الرئيسية / صفحات مميزة / عن الأزمة في كردستان العراق –مقالات مختارة-
An Iraqi boy drags a Kurdish flag as Iraqi forces advance towards the centre of Kirkuk during an operation against Kurdish fighters on October 16, 2017. Iraqi forces seized the Kirkuk governor's office, key military sites and an oil field as they swept across the disputed province following soaring tensions over an independence referendum. (Photo by Ahmad Al-Rubaye/AFP Photo)

عن الأزمة في كردستان العراق –مقالات مختارة-

ما الذي جاء بالحسين إلى كركوك؟/ صبحي حديدي

يدخل مقاتل «الحشد الشعبي» إلى كركوك دون رفع أيّ علم، للإنصاف، لا ذاك الذي يمثّل العراق، بلده بالولادة، ولا الآخر الذي يمثّل إيران، بلده بالتبنّي والولاء. لكنه، مع تغييب هذا وذاك، يشدّ جبهته برباط أحمر، كُتب عليه شعار “لبيك يا حسين”، العبارة/ المفتاح التي تربط السنة 2017 بالسنة 680، وتقيم الصلة بين كركوك الجغرافيا وعاشوراء التاريخ، أو بين هذه الأخيرة وأيّ، وربما كلّ، ميادين القتال المعاصرة التي يخوضها التشيّع السياسي الإيراني، في امتزاج التوصيفَين معاً: المذهبي والقومي.

ولكن… ما الصلة، حقاً، في نهاية المطاف؟ أهي تاريخية، أم دينية، أم مذهبية، أم فقهية، أم إثنية؟ أم هي، كما تبدو عليه الحال في معظم المعارك المعاصرة التي تُخاض تحت الراية الشيعية/ الإيرانية، محض حروب جيو ـ سياسية تبدأ من النداء الكربلائي (في المظهر)، ولا تغادر (في المحتوى) توطيد مصالح طهران القومية وسياسات التوسّع وبسط النفوذ والهيمنة؟ وإذا جازت استعادة تفسير حسن نصر الله للعبارة/ المفتاح إياها (قوله إنها تعني “أنك تكون حاضراً في المعركة ولو كنت وحدك، ولو تركك الناس وخذلك الناس)، فهل كان أمثال هادي العامري (أبو حسن)، وجمال جعفر آل إبراهيم (أبو مهدي المهندس)، وحدهما في عراء كركوك، دون جحافل زاحفة على المدينة، لمقاتلي “منظمة بدر” أو “كتائب حزب الله”، أو سواهما من الميليشيات المذهبية المتخندقة تحت مظلة “قوات الحشد الشعبي”؟

كلا، بالطبع، فميليشيات “الحشد” كانت ستزحف على كركوك في كلّ حال، سواء صدر الأمر من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أم تأخر، وسواء رافقت “الحشد” كتائب الوحدات الخاصة التابعة للجيش العراقي، أم تخلفت عن الركب. الأمر صدر من الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وكفى به آمراً وقائداً، بل كفى به مفاوضاً، قبلئذ، لأنه أنذر حكومة الإقليم في كردستان بأنْ يعيد الكرد “إلى الكهوف” إذا تُرجم استفتاؤهم إلى إجراءات “انفصالية” على أرض كركوك. وإذْ يعجز امرؤ عن فهم ما يقصده الجنرال، تماماً، من وراء إعادة البشر إلى الكهوف، فإنّ توظيف شعار “لبيك يا حسين” هو الذي، في المقابل، يعيد التاريخ 1337 سنة إلى الوراء، ودونما رابط تاريخي أو ديني أو مذهبي أيضاً!

المنطق البسيط يقول إنّ شيعة كركوك، إنْ وُجدوا، لا يتعرضون لاضطهاد مذهبي أو إثني يبيح لميليشيات “الحشد” أن تهبّ لنجدتهم، كي لا يُتركوا وحدهم أو يخذلهم الناس. المنطق ذاته، مبسطاً أكثر هذه المرّة، لا يشير إلى عتبات شيعية مقدسة، مماثلة لمسجد السيدة زينب في دمشق (الذي زعم “حزب الله” النفور دفاعاً عنه)، أو متممة لعتبات النجف مثلاً، لكي يتذرع “الحشد” بالمسارعة إلى حمايتها. ويبقى، في المقابل، أنّ المنطقَين معاً، البسيط والمبسّط، ينطويان على التفسير الصحيح، الوحيد أغلب الظنّ: أنّ كركوك، قبل أن تكون “قدس الأكراد”، هي منابع نفط كبرى لا تنضب، و”الحشد” لا يقاتل لإعادتها إلى سيادة السلطة المركزية في بغداد، وإلا لاعتُبر الجنرال سليماني ضابطاً متطوعاً في الجيش العراقي، وليس أحد كبار جنرالات “الحرس الثوري” الإيراني، وقائد “فيلق القدس″ المكلّف بمهامّ إقليمية عابرة للحدود والجغرافيات.

وبهذا فإنّ مشاركة “الحشد” في اجتياح كركوك ليست سوى تذكرة جديدة، ضمن سابقات كثيرات، بأنّ فتوى آية الله السيستاني، التي مهدت الطريق أمام استحداث “الحشد”، فقدت الكثير من ركائزها الفقهية بصدد تلبية “نداء الواجب الكفائي”، لأنّ المنادي هنا هو جنرال إيراني، يأمر باجتياح مدينة عراقية واقعة ضمن مناطق الحكم الذاتي، ولأنّ ملبّي النداء لم يعد “أحد تشكيلات الدولة الرسمية التي تدافع عن البلاد”، حسب تعبير العبادي، بل هو ميليشيا مذهبية تأتمر بأوامر خارجية.

وهيهات أن يغيّر من توصيفها، هذا، ادعاءُ جلب الحسين إلى كركوك!

القدس العربي

 

 

الهزيمة الكردية المدوية/ بكر صدقي

فلَّت بيشمركة الحزبين الكرديين أمام جيش الحكومة المركزية، وقوات حشده الشعبي، من كركوك، فلول الثاني أمام قوات داعش، قبل ثلاث سنوات، من الموصل. وتزامن هذا الانتصار السهل للعبادي مع الفصل الأخير من الحرب الدولية على داعش. ما يعني ضرورة قراءة هذا الحدث بمعان تتجاوز تعقيداته المحلية، من غير إهمال هذه الأخيرة.

من هذا المنظور كان مفاجئاً ترك واشنطن لحليفها الكردستاني لقمة سائغة لقوات بغداد والحشد الشعبي، وبخاصة بعد تصعيد ترامب، قبل أيام معدودات، ضد إيران الوصية على هذا الأخير، وبدرجة أقل على حكومة العبادي. وهذا ما قد يعني أن واشنطن تراهن على العبادي للحد من النفوذ الإيراني في العراق. أي أنها قدمت له انتصار كركوك السهل لتكون ورقته الرابحة في الانتخابات القادمة في آذار/مارس 2018. لا نعرف ما إذا كان الرهان الأمريكي في محله أو ذا جدوى في مواجهة طموحات إيران التوسعية، بالنظر إلى أنه لا يمكن اعتبار حيدر العبادي خصماً لنظام ولي الفقيه، لمجرد علاقاته الطيبة مع الأمريكيين. فككل بلد صغير وهش، يسعى عراق العبادي، في أحسن الافتراضات، إلى علاقات متوازنة مع كل من طهران وواشنطن، إذا أحسنا النوايا وقبلنا بخروجه التام من عباءته المذهبية والحزبية التي تشده إلى نظام ولي الفقيه.

لكن للأمريكيين دافعا آخر، في موقفهم إزاء حدث كركوك، هو تلقين مسعود بارزاني درساً قاسياً بعد رفضه للعرض الذي قدمه وزير الخارجية تليرسون لقيادة الإقليم، وتضمن أجندة أمريكية مدتها سنة واحدة للتفاوض بين أربيل وبغداد بهدف حل الخلافات بينهما، بما في ذلك موضوع كركوك. وإذا لم تف بغداد بالتزاماتها وفشلت في الوصول إلى نتائج ترضي أربيل، فسوف تدعم واشنطن الاستفتاء (المؤجل) وفقاً للتعهدات الواردة في رسالة تليرسون.

قال بارزاني، حين وصله العرض الأمريكي إن الأمريكيين لم يقدموا له أي بديل مرض يدفعه لتأجيل الاستفتاء على استقلال الإقليم. ولم يغفر الأمريكيون لـ»كاك مسعود» هذا الموقف.

ولا يقتصر الأمر، من زاوية النظر الأمريكية، على هذا الرفض الذي كان تتويجاً لمسار من الاستقلال النسبي في القرارات الكردستانية عن الحليف الأمريكي. من ذلك علاقات أربيل المميزة مع الحكومة التركية المغضوب عليها أمريكياً، وبخاصة في جزئيتها المتعلقة ببيع نفط الإقليم بمعزل عن موافقة حكومة بغداد. ومنه أيضاً عقود النفط الواعدة التي أبرمتها حكومة الإقليم مؤخراً مع شركة النفط الروسية.

ولكن يجب ألا يغطي هذا الدرس على الدرس الأقسى الذي كانت ضحيته شعب الإقليم على تجرئه على طلب الحرية من خلال الاستفتاء التاريخي بنتائجه المفحمة. والحال أن كرد الإقليم، ومعهم طيف واسع من الكرد خارجه، كانوا ضحية حسابات سياسية خاطئة لمسعود بارزاني، كما لطموحاته الشخصية، وليس فقط للدرس الأمريكي الذي اتضح أنه نتيجة لتلك الحسابات. أعترف أنني ممن فشلوا في قراءة الموقف الأمريكي من الاستفتاء على حقيقته، فاعتبروا طلب التأجيل مجرد كلام دبلوماسي لإرضاء بغداد وأنقرة. ويعود سبب هذه القراءة الخاطئة إلى إصرار بارزاني على إجراء الاستفتاء في موعده، الأمر الذي أوحى بأنه قد حصل على موافقات ضمنية من بعض الحكومات، وبخاصة الإدارة الأمريكية. وإلا لما تمسك بموقفه بكل ذلك الثبات.

قد لا يكلف فشل المراقب في تحليله إلا شيئاً من مصداقيته لدى دائرة محدودة من الرأي العام، لكن فشل القائد السياسي في قراءة مواقف الدول، عدوة كانت أو حليفة، يكلف ثمناً باهظاً رأينا، إلى الآن، بداياته فقط: إحباط كبير لدى الكرد، في الإقليم وخارجه، بعدما كانت معنوياتهم في السماء قبل أسابيع قليلة. كان يمكن تفادي هذا الإحباط لو أن قوات البيشمركة هزمت بعد مقاومة. أما هذا التسليم المخزي فهو مما حول هزيمة عسكرية، كان يمكن أن تكون محدودة، إلى هزيمة كبيرة وعامة للقضية الكردية برمتها، تذكر بسقوط مهاباد (1946) واتفاق الجزائر (1975). بل هي أسوأ منهما بكثير، بالنظر إلى مسؤولية قيادة الإقليم المباشرة عنها، مرةً بسبب إصرارها على إجراء الاستفتاء من غير الحصول على ضمانات دول، ومرة ثانية باتخاذها قرار الانسحاب من كركوك بدون قتال.

لا يفيد، في هذا المقام، إلقاء مسؤولية الهزيمة على قوات «الاتحاد الوطني» واتهامها بالخيانة، أو إلقاء المسؤولية على خذلان الحليف الأمريكي، أو عدوانية الحشد الشعبي، وغيرها من الذرائع الواهية بهدف التملص من تحمل المسؤولية.

والحال أن هذه الهزيمة الكبيرة كشفت النقاب عن مقدماتها الأبعد: فشل قيادة الإقليم، على مدى عشرين عاماً من الاستقلال العملي عن بغداد، في توفير مقدمات الكيان المستقل، وأهمها توحيد قوات البيشمركة الموزعة الولاء بين أربيل والسليمانية، وكذا فيما يتعلق بالإدارات الحكومية والعائدات الاقتصادية. هذا الانشطار العمودي الذي يعني ببساطة غياب هوية وطنية كردستانية تستحق إقامة دولة مستقلة.

خدعتنا نتائج الاستفتاء، وتراجع معارضي إجرائه عن معارضتهم في اللحظة الأخيرة، فقللنا من شأن الانقسام المذكور، كما من آثار ظواهر كالفساد الحكومي، وبنية الاقتصاد الريعي، وتمسك بارزاني بالسلطة، وقمع حرية الرأي والتعبير، وإقفال البرلمان، وقوة العصبية القبلية.. إلى آخر ما هنالك من أمراض مزمنة وخطيرة، لمصلحة الإرادة الشعبية الجارفة التي بدا كما لو أن من شأنها توليد ديناميات جديدة وزخماً لتغيير كل تلك التراكمات السلبية.

وبرغم كل شيء، كان من شأن مقاومة الهجوم على كركوك، مقاومة مشرفة، حتى لو انتهت بهزيمة عسكرية، أن تفعِّل الديناميات المذكورة، وأن تؤثر حتى في مواقف الدول، وتقوي يد أربيل في مفاوضاتها مع بغداد. وإذا كان صحيحاً أن مقاتلي حزب الاتحاد الوطني قد بادروا إلى الانسحاب، بنتيجة صفقة سياسية مع طهران، فهذا لا يعفي حكومة بارزاني، وبارزاني شخصياً، من المسؤولية الأولى: فهو يعرف خير معرفة نفوذ طهران التاريخي على السليمانية، الأمر الذي تجلى بوضوح ما بعده وضوح في حرص وزير الخارجية جواد ظريف على حضور مراسم جنازة جلال طالباني. القصد أن «الخيانة» المزعومة لقيادة السليمانية، هي من نوع المعطى المعروف الذي لا يصح عدم حسبان حسابه عند اتخاذ القرار.

