الرئيسية / صفحات العالم / عن أي سورية يدافعون؟

عن أي سورية يدافعون؟

 


ياسر أبو هلالة

كشفت الثورات العربية عن أجمل ما في الشعوب وعيا ونقاء وذكاء وبطولة وتضحية وفداء. وبقدر ما قدمت نخبا ادخرتها الشعوب لهذه اللحظة التي “هرمت” في سبيلها، أخرت نخبا أخرى تنكرت لحق الشعوب الطبيعي في الحرية والكرامة والعدالة، وانحازت جحودا ومصلحة أو جهلا وسوء تقدير إلى الطغاة، متذرعة بالحفاظ على الاستقرار أو مناكفة للغرب الذي لا يضمر ودا لأنظمة ممانعة، تقف بمواجهة أميركا وإسرائيل.

الاختباران التونسي والمصري مرّا بسرعة. ومع ذلك، يمكن للباحثين مستقبلا رصد تواطؤ أو تخاذل من بعض “النخب”. بعضهم أصيب ببكم أعياه عن القول، ومنهم من ارتبك وناور، ولا ننسى فزعة الذين راهنوا في ربع الساعة الأخير على عمر سليمان بوصفه بديلا من داخل النظام. وحين جرفهم مد الجماهير زاودوا عليها بعد انتصارها، وبدلوا تبديلا فاضحا مخزيا.

الاختبار الليبي سهل أيضا على رغم التدخل الغربي الفج. فالعقيد لم يبق له صاحبا بسبب ركونه إلى الغرب واستبداله بالمنظمات الثورية الشركات الغربية والأميركية، وتخليه الفاضح عن كل شعاراته الثورية لصالح “البزنس” الذي صار سيف الإسلام عنوانا له.

الاختبار الصعب كان سورية. فهي التي انقلبت على شركائها في المقاومة والممانعة وليس هم من انقلبوا. وهي التي فشلت في الاختبار لا هم. فتلك النهضة العربية الثورية، وإن انحنى الغرب وأميركا أمام عاصفتها، كانت في جوهرها قاصمة استراتيجية للغرب الممالئ للصهيونية. وإلى اليوم يناضل ليبرمان ونتنياهو وأجهزتهما وحلفاؤهما في سبيل وقف النهوض العربي والتقليل من تداعياته التاريخية.

ليس في ذلك وثائق سرية و”ويكليكس”، تحركات الصهاينة مكشوفة، ويكفي الرجوع إلى “غوغل” لمعرفة كم بذلوا من جهد لإنقاذ مبارك، وكم يبذلون اليوم لتقليل الخسائر. وليس صادما القول إن إيران وإسرائيل، على ما بينهما من خلاف حقيقي، يتفقان على ضرورة الحفاظ على “الاستقرار” في سورية. وفي صريح ما قاله رامي مخلوف، وهو مثل سيف الإسلام في ليبيا في موقع القلب من النظام، ماليا وأمنيا، عن ربط الاستقرار في سورية بأمن إسرائيل، قطع لقول كل خطيب من الممانعين الصادقين والمزايدين الانتهازيين.

بعيدا عن اللغة المؤامراتية المتخلفة والطائفية المتزمتة، سورية ركن ركين للمقاومة في مثلثها الفلسطيني-اللبناني-العراقي، وهي لم تقدم شعارات داعمة، بل كانت وظلت (إلى متى؟) حاضنة حقيقية لها. فصائل المقاومة لا تقيم احتفالات في دمشق، هي متهمة علانية من أميركا بدعم “الإرهاب”، ولم تمح من صفحة الدول الداعمة للإرهاب في سجل الخارجية الأميركية. هي رئة لحماس وللجهاد وللقيادة العامة ولسائر الفصائل والشخصيات الفلسطينية، وحزب الله يعامل كفرقة من فرق الجيش السوري تسليحا وتدريبا، وقد زار أولمرت موسكو ليبحث معها تسرب سلاحها الحديث المضاد للدروع إلى حزب الله، ما أنهك إسرائيل في حرب تموز. وإسرائيل قصفت مشروعا نوويا حقيقيا في دير الزور، ولم تقصف محطة أبحاث زراعية. أما العراق، فالاتهامات من الحكومة العراقية والأميركيين لم تتوقف بدعم “الإرهاب” أو المقاومة التي أفشلت المشروع الأميركي في العراق.

