبدو

منذ انطلاق الثورة السورية، تبدّت الصورة كفعل مضاد لوضوح حزب “البعث”. النقاء البصري المطلق الذي تراكم عبر أربعة عقود، من دون أن يخدش عيون السوريين، راح ينهار أمام عدسات شرهة تجد في مشهديات الثورة مقاربات عينية جديدة لهتك ما سبق والانتقام منه. عدسات تلتقط كل تفصيل ولحظة وانفعال لتحطم بعضاً من إطلاقية “البعث” البصرية وتُعمل تنكيلاً بها.

البعثنة واحتلال العين

الصورة السورية دخلت بعد وصول البعث إلى السلطة، حيز الحياد، ولم تعد تملك أي بعد سياسي. إذ اختصر الأسد المجال البصري ووزع وجهه نسخاً في أنحاء البلاد. لم يكن هدف

ذلك زرع الخوف فقط وتذكير المجتمع طوال الوقت بأن هنالك دكتاتوراً وحشياً يحكمه، ثمة غرض آخر تمثل باحتلال العين وأسرها.

كان لا بد للبصر السوري أن يتبعثن وتصبح آلية إنتاج الصور أقرب إلى استنساخ المستنسخ، بلا خيال، أو انحراف نحو هامش ما. تلك البعثنة البصرية، لم تكن في جوهرها، سوى عبادة قسرية للوضوح، صورة القائد معمّمة، معقمة، نقية، لا نتوءات فيها أو شوائب. وضوح نظيف يخلو من المعنى ويحيل كل ما حوله إلى زاوية واحدة مهما تعددت جوانب البصر، تبقى هذه الزاوية أسيرة اختناقها.

صورة (القائد) إذاً، تتسع لابتلاع بلد كامل وتحويله إلى حيّز ضيق تراه بدل أن يراها. وجوه الأسد المتكاثرة في جميع المدن والقرى، كانت ترى المجتمع وليس العكس. تبادل الرؤية هذا، يمكن أن يساهم قليلاً في فهم مصطلح احتلال العين السورية، تمهيداً لتقييدها سياسياً وإعلان بعثنتها.

والحال، فإن البعثنة، تبدّت طوراً من أطوار الوضوح الأبدي، الذي يستوي مع الاستقرار العام ويعيد إنتاجه بصراً أحادياً، لا مفاجآت فيه ولا انحرافات تبدّل مساراته. كل ذلك دفع الصورة السورية للدخول في زمن الثبات المحايد، وباتت سورية نفسها أشبه بتفصيل من لوحة طبيعة صامتة، تفتقر إلى التأويل أو الدلالة، وقبلهما إلى المعنى، فتصبح امتداداً للمحتل البصري الأوحد.

غياب الحدث، وإخضاع البلاد لحال الرتابة، ساعد على تعفّن الصورة، وتقلّص ممكناتها، فالعلاقة بالزمن انقطعت أو تعطلت، وتسلل الأبد القاتل إلى المشهديات اليومية ليمنع تحولها إلى صور ذات معنى ويجعلها معادلاً سريعاً للذكرى. لا مسافة بين الصورة البعثية وزمنها، غالباً مع تتطابق مع جمودها لتتبدى عند لحظة التقاطها ذكرى لا تحتمل أي انتظار لتستحق الصفة.

الغباشة تتحدى الوضوح

لدى تشكيكه بصور المتظاهرين المعارضين، الملتقطة بعدسات الهواتف المحمولة، لم ينتبه إعلام النظام السوري أو ذلك المتحالف معه، أن الصورة البعثية الصلبة بدأت تنهار، وغباشة الوجوه وعشوائية الكادرات ليست سوى خدش متعمّد لقداسة الوضوح الأسدي.

لم تتضح وجوه المتظاهرين، في صور تلك المرحلة، وبدت أجسادهم متلاصقة، تتماهى مع اللافتات والشعارات المرفوعة. كانت أقرب إلى اختلاط العناصر، المادي يذوب بالبشري، في لحظة غموض، تقاوم كل ما هو مفهوم وتنتصر للأسئلة: من هؤلاء؟ كيف تجرأوا على التظاهر ضد النظام؟ هل سيستمرون؟

توليد الأسئلة ساهم في تحطيم الصورة البعثية التي تميل إلى الجواب الصارم وتتوعّد مَن يخالف تأويلها الأوحد بأقسى النتائج. كما تمظهرت السمة التساؤلية كمؤشر مهم على انخراط الصورة السورية في أحوال التسيّس، وقد تحالفت الغباشة مع السؤال لتقضي على وضوح البعث وجوابه البليد، فتنتج مشاهد مسيّسة لا مكان فيها للحياد أو للبلاهة الخالية من المعنى.

وبدأ البصر السوري العام يستعيد قدرته على المبادرة، بالتوازي مع الحركة التي دخلت إلى الصورة بقوة وجعلتها أكثر سيولة واتساعاً. عاد الذهن المتلبد قسراً إلى التفاعل مع الحالة البصرية الجديدة، يصوغها وتصوغه، انطلاقاً من موقف سياسي معارض، يمدّ الصور بالمعنى ويمنحها إمكانية التأويل. الحركات والأوضاع والأمكنة، انتقلت من الحياد القاتل إلى امتلاك التعريف وتحديد الهوية.

هكذا، استعيض عن وضوح البعث الذي اختزن الفراغ والعقاب والبلاهة، بوضوح جديد، يعيد بناء هوية الصورة السورية، بشكل ضدي من تلك الحالة الهلامية التي كانت تعتريها سابقاً. لكن هذه الضدية التي حملت بعداً إيجابياً في تهديم مشهدية البعث، حملت أيضاً بعداً سلبياً، إذ سرعان ما سقطت الصورة مجدداً في فخ الإيديولوجيا. ورغم أن الأخيرة امتلكت هذه المرة، معنى وتأويلاً، على نقيض عقود البعث السابقة، فتمثلت وقائع الثورة وتفاصيلها، لكنها أعادت إدخال الصورة إلى حال التنميط، والذي وصل ذروته في مرحلة العسكرة.

نفي السياسة من جديد

قطعت صورة العسكرة علاقتها بالذهن، وتحولت إلى آلية تقنية تعيد صناعة الميدان دون التفكير به، مستفيدة من سماكة الإيديولوجيا الصلبة التي طغت على أدبيات الثورة في مواجهة النظام. ساهم ذلك في إضعاف السياسة داخل صور تلك الحقبة واستبدالها بكل ما هو شعبوي وغير قابل للتصريف الذهني. صحيح أن ذلك لم يعن العودة إلى البعثنة الأسدية، لكنه كشف انزلاقاً

خطيراً إلى الأيقنة وتحويل الأحداث لوقائع بطولية انتصارية لا مكان فيها للتأويل والفهم. حتى الحركة التي كانت عنصراً حاسماً للقطع مع بلادة البعث، تبدّت هنا جزءاً من صناعة الأسطورة الثورية، بصراً ورؤية.

تراكمت صور المعارك والمقاتلين لتنتج سردية مشهدية جديدة، تثبّت المعنى عند حدوده الأصلية، أي محاربة النظام، وتكبح كل إمكانية لتطويره في سياق يستكمل ما حصل مع بداية التظاهرات. وانحصرت مهام الصورة في نقل الواقع المعسكر وتقديسه، كتكتيك حربي، يستخدم ضد الخصم ويحاول إضعافه معنوياً. ما عطّل كل الممكنات الأخرى التي من شأنها توفير حال بصري لا يعتمد الصورة كأداة للصراع، وإنما حاجة طبيعية لتوسيع الواقع وإبراز خفاياه وهوامشه. أخطر ما في العسكرة صياغتها متناً بصرياً صلباً يختزل الواقع ويثبّت وقائعه بوصفها إحالات انتصارية لا جدل فيها. تجاوز الأداتية، كان شرطاً لازماً للتأسيس على صور التظاهرات وجعلها مادة أولى لصوغ هوية جديدة للصورة السورية لا تقطع مع حيادية البعث وفراغه فحسب، بل تقاوم حصرها ضمن وظائف نقل الواقع وإعادة إنتاجه لأغراض وأهداف إيديولوجية.

احتمالات وممكنات

تتوزع احتمالات الصورة، بعد أربع سنوات على اندلاع الثورة في سورية، بين العسكرة التي

باتت ممزوجة بالتطرف، ما يزيد من صلابة وثوقيتها، ومشاهد إنسانية تحاول استدرار تعاطف العالم، وأخرى تتصل بالنظام، لا تتنكر لصفاتها البعثية السابقة، لكن تضيف عليها بعضاً من ميثولوجيا المليشيات الحليفة التي تقاتل معه. رغم هذه الاحتمالات، يصعب حسم المآل الذي ستبلغه الصورة السورية، فعدم رهن المشهد الصادر عن الواقع بالواقع نفسه، يفتح ممكنات، ليس من السهل التكهن بطبيعتها.

 

 

سوريا.. أربع سنوات من تدمير الاقتصاد والمجتمع/ جهاد اليازجي

بعد مرور أربع سنوات على انطلاقها، تحوّلت الثورة السورية على نطاق واسع إلى حرب أهلية وإلى نزاع اقليمي بالوكالة، كما تدهورت حال الاقتصاد والمجتمع السوري بصورة مريعة. وفي هذا الصدد، صدر تقرير حديث عن “المركز السوري لأبحاث السياسات” (مقره دمشق)، بدعم من “برنامج الأمم المتحدة للتنمية- UNDP”، حول الوضع الاقتصادي في سوريا.

وأشار التقرير إلى خسارة الاقتصاد السوري أكثر من 200 مليار دولار خلال السنوات الأربع الأخيرة، أي ما يعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الاجمالي لعام 2010، أي العام الذي سبق اندلاع الثورة السورية. حيث تقدر نسبة البطالة في سوريا اليوم بأكثر من 57%، مقارنة بنسبة 11% العام 2010، كما يعيش الآن أربعة من بين كل خمسة سورييين تحت خط الفقر، في حين انخفض متوسط العمر المتوقع للفرد من 75 الى 55 عاما!

وتعرضت بعض القطاعات كالسياحة والنفط إلى دمار شبه كامل. بينما لحق بقطاع الصناعات التحويلية خراب هائل، وقد تعرض لأعمال سرقة ونهب واسعة بحيث لم يعد يشكل سوى خمس قيمته قبل الثورة. ومن بين القطاعات الأخرى التي تعرضت لمعاناة هائلة نذكر قطاعي النقل والتجارة الداخلية. ومن الجدير بالذكر أن الدمار الذي تعرض له اقتصاد البلاد قد ترافق مع تغيرات عميقة ضربت المجتمع السوري، بما في ذلك الهجرة الجماعية لرؤوس الاموال والموارد البشرية الى خارج البلاد، وكذلك التحولات الديموغرافية وتفتت المجتمعات والروابط الاجتماعية، بالاضافة الى ارتفاع معدلات الجريمة والشعور العميق بفقدان الكرامة.

وفي الإمكان مشاهدة الآثار البعيدة المدى لدمار الاقتصاد والمجتمع السوري في كل مكان. إذ تبدو الحكومة السورية، وبدرجة كبيرة، غير قادرة لتمويل نفسها. فهي تراكم، بشكل متزايد، ديوناً كبيرة على كاهلها بهدف تمويل مستوردات النفط والمواد الغذائية ولدفع رواتب موظفيها المدنيين، ولكن بشكل رئيسي لتمويل مجهودها الحربي، ومن سيتحمل عبء تسديد هذه الديون هو الشعب السوري بالطبع.

واذا أخذنا في الاعتبار النقص في التمويل وهروب رؤوس الاموال، فإنه سيكون بمقدورنا القول إن إعادة بناء الأصول المادية المدمرة، بما فيها المعامل والمعدات والآلات والأبنية السكنية، سيتطلب وقتاً طويلاً. فقد غادر كثير من رجال الاعمال البارزين البلاد، وسيكون من الصعب عليهم العودة إليها بعد انتهاء الحرب. كما ان اختفاء الطبقة الوسطى سيحرم البلاد من خبرة المدراء، الاكاديميين، الاطباء، المهندسين والمهنيين من سائر الاختصاصات.

وهناك ايضا عبء مستقبلي بانتظار المجتمع السوري يتمثل في صعوبة التخلي عن الكثير من الأنشطة والشبكات التي افرزتها الحرب والتي تلعب دورا متزايدا في الدورة الاقتصادية، إذ أن مصالح كبرى قد نشأت قي ظل اقتصاد الحرب وسيكون من الصعب السيطرة عليها.

وأخيراً، يتجذر التفتت الجغرافي والسياسي بشكل متصاعد. وقد تحوّل الكثير مما كان يعتبر مؤقتاً، مثل الخطوط الأمامية للجبهات، إلى شبه حدود بين مناطق مختلفة في البلاد، ما حطّم الشبكات الاقتصادية والتجارية التقليدية. وتقسيم مدينة حلب منذ صيف عام 2012 بين جزء غربي يخضع لسيطرة النظام وآخر شرقي تسيطر عليه المعارضة يمثل أحد أبرز الأمثلة على ذلك.

ونظرا لحجم الكارثة السورية، يبدو أنه من الصعب رؤية ضوء في نهاية النفق السوري الطويل، وكذلك من الصعب تقديم أي نصيحة تتعلق بالسياسات تتجاوز المطالبة بوقف فوري للقتال، وهو ما يبدو غير ممكن في المستقبل القريب.

كانت الثورة السورية الى درجة كبيرة تمرداً قامت به أكثر فئات الشعب هشاشة، حرماناً وفقراً، وبعد أربع سنوات من انطلاق الصرخات المطالبة بالتغيير كانت هذه الفئات بالذات هي التي دفعت أبهظ الأثمان في هذه الحرب، وأصبحت أكثر فقراً وهشاشة وأسى. وبالتأكيد لن يكون في 15 آذار 2015 سوى القليل مما يستحق الاحتفال به، ولسوء الحظ القليل أيضاً مما يمكن عقد الآمال عليه.

 

 

الثورة في عامها الخامس.. سوريا تنزف

دعا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الخميس، أمام مجلس الأمن الدولي، إلى اتخاذ “إجراءات حاسمة” تضع حداً للنزاع الذي تشهده سورية منذ أربعة اعوام. وقال مون: إن “الشعب السوري يشعر أكثر فأكثر بأن العالم تخلى عنه في وقت يدخل عاماً خامساً من حرب تدمر البلاد”.