اقتضى الربيع العربي لوأده سبع سنوات من عمل القوى المناوئة له، مقابل ساعات قليلة، هي تلك التي استغرقها سقوط كركوك بلا قتال، كانت كافية لوأد الربيع الكردي القصير.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

كردستان المريضة وقلبها الذي توقف في نصف يوم/ داريوس الدرويش

لم تكن أنباء سيطرة القوات العراقية على مدينة كركوك مما يسهل على الكرد تجرعه، ولا على جمهور بغداد تصديقه. كانت السيطرة سريعة وصادمة، وكانت طعنة حادة للكرد الذين اكتشفوا ليلتها أن أيديهم مكبّلة لا يستطيعون استخدامها. سمع الكرد أثناء المعركة، وليس قبلها، أن أخوتهم عدلوا عن رأيهم في دوكان، وأنهم لن يقاتلوا أخوتهم الآخرين في الحشد الشعبي! حينها فقط باتت كل سيطرة على كلّ حيّ جديد تمثيلاً بجثة ميتة، لن تفيد معها كثرة الطعنات لاستجداء الدماء. هذه شهادة انتصار المنتصرين.

هي كركوك إذاً من فضح خواء السياسة الكرديّة. كل تلك العملية السياسية والحوارات والاجتماعات، من واشنطن إلى دوكان، لم تفض إلى انتصار عسكري كما كنا نتمنى حينها، ولا حتى إلى هزيمة عسكرية كما كنا نتمنى لحظتها، بل إلى انسحاب مذل لقطعان من البيشمركة، ليس لأنها ادّعت مفاجأتها عسكريّاً، ولا لأنّها لم تكن معركة متكافئة، بل فقط لأنّ يداً كانت في دوكان وأخرى في بغداد، ليُنتزع القلب في كركوك. هل ذهبت كركوك لأنها «بيعت بالتفاح والبرتقال»، كما قالها يوماً إبراهيم أحمد، جد بائع اليوم، لمصطفى بارزاني عقب اتفاق شباط (فبراير) 1964؟ مهما يكن، فهي الآن هناك، وهي الآن هناك فقط لأن هناك من أراد واستطاع تسليمها.

لا شكّ أنّ في جعبتنا الكثير من الحلول السهلة، كسهول كركوك، لسحب يد أخوتنا من أيدي الأعداء، لمنعهم من إرادة التسليم، فما المانع من إعادة تفعيل البرلمان؟ سوى أنّه كان قد فُعِّل للتو قبل الاستفتاء؟ وسوى أنه شهد موافقة الاتحاديين على استفتاء الاستقلال؟ وما المانع من توحيد بيشمركة الأحزاب في وزارة سوى أن قوات الوزارة نفسها، التي يقودها اتحاديٌّ، هي التي انسحبت أمس في كركوك بعد «أربع ساعات من المقاومة» لم تكف لصنع لفافة تبغ، وأول أمس في طوز خورماتو من دون حتى ربع ساعة من «المقاومة»؟ ما المانع من إجراء حوار جدّي بينهم، سوى أنّ الحوار كان عقد قبل يوم في دوكان، ومنذ سنوات طويلة في أروقة الشراكة الحكومية، وهي بازار ومحاصصة؟

الحل المتأخّر حتماً، الذي لا يأتي إلا عند ارتطام الرأس بحجر القبر، والذي ما كان له أن يراود أحداً قبلاً، هو أنه كان على 93 في المئة من الكرد التفكير جيداً في قول 7 في المئة منهم بأن الاستفتاء ليس في وقته، ولكنْ كتهديد وليس كتحذير. ما كان لمخيّلة الكردي أن تلجأ لرفاهيّة الترفّع عن تصوّر أقبح سيناريوهات الهزيمة وأكثرها نأياً، ما كان لها أن تجفّ وتخون الكرد في هذه اللحظة بالذات، وألا تهديهم إلى ما يمكن أن يصله عقل مريض ومهووس بالانتقام لتاريخ حسبناه خلف ظهورنا، فقط لنجده أمامنا اليوم. فقط لو كنا نعلم ذلك، لكان حينها من الإنصاف القول في مناقب جلال طالباني حين وضع في قبره: «وحده، رمى الراحل ذلك التاريخ خلفه».

الآن، كلّ ذلك التاريخ، وكركوك، صارا خلفنا، ويُكتَب لمن سلّم كركوك، ولمن صفّق له من دول الإقليم، نجاحهم المبهر في هذه العمليّة. ولكن يكتب لهؤلاء الأخيرين بخاصّة أنهم نجحوا في إفشال مشروع بارزاني لمصلحة المشروع الإيراني في العراق. وما على بارزاني، الذي فشل في إضعاف القادرين على تسليم كركوك، وفشل في إغراء الراغبين في تسليمها، سوى الإعلان رسميّاً عن فشل مشروعه ونجاح المشروع الإيراني، وتقديم زيارة طاعة لعرّاب الشرق الأوسط، قاسم سليماني. وهو إن فعل حرصاً على الوحدة الكرديّة، فليعلن اليوم شعار المرحلة المقبلة: أهلاً سليماني.

* كاتب كردي.

الحياة

 

 

 

درس كركوك القاسي/ شورش درويش

حثّت بغداد الخطى مسرعةً لأجل سحب ورقة كركوك من يد الجانب الكردي، لتبقي هذه الورقة الحيوية خارج نطاق التفاوض المقبل بين أربيل وبغداد، ما يعني نزع أهم الأوراق التفاوضية التي كان من شأنها تعزيز موقف أربيل على طاولة المفاوضات حال البدء بها، زد على ذلك فوات المقولة التي حاول الإقليم ترسيخها إن “الحدود تُرسَم بالدم”، في إشارة إلى المناطق المتنازع عليها، التي حرّرتها قوات البشمركة في وقت سابق.

عملية “التسليم” واستعادة السيطرة التي قام بها الجيش، رفقة قوات الحشد الشعبي، لم تكن من السرية بمكان، إذ جاءت بالتوافق بين أقطاب نافذة في الاتحاد الوطني الكردستاني، بل جاءت مشفوعةً بطلب من قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، الذي كان في زيارة إلى السليمانية، حيث التقى قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني، وحثّهم على إعادة الأوضاع في كركوك إلى سابق عهدها، أي إلى ما قبل بسط السيطرة الكردية شبه المطلقة عليها.

لكنه وبمعزلٍ عن الصدمة التي تسببت بها عملية التسليم هذه، فإن الأوضاع تشي بانقسام عميق داخل البيت الكردستاني، لاسيما بين حزبيه الرئيسيين المؤتلفين، الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، علاوةً على وجود انقسامات حادّة داخل الاتحاد الوطني الكردستاني بين مؤيدٍ قرارات الحكومة الاتحادية وفريق يرى وجوب الالتزام بالاتفاقات مع الديمقراطي

“سياسات تبادل اللوم والتخوين لن تجلب إلّا مزيداً من المشكلات والانقسامات” الكردستاني أو ما يمكن أن تُسمَّى برئاسة الإقليم، وهذه ليست المرّة الأولى التي ينقسم فيها الاتحاد الوطني على نفسه، فقد سبق أن غادر أبرز أعمدته، نوشروان مصطفى، ليشكّل حركة التغيير 2009 التي قوّضت نفوذ الاتحاد داخل أهم معاقله في محافظة السليمانية، بالإضافة إلى الانقسام الهادئ الذي قاده النائب الثاني للأمين العام في الاتحاد الوطني، برهم صالح، الذي أعلن نيته خوض الانتخابات التشريعية ضمن تحالف جديد من خارج حزبه السابق.

في موازاة حالة الانقسام الحاصل، ثمّة حالة من تبادل الاتهامات القاسية، من قبيل الاتهامات بالخيانة والعمالة، الأمر الذي قد يوصل الأمور إلى خلاف كردي – كردي، يعيد إلى الأذهان ذكريات مريرة عن الحرب الأهلية، وانقسام إقليم كردستان إلى إدارتين (السليمانية وأربيل).

تسبّب التراجع الكبير في كركوك بخيبة أملٍ كردية عارمة، لا بل بانكسارٍ يشبه الهزيمة، فمنظر العناصر المرابطة من البشمركة تخلي مواقعها من دون قتال، وهي تذرف الدموع، لشدة عجزها من عدم الانصياع لقرارات رؤسائها بالإخلاء والانسحاب، ومشهد إنزال العلم الكردي عن المرافق والدوائر الحكومية، وسواها من مراراتٍ وثّقتها الكاميرات، أدت إلى اعتبار ما حصل بداية النهاية للمشروع القومي المتمثّل بالاستقلال، والتفاؤل الحار الذي سبق الاستفتاء على الاستقلال، فعلى الرغم من أن كركوك بحكم الدستور العراقي منطقة متنازع عليها، وخاضعة لتدابير معيّنة، لا تسمح بتحوّلها إلى منطقة تابعة للمركز أو الإقليم، إلا أن الرأي العام الكردي كان قد احتسبها جزءاً كردستانياً في متناول اليد الكردية، أو أنها على مرمى حجر من أن تصبح المحافظة الرابعة في الإقليم. وفوق ذلك، توقع عموم الكرد معركةً حقيقيّة، في كركوك وأكنافها، تفضي إلى إرغام بغداد على التفاوض، وتحرج شركاءها الإقليميين، بيد أن ما لم يكن في الحسبان، أي تفرّد حزب بل قسماً من حزب يحتكم على القرار في كركوك، هو الذي وقع.

الغالب على الظن أن كركوك ليست سوى أوّل الطريق الذي تمشي عليه بغداد، فالمخاوف

“كركوك ليست سوى أوّل الطريق الذي تمشي عليه بغداد” الكردية المتصلة تتركّز بشأن بقية المناطق المتنازع عليها، وكذلك المعابر الحدوديّة، والمطارات، وإمكانيّة بسط حصار اقتصادي بدعم تركيّ وإيرانيّ، ما قد يزيد من حراجة الموقف الكردي، الأمر الذي قد ينهي أي مجالٍ للتفاوض مع بغداد، ذلك أن بغداد لن تفاوض، وهي في موقع القوة المطلقة، وفي مكانٍ يسمح لها بالحركة، وفعل ما تشاء، من دون رادع أو مانع، وفي ظل غياب أي تأثيرٍ للفاعلين الدوليين الذين يمكن لهم المساهمة في الحد من سياسات بغداد، ففائض القوى الذي تشعر به بغداد الآن قد يؤذن بممارسة مزيد من الضغوط والممارسات العملية على الأرض، في لحظة غير سعيدة للكرد، عنوانها الانقسام والفُرقة الكرديان.

لذا، قد يتوجب على الطبقة السياسية في إقليم كردستان الشروع في عملية نقد ذاتي، وانتهاج سياساتٍ توافقية تعيد التألق إلى الإقليم الذي صُوّر على أنه صورة للعراق المستقبلي، وذلك عبر توحيد الصف الكردي وعبر الحد من السياسات التي لا تغري الدول الإقليمية والكبرى، إلى جانب ضرورة البدء بعملية تشييد الحكم الرشيد والديمقراطي، وتفعيل المؤسسات الدستورية في الإقليم، وإلا فإن سياسات تبادل اللوم والتخوين لن تجلب إلّا مزيداً من المشكلات والانقسامات التي قد تودي بكل التجربة الكردية إلى المجهول.

صفوة الكلام، قد يكون درس كركوك قاسياً، إلا أنه، في جوهره، ليس انكساراً عسكرياً لقوات البشمركة التي يشهد لها بالشجاعة ورباطة الجأش، بقدر ما هو انكسارٌ سياسيّ كردي، وتعبير بليغ عن سوء الأوضاع السياسيّة وتردّيها، في منطقة مليئة بالخصوم وشحيحة بالأصدقاء.

جميع حقوق النشر محفوظة 2017

العربي الجديد

 

 

 

خطأ بغداد وخطأ أربيل/ بشير البكر

لم يكن متوقعاً أن يتم حل عقدة المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل بالشكل الذي حصل ليلة الأحد الماضي، ففي وقتٍ كانت الأجواء تنذر بنزاع مسلح، انسحبت القوات الكردية إلى حدود يونيو/ حزيران 2014، الأمر الذي شكل صدمة للشارع الكردي، ومفاجأة للأوساط المراقبة. وقد صار من المسلّم به أن صفقةً رعتها إيران غيّرت اتجاه الرياح كلياً.