دفعت سورية غرم مواقفها تلك، تماما كما قبضت مغانمها. والقوى الإسلامية تناست الماضي الدموي مع النظام، واعتبرت نفسها شريكا لسورية المقاومة. الإخوان المسلمون السوريون حتى بعد الثورة، وفي مقابلة للمراقب العام مع الـ”بي. بي. سي” قال إننا مع مواقف النظام الإيجابية من المقاومة. والقوى القومية الديمقراطية التي تختلف جذريا مع سلوك النظام الداخلي اعتبرت نفسها شريكة له في المعركة الكبرى مع المشروع الصهيوني.

فرق بين الشراكة الندية وبين التبعية. قد يكون سرا أن قيادة حماس نصحت النظام السوري بالانتباه لرياح التغيير قبل الثورة في سورية. والنظام لم يتجاوب مع نصح المحبين، واعتبر أن الانسجام مع “معتقدات” الشعب السوري الرافض للاحتلال والهيمنة كاف في ظل وتيرة الإصلاح التي يسير بها. حتى قيادة حزب الله نصحت أيضا. الفارق بين حماس وحزب الله أن الأولى أخذت مسافة وتمنت الخير لسورية شعبا وقيادة، والثاني انحاز بشكل فج للنظام في معركته الدامية.

أما القوى القومية الديمقراطية فقد فضّ النظام شراكته معها ممثلة بالمفكر عزمي بشارة. وعلى طريقة بوش “معنا أو ضدنا”، صار بشارة على لسان دريد لحام في التلفزيون السوري “الشيطان”، مع أنه شرد من بلده وطورد ولوحق بتهمة “التخابر” مع حزب الله. وحتى بعد خروجه من فلسطين لوحق حزبه واستهدف بتهم التواصل مع المقاومة. كل ذلك لأنه اختلف مع السلوك الدموي للنظام. ليس سرا أن بشارة كان يختلف مع النظام وهو يستقبل من بشار الأسد. لم تكن علاقته بسورية من خلال سفير أو ضابط، كان ضيفا مكرما عند حافظ الأسد وعند بشار. لكنه في محاضرته بحلب في حفل توقيع كتابه تحدث علانية عن الأسر الحاكمة وشراكة رجال الأمن والأعمال. وكان يقول لبشار أن شقيقه ماهر مثل رفعت الأسد.

في بداية الثورة السورية وقبلها كان محبو سورية يأملون من النظام أن يصلح. وبذلت جهود حقيقية للمصالحة مع المعارضين، لكن النظام تعامل باستخفاف وغطرسة. يشار هنا للجهود التركية السرية والعلنية. وللتاريخ، كان المتظاهرون قبل أن يهتفوا يا “جزيرة يا أميرة” يهتفون “وينك وينك يا جزيرة.. إنت بديرة واحنا بديرة”! وأعطيت فرص للنظام السوري لالتقاط لحظة الإصلاح بددها لصالح الحل الأمني الدموي. لم يستمع النظام لشركائه من دول وجماعات وشخصيات، وانساق وراء دمويين فاسدين لا يعرفون غير لغة القمع والقتل.

من الذين استمع إليهم بشار الأسد، وهم الذين سكبوا القطرة التي أفاضت كأس الشعب السوري؟ محافظ درعا فيصل كلثوم، دموي من طراز نادر، وفاسد كبير، ورث مسدس شرف البعث الذي ناله بعد دوره في مجزرة حماة، ويقال إنه قامر عليه. العميد عاطف نجيب مدير الأمن السياسي في درعا، وهو دموي فاسد له شراكات مع رجال الأعمال والمهربين.