ولا تبدو تصريحات الأمين العام، بعيدة عن الواقع، في وقت تغرق فيه سوريا بظلام دامس، حيث بيّنت دراسة لصور التقطت بالأقمار الاصطناعية؛ أن عدد الأنوار المرئية في سوريا ليلاً قد هبط بنسبة 83 في المئة، منذ آذار/مارس 2011.

ويتضح عمق الأزمة السورية، بمتابعة الأرقام الكارثية للضحايا، بحيث ناهز عدد القتلى 350 ألف شخص، و840 ألف جريح. وتراجع مؤشر الحياة بنسبة 27 في المئة، بحيث تراجع متوسط العمر للإنسان السوري من 75.9 في العام 2010 إلى 55.7 بنهاية العام 2014.

وفي ظل الدعم العسكري الإيراني غير المحدود للنظام السوري، باتت قوات “الحرس الثوري” ومليشيا “حزب الله” اللبناني، تخوض حرب النظام المفتوحة على الشعب السوري. القوات الأجنبية الموالية للنظام، تنتشر اليوم على كامل مساحة الجغرافية السورية، وهي تتحيد بشكل متزايد، الصدام مع تنظيم الدولة الإسلامية، ويكتفي الطرفان بمهاجمة الجيش السوري الحر.

وشكّل العام 2014، مرحلة مهمة، في تحرير معظم أراضي محافظتي درعا والقنيطرة جنوبي سوريا، رغم الهجوم الإيراني المكثف لاستعادة بعض المواقع مطلع العام 2015. كما فشل النظام وحلفاؤه في تطويق وحصار مدينة حلب، وتمكن الثوار من كسر الطوق العسكري المفروض عليهم، واستعادوا قرى حندرات ورتيان وحردتين.

سياسياً:

انهارت مفاوضات جنيف-2 المعقودة في شباط/فبراير 2014، بسبب تعنت وفد النظام، ورفضه مناقشة بنود المفاوضات.

وفي 13 أيار/مايو 2014 استقال الموفد الخاص للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية الأخضر الإبراهيمي من منصبه.

في حزيران/يونيو أجرى النظام السوري، انتخابات رئاسية، في المناطق التي يسيطر عليها، وأعلن فيها فوز بشار الأسد، لولاية ثالثة، بنسبة 88.7 في المئة، وبلغت نسبة التصويت 73,42 في المئة، بحسب الأرقام الرسمية.

في آب/أغسطس تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 2170 المطالب بوقف دعم وتمويل وتسليح تنظيمي “الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة”.

في أيلول/سبتمبر، تم الإعلان عن تشكيل “تحالف دولي” بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

في تشرين الثاني/نوفمبر، أبدى رئيس النظام السوري استعداده لدراسة المبادرة التي طرحها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا والمتعلقة بتجميد القتال في مدينة حلب. ومازال النظام يماطل في الموافقة على وقف إطلاق النار حتى الآن.

في كانون الثاني/يناير 2015 دعت روسيا إلى اجتماع عُرف بـ”منتدى موسكو” شمل قائمة مختارة من بعض المعارضات السورية، والتي وافق عليها النظام السوري، ولم يضم المنتدى المجموعات المسلحة والسياسية المعارضة الرئيسية.

اقتصادياً:

في آذار 2015، أصدر “المركز السوري لبحوث السياسات” تقريراً بعنوان”سوريا: الإغتراب والعنف”، ركّز فيه على ازدهار اقتصاد العنف خلال العام 2014 مع اشتداد وتيرة المعارك، وإعادة تخصيص الموارد ورأس المال في خدمة آلة الحرب. وترافق ذلك مع توسع الأسواق السوداء، وتراجع في السيادة وحكم القانون، وتزايد في الاعتماد على الدعم الخارجي، وتعمق الانكشاف الإقتصادي وخسارة الأمن الإقتصادي.

وقُدّر حجم الخسائر الاقتصادية منذ بداية النزاع حتى نهاية العام 2014، بمبلغ 202.6 مليار دولار. في حين شكلت خسائر مخزون رأس المال المتضرر 35.5 في المئة. وتعادل الخسائر الاقتصادية الإجمالية 383 في المئة من الناتج المحلي للعام 2010 بالأسعار الثابتة. وقُدّر الحجم الاجمالي للخسائر في الناتج المحلي الاجمالي بمبلغ 119.7 مليار دولار، علماً أن 46.1 مليار دولار هي خسائر العام 2014 وحده.

وازداد عجز الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 35.7 في المئة في العام 2013 إلى 40.5 في المئة في العام 2014، وارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي الجاري من 104 في المئة للعام 2013 إلى 147 في المئة بحلول الربع الرابع من العام 2014.

وارتفعت نسبة البطالة في العام 2014 إلى 57.7 في المئة، بواقع 3.72 مليون شخص منهم 2.96 مليون فقدوا عملهم خلال الأزمة. وأصبح أكثر من ثلثي السكان يعيشون في حالة الفقر الشديد. ووصلت نسبة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الأساسي 50.8 في المئة خلال العام الدراسي 2014-2015.

إنسانياً:

في تقرير حديث أصدرته مجموعة من المنظمات الإنسانية، بعنوان “سوريا: فشل الأداء الدولي”، سُجلت بانوراما مريعة للوضع الإنساني في سوريا، بعد أربعة سنوات على اندلاع الثورة فيها. وجاء فيه:

في نهاية شباط/فبراير 2014 دعا مجلس الأمن الدولي في القرار رقم 2139، إلى السعي عاجلاً لايصال المساعدات الإنسانية لعدد أكبر من سكان سوريا. وطالب القرار جميع الأطراف بوقف فوري للهجمات التي تستهدف مدنيين، والكف عن عمليات الاحتجاز التعسفي والخطف والتعذيب ورفع الحصار عن الأماكن المأهولة.

وفي تموز/يوليو وكانون أول/ديسمبر، صدر القراران الرقم 2165 و2191 عن مجلس الأمن، وتضمنا بنوداً سمحت بدخول مساعدات إنسانية للأمم المتحدة إلى سوريا، من الدول المجاورة، وذلك من دون موافقة الحكومة السورية المسبقة.

وعلى أرض الواقع، إزدادت معاناة السوريين، في ظل فشل المجتمع الدولي، في تنفيذ القرارات السابقة، بحيث قتل منذ شباط 2014، ما يقارب 76 ألف سوري، بينهم مئات الأطفال، وسُجل مقتل 140 طفلاً في هجمات لقوات النظام، على مدارس، خلال العام 2014.

وازداد عدد سكان المناطق التي يصعب الوصول إليها في الداخل السوري، إلى نحو 4.8 مليون شخص، وتراجعت المساعدات الغذائية التي تلقاها هؤلاء بنسبة 97 في المئة، في الأشهر التي تلت اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2139. وتراجع بنسبة 63 في المئة، عدد الأشخاص الذين استفادوا من قوافل مشتركة بين الوكالات الاغاثية، بالمقارنة مع العام 2013. في ظل تسجيل زيادة حادة في الحاجات الإنسانية، في السنوات الثلاث الماضية بمقدار 12 مرة، في حين زاد التمويل ثلاث مرات فقط. كما ارتفع عدد اللاجئين اللذين دخلوا دول الجوار إلى 3.3 مليون بحلول نهاية العام 2014.

وأصبح الوضع الإنساني كارثياً في الداخل السوري، بواقع 11.6 مليون سوري بحاجة ماسة إلى مياه نظيفة، و10 ملايين شخص لا يصلهم من يكفي من طعام، و5.6 مليون طفل بحاجة إلى مساعدة إنسانية طارئة، و212 ألف شخص محاصر.

ودمر أكثر من مليون منزل جزئياً أو كلياً، في السنة الماضية، وتضرر أكثر من ثلث منشآت المياه. وتراجع توزيع المياه إلى النصف بالمقارنة مع العام 2010.

 

 

المعضلة السورية/ ماجد كيالي

بعد أربعة أعوام على الثورة السورية تولدت معطيات أساسية لا يمكن تجاوزها، بل ينبغي على المعنيين قراءتها، واستخلاص الاستنتاجات المرجوة، وأولها، أن لاشيء يقيني، في المدى المنظور على الأقل، في ما يتعلق بقراءة المستقبل السوري، لا انتصار المعارضة ولا سقوط النظام، فالقرار بالحسم لم يصدر بعد.

ثانيها، أن هذه الثورة لم تعد هي ذاتها، بمعنى أننا لم نعد ازاء معادلة صراعية قوامها طرفا السلطة والثورة، او النظام وغالبية الشعب، إذ دخلت على المشهد أطراف أخرى، ربما باتت تستحوذ على أسهم أكثر في صوغ القرارات او تحديد الخيارات، كروسيا وإيران والميليشيات التي تشتغل كإمتداد للنفوذ الإقليمي لها، او كالجماعات الإسلامية المتشددة المحسوبة على “القاعدة” أو المتماثلة معها (كجبهة النصرة وداعش مثلا).

وثالثها، أن الولايات المتحدة هي التي ما زالت تملك الفصل في تسيير دفة الأحداث بهذا الشأن، أي أنها حتى في دورها السلبي والإنكفائي، على ما يظهر، هي التي توزع الأدوار وتوسع من هامش مداخلات الدولتين المذكورتين، أي إيران وروسيا، في إسناد النظام، تماما مثما هي التي تسمح بأدوار اخرى لتركيا وغيرها من الدول العربية، في الإسناد المحدود للمعارضة.

الأمر الرابع، أن السوريين كشعب، بمختلف أطيافهم باتوا خارج المعادلات الصراعية، بعد ان تمت ازاحتهم من المشهد بطريقة أو بأخرى، لا سيما بسبب تعمد النظام تدمير ما يعتبره المناطق الشعبية الحاضنة للثورة، وتشديد الحصار عليها.

وخامسها، أن هذا الانفجار السوري لم يطل فقط علاقات النظام بالشعب، وإنما هو تجلى في تضعضع التوافقات المجتمعية، أو تصدعها.

وسادسها، أن الصراع ما زال من وجهة نظر كل الأطراف يجري على أساس القاعدة الصفرية، اي “يا قاتل يا مقتول”، فالنظام لا يبدو قابلا لأي تسوية سياسية، والمعارضة لا ترضى بأقل من اسقاط النظام، مع التأكيد بأن النظام هو المسؤول تاريخيا عن هذه الحالة، اي حالة غياب السياسة، بسبب احتكاره لها لنصف قرن تقريبا.

وسابعها، أن هذه الثورة لم تستطع بعد أن تولد طبقة سياسية سورية يمكن ان تشكل جسما قياديا لها، إن على الصعيد السياسي او العسكري او على صعيد العمل المدني.

هكذا نحن الآن، أي بعد اربعة اعوام من الصراع الدامي والمدمر، إزاء معضلة سورية بكل معنى الكلمة، وهذه تشمل البعدين المجتمعي والدولتي، يفاقم منها المداخلات الخارجية، الدولية والإقليمية، التي تتوخى السيطرة على الوضع، والتحكم بوتائر الصراع السوري – السوري وتجييره لطرفها، او لمصلحتها، بغض النظر عن مصالح السوريين ومستقبلهم.

النهار

 

 

 

نقاط الانعطاف في مسار الصراع بسوريا/ طارق أحمد بلال

الأطوار الستة

الخارطة العسكرية

العام الخامس

سوريا أكبر مقلع بشري في العالم. هكذا يبدو المشهد الميداني مع دخول الثورة عامها الخامس، تدفق يومي لأفواج من الوافدين الغرباء، طلبا لثارات الحسين أو نصرة لأهل الشام، مصير أكثرهم العطب أو الموت والفناء.

من احتجاجات إلى ثورة سلمية إلى مسلحة، ثم التحول لحرب لم تلبث أن جرى تدويلها، وآخر الأمر صدور قرار أممي يتيح التدخل الخارجي تحت البند السابع، جرت ترجمته سريعا بتدخل عسكري في هيئة تحالف دولي باسم الحرب على الإرهاب. وعلى امتداد هذه الأطوار الستة خضعت إستراتيجيات المواجهة لتعديلات جذرية فشلت جميعا في الوصول لنهاية ما.

والمسافة الفاصلة بين بداية الثورة في مارس/آذار 2011 وبين ما آلت له صورتها اليوم شديدة الازدحام بالأحداث بين المآثر والمآسي، شديدة التداخل بالعلاقات بين التآمر والتآخي، والثابت في الصراع -إلى الآن- هو التمسك بالسقف المرتفع للشعارات الأولى للطرفين، ما بين ساع للتحرر الكامل من استبداد النظام على طريقة “الشعب يريد”، وبين متمسك بالسلطة الكاملة على طريقة “أو لا أحد”، والنتيجة فقدان السيادة لصالح الارتهان لقوى خارجية كبرى تستأجر النظام وتقامر بالشعب، وتراهن على الزمن. وغير استمرار الموت اليومي لا تكاد تثبت حقيقة.

الأطوار الستة

في البدء، حاول نظام دمشق التصدي لرياح التغيير عبر التواري خلف إستراتيجية الترهيب والترغيب، فسعى لقمع الأصوات في درعا، وأقال حكومة وعين أخرى وتحدث عن حزم الإصلاح وتوعد خصومه متهما إياهم بالتخريب.

فشلت إستراتيجيته هذه في احتواء المستجدات، حتى بلغ المد الثوري خروج مظاهرة حاشدة من أكثر من عشرين ألف مواطن انطلقوا من الغوطة الشرقية نحو ساحات دمشق في 21 أبريل/نيسان 2011، سقط منهم المئات في الزبلطاني بالنار والبارود في مجزرة هي الأولى من نوعها سبقتها بثلاثة أيام مجزرة مشابهة في الحجم في دوار الساعة في حمص، ترافق ذلك مع توقف حزم الإصلاح إعلانا عن انتهاء إستراتيجية الترغيب والترهيب وبداية طور جديد باعتماد “الحل الأمني” كما شاع في وصفه آنذاك.

