الرئيسية / صفحات الرأي / عن أسطورة نهاية عصر الأيديولوجيا: الأيديولوجيا واليوتوبيا والقيم في عصر الثورات العربية

عن أسطورة نهاية عصر الأيديولوجيا: الأيديولوجيا واليوتوبيا والقيم في عصر الثورات العربية


محمد شاويش

مقدمة:

لا يريد هذا المقال نقد الوعي الذي يسيّر إلى الآن الثورات العربية القائمة من منظور ينتقص عظمة العمل الجماعي الذي قام به الملايين متحدين سلطات أهانتهم واستعبدتهم فرفعوا شعار”الحرية والكرامة”. في نهاية المقال آمل أن يرى القارئ أنني على العكس أريد أن أبرز المتضمن العظيم في هذه الثورات الذي ينتقص منه التعبير الشائع عنها.

أريد في المقال أن أفحص حقيقة ما يشيعه المثقفون عن “انتهاء عصر الأيديولوجيا” وأريد أن أثبت أن ما انتهى كان “اليوتوبيا” القديمة عند معظم النخب التي تركت اليوتوبيا بالتحديد لتنتقل إلى “الأيديولوجيا” التي زعمت أنها تخلصت منها، على حين حافظت الجماهير العريضة على ثقافة أصلية سائدة ظلت غير منعكسة في وسائل التعبير التي تحتكرها النخب.

1- الاحتفال “بانتهاء عصر الأيديولوجيا” ومعناه:

مع سقوط الاتحاد السوفيتي أعلن  مثقفون عرب كثر بابتهاج، وبالأحرى بشماتة عظيمة “انتهاء عصر الأيديولوجيا”. مما يلفت الانتباه أن المحتفلين بانتهاء هذا العصر أغلبهم كان من وقت غير بعيد “أيديولوجياً” بامتياز، فالشماتة كانت عملاً موجهاً إلى ذات كرهت ماضيها القريب وكأنها تريد عبر الشماتة أن تكرس تنصلها من هذا الماضي وتماهيها المطلق مع من كان إلى سنوات قليلة عدواً لدوداً. بالتحديد كان هؤلاء من اليسار العربي الذي صعد في أوساط محددة من الشباب العربي من المثقفين والطلاب في الستينات والنصف الأول من السبعينات. وقد ميّز تلك المرحلة ظهور “يسار جديد” قطع مع الأحزاب الشيوعية التقليدية متأثراً باتجاهات في العالم تمثلت بالماوية والغيفارية والتروتسكية، علاوة على تحولات ذات طابع عربي خاص تصالحت فيه أقسام من الشيوعيين العرب المنتمين في الأصل إلى الخط الشيوعي الموسكوفي مع الفكر القومي العربي وفكر الكفاح المسلح لتحرير فلسطين (أهم هذه القطاعات الشيوعية الجديدة تمثلت في جناح “المكتب السياسي” في الحزب الشيوعي السوري – رياض الترك ورفاقه، وفي الحزب الشيوعي اللبناني الذي خاض شكلاً من أشكال القطيعة مع نمط تفكير الأمين العام التاريخي خالد بكداش).

احتفل هؤلاء “اليساريون السابقون” (وفقاً لتعبير أسعد أبو خليل الهجائي) بما رأوه انتهاء عصر الأيديولوجيا مستبقين بنسخة عربية من فرضية “نهاية التاريخ” ما أعلنه فوكوياما بعد قليل الذي لعله لا يستحق شهرته الكبيرة، لأنه لم يفعل أكثر من التعبير بطريقة تدعي علاقة مع الفلسفة عن فكرة مبتذلة سادت في الغرب مع سقوط الاتحاد السوفييتي تقول إن النظام الرأسمالي الغربي أثبت أنه النظام الوحيد القابل للحياة وغير القابل للاستبدال.

ونلاحظ أن العرب المبتهجين بنهاية الأيديولوجيا لم يبذلوا جهداً لتعريف هذه “الأيديولوجيا” التي قالوا إنها ماتت لنعرف إن كانت بالفعل فارقت هذه الحياة الفانية أم هي ينطبق عليها قول مارك توين إن خبر وفاته مبالغ فيه! إطلاق التأكيدات يشي بانعدام مسؤولية علمية يبدو أنها سمة من سمات المثقف عندنا، مع أنه عادة ينسب اعتناق آراء غير مصوغة بدقة أو هي غير مبرهنة إلى “الجموع الجاهلة” التي هي كما يقول لا تحاكم منطقياً أو علمياً عقائدها وأفكارها الراسخة.

ثمة تسرع في الحماس المتأجج للأيديولوجيا ثم في الحماس المتأجج لإعلان موتها قد يذكرنا بالتسرع في الحب ثم في التخلي عن المحبوب، بما هو ظاهرة نفسية قد تغري ببحث من أبحاث التحليل النفسي للثقافة الذي اشتهر به أخونا جورج طرابيشي مدة من الزمن، قبل أن يغوص في جداله الطويل مع أطروحات محمد عابد الجابري (وهذا “الغوص” على كل حال أكثر فائدة في نظري للثقافة العربية من دراسات طرابيشي التحليلية النفسية عن الاتجاهات الفكرية العربية، إذ التحليل النفسي قليل الجدوى في دراسة السياسة والفكر السياسي).

ميّز كارل مانهايم في كتابه الشهير جداً “الأيديولوجيا واليوتوبيا” بين “الأيديولوجيا”، وهي منظومة فكرية تخلقها الطبقات الحاكمة لتبرر سيطرتها، و “اليوتوبيا” وهي الأفكار التي تتبناها الطبقات المحكومة لتبرر ثورتها على النظام القائم، ويمكن لنا أن نستخلص من تحليل مانهايم أن الأيديولوجيا لا يمكن أن تختفي لأنها إفراز حتمي للنظام القائم (وهذا على كل حال ما أكدته الماركسية قديماً)، وما يمكن أن يختفي هو “اليوتوبيا” إما عبر اندثار الطبقة المكافحة التي أنتجتها وإما عبر تحول اليوتوبيا إلى أيديولوجيا في حال انتصار هذه الطبقة.

