الرئيسية / صفحات الرأي / عن استثمار الإرهاب والإرهابيين/ بدر الدين عرودكي

عن استثمار الإرهاب والإرهابيين/ بدر الدين عرودكي

 

 

منذ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 والإرهاب يبدو كما لو كان صناعة عربية/إسلامية حصراً، والعنف خصيصة من خصائص شعوب لا يمكن أن تُحكَم إلا عن طريق نظم استبدادية شديدة المراس، تعقلها عن المسِّ بثمرات الحضارة التي ينعم الغرب بها! هذا ما تعمل على نشره وسائل الإعلام الغربي بلا استثناء تقريباً، وما يكرره لها ومعها معظم السياسيين من اليمين ومن اليسار، دون أن تنطوي تصريحات هؤلاء وأولئك على ما تتيحه اللغات الغربية من إمكانات الدقة أو النسبية أو الإشراط في التعبير.

كانت نتيجة ذلك أن سلَّط العالم انتباهه حينئذ على أسامة بن لادن وعلى «القاعدة» التي كانت تقاتل في البداية في أفغانستان، واعية وتحت إشراف الولايات المتحدة الأمريكية، ضد الوجود السوفييتي، والتي ما لبثت أن شنت الحرب عليها حين قررت الخروج عن الطوق وأعلنتها حرباً ضد القوة العظمى المهيمنة بفضل سلاح لا قبل لها بمواجهته، أي سلاح الموت.

كان لابد من إعلان العدو. عدوٌّ تمت تسميته، القاعدة ووصفه «الإسلامي»، والإشارة إليه منذ انهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 مدشناً سقوط المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية عام 1991، باعتباره العدوُّ البديل عن هذا الأخير الذي كان يحقق توازن الرعب منذ خمسينيات القرن الماضي. إذ لم تمض سنتان على ذلك حتى نشر صموئيل هاتينغتون، الأستاذ في جامعة هارفارد، في صيف 1993، المقال الذي يعرض فيه عناصر نظريته التي سيفصلها من ثمَّ في كتابه صدام الحضارات الصادر عام 1996 والذي، على تفنيد ورفض الأوساط الجامعية لنظريته جملة وتفصيلاً، أمكن لعنوانه أن ينتشر ويستقر في لاوعي الإعلاميين والسياسيين الغربيين، ولاسيما حين عمدت الصحافة الغربية إلى الإشارة أو الاستناد إليه إثر العملية الإرهابية التي أدت إلى تدمير برجي التجارة بنيويورك باعتبارها برهاناً لاحقاً على أطروحة كتابه المذكور. على أن «المحللين الاستراتيجيين» الجدد و»المختصين بالإسلام في أوقات فراغهم» ونظراءهم من السياسيين ذوي الثقافة «الاستثنائية» في التاريخ والعلوم الإنسانية، ما لبثوا أن تجاوزوا نظرية الكتاب ليعلنوا الإسلام عدواً حضارياً بامتياز والعنف صنوه بقدر ما هو نواة عقيدته، وليقدموا مقترحات خاصة بإصلاحه وتجديده، بما في ذلك إلغاء بعض الآيات من القرآن، كي يتلاءم مع مفاهيم الحداثة والديمقراطية.

وقد جاءت السنوات الخمس الماضية لتعطي هؤلاء أكثر من برهان على صحة «دعواهم» ولاسيما حين أطلق النظام الأسدي الذي أدرك الأمر من سجونه في بدايات الثورة السورية عتاة «الأصوليين الإسلاميين» الذين استخدمهم زمناً في العراق ضد الأمريكيين الذين كان بعض مسؤوليهم يدعو للسير إلى دمشق بعد بغداد، ثم أودعهم السجن بانتظار فرصة أخرى أتاحتها له بسهولة فرصة قراره محاربة الثورة في كل اتجاه بعد أن صار «الإرهاب الإسلامي» المُعَوْلم رهاباً ترتعد له الديمقراطيات الغربية كافة وتعمل جهدها للحيلولة دون أن ينال منها أو من أنساق ونظم حياتها. فانتعش الإرهاب المنظم داخل سوريا، وخصوصاً لا حصراً في المناطق التي فقد النظام الأسدي السيطرة عليها أولاً، ثمَّ خارج سوريا تالياً، في عدد من البلدان المجاورة، في لبنان وتركيا، أو الأوربية، في فرنسا ثم في بلجيكا.

