الرئيسية / صفحات الرأي / عن آفة الصورة النمطية إسلامياً وغربياً/ عبدالباسط سيدا

عن آفة الصورة النمطية إسلامياً وغربياً/ عبدالباسط سيدا

 

 

الأحكام العامة المسبقة، أو الصورة النمطية التي تجسّد تصور جماعة ما حول جماعة أخرى، وتتحدد من خلالها مواقف مختلف الجماعات بعضها من بعض، لا تُعدّ ظاهرة معاصرة. فهي كانت موجودة منذ ظهور المدنيات الأولى، وتطوّر وسائل التواصل في ما بينها قياساً إلى واقع تلك الأيام. وقد أثبتت التجارب الحديثة والمعاصرة باستمرار أن الأحكام العامة لا تصلح مقياساً لتصنيف المجتمعات استناداً إلى المعايير الدينية، أو الاستعداد لتقبّل قيم الحضارة العصرية، أو قابلية العمل الجاد المنظّم، أو درجة تفشي الفساد المالي مثلاً. فالمجتمعات الإنسانية لم تكن في يوم من الأيام متجانسة بصورة مطلقة، ولن تكون كذلك أبداً، وإنما كان التباين والتنوع على الدوام من الخصائص المحورية التي تتمركز حولها كل المجتمعات.

كما أن تحديد سلوكية الأفراد لا يمكن أن يكون الحصيلة المستنبطة من تلك الأحكام العامة، لأن كل استدلال لا يُشتق من مقدّمات صحيحة يتم التحقّق منها بفعل استقراء علمي معرفي محكم، ولا يراعي التسلسل المنطقي بين المقدّمات الأساسية وتلك الفرعية، تكون نتيجته استدلالاً فاسداً بالمعنى المنطقي، عقيماً على المستوى الواقعي.

ولكن الأمر اللافت الذي نواجهه الآن أن الأحكام العامة، أو الصور النمطية، باتت هي المحدّد الرئيس للتوجهات والمواقف على المستويين الإعلامي والشعبي، وحتى الرسمي والنخبوي في الكثير من الأحيان.

فعقلية «نحن وهم» هي المهيمنة راهناً على مختلف مكوّناتنا المجتمعية، وهي التي تمثل المحور الذي تتمفصل حوله الولاءات ما قبل الوطنية، أو تلك العابرة للحدود. ومن هذه العقلية تُستلهم الأحكام العامة، والصور النمطية. فالشيعة في المنظور السني كتلة متجانسة لها خصائص تحدد ماهيتها، وكل خروج عن إطار روحية هذه الكتلة لا يمثّل سوى عناصر شاردة مارقة، لا مكان لها في المنظومة البنيوية الخاصة بالطائفة، وهي لا تمتلك نتيجة ذلك أي دورٍ فاعل، أو وظيفة يعتد بها ويبنى عليها.

والأمر كذلك بالنسبة إلى السنة في المنظور الشيعي، أو إلى العرب في المنظور الكردي أو الكرد في المنظور العربي، أو العرب في المنظور الفارسي، أو الفرس في المنظور العربي، وهكذا…

وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي بخاصة الفايسبوك، والقنوات الفضائية الموجهة، في ترسيخ هذه الصورة النمطية بفعل هيمنة النزعة الشعبوية عليها، وتراجع النخب التي كان من المفروض أن تمتلك جرأة أكبر، وتواجه حالة الهيستيريا الطائفية والقوموية، والأصولية المتشددة بعقلية نقدية تفكيكية.

كما عملت الجهات المستفيدة من تفجير العلاقات بين مكوّنات نسيجنا المجتمعي من خلال عملائها الالكترونيين عبر تسويق التزييف والتحريف والتشويه، واستخدام لغة سوقية مبتذلة لم نعتقد في يوم من الأيام أنها ستسخدم للتعبير عن الآراء والمواقف في بلاد الأبجدية الأولى، والحضارات العريقة، والديانات السماوية. وهي لغة دفعت بالكثيرين إلى أحضان غريزة القطيع، وسلّمتهم إلى هواجس لا عقلانية عصابية، تُلزم صاحبها بسلوكية التواكل والانقياد.