ونستطيع أن نرى إن سرنا بهذا التحليل حتى نهاياته المنطقية أن الاحتفال بانتهاء الأيديولوجيا يعني في الحقيقة الاحتفال بانتهاء اليوتوبيا وانتصار النظام القائم أي انتصار الأيديولوجيا على اليوتوبيا! ومن المعروف أن السمة الأولى لكل أيديولوجيا هي إنكار أنها أيديولوجيا! (قد نقر للماركسية السوفييتية أنها، من بين الأيديولوجيات الحديثة كلها،الوحيدة التي اعترفت بأنها أيديولوجيا بل تباهت بذلك، وإن لم يمكن لنا بالسهولة نفسها الإقرار لها بما ادعته من كونها أيديولوجيا الطبقة العاملة!) وحين يقولون إن الأيديولوجيا انتهت يكون هذا القول ذاته أيديولوجيا تبرر النظام القائم عبر تصويره على أنه هو “الحالة الطبيعية” أو أنه هو “نهاية التاريخ” وما أثبت أنه لا يمكن تغييره وأنه من العبث السعي لاستبداله. و”النظام القائم” الذي ترسخ إلى الأبد و”انتهى التاريخ به” هو النظام الرأسمالي بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفلسفية كما يتجلى في النموذج السائد في الغرب.

معنى الاحتفال “بانتهاء عصر الأيديولوجيا” هو إذن الاعتقاد بقدرية النظام العالمي الجديد واستحالة تحديه، ولكن كان من المتوقع أن من يؤمن بأن الرأسمالية المقرونة باللبرالية هي القدر (المرغوب به!) الذي لا يمكن تجاوزه أو تخطيه أو بناء نموذج اجتماعي – سياسي مختلف عنه سيحاول اللحاق بالغرب وبناء نظام رأسمالي متقدم على نمطه وباحتذاء حذوه! أما ما نراه فهو أن هؤلاء المحتفلين لا يكتفون بنعي الحلم الاشتراكي مثلاً بل يتابعون نعيهم ليشمل أحلاماً رأسمالية بحتة (بالمعنى التاريخي الموضوعي) لا تتناقض مع نظرية نهاية التاريخ، وإن لم تتناسب بالضرورة مع مصالح المركز الرأسمالي الغربي. من هذه الأحلام بناء دولة عربية كبرى تستطيع، وبنظام رأسمالي قد يتبنى في نظامه السياسي الشكل اللبرالي أيضاً، أن تدخل في منافسة مع الدول الرأسمالية الكبرى، ومن المعروف أن التكتل الاقتصادي الكبير له مزايا لا تنكر قياساً بالتشرذم والتجزئة في كيانات صغيرة ممنوعة من اتخاذ أي خطوات تكاملية حقيقية (انظر نموذج مجلس التعاون الخليجي الذي يعد أحياناً “أنجح نموذج لتكتل عربي”). وما رأيناه في مثال المثقف الشامت بالأيديولوجيا ونهايتها المزعومة كان تنكره لهذا المشروع الرأسمالي موضوعياً الذي هو بناء دولة قومية عربية، وكأن هذا المثقف لا يقول فقط بأبدية الرأسمالية كما هي في المركز الغربي، بل يقول أيضاً بأبدية النمط التابع المعرقل لنمو رأسمالي حقيقي في بلادنا.

والمثقف الكاره للأيديولوجيا يقرنها بأنظمة الاستبداد والشمولية التي لا تعترف بالحريات الفردية وبالتعددية السياسية والفكرية، من نوع النظام السوفييتي الذي نسب نفسه للماركسية اللينينية والاشتراكية، أو أنظمة العراق وسوريا ومصر الناصرية التي نسبت نفسها إلى القومية العربية والاشتراكية، وهو حين يؤكد أن هذا الشكل من الأنظمة تجاوزه الزمن يصادر على أن البديل هو اللبرالية في “نموذجها الخالص” إن أحببنا استعارة مصطلح ماكس فيبر، والبرهان الذي يسوقه على حتمية هذا البديل لا يتعدى واقعة سقوط هذه الأنظمة، ولكنه كما يرى القارئ ليس دليلاً كافياً. فقد يجوز أن نستدل على عدم قابلية نظام للحياة بأنه سقط فعلاً (مع أنه حتى هنا لا يعد السقوط العملي دليلاً كافياً لأننا لم نبحث أسباباً قد تكون خارجة عن نطاق صلاحية النظام من عدمها) ولكن بجميع الأحوال لا يجوز لنا من سقوط نظام أن نستدل على أن نظاماً آخر بعينه هو دون سواه البديل القادر على الاستمرار والحياة.

عاد الاحتفال بانتهاء عصر الأيديولوجيا فظهر بحماس كبير عند القطاع نفسه من المثقفين مع عصر الثورات العربية الذي نشهده منذ سنة 2011 ميلادية. بكل سرور سجل المثقف أن القائمين بهذه الثورات”ليس عندهم أيديولوجيا”، إلى جانب خصل ممدوحة أخرى من نوع افتقادهم إلى قيادة وكونهم لا ينتمون إلى الأحزاب القديمة (عبثاً تحاول أن تفهم منه لماذا يعد الافتقاد إلى قيادة وأحزاب مزية، إذ لم نجد هذا “المعجب” بالثوار مثلاً يؤيد وجهة نظر الحركة الفوضوية الأوروبية القديمة الكارهة للأحزاب مع كرهها للدولة ولكل قيادة على اعتبار أن كل قيادة هي تسلط!).

ومع الشماتة”بالأيديولوجيا” سادت الشماتة الجارحة بالأحزاب المعارضة القديمة ومناضليها حتى لو كان بعض هؤلاء المناضلين ممن قضى جل حياته بين سجن ونفي أو حتى كان ممن قضي على حياته نهائياً بالاغتيال أو الموت تحت التعذيب.

ما الذي جرى وما الذي يبرر هذا الاحتقار للمناضل القديم وهذا التبجيل البالغ حد التقديس للثوار الجدد؟ تقدم لنا الكتابات حول هذا الموضوع سبباً واحداً لذلك: إن المناضل القديم أخفق في إسقاط الأنظمة بينما تمكن من ذلك هؤلاء الشباب الجدد باستعمال تقنيات حديثة (بعض المبالغة في تقريظ القدرات التقنية للثوار ناجم في اعتقادي عن سبب بسيط للغاية وهو جهل المقرظين بأوليات استعمال الكمبيوتر الذي يعلم مستعملوه أنه ليس بذلك التعقيد الذي يظنه من لا يستخدمه!).

وبعض هؤلاء المناضلين القدماء شارك في هذا التهجم على الذات بمازوشية تلفت الانتباه.