لم يستمر الطور الثاني سوى أشهر كانت مليئة بالترويع وإجرام ممنهج سعت سياسات النظام لإظهاره دون ستر، فكان من ضحاياه حمزة الخطيب وزينب الحصني وثامر وهاجر وغيرهم.

عجزت هذه الإستراتيجية عن إيقاف التمدد الثوري في المحافظات السورية حتى بلغت حشود الهاتفين بإسقاط النظام في ساحة العاصي في حماة أكثر من نصف مليون مواطن. جاء إعلان فشل الحل الأمني في انسحاب القوى الأمنية والزج بالجيش إلى المواجهة المباشرة بعد أن كان دوره مقتصرا على التطويق دون الاجتياح، فكانت مجزرة هلال رمضان في 31 يوليو/تموز 2011 مع إطلاق حملة عسكرية واسعة في أربعة محاور درعا وحماة وإدلب ودير الزور.

استمر الطور الثالث عاما لم ينجح فيه الحل العسكري باستيعاب الموقف بل زاد في تأزيمه ودفع بالثورة نحو التحول إلى مسلحة في بابا عمرو والزبداني وجسر الشغور، إلى أن تمكنت قوى الثورة من تفخيخ مبنى الأمن القومي في دمشق والإطاحة بأربعة عشر من زعامات النظام في 18 يوليو/تموز 2012 أعقبته حالات انشقاق واسعة وظهور للجيش الحر في الميدان وسط دمشق، وسيطرة المعارضة على العديد من المعابر الحدودية في اليوم التالي، واندلاع معركة تحرير حلب بعد أقل من أسبوع والدخول في طور جديد من المواجهة.

التحول إلى إستراتيجية جديدة كان شديد الوضوح في المنحنى البياني لأعداد الضحايا المتزايدة بشكل كبير بعد تاريخ الحادثة، ليكون شهر أغسطس/آب 2012 الأكثر دموية في مسار الصراع، برغم ثبات أعداد الضحايا في مستويات مرتفعة طيلة شهور الطور الرابع.

استمر الطور الرابع عاما كان مليئا بالدمار في البنى التحتية، استطاعت المعارضة خلاله السيطرة على مساحات واسعة من سوريا فتمايزت ساحات النفوذ وانخفضت مستويات الاعتقال وتطورت أساليب القتل وأسلحته من الذبح إلى القنص إلى القصف المدفعي ثم الصاروخي وصولا إلى الكيميائي.

جاءت مجزرة الكيميائي في غوطة دمشق في تاريخ 21 أغسطس/آب بعد التصعيد العسكري الذي أظهرته كتائب الثورة في إقدامها على معركة الساحل معلنة فشل سياسات النظام في الحد من تقدمهم، وشكلت المجزرة منعطفا جديدا انتقل بالحرب إلى التدويل والدخول في التفاوض العلني على مقدرات البلد وسلاحه، وكان ذلك بداية للطور الخامس من المواجهة.

في الطور الخامس حافظت المواجهة بين النظام وكتائب الثوار على صورتها بالمجمل فيما يشبه التوازن الحرج، بينما برز اسم تنظيم الدولة الإسلامية وازداد نشاطه واحتد خطابه واصطدم مع الإرادة الشعبية فبعثر صفوف الثوار وشتت تركيزهم على جبهتين في آن، إلى أن وقعت مواجهات مسلحة ضده في 2 يناير/كانون الثاني 2014 أدت لتمايز جديد لمساحات النفوذ مما سبب إزاحة في الاهتمام الدولي وإعادة تعريف للصراع وأطرافه وأولوياته، مما يسمح باعتبارها نقطة انعطاف وبداية لطور جديد.

في الطور السادس بدا مشهد المواجهة نشازا بالقياس لما كان عليه في الأطوار السابقة، حيث حافظ النظام على مواقعه مدعوما بمليشيات مذهبية، وانحسرت سيطرة كتائب الثورة إلى مساحة ضيقة في شمال وجنوب البلاد وعلى مقربة من العاصمة، بعدما انتزع تنظيم الدولة منها السيطرة على مساحة جغرافية واسعة شرقي سوريا.

ترافق هذا المشهد مع انزياح كبير في الموقف الدولي من الصراع وارتفاع نبرة الحرب على الإرهاب مع اعتبار نظام الأسد خارج طرفي هذه الحرب. فصدر في يونيو/حزيران 2014 قرار أممي يجيز التدخل تحت البند السابع، وباشر التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة ضرباته في سوريا في أغسطس/آب 2014.

لا تزال المعادلة المسيطرة على المشهد في الطور السادس سارية حتى الآن، وستستمر إلى حين وقوع مفاجآت جديدة على أبواب العاصمة تدفع بنظام دمشق وحلفائه للتصعيد بالسلاح لاستعادة قواعد الصراع، أو إلى حين دخول النظام في حلف الحرب على الإرهاب لا سيما إن توصلت طهران لتفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية حول الملف النووي، أو إلى حين ظهور بدائل جديدة تزيد في خيارات المجتمع الدولي خارج ثنائية داعش والنظام. بيد أن ظهور البدائل يبدو متعذرا في ظل قصور الأداء السياسي للمعارضة والقوى والثورية.

الخارطة العسكرية

على امتداد الصراع في أطواره الستة، اتسمت سياسات النظام باستخدام المعالجات العنفية، حتى أن مراسيم العفو الرئاسي طالت الإسلاميين الجهاديين والموقوفين الجنائيين ولم تتسع لنشطاء الرأي، في سلوك سلطوي يدفع الوضع الأمني نحو الفوضى بما يسوغ المعالجات العنفية، فكان تحول الحراك الثوري نحو المسلح تحصيل حاصل.

استطاعت قوى الثورة إحراز تقدم واسع في صيف 2012 والاستيلاء على المعبر الحدودي الأول شمالي البلاد، وازدهرت حركة التحرر نهاية 2012 حتى اتصل طريقها من المعبر على الحدود التركية السورية مرورا بغوطتي دمشق وصولا لمدخليها جوبر وداريا.

في مارس/آذار 2013 سجلت الكتائب انتصارا عسكريا ذا مدلول سياسي نوعي لم يتكرر، تمثل في تحرير مركز محافظة لتصبح الرقة أولى المحافظات المحررة.

وفي أبريل/نيسان 2013 كانت ولادة تنظيم الدولة نقطة تحول في الخارطة العسكرية ظهر أثرها لاحقا.

في مايو/أيار 2013 بدأ التدخل العسكري الأول بشكل غير معلن، تمثل في اقتراف مليشيات أجنبية مجزرة بلدتي البيضا وراس النبع بالقرب من بانياس، كإعلان عن تحول سياسات طهران تجاه دعم نظام دمشق، من الإسناد اللوجستي والاستشاري إلى المباشرة بأعمال قتالية بإشراف وتخطيط وتنفيذ عناصر إيرانية أو ذات تبعية إيرانية مباشرة.

في يونيو/حزيران/ 2013 استطاع التدخل الإيراني ومليشيا حزب الله الإيراني صنع نقطة تحول في الخارطة العسكرية عبر كسب معركة القصير وبعدها تل كلخ، مما مهد لصناعة توازن جديد أوقف حركة التحرر وقطع الطرق إلى دمشق وجعل زيادة نفوذ المعارضة رهنا بكسر نقاط الاستعصاء، فزادت حدة المواجهات وارتفعت مستويات العنف وأعداد الضحايا.

في عام 2014 لم تشهد خارطة السيطرة انزياحا معتبرا بل كان من شأن المعارك تكريس حدود السيطرة، وهنا يمكن الإشارة لنقطتين:

– استمرارية معادلة الأرياف والمدن: حيث الأرياف تحت سيطرة الثوار ومراكز المحافظات تحت سيطرة النظام وحلفائه، بل على العكس من العام السابق الذي شهد دخول الرقة في سيطرة الثوار، شهد عام 2014 خروج مركز محافظة حمص من سيطرة الثوار إلى سيطرة الأسد ودخول الرقة تحت سيطرة تنظيم الدولة.

– ظهور معادلة الهدنة في كل من دمشق وريفها وحمص، وهي المعادلة التي تنطلق من واقع التوازن العسكري بين الطرفين.

وبينما حافظت الخارطة العسكرية على صورتها في حدودها العامة، شهدت في العمق تبدلات واسعة جدا داخل مساحات النفوذ لكلا الطرفين لتصبح أربعة أطراف رئيسية، داعش والنظام والفصائل الكردية وفصائل المعارضة. وفي حين تمكن النظام من إحراز تفاهمات ضمنية مع كل من داعش والفصائل الكردية، تفتقد كتائب المعارضة القدرة على التقدم بأداء برغماتي مشابه.

هذه التغيرات المعتبرة الطارئة على المشهد في 2014 أدت إلى إخلال في جانب من التوازن تجلى ميدانيا في صورة تمايز ساحات النفوذ، فتعاظم دور الحلفاء الداعمين للأسد خصوصا بعد بسط سيطرته على مدن القلمون، وظهر تنظيم الدولة جالبا معه ضربات التحالف ومطيحا باستقرار ما تحرر على يد الثوار، وتمايزت صفوف كتائب الثوار ليقع الشمال تحت سيطرة الكتائب الجهادية والجنوب تحت سيطرة الحر، وتستمر التداخلات في الوسط.

ومما زاد في تمايز ساحات النفوذ تنامي قدرة كتائب الثورة على التلاقي ضمن تشكيلات جامعة، مع انخفاض ملحوظ في ظهور كتائب جديدة قياسا بعام سابق، الأمر الذي ساهم في حصر اللاعبين المحليين في مجموعة من التشكيلات الكبيرة المنتشرة في طول البلاد، كما كان لحلب السبق في تسجيل أول عملية اندماج كاملة لجميع الكتائب الفاعلة فيها (عدا جبهة النصرة) تحت اسم “الجبهة الشامية”.

العام الخامس

إذا كان العام الأول للثورة هو عام التحول نحو الكفاح المسلح، فالعام الثاني كان ربيع عملية التحرر التي شهدت جمودا في العام الثالث وتمايزا في الرابع، وأما الخامس فهو مفتوح على احتمالات واسعة للغاية تبدأ من إمكانيات المعارضة المسلحة في ريف دمشق والمنطقة الجنوبية وتنتهي عند التوافقات الدولية الغائبة مع غياب أي أفق لتسوية قريبة في ملف شرقي أوكرانيا. ويبقى المؤكد هو أن العام الخامس لن يكون أقل سخونة في المواجهات عن سابقيه، حتى مع سيطرة البرود في التعاطي الدولي مع الملف السوري.

سوريا مدرسة في الواقع، تزود روادها بالمعرفة العملية الكافية لاجتياز أوهام المحبة وقيم العدالة المتحطمة على صخرة لئم الأمم، ولإن كان 2014 عام الحقيقة الدامية فهو بها جميل يبدد وهم الأمل الزائف، وعلى كل حال فالحقيقة لا تخلو من بشير، تنزاح أساريره عن جوهر ثورة عظيمة الأوصاف، عصية على الخذلان، قادرة على الاستمرار رغم السنوات العجاف.

الجزيرة نت

 

 

أربع سنوات هزت العالم/ طيب تيزيني

قد تكون السنوات الأربع المنصرمة أخطر مرحلة تمر بالعالم كله، أو واحدةً من أخطر مراحل العالم إيّاه. فإن يلجأ عُباد القتل إلى استخدام أدوات القتل البدائية في إنهاء حياة طفل وامرأة ورجل، فإن هذا أمر اعتقد الكثيرون أنه صار ينتمي إلى العصر الحجري وانتهى؛ وأن يلجأ من يستبيح النساء إلى جزّ رؤوسهم، ورؤوس أطفالهن الذين في أحضانهن مع بقر بطونهن، إضافة إلى جزّ رؤوس الرجال وأبنائهم، وأن يلجأ أخيراً إلى إشعال النار في البيت المستخدم في القيام بتلك الخطوات، وبعد نهب ما فيه من مقتنيات ثمينة. هذا وذاك، وذلك يجسدون مراحل إنجاز الجريمة المأساة، التي اخترقت وتخترق سوريا بامتياز.

ها هنا في ذلك كله، واجهت البشرية الراهنة كلها فصلاً من فصول التحول الكوني المتمثل في الانتقال من الوجود إلى العدم، هذا الانتقال الذي ظن البشر أنه انتهى وينتمي إلى عصور سحيقة من الهمجية البربرية فآكِلِ لحوم البشر، يعود ليدلل على أن التاريخ قد يعيد نفسه وإنْ بحيثيات أخرى، وكذلك على أنه قادر على إفناء أكوام من البشر.

أما الوجه الآخر من ذلك، فيتمثل في أن العالم «الآخر»، الذي قدم نفسه بمثابة حامل التقدم وباني الحضارة الجديدة الحديثة، بما فيها من منظومات للحداثة وحقوق الإنسان ظهر، ويظهر الآن قبيحاً ملطخاً بالعار والجريمة، إذ في حضوره ظهرت «داعش»، وظهرت النظم الأمنية الكاسحة باستبداد الشرق الأوسط وغيره. لقد أسس ذلك الغرب عالم الاستغلال والإرهاب والحروب شبه الدائمة مع الإذلال والاستبداد، رغم ما انتجه تحت عنوان «حقوق الإنسان». ولكيلا نقع في النزعة المثالية المفرطة، يتوجب على الباحث ألا ينظر إلى تسلسل الأحداث التاريخية على أنه ذو حركة نقية خالصة باتجاه الأفضل فالأفضل، مما يوجب القول إن هذه الحركة يمكن أن تأخذ صيغاً واتجاهات وسياقات متعددة ومركبة، وكذلك مما يعني أن ما يجري على هذا الصعيد يحمل طابعين اثنين، واحداً موضوعياً يتصل بالحدث نفسه، وكذلك بالفاعل فيه: من الموضوعية إلى الذاتية.

