الرئيسية / صفحات الرأي / عندما سنعود إليها، أية ثقافة ستكون؟

عندما سنعود إليها، أية ثقافة ستكون؟


عمر قدور

هي سنة الثورات بلا منازع، حيث الأبصار والعقول مشدودة إلى متابعة تفاصيل الانتفاضات وانتظار لحظة سقوط الأنظمة. وفي البلدان التي ما زالت منتفضة تتركز المتابعة لدى الكثيرين على التفاصيل المحلية، ويبقى العالم الخارجي مؤجلاً بانتظار الحسم. من نافل القول إن الثقافة أيضاً باتت مؤجلة، خاصة مع الانحسار الثقافي الذي ساد قبل الانتفاضات، ومع الصيت السيئ الذي شاع عن “النخب” الثقافية في أثنائها. بل إن ذيوع هذا الصيت شارك فيه جزء كبير من المثقفين على نحو شديد الاستعجال، ربما بإحساس بالإثم يستدعي التطهر، وربما بشعور بالعجز أمام طوفان الشارع. ولا ينبغي استبعاد التملق والانتهازية لدى البعض.

بالنظر إلى العوامل المركبة التي أحاطت بانتفاضة الشارع استحق الأخير قيمةً عليا شديدة الوطأة، بحيث يبدو الشارع متعالياً على أية محاولة نقدية الآن، وبحيث تغلبت الدوافع الأخلاقية على كل ما عداها. بهذا المعنى صار الشارع هو السلطة المعنوية الأعلى والأكثر هيمنة، بينما لم يحن الوقت الذي تُمتحن فيه سلطته بالنقد، أي بأدوات ثقافية. على الضد من ذلك تنشغل الثقافة عموماً بصياغة سردية احتفالية للشارع، فتنأى عن واحدة من وظائفها وهي الشكّ. ثمة مسافة بين أن يكون الشعب على حق دائماً وبين أن يكون على صواب دائماً. تنحسر هذه المسافة لاعتبارات أخلاقية أو سياسية مباشرة فتخسر الثقافة مساحة من اللايقين، ويتوارى تمايز صوت الثقافة ليصبح مجرد صدى لما يحدث.

لا شكّ في أن الانتفاضة أحدثت صدمة إيجابية في الوعي الجمعي، ومن ضمنه الوعي الثقافي الذي استكان طويلاً إلى واقع لا يتغير، أو تصعب زحزحته حتى. ومن مظاهر الواقع الذي كان سائداً ذلك الفصل الحاد بين المثقف والواقع، وتلك الفجوة الشاسعة بين “المُثل الثقافية العالية” و”الفساد المعمَّم”. هذه القسمة أدت إلى ما يشبه الفصام المجتمعي العام، وإن تركزت الأزمة على المثقف خصوصاً فبات نموذجاً للشخصية الفصامية. ربما تبدو اللحظة الراهنة قد ردمت حيزاً واسعاً من الفجوة بين المثقف والمجتمع إذ تغلّب الهمّ السياسي المشترك على ما عداه. ومثلما كان دأب الديكتاتورية أن توحّد الجميع في الرضوخ فإن همّ التخلص منها قد وحد بين المختلفين، وكرس مؤقتاً وهم تخطي الفصام السابق.

إن أجيالاً من المثقفين قد نشأت تحت هيمنة الديكتاتورية، ورغم اختلاف درجات الاستبداد بين بلد وآخر إلا أنه لم يكن ممكناً في أحسن الحالات التخلصُ من ظل الديكتاتورية المهيمن في الحقل الثقافي كما في كل مكان. لقد كان همّ بعض المثقفين اقتناص مساحة من الحرية، ولو عبر المجاز، بدلاً من أن تكون الحرية دافعاً للمغامرة الفكرية أو التجريب. أي أن القمع أفلح إلى حد كبير في دفع الثقافة إلى عتبة متواضعة من الانشغال الثقافي، بل إن ذلك ترك أثراً على الأدوات الثقافية ذاتها وصار من طليعة شواغلها أن تبرع في التحايل على الرقابات المتعددة وتستهلك في هذا جزءاً كبيراً من الطاقة الإبداعية بصرف النظر عن القيمة الإبداعية للمنجز.

بالطبع أفرزت الديكتاتورية نقيضها أيضاً، حيث لا بدّ من فعلٍ مقاوم مهما كان متواضعاً. وفي الواقع شهدنا انتعاشاً لما سمّي بـ”النصوص المضادة”، وأخذ قسم كبير من النصوص المضادة مكانته من تضاده مع الممنوع السياسي والاجتماعي، ولم يكن دائماً على تضاد مع ما هو سائد في الحقل الثقافي ذاته. لهذا السبب تبدو الفكرة السائدة عن نخبوية المثقف محلّ شك. فالمثقف إذ يرجّح الهم السياسي أو الاجتماعي المباشر على الهم الفني الإبداعي فإنه يتنازل عن استقلاليته لصالح الجموع، من هنا كانت النصوص المضادة الأكثر شيوعاً هي تلك التي تلاقي الذائقة السائدة، ولعلها مفارقة كبيرة أن يتحول النص المضاد إلى سلطة ثقافية أيضاً، ويأخذ قوته من مقولاته لا من ابتكار أدواته، فضلاً عن امتلاكه ميزة الاستقرار بسبب مناوءته لقوى ظلت راسخة طوال العقود الماضية.