وإذا وافقنا على أن الثورات العربية قد ابتعدت حقاً عن”الأيديولوجيا” (أي عن “اليوتوبيا” في الحقيقة) فقد يصبح من الممكن طرح السؤال التالي: ألا يمكن تفسير النجاح الباهر لإسقاط السلطة في تونس ومصر بسهولة نسبية بأن التغيير الذي حدث، وبسبب خلو أذهان القائمين به من كل يوتوبيا (أي برنامج لنظام يكون بديلاً جذرياً للنظام الذي ثاروا عليه) لم يكن عميقاً يطال جذور النظام القائم بامتداداته الدولية والقطرية، مما جعل القوى الأهم التي تكوّن النظام وتسانده داخلياً وخارجياً غير معنية بالدفاع الجدي عن واجهتها المشخصة في المجموعة الظاهرة للعيان من شخصيات النظام البارزة المكروهة، وهكذا لعلها آثرت أن تضحي بهؤلاء ما دام أساس النظام لم يمس. وعلى هذا فإن نضال الثوريين القدماء الصعب الذي قضوا حياتهم فيه لم يكلل بالنجاح لأن أهدافهم كانت حقاً تتضمن تغييراً جذرياً في النظام الذي ما كان رأس هرم السلطة يشكل فيه أكثر من مجرد واجهة وظل لأصل يختفي وراءه هو أكبر منه بكثير، وبسبب ذلك استعمل النظام لإسكاتهم وعزلهم عن كل تأثير اجتماعي أشرس الوسائل وأكثرها وحشية.

وفي الواقع اقتصرت طموحات الثوار الجدد عملياً على تغيير هذه الواجهة مع احترام نموذجي لكل أبعاد النظام المحلية والدولية (مثلاً: النظام الطبقي الاقتصادي المحلي والجهاز العسكري التابعين للمركز الرأسمالي). لم يتحدّ الثوار دوغما اللبرالية الاقتصادية حتى بأكثر أشكالها توحشاً وتناقضاً مع اللبرالية الكلاسيكية نفسها، وحافظوا على “تهذيب تام” في مخاطبة المركز الغربي ومرتكزه في المنطقة: الكيان الصهيوني، وأكد الثوار بهذا أنهم حفظوا غيباً دروس تحطم المحاولات التي حاول فيها عرب آخرون مواجهة المركز: إما عبر تحدي توجهاته السياسية أو عبر تحدي واحد من محرماته التي لا تمس: الوحدة العربية أو سلامة الكيان الصهيوني أو الشروع في برنامج صناعي طموح يتجاوز الحالة المسموح بها وهي التبعية لنظام المساعدات أو العيش عبر اقتصاد ريعي يبيع الموارد الطبيعية الأولية ويستبدلها بسلع صناعية مستوردة.

واحد من سيئات افتقاد “الأيديولوجيا” المكروهة، أي “اليوتوبيا” كما قلنا، نراها هذه الأيام بوضوح في مصر، إذ “الأيديولوجيا” وفقاُ لتسميتهم كانت تتضمن  برنامجاً شاملاً للتغيير يترافق مع سلم أولويات ورؤية للمستقبل ودراسة للواقع الذي يراد تغييره، و الفاعل السياسي الثوري القديم كان يحدد أهدافاً يريد تطبيقها بمجرد وصوله إلى السلطة ويصوغها في برنامج ملموس يسميه “البرنامج الانتقالي” مثلاً، ونحن نرى أن هذا مفقود في الثورة المصرية التي لا تخلو خطواتها من الارتجال والتخبط، ومن البديهي أن هذا النقد الذي نوجهه لها لا يتم لصالح النظام الذي ثار ضده الناس، بل يقصد منه المساهمة في تصحيح هذا الوعي الذي يساهم النوع الذي ذكرناه أعلاه من المثقفين في تشويهه، وبالتالي في تصعيب طريق هذه الثورات الكبيرة نحو الانتصار الحقيقي.

 2- اليوتوبيا والقيمة في السياق العربي:

ظهرت “اليوتوبيا”  مع ظهور الأفكار الثورية. من غير الممكن تصور “يوتوبيا” في نظام تام الاستقرار والتوازن، واليوتوبيا التي هي تصور لنظام بديل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي – ديني (مبتكر كلمة “يوتوبيا” وهو توماس مور كان مؤسس فرقة دينية) تنبني على “قيم” تعطى لعناصر من البنية القائمة وللبنية المطلوب بناؤها، فما يجب تغييره يعطى قيمة سلبية وما يجب بناؤه يعطى قيمة إيجابية. ويظهر على هذا الأساس عند الفاعل السياسي الاجتماعي اليوتوبي ما أسميه “الأوصاف المشحونة بالقيمة” (اختصاراً: “الأوصاف المشحونة”). من هذه الأوصاف المتضادة مثلاً وصفا  “الهدى” و”الضلالة” في حالة الأحكام اليوتوبية الدينية (يحكم على الأفكار والأبنية المراد تغييرها بأنها “ضالة” وعلى الأفكار والأبنية التي يراد إنشاؤها بديلاً بأنها “مهتدية”، وهناك ثنائيات أخرى معروفة في السياق الديني من نوع “مقدس” و “نجس”، “ملائكي” و “شيطاني” إلى آخره).

والأوصاف المشحونة التي هي مطلقة تتولى اليوتوبيا تحديد حوامل عيانية لها، وهو ما أسميه “العمل التعييني لليوتوبيا”، وهو تقديم موضوع واقعي على أنه تجسيد ملموس للوصف المشحون المطلق، مثل تقديم صدام حسين على أنه تجسيد للوصف المشحون “الطاغية” عند المعارضة العراقية السابقة، أو “القائد البطل” عند أنصاره ومحبيه، وتقديم عبد الناصر على أنه تجسيد للوصف المشحون “القائد القومي المخلص” عند أنصاره بينما هو عند الإخوان تجسيد “للدكتاتور الطاغية”.

وقد ظهر في أوروبا الحديثة الوصفان المشحونان الأشهر: “الطغيان” و”الحرية”  اللذان يطلقان على الأنظمة السياسية، فأعطي الأول لنظم الحكم التقليدية (الملكيات المطلقة) والثاني للنظم الجديدة الناشئة خصوصاً بعد الثورات الأوروبية التي افتتحت عهدها الثورتان الأمريكية والفرنسية.

وورث الاشتراكيون هذا العهد فأدخلوا أوصافهم المشحونة الخاصة بعلاقات الإنتاج في مجتمع ما مثل “علاقات الاستغلال” و “النظام الطبقي” بما هما نقيضا  “العلاقات العادلة” و”النظام اللاطبقي”. ومن الملاحظ تغير الأوصاف العامة بين تيار فكري وآخر على حين يظن الناظر غير الخبير إليها أنها أحادية المضمون ، فما أسمته اللينينية “مركزية ديمقراطية” أسماه خصومها “مركزية بيروقراطية” وإلى آخره..