في درعا، قبل اكتشاف المقبرة الجماعية، اعتقل نجيب امرأتين وعذبتا بسبب مكالمة هاتفية تشمت بمبارك وتقول عقبال سورية. وحين رد الأطفال بشعارات على الجدران اعتقلوا وعذبوا. وحين رجاه وجهاؤها الإفراج عنهم أهانهم وقال إن عدتم اعتقلت نساءكم. وحين احتجوا للمحافظ أهانهم وكان ما كان. هذه هي المؤامرة التي قادها أركان النظام الأمنيون، ولم تكن المعارضة السورية تدري عنها.

لو أن الأمور توقفت هنا لأمكن تدارك الأمر بمعاقبة المجرمين. لكن الكارثة خطاب الرئيس في مجلس الشعب! كل ما أريق من دماء لم يستحق دقيقة صمت حدادا على أرواح من قضوا بفعل “الطرف الثالث” أو “العصابات الإجرامية”. إلى اليوم لا يوجد تفسير لتلك الضحكات التي تسببت بتأجيج الغضب في كل سورية.

مع من يقف محبو سورية؛ مع الشعب المظلوم أم مع النظام الظالم؟ هل تكفي دماء زهاء ألف شهيد وآلاف المعتقلين ليحددوا موقفهم؟ حتى لو حرر الجولان واللواء السليب الأسكندرون لا يمكن أخلاقيا وسياسيا أن تقف معه.

إن من وقفوا مع فرسان سورية الذين تصدوا بعارية الصدور لرصاص القناصة وقذائف المدفعية يقفون مع أنفسهم؛ مع أبسط المبادئ الأخلاقية. وأولئك الفرسان ليسوا عصابات إجرامية، بل شباب وجدوا أنفسهم في قلب الثورة، ولم يجدوا بدا من مواصلة المسير. ليسوا طائفيين، ألم يعلنوا عن “الجمعة العظيمة” تضامنا مع المسيحيين، هل هكذا تفكر القاعدة؟!

قبل درعا كانت أول مظاهرة في الحميدية ترفع شعار لا طائفية، وسهير الأتاسي التي اعتقلت بعدها ليست محجبة. والمعارضة السورية طيف غني واسع من الشيخ أحمد الصياصنة إلى الشيوعي العتيق رياض الترك، إلى رجل الأعمال رياض سيف، إلى فنانين ومثقفين علويين ومسيحيين ودروز. هل الطيب تيزيني وبرهان غليون أقل علمانية من حزب البعث؟

الذي استخدم ورقة الأقليات والطائفية هو النظام. استنجد بأوسخ الطائفيين اللبنانيين من أمثال ميشال سماحة الذي يذكر بإيلي حبيقة في انتقاله من حضن شارون إلى حضن غازي كنعان. والأوسخ من ذلك التنكر للمشروع القومي واللعب بالورقة الكردية استعانة بجلال طالباني الذي يجمع في علاقاته بين إيران وسورية وأميركا وإسرائيل.

تسرب أوساط كردية ما جرى بينها وبين الرئيس بشار. قال لهم إنه فوجئ بأن الأكراد يشكلون 7 في المائة من السوريين، أي لا يوجد طائفة كبرى! يخاطب فيهم النموذج العراقي في تحويل السنة العرب إلى أقلية! واستغرب الأكراد الذين يخوضون معركة “الإحصاء الظالم” في سورية منذ عقود البعث تلك الإحصائية التي لا يقبلها العقل.

فرق بين من يريد أن يمزق الوطن إلى أقليات، ومن يريد أن يعيده كما كان وطنا لكل أبنائه. في سورية من أيام الكواكبي والثورة العربية الكبرى ولد الوعي القومي المنفتح على حضارة العرب والإسلام والمتصالح مع العالم. في سورية كان السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين ينتخب فارس الخوري وهو ينتخبه. في سورية رفض الشعب دول الطوائف التي أرادها المستعمر الفرنسي. وهو الشعب الوحيد الذي توحد طوعا مع مصر.

سورية أكبر من بشار الأسد، وأكبر من الذين يقفون ضدها. وتلك الدماء المراقة أصدق من كل ما يكتب. وستعود سورية ذات المجد كما كانت. ومن يخشون على المقاومة عليهم أن يتذكروا أن الشيخ السوري عز الدين القسام قاتل في فلسطين قبل أن يولد حزب البعث.

الغد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...