في غمرة ذلك كله بدا وكأن الجميع نسوا أن «الإرهاب» فعلٌ يمكن أن يستخدمَ من يقومُ به كلَّ الوسائل المتاحة كي يحقق أهدافه بما في ذلك الدين، وأن ما يسمى «الجهاد» بالعربية كان يسمى «النضال» باللغات الغربية على اختلافها سواء لدى الفوضويين في القرن التاسع عشر أو لدى اليساريين المتطرفين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وأنهما، كليهما، لا يختلفان كثيراً لا في رطانة خطاباتهما وأسلوبها الإنشائي، ولا في أهدافهما المُعلَنَة، ولا كذلك في من يضع خطط وأهداف الأفعال التي يقومون بتنفيذها، سواء أكانت أحزاباً ثورية أو سياسية أو مخابرات دولة أو بنىً مستقلة تهيؤها هذه الأخيرة لتبدو كاملة الاستقلال في قرارها وفي فعلها. وكما عرف الغربُ الإرهابَ مع ولادة الحركات القومية ضمن الإمبراطوريات المتعددة القوميات عرف العرب وعانوا في القرن العشرين من الإرهاب الصهيوني في فلسطين قبل إعلان دولة إسرائيل وبعد إعلانها حين باتت ممارسته قصراً عليها.

تلك أوضاع وسمات تعرفها مراكز القرار الغربية لكن الناطقين باسمها يتجاهلونها جميعاً وكذلك الصحف القريبة منها، مثلما تجاهلوا وصمتوا عن الإرهاب الصهيوني، ثمَّ عن الإرهاب الذي مارسته أنظمة الاستبداد في العالم العربي وخصوصاً في سوريا طوال عشرات السنين، وبصورة ممنهجة فيها منذ خمس سنوات.

وكان الشِركُ الذي استخدمه النظام الأسدي لإقناع الغرب والعالم من ورائه بأهمية المعركة التي يخوضها ضد الثائرين عليه هو البديل الذي اتخذه الغرب عدواً. فقد اعتبر أن الثائرين عليه إرهابيون أياً كان انتماءهم الديني أو المذهبي أو الإثني. وما لبث أن أعلن عن وجود إمارات إسلامية تابعة للقاعدة في الوقت الذي كان فيه شباب سوريا يخرجون في مظاهرات سلمية طوال ستة أشهر قبل أن تتوقف حين ووجه المتظاهرون بالرصاص الحي.

كان أفضل تجسيد لهذا الشِّرك تنظيم الدولة. لم تقاتل قوات هذا الأخير ميليشيات الأسد أو المرتزقة الذين جاؤوا لنجدته من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان، بل واجهت قوات المعارضة التي كانت تجد نفسها في مواقع كثيرة بين فكين: تنظيم الدولة والنظام الأسدي.

وكان هدف هذا الأخير حين كان يتخلى عن مواقعه لتنظيم الدولة بسهولة أن يضع العالم أمام خيارين: إما النظام «العلماني» الذي يدعي تمثيله أو تنظيم الدولة الإرهابي الذي بدأ الغرب يشهد أمثلة صُنِعت خصيصاً له عن ممارساته البربرية المتقنة الإخراج على الطريقة الهوليودية!

جاءت عمليات تنظيم الدولة الإرهابية بباريس في العام الماضي ثم العمليات الإرهابية ببروكسل هذا الشهر كي تحمل فرنسا، التي كانت لا تزال تعتبر النظام الأسدي مصدر الإرهاب، وكذلك أوروبا، على اعتبار تنظيم الدولة لا النظام الأسدي، عدوها الأول. حدث ذلك كله في غمرة المحاولات الروسية والأمريكية لإعادة تأهيل النظام الأسدي الذي كان لا يزال يمارس فظائعه ضد السوريين في كل مكان كانت نيرانه تصل فيه إليهم.

وفي السياق نفسه، كان واضحاً للجميع أن الضربات الجوية الروسية التي بدأت في الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي لم تكن تستهدف تنظيم الدولة بقدر ما كانت تعمل على تعزيز مواقع المليليشيات الأسدية وحلفائها من أجل مفاوضات الحل السياسي. ثم توالت الأمثلة على ضروب من التواطؤ بين النظام الأسدي وتنظيم الدولة والتي كان قد تجلى بعضها في الكيفية التي تم بها احتلال هذا الأخير لمدينة تدمر ثم خروجه منها مؤخراً «بعد معارك دامت أسبوعين» بعد القصف الروسي! فاحتلال أيقونة التراث التاريخي والأثري في سوريا من قبل تنظيم الدولة ثم استعادتها كانا ضرورة لابد منها كي يستعيد بها النظام موقعه على الساحة الدولية. هكذا استثمر النظام الأسدي احتلالها، مثلما بدأ يستثمر استعادتها على الصعيد الإعلامي والسياسي معلناً في الوقت نفسه استعداده لـ»الانضمام إلى التحالف ضد الإرهاب» تحت القيادة الأمريكية!

هكذا حين يعود النواب الفرنسيون اليمينيون الذين ذهبوا إلى سوريا بعد أن التقوا بشار الأسد بناء على طلبه كما صرح أحدهم، سيعلنون أن «داعش» التي استعاد منها الأسد تدمر هي الخطر الأكبر. أما مئات ألوف القتلى والجرحى وملايين المهجرين بفعل النظام الأسدي أساساً قبل نظام الدولة، فلعلهم، في أذهان هؤلاء النواب، مجرد تفصيل…

هذا ما يحاول النظام الأسدي وحلفاؤه تثبيته!

٭ كاتب سوري

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

76 + = 81

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...