تمثل محافظة كركوك منطقة متنازعاً عليها، مثل مناطق أخرى في محيط إقليم كردستان، وقد أجل الدستور العراقي، وفق المادة 140، حل وضع هذه المناطق، وتركها إلى وقت لاحق. وقبل الأكراد هذا المبدأ، وهم الذين شاركوا بقوة في كتابة الدستور العراقي، وفي الاستفتاء عليه، ولكنهم لم يحترموه لا قبل الاستفتاء ولا بعده، وظلوا يعملون على أساس أن كركوك منطقة كردية، في حين أن هناك إجماعاً على أن المحافظة تتكون من ثلاثة أثلاث، عربي، كردي، وتركماني، عدا عن أنها متداخلة طائفياً أيضاً. ومنذ قيام إقليم كردستان، جرت عمليات تهجير للعرب من منطقة كركوك، تحت حجة إلغاء قرارات التعريب القسري للمنطقة التي تمت على حساب الأكراد خلال حكم حزب البعث للعراق منذ الستينات. وقد يكون بعض هذه الحجج صحيحاً، لكن قسماً منها غير صحيح، وضاعت الحقيقة بين هذا وذاك، لأن العملية حصلت من دون إطار قانوني، وبناء على ادعاء الطرف الكردي ملكيته الأراضي والمنازل.

ظلت هذه المشكلات تتفاعل، حتى اجتياح “داعش” مدينة الموصل في يونيو/ حزيران 2014، وكان أحد أهدافه احتلال إقليم كردستان، لكن الكرد تمكنوا من الصمود وطردوا “داعش”، واستولوا على جزء كبير من الأراضي التي تقع ضمن دائرة المتنازع عليها. ويومها أعلن رئيس إقليم كردستان، مسعود البارزاني، أن الأرض التي استعادتها البيشمركة بالدم ترسم حدود كردستان بالدم، وذلك في تطبيق للمادة 140 من الدستور على نحو تعسّفي، وبما يخدم مصالح الكرد. ولم يكن هذا القرار موفقاً، وكان الأحرى به أن يلتزم بالدستور، وكان سيكون موقفه اليوم أقوى.

أخطاء الطرف الكردي لا تبرر خطأ بغداد الذي لا يمكن قبوله، وهو الاستعانة بإيران من أجل حل خلاف داخلي، وقد صار معروفاً أن قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، الجنرال قاسم سليماني، هو الذي هندس عملية إسقاط مدينة كركوك، حيث أمضى في صورة علنية عدة أيام في السليمانية، يمارس ضغوطاً على الجناح الآخر من إقليم كردستان، وأثمرت ضغوطه عن عملية تسليم المدينة للقوات العراقية والحشد الشعبي.

قبول الدولة العراقية أن يعالج قاسم سليماني المشكلة بينها وبين أربيل يجرح حججها حول الحرص على منع الانفصال الكردي، والحفاظ على وحدة العراق وسيادته، وكان البحث عن مخرج مع إقليم كردستان، وبأي ثمن كان، أقل ضرراً على مستقبل العراق من الرضوخ للدور الإيراني، فالأكراد يظلون أبناء العراق، ويمكن دائماً التوصل إلى تسويةٍ معهم، بعيداً عن العنتريات الفارغة التي صدرت من بغداد وأربيل على السواء، وساهمت في تأزيم الموقف.

الموقف الأميركي هو اللافت للانتباه، حيث أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن واشنطن تقف على الحياد، وتكشّف في اليوم الثاني أن الحياد الأميركي لم يكن سوى في العلن، لأن الإدارة الأميركية هي التي فرضت على البارزاني عدم القيام بأي رد فعل عسكري على دخول القوات العراقية إلى كركوك، وتعود لها فكرة انسحاب الأكراد إلى الخط الأزرق الذي جرى رسمه عام 2004. والطريف هنا هو التوافق الأميركي الإيراني على هذا الموقف الذي يعبر عن قمة براغماتية واشنطن وطهران، اللتين التقتا عند منع تحقيق الانفصال الكردي، على الرغم من الخلافات بينهما بصدد الملف النووي.

العربي الجديد

 

 

 

نهاية دولة كردستان العراق/ عمر كوش

كان مفاجئاً إصرار رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، على عدم إرجاء الاستفتاء الذي جرى في 25 من سبتمبر/ أيلول الماضي على استقلال الإقليم، نظراً لحجم المعارضة التي ووجه بها من أنظمة الدول الإقليمية المحيطة به، وخصوصا نظام الملالي الإيراني، فضلاً عن عدم موافقة القوى الدولية على موعده، وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية التي ظن حكام الإقليم أنها تشكل حليفهم الإستراتيجي القوي، وراعية طموحاتهم، لكن الأكثر غرابة ومفاجأة سهولة سيطرة مليشيات الحشد الشعبي الطائفية وقوّات حكومة بغداد على مدينة كركوك وحقول نفطها، ثم تقدّمها إلى سنجار وسد الموصل ومناطق أخرى ضمن إقليم كردستان، الأمر الذي ينمّ عن صفقةٍ مريبةٍ، عقدت بين عدة أطراف عراقية وقوى سياسية في الإقليم، وخصوصا قادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، برعاية الإرهابي قاسم سليماني ممثل نظام الملالي الإيراني، وبالتالي يطرح السؤال عن مشهد تراجيدي جديد لنهاية أخرى لممكنات تحقيق دولةٍ كردية، وعن الكيفية التي تمّ فيها التلاعب بالحلم الكردي القديم/ الجديد بإقامة دولة قومية، وعن مدى حكام الإقليم استغلال هذا الحلم لأغراض سياسية، وخصوصا من رئيس الإقليم المنتهية ولايته، مسعود البارزاني.

ويعرف القاصي والداني أن إقليم كردستان العراق كان يشكل دولة بحكم الأمر الواقع، لكنها غير معلنة، في شمالي العراق، وتمدّدت رقعته الجغرافية بالقوة، من خلال السيطرة على مساحات إضافيةٍ لتصل إلى المعابر الحدودية مع كل من إيران وتركيا وسورية، بعد مشاركة قوات البيشمركة في الحرب على “داعش”، لتبلغ مساحته الجغرافية أكثر من 70 ألف كلم2، أي أكثر من 18% من المساحة الكلية للعراق، وكان يضم محافظات أربيل والسليمانية وكركوك ودهوك، والأهم هو سيطرته على حقول نفط كركوك التي تنتج أكثر من 250 ألف برميل نفط يومياً.

وكان البارزاني يُستقبل، في زياراته الخارجية، وكأنه رئيس دولة، وبنى تفاهمات اقتصادية

“أقدم البارزاني على خطوة الاستفتاء على استقلال الإقليم من دون حصوله على موافقة أي دولة صديقة” مهمة مع تركيا، واستقبله الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مراتٍ، فضلاً عن علاقاته العسكرية والسياسية مع التحالف الدولي ضد “داعش”، لكن المستغرب أنه أقدم على خطوة الاستفتاء على استقلال الإقليم من دون حصوله على موافقة أي دولة صديقة له. وقد نصحته الإدارة الأميركية بتأجيل موعد الاستفتاء، بحجة توحيد الجهود العسكرية في الحرب على “داعش”، ولم يتوقع أن يثير الاستفتاء حفيظة دول الجوار إلى هذه الدرجة من الرفض والوحدة في مواجهة إرهاصاته، على الرغم من كل ما كان يقال عن خبرة البارزاني وحنكته السياسية، ذلك أن ما أعمى بصيرته بشأن تجيير الاستفتاء ونتائجه لمصلحته الشخصية من أجل تجديد أمد حكمه للإقليم وإطالته، فوقع في شركٍ بناه بنفسه. وكان الأجدى به السعي إلى توحيد الصف الكردي في داخل الإقليم، عبر تقاسم السلطة مع القوى الشعبية الحيّة، بدلاً من الاستئثار بالسلطة والثروة، وجعلها حكراً على عائلته والمقربين من أبناء عشيرته.

غير أن اللافت هو حجم الانقسام والتردي لدى القوى السياسية الكردية في الإقليم نفسه، وخصوصا ما بين حزبي الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، وتأثر كل منهما بالخلاف الشخصي والسياسي ما بين زعيميهما، الراحل جلال طالباني ومسعود البارزاني، إذ إن الأول ارتضى لنفسه أن يعقد صفقة مريبة مع مليشيا الحشد الشعبي الطائفية برعاية قاسم سليماني، تنص على قطع الطريق نهائياً أمام قيام دولة كردية مستقلة، وما كان من البارزاني وحزبه سوى الرضوخ والمشاركة فيها، الأمر الذي يذكّر بما جرى لما عُرف باسم “جمهورية مهاباد” التي أُعلن عن قيامها في 1946، ولم تتمكن من إكمال سنة واحدة من عمرها، حيث أسقطها الشاه محمد رضا بهلوي في صفقةٍ مريبةٍ مع الاتحاد السوفييتي المندثر وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية في ذلك الوقت.

وما زالت المرويات والسرديات الكردية الكبرى تتحدث عن حلم الدولة الكردية المنتظر، وعن

“المرويات والسرديات الكردية الكبرى تتحدث عن حلم الدولة الكردية المنتظر” خيانة الأشقاء والأصدقاء، وها هو مسعود البارزاني يتحدث عن تسليم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مدينة كركوك، بسبب خيانة قادة حزبه، الديمقراطي الكردستاني، وعقدهم اتفاقاً سرّياً مع نظام الملالي الإيراني، يقضي بوأد حلم الدولة الكردية في شمالي العراق في هذه المرحلة على الأقل.

ولا شك في أن ممثل نظام الملالي الإيراني وعد قادة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بمكافأتهم على “تعاونهم” في قطع الطريق أمام ممكنات قيام دولة كردستان العراق، عبر منحهم جزءاً من عائدات نفط كركوك، وإعطائهم دوراً في حكم إقليم تابع لنظام الملالي محاذٍ للحدود العراقية الإيرانية، ويمتد من السليمانية إلى حلبجة، في مواجهة ما تبقى من إقليم كردستان العراق الذي يحكمه البارزاني، ما يعني تعميقاً للانقسام الكردي بين القوى السياسية المسيطرة في الإقليم وعودته إلى وضع أسوأ بكثير مما كان عليه من قبل.

العربي الجديد

 

 

 

خيارات مسعود بارزاني الصعبة/ هوشنك أوسي

الاحتلال الإيراني العراقَ اكتمل، بعد احتلال الحشد الشعبي والحرس الثوري الإيراني والميليشيات الطائفيّة محافظة كركوك. ذلك أنه بعد سقوط نظام صدام حسين، ثم رحيل القوات الأميركيّة عن العراق، وغزوة «داعش»، كان احتلال طهران العراقَ منقوصاً، لأن منابع النفط والغاز في كركوك، كانت خاضعة للسلطة الكرديّة. فالعراق بالنسبة إلى طهران ليس النجف وكربلاء والمقامات الشيعيّة «المقدّسة»، بل النفط والغاز وحسب. وألف نجف وكربلاء لا تعادل ربع مقام كركوك لدى القادة الإيرانيين.

من المؤسف القول: هذا الاحتلال لعب دوره فيه المتبقّي من حزب الرئيس العراقي السابق، الراحل جلال طالباني، والذي تقوده الآن عقيلته هيرو إبراهيم أحمد ونجلاها (بافل وقباد) وابن عمهما (لاهور شيخ جنكي طالباني)، وشاناز إبراهيم أحمد، ونسيب العائلة القيادي ملا بختيار… فهذه الجماعة الموالية لطهران والتي تقود الحزب، كانت «حصان طروادة» الذي مهّد لهذا الاحتلال. ومُخطط وواضع دور «حصان طروادة» أو «حصان كركوك» بخبث وجدارة ودهاء، هو، في غالب الظنّ، قاسم سليماني.

لم يعد خافياً تعرّض رئيس الإقليم مسعود بارزاني لخديعة كبرى، حين أوهمه «الاتحاد الوطني» بأنه شريك في الاستفتاء ومشارك فيه، وحضّر الحزب مهرجاناً جماهيريّاً ضخماً لبارزاني في مدينة السليمانيّة، معقل «الاتحاد»، شارك فيه عشرات الآلاف. هذه المشاركة المخاتلة في الاستفتاء خلقت انطباعاً لدى كل الأكراد، داخل العراق وخارجه، بأن صفحة الخلاف التاريخي بين الكرد طويت، وأن شبهة الغدر والطعن في الظهر باتت بعيدة أو مستبعدة من «الاتحاد الوطني». هكذا، اطمئنّ الكرد عموماً وحزب بارزاني على وجه الخصوص، إلى موقف «الاتحاد الوطني»، وأن الطعن قد يأتي من تركيا، وليس من الداخل الكردي؟ وصار بارزاني يأمن جانب جماعة هيرو إبراهيم أحمد، ولم يتخذ أي إجراء عسكري من شأنه مضاعفة الوجود العسكري الكردي في كركوك، وتغيير الرؤوس العسكريّة الكبيرة في المحافظة.

لكن وقائع «ليلة الغدر» في كركوك، كان لها كلام آخر، وبني عليها استكمال سيطرة بغداد على كامل المحافظة ومناطق أخرى مما كان ضمن المناطق المتنازع عليها، بحيث عاد الوضع إلى ما قبل 2003. في ذلك العام، أيضاً، بعد سقوط نظام صدّام، وانهيار الجيش العراقي، استولت القوات الكرديّة على مدينة كركوك. فقام حزب مام جلال، بإقناع مسعود بارزاني بضرورة حلّ المشكلة بالسبل القانونيّة والدستوريّة، وبأنه تجب إعادة كركوك إلى المركز – بغداد. وامتثل بارزاني لمشيئة ورغبة جلال طالباني وقتذاك. وحدث ما حدث، من تضمين الدستور العراقي المادة 140، ثم تعطيلها من الحكومات العراقية – الإيرانيّة الحاكمة في العراق، وصولاً إلى احتلال المحافظة، بدعم إيراني وتغطية وصمت أميركيين.

