الرئيسية / صفحات مميزة / عن إسقاط الأصنام: عبد السلام إسماعيل

عن إسقاط الأصنام: عبد السلام إسماعيل

 

عبدالسلام إسماعيل

في عام 1994 جاء إلينا مدرب الفتوة المرعب مخطوف  اللون، وبصوت مرتجف يستجدي الدموع قال: لقد استشهد الرفيق باسل!

ساد الصمت والذهول في القاعة وعلت التساؤلات في رؤوسنا، من هو الرفيق باسل؟! غير أن دموع مدرب الفتوة جعلتنا ندرك أن موته مصيبة وطنية وأنه شخص مهم في التوازن الاستراتيجي!

لم ننتظر كثيرا حتى عرفنا أنه باسل الأسد، الإبن البكر للرفيق القائد حافظ الأسد، . . عم الحزن سورية، واحتل اسم الشهيد الكثير من المنشآت، واهتم مدرب الفتوة وصحبه من الرفاق في قيادة فرع الشبيبة في تحفيظنا سلسلة الألقاب واجبة الذكر قبل نطق اسمه . . واجب دراسي آخر أضيف إلى واجباتنا.

موته أثار مشاكل كثيرة، أهونها كان تدبر بديل آخر له، “كلنا باسل” لا تكفي. صورة  لشاب لا تستر بدلته العسكرية ملامح البلاهة البادية على محياه وتحتها “بشار أنت الأمل” كانت أكثر من كافية. المشكلة التي أتعبت مدربي الفتوة والرفاق في فرع الشبيبة كيفية اختصار سلسلة الألقاب تلك! غير أن القيادة وبعد طول عناء اختصرت الألقاب إلى الحد الأدنى من الملل والرتابة  المصاحبة لذكر اسم الشهيد.

ملأت صور باسل ببدلة المارينز سورية ومثلها صورة بشار في بدلة مماثلة، لم تكن البدلة العسكرية سوى  إشعار مهم أن الحكم العسكري هو حاضر سورية ومستقبلها.

يعلم حافظ الأسد أنه جاء بالقوة وأنه غير محبوب. المسيرات والهتافات  في حب القائد، الصور والتماثيل الكثيرة الموجودة  في كل مكتب حكومي وساحة رئيسية  من مدن وبلدات سورية  ليست احتلال  استيطاني  للمساحة الحسية  للسوريين فقط، ولم تكن فقط إشعار عام بأن الأخ الأكبر يراقبك، وإنما كانت أيضا تعبير عن حاجة عميقة لزعزعة هذه المعرفة وعدم الاستسلام لها. وكانت أيضا مظهر آخر من مظاهر كسب/فرض الشرعية بحكم الأمر الواقع والتأكيد على أنه رئيس وقائد لهذا الشعب. قد يجادل كثيرون أن النظام لا تشغله هذه المسألة كثيرا طالما أنه وصل السلطة بجهده الخاص وبمعزل عن الإرادة الشعبية، وهو جدال محق بقدر ما، غير أن هذا لا يلغي الحاجة العميقة والملحة في انتزاع اعتراف المحكومين بحكامهم حتى  لو كان اعترافا مزيفا منتزع بسيف الإكراه.

التماثيل والصور كانت رمز الشرعية المفترضة.

من هنا يمكن فهم مضمون الرسالة التي حاول النبي إبراهيم إيصالها في أول عمل ثوري أعرفه، عندما حطم الأصنام، المسألة لم تكن فقط محاججة على عدم جدواها أو تأكيد على أنها لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها حتى يعتقد قومه بأنها تنفع وتضر. بل كانت أبعد من ذلك بقليل، تحطيم الأصنام إعلان عام بانتهاء شرعيتها. يقاس على ذلك ما فعله الرسول حين دخل مكة . . حطم الأصنام  ليعلن عن شرعية جديدة.

في عام 2004 قام متظاهرون كرد بتحطيم تمثال لحافظ الأسد . . في بداية الثورة، القلق الأسبوعي يتكرر والتساؤلات ذاتها، هل سيخرجون هذه الجمعة ؟ هل ستكون أعداهم كبيرة ؟

الخوف لا يزال يقيدنا، حتى قام رجل حمصي بتمزيق صورة ضخمة لحافظ الأسد ورفسها بحذائه، معلنا بذلك لمن لا يزال غير مصدق أن ما يحدث ثورة، وأن الناس سيستمرون بالخروج وبأعداد متزايدة . . لم يحطم الصورة فقط، حطم خوفنا معها.

عبر يوميات الثورة، ثماثيل وصور الأسدين كانت هدفا أساسيا للثوار، تحطيم الأصنام هو إعلان تحرر من النظام وانتقام من ذاكرتنا المثقلة بكل الزيف الذي ساهمنا في استدامته.

لم يكن ليكتمل تحرير الرقة لو بقي صنم الأسد يحتل الساحة الرئيسية . . والتبول عليه عملية إذلال رمزية لنظام أذل السوريين طويلا . . تكبيرات الأهالي تشبه تكبيرات المسلمين لحظة تحطيم هبل.

مشهد تحطيم أكبر تمثال للأسد في سورية في أول محافظة محررة كانت حتى أمد قريب مصلى للرئيس فيه سخرية لا يدانيها إلا سخرية أن درعا والتي معظم رؤساء الحكومة والوزراء من أبنائها هي مهد الثورة.

تشابه المشاهد والبدايات ليس محض صدفة . . غير أننا قوم يستعجلون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...