على هذا، تبدو مسؤولية البشر أمراً بأكثر من وجه، وهذا ما وضح خصوصاً في مسارات المجتمعات الغربية حتى بلوغ النظام العولمي، إذ هاهنا خصوصاً ظهر البشر مسؤولين عن القتل والاستباحة والظلم، كما ظهروا هم ضحايا، ومن ثم، فإن رؤية فلسفية من نمط الوجودية لن تضيء هذه البنية المركبة والمعقدة، بقدر ما تضفي عليها مسحة من الاضطراب. فالمسؤولية مقترنة بالحرية والفعل وبامتلاك السلطة والثروة والإعلام المجتمعي. إن السنوات الأربع المنصرمة من حياة «الربيع العربي» في سوريا تضعنا- في ذكرى بدايتها وانطلاقها- أمام استحقاقات الموقف من تلك الثلاثية، ذلك في ضوء الحرية والمسؤولية والفعل من أجل سوريا حرة ديمقراطية، إضافة إلى كونها منزوعة السلاح، وإلى أنها مرشحة للوجود كجمهورية مؤسسة على العدل والمحاسبة، ومبدأ التداول السلمي للسلطة.

الاتحاد

 

 

 

العام الخامس والتحولات المطلوبة/ جورج صبرة

بعد أربع سنوات من عمر الثورة، أربع سنوات من الحرب المفتوحة التي أعلنها النظام على الشعب، يبدو النظام السوري – بوضوح كامل – أنه ليس ابن حياة. لم يسعفه الدعم الروسي المتعدد الأشكال، ولم تتمكن البروباغندا الزائفة والإمكانيات الكبيرة التي وضعتها إيران في خدمته من تلميع صورته وإعادة تأهيله؛ لأن الجرائم التي ارتكبها كمّا ونوعا، وحجم التدمير الذي ألحقه بالبلاد، غير مسبوق في تاريخ المنطقة، ولا مثيل له في سجل الطغاة والحكام القتلة. وقد بدأ بالفعل تأفف السياسة الروسية وتململها من المطب السياسي والأخلاقي والإنساني التي أوقعتها فيه حماقة النظام المستمرة؛ فليس لأحد أن يتمسك طويلا بنظام ذاهب إلى نهايته.

وفي الوقت نفسه يلحظ المتابعون لمجريات الثورة السورية – بوضوح أكبر – أنها غير قابلة للنكوص والارتداد، رغم الصعوبات الكبيرة التي تواجهها، والآلام المبرحة التي تتحملها. فليس للسوريين ما يخسرونه، ولم يعد لديهم ما يحرصون عليه غير حريتهم وكرامتهم وإرادتهم الموعودة. وقد برهنوا عن ذلك ببلاغة الشجاعة والاستشهاد التي بهرت العالم وأخجلته.

وتوازن الضعف الذي أدير بعناية، وحكم العلاقة بين الثورة والنظام خلال الفترة الماضية، غير مرشح للاستمرار. فتصميم الشعب واستعداده للتضحية من جهة، والتهتك المستمر للنظام ومؤسساته وأدواته وأجهزته من جهة أخرى، كفيلان بتغيير المعادلة. فلن تقبل الثورة بغير النصر، وليس للنظام إلا الرحيل.

ويبقى للقوى الإقليمية دور مميز لفكفكة الاستعصاءات القائمة، ومعالجة الأوضاع المركبة والمتشابكة في المنطقة، ومواجهة الاستحقاقات بإرادة جديدة وحازمة. فالتطرف والإرهاب وعدم الاستقرار وشهوة التسلط الإيراني الجامحة تهدد الجميع. فلا بد من تحولات مطلوبة، تحولات بالقول والفعل تكبح جنون القتلة، وتضع حدا للأحلام الإمبراطورية، وأحقاد التعصب الطائفي وضغائنه، وتمنع الفئوية العمياء من أن تستمر بمساعي الهيمنة.

فالخروج من الاستقطابات والمحاور التي أنهكت المنطقة، وانعكست سلبا على الثورة السورية، مطلوب بقوة. ومن المهم التمسك بالجوهر دون القشور، والدائم بدل المؤقت، والأكثر أهمية قبل المهم. وهو مطلوب من ثلاثية الدول التي تمتلك قوة الجذب وعناصر القوة، ألا وهي تركيا والسعودية ومصر. وهي قادرة على ذلك. فالتمدد الإيراني المتعدد الأشكال نحو البحرين المتوسط والأحمر، يستهدف، فيما يستهدف، ما تمثله هذه الدول من مرتكزات فعل وتأثير لاستقرار المنطقة بكاملها. ولا شيء يمكن أن يوقف هذا «الغزو» الإيراني الغاشم، والزحف الإرهابي البربري لـ«داعش» ومنظمات الإرهاب غير مثلث القوة هذا.

وعلى الصعيد الدولي، لم يعد مقبولا أن تبقى السياسة الأميركية مكبوحة خلف المحيط. فهي عندما تتردد أو تنكبح لا تقوم بذلك وحدها، إنما تؤثر على مجمل السياسات الدولية. تكبح بعضها، وتخذل بعضها، وتدفع البعض الآخر للتمدد والتطاول ومحاولة اقتناص الفرص. فمحاسبة السياسة التي اعتمدها المجتمع الدولي (وعلى رأسها السياسة الأميركية تجاه المنطقة) تبدو صارمة وقاسية، خاصة فيما يتعلق بالملف السوري. فقد قابلت الفرص المتاحة بتجاهل غير مفهوم وعجز مفتعل، ضاربة عرض الحائط بالعلاقات التاريخية بالمنطقة وحساسية التوازن فيها، ومنظومة القيم «الأميركية» التي طالما صدّعت رؤوس الناس بها، كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. فهل يمكن لهذه السياسة أن تستمر على ضوء المشهد الجديد للشرق العربي والوقائع والأحداث التي تجري فيه؟!

يهيمن النفوذ الإيراني اليوم على أربع عواصم عربية. وتحارب ميليشيا قاسم سليماني (وبقيادته شخصيا على أرض سوريا والعراق) في الساحة الأكثر اشتعالا بين بغداد ودمشق. ويحاول حلفاؤه وإرهابيوه إمساك المضائق والممرات المهمة من قناة السويس إلى رأس مسندم، مرورا بباب المندب وموانئ بلاد الشام. ويحاصر جواد ظريف بملفه النووي منطقة النفط الأكثر أهمية لأوروبا والعالم. بل يحاول أخذها رهينة في مسار مفاوضات لا تثمر ولا تنتهي. ويعمل المتعصبون الإيرانيون وزبانيتهم على إشعال حرب مذهبية بين السنة والشيعة لا تبقي ولا تذر. فهل يبقى وضع كهذا مرشحا للاستمرار؟! وأي نتائج للحرب على الإرهاب التي تقوم بها «الحملة الدولية»، وتنتظم في صفوفها أكثر من ستين دولة؟!

وعلى الصعيد الوطني السوري والمعارضة السورية على وجه التحديد، تبدو التحولات المطلوبة أكبر أهمية وأكثر إلحاحا. فالحاجة ماسة لوقفة متأنية مع الذات، تتسم بالشجاعة والحكمة والمصارحة والنقد، لاستكشاف حصيلة بيدر الثورة، ومحاسبة الذات للذات، فردية كانت أو جماعية، فيما فعلته أو لم تفعله، فيما ارتكبته أو صمتت عنه. فلم يعد الصمت جائزا. وكي يتمكن المرء من مطالبة الآخرين بفعل ما يتوجب عليهم، فعليه أن يفعل ما يتوجب عليه أولا.

يأتي في أول التحولات المطلوبة تحقيق أعلى درجة من التوافق والتنسيق والوحدة بين قوى الثورة وفي إطار مؤسساتها. وحماية القرار السوري المستقل، مع إجراء أعلى درجة من التعاون والتنسيق مع حلفاء الثورة وأصدقائها وداعميها الإقليميين والدوليين. وإقامة صلة حيوية بناءة بين السوريين في الداخل والخارج، ومع الجاليات في المهاجر المختلفة.

إن تنمية الوجه المدني للثورة وإعادة إحيائه وإبرازه إلى واجهة الأحداث تحدٍّ كبير وصعب، لكن لا بديل عنه بعد تعسكر كل شيء في الثورة ومن حولها. ولا بد من استعادة الاحتشاد والمشاركة، وتحفيز روح التمرد والإبداع، وتعزيز منظمات المجتمع المدني والأهلي ونشاطاتها. وتشكل مظاهرات أهل بيت سحم وببيلا في غوطة دمشق في السادس من مارس (آذار) الحالي 2015 بمواجهة التطرف والعسكرة دليلا وهاديا للطريق القويم.

وأخيرا وليس آخرا، مطلوب وبإلحاح استعادة الثورة من المطارح الرمادية التي أخذت إليها، بالتوجه إلى جميع السوريين حيثما كانت مواقعهم، وكائنا ما كانت انتماءاتهم للمشاركة والانخراط في مشروع وطني جامع يواجه استمرار تدمير البلاد والعباد. إن معالجة الشأن السوري بالقطعة وبعيدا عن طموحات السوريين وإرادتهم أمر غير مقبول، ولا يصل إلى نتائج. فليس استقرار سوريا ومستقبلها فقط في الميزان، بل استقرار المنطقة ومستقبلها أيضا.

رئيس المجلس الوطني السوري المعارض

الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

أطماع العالم و«إسقاط» شعب سوريا/ عبد الوهاب بدرخان

المحصلة أن يلتقي الجميع، بأدوارهم ونياتهم المتناقضة، على ضرب الحلقة الأضعف في المعادلة، أي الشعب الأرقام فظيعة، مرعبة، لكنها لا تعني شيئاً اذا نحّينا جانباً أن كل جزء فيها يرمز إلى وجه واسم، إلى إنسان كان هنا ولم يعد، أو يشير إلى بيت ومدرسة ومستشفى ومتحف ومسجد، أو يقدم حصيلة عمليات تعذيب في السجون. المأساة السورية أنهت عامها الرابع، ولا تبدو مستهلّة عامها الأخير. وما دامت الذكرى حلّت فقد دفعت المنظمات الإنسانية والحقوقية إلى التذكير بالأرقام المروّعة لعدد الضحايا مع التنويه بالأطفال، غير أنها أطلقت أيضاً صرخة لتنبه العالم بأنه «مسؤول» عن إحدى أكبر المآسي التي شهدت خلال العام 2014 أسوأ مراحلها من دون أي ضوء في نهاية النفق. ما لم تقله هذه المنظمات إن العالم توقف عن العدّ، فالأرقام التي ظهّرتها متواضعة ولا تعكس الحقيقة، بل هي مجرد فكرة عما يُعتَبَر «غير مقبول» لكن العالم برهن أنه يقبله أو يطلب المزيد بدليل أنه لا يحرّك ساكناً لإنهاء هذه المحنة. فمنذ نهاية عام 2013 اعتُمد رقم الـ 200 ألف قتيل كأنه حد أقصى «معقول»، وورد في تقارير أخيرة أن الجرحى والمصابين نصف مليون، أما الواقع كما يراه الميدانيون فيقترب بلا مبالغة الى الضعف. وقدّرت خسائر الدمار الهائل في عموم المناطق بنحو ثلاثين مليار دولار، لكن دراسات جدية بيّنت أنها معطوفة على انهيار الاقتصاد وانعدام الإنتاج تجاوزت الضعف. والأكثر هولاء أن النظام السوري دفع إلى دول الجوار بشعب اضافي نازح لا يملك شيئاً ويحتاج إلى كل شيء، من الطعام إلى الرعاية الصحية إلى تنشئة الأطفال، وإذ أبدى العالم التعاطف والاهتمام أولاً فإن إطالة الأزمة أدت الى إجحاف متزايد.

كانت في بدايتها ثورة شعبية أظهرت السلمية والعفوية، قبل أن تتوغّل في القدرية و«يا الله ما لنا غيرك يالله»، مع إصرار النظام على سفك الدماء. وأصبحت «حرباً أهلية»، أو «مواجهة بين الشعب والسلطة»، كما يفضل المعارضون تسميتها، لمجرد أنها ليست «بين الأهل»، بل بين شعب ونظام حكم ذهب إلى أقصى العنف ليؤكد أنه يحتقر شعبه، تلك الثورة لم تكن على الدولة، بل على هذا النظام، بل كانت تميّز بينهما، كما ميّز أخيراً «جون برينان» مدير «سي. آي. إي»، ولو النظام ميّز أيضاً بينه وبين الدولة لما بلغت الأزمة هذا المستوى الخطير من التخريب واستحالة التعايش مستقبلاً بين فئات الشعب. فالطغمة الحاكمة صادرت الدولة وجعلتها على شاكلتها، فضلت القتل على سماع الاحتجاجات، واستعداء الشعب على التصالح معه، بل رغبت في وجود «مؤامرة خارجية» لتبرر جرائمها واستيراد «حلفاء/ أعداء» يؤازرونها في القتل والتدمير، وصولاً الى استيراد مجموعات الإرهاب وتوظيفها في إفشال ثورة الشعب وإفسادها.

ولدى هذا النظام حالاً آمال متعاظمة في أن يستعيد السيطرة والحكم، كما لو أن شيئاً لم يكن، لأن العالم الذي فشل في ردع «النظام/ الدولة» عن مواصلة قتل الشعب، يريد الآن أن ينجح في القضاء على الإرهاب، ويرى أنه مضطر للتعاون مع الطغمة إياها التي صنعت تنظيم «داعش» ووحشيته وهمجيته. فتكون المحصلة أن يلتقي الجميع، بأدوارهم ونياتهم المتناقضة، على ضرب الحلقة الأضعف في المعادلة، أي الشعب. وما يعزز حظوظ النظام ليس الأمر الواقع على الأرض فحسب، بل تسليم أمره وقضيته للحليف الإيراني كي يساوم عليهما في صفقات «الاتفاق النووي»، بعدما كان سلّمهما في مرحلة سابقة للحليف الروسي الذي استخدمهما في مواجهته مع الولايات المتحدة. يندر أن يوجد نظام سياسي لا يقيم اعتباراً لبلده، فلا هو ملزم بالدفاع عن دولته وحماية شعبه وتطوير مقوّات اقتصاده وصون تاريخه، وإنما هو ملزم بضمان بقائه في السلطة، فقط لا غير.