من جهة أخرى، على رغم الخلاف العربي الشديد مع إيران، فإن تعامل الإعلام العربي، المناهض لإيران، مع أزمة كركوك، حتى أثناء احتلالها من قبل إيران وبعده، جعله يبدو كأنّه إعلام الحشد الشعبي، لجهة إغداق الأعذار والمبررات لهذا الاحتلال، وأنه قضى على حلم «الانفصال»… واستخدام تعابير من هذا القبيل.

بات من شبه المستحيل إعادة كركوك إلى كردستان. وحملة النزوح التي شهدتها المحافظة، ستتسبب في إحداث تغيير ديموغرافي عميق وشديد في التركيبة السكانيّة للمدينة، ناهيكم بحملات التعريب التي ستمارسها الحكومة الإيرانية – العراقية الحالية في كركوك. ومع كل ما سلف ذكره، ثمة من الموالين لـ «الاتحاد الوطني الكردستاني» ممن يصفون الاتفاق المبرم بين بافل جلال طالباني والحكومة العراقية بأنه «خطوة عقلانية جريئة لحقن الدماء، وتجنيب المدينة دماراً هائلاً»، من دون الاكتراث لتبعات حركة النزوح، ومآلات مدينة تحت حكم «الحشد الشعبي»!

وسط هذه الحال المأزومة والانقسام الداخلي الكردي، والشعور بالخيبة والانكسار، تبدو خيارات مسعود بارزاني، شديدة الصعوبة والمرارة. فإمّا أن يتجرّع كأس سمّ الهزيمة، ويعود طائعاً صاغراً، إلى حظيرة نظام الولي الفقيه الحاكم في إيران والعراق وسورية ولبنان واليمن، أو أن يبحث عن خيارات مقاومة أخرى. وإلى جانب هذا وذاك، يطلّ برأسه الانقسام الكردي، ومساعي حزب «الاتحاد الوطني» إلى فصل السليمانية وحلبجة وكركوك عن كردستان وضمّها إلى العراق، في حال مضى بارزاني في خيار الاستقلال، بخاصّة أن مصادر إعلاميّة كثيرة تحدّثت عن نقاط الاتفاق الذي تمّ إبرامه بين بافل جلال طالباني وهادي العامري، في رعاية قاسم سليماني.

ثمّة قول كرديّ مأثور، مفاده: «التاريخ الكردي خطّان متوازيان: الخيانة والمقاومة. ودائماً كانت الغلبة للخيانة، لكنْ بما لا يقضي نهائيّاً وبالكامل وعلى نحو مبرم على المقاومة». وفي تجربة كركوك واحتلالها، عبّر هذا التوصيف عن نفسه.

في مطلق الأحوال، يتحمّل مسعود بارزاني جزءاً مهمّاً واستراتيجيّاً من المسؤوليّة حيال ما حصل في كركوك وبقية المناطق. وهي مسؤوليّة لا تتعلّق بالذهاب إلى الاستفتاء، بل بعدم التحوّط العسكري والأمني الكافي، والتحسّب لاحتمالات الالتفاف والخيانة التي قد تحدث في زمن الحروب والأزمات في كل مكان، بخاصّة في التاريخ والواقع الكردي الزاخر بالخيانات.

* كاتب كردي سوري.

الحياة

 

 

 

محنة للأكراد … ولكنْ للعراق أيضاً/ حازم صاغية

أن يحصل للأكراد ما حصل في كركوك فهذا محنة كبرى. لكنْ لأنّ الأمور لا تقاس تجاريّاً، بالربح والخسارة، تبقى قضيّة الأكراد في الاستفتاء، وفي الاستقلال، قضيّة مُحقّة. مهزومين كانوا أم منتصرين، قضيّتهم على حقّ.

فوق هذا، فالمحنة التي تفوق محنة الأكراد حجماً هي محنة العراق كوطن وكمشروع. فأن يتولّى قاسم سليماني وأزلامه الطائفيّون «تحرير» كركوك وإعادتها إلى «الوطن»، فهذا هو الوجه الآخر لهزيمة الجيش العراقيّ في الموصل حين سطا عليها «داعش». العبرة من ذلك أنّ العراق بات لا ينتصر إلاّ بالإيرانيّين وأزلامهم. من دونهم ينهزم. إذاً: الوطنيّة الموعودة إنّما تشيّدها إيران وقوى طائفيّة ما- دون وطنيّة.

نبدأ مع الأكراد. الكثير ممّا يقال في قياداتهم صحيح للأسف: الفساد المشترك بين الطرفين البارزانيّ والطالبانيّ. عشائريّة الطالبانيّين فوق فسادهم. الفشل في فهم العالم وسياساته، وخصوصاً سياسة أميركا، وبالأخصّ في ظلّ ترامب، وصولاً إلى إدراج كركوك، البالغة التعقيد، في نطاق الاستفتاء.

لقد عجزوا حتّى عن توحيد البيشمركة. تنافُسهم الصغير والوضيع استعاد أجواء أواسط التسعينات، حين استعان طرف منهم بإيران وطرف ببغداد الصدّاميّة. وأمام المحنة الأخيرة، وضمور تجربة أربيل – السليمانيّة، يُخشى ألاّ يقوى إلاّ الخطّ الأوجلانيّ العدميّ الذي يُحتفى به اليوم في الرقّة، لا سيّما إذا تصرّف الأميركيّون على أساس أنّ أكراد سوريّة أنجزوا المهمّة ضدّ «داعش» وعليهم أن يختفوا هناك أيضاً.

أبعد من هذا، وهو ما يؤلم، أنّ مسعود بارزاني بدّد فرصة هائلة لكي يكون زعيماً تاريخيّاً استثنائيّاً على مدى الشرق الأوسط، زعيماً بديلاً من الزعماء القبليّين والفاسدين الذين نعرفهم. لم يفعل هذا. لم يبن ديموقراطيّة. لم يكافح الفساد والعشائريّة. اختار أن يعطّل البرلمان ويُرخي الحبل للسارقين الفاسدين من أقاربه ومقرّبيه. اختار أن يكون شيخ عشيرة في مقابل شيوخ العشيرة الفاسدة الأخرى التي تحكم السليمانيّة.

معركة كركوك الأخيرة سلّطت الضوء على بارزاني بوصفه وريثاً شرعيّاً لياسر عرفات ولنمط في الزعامة تكون فيه القضيّة كبيرة والزعامة صغيرة.

مع هذا كلّه، يبقى أنّ أكثريّة الأكراد الساحقة صوّتت لمصلحة الاستقلال. هذه الحقيقة لا يمكن تجاوزها واعتبار أنّها لم تكن.

ما يقال في قيادات بغداد أفدح. والمدهش أنّ الأبعاد الخطيرة جدّاً للدور الإيرانيّ الأخير لم تحظَ بما تستحقّه من عناية، بل من استنفار. فكأنّ «الإنقاذ» الإيرانيّ صار أمراً بديهيّاً لا يستدعي التعليق عليه في دول كرتونيّة وفي مجتمعات كرتونيّة. لقد جاء في الخبر الرسميّ أنّ حيدر العبادي أمر الميليشيات الطائفيّة بمغادرة كركوك. الخبر الفعليّ أنّ تلك الميليشيات التي تحرّكها طهران صار يمكنها، ساعة تشاء، أن تأمر العبادي بمغادرة بغداد. ذاك أنّ دور إيران الأخير يعادل الانكشاف الوطنيّ العراقيّ كما نمّت عنه مواجهة كركوك.

التجربة تستدعي المراجعة العميقة والنقد الجذريّ الذي يعود بها إلى ساعة التأسيس في 2003. آنذاك باشرت القيادات الشيعيّة التي حلّت محلّ صدّام حسين، تسليم أمر العراق إلى إيران. آخر «ثمار» هذه التجربة ثلاث: أنّ الوطنيّة العراقيّة صارت إحدى الصناعات الإيرانيّة الخفيفة. وأنّ الطرفين العراقيّين، الشيعيّ والكرديّ، اللذين مثّلا ركيزة المعارضة لصدّام، دخلا حقبة العداء المفتوح الذي قد تزيّنه «حوارات» سخيفة. وأنّ ما يسري على العراق ككلّ يسري على مكوّناته واحداً واحداً. في ظلّ هذه الشراكة في التفتّت، لن يُتاح أيّ مكان للقضايا مهما كانت عادلة. ينهار العراق ولا تنشأ كردستان. ينهار العراق ولا ينشأ شيء. هناك إيران وهناك أطياف «مسّ بيل» البعيدة.

الحياة

 

 

 

 

كركوك… بطن العراق الولّادة لحروب وشيكة/ حازم الامين

ما حصل في كركوك هذا الأسبوع امتداد لعدم انسجام أصلي وجوهري لم يكف العراق عن مراكمة صور عنه منذ سقوط نظام صدام حسين في 2003. ولشدة ما جادت علينا بلاد الرافدين بالمشاهد الدموية، صار يمكن المرء أن يخاف على نفسه من الانزلاق إلى قناعة مفادها أن «وحدة» هذا البلد يعوزها دائماً صدام ما لكي تلتئم، وأن ثمن الوحدة ليس أقل من ثمن الفرقة والشقاق.

لامرئ مثلي أن يعود بذاكرته قليلاً إلى البدايات المؤسسة عراقَ ما بعد صدام. فالتجربة انطوت على ما لا يحصى من عناصر عدم الانسجام. منذ اليوم الأول للسقوط، وقبله بقليل. القتال حصل حينذاك متجاوزاً حدود انقسام لا تنسجم مع وجهة تقدم القوات. لم يحصل ذلك على نحو افتراضي. كانت له مشاهد مباشرة على أرض المعركة. آنذاك مثلاً دُعينا نحن الصحافيين إلى منطقة قريبة من مدينة حلبجة الكردية لنشهد عرضاً عسكرياً لكتائب المجلس الأعلى الإسلامي الآتية إلى المنطقة عبر الحدود مع إيران. كان عادل عبد المهدي على رأس منصة العرض، وحضر ممثلون عن الأحزاب الكردية. وليس بعيداً من حلبجة، وفي اليوم الذي سبق العرض، كنا ذهبنا إلى منطقة لنغطي فيها بداية وصول المظليين الأميركيين إلى شمال العراق ولينطلقوا من هناك إلى كركوك. كان عدم الانسجام شديداً في المشهدين. مقاتلون من طهران وآخرون من واشنطن، عدوان يقاتلان عدواً، وكان من المفترض أن يكون سقوط صدام مقدمة لسقوط منظومة كاملة ليست طهران بعيدة منها.

منذ ذلك الوقت، كانت خطوط عدم الانسجام قائمة. كانت طهران ترسل الكتائب الشيعية، وكان الأميركيون متوجهين إلى بغداد. وكان الصمت وسيلة التعبير الوحيدة عن هذا المشهد غير المنسجم، والذي ينطوي على انفجار وشيك. وما أكثر الانفجارات التي أعقبته!

الأكراد أيضاً لم يقيموا وزناً للتناقض الجوهري في مشهد الحرب على صدام حسين. لا بل إنهم صمتوا على انقسامهم الخاص الذي بدا أن الحرب تجاوزته. أربيل والسليمانية اعتقدتا أن الوحدة صارت حقيقة بفعل الانتصار المرتقب. لكن في الساعة الأولى لسقوط كركوك، تسابق الحزبان الكرديان (الديموقراطي والاتحاد الوطني) على من سيصل إلى المدينة قبل الآخر ويزرع أعلامه في ساحاتها.

كل شيء في العراق امتداد لتاريخ دموي، وهو يقع على خطوط انقسام لا تلبث أن تستيقظ في أقرب فرصة تلوح. كركوك خريطة انقسامات قبل أن تكون خريطة سكن وعيش وإقامة وحقول نفط. انقسام عربي – كردي، وشيعي – سني، وتركماني – كردستاني، وانقسام محليين ومستوطنين. تنظيم «القاعدة» وجد له في المدينة والمحافظة موطئ قدم، و «داعش» وجد لاحقاً ذلك. الحشد الشعبي الشيعي بنى نفوذاً في أوساط التركمان الشيعة، وبين المستوطنين الذين كان صدام حسين قد أتى بهم من جنوب العراق أثناء مساعيه لتعريب المدينة. الأكراد طبعاً يعتبرون كركوك قدسهم، وللجيش التركي قاعدة عسكرية هناك وظيفتها حماية «مصالح» أنقرة وتركمانها.

كل هذه التناقضات لم تكف يوماً عن الاشتغال منذ ســـاعة الســـقوط الأولى، وعليك لكي تستوعب ما حصل في كركوك هذا الأسبوع أن تستعرض شريط الانقسامات هذا، لا بل أن تضيف إليه مزيداً من المشاهد. فقد أضيفت إلى خطوط الانقسام مصالح دول الجوار. أنقرة لا تريد كركوك في إقليم كردستان، وطهران تريدها جزءاً من دولة العراق الشيعية. التقت مصلحتا العاصمتين عند الرغبة في تأديب الأكراد، لكن المصلحتين لن تلبثا أن تفترقا عند خط الانقسام الشيعي – السني. الموقع الأميركي أيضاً لا يقل غرابة. واشنطن باشرت حملة هائلة على طهران، لكنها في كركوك غير بعيدة من الموقع الإيراني. النزاع سابق على كركوك ولن يكف عن الاشتغال بعدها. ما حصل في المدينة هذا الأسبوع ليس أكثر من محطة تفاهم طفيف ستُستأنف بعده الحروب.

