الرئيسية / صفحات العالم / على من يطلق الأسد الرصاص؟

على من يطلق الأسد الرصاص؟


منار الرشواني

ينقل الصحفي الأميركي توماس فريدمان عن صديقه رجل الأعمال السوري كيف اعترض رفعت الأسد بشدة على تقدير عدد ضحايا مجزرة حماة في العام 1982 بحوالي

 7 آلاف مواطن سوري. فقد كان قائد سرايا الدفاع التي تولت تنفيذ المجزرة زمن حافظ الأسد، واضحاً وحازماً في رده: “ما الذي تتحدث عنه؟!… لقد قتلنا 38 ألفاً”.

ومثل هذا التباهي الذي يُفترض أنه يتناقض مع أبسط مكونات الفطرة الإنسانية، لم يكن أبداً زلة لسان من عمّ الرئيس الحالي، أو اطلاعاً لصديق أو شريك، في جلسة خاصة، على سرّ لا يريد له أن يتسرب. فكما يروي فريدمان، صاحب كتاب “من بيروت إلى القدس”، الذي قدم للعالم الغربي خصوصاً ما يعتبر الوثيقة الأولى ولربما الأهم حول المجزرة، فإن النظام كان يشجع السوريين على زيارة حماه بعد إنهاء العمليات العسكرية فيها، للاتعاظ بمشاهد الدمار الذي لحقها، والتأمل بالصمت الذي بات يلفها.

لما يقرب من ثلاثين سنة، بدا أن “شرعية الرعب” تلك آتت أكلها. لكن إذا كان الشعب قد رضخ قسراً وقهراً، طوال تلك العقود، للبؤس والإذلال، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، فقد بدا مع انطلاق الانتفاضة السورية أن النظام وحده هو من استسلم تماماً وأسلم نفسه لتلك الشرعية التي صنعها بيديه، فما عاد يعرف غيرها أو يبحث عن سواها.

ففي مواجهة حراك شعبي محدد المطالب في البداية (إطلاق أطفال معتقلين، وإقالة محافظين، ومنح شهادات وفاة لأسر المفقودين في سجون النظام منذ ثمانينيات القرن الماضي…)، ظهر جلياً أن الحل الوحيد الذي يعرفه ويملكه النظام، أكثر من كونه خياراً مغرياً ضمن خيارات أخرى، متمثل في استعادة “شرعية الرعب”. لكن بدلاً من النجاح الموعود والمأمول بإحياء مجزرة حماه في درعا هذه المرة، صارت المجزرة “وطنية” بعد أن شملت حمص، ثم جسر الشغور، وحماه مرة أخرى، ودير الزور، واللاذقية.. وكل بلدة أو مدينة أخرى منتفضة! فبدلاً من “الرعب”، صار القتل المتواصل والممتد وقوداً للثورة السورية التي ما عادت ترضى بأقل من النظام كله، رأساً وأركاناً وبقية سفاحين.

اليوم، جدير ببشار الأسد استذكار الآمال التي رافقت توليه الحكم خلفاً لوالده، وأن يتأمل في لحظة صدق المسؤول عن تحويل كل تلك الآمال إلى غضب جارف تعجز أمامه دبابات وزوارق حربية ومدافع رشاشة و”شبيحة”. ورغم أن هذا الاستذكار ربما يبدو متأخراً جداً، إلا أنه قد يكون، مع ذلك، فرصة أخيرة للأسد للاستفادة من قذائف دباباته ورصاص جنوده وشبيحته في الانتقام من أركان حكمه المسؤولين وحدهم دون سواهم عن جعل نظامه آخر قتلى “شرعية الرعب” التي صنعها وصانها لأجيال!

الغد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...