وأدرجت هذه الأوصاف المشحونة في السياق الاجتماعي العربي محدثة ما لا بد منه من سوء فهم و “سوء توطّن” إن جاز التعبير، وهي الحالة المعقدة من “الالتباس” التي أشرت إليها في مقال تمهيدي عن “التشكيلات الدلالية وتحليل الالتباس” نشرته في كتابي “نحو ثقافة تأصيلية – البيان التأصيلي” (دار نينوى- دمشق-2007).

قامت اليوتوبيا العربية في بلاد الشام (والحجاز) في مطلع القرن العشرين على أساس أوصاف مشحونة متضادة من نوع “الاستعباد” وتجسد في الموضوع الواقعي “حكم الأجانب” و “الحرية” وتجسد في المضمون “حكم العرب لأنفسهم”، و(الهدف) أي اليوتوبيا التي قامت الثورة العربية لتحقيقها تمثل في دولة عربية واحدة تضم هذه الأمة التي اكتشفت وجودها وتمايزت وانفصلت هويتها الخاصة فصارت تميز نفسها بالوصف “عربية” بعد أن كانت ذائبة في ” العثمانية”.  ومن أهم المنظرين الذين رافقوا هذه الحركة وصاغوا لغتها وخطابها كان ساطع الحصري، ومع الحصري وبالإضافة إلى مساهماته سيتولى قوميون لاحقون تلقوا تعليماً أوروبياً ترجمة عناصر مقتبسة من السياق الأوروبي وإدخالها في المحاججة القومية ستتولى مهمة تبرير “الفكرة القومية” وإثبات مشروعيتها ومزاياها عن طريق عرض نموذج اقتداء جذاب هو النموذج الأوروبي.

كان لليوتوبيا في مصر وضع آخر كما هو معلوم، بسبب ظروف مصر المختلفة عن ظروف بلاد الشام، حيث لم يكن هناك تناقض عربي – تركي تنبني اليوتوبيا التغييرية على أساس حله، بل كان التناقض الرئيس هو تناقض الاستعمار – الاستقلال، وقد تجلى ذلك على شكل انتشار يوتوبيا النهضة الإسلامية التي تريد الرجوع إلى الأصل النقي للإسلام عبر اجتثاث مخلفات “عصور الانحطاط” التي شوهت الإسلام، وهي اليوتوبيا التي أسسها كما هو معلوم جمال الدين الأفغاني وتابعها تلاميذه الكثر. ولا يتسع هذا المكان للتطرق لحال اليوتوبيا في البلاد العربية الأخرى خارج الشام ومصر.

ظل شكلا اليوتوبيا في مصر والشام قائمين إلى جانب بعضهما، ولكن الأيديولوجيا الفعلية التي تكلمت بلغتها الحكومات تحت الانتداب وبعد انتهائه كانت شكلاً بسيطاً من “اللبرالية” المحلية انتزعت منه اليوتوبيا بشكليها الشامي والمصري مما أسس للتناقض مع الأنظمة الذي رأينا في زماننا وصوله إلى حده الأقصى (كل كلمة مقتبسة من اللغات الأوروبية لوصف أيديولوجيا محلية يجب وضعها بين أهلة منعاً للالتباس، والأهلة تشير إلى ضرورة الانتباه لاختلاف السياق التاريخي الثقافي بين الكلمة الأصل والكلمة المعرّبة، ولكني سأتجاوز عن ذلك هنا لأسباب تتعلق بالاختصار راجياً أن أعود إلى هذا الموضوع بالغ الأهمية في مقال آخر إن شاء الله). ولكن في بدايات الاستقلال هذه كان التناقض الحاكم هو مع الاستعمار وليس مع الحكومات المحلية الضعيفة مما جعل “الأيديولوجيا” و “اليوتوبيا” في حالة تعايش عملي، فكنت ترى مثلاً في مصر آخر رؤساء “الحزب الوطني” الحامل ليوتوبيا الجامعة الإسلامية والرافع لشعار “لا مفاوضات قبل الجلاء” يشارك في حكومات متعددة لا علاقة لسياستها الفعلية بهذه اليوتوبيا. وفي مصر طبق حزب الوفد حين كان يؤلف الوزارة سياسة عملية بعيدة عن يوتوبيا “الحزب الوطني” الإسلامية (مصطفى كامل ومحمد فريد ورفاقهما) رغم أن مؤسسه سعد زغلول كان من جملة المتتلمذين على تيار الأفغاني – محمد عبده، ثم ظهرت منذ مطلع الثلاثينات تيارات سياسية جديدة أدخلت يوتوبيات جديدة على الساحة السياسية أهمها اليوتوبيا الإسلامانية (الإخوان) واليوتوبيا الاشتراكية (أحزاب صغيرة كثيرة).

حققت القومية العربية انتصارها الشعبي الكبير في الخمسينات والستينات مع صعود عبد الناصر وصار “الوحدويون” الوصف المشحون الإيجابي لحملة اليوتوبيا العربية الأكثر شعبية في مواجهة الوصف المشحون السلبي “دعاة التجزئة”، وظلت كذلك حتى مع تخلي الحكومات التي قادتها أحزاب قومية عن السعي العملي لتحقيق الوحدة، وقد أضيف تلوين اجتماعي اشتراكي مستلهم من التجارب الاشتراكية في شرق أوروبا لهدف الوحدة، ثم صعدت في السبعينات اليوتوبيا الإسلامانية وحققت انتصارها الحاسم وحلت محل اليوتوبيا القومية العربية في نهاية السبعينات (مع انتصار الثورة الإيرانية).

أخذت اليوتوبيا العربية إذن أشكالاً متعددة من قومية وإسلامانية ويسارية، ولكنها كانت تلتقي كلها تقريباً عند هدف تجاوز “التخلف” الذي سهل للاستعمار مهمته، وعند هدف التوحد بين”الشعوب العربية” إما في أمة عربية واحدة، أو كوحدة في نطاق “الأمة الإسلامية”، أو في نطاق “قوى الثورة العالمية”. ولعب الصراع مع الاغتصاب الصهيوني لبلد واقع في مركز بلاد العرب الواصل بين الجناحين الشرقي والغربي منها وهو فلسطين دوراً جوهرياً في هذا المسمى “الفكر السياسي العربي”، مع أنه لم يكن يمارس “السياسة” غالباً لأنه لم يكن يعبر عن قوى حاكمة بل عن قوى معارضة لا تمارس “السياسة” أي إدارة الدولة، بل كانت تناضل لتغيير النخبة السياسية الحاكمة، مما كان يجعل التعريف بشخص ما من سوريا أنه “سياسي” (مثلاً في عهد حافظ الأسد) مثاراً لسوء الفهم في أوروبا، حيث تطلق هذه الكلمة على العاملين في الأحزاب البرلمانية وعلى أعضاء الحكومات المستندين إلى النظام اللبرالي الغربي. على أن”السياسي” العربي لم يكن يطمح إلى تغيير النخبة الحاكمة لمجرد تغييرها، وإنما كان يريد من ذلك تغيير مجمل علاقة الدولة القطرية العربية مع المتروبول الاستعماري.