من الصعب على المرء أن يضع هذه الخريطة أمامه ليحاول أن يتوقع شكل الحرب المقبلة. الأكيد أن حروباً تلوح في محيط المدينة، وأنها لن تنجو من مصير الموصل. فلا سابقة انتصار مديد في المنطقة، وهزيمة الأكراد ليست نهائية والصراع بين واشنطن وطهران سيبحث عن أدواته المحلية، ناهيك بأن مسعود بارزاني سيجد منفذاً إلى أنقرة. هذه توقعات قد تطيحها انفجارات متوقعة في العلاقات الكردية – الكردية، أو انزياح في الموقع التركي بدأت ملامح منه تظهر في سورية، لكن ذلك سيأتي أيضاً في سياق إنتاج مزيد من التناقضات المؤسسة لحروب جديدة.

في مشهد كركوك اليوم خطأ لا يمكن مراقباً تجاوزه. ما حصل في المدينة هذا الأسبوع عزز اختلالاً في فكرة عراق ما بعد صدام حسين. هزيمة هائلة للأكراد في المدينة، وليس بعيداً منها، أي في الموصل، هزيمة هائلة للعرب السنّة. هزيمتان بهذا الحجم في منطقة لا قواعد اجتماعية ومذهبية فيها للمنتصرين. فقط لحظة التقاء مصالح غير عراقية وفرت شروط النصر الشيعي والهزيمة الكردية والسنّية. وهذه اللحظة عرضة للتبدد والانقضاء في أقرب فرصة، ستعيد بعدها كركوك، والموصل أيضاً، رسم خريطة نفوذ مختلفة ومعمدة بدماء جديدة.

ليس هذا مجرد توقع، فالخلل الذي ولد من خلل لا أحد يُنكره، واقتصار المعالجة على قرار انسحاب الحشد الشعبي وتسليم المدينة إلى الجيش الاتحادي تكشف مدى انعدام القدرة على استباق الحروب.

كشف الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان هشاشة الوضع الداخلي الكردي، وأن الأكراد أيضاً فشلوا في إنتاج تجربة مختلفة عن تجارب الجوار، لكنه كشف أيضاً أن ثمن وحدة العراق أكبر بكثير من ثمن تقسيمه، وأن معظم الجماعات لا ترغب في أن تعيش مع بعضها بعضاً. ليس هذا جديداً على الأرجح، لكن دائماً وجد من يفرض «الوحدة» من خارج هذه الرغبات. صدام فعلها بالدماء وبالسلاح الكيماوي، وها هو قاسم سليماني يكرر الفعلة. لكن للفارق الزمني بين الوحدتين دوراً في تقصير عمر الوحدة بصيغتها الإيرانية. لقد صار عمر الخطأ أقصر، لكن ما يعقب هذا الانقضاء لن يكون صواباً بالضرورة.

الحياة

 

 

 

 

 

الرقّة ورهانات القومية الكردية/ حسن شامي

هل يشكّل سقوط مدينة الرقة حدثاً مفصلياً كما تقول وسائل الإعلام الغربية خصوصاً؟ الجواب عن هذا السؤال الكبير ليس سهلاً بطبيعة الحال إلّا في عرف المقتنعين مسبقاً بالصوابية المطلقة لنظرتهم ومعتقدهم. وإذا وضعنا خريطة الأجوبة المحتملة بموازاة خريطة الاصطفافات الأهلية المحلية والإقليمية والدولية، المتقلّبة على جمر النار، فلن يكون غريباً أن تأتي الخريطة في صورة متاهة مصحوبة بلغط كبير. لدينا فعلاً لغط عصبيات متولّدة من رحم اجتياحات خارجية وتسلّطات قوى داخلية متعطشة للثأر والتعويض عن مظلومية سابقة أو راهنة أو مقدّرة، وكلها تعد بنزاعات أهلية مفتوحة تتغذى من نفسها. لدينا أيضاً متاهة ناجمة في الواقع عن عملية خلط أوراق بعضها ظرفي يستند إلى تبدلات الجغرافيا البشرية والسكانية وبعضها يستنهض تاريخية أكثر إيغالاً في الزمن.

سقوط الرقة في أيدي قوات سورية الديموقراطية ذات الغالبية الكردية والمدعومة من الولايات المتحدة الأميركية يندرج في سياق سباق محموم على احتلال المساحات التي استولى عليها تنظيم الدولة بطريقة غامضة. هناك بعد رمزي في سقوط الرقة باعتباره تتويجاً لمسار حافل بالمناورات والمفاوضات والتفاهمات المباشرة وغير المباشرة، وهو مسار بدأ قبل عامين تقريباً. وليس هناك معنى كبير للجدل حول تعيين بداية النهاية، هل هي في سقوط مدينة الموصل المعتبرة معقل داعش بعد أن استولى عليها بطريقة غير مسبوقة تشبه الخطف، أم في سقوط حلب الشرقية قبل ذلك في يد القوات النظامية السورية المدعومة من الحليفين الروسي والإيراني، وها هي مدينة دير الزور تسقط قبل أيام في يد قوات النظام ذاته، فيما دخلت القوات التركية إلى مدينة إدلب ضمن خطة ما يعرف بتخفيض التوتر؟

ما ينبغي أن يستوقفنا في هذه المعمعة هو موقع المدن في لعبة الاستيلاء على السلطة وتثبيت الدولة الناشئة. يمكننا أن نجزم بأن كل المراقبين لم يعتبروا تحرير الأرياف والبوادي من داعش وما يناظره حدثاً يستحق الانتباه. ولا يحتاج العارف بتاريخ الشعوب العربية والإسلامية إلى الكثير من التبحّر كي يدرك أن من يأخذ المدينة، أو يبني مدينة كما هي حال العباسيين مع بغداد والفاطميين مع القاهرة والأمويين في الأندلس، يسعه أن يأخذ السلطة وأن ينشئ سلالة حاكمة حتى إشعار آخر. وعليه نرجح أن سقوط الرقة يرتسم في مخيلة الداعشيين كما لو انه سقوط بغداد في يد المغول في القرن الثالث عشر. صورة المدينة وقوامها الديموغرافي تبدلا كثيراً منذ الاحتكاك بأوروبا ونشوء أحياء مدينية جديدة على الطراز الغربي راحت تجتذب أصحاب المكانة والثروة والسلطة، فيما راحت تقاليد المدينة الأصلية القائمة على الجوار والقرابة والفتوة تنتقل إلى الوافدين الجدد من الأرياف القريبة أو البعيدة. يحصل هذا في عالم باتت فيه المدن، وفق سيرورة خاصة بكل بلد، تضم أكثر من نصف السكان. في هذا المعنى، كان «داعش» وأشباهه يتغذون من مخيلة إسلامية قروسطية، فيما المعطيات تستدعي ترجمة الظواهر بلغة الأزمنة الحديثة.

ينطوي سقوط الرقة على شيء من هذا القبيل. الحدث مفصلي في الإعلام الغربي لأنه يعلن بوضوح نهاية التنظيم الذي حارب الجميع بما في ذلك الدول الكبرى والوسطى التي عولت على استخدامه كمادة محدودة الصلاحية للتموضع المديد في النزاعات المرشحة للتناسل. سيظل هناك مقدار من الغموض حول الحصار والقصف وحول عدد الضحايا المدنيين في الرقة وحول مصير مئات الجهاديين الأجانب المعتقلين. هناك تصريح لافت لوزيرة الجيوش الفرنسية مرّ مرور الكرام، إذ دعت إلى القضاء على أكبر عدد ممكن من جهاديي داعش. وهذه إشارة إلى مخاوف أوروبية من عودة الجهاديين إلى بلدانهم الأوروبية الأصلية واحتمال إقدامهم على ارتكاب اعتداءات ومجازر من الطراز الذي شهدته مدن أوروبية عدة. أما وجه ترجمة البزوغ السياسي للجماعات في لغة ورطانة الأزمنة الحديثة فهو يتعلق بصعود المسألة الكردية وتقديم نفسها بلغة القوميات الحديثة وتغليب الانتماء العرقي أو الإثني على وجوه الانتماء الأخرى. وينبغي أن نلاحظ ههنا أن تزايد الوزن المحتمل للقوة الكردية في سورية بعد تحرير الرقة ترافق مع تراجع لنظيرتها في مدينة كركوك المختلطة والمتنوعة عرقياً ولغوياً وثقافياً. الصراع على كركوك بين حكومة بغداد المركزية، إضافة إلى قوى أخرى عربية وغير عربية، وبين القوى الكردية الطامحة إلى توسيع الإقليم لم يكن سراً يحتاج إلى الكشف.

سقوط الرقة يؤذن من ناحية بالخلاص من حكم داعش، لكنه يشي من ناحية أخرى بنوع من «البلقنة» للبلد السوري الذي بات رقعة شطرنج يتلاعب ببيادقها لاعبون من كل الأحجام. وهذه البلقنة، خصوصاً بعد التمدد التركي في إدلب للحيلولة دون ارتسام شريط ترابي متصل يسيطر عليه الأكراد، من شأنها أن تعقد الأمور أمام الطموح السياسي الكردي وأن ترسم حدوداً لهذا الطموح. والحق أن الإقرار بوجود مسألة كردية ينبغي التعامل معها بطريقة عقلانية وراشدة تتفهم المظلومية الكردية من سياسات قومجية، تركية وعربية وإيرانية، لا يعني بالضرورة الموافقة على كل ما يصدر عن هذا الطرف الكردي أو ذاك. إذا كان الحفاظ على مسافة نقدية حيال كل الإيديولوجيات القومية، وفي مقدمها القومية العربية، أمراً ضرورياً فليس هناك ما يبرر الكيل بمكيال آخر مع النزعة القومية الكردية.

ففي واجهة النزعة القومية الكردية نلحظ قدراً لا يستهان به من استلهام الأتاتوركية وإسقاطها على الحالة الكردية. وهذا ليس شيئاً يفرح القلب بالنظر إلى سلبيات التجربة الكمالية وارتجالها بعنف لهوية قومية جارفة مقطوعة الصلة بالإرث التاريخي للدولة والمجتمع العثمانيين. وينطبق هذا أيضاً على الطابع الارتجالي للعروبة السياسية ذات الرطانة القومية والتحريض البريطاني قبيل الحرب العالمية الأولى وغداتها. ولسنا سذجاً كي نصدق أن تقديم صورة استعراضية عن سلوك حداثي يتراسل مع النمط الغربي ومشاركة النساء فيه بالتساوي مع الرجال يلخص واقع المجتمع الكردي وتوزع أمزجته الثقافية والاجتماعية بين المدن والجبال والسهول. هناك روابط تاريخية عميقة، وفي مقدمها العلاقة مع الإسلام ومع اللغة العربية كإرث حضاري وتاريخي، هو ملك للجميع ولكل من ساهم في إنتاج ثقافة معرفية عالية بالعربية أياً كان أصله وفصله.

الحياة

 

 

ثمن ” الخيانة الكردية “/ سمير صالحة

انجزت قوات البشمركة الكردية انسحابها من قضاء خانقين على الحدود بين العراق وإيران؛ لصالح تقدم القوات الاتحادية العراقية من دون اية مقاومة مسلحة تذكر . وبسطت  مجموعة أيزيدية عراقية تابعة لقوات الحشد الشعبي سيطرتها الكاملة على مدينة سنجار الواقعة شمال غربي العراق بالتنسيق مع القوات العراقية النظامية التي تواصل عمليات تطهير شوارع كركوك من اعلام الاقليم الكردستاني بعد انسحاب المجموعات الكردية من المدينة التي صوت غالبية سكانها لصالح الانفصال عن العراق والالتحاق بالدولة الكردية .

قراءة قد تكون عادية لخبر يومي في الاعلام العراقي والتركي والايراني مثلا ، لكن ارتدادات ما جرى في شمال العراق وجواره في الايام الاخيرة ستكون بدايتها مع اشعال فتيل نقاشات حزبية وسياسية كردية داخل العراق وخارجه وستصل خاتمتها الى فتح الأبواب أمام تحولات سياسية وعسكرية وجغرافية واسعة ابسطها حتمية تغيير خريطة التحالفات وتقاسم النفوذ والسيطرة على الجغرافيا العراقية ببعدها الداخلي والخارجي .

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي شكر قوات البشمركة التي تعاونت مع بغداد في انجاز المهمة والرئيس العراقي نفسه سيكون عرضة للمساءلة في المخطط الذي تلاعب بقلوب وعقول الملايين من الاكراد الذين قصدوا صباح 25 ايلول / سبتمبر الماضي صناديق الاستفتاء لا يعرفون الكثير عن الجهات التي مولت التجهيز والتجييش والتعبئة فيها لينتهي الامر عند ما قاله العبادي لهم “ان الاستفتاء انتهى واصبح من الماضي”.