لابدّ أن يكون الحل في سوريا سياسياً، وغالبية من يردّدون ذلك يومياً ساهموا في تأجيج العبث العسكري البشع في الأزمة، حتى غدت الإشارة الى «الحل السياسي» كأنها «كلمة السرّ» للنظام وحلفائه كي يصعّدوا ضغوطهم العسكرية، فيما يزيد أنصار ذلك «الحل» من تهاونهم في مساعدة الشعب على الصمود والبقاء. كثير من الانتهاك للمبادئ الإنسانية والتمجيد للإجرام، كثير من معاكسة حركة التاريخ، وكثير من التغوّل في الأطماع وجشع المصالح دولياً واقليمياً. أدّت وتؤدّي إلى الإسقاط للشعب السوري لمجرد أنه رفع صوته دفاعاً عن حريته وكرامته وحقوقه.

الاتحاد

 

 

سوريا وتحولات المعركة

في هذا الاسبوع تكون قد انقضت اربع سنوات على الحرب في سوريا. مثلما في الحرب العالمية الاولى فان عد الجثث بدأ يُظهر نقاط تشابه مشتركة. نحو 300 ألف قتيل، أكثر أو أقل قليلا، ونحو 4 ملايين لاجيء، مليارات الدولارات مفقودة تحت الانقاض، لكن من سيعد ومن يهمه طالما أن هذه الحرب يُنظر اليها على اعتبارها حربا مستعصية وليس لها حل. من المشكوك فيه اذا كان الرقم الذي نُشر من قبل وكالة غوث اللاجئين التابعة للامم المتحدة والذي حسبه فان متوسط العمر في سوريا انخفض بحوالي 25 بالمئة، من 75.9 سنة إلى 55.7 سنة، مشكوك فيه أن هذا الرقم سيحظى بأكثر من الثرثرة.

من يريد رسم خريطة السيطرة في سوريا سيجد نفسه متعبا ازاء عدد المليشيات والعصابات وقوات النظام والمقاتلين الاجانب والمحليين الذين يسيطرون على مناطق مختلفة من الدولة. في هذا الاسبوع تفاخر مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني، حسين همذاني، بأن «القادة الإيرانيون حرروا أكثر من 85 بالمئة من المساحة التي كانت تحت سيطرة المتمردين». قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة تقول في المقابل في تقاريرها أنها نجحت في المس بالبنية الاقتصادية لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، الاكراد يتحدثون عن سيطرتهم من جديد على عشرات القرى التي تم احتلالها من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، لكن المتمردين «الجيدين» مثل الجيش السوري الحر، على وشك التفكك، المعارضة السورية تحتج على غياب مساعدة الغرب، ولا يستطيع أحد أن يعرف متى ستبدأ عملية سياسية تقود إلى الحل. من عملية محلية صغيرة بدأت في آذار 2011 إلى قمع وحشي للمظاهرات في محافظة درعا على الحدود مع الاردن، اندلعت حرب حولت سوريا إلى ساحة حرب استراتيجية تحارب فيها دول عظمى غربية وعربية ليس فقط على استمرار وجود نظام الاسد أو على تنحيته، بل على السيطرة والتأثير أمام إيران وروسيا. شبكة علاقات مثل الموجودة بين تركيا والولايات المتحدة وبين الدول العربية والولايات المتحدة والسعودية، مرت بهزة كبيرة، حيث أن تنظيم الدولة الإسلامية أزاح القاعدة عن المنصة، والنزاع الاسرائيلي الفلسطيني أصبح في المؤخرة.

قبل نحو اسبوع نشرت الصحيفة السعودية «الشرق الاوسط، التي يملكها فيصل ابن الملك سلمان، تقريرا عن سيطرة حزب الله على مركز دمشق. «دمشق القديمة تحولت إلى معقل لحزب الله». هذا عنوان التقرير الذي وصف كيف وضع مقاتلو حزب الله الحواجز في الطرق ونصبوا البوابات الحديدية في مداخل الشوارع التي يسكن فيها العلويون. رجال حزب الله يقومون بفحص الداخلين والخارجين ويسمحون أو يمنعون دخولهم، يمنعون السيارات والدراجات من الدخول إلى هذه الشوارع، واضافة إلى ذلك يشرفون على الشوارع التي يسكن فيها مسيحيون ومسلمون سنيون. حسب التقرير تحول مركز دمشق إلى ما يشبه حي الضاحية في جنوب بيروت الذي يعتبر معقل حزب الله.

تصرفات حزب الله لا تختلف عن تصرفات تنظيم جبهة النصرة الذي يعتبر فرعا عن القاعدة، في المناطق التي يسيطر عليها. هنا ايضا المليشيات الراديكالية تدير الخدمات البلدية، المحاكم والمدارس بواسطة مواطنين محليين، تماما كما يدير الجيش السوري الحر الحياة المدنية في مناطقه، أو كما تدير المليشيا الشيشانية، التي تعتبر فرعا من تنظيم الإرهاب الشيشاني، مناطق قرب مدينة اللاذقية في شمال غرب سوريا. تنظيم الدولة الإسلامية ما زال يسيطر على أجزاء كبيرة من المناطق الشمالية الشرقية لسوريا، حيث توجد المنطقة الكردية السورية التي أعلنت عن حكم ذاتي فيها وتتصرف وكأنها دولة مستقلة مع قوة عسكرية خاصة بها، والنصرة ما زالت موجودة في قائمة المنظمات الإرهابية لدى الولايات المتحدة.

لكن الصورة الشاملة هذه هي فقط في بداية الصراع السياسي والاستراتيجي بين الدول المحيطة بسوريا. حيث أنه لكل مليشيا هناك دولة حماية تقوم بتمويلها وتسليحها وبواسطتها تصبح ذات شأن وقوة في الساحة الدولية. إيران على سبيل المثال لا تكتفي بفتح خط اعتماد غير محدود للنظام السوري أو بتجنيد حزب الله في خدمة الاسد. جنود وضباط الحرس الثوري يشاركون بصورة فعلية في ادارة المعارك. صور القائد الاعلى لإيران، علي خامنئي، والقائد الاعلى السابق، الخميني، تحولت إلى بوسترات ضخمة مرفوعة في شوارع المدن والقرى التي يسيطر عليها حزب الله. كما أن تخطيط عمليات الجيش السوري يتم بالتنسيق الكامل مع الضباط الإيرانيين الذين يوافقون على أو يرفضون العمليات.

في الآونة الاخيرة تم نشر تقارير تقول إن قطر تحاول تشجيع جبهة النصرة على الانفصال عن القاعدة والعودة لتصبح مليشيا مستقلة حتى تستطيع الانضمام إلى المتمردين المدعومين من الولايات المتحدة ودول الغرب. السعودية تدعم الجيش السوري الحر لكنها تدعم ايضا مليشيات دينية معارضة للاخوان المسلمين.

في الدائرة الابعد، توجد روسيا والولايات المتحدة اللتان تبدو الفجوة بين مواقفهما تجاه الاسد غير قابلة للجسر. روسيا تحاول تحريك عملية سياسية تشارك فيها المعارضة السورية وممثلو النظام، في حين أن الولايات المتحدة ما زالت تتمسك بموقفها القائل إنه طالما أن الاسد في الحكم فليس هناك مكان للحوار مع النظام. لكن هذا الموقف لا يقف على ارض صلبة. عدد من منظمات المعارضة مستعدة لاجراء الحوار مع ممثلي النظام بدون تنحية الاسد كشرط مسبق. في السعودية ينشغل المحللون في موضوع هل سنزيل تنحية الاسد عن الاجندة من اجل ايجاد حل للازمة أو نستمر في السياسة السابقة للملك عبد الله، الذي وقف إلى جانب التنظيمات التي تطالب بازاحة الرئيس.

هذا الاسبوع كتب روبرت فورد، سفير الولايات المتحدة السابق في سوريا ومن الداعمين لازاحة الاسد، مقال في «فورين بوليسي» اقترح فيه التوقف عن المطالبة بازاحة الاسد كشرط مسبق. في سوريا كان هناك من حللوا المقال كارهاص للتغيير في موقف الولايات المتحدة تجاه الاسد. هذا التحليل غير صحيح بالضرورة.

يؤيد هذا الموقف خالد خوجا، زعيم المعارضة السورية الذي قال إن «تدريب 15 ألف مقاتل سوري خلال ثلاث سنوات لا يكفي وغير ذي مغزى». صحيح أن قوات التحالف نفذت نحو 1200 هجوم جوي في الاراضي السورية، وحسب تقدير البنتاغون فان أكثر من 8500 مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية قتلوا نتيجة ذلك، لكن هنا ايضا يكمن أحد نواحي الفشل في السياسة. الحرب ضد الجهاديين تقوي المليشيات الاخرى وهي لا تتضمن برنامجا لانهاء الحرب في سوريا. النتيجة هي أن المليشيات تقرر الوقائع في سوريا وهي التي تملي الخطوات الدولية. هكذا في أحسن الاحوال ستتم هزيمة الجهاديين، وستعود سوريا إلى الواقع الذي كان سائدا فيها قبل عام، وفي اسوأ الاحوال سيتعب التحالف الدولي من الحرب وسيستمر الوضع الراهن النازف ويتم قبول الدولة الإسلامية كجزء من الخريطة السياسية في المنطقة.

تسفي برئيل

هآرتس 16/3/2015

 

 

 

 

 

سنوات من الثورة السورية: الإرهاب ليس كل شيء/ مصطفى الصباغ

بعد ٤ سنوات عنفٍ كانت هي الأقسى على المجتمع السوري منذ ولادة دولته الوطنية؛ يمكن للمرء أن يقلب صفحات الذاكرة قليلاً مع شيءٍ من المنطق ليعلم أن الاستبداد هو أصلٌ للإرهاب، وأن عنف السلطة الاستبدادية المفرط وغمط الحقوق وغياب العدالة هي من العوامل المحركة والدافعة لأفكار التطرف، كما أن الشعور بالعجز والخوف والعزلة عن المجتمع العالمي سيدعم هذه الأفكار، خصوصاً إذا ما ارتبطت بظلم مفروض على فئة من مجتمع دون غيرها من الفئات. ولكن الأهم من كل هذا، أن التطرف والإرهاب الجماعاتي يبقى شديد الجاذبية وطويل الأمد إذا ما انطوى على حضور دائم ومستمر لإرهاب السلطة.

ولأنها ذكرى رابعة فإنه بات من اللازم التذكير بأمورٍ عدة أثناء التعاطي مع المشهد السوري بعموميته وخصوصيته، أولاها إن الأزمة في بلادنا ليست أزمة إرهاب جماعاتي تتصدره «داعش»، بل هي أزمة منظومة إرهاب يتصدرها نظام الأسد الذي لم يظهر فجأة في عام ٢٠١٣ ليعلن نفسه دولةً في عام ٢٠١٤ كما هو حال «داعش»، بل كان موجوداً على رأس الجرائم المروعة التي ارتكبتها قواته منذ عام ٢٠١١ والتي لا تقل فظاعةً أبداً عن جرائم «داعش»، بل إن التشابه في الأساليب والطرق سيؤكد الفرضية القائلة بأن الأسد والتنظيم المتطرف وجهان لعملة واحدة.

لم يقتصر الأسد على نكب الحضارة في ١٤ محافظة سورية، بل وجاوز ذلك بأن قتل الكثير من أبنائها بجميع مكوناتهم الدينية والعرقية والإثنية ضمن سلاسل من المجازر المروعة، كانت ولا تزال ترتكب باسم الدولة والمؤسسات و»مقاومة الصهاينة»!، بهذا المعنى انهدمت أفران الخبز فوق رؤوس مرتاديها (وجلهم من الأطفال) أواخر عام ٢٠١٢ ومع بدايات عام ٢٠١٣، وبه أيضاً تساقطت الصواريخ الباليستية فوق محافظة الرقة في فترة سيطرة الجيش الحر عليها قبل احتلالها من قبل تنظيم «داعش»، وكذا مجازر الحرق على قيد الحياة والرمي من أعالي المرتفعات والذبح بالسكاكين والإعدام ميدانياً بالرصاص دون محاكمات، والتعذيب الوحشي حتى الموت. ولا يمكن، في الوقت ذاته، نسيان مجزرة الكيميائي التي راح ضحيتها ١٥٠٠ شهيداً جلّهم من النساء والأطفال والتي أعقبها ٧١ هجمة جديدة بغازات سامة ضد ٢٦ منطقة، رغم أنف قرار مجلس الأمن الدولي ٢١١٨ ودون اعتبار لالتزامات السلطة بعد انضمام سوريا إلى معاهدة حظر ومنع انتشار الأسلحة الكيميائية. وهنا لا يمكن الوقوف، فماذا عن البراميل المتفجرة التي أصدر مجلس الأمن قراره ٢١٣٩ لتجريمها ومنع استخدامها؟ ألم يقم النظام بقتل ٥٨١٢ مدنياً سورياً بينهم (١٧٣٣ طفلاً و٩٦٩ امرأة) بهذا السلاح منذ صدور القرار في فبراير/ شباط ٢٠١٤؟

الأمر الثاني الواجب التذكير به، يتلخص في أن إيران ليست طرفاً في النزاع فحسب، بل هي دولة محتلة لأجزاء من سوريا بشكل مباشر وبالاستعانة بوكيلها بشار الأسد الذي لن يتميز عن زميله أبو بكر البغدادي إلّا بالشكل فقط، أما المضمون فواحدٌ، لوحدةِ باعثية الإرهاب من طهران، ولقد قاوم السوريون هذا الإرهاب طويلاً غير أنهم لم يتلقوا سوى الحديد والنار من قبل النظام و»داعش» وميليشيات إيران، وجاء التحالف الدولي ليقوم بواجبه في القضاء على الإرهاب، إلّا أنه نسي أصل الإرهاب وجذره مستفرداً بنموذجه الجماعاتي فقط. وعلى الجانبين، أيضاً، وقف السوريون مستغربين حال ديموقراطية العالم الحر التي تركت الساعين إلى الديموقراطية بين كماشة الاستبداد والاحتلال وكماشة الإرهاب الجماعاتي!

يبلغ عدد السكان المدنيين في المناطق التي يصعب الوصول إليها قرابة الـ ٥ ملايين شخص، ويبلغ عدد السكان المقيمين في مناطق محاصرة قرابة الـ ٢٥٠ ألف شخص، هؤلاء يعيشون ظروفاً صعبة وانتهاكات لأبسط الحقوق منذ عام ٢٠١٢ وليس منذ نشوء تنظيم «داعش» الإرهابي. إن ١٦٧ جندياً من جنود الأسد تُركوا ليلقوا حتفهم على أيدي التنظيم الإرهابي وكأن شيئاً لم يكن!