وفي غمار سعي حملة هذا الفكر لتحقيق التغيير كان لهم تصور عن المستقبل المنشود هو ما ندعوه هنا “اليوتوبيا”. ما هو عام فيها كان كما رأينا تصور وطن عربي “متقدم” تجاوز حالة التبعية للمركز الاستعماري ولم يعد من الممكن الهيمنة عليه أو احتلاله أو تهديده. ثمة إذن “قيمة” أساسية صاغت اليوتوبيا العربية حتى عصر الثورات وهي قيمة “التقدم” أو”النهضة” أو “تجاوز القابلية للاستعمار” أو”الوحدة”، وكلها كانت تريد “تحرير فلسطين” ولو على شكل”إزالة الطابع الصهيوني لدولة إسرائيل”) وهو ما طرحته بعض الأحزاب الشيوعية عندنا. وللتدليل على حقيقة  وحدة اليوتوبيا العربية المستترة خلف تناقضاتها الظاهرة يمكن ذكر أمثلة لمناضلين لم تتغير الأهداف التي يرون أنها تستحق النضال في سبيلها، حتى مع انتقالهم من معسكر فكري إلى معسكر آخر، يمكن أن نذكر مثلاً منير شفيق الذي ظل سواء انتسب للماوية أم للإسلامانية يرى أن أهم هدف للعرب يجب أن يكون الوحدة وإزالة التجزئة وتحرير فلسطين، ومن هؤلاء المفكر الاقتصادي الكبير والمناضل الوطني عادل حسين، الذي يحس المرء هذه الأيام من جديد بلوعة فقده، لأنه كان يعطي للإسلامانيين أبعاداً ضرورية لكل مشروع ثوري حقيقي هم إما يتجاهلونها أو لعلهم يجهلونها بالفعل وأهمها ضرورة النضال لاجتثاث جذري للتبعية الاقتصادية، بل والتبعية في ميدان العلوم الاجتماعية أيضاً، وقد ظل عادل أميناً لهذه الأهداف مع كل تحولاته من مناضل في “مصر الفتاة” إلى قومي عربي إلى مناضل في الحزب الشيوعي المصري إلى إسلاماني.

ظلت أهداف الفاعل السياسي العربي الثوري المزاج إذن ثابتة تشكل عناصر بانية لليوتوبيا مهما تغيرت لغتها وشكلها:  تجاوز الهوة العلمية – التقنية الفاصلة للعرب مع الغرب، وبناء دولة كبيرة قوية تستطيع تجاوز الحالة الدونية للعرب في العالم. حملت هذه اليوتوبيا، الواحدة في مضمونها مع اختلاف الشكل بين مجموعة فكرية – سياسية وأخرى، أحزاب قديمة (قوميون، إخوان، حزب تحرير إسلامي، أحزاب يسارية وحركات وطنية) وجديدة (إسلامانيون جدد كالسلفيين و”الجماعة الإسلامية” في مصر). وبسبب القمع الوحشي انسحبت هذه الأحزاب قسرياً من المجتمع وانعكفت على نفسها، بينما رميت الجماهير الواسعة منذ منتصف السبعينات على حافة الجوع والعري بسبب السياسات اللبرالية الجديدة المتوحشة والانفتاح الاقتصادي على الخارج بدون ضوابط،  وما جرى في هذه السنين أن الأحزاب القديمة علقت برامجها الأصلية (كالوحدة العربية أو “الاشتراكية” أو “الدولة الإسلامية”) لتطرح هدفاً جديداً لم يكن في الأصل من أهدافها الكبرى، وهو هدف التخلص من شكل الحكم المستبد الجديد الذي كونته نخب فاسدة جديدة وصلت إلى السلطة وأخذت أشكالاً عائلية وتزاوجاً غير مشروع بين الثروة والسلطة، البرنامج الجديد لهذه الأحزاب المنهكة صار الإبقاء على الشكل الاقتصادي اللبرالي نفسه لكن مع تشذيبه وتعديل تركيب واجهته السياسية بإتاحة إمكانية المشاركة لنخب سياسية واقتصادية أوسع. ومع هذا الهبوط الحاد في سقف الأهداف الكبرى فتح الباب للتماثل في اللغة بين هذه الأحزاب وشباب من الطبقة الوسطى تزايد دخولهم في التحركات المعارضة في العقد الأول من القرن الجديد بدون أن يكونوا على تواصل مع اليوتوبيا القديمة، لأنهم نتاج تربية الأنظمة المرتدة على الحقبة الثورية التي انتهت مع هزيمة 67 وتكرست رسمياً في سوريا ومصر والجزائر بعد انتهاء حرب أكتوبر والتحول في اتجاه المصالحة مع المركز الاستعماري الجديد وأتباعه من الأنظمة العربية التي سموها “محافظة”، وهذه الأنظمة المرتدة على اليوتوبيا القديمة التي حملت شعاراتها سابقاً ألغت هدف تحرير فلسطين من قاموسها وأدخلت في الذهنية العربية فكرة إمكانية الاعتراف بوجود الكيان الصهيوني(يشمل “انتهاك عذرية” العقل العربي هذه عبر إجازة انتهاك محرم الاعتراف بالعدو كلاً من النظام السوري وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية علاوة على النظام المصري).

ما من ريب أن هذا التحول قاد إلى تطابق الأحزاب في الرؤية السياسية مع الرؤية التي تستطيع إنتاجها بصورة عفوية الجماهير العريضة من الناس العاديين الذين لا يمكن لهم لوحدهم، بدون اعتناق يوتوبيا تنتجها نخبة قيادية، أن يطرحوا على أنفسهم أهدافاً سياسية في مظاهراتهم واحتجاجاتهم ضد النظام الذي جوّعهم وأذلهم تتجاوز الأهداف المباشرة التي هي إسقاط الشكل الظاهر من النظام المتمثل في الأشخاص المتربعين على أعلى سلم السلطة. وهذا هو الذي قاد إلى ظاهرة اختفاء اليوتوبيا في الثورات العربية التي بدأتها تونس، فقد اختفت من الساحات كل أهداف اليوتوبيا السابقة، وتجلى ذلك في الابتعاد عن رفع أعلام فلسطين وعن حرق أعلام أمريكا و “إسرائيل”، مع أن هذين الفعلين الرمزيين كانا شائعين في مرحلة بوش الهستيرية التي استغرقت عقدين منذ مطلع التسعينات حتى مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وهي الحقبة التي شهدت احتلال أفغانستان والعراق والعدوان على لبنان وغزة.