في الواقع لم يكن الحقل الثقافي بمنأى عن السلطة بمفهومها العام أو الخاص، فمع استتباب الديكتاتورية تكرست في الحقل الثقافي سلطات موازية. وليس المقصود هنا ذلك النوع من مثقفي السلطة أو عديمي الموهبة الذين تربعوا على سدة المؤسسات الثقافية العامة، وبعضهم استمر في منصبه لعقود توازي بقاء الحاكم على كرسيه، بل المقصود هو تلك السلطة التي دانت لمثقفين ظهروا على أنهم خارج السلطة في الوقت الذي لم يكونوا فيه مفترقين جذرياً عنها. وقد لا يكون من باب المصادفة أنهم بسطوا سيطرتهم على الساحة الثقافية في الوقت الذي كان فيه السياسي يفرض سطوة موازية على الحقل العام. إن رسوخ ذائقة ثقافية ما لمدة طويلة ليس اعتباطياً، فهو يعبر عن إقصاء وتهميش ما هو خارج هذه الذائقة. وبالفعل اشتكت أجيال متتالية من المثقفين من وطأة النص السائد الذي كان السبيل الأسهل للحصول على الاعتراف بها. ولم تكن قليلة هي حالات النكوص عن المغامرة والتجريب بعد أن عانى أصحابها مغبة الإنكار أو التجاهل، أما حالات الإقصاء الفظة التي مارسها “نجوم” الثقافة بشكل مباشر فهي معلومة للكثيرين ومتداولة في الجلسات المغلقة، وقلّما امتلك المثقفون شجاعة مواجهتها أو فضحها علناً.

ربما ما يزال الوقت مبكراً لتحليل وتفكيك كافة الآليات التي عملت وفقها الثقافة العربية في ظل الديكتاتوريات، وقد لا تبدو هذه المهمة في طليعة الأولويات حالياً، لكن هذا لا يعني الانشغال التام عن التفكر في خصائص ثقافة الاستبداد. وعلى وجه خاص، من الضروري اليوم رؤية ما تحت الموقف السياسي المباشر للمثقف، ومعاينة الأصالة الثقافية لموقفه دون أن يعني ذلك إقصاء وتهميشاً جديدين. ثمة تمييز هنا بين وجهين للمثقف؛ الأول هو مواطنته التي ترتّب عليه مسؤوليات أخلاقية أو سياسية بصرف النظر عن مكانته الثقافية، أما الثاني فيتعلق بمدى انسجام أدواته الثقافية مع التوجه الأول. الافتراض الذي لا يخلو من القسوة في هذا الصدد هو أن نبل الموقف الأخلاقي معيار مطلوب لكنه غير كافٍ ثقافياً، بل إن التاريخ يحفظ لنا نماذج مغايرة عن كتاب اتسموا بمواقف سياسية رجعية أو محافظة وقدموا نصوصاً إبداعية مفارقة لها ومتخطية للسائد الثقافي؛ ت. س. إليوت، وبورخيس على سبيل المثال، أما النوايا الطيبة التي تجسدتْ نصوصاً هزيلة طواها النسيان فهي أكثر من أن تُحصى.

ليس من الشطط أن تُنتظر من الانتفاضة نقلةٌ متعددة المستويات، وإلا فإن نجاح المستوى السياسي فقط يعني سقوطاً للحكم لا سقوطاً للنظام، ويعني تحويل الانتفاضة إلى ثورة عابرة بدلاً من استثمارها كلحظة تاريخية بكل ما لهذا الوصف من دلالات. لذا فإن استكمال ما يحدث في الشارع مهمةٌ ثقافية بامتياز تنقل الانتفاضة من حيز الفعل المؤقت إلى حيز الوعي. وأن تكون مهمة ثقافية فهذا لا يعني اقتصارها على النخب بالمعنى الكلاسيكي فالمطلوب مراجعة نقدية شاملة لآثار الاستبداد الثقافية. ضمن ما سبق ينبغي لنا التساؤل عن حال الثقافة بعد الانتفاضة، خاصة عندما تتحرر من القمع الذي أعاق جزءاً منها، وغطّى على تخلف جزء آخر. الإجابة على هذا التساؤل تبدأ بمواكبة نقدية إبداعية مبتكرة لا تتوقف عند وصف ما يجري والاحتفاء به، أي أن حال الثقافة بعد الانتفاضة يُصنع الآن، وأيُّ تأجيل قد يعني العودة إلى ما كنا عليه من قبل. بل قد يعني في جانب منه خيانةً لروح الانتفاضة واستحقاقاً جديداً للصيت السيء الذي شاع عن المثقف في أثنائها.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 9/10/2911

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الدين سلطويا/ محمد ديبو

      تدفع ظاهرة عمرو خالد وغيره من الدعاة الذين يضعون “علمهم ودينهم” في ...