الأمر الثالث الواجب التذكير به، هو أن الأسد لم يكن قط حامياً للأقليات بقدر ما كان زارعاً لبراثن الفرقة بين مكونات الشعب السوري، والتاريخ يشهد على أن التعايش السلمي بين المكونات السورية كان على درجة عالية من الانسجام إلى أن جاء الأسد وجعل من نظام الحزب الواحد نظاماً طائفياً أيضاً بأن هاجم الأكثرية بسلاح الأقلية وهاجم الأقلية باسم الأكثرية وقضى بذلك على أي تعايش مجتمعي حقيقي وألغى أي شكل من أشكال المواطنة المتساوية، وهذا أمر بدهي، فلا مواطنة متساوية تحت جنح الاستبداد.

الأمر الرابع، ينطوي على كثير من الاستغراب وقليل من السخرية، إذ ينظر المرء إلى الفارق الشاسع في أسلوب التعامل الغربي مع التيارات الدينية المتطرفة في المشرق، ففي الوقت الذي تعطى فيه ميليشيا «حزب الله» الأصولية المتطرفة ومعها بقايا مرتزقة حرس إيران الثوري والميليشيات الشيعية كامل الحرية في الاعتداء على حرية الشعبين السوري والعراقي؛ توضع كل الإمكانات اللازمة لاستهداف التنظيمات المتطرفة على الضفة المقابلة من جبهة الحرب السورية؟ أليس من حق الشعب السوري ألّا يخيّر بين إرهاب فارسي شيعي يساند الاستبداد المحلي ويحارب باسم «القضاء على التكفير» في مواجهة العرب السنة، وبين إرهاب عربي سني أول ما يحارب العرب السنة؟ أليست الأزمة في فكر التنظيم الذي تحمله الميليشيات المساندة لإيران أكثر مما تحمله بعض الفصائل التي تبدو ظاهرياً في الصف المعادي للأسد؟

الأمر الخامس، يحمل بعض اللوم وكثيراً من العدل، فاليوم لا شك بأن تنظيم «داعش» غير عربي، إنه تنظيم عالمي ينضم إليه عشرات الآلاف من المواطنين الأجانب القادمين من غالبية بلدان العالم، وهؤلاء هم الدعامة الأقوى لهذا التنظيم، حتى أنهم حملوا إليه الكثير من الخبرة في مجالات الإعلام الإلكتروني والإخراج السينمائي وعلوم الحاسبات. ولا بدّ أنهم يلعبون أدواراً مهمة أخرى، ولكن المهم أن اللوم يقع على الدول الفارهة التي لم تتمكن من احتواء مواطنيها من جهة، ولم تتعامل بجدية مع تحذيرات المعارضة السورية من أن النظام يمهد لتمكين تنظيم متطرف كـ «داعش» في المنطقة ليحاول استعادة جزء من الشرعية الخارجية من جهة أخرى.

لقد خسر السوريين الكثير (210 آلاف شهيد على أقل تقدير) في سبيل الخلاص من الاستبداد المحلي، ومروا بظروف عصيبٌ على التكرار ذكرُها، ولكنّهم تفاجأوا بأنهم باتوا أمام صراعٍ كبير مع منظومة إرهاب دولتي وجماعاتي يحتل فيها عدوّهم الأول بشار الأسد موقع الرأس من الجسد، هناك وجد الشباب المتحمس أرضه وثقافته تسرقان منه باسم الدين ووسط حشد من الشعارات الموروثة المسلوخة عن زمان ومكان غير زماننا ومكاننا.

يُحكى أن الأسد الأب رفض عرضاً تلقاه من «الخميني» بإرسال ١٠٠ ألف مقاتل من الحرس الثوري لدخول لبنان أثناء وصول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت في ثمانينيات القرن الماضي ليثبت محدودية علاقة نظامه مع إيران، غير أنه قبل بدخول البعض للمشاركة في الحرب التي قتل فيها الأسد عشرات الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين. ويا للمفارقة فقد سلّم الأسد الإبن الأراضي التي تسيطر عليها قواته للاحتلال الإيراني.

إننا اليوم مع السعودية وقطر وتركيا وكل دول العالم المساندة للشعب والمحاربة لنظام الأسد والمشروع الإيراني في المنطقة. وكم يسر المرء حدوث توافق على المستوى الإقليمي بين الجيران مصحوباً بظهير دولي متعاطف مع الثورة السورية، لما في ذلك من انتقال إلى طورٍ جديد من التعامل مع إرهاب الأسد وإرهاب تنظيم «داعش» لإنهائهما معاً وإعادة بناء البلاد وتأهيل مؤسسات الدولة وإقامة الحكم الرشيد.

عامل الزمن أثبت لدى السوريين أن ثورتهم ليست مجرد ثورة على مستبد بقدر ما هي ثورة على منظومة إستبداد وإرهاب، فليست السنوات الأربع الفائتة أقل ألماً من أربعين سنةً قبلها تلك التي حكم فيها حافظ الأسد أرض سوريا رغماً عن الوطن وشعب الوطن. فماذا صنع عامل الزمن لدى الدول المتعاطفة مع الشعب السوري؟ هل باتت القناعة أكثر رسوخاً بأن على الأسد الرحيل بالحل السياسي فقط؟ أم أن تحوّلاً ما قد يصيب المشهد برمته مع إرهاصات محادثات النووي الإيراني؟ رغم أهمية هذا السؤال، إلّا أن الحقيقة الأهم تتجسد في أن استمرار الثورة بكل الوسائل والأدوات والسبل المشروعة حتى تحقيق هدف الشعب في إسقاط نظام الأسد ومحاكمة بشار أمر لا مفرّ منه.

*عضو الائتلاف الوطني السوري

القدس العربي

 

 

 

 

أربع سنوات صعبة .. وثورية/ سلامة كيلة

صعوبة الثورات ظهرت في سورية. أولاً، لأنها أتت بعد انتشار ثوري بدأ في تونس، وتوسّع سريعاً، الأمر الذي أخاف دولاً إقليمية، وأربك دولاً أخرى. لهذا، كان يجب أن تتوقف هذه الموجة لكي لا تمتدّ أكثر. ويجب أن تتوقف، لأن الوضع الاقتصادي العالمي، وضع الرأسمالية، مأزوم إلى الحدّ الذي يمكن أن يؤدي إلى أن تتوسع الثورات خارج الحدود العربية، فتصل إلى بلدان أخرى، فلا يعود ممكناً التحكّم بها ووقفها. هذا رد الفعل الأول لدى دول، على أمل معالجة الوضع لتجاوز إمكانية توسعها عالمياً. وثانيها، لأن الدول الإمبريالية باتت بحاجة إلى “مثال” فظيع، يوضّح كيف أن التمرُّد والثورة على رأس المال يعني الغرق في مجزرة وانتشار الإرهاب والقتل والفوضى. وبهذا، بات ضرورياً أن تتحوّل الثورة إلى “صراع طائفي” و”حرب أهلية”، وإلى مجزرة فعلية، تدمّر سورية وتقتل وتشرِّد شعبها. هذا ما بات واضحاً بعد سنة ونصف السنة من الثورة، حيث بات الشغل على زيادة عنف السلطة وتصعيد وحشيتها، ومدها بكل ما يجعلها أكثر عنفاً ووحشية.

لكن، لا بد من أن نلمس، ثالثاً، أن نمط السلطة القائمة كان يفتح على وحشية عالية، حيث مفاصله ممسوكة من فئات لا تخشى العنف والوحشية ولكن الفئة العائلية المتحكمة بالسلطة تعتبر أن سورية “ملكية خاصة” لها، ورثتها من حافظ الأسد، ولا تتخلى عن ميراثها حتى وإن حرقته. من هنا، نبع شعار “الأسد أو نحرق البلد”. قررت خوض الحرب إلى النهاية، وبكل الوحشية الممكنة، بالضبط، لكي تبقى حاكمة ومسيطرة على الاقتصاد.. أو أن تدمّر “ميراثها”، قبل أن ينزعه منها آخرون. هذا الأمر جعلها تقرر العنف، وتصعيد العنف، ومن ثم العنف الأقصى، لكي تسحق المتمردين، وتبقي سيطرتها على السلطة. جعلها هذا المنظور ترتكب كل الجرائم الممكنة ضد الإنسانية، تحت مسمع العالم ومرآه، وهو الذي يريدها أن تفعل ذلك، بغض النظر عن تصريحات جوفاء، كان يطلقها هذا الرئيس أو ذاك، أو هذه الدولة أو تلك.

كان نمط السلطة السورية مطابقاً لما أرادت الرأسمالية الإمبريالية، بكل فروعها. ولهذا، صنعت مثالاً هائلاً للوحشية والعنف، بات يستخدم في كل الإعلام الإمبريالي والعربي، من أجل إرعاب الشعوب لكي لا تتمرّد على رأسمالية مافياوية، تنهب وتفقر وتستغل بأقصى درجات الاستغلال. لكنها تشعر بأن نهبها واستغلالها أوصل العالم إلى أزمةٍ، سوف تفرض حتماً انفجار الثورات وانتشارها.

فوق ذلك كله، رابعاً، كان الطموح الإمبراطوري التركي/ الإيراني يسهم في تصعيد الصراع والعنف. دافع النظام الإيراني، بكل وحشية، عن النظام السوري، ولا زال، لا لدعم المقاومة أو تحسين مواقع حزب الله. بل، بالضبط، لأن سورية ورقة في إطار المساومات الدولية. ومن أجل ذلك، جرى تصعيد “الحشد الشيعي”، ولمّ كل من هبّ ودبّ من أجل منع سقوط النظام السوري. ولهذا، بات قادة إيران يصرحون، علناً، بأنهم من منع سقوط دمشق (وبغداد وبيروت). عزّز هذا الأمر من استمرارية السلطة السورية، حتى بعد أن ضعُفت، وباتت على شفير الانهيار. ولقد أصبح الحرس الثوري وحزب الله والمليشيا الطائفية العراقية، ومن كل أطراف العالم، هي التي تقاتل الشعب السوري، بعد أن ضعضع السلطة، وكسر شوكة بنيتها الصلبة، وفتح الطريق إلى إسقاطها. وبهذا، بات الشعب السوري يخوض الحرب ليس ضد السلطة، بل ضد كل قوى إيران وامتداداتها، والمستندة إلى الدعم العسكري الروسي، والحماية السياسية الروسية.

على الرغم من ذلك كله، وبعد مئات آلاف الشهداء والمعتقلين وملايين اللاجئين، وكل العنف الوحشي المستمر، الشعب لا زال يقاتل من أجل الانتصار، في عالم أراد أن يوقعه في المجزرة.

ثورة كبيرة وعظيمة وستستمر.

العربي الجديد

 

 

 

في ذكرى المأساة السورية/ فؤاد الفاتحي

على الرغم من مرور أربع سنوات على الانتفاضة السورية ضد نظام الاستبداد، ما زال الشعب السوري يعاني الأمرّين، بين حرب إبادة يومية تشنها عصابات الأسد عليه والتواطؤ العربي والغربي مع النظام، حيث يكشف تعطيل الحل في سورية تقاعس المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، عن القيام بواجبه الأخلاقي والسياسي، من أجل وقف المأساة الإنسانية، وضمان انتقال سياسي، يضع نهاية للنظام الدموي في سورية، مما يعني غياب أي إرادة سياسية لدى الغرب لحل عاجل وعادل للملف السوري.

وإذا كانت الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الأولى عن تدهور الوضع السوري، باعتبارها القوة العظمى التي تمسك زمام القرار الدولي، فإنها، في الوقت الذي كان يُنتظر منها التحرك العاجل والحازم لحماية المدنيين، ومحاسبة نظام الأسد عن المجازر التي ارتكبها في الأربع سنوات الماضية، ها هو وزير خارجيتها، جون كيري، يخرج بموقف سياسي مريب، يزيد من تعميق الأزمة، فقد عبّر، أخيراً، عن رغبة واشنطن في التفاوض مع الأسد، من أجل تحقيق انتقال سياسي، وأن على بلاده الضغط عليه لحمله على التفاوض. وقد حاول البيت الأبيض عقب ذلك احتواء الأمر، والتقليل من مضمون تصريح كيري، بمنحه تأويلاً مختلفاً، والقول، إنه لم يكن يقصد التفاوض المباشر مع الأسد، وإنما ممثلون عن النظام.

يناقض هذا الموقف الجديد للولايات المتحدة، كليّاً، الموقف السابق الذي أعلنته بشأن الأزمة السورية، حيث ظل المسؤولون في الإدارة الأميركية يعتبرون الأسد فاقداً للشرعية، وأن لا مكان له في مستقبل سورية، أما اليوم وبعد التحولات التي شهدها الوضع السوري والإقليمي، تتراجع واشنطن عن موقفها، وعن دعم الشعب السوري في انتفاضته ضد أسوأ نظام إرهابي، وأبدت حرصها على بقاء النظام السوري، كما قال مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وهذا يدل على أن واشنطن لم تكن جادة في إنهاء المأساة الإنسانية في سورية، وأن أولويتها لم تكن إنهاء حكم الأسد، لأنه نظام ظل حاميّاً وحارساً لأمن الكيان الصهيوني، الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

أما الأولوية عند الولايات المتحدة، فهي محاربة الإرهاب، وخصوصاً تنظيم داعش، وهو ما يطرح السؤال: هل هناك إرهاب أخطر مما يرتكبه نظام الأسد في سورية؟ ولماذا قادت الولايات المتحدة حلفاً عسكريّاً ضد داعش، عند قتله رهائن أجانب، في حين لم تستدع المجازر الدموية التي ترتكبها دواعش الأسد قيام تحالف دولي لحماية المدنيين السوريين؟

كان موقف الدول الغربية من الربيع العربي، منذ البداية، ملتبساً، خصوصاً إزاء الانتفاضة الشعبية في تونس ومصر واليمن، لكن الموقف من الثورة السورية كان أكثر التباساً وغموضاً، بحيث لم تمارس ضغوطاً جدية وقوية على الأسد، للتنحي عن السلطة، وحقن دماء السوريين، ما جعل النظام يتمادى في جرائمه، وأطال عمر الحراك الشعبي ليصل إلى ستة أشهر، على الرغم من حجم المجازر والضحايا المدنيين الذي تجاوز كل الخطوط، بعد لجوء النظام الدموي إلى عمليات القتل الوحشي، منذ اليوم الأول من الانتفاضة، مستخدماً الأسلحة الثقيلة والصواريخ والبراميل المتفجرة والغازات السامة. وكان للصمت المطبق للمجتمع الدولي دور في استمرار المأساة، مما أدى إلى حدوث انشقاق داخل الجيش السوري، والتحاق ناشطي الثورة السلمية بالكتائب المنشقة، وتشكيل وحدات للدفاع عن المتظاهرين، ليزداد الوضع تعقيداً بعد عسكرة الثورة، للدفاع عن المدنيين من هجمات شبيحة الأسد، وتشكيل ما عرف بالجيش الحر، وتأسيس الائتلاف الوطني السوري ممثلاً لمختلف القوى السياسية والاجتماعية المعارضة، أمام المنتظم الدولي.