ومما يدعو إلى التمعّن والتأمل أن ظاهرة الصورة النمطية لا تقتصر على مجتمعاتنا وحدها، بل باتت طاغية في المجتمعات الغربية أيضاً، وذلك في ما يخص العلاقة بين سكّان البلاد الأصليين والوافدين الجدد، بخاصة العرب والمسلمين منهم. فالآخر الوافد المختلف، المجهول «المُهدّد» يدخل ككتلة ضمن مجموعة الـ «هم»، فيما الأفراد «المتميّزون النوعيون» هم الذين يشكلون عناصر مجموعة الـ «نحن» التي تجسّد كل القيم الحضارية والإنسانية، وتمثّل التقدم في مواجهة تخلّف وبدائية وهمجية مجموعة الـ «هم».

وتختلف الصورة النمطية في أوروبا بشقيها الغربي والشرقي تبعاً للجهة التي توظّفها وتبني عليها. فهي في أوروبا الشرقية تمثّل المسلمين الذين يشكّلون «خطراً» على المجتمعات المسيحية وقيمها وعقيدتها. في حين أنها في أوروبا الغربية تركّز على الممارسات المستندة إلى التعاليم الإسلامية، وذلك لجهة كونها تُعدّ «تهديداً» لقيم الحضارة الغربية التي تسوّقها القوى اليمينية على أنها تمثل قيم المتفوقين بالمعنى العنصري، فيما «الرتوش» المسيحي يظل في الخلفية، يمارس التأثير، ولكنه تأثير أقل حدة بكثير من ذاك الذي شهدناه في مجتمعات أوروبا الشرقية، بخاصة أثناء التعامل مع موجات اللاجئين السوريين وغيرهم في رحلاتهم السريالية الاضطرارية نحو الغرب الأوروبي بحثاً عن الملاذ والمستقبل المفقود.

أما الصورة النمطية التي نجدها في أوساط الجاليات العربية – الإسلامية حول الغرب والإسلام فهي من جانبها ترى في المجتمعات الغربية مجتمعات عنصرية، بهذه الصورة أو تلك. فهناك العنصرية المكشوفة أو العلنية، إلى جانب العنصرية المقنّعة التي تكشف عن ذاتها في الأزمات والمواجهات الحادة، كالتفجيرات الإرهابية التي شهدتها باريس وبروكسيل مثلاً.

وهناك صورة نمطية أخرى في أوساط المتشددين ضمن الجاليات المعنية، وهي صورة الغرب «الكافر» التي تسمح لمعتنقيها باستخدام كل الوسائل، بما في ذلك العنيفة الإرهابية لإلحاق أكبر الأذى بالآخر»العدو»، وذلك انتظاراً «للفتح الإسلامي المنتظر».

وقد عززت هذا الاتجاه عوامل التمييز، والعزلة، والانعزال، والجهل، وعدم التواصل، والتجييش الإعلامي، بخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى تزايد مستوى العنف، واتساع نطاقه في المجتمعات العربية- الإسلامية، وتباعد الهوّة بين المكوّنات المجتمعية لا سيما المذهبية منها. كل هذه العوامل تشابكت وتفاعلت في عملية تكوين وضع معقّد مثقل بالتحويرات، والأضاليل، وعدم وضوح الرؤية، وزئبقية المواقف. وكل ذلك دفع بالإنسان الغربي العادي نحو حالة اضطراب، ماهيتها تداخل الحيرة مع التوتر والقلق والتوجّس من الآتي غير المرغوب.

وفي أجواء كهذه، يخضع السياسيون في الغرب لمنطق المصالح والحسابات الانتخابية، فيغازلون النزعات الشعبوية، وحتى العنصرية المتطرّفة، ويغضّون النظر عن المواقف الحدّية تحت ذريعة احترام حرية التعبير، وتفتقر وقفاتهم إلى الجرأة المطلوبة لمواجهة التهديدات التي تنذر بمستقبل سوداوي، إذا ما استمرت مختلف النزعات في مداراتها الراهنة.

وما يضفي قتامة استثنائية على الموقف برمته هو تراجع النخب، والتزامها بالصمت، أو انشغالها بقضايا اختصاصية ثانوية قياساً إلى التحديات المطروحة، وكل ذلك ينذر بأيام صعبة، نتمنّى أن تتضافر كل الجهود من أجل المصادرة على كارثية ما قد تسفر عنه.

* كاتب وسياسي سوري

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

5 + 3 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...