لم تختف “الأيديولوجيا” في الثورات العربية إذن، وما كان لها أن تختفي، إن أخذنا بعين الاعتبار المسلمة التي يمكن صياغتها على النحو التالي: “الإنسان حيوان أيديولوجي”. الذي اختفى على ما يبدو هو “اليوتوبيا” التي حملتها كل الحركات السياسية العربية السابقة. هل اختفت هذه اليوتوبيا نهائياً عبر اختفاء الأهداف الكبرى المؤسِّسة لليوتوبيا العربية السابقة للعهد الجديد، هذه اليوتوبيا التي يسميها كارهوها “الأيديولوجيا”؟

3- تمزق الوعي العربي: الصدام بين تيار المقاومة وتيار التغيير الداخلي:

في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كانت “الأوصاف المشحونة” في بنية اليوتوبيا العربية مختلفة عما صارت إليه في عهد الثورات العربية: بتأثير الهجوم الهستيري على الإسلام الذي قامت به إدارة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة ورمزها بوش وانتشار الشعور بالخطر الآتي من أمريكا وحلفائها وما ترافق مع ذلك من استشراس الكيان الصهيوني وهجماته الإجرامية على اللبنانيين والفلسطينيين في عامي 2006 و 2008 على التوالي تبلورت بنية يوتوبية خاصة على أساس الأوصاف المشحونة المتناقضة في القيمة: أوصاف سلبية مثل “الخطر الرئيسي على الأمة العربية” وتجسد في الصهيونية وحاميها الأمريكي، ووصف إيجابي هو “الحل الوحيد” وتجسد في المقاومة ولا سيما في شكلها المسلح. والوصفان المشحونان الأشهر في هذه الحقبة التي سيطر عليها ما أسميه “الوعي المقاوم” كان الوصف السلبي “الخيانة” والوصف الإيجابي “الوطنية”، تجسد الوصف الأول بجدارة في “الحكام عملاء أمريكا المتخاذلين”، بالتناقض مع الوصف الثاني الذي تجسد في حركات المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان.

وبالتحديد أخذ النظام السوري في هذا العقد، عبر تحالفه مع قوى المقاومة الأساسية: حزب الله وحماس والجهاد، مشروعية عند جماهير عريضة من العرب، ولكن في عام 2005 مع اغتيال رفيق الحريري ظهر تمزق مؤلم بين مشاعر جزء من العرب متضرر من “النظام المقاوم” (تمثل في أنصار الحريري) وبين مشاعر الأغلبية التي ترى أن الخطر الأساسي عليها آت من القوى التي تعادي هذا النظام، وهي الكيان الصهيوني وحماته في المركز الاستعماري. لا أريد هنا أن أدخل في الموضوع: هل توصيف النظام السوري بأنه “مقاوم” صحيح؟ وهو نقاش مفيد ووجيه،  ولكني أريد وصف الأمر من منظور الوعي العربي السائد.

بدأ هذا التمزق بين وعي جزء من العرب يرى أن تناقضه الرئيسي هو مع نظام عربي محلي يصفه بأنه مستبد، ولا يمانع في التحالف ضده مع أمريكا وحلفائها، ووعي أكثرية ترى أن التناقض الرئيسي هو مع أمريكا وحلفائها وتناصر ضد هذا التحالف النظام العربي المستبد الذي لا يرى الجزء الأول من العرب شيئاً في العالم أسوأ منه مع حرب الخليج الأولى عام 1990 حين وقف الكويتيون و”المعارضة العراقية” والأكراد العراقيون (والسوريون المتأثرون بهم) مع التحالف بقيادة أمريكا ضد النظام البعثي في العراق على حين وقفت أكثرية العرب مع هذا النظام ضد هذا التحالف، واستمر ذلك بعد احتلال العراق. ومن الأمور التي نتجت عن هذا التمزق وقوف قطاعات شعبية عربية ضد بعضها، وهو الأمر الذي لم يكن سابقاً إلا في حالات وأماكن معزولة ولأزمنة وجيزة غالباً (كما في حالة مناصري الانفصال السوريين بعد عام 1961 وحالة الانعزاليين اللبنانيين في الحرب الأهلية).

وفي عام 2005 وقف نصف الشعب اللبناني ضد النظام السوري والنصف الآخر معه، واتضح أن الوعي العربي في حالته القائمة لا يستطيع لسبب ما يجب البحث عنه أن يأخذ موقفاً ثالثاً ضد الاستبداد المحلي والتدخل الأجنبي في الوقت نفسه.

جاء عصر الثورات العربية فوسّع من نطاق هذا التناقض بين جناحين في الرأي العام العربي: الجناح الأول يقف الآن في صف النظام السوري، ومن مكونات هذا الجناح حزب الله وكثير من القوميين العرب والمقاومين على اعتبار أنه يمثل جبهة “الممانعة” في وجه الصهيونية وراعيتها الأمريكية، والجناح الثاني يقف ضده  ويتألف من قطاعات واسعة من الرأي العام العربي انطلاقاً من أنه  نظام مجرم يقتل شعبه. وفي غمار ذلك يتجاهل الجناح الأول  كلياً البعد الداخلي للصراع في بلد تقف أكثرية الشعب  فيه ضد النظام الحاكم، على حين يتجاهل  الجناح الثاني على الأغلب البعد الجيو سياسي للصراع الذي يركز عليه الجناح الأول، من نوع السعي المعادي لإسقاط حزب الله والمقاومة الفلسطينية وتحييد الدور السوري من الصراع مع الكيان الصهيوني، والسعي من خلال إسقاط النظام السوري للنيل من إيران التي يضعها الكيان الصهيوني في عداد أهم الأعداء بسبب برنامجها النووي وإصرارها على دعم حزب الله وعدم الاعتراف بالكيان.

ما يهمنا الآن في هذا التمزق في الوعي هو تأثيره على القيم الفاعلة في اليوتوبيا العربية: لأول مرة تصبح حلالاً في الوعي العربي أشياء كانت محرمة من نوع التدخل العسكري الأجنبي والغربي تحديداً، ومن نوع جواز التحالف مع طرف غير عربي ضد طرف عربي، والاعتقاد أن النظام العربي المستبد يمكن أن يكون أسوأ من الاستعمار نفسه. ومن الأمور المميزة في هذا العصر انقلاب مضامين أوصاف مشحونة أساسية مثل وصفي “الخيانة” و “الوطنية”، فعلى حين كان المناضل القديم يصف بالخيانة كل تعاون مع الأجنبي ضد العربي، ويعد من المحرمات دعوة الجيوش الاستعمارية  لضرب جيوش عربية صار جزء كبير من عرب عصر الثورات العربية لا يرون بأساً في هذه الدعوة، بل وأكثر من ذلك: صرنا نرى في صفحات الإنترنيت من يصف بالخيانة المعارضين السوريين الذين يقفون ضد التدخل العسكري الأجنبي في سوريا!