هزيمة كركوك التي ستدخل التاريخ الكردي المعاصر وارشيف الحزب الديمقراطي الكردي التابع لمسعود البارزاني على أنها طعنة في الظهر و” خيانة الاخوة ” ، سيقابلها في الجانب الكردي الاخر المحسوب على حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني التابع لاسرة طالباني تبريرات غير مقنعة حول  ” انهاء تسلط اربيل على مقدرات النفط والتفرد بالقرار السياسي هناك ” .

لاهور شيخ جنكي، رئيس جهاز مكافحة الإرهاب، وابن أخ جلال طالباني يقول ” إذا كانت لبارزاني ذرة غيرة لأعلن استقالته من رئاسة الإقليم فهو يحارب من أجل النفط ونحن من أجل الوطن ” لكن الذي تعرفه قيادات السليمانية أيضا انها لن تنجو من دفع الثمن هي الاخرى مهما حاولت رمي الكرة في ملعب البارزاني الذي فقد بفقدان كركوك 80 في المائة من موارد الاقليم النفطية . ليس من اللائق أن يستيقظ أبناء كردستان العراق الذين دعموا قرار الاستفتاء وفرحوا لفرصة رؤية دولتهم المستقلة من الحلم وقد حوله البعض الى كابوس بهذه السرعة وعلى هذا النحو .

البارزاني هو الذي جلب الدب الى كرمه عندما قال ” كركوك مدينة كردستانية، هويتها كردستانية وأي قوة تفكر في أن تستردها بالقوة سيواجهها كل شعب كردستان المستعد للموت إلى آخر شخص للدفاع عنها ” . وها هو اليوم يصف ما حدث في كركوك بنتيجة لقرار انفرادي اتخذه بعض الأفراد التابعين لجهة سياسية داخلية في كردستان، انتهت إلى انسحاب قوات البيشمركة بالشكل والطريقة اللذين رآهما الجميع.  قيادات وكوادر حزبه هو لا بد أن تسأله عن اسباب عدم المقاومة حتى ولو كانت المعركة خاسرة ومكلفة وبعد كل هذه التعبئة الشعبية والسياسية في معركة الاستفتاء ؟ الثمن سيكون باهظا والانهيارات الحزبية ستبدأ في اربيل عاجلا أم اجلا .

بغداد ستستفيد حتما من المواجهة السياسية والحزبية المرتقبة بين الحزبين الكرديين الرئيسيين في الاقليم مع تزايد عدد الاصوات في صفوف قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني التي تدعو للتخلي عن اتفاق سنة 2000 بشأن توحيد الإدارتين المدنيتين في السليمانية وأربيل، والعودة إلى صيغة الإدارتين المنفصلتين. لكن اكثر من سيناقش المسألة سيكون كبار المنظرين الماركسيين في حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل وابنه المدلل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري في الحلقات الفكرية والمدارس العقائدية التي ارتفع عددها في القامشلي وكوباني . الهدف طبعا هو تحميل رموز العشائر الكردية في اسرتي البارزاني والطالباني المسؤولية الكاملة عن هذه المهزلة . المواجهات الحزبية والفكرية قد تكون بين الحزبين الكرديين الرئيسيين في اقليم كردستان العراق ، لكن المواجهة العسكرية والميدانية الحقيقية ستكون عبر تحرك مجموعات قتالية كردية في سوريا وتركيا لسحب البساط من تحت قدمي اربيل والسليمانية . لن يستغرب احدا اذا ما زاد عدد انصار المقاومة المسلحة الكردية في شمالي العراق وسوريا وارتفعت اصوات جديدة تطالب باستراتيجية تحرك ونضال كردي جديدة ونقل مركز القيادة الى مكان اخر غير اقليم العراق .

البارزاني الذي كان يتحدث عن ” حدود الدم ” التي رسمت باللون الاحمر بعد تحريرها من تنظيم داعش بالتعاون والتنسيق مع الحليف الاميركي يحدثنا هذه المرة عن تبني حدود عام 2016 لكن الحقيقة هي غير ذلك كليا . بغداد مثلا تتحدث عن الحدود التي رسمت باللون الاخضر عام 2005 لكن اصواتاً عراقية كثيرة تطالب بفتح ملف عودة الشرعية المركزية الى ما قبل حدود عام 2003 اي ما قبل حدود الدستور العراقي نفسه المعلنة عام 2005 .

في البعد الاقليمي لارتدادات ما جرى تبرز حقيقة الانتصار الايراني سياسيا وعسكريا واقتصاديا وتوغل وتمركز طهران اكثر فاكثر في الملف العراقي . هل هي خدعة اميركية اعدها اعوان ترامب لايران من اجل ايقاعها في الفخ العراقي ام هي حقيقة جديدة في المشهد العراقي أن نرى بافل الطالباني نجل زعيم الاتحاد الوطني الكوردستاني الراحل، وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني امام طاولة مساومات تفتح الطريق على وسعها امام ايران داخل شمال العراق على هذا النحو .

هل اميركا هي التي نصحت اربيل بعدم الدخول في مواجهات عسكرية مع القوات الاتحادية ؟ ولم تصغ اربيل لواشنطن هذه المرة بعدما لم تصغ لها في موضوع التراجع عن قرار الاستفتاء ؟ طبخة ما تعد من المبكر الحديث عن طباخيها والمكان الذي تعد فيه وطريقة اعدادها وتقديمها للذواقة .

الثمن الذي قد تدفعه ايران ولن يكون من جيبها حتما التضحية بتحالفات اقليمية كثيرة بنتها في سوريا والعراق واليمن مقابل الجلوس الى طاولة مفاوضات اميركية او ان يكون العكس هو الصحيح واشنطن ستساوم لكنها لن تقبل بايران شريكا اقليميا لها على حساب تحالفاتها العربية والغربية .

الادارة الاميركية تريد محاصرة السياسة الايرانية الاقليمية فهل البارزاني ونجل طالباني هما اول من سيدفع ثمن ذلك ؟

من الذي سيكون الضحية التالية في المشروع الاميركي اذا ما كان موجودا حقا ؟

انقرة التي تتصلب وتتشدد في معارضتها للسياسة الاميركية الاقليمية ربما ؟

أنقرة تضع في مقدمة أهدافها إفشال قرار الاستفتاء الكردي، لكن ما يهمها أكثر هو تعطيل ما سيتلوه من  تطورات تطال مصالحها في العراق وسوريا وضمانة وضع التركمان في كركوك، وحاجتها للسوق العراقية النفطية . لكنها متخوفة من مفاجأة اخر لحظة ايرانية اميركية او اميركية روسية وتكون هي ضحية تقارب اميركي ايراني في العراق وتقارب اميركي روسي في سوريا وتخرج تركيا من العرس بلا قرص . فهل اكتشفت انقرة المخطط لذلك نراها تغازل طهران وبغداد ودمشق وموسكو وتعلن استعدادها للانفتاح على واشنطن واوروبا دفعة واحدة ؟

المدن

 

 

مصيبة الشعب الكردي/ جلبير الأشقر

غداة ما أسميناه استفتاء «الاستقلال الوهمي» الذي نظّمه مسعود البارزاني يوم 25 أيلول/سبتمبر في إقليم كردستان العراق كما في المناطق التي درجت تسميتها «المتنازع عليها»، جاء هذا المقال الأسبوعي بعنوان: «انتهت السكرة وبدأت الفكرة». وقد باتت الآن الحصيلة فاقعة أمام أعين الجميع، تؤكد أن المناورة السياسية التي قام بها رئيس الإقليم مدغدغاً مشاعر الشعب الكردي القومية المشروعة، إنما انقلبت ضرراً جسيماً على القضية الكردية وعلى أفق الاستقلال الكردي بعينه.

وقد حمل التقرير الذي نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» يوم أمس عنواناً بليغاً أعلن أن «أحلام الاستقلال الكردي تحطمت عندما دخلت الدبابات العراقية كركوك». واستشهد التقرير بباحث كردي يقول «فقدَ الكرد كركوك إلى الأبد»، مضيفاً «لم نعد فقط إلى حدود ما قبل 2014، بل نحن في طريق العودة إلى حدود ما قبل 2003». وهو يقصد أن السلطات الكردية في طريقها ليس فقط إلى فقدان «المناطق المتنازع عليها» التي استولت عليها قوات البيشمركه قبل ثلاث سنوات وهي تتصدّى لاقتحام الأراضي العراقية من قِبَل تنظيم داعش وتنتهز فرصة انهيار الجيش العراقي هلعاً أمام ذلك الاقتحام، بل أن السلطات الكردية في طريقها إلى فقدان ما أحرزته من تقدم ومكاسب في ظلّ الاحتلال الأمريكي.

والمعروف أن كردستان العراق التي ازدهرت تحت حماية أمريكية/تركية بعد الحرب الأمريكية الأولى على العراق سنة 1991 والتي تمكّنت من تعزيز قدراتها العسكرية تحت إشراف أمريكي طوال السنوات السابقة لاحتلال عام 2003، كانت قد نعمت بمعاملة مميّزة في ظلّه بحيث جمعت بين التمتّع باستقلال فعلي في الشؤون الرئيسية والتمتّع بفوائد الانتماء إلى دولة عراقية تحت وصاية أمريكية. وعلاوة على ذلك، كانت تستفيد من علاقات طيبة مع جارتيها الإيرانية والتركية من خلال العلاقات التي نسجها كل من الطرفين الكرديين الرئيسيين مع كل من الدولتين: جماعة بارزاني (الحزب الديمقراطي) مع تركيا وجماعة طالباني (الاتحاد الوطني) مع إيران.

وبعد خروج القوات الأمريكية من العراق في آخر عام 2011، تاركة وراءها بلداً خاضعاً لنفوذٍ إيراني لم يَنِ يتصاعد منذ ذلك الحين حتى بات العراق أشبه بولاية إيرانية يدير شؤونها وكيل لطهران اسمه نوري المالكي، جاءت غزوة «أبو بكر البغدادي» في صيف 2014 لتقدّم فرصة جليلة لواشنطن وللقوات الكردية. فقد انتهزت واشنطن فرصة احتياج الدولة العراقية لدعمها الجوّي ولمعونتها في إعادة تسليح جيشها المركزي، انتهزت تلك الفرصة لتصرّ على استقالة المالكي الذي حلّ محلّه حيدر العبادي.

ومن جهتها، انتهزت القوات الكردية فرصة الانهيار عينه لتوسيع انتشارها، لا سيما في مدينة كركوك ذات القيمة الرمزية العالية بالنسبة للكرد وفي محافظتها الغنية بالنفط.

وإزاء تحريك الطرفين الأمريكي والكردي أحجارهما على رقعة الشطرنج العراقية بما بدا بمثابة «كش ملك» لإيران، قامت طهران بتحريك مضاد لأحجارها لتدارك الأمر. فانتهزت بدورها فرصة محاربة عصابات داعش كي تصّعد وصايتها على العراق بشكل خطير من خلال تطويرها للقوات الطائفية التابعة لها، وأغلبها منضو تحت لواء «الحشد الشعبي»، وكذلك تدخّل رجالها السافر على أراضي جارتها. هذه السنوات ذاتها شهدت انتقال رجب طيّب أردوغان إلى إشعال الحرب على الحركة الكردية في تركيا بعد سنوات عديدة من الهدنة والتقدّم في صيغة التعايش، مستغلاً العصبية القومية التركية في وجه تراجع انتخابي ساهمت فيه الحركة الكردية بصورة بارزة، بينما كان نجم حليفتها في سوريا يتصاعد، مستفيدة هي الأخرى من الفرصة التي قدّمها أبو بكر البغدادي.

ولمّا أشرفت عصابات داعش على الاندحار بصورة كاملة واقترب موعد التفاوض على «المناطق المتنازع عليها» مع سلطة بغداد، ظنّ البارزاني أنه يستطيع إصابة هدفين بحجر الاستفتاء الواحد: تعزيز سيطرة الإقليم على المناطق المذكورة، ولا سيما كركوك، وتعزيز فرصته بالفوز بالانتخابات التي كان إجراؤها في إقليم كردستان العراق مزمعاً بعد شهرين (ومن المرجّح أن تؤجّل الآن). أو ربّما حسبَ بصورة مكيافيلية أن منافسيه الطالبانيين سوف يتحمّلون مسؤولية خسارة كركوك، حيث أنهم المشرفون على الانتشار الكردي فيها، بما يعزّز غايته في ضمان حكمه للإقليم. وأياً كان حساب مسعود بارزاني، فقد جاءت نتيجته كارثية عليه وعلى الشعب الكردي.

فلم تصطدم مناورته برفض بغداد وطهران وحسب، بل أدّت إلى قطع الجسور بينه وأنقرة، التي كانت ترعاه حتى قراره إجراء الاستفتاء، كما وإلى تنصّل واشنطن منه وتأييدها لاستعادة السلطة العراقية المركزية سيطرتها على المناطق التي خسرتها من جرّاء الغزوة الداعشية. لا بل انسحبت القوات التابعة لجماعة الطالباني أمام تقدم قوات بغداد الرسمية ومعها القوات الطائفية، ملقية اللوم على بارزاني. وقد بدأ تبادل التهم بين الطرفيين الكرديين بما يُنذر بتجدد القتال بينهما مثلما حصل في التسعينيات، عندما انتهى بارزاني إلى الاستنجاد بقوات صدّام حسين نفسه! وهذه المرّة وبينما ستتلقّى جماعة طالباني دعماً من طهران وبغداد، لن يجد بارزاني من ينقذه وقد دعت أنقرة بغداد إلى استلام نقاط الحدود بين تركيا وإقليم كردستان.