ظلت القوى الكبرى تصدر، بين الفينة والأخرى، تصريحات خجولة، تخفي عدم جديتها في إنهاء النظام الاستبدادي في سورية، وإن كانت تقدم دعماً محدوداً وضعيفاً للمعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، حتى لا تظهر حقيقة عدم رغبتها في رحيل الأسد، ويؤكد ذلك عدم اتخاذ مواقف حازمة إزاء المجازر اليومية. ولم يكن موقف منظمة الأمم المتحدة أفضل حالاً، بحيث لم نسمع لها موقفاً قويّاً إزاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان السوري، كما أن تراجع الرئيس، باراك أوباما، عن تهديده الأسد، بأن استخدامه السلاح الكيماوي خط أحمر، يخفي عدم رغبة واشنطن وحلفائها في إنهاء حكم الأسد، وإحالته، هو وقادة حكمه، على الجنائية الدولية، لمحاسبته على الجرائم البشعة التي ارتكبها. وتحل الذكرى الرابعة للثورة السورية مخلفة حصيلة غير نهائية، على الرغم من فداحتها، فإنها لا تعكس إلا جزءاً يسيراً من الكارثة الإنسانية التي تتجاوز الأرقام المعلنة، حيث سقط أزيد من 250 ألف شهيد، معظمهم مدنيون حسب تقديرات الأمم المتحدة، وآلاف الجرحى والمعاقين، وأكثر من ستة ملايين لاجئ، وثلاثة ملايين نازح، وآلاف المفقودين والمعتقلين والمشردين والأيتام والأرامل، وتدمير معظم المباني السكنية والبنيات التحتية والخدمية، وحصار المدن وتجويع السكان (299 ماتوا جوعاً، و12 مليون سوري مهدداً بالمجاعة).

وعلى الرغم من كل هذه الخسائر الكارثية التي تسبب فيها النظام الدموي، ما زالت الولايات المتحدة وحلفاؤها يعتبرون الأسد جزءاً من الحل، وليس جزءاً من المشكل، وأن الحل لا يمكن إلا أن يكون سياسيّاً وليس عسكريّاً، ولا ندري لماذا ما زالت تدعم المعارضة “المعتدلة” بأسلحة “غير فتاكة”، مع أن جولات الحوار التي جرت في السابق، سواء جنيف 1 أو جنيف 2، لم تسفر عن أي تسوية سياسية، وهي، في الوقت نفسه، لا تريد تقديم الدعم العسكري اللازم، لكي تحسم المعارضة الحرب لصالحها. ويكشف هذا الموقف الغامض والمتناقض عن النفاق السياسي الذي يمارسه الغرب في تعاطيه مع القضايا الدولية، ويظهر جليّاً في القضايا العربية، وخصوصاً في الملف السوري، حيث برز التعاطي الغربي الفاتر مع نظام يرتكب أبشع الجرائم، واعتماده معايير مزدوجة، وهو ما سمح للنظام الدموي بأن يوظف الحرب على الإرهاب لصالحه، ويقدم نفسه حليفاً للغرب في تلك الحرب. وقد جعل هذا التقاعس الغربي الأمم المتحدة تخرج عن صمتها، تزامناً مع الذكرى الرابعة للأزمة السورية، وتؤكد أن القوى الكبرى لا تسعى إلى إيجاد حل سياسي للقضية السورية، وأنها تعطي الأولوية فقط لتحقيق مصالحها في المنطقة، من دون تقدير واعتبار للوضع الإنساني الخطير الذي يعيشه الشعب السوري في الداخل والخارج.

 

 

 

 

 

درعا.. الأطفال كبروا/ فادي الداهوك

لم يكن طلّاب مدرسة الأربعين في درعا البلد، يعلمون أن عبارة “إجاك الدور يا دكتور”، التي خطّوها على جدران مدرستهم في شباط/فبراير 2011، ستكون سبباً في اعتقالهم، ومن ثم حصول أكبر تغيير مفصلي في تاريخ سوريا منذ تسلم حزب البعث للسلطة في عام 1963. فتلك العبارة لا دوافع لها عند الطلاب، سوى أنها كانت حديثاً يتفوّه به الكبار داخل جدران المنازل، خلال فترة كانت تشهد فيها تونس ومصر وليبيا واليمن عهد أفول ديكتاتورياتها.

بعد 4 سنوات على التفاف السوريين حول إرادة درعا بإعلان الثورة على النظام، اختلفت حياة أولئك الأطفال. “أكرم أنور أبازيد وبهاء أحمد خليفة استشهدا” يقول سامر الصياصنة، أحد الطلاب الذين تمكّن النظام من اعتقالهم بتاريخ الرابع والعشرين من شباط/فبراير 2011 من منزل جدّه في درعا البلد، وأودعه في معتقلاته مع زملائه الآخرين.

يوم اعتقل سامر، كان في الخامسة عشرة من عمره، لكنّه الآن وهو على أبواب عامه العشرين، يقاتل في صفوف فرقة “18 آذار” التابعة للجيش السوري الحر/الجبهة الجنوبية، ويبرّر انضمامه إلى الجيش الحر بالقول إن ذلك سببه أن “الناس في درعا خرجت في التظاهرات تطالب بالإفراج عنا” وهناك من قضى منهم برصاص الأمن السوري. “أقل شي بقدر أعمله إني أرد هالجميل.. لولا تضحياتهم ما طلعوني” يقول سامر، الذي يتلقى العلاج في الأردن من إصابة تعرض لها خلال إحدى المعارك، وهي الإصابة الرابعة له.

يذكر سامر أن أحد زملائهم، ويدعى أحمد أبازيد، اعترف خلال التعذيب أنه من قام بالكتابة على جدار المدرسة وحرق “كولبة” للشرطة بجوار المدرسة. تلك “الكولبة” كانت واحدة من آلاف نقاط الشرطة التي عمد النظام على نشرها في مختلف أنحاء البلاد مع انطلاقة الربيع العربي لمراقبة أي تحركات غير طبيعية قد تحدث في سوريا، لاسيما مع تزايد الدعوات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى التظاهر ضده. فقضى أحمد 9 أشهر متنقلاً بين فروع الأمن نتيجة اعترافه وتحمّله وزر ما فعلوا منفرداً، وهو اليوم يعيش في مخيم الزعتري بالأردن، فيما خرج سامر من المعتقل يوم الثامن والعشرين من آذار/مارس 2011 عقب وصول التظاهرات المناصرة لدرعا إلى معظم أنحاء البلاد.

لم يختر كل رفاق شعبة الصف التاسع في مدرسة الأربعين طريق سامر. “ع . ا”، يرفض الكشف عن اسمه الكامل، هو أحد من اعتقلوا بتهمة حرق “الكولبة”. يعيش اليوم في الأردن، وكل ما يحلم فيه هو الحصول على جواز سفر يمكّنه من السفر إلى تركيا ليتابع دراسته هناك، حيث توفر الحكومة التركية منحاً دراسية للطلاب السوريين.

تختلط المشاعر على “ع . ا”، فهو يعتبر نفسه سبباً في ما وصلت إليه حال السوريين. يقول “في 13 شباط 2011 داهموا البيت، أخذوا سيارتنا والباص”، كان ذلك مقابل تخفّيه، فسلّم نفسه إلى مخفر درعا البلد في اليوم الذي تلى اقتحام منزلهم، وقضى فيه أسبوعاً قيد التحقيق، ثم تم تحويله إلى الأمن الجنائي، ولاحقاً إلى الأمن السياسي، الذي كان يترأسه عاطف نجيب، وأخيراً إلى الأمن العسكري، الذي قام بتحويله إلى الفرع ذاته في السويداء، ليستقر أخيراً في فرع فلسطين بدمشق، ومن هناك تم عرضه على القضاء، بعد تحمّل زميله أحمد أبازيد جميع التهم، وحكم له القاضي بالبراءة. ويذكر أنه في الأيام الأربعة الأخيرة قبل تحويله إلى المحكمة كان معلقاً من يده وآثار الكدمات واضحة على جسده ويظنّ أن ذلك ساعد القاضي على التعاطف معه والحكم له بإخلاء السبيل.

بعد الإفراج عنه، شارك، كما معظم رفاقه، في التظاهرات التي كانت تعمّ درعا، لكنّه رغم ذلك كان يواجه بداخله صراعاً صعباً، يغذّيه أي خبر يتلقاه عن موت متظاهرين أو اعتقالهم. “ما بعرف بالضبط.. يمكن ندمان. صار في مجازر، والناس بالمخيمات مشردين بعد ما تهجروا من بيوتهم.. في كثير ناس بتعتبرنا سبب اللي صار”، ويستدرك “بنفس الوقت بقول الحمدالله، إني طلعت من المعتقل قبل ما صارت أول مظاهرة.. هاي الشغلة مريحيتني كثير وبتقنعني إني ما تسببت بموت أي شخص”.

المدن

 

 

 

 

درعا.. حكاية الهتاف الذي لم ينطفئ/ سالم ناصيف

يتذكر الشاب لوكا الزعبي اندلاع ثورة الكرامة في 18 آذار/مارس 2011، ذلك اليوم الذي شكل منعطفاً في تاريخ سوريا. الزعبي كان من ضمن المتظاهرين الأوائل الذين خرجوا من الجامع العمري للتظاهر. وتأتي لهجته الحورانية ممزوجة بالألم والفرح وهو يحاول استحضار تفاصيل ذلك اليوم الذي اعتبر نفسه من أكثر السوريين حظاً لوجوده حينها.

يقلّب الزعبي ذاكرته، يعيد ترديد الهتافات الأولى، مشاهد صور المتظاهرين، ويسأل نفسه من منهم استشهد خلال السنوات الأربع الماضية ومن منهم لا زال على قيد الحياة؟ يقول لوكا لـ”المدن”: “كان الجامع العمري في درعا البلد قد غص بجموع المنتفضين الذين لبوا دعوة للتظاهر أطلقت سراً في مناطق حوران”، وذلك على إثر إهانة وجهاء درعا وزعمائها المحليين، من قبل رئيس فرع الأمن السياسي وابن خالة الرئيس بشار الأسد، عاطف نجيب.

يتابع الزعبي: “لشدة الخوف الذي كان يعترينا، فوجئنا بخطبة الجمعة والحديث عن الحريات، ومع هذا لم يصدق أحد منا بأن الجميع قادم للتظاهر وبأنهم سيبقون ولا يعودون إلى بيوتهم”. ويكمل “عند خروجنا من الجامع خرج الصوت الأول: الحرية لأبناء أبازيد”، في إشارة لأطفال مدرسة الأربعين للتعليم الأساسي، الذين اعتقلهم جهاز الأمن السياسي على خلفية كتابتهم شعار “إجاك الدور يا دكتور”، على جدران مدرستهم. يتذكر الزعبي: “الرجل الذي هتف وضع يديه فوق رأسه كمن يتحاشى ضرباً مبرحاً سيأتيه من الجموع، لكنه تفاجأ حين سمع الهتافات تتعالى وتنتشر لتدوي في كافة أرجاء المكان”.

الهتافات الأولى كانت غير منظمة وعشوائية، تعبر فيها كل مجموعة عن رغبتها، ففي حين أخذ البعض يهتف “حرية”، صاح آخرون: “يسقط المحافظ”، و”عاطف نجيب”، و”الله سوريا حرية وبس”. وبعد لحظات أخذت مكبرات الصوت التي بحوزة القوى الأمنية المتواجدة في المكان، تنادي المتظاهرين للكف عما يقومون به، وكل طلباتهم ستكون مجابة. سرعان ما جاء جواب المتظاهرين بلهجتهم الحورانية ليوحد صوتهم جميعاً: “شذابين شذابين” (كاذبون).

وسرعان ما أخذ هتاف “الشعب يريد” يجتاح الجموع، ويحولهم إلى لاعبين أساسيين في حركة التاريخ، وفق معطى جديد لم يكن له، في المجتمعات التي تحكمها أنظمة القمع العربي. المطالب التي تصاعدت كان من الواضح أنها لن تتوقف عند إقالة المحافظ فيصل كلثوم، أو عاطف نجيب، ولا حتى عند إصلاح النظام أو إسقاط الفساد. فالمتظاهرون قرروا أن يقطعوا الجسر الواصل من درعا البلد والتوجه إلى درعا المحطة، ليقارعوا النظام بهتافاتهم السلمية في عقر داره.

يقول لوكا: “ذلك اليوم كنا نعيش في حلم لم نستيقظ منه إلا عندما رأينا دم أول شاب استشهد برصاص الأمن، حسام عياش، فأدركنا أننا نعيش في واقع علينا أن ندفع ثمنه دماً كثيراً حتى نتحرر منه”.

في درعا المحطة، كان عبد السلام أبو جيش، وبعض من أصدقائه الذين لم يتسنَ لهم الالتحاق برفاقهم في الجامع العمري، ينوون اطلاق الهتافات لتخفيف ضغط القوى الأمنية عن المتظاهرين في الجهة المقابلة. يقول عبد السلام: “خرج رجل منا وصاح (حرية حرية… يا الله حرية) منادياً على عناصر الأمن (تعالوا نحنا هون.. حرية حرية). في محاولة منه لجذب اهتمامهم كي يكفوا عن إطلاق الرصاص ضد المتظاهرين”. لكن صوت الرصاص والقنابل الدخانية اجتاح المكان، دون أن يتمكن من منع المتظاهرين أن يكفوا عن إكمال مسيرة يومهم الطويل التي استمرت لساعات.

يقول عبد السلام: “فور توجهنا إلى مكان مرتفع، رأيت جاري من مدينة داعل واسمه جمال قنبر، من ضمن المتظاهرين وكان يعمل نجاراً، وقد استقل السرفيس معنا عند توجهه إلى درعا المدينة صباحاً، ولم يجبني حين ألقيت السلام عليه وسألته إلى أين هو ذاهب؟ وربما كان خائفاً من الحديث إلينا كما كنا نحن”. لم يتمكن عبد السلام من بلوغ رفاقه في الضفة الثانية، لكن رؤيتهم لمشهد إطلاق الرصاص والقنابل الدخانية، أعاد إلى ذاكرته مشاهد الانتفاضة الفلسطينية، فما كان منهم إلا أن استلوا الحجارة ليمطروا بها عناصر الأمن، وهم يهتفون “سلمية سلمية” و”هدول سوريين يا صهاينة”.

يعود عبد السلام إلى داعل مساءً، ويتعمد أن يلتقي بجمال قنبر الذي لم يخف منه هذه المرة، وقال له: “وينك يا استاذ كنا بمظاهرة.. الله أكبر”. يقول عبد السلام: “لم يترك جمال أي تظاهرة خرجت في محافظة درعا إلا وخرج فيها، حاملاً غصن زيتون ويصرخ (حرية للأبد غصب عنك يا أسد)”. وبحزن يقول عبد السلام: “الرحمة لروحه”. حيث قضى جمال قنبر في إحدى التظاهرات السلمية، وشيّع في مدينة داعل، في تظاهرة حشدت أكثر من ثمانية آلاف متظاهر، في 23 نيسان/إبريل 2011، وكان “الشهيد الثاني من داعل”.

المدن

 

 

 

 

“الثورات” السورية/ خلدون النبواني

“الثورات” السورية الصراع الحاصل منذ أربع سنوات على الأقل من عمر الثورة، قد أثبت استحالة التحوُّل البنيويّ الداخلي للنظام

نتيجة التطورات الدرامية وكثرة الأيدي التي سرقت “الثورة السوريّة الأولى” محرّفةً أياها إلى صراع دينيّ، إثنيّ، هُوياتيّ، إقليميّ، دوليّ، بل ووجوديّ انطولوجيّ، صار لفظ “الثورة” يعني أشياء كثيرة، غير منسجمة دائماً، بل متناقضة ومتحاربة في ما بينها حد الإقصاء والإلغاء والقتل.

ما هي الثورة السوريّة اليوم؟ هل هي ثورة الستة أشهر الأولى على الأقل من عمر الثورة، حيث كان الحراك لا يزال سلميّاً وأهداف الثورة تجمع كل السوريين الذين كانوا لا يزالون يملكون شيئاً من سُلطة القرار السوريّ للثورة؟ هل هي الثورة التي اضطُّرت للتّسلُّح بعد ذلك نتيجة قمع النظام ودفعه الثوار السلميين إلى حمل السلاح فتكوّن الجيش الحر وكانت أهدافه مُحدّدة إلى حدِّ ما؟ هل هي ثورة “مؤسسات المُعارضة” السياسيّة السوريّة التي فقدت كل سلطة وقرار ذاتيّ؟ أم هي سلطة التشكيلات الدينيّة الإسلاميّة المُسلّحة والمُتطرِّفة التي احتلت واجهة الصراع اليوم واستأثرت باسم الثورة بينما راحت تُحارب بعضها البعض؟

كل هذه التوجهات الكثيرة: المدنيّة، والعلمانية، والديمقراطيّة، والعسكريّة، والأوتوقراطيّة، والمُعتدلة، والمُتطرِّفة، والوطنيّة، والعميلة تتحدّث جميعها باسم الثورة السوريّة. من هنا حاجتنا المُلحّة إلى تحديد ما نعنيه بعبارة “الثورة السوريّة”. مع التأكيد أن هذا السعي لتحديد المُصطلح ليس بطراً فلسفياً وإنما حاجة عمليّة ومُلحّة حتى لا نزيد من تعقيد الوضع أكثر مما هو عليه تعقيداً.

مع ذلك، ورغم تنافر وتعارض أهداف هذه التيارات غير المتجانسة حد الإلغاء، إلا أنها جميعاً تيارات ثائرة ضد خصمٍ ما أو خصوم عدّيدين: النظام الأسدي والاحتلال الإيرانيّ غالباً، لكن ضد بعضها البعض أحياناً كثيرة أُخرى. من هنا يمكن لنا القول إنها تقوم جميعها بثورة، وبمعنى أدق بثورات، رغم أننا قد نختلف على توصيفها: ثورات تقدّمية أو رجعية أو إسلاميّة معتدلة أو متطرّفة أو مدنية، الخ. وهي بنضالها أو بحروبها لتحقيق أهدافها تقوم بعملية تغيير للواقع السوريّ، بغض النظر عن اختلاف كل طرف على نوع التغيير المطلوب والدفاع عنه.

القدرة على التغيير ليست متساوية بين هذه التيارات، وقد تغيرت فاعليتها ومواقعها كثيراً عبر مراحل الثورة السوريّة. فإذا كان الصوت السوريّ المدنيّ الديمقراطيّ السلميّ، هو الغالب في الشهور الأولى من عمر الثورة، فإن صليل السلاح وصوت الرصّاص سيحل مكان الصوت المدنيّ وستتعسكر الثورة. أيضاً في تلك المرحلة كان الجيش الحُر يُمثِّل تياراً غير دينيّ تماماً تطوع لحماية أهداف الثورة، لكن ذلك كان دون شك على حساب التيار المدنيّ الديمقراطي. بعد ذلك بدأت ماكينة التفريخ الإسلاميّة تعمل بنشاط بتوجهات أيديولوجية إسلامويّة رجعية متفاوتة في درجات تشدُّدها وتطرّفها. وقد أدّى دعم هذه التيارات عسكرياً ولوجستياً ومالياً من قبل جهات عدّيدة إلى طغيان صوتها على كل الأصوات الثوريّة الأُخرى باسم الثورة والتغيير.

الثورة السوريّة بين كل هذه الفوضى من الثورات “السوريّة”، هي ثورة الديمقراطية، والمواطنة، والمجتمع المدنيّ التعدّدي وأقرب ما يمثِّلها الأشهر الأولى للثورة السوريّة. لكن هذا التيار يكاد لا يُسمع صوته اليوم بعد أن أٌقصته عن الساحة تيارات الإسلام الجهاديّ.

الأُفق مفتوحٌ أمام جميع هذه الثورات السوريّة، لكن مرّة أخرى، يضيق ويتسع أمام كل تيار بقدرته على إثبات نفسه بوصفه خطاب قوّة وصراع أيديولوجيّ سياسيّ، ليس فقط ضد النظام وإنما ضد غيره من التيارات الأيدولوجيّة التي ظهرت في غضون السنوات الأربع من عمر الصراع مطالبةً بأحقيتها في “الثورة”.

أما التغير فقد وقع وهو يقع كل يوم ويسير بسرعة على قدّمٍ وساق بينما تدور سوريا في زوبعة التغييرات حدّ فقدان ملامحها.

قد تنجح الثورة السوريّة بهذا المعنى، لو توقف صوت السلاح وعمليات القتل وصار هناك إرادة دوليّة حقيقيّة في إنقاذ مؤسسات الدولة السوريّة وتجفيف منابع الإرهاب التي تدّعي محاربتها.

الإسلام السياسي

وصول التيارات الإسلاميّة إلى السُّلطة بعد إسقاط الأنظمة السابقة في كل من تونس ومصر وتوحُش الإسلام السياسيّ المُتطرِّف في كل من اليمن وليبيا والعراق وسوريا، ما هو إلا تجليّ سياسيّ من تجليات الإسلام السياسيّ وإعادة إنتاجه لنفسه، بعد مراحل زمنيّة تم قمعه فيها مع أنظمة دكتاتوريّة، فظل جمراً ثاوياً تحت الرماد يتحين فرصة العودة للاسئثار بالسُّلطة.

كما أن القضاء على تنظيم الدولة الإسلاميّة، ممكن إذا توقف مده، من قبل داعميه، بالمال والسلاح، وضبط الحدود وتدمير ما تبقى من قوته العسكريّة حتى تنتهي هذه الفزاعة من القش.

ويبقى علاج مشكلة الإسلام السياسيّ، بشكل جذريّ وعلى المدى البعيد، غير ممكنة التحقق، إلا ضمن إطار ديمقراطيّ طويل النَّفَس، تحترم فيه قواعد لعبة الديمقراطية وحدودها.

المعارضة رهينة الخارج

صار معروفاً بأن النظام قضى على أي شكل مُنظّم وفاعل للمعارضة على مدى نصف قرن من استئثاره بالسلطة، وإقصاء لخصومه وقتلهم وتقليم أظافرهم. وأن النظام الفاسد يُنتجُ معارضة فاسدة. كما أن أمراض الشخصيّة السوريّة: كتضخم الأنا، وعدم الاعتراف بالاختلاف، والتجذّر الخفي فيها لهويات ما قبل المواطنة المدنيّة الحديثة، أصبحت جليّة. كل هذا صحيح ونتائجه لا تحتاج إلى دليل أو برهان أو ذكاء لكن يظل بأن هذه الأمراض الحقيقية للمعارضة السوريّة، ليست إلا سبباً ثانويّاً يُضاف إلى السبب الرئيسيّ في شرح وضعها المُزريّ حالياً. والسبب الرئيسيّ هو اضطرارها مع تحوُّل الثورة السوريّة إلى طور التّسلُّح، للاعتماد على الخارج بشكل متزايد لمواجهة تطرُّف نظام الأسد الذي قرّر القضاء على الثورة، بأي ثمن، مدعوماً مالياً وعسكرياً ولوجستياً دون حدود من قِبل إيران وروسيا والميليشيا الشيعيّة المُقاتلة في لبنان والعراق.

وبمعنى آخر، لحاجتها المتزايدة إلى الخارج، راحت المعارضة المحتاجة إلى هذا الخارج لكي تبقى، تفقد قرارها الوطنيّ وتمثيلها الشعبيّ، شيئاً فشيئاً، ما أدى إلى تبعيتها الكاملة إلى عدّد من الأطراف الخارجيّة لها مصالح متضاربة في سوريا، ما زاد الطيّن بلة.

قرار المعارضة لم يعد بيدها، لأنها مُضطرة للتعامل مع الخارج، وحتى لو كانت شخصياتها أكثر وطنيّة وأكثر إرادة وأكثر نظافة وأقل ارتشاءً ومقاولةً وسوءاً، لما كان الأمر تغير كثيراً. فقد استولى الخارج بالكامل، مع اضطرار الثورة للتسلُّح، على سوريا نظاماً ومعارضة.

سوريا وتغير “باراديم” السياسّة

استخدام فكرة “ثورة الباراديم” بدل فكرة “التحوّل البنيويّ”، أصبحت ضرورة، ولعل الفرق بين الإثنين، يقوم على أن تغير الباراديم هو عمليّة ثوريّة قطعيّة في حين أن “التحوّل” البنيويّ هو غالباً عملية تراكم وتحوّل نوعي تدريجيّ لا يُمثِّل قطيعة حادّة. فالتغير في سوريا كان يجري على قدمٍ وساق رغم إنكار النظام لذلك وعدم رغبته بتغير الأوضاع، وبمعنى آخر كانت مقومات الثورة الأساسيّة قد تحققّت تاريخياً ولم يكن على السوريين إلا إعلانها وهذا ما حصل مع انتشار ثورات الربيع العربي. هذه المقومات تُشير إلى الناس لم تعد تُطيق “بنيّة” النظام الأمني السوريّ بكل تصلبها واحتكاريتها وإقصائها وبوليسيتها الأمنيّة.

الواقع كان يتغير من الخارج، بينما تتصلب بنية النظام السوري على نفسها أكثر فأكثر في مواجهة ما يحصل. لكن، ورغم كل عناد النظام السوريّ وإصراره على عدم تقديم تنازلات، فإن الصراع الحاصل منذ أربع سنوات على الأقل من عمر الثورة، قد أثبت استحالة التحوُّل البنيويّ الداخلي للنظام، كما تعلمنا أدبيات الفلسفة البنيوية، وإنما إلى تغييره بالإكراه المفروض من خارج بنية النظام، تغييراً فرضته الثورة والصراع، في وعلى، سوريا وسيرورة التاريخ والتغير.

وبما أن النظام غير قابل للتحوّل البنيوي الداخليّ فإن تغييره سيكون في النهاية تغييراً لباراديم السياسة البعثية الأسديّة بالكامل. وبما أن السوريين قد فقدوا مصيرهم الآن وهم معتمدون بالكامل على الخارج نظاماً ومعارضة ما سيترك الباب مفتوحاً أمام هذا الخارج، العربي والإقليميّ والدوليّ، إلى التصارع على تغيير باراديم سياسة البعث الأسدي بالقوّة ومن الأعلى وفق ما تؤول إليه نهايات الصراع السياسيّ بينهم.

تكاد نهاية الصراع، في وعلى، سوريا تبدو جليّة للجميع، فالصراع العسكري لن يُحسم لصالح أي طرف وستكون هناك في النهاية مفاوضات من أجل انتقال السُّلطة في سوريا مع الدعوة للمحافظة على مؤسسات الدولة السوريّة بالحياة، وقد يظل بشار الأسد “رئيساً” شكلياً في فترة انتقالية لكن التغيّر، لم ولن يكون بنيوياً من داخل بنية نظام متوحش أعمى وأصمّ لم يستطع أن يلتقط اللحظة التاريخية لإجراء تحول بنيويّ فرفض آلية حركة التاريخ ولا يزال ينكر لليوم حق الشعب السوريّ في السيادة والحياة والحرية والكرامة.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...