4: عن الحالة الفلسطينية الخاصة

يتكلم علماء الفيزياء الفلكية عن شعاع أصلي تشرد في الكون في اللحظة التي بدأ فيها “الانفجار الكبير”: لا زال هذا الشعاع يحفظ ذكريات الوحدة ولا يعترف بالتشتت، هذا الشعاع الأصلي في عالم التشتت العربي ما هو إلا الفلسطيني. لم تتح له فرصة “التمتع” بالتجزئة عبر كيان قطري خاص به، فهو لا يزال لا يعرف القطرية ولا يعترف بها، بل لا يفهمها ولا يصدق أن هناك من العرب من يدافع عنها. الوحدة عند الفلسطيني هي “الطبيعي” والتجزئة هي “الشذوذ” والحال غير الطبيعي والذي من غير الممكن التعامل معه. وقد قالوا إن السوري عموماً كان كذلك. الفلسطيني هو من بين سكان سوريا الطبيعية الأكثر راديكالية في هذا المزاج الخاص. ومن مواصفاته بتأثير هذا المزاج توحده وتماهيه مع قضايا العرب جميعاً. وقد حاولت أحزاب كثيرة تغيير مزاجه فسقطت شعبياً سقوطاً مريعاً: لم يحظ الشيوعيون العرب بشعبية عنده ليس لأنهم اعترفوا بالكيان الغاصب فقط، بل لأنهم وقفوا ضد الوحدة العربية وعبد الناصر. حتى الإخوان ناصر الفلسطيني عبد الناصر ضدهم رغم تاريخهم المشرف في فلسطين حين حاول مجاهدوهم مع غيرهم الحيلولة ببطولة مشهودة دون إقامة الكيان. وكان ذلك لأن عبد الناصر رفع شعار الوحدة العربية: الشعار الوحيد الذي يتآلف معه الفلسطيني فلا يحس بأنه غريب في عالم الأقطار العربية المتكاثرة كالفطر.

وحين قامت الثورة في تونس ومصر كان من الطبيعي أن يناصرها الفلسطيني: فهي قامت ضد حكومتين حليفتين لأعدائه الألد، ولكن الاكتفاء بذكر هذا السبب فيه ظلم للفلسطيني: ذلك أنه نصير طبيعي لكل مظلوم ومقهور ومضطهد، وقد كان يرى بأم عينه مدى اضطهاد الإنسان في مصر وتونس. وكان هذا في اعتقادي شعوره حيال الثورة اليمنية والثورة في البحرين أيضاً التي تحرص المنظمات الفلسطينية الكبيرة على تجنب إغضاب الأنظمة العربية الخليجية بتأييدها صراحة. وحين قامت الثورة في سوريا انقسم الرأي العام عند المسيّسين الفلسطينيين، فمال قسم كبير منهم لتأييدها حتى في قواعد المنظمات التي كانت قبل وقت قريب حليفة للنظام مثل حماس، وأخذ جزء من المسيسين موقفاً متحفظاً لأنه خاف على آثار سقوط النظام على الحليف الكبير الذي هو حزب الله، ولأنه لم يسمع من المعارضة السورية مواقف واضحة في تأييد مبدأ المقاومة.

ولعل هناك سبباً آخر للموقف الحذر عند بعض المثقفين الفلسطينيين، وهذا السبب يخص اليوتوبيا القومية العربية التي ظل النظام السوري يتبناها لفظياً، فهذه اليوتوبيا كانت تشكل عند الفلسطيني آخر حاجز يحول دون تحول الفلسطيني في بلاد العرب إلى غريب، وإنه لصحيح أن الوضع الإنساني الراقي الذي يأخذه الفلسطيني في سوريا فيتمتع بحقوق المواطن باستثناءات صغيرة لا يعود أصلاً للنظام البعثي بل هو مقرر منذ عهد الاستقلال الأول ومشرع في القانون 260 لعام 1956، ولكن الفلسطيني كعادته في الحساسية الفائقة تجاه كل نزعة قطرية لم يمكنه أن لا يلاحظ بعض التنظيرات اللبرالية عن “الوطنية السورية الجديدة”، وهو يراها ستكون نزعة قطرية جديدة ستقصيه، وأن لا يسمع بعض الأقوال العنصرية الحقيرة من بعض المحسوبين على المعارضة ممن زعموا أن العاملين الفلسطينيين في سوريا يأخذون الأماكن من العاملين السوريين (وهذه الأقاويل العنصرية بالمناسبة شائعة عند القاعدة الشعبية للنظام أيضاً، وربما بتواتر أكبر مما هي شائعة عند المعارضين)  مما جعل شبح الوضع الفلسطيني في لبنان حيث يعامل الفلسطيني بمعاملة عنصرية سافلة أحالت حياته منذ قدومه إلى ذاك البلد إلى جحيم يخيم في الجو وجعل الفلسطينيين يتساءلون عما إن كانوا سيعانون بعد سقوط النظام من حال أشقائهم في لبنان (ولم أذكر الحال الأكثر إجراماً التي عامل فيها أنصار الاحتلال المجموعة الفلسطينية الصغيرة في العراق بعد سقوط النظام على أيدي قوات بوش).

ولكن الفلسطيني إن تجاوز هذه المخاوف التي تخص حياته اليومية لا يمكنه أن يتجاوز المخاوف التي تخص هذا التغير الظاهر في اليوتوبيا العربية في عصر الثورات، وذلك حين لم يدخل تغيير العلاقات مع الدول المهيمنة وبالذات أمريكا وربيبتها الصهيونية في جدول أعمال هذه الثورات، وبالتالي بدا وكأنه ولأول مرة يترسخ جماهيرياً مبدأ الحياد تجاه فلسطين، وهو المبدأ الذي كان لحد الآن مبدأ النخب الحاكمة التي قامت الثورات لإسقاطها. وقد يرى الفلسطيني هذا الحياد في تصريحات تبدو عادية مثل تصريح الإخوان السوريين أنهم “سيقبلون ما يقبله الفلسطينيون”، وهو ما يعني بالنسبة للفلسطيني أن الإخوان سيقبلون ما يقبله محمود عباس الذي نصب عليهم بغير رضى منهم!. الفلسطيني يرى أن هذا الشعار يشبه أن يقول شخص للسوري إنه يقبل ما يقبله السوريون ويعني به أنه يقبل ما يقبله بشار الأسد!