إن مصيبة الشعب الكري التاريخية أن قياداته بدل التعويل على استراتيجية طويلة المدى تقوم على كسب دعم الشعوب الثلاثة المحيطة بكردستان، العربي (العراقي والسوري) والإيراني والتركي، إنما راهنت دائماً على هذا أو ذاك من الحكام المستبدّين بهذه الشعوب والمساهمين جميعاً في اضطهاد الأمة الكردية. وقد دفع الشعب الكردي ثمناً باهظاً في كل مرة وسوف تستمر هذه المأساة طالما لم يفرز قيادات مختلفة نوعياً عمّا عرف حتى اليوم.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

 

 

 

 

هزيمة ساحقة في معركةٍ لم تحدث/ عيسى الشعيبي

لعل المعركة التي لم تقع في كركوك، وفق ما كان مرجحاً من قبل، وفاضت نتائجها على إقليم كردستان وجواره الإقليمي بسرعة البرق، هي النقطة الفاصلة التي سيتم تدوينها في تاريخ الحركة الكردية المتعثرة، أباً عن جد، على أنها المعركة التي فتحت قبراً عميقا آخر، لحلم أمة امتلكت كامل استحقاقات الدولة المستقلة بلا أي نقصان، وسعت نحوه من دون كلل أو ملل، إلا أنها وقعت ضحية أبدية لجغرافيا ثلاث قوميات مفترسة، رأت في هذا المكون القومي المظلوم خطراً مشتركاً لها، ينبغي محاربته كلما رفع رأسه، أو نهض من بين كتب التاريخ مطالباً بحق تقرير المصير، أسوة بغيره من أمم وشعوب هذه المنطقة المسكونة بكل أشكال التعصب، بما في ذلك التعصب العرقي على وجه التحديد.

وفيما يمكن للأكراد تعليل أنفسهم بظلم الأقدار، وسوء الطالع، وعبثية المصادفات التاريخية، في كل مرة فشلت فيها ريحهم في السابق، وتقوّضت معها أعز أمانيهم، وهم على عتبة الاستقلال، إلا أنهم لن يلوموا، هذه المرة، أحداً من الخصوم والأعداء، على تعدّدهم وشدة تعصبهم، بالقدر الذي سيلومون فيه أنفسهم، جراء انقسامهم، وانفراط عقدهم، في اللحظة التي كانوا فيها أشد ما يكون عليه شعب محاصر حاجة إلى إظهار وحدة الصف، واتحاد الكلمة، لا سيما وأن المتربصين بهم في الخارج كانوا أشد وضوحاً مما كانوا عليه في أي وقت مضى، وأكثر استعداداً وتماسكاً، للانقضاض على تطلعات شعب إقليم كردستان، في المرحلة التي بدت فيها كل منجزاتهم ومكاسبهم المتحققة على مدى ربع قرن عرضة للتبدد والانهيار.

وكان يمكن لأكراد كردستان أن يطلقوا صرخة مدوية “يا وحدنا”، عندما تخلى عنهم الحلفاء والأصدقاء، واتضحت لديهم قتامة المشهد الإقليمي المتلاحم ضدهم بلا شرط ولا قيد، على

“بدت كركوك بمثابة لحد جديد في مقبرة الأحلام الكردية الواسعة” الرغم من كل ما يكتنفه من تناقضات في المصالح والأهواء، وكان لهم أيضاً أن يعتصموا بالصبر قائلين؛ لا حليف نشد به الأزر غير هذه الجبال التي من بين تضاريسها القاسية ظلوا يربون حلمهم بالاستقلال، ويدفعون به إلى الأمام كلما وفرت التقلبات السياسية لهم فرصة سانحةً للتقدم خطوة واحدة، أو أكثر قليلاً، على هذه الطريق الغاص بالآمال والآلام، لولا أن الطعنة النجلاء أتت، هذه المرة، من داخل البيت الكردي، وانغرزت في الخاصرة الرخوة على يد الشقيق، في مشهدٍ تراجيدي، لا نظير له سوى في الأساطير.

إذن، ليست لعنة الجغرافيا، ولا الأقدار العمياء هي التي تنكرت للأكراد في هذا المفصل التاريخي الحرج، وناصبتهم العداء في اللحظة الكردية الفارقة التي كانوا فيها أقرب من ذي قبل، وأقدر مما كانوا عليه في أي وقت مضى، من نيل هدفهم القومي العنيد. وأيضاً ليس الخذلان وحده من الحليف الأميركي، راعي الإقليم شبه المستقل، هو صاحب القسط الأكبر في تحمل المسؤولية عن هذا الإخفاق، ولا كذلك سوء الخيارات، وهشاشة الرهانات، وضحالة القدرة على قراءة المتغيرات، هي التي تضافرت معاً لتصنع هذا الفشل المدوي على رؤوس الأشهاد، لا سيما وأن الضربة المميتة الغادرة لم تأت بيد عمرو، بل جاءت من حيث لم يتحسّب لها أحد، ووقعت، بيد الكردي نفسه، على مؤخرة الرأس الكردي ذاته من دون سابق إنذار.

ذلك أن واقعة كركوك التي لن تسقط من الذاكرة الكردية المفعمة بالجراح والأحزان، لم تؤد فقط إلى تأخير تحقق الحلم القومي إلى أجل غير معلوم، ولم تضعف المكون المعتد بنفسه وبأسلحته وقوة شكيمته فحسب، إن لم نقل همشته إلى أبعد حد، وإنما ضربت الصورة الكردية في الصميم، وكشفت ضعف بنيتها التكوينية على طول الخط المستقيم، وهي الصورة التي اكتسبت مضاءها في المعركة الطويلة ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وبدت كرأس حربة ناجعة ضد الإرهاب، الأمر الذي استحقت عليها ثناء الغرب عموماً، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك بعد أن انسحبت قوات البشمركة من المدينة المماثلة لعراق صغير، من غير أن تطلق رصاصة واحدة في الهواء.

ولم تتوقف متوالية الخسائر الكردية عند هذا الحد المروع من الانهيار المفاجئ، أو تراوح عند

“لم تتوقف متوالية الخسائر الكردية عند هذا الحد المروع من الانهيار المفاجئ” إضاعة فرصة بدت سانحة لتفعيل الاستفتاء، في صورة خطواتٍ صغيرة ومتدرجة على طريق الاستقلال الطويل، وإنما تجلت الخسارة الأكبر في هذا الانقسام المروع على الذات، وفي تبدل التحالفات وتبادل الاتهامات البينية، بما في ذلك تهمة الخيانة العظمى، بين الجناحين المنوط بهما التحليق في أعالي السماء، وتحويل الحلم الكردي العصي إلى واقع ملموس، وهو ما فتح الباب واسعاً أمام احتمالات اندلاع حرب داخلية، قد تكون أشد وطأة مما سبق أن شهده الإقليم ذو الحكم الذاتي في تسعينيات القرن الماضي، حين سالت دماء كردية غزيرة على مذبح المنافسات والاتهامات التي لم تكن بينها تهمة الخيانة العظمى، ثقيلة السمع على العقل والوجدان.

بكلام آخر، بدت كركوك بمثابة لحد جديد في مقبرة الأحلام الكردية الواسعة، حيث تحققت هزيمة ساحقة، وترتبت نتائج وخيمة، إثر معركة لم تخضها القوات التي كانت تقول إن حدود الإقليم تصل إلى المكان الذي تصل إليه أقدام البشمركة، وإن خطوطها النهائية ترسم بالدم، الأمر الذي أوجد مفارقة هائلة بين الأقوال والأفعال لدى قيادة استثمرت جيداً في لحظة ضعف المركز في بغداد، وبالغت كثيراً في إظهار بأسها، الذي لم يختبر في الآونة الأخيرة، إلا بعد أن كانت تطير القاذفات الحربية الأميركية، وتمهد الأرض تماماً، كي يتقدم الأكراد في ظروف معركة مثالية، محققين انتصارات سهلة، على العدو المشترك لكل قوى الأرض، ونعني به تنظيم الدولة الإسلامية.

على الأرجح، لن تتوقف تداعيات هذه الهزيمة المنكرة عند حدود خسارة كركوك “قدس كردستان” والنفط (نصف مليون برميل يومياً) والأرض “المتنازع عليها”، والمنافذ والمعابر الحدودية (مع كل من تركيا وإيران) ناهيك عن ابتعاد الحلم بالاستقلال، والانقسام الداخلي في أكثر أزمنة الكرد استحقاقاً للوحدة في وجه أخطار مصيرية، لا سابق لها بهذه الحدة وهذا الاحتدام، إذ على القيادة السياسية في أربيل أن تدفع ثمن هذه المقاربات الطائشة، قصر الزمن أم طال، وأن تقدم اعتذارها المشفوع بالتنحي عن سدة الحكم المتزعزع بشدة، للذين غرّرت بهم قياماً قعوداً، وأوهمتهم بأنها أحسنت توقيت عملية الاستفتاء، فإذا بها تودي بكل ما تم إنجازه تحت ظلال الحظر الجوي الأميركي عام 1991، وفي خضم غزو العراق عام 2003، ثم إبّان الحرب على الإرهاب بعد العام 2014.

العربي الجديد

 

 

 

 

بغداد والأكراد: أوهام النصر والهزيمة/ الياس حرفوش

أزمة العلاقة بين الأكراد والحكومة المركزية في بغداد ليست جديدة ولا هي فريدة من نوعها. إنها أزمة تواجه عدداً من الدول التي يحكمها نظام اتحادي (فدرالي) كما هو حال العراق، في تعاطي المركز مع مختلف مقاطعاته أو حكوماته المحلية. وفي السنوات الأخيرة، أخذنا نشهد تصدعاً متزايداً في علاقة المركز بالأطراف، حتى في دول معروفة بعراقتها الديموقراطية وبتعاطيها السلس مع «أطرافها». من الأمثلة على ذلك ما حصل في اسكتلندا التي اختارت البقاء ضمن المملكة المتحدة، وما نشهده حالياً من صراع بين مدريد وبرشلونة حول حق إقليم كاتالونيا في الانفصال عن المملكة الإسبانية. حتى مدينة البندقية، إحدى تحف إيطاليا السياحية والمعمارية، تبحث عن سبيل للفكاك من «هيمنة» روما. كل ذلك على رغم أن حقوق القوميات المختلفة في هذه الدول مضمونة ومعترف بها أكثر مما هو حال الأكراد في العراق أو في المنطقة العربية في شكل عام.

لا جديد إذاً في سعي الاكراد الى اثبات هويتهم العرقية الخاصة من خلال مشروع سياسي مستقل. ومن المبالغة القول إن هذا المشروع قد هُزم بعد «استعادة» مدينة كركوك من قبل قوات الحكومة الاتحادية. فكركوك أساساً ليست مدينة ذات اكثرية كردية ليقال إن الأكراد «هُزموا» فيها. كما أن دخول «البيشميركة» إلى كركوك سنة 2014 حماها من سيطرة تنظيم «داعش»، عندما انسحب الجيش العراقي من وجه التنظيم الإرهابي، كما فعل في الموصل، التي انتهت مدمّرة ثمناً لإعادتها إلى حظيرة العراق.

فوق ذلك، سوف تعزز «استعادة» كركوك، بالطريقة التي تمت بها، مشاعر عدم انتماء الأكراد إلى العراق، خصوصاً في ظل مظاهر الاحتفال التي سادت، والتي غلبت عليها أعلام ايران وشعارات «الحشد الشعبي»، على رغم مساعي رئيس حكومة العراق حيدر العبادي إعطاء الاحتفالات طابعاً وطنياً، ومساعيه إلى تطمين الأكراد إلى حرص «وطنهم» عليهم. وكانت لافتة دعوة المرجع الشيعي السيد علي السيستاني، إلى ضرورة توفير الأمن للأكراد، بعدما أخذ عشرات الآلاف من أبناء كركوك الكرد يهجرون مدينتهم.

قد يصح اعتبار سيطرة الجيش العراقي بدعم من فصائل «الحشد الشعبي» على كركوك هزيمة لمسعود بارزاني، ورداً على خطأ ضم هذه المدينة المتنازع عليها إلى الاستفتاء على استقلال الإقليم. لكن هناك مبالغة في التفاؤل عند استنتاج أن معركة كركوك ستكون مدخلاً إلى استعادة لحمة العراق، وتماسك مختلف مكوناته، وخصوصاً العربية والكردية منها. ذلك أن مشكلة كركوك، التي تعود الى زمن صدام حسين، ومساعيه لـ «تعريب» المدينة من خلال تغيير وضعها الديموغرافي، لن تجد حلاً إلا بمشاركة أهلها كلهم، وليس بهيمنة فريق منهم على الآخرين.