الفلسطينيون الذي كانوا لحد الآن بامتياز عنصر عدم الانسجام في النظام العربي التابع، لا يحسون لحد الآن، باستثناء أقلية متشائمة منهم، أنهم سيبقون عنصر عدم انسجام في النظام العربي الذي سينتج عن عهد الثورات. وهذه الأقلية المتشائمة قد يبلغ بها التشاؤم أن تخشى أن يتحول الفلسطيني إلى عدو للشعوب “لإصراره على عرقلة عمل البناء الداخلي بدون تشويش”، كون جدول أولوياته مختلفاً عن جدول أولوياتها!

خاتمة: نهاية اليوتوبيا؟

آن الأوان لطرح السؤال: هل جاء عصر الثورات العربية بنهاية اليوتوبيا العربية التي ظلت موجهة للوعي السياسي العربي منذ مطلع القرن العشرين؟

يمكن لنا في رأيي أن نميز بين ثلاثة مستويات للفعل السياسي في الثورات العربية: المستوى الأول هو مستوى “الثوار الشباب” الذين تولوا البدء بالانتفاضة في مصر وسوريا واليمن.

ومن المحتمل (وهذا بحاجة إلى برهان بحثي) أنه في تونس كان للناس الفقيرة المهمشة منذ البداية دور في البدء بالثورة وحتى في سوريا سبق الناس في درعا الشباب الذي دخل لاحقاً في الانتفاضة.

 في الحالتين السورية والمصرية كان هؤلاء الشباب المبادرون لتنظيم المظاهرات بالفعل ليس لهم إلا صلات ضعيفة مع اليوتوبيا العربية التي عرفتها الحركة السياسية المعارضة لحد الآن. المستوى الثاني هو مستوى الأحزاب السياسية القديمة التي تصدت لملء الفراغ التشريعي والإداري بعد سقوط الأجهزة التشريعية والتنفيذية للسلطة عبر بناء أجهزة جديدة مستندة إلى انتخابات عامة فازت فيها بعض هذه الأحزاب التي يمكن النقاش في أهمية دورها في الانتفاضة. وهذه الأحزاب كما نرى علقت بالفعل كل اليوتوبيا النظرية التي كانت تتبناها أيام المعارضة وقدمت نفسها للمتروبول الغربي على أنها جماعات لبرالية ليس لديها أي طموحات لتجاوز “الستاتيكو” القائم، لا في موضوع العلاقة مع الكيان الصهيوني ولا في موضوع تغيير الشكل التبعي للعلاقة السياسية والاقتصادية مع الدول الغربية الكبرى.

على هذين المستويين يمكن في اعتقادي بالفعل الحديث عن “انتهاء اليوتوبيا” وأعود للقول إن هذا لا يعني “انتهاء الأيديولوجيا” فهذان المستويان من مستويات الفعل السياسي إن أردنا أن نتكلم بلغة كارل مانهايم تخليا عن “اليوتوبيا” بهدف هو بالتحديد الانضمام من جديد إلى “الأيديولوجيا”! أي الانضمام إلى التوازن الطبقي-الأيديولوجي القائم نفسه، ولكن بشكل جديد مقبول من الناس التي انتفضت على النخبة الحاكمة القديمة.

يبقى المستوى الثالث الذي تميّز عصر الحداثة العربية بميزة أساسية هي إسكاته ومنعه من النطق بلسانه الخاص، ألا وهو مستوى الأكثرية الشعبية، مستوى المجتمع الأهلي (ليس عبثاً يعلن المثقفون كرههم لهذا المجتمع الأهلي ويفضلون عليه “المجتمع المدني”).

هل عند هذه الأكثرية”يوتوبيا” خاصة بها أم هي تتبنى “أيديولوجيا” الشرائح المسيطرة؟

كنت في مقالات كثيرة سابقة قد ميزت في المجتمع العربي بين نوعين مختلفين من الثقافة: “ثقافة مسيطرة” تتألف من عناصر الثقافة التحديثية التي تنشرها في المجتمع النخبة المسيطرة عبر المدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية الرسمية التابعة للسلطة و”ثقافة سائدة” هي ثقافة الأغلبية المحكومة، وقد بقيت حتى الآن منذ مطلع عصر الحداثة معزولة ومحكوم عليها بأنها “متخلفة” وأنها مجرد عرقلة أمام”التقدم”، وهذه الثقافة هي ما تطلق عليه النخبة المسيطرة اسم”الثقافة التقليدية”.

في رأيي أن هذا التوصيف لم يتغير في عصر الثورات، فمن تخلى عن اليوتوبيا كان هو النخب التي تركتها الجماهير تنطق باسمها لأنها ليس لها ناطق خاص بها، ولكن الجماهير التي نزلت بمئات الألوف إلى الشوارع لم تكن مهتمة بالبرنامج اللبرالي المتواضع الذي طرحه شباب الثورة ثم تبنته بالكامل الأحزاب التي نزلت للانتخابات (باستثناء منظمات صغيرة معزولة)، بل كانت مهتمة بالخلاص من نظام كرهته حتى أعماقها. إن الجماهير ليس عندها “رؤية تكتيكية” تميّز المسيّسين، وهذه الثورات العظيمة التي حققها الناس العاديون أظهرت الطاقات الهائلة المختزنة عند المواطن البسيط الذي “لا يفهم في السياسة” ولكنه يميز بفطرة صادقة أصدقاءه من أعدائه. وصناديق الاقتراع لا تظهر “أيديولوجيا” تعتنقها الجماهير بل تظهر ميل الناس إلى اختيار من يحسون أنه هو الأقرب إلى ثقافتهم السائدة. تتضمن هذه الثقافة السائدة قيم “الكرامة” و”الإباء” و”رفض الضيم” ورفض “الاستعباد الخارجي” ورفض “الفساد” أكان في الجانب المالي أم الأخلاقي، وما دام الأمر كذلك فليس على الفاعل الاجتماعي النهضوي أن ينقبض لما يراه من تنازلات النخب عن المبادئ. لا يصح في النهاية إلا الصحيح، والناس التي ثارت ببطولة ضد من استعبدوها لن تسكت على من سيحاول التسلق على ظهر تضحياتها ليفرض على الأرض وقائع تناقض ثوابت الناس. هذه الثوابت هي التي وصفها القرآن وأكد استمرارها العصي على التزييف: “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

88 + = 93

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...