ما بعد كركوك قد يعيد طموحات الأكراد إلى أرض الواقع، وقد يعلمهم شيئاً من فن السياسة، بعيداً من المغامرات والحسابات الخاطئة. لكن ما يلي هذه المعركة يفترض أن يوقظ الحكومة المركزية في بغداد من حلمها بأنها في الطريق إلى بسط سلطتها على كامل أراضي العراق. أولاً لأن بسط هذه السلطة لا يمكن أن يتم بالقوة المجردة وحدها، وإلا تحوّل إلى إخضاع قسم من المواطنين، أكثر مما هو كسب ولائهم، الذي يفترض ان يكون طبيعياً، لوطنهم. وثانياً، وهذا الأهم، أن بسط هذه السلطة يتم بمؤازرة قوة مسلحة، رديفة للقوات الشرعية العراقية، لها هويتها المذهبية الفاقعة التي أظهرت انتماءها من خلال الرايات والاعلام التي رفعتها تحدياً في شوارع كركوك بعد «تحريرها». ومن شأن إدخال قوة بهذه المواصفات، ولو وصفت نفسها بأنها «حشد شعبي»، أن يثير الهلع في نفوس مواطنين يتحصنون أصلاً خلف انتمائهم القومي، ويحتمون بأحزابهم الخاصة وبميليشياتهم، لأنهم لا يميلون إلى الثقة بمشروع الدولة ولا بقواتها المسلحة. لذلك وجدنا عشرات الآلاف منهم يفرون من كركوك إلى أربيل والسليمانية، لأنهم يشعرون بأن هاتين المدينتين أكثر قدرة بالتالي على توفير الاطمئنان لهم ولمستقبل عائلاتهم.

لا تضع استعادة كركوك نهاية لحلم أكراد العراق. ينتهي حلم الأكراد عندما يشعرون بأن البلد الذي يعيشون فيه يحمي مصالحهم كما يحمي مصالح الآخرين، عرباً وكرداً، سنّة وشيعة ومسيحيين. لكن عندما يشارك قاسم سليماني في الإشراف على معركة كركوك، فمن شأن ذلك أن يعزز شعور الأكراد، كما شعور كثيرين في العراق وخارجه، بأن طهران شريك فاعل في قرار القيادة في بغداد، إن لم تكن صاحبة القرار الوحيدة.

الحياة

 

 

 

في كركوك انهار حلم الدولة الكردية  لماذا تركت أمريكا “الحصان وحيدا”؟/ إبراهيم درويش

هل بدأ رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني مواجهة لم يكن قادرا على الانتصار فيها؟ وهل قامر بما حققه الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين وخسره في يومين؟ الجواب على السؤالين نعم. ولكن ما الذي دفع بارزاني لخطوة كان يعرف أنه لا يستطيع تحمل تبعاتها؟ الأجوبة متعددة وهي لا تحتاج للخوض في نظريات مؤامرة والعودة للمقولة القديمة أن الكردي لا صديق له إلا الجبل. فالحقيقة هي أن الأكراد حققوا الكثير من المكتسبات الكبيرة التي جعلتهم منذ عام 2003 يحكمون إقليمهم دون تدخل من بغداد، بل ولد جيلان لم يكن أبناؤهما بحاجة للتعامل مع العرب وتعلم العربية. وظلوا في الوقت نفسه جزءا مما أطلق عليه “العراق الجديد” وأسهموا في الحياة السياسية وكانوا حجر الثقل أو كما يقال “صناع الملك”. وفوق كل هذا منحهم انهيار الجيش العراقي في الموصل عام 2014 الفرصة التي كانوا ينتظرونها وتحركوا نحو كركوك التي تطفو على 9 مليارات برميل من النفط وتحتوي على منشآت حيوية وكانت ستصبح البقرة الحلوب لمشروع دولتهم التي انتظروها وتبدو اليوم في أعقاب الاستفتاء مثل حلم بعيد.

 

من الحماسة إلى الكارثة

 

هناك مفارقة غريبة بين مظاهر الاحتفالات والحماس الوطني الكردي في استفتاء 25 ايلول (سبتمبر) وانسحاب البيشمركه من كركوك وسط حصار للإقليم وتخلي الحلفاء عنهم وخلافات كردية – كردية وتبادل للاتهامات بين قبيلة طالباني وعائلة بارزاني الحاكمة. فكلمة الخيانة هي الرائجة اليوم بين الأكراد الذي نجح الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بتفريقهم ودفع جناح طالباني أو الاتحاد الوطني الكردستاني للانسحاب من مدينة كركوك. فالخلافات الكردية هي كعب أخيل التي قتلت الحلم الكردي على الأقل في المرحلة الحالية. وستكون تجربة كردستان مثالا محبطا للجماعات الكردية في إيران وتركيا وسوريا والتي بدأت تحلم مثل أكراد العراق بكيان مستقل. ولعلها تذكيرا لمن رقصوا منهم في شوارع الرقة وعلقوا صورة كبيرة للزعيم التركي عبد الله أوجلان. ومرة أخرى يسقط الأكراد ضحية للجيوسياسة المعقدة في المنطقة فلم يقف معهم هذه المرة سوى السعودية وإسرائيل. لكن التجربة ليست منفصلة عن واقع الأكراد الداخلي، فإصرار بارزاني على استفتاء كان محاولة منه لتعزيز مواقعه في السياق الكردي وشرعنة حكمه غير الشرعي، بعد مضي عامين على انتهاء ولايته وتعطيله للبرلمان واتهامات لحكومته بالفساد والاستبداد. فكان تمرير الاستفتاء والتلاعب بالمشاعر القومية طريقته للبقاء في الحكم. وكان يطمح في الوقت نفسه للعب أوراقه مع بغداد التي قابلته بالتهديد وحشد القوات بما فيها الميليشيات الشيعية. وبالضرورة كان يطلب من الأمريكيين دفع فاتورة مشاركته في الحرب ضد تنظيم “الدولة”. ولم يكن يعرف أو كان يعرف أن للأمريكيين حساباتهم وأولوياتهم التي لم تتغير، مثلما كان لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ظروفه المماثلة أيضا. فهما بارزاني والعبادي نتاج مؤسسات حكم فاشلة ومحاطان بقوى تبغي إسقاطها، فهناك انتخابات تنتظر العبادي في العام المقبل وحشد شعبي يحاول البناء على مكاسبه الميدانية بتأثير في بغداد والحصول على حصة من  النفوذ وتأكيد نفسه كقوة شرعية وليس مجموعة من المقاتلين المتشددين غير المنظمين كما ترى مجلة “ذا اتلانتك” (18/10/2017). ومن هنا ففي هذه الجولة خرج العبادي من الرهان رابحا أما بارزاني فلم يف بوعوده ولم يعتذر على الطامة  التي حلت بشعبه كما تقول “إيكونوميست” (21/10/2017) فما بين 16-18 تشرين الأول (أكتوبر) خسرت حكومة إقليم كردستان 40 في المئة من الأراضي التي كانت تعمل سنوات على تعزيز وجودها وربما خسرتها للأبد. وتقدر المجلة حجم الأراضي التي خرجت عن سيطرتها بحوالي 36.000 كيلومتر. وأصبحت القوات العراقية وبالضرورة الحشد الشعبي، تسيطر على كل المناطق الجنوبية لكردستان والتي تمتد من بلدة ربيعة على الحدود السورية إلى جبل سنجار الإستراتيجي وسد الموصل على نهر دجلة وحتى خانقين على الحدود الإيرانية. وفر من كركوك أكثر من 60.000 كردي “ومعهم ذهب حلم الدولة” والذهب الأسود الذي بدونه لا تستطيع حكومة كردستان النجاة.

 

لماذا تخلت عنه؟

 

وفي المحصلة كشف الاستفتاء عن حالة الترهل الذي تعيشه المؤسسات الكردية والعزلة الدولية التي يعيشها الإقليم. والرهان الآن حول الكيفية التي سيتعامل فيها المجتمع الدولي وخاصة أمريكا مع الوضع. وهناك الكثير مما قيل حول الموقف الأمريكي وتصريحات المسؤولين في الخارجية والبيت الأبيض. فإدارة ترامب غاضبة من تجاهل بارزاني مناشداتها له بتأجيل الاستفتاء حتى يتم الانتهاء من ملف تنظيم “الدولة”. وهناك تقارير تقول إن الإدارة الأمريكية كانت تعرف بالعملية العسكرية بل ونقلت صحيفة “نيويورك تايمز″ (18/10/2017) عن محللين قولهم إن العبادي لم يكن ليطلق عملية عسكرية بدون إعلام الأمريكيين أو على الأقل تقديم إشارات لهم. وبعضهم قال إن واشنطن منحت بغداد الضوء الأخضر. وبدا الموقف الأمريكي في أزمة كركوك متقاربا مع إيران. وبعيدا عن غضب الإدارة من بارزاني فقد كان منظر حليفين من حلفائها في مواجهة عسكرية غير مسر. إلا ان هناك من دافع عن موقف واشنطن التي رأت في استعادة بغداد  للمدينة النفطية مصلحة أمريكية، فهي تساعد بطريقة أو بأخرى العبادي على مواجهة منافسه نوري المالكي الذي حاول استخدام ورقة بقاء المدينة في يد الأكراد للتعبئة في الحملة الانتخابية المقبلة. ويرى مايكل روبن، الباحث في معهد “أمريكان إنتربرايز″ والموجود الآن في بغداد، أن الحكومة العراقية أجبرت على التحرك لأن مسعود بارزاني دفع باتجاه الاستفتاء. وقال في تصريحات لموقع “بلومبيرغ” (18/10/2017) إن “كركوك متنازع عليها وهي متعددة العرقيات” و”قرر بارزاني تمزيق الوضع القائم. وكل الحادث ليس نصرا لإيران بل ويخدم المصالح الأمريكية لأن العبادي واع للغرب أكثر من منافسيه وهو في وضع جيد”. ويرى السفير الأمريكي السابق في بغداد ستيوارت جونز أن الموقف الأمريكي كان واضحا “فالولايات المتحدة كانت تقول للأكراد ولمسعود (بارزاني) ومسرور (بارزاني) منذ الربيع الماضي أن لا يمضيا في الاستفتاء لأنه ليس في صالح كردستان ولا العراق وسيعطي مبررا للمتشددين وللإيرانيين”. وقال ستيوارت الذي يعمل في مجموعة كوهين لمجلة “ذا أتلانتك” (20/10/2017) “أعتقد أن هذا ما نراه الآن”. وبالفعل كانت إيران هي المستفيدة من الوضع حسب إيما سكاي، الدبلوماسية الأمريكية في العراق أثناء الغزو التي قالت إن من كان يعطي الأوامر في الأزمة الأخيرة هم الإيرانيون. واتفق المراقبون على الدور الذي لعبه الجنرال سليماني في تمزيق الأكراد، مع أن محافظ كركوك السابق نجم الدين كريم أخبر “بلومبيرغ” أن سليماني اجتمع مع قادة الاتحاد الوطني الكردستاني وقادة البيشمركه في كركوك وأنذرهم بقرب الهجوم لو لم ينسحبوا. وتكشف الدور الإيراني من ناحية وجود الميليشيات الشيعية التي تقول مجلة “فورين بوليسي” (18/10/2017) إنها دخلت كركوك قبل قرار العبادي. وقالت إن قادة الحشد ضغطوا عليه لعمل شيء في كركوك أو ترك الأمر لهم. وبالمحصلة فقد كشفت أزمة كركوك أنه وبعد 14 عاما من سقوط صدام لا تزال إيران تمارس نفوذا كبيرا على البلاد، ليس فقط في بغداد ولكن في كردستان. وهذا عامل يجب على أمريكا التعامل معه وهي تواصل مواجهة طهران وإعلان دونالد ترامب عدم المصادقة على الاتفاقية النووية وخطواته لمعاقبة الحرس الثوري الذي ينتمي إليه قاسم سليماني. ويرى ستيوارت جونز أن “لدى إيران في هذه المناطق  تأثير وسيظل لها تأثيرا، فلديها 800 كيلومتر من الحدود مع العراق بما فيها حكومة إقليم كردستان، ولا توجد أي طريقة تمنعها أن لا تكون لاعبا”. ومع ذلك يرى بريان كروكر الذي عمل سفيرا في العراق بين 2007- 2009  أن الولايات المتحدة أضعفت موقفها في العراق عندما ظهرت وكأنها تدعم بغداد في الأزمة الكردية: “كان علينا أن لا نتخذ مواقف بطريقة أو بأخرى بشأن الدولة الكردية في شمال العراق. فعلى الأكراد العراقيين حلها” و”لكن بإدخالنا أنفسنا مع جانب فهذا يجعلنا وسطاء غير نزيهين كما نريد أن نكون”.

 

الجريمة في بغداد

 

ومن هنا فقد تكون الولايات أخطأت طريقها عندما قررت دعم رجلها في بغداد تماما كما دعمت نوري المالكي “رجلنا في العراق” في انتخابات عام 2010 على أمل أن يوافق على بقاء القوات الأمريكية في مرحلة ما بعد 2011. وعليه فبارزاني رغم ارتكابه حسبة خاطئة إلا انه كان يرى أن الزواج بين بغداد وأربيل بات جحيما وأن الأكراد لن يتعاملوا أبدا ولن يثقوا ببغداد الغارقة في عالمها الطائفي وتعاني من العجز والضعف. ويعتقد رانج علاء الدين في “فورين أفيرز″ (20/10/2017) أن منطق الولايات المتحدة لدعم العبادي وعدم شجب التعبئة ضد كركوك غير صحيح. فمشاركة الحشد الشعبي في الهجوم تؤكد أن رئيس الوزراء لم يكن واثقا من قدرة جيشه القيام بالمهمة وحده. بل ووقع في شرك المتطرفين الشيعة من أمثال المالكي وفتح مواجهة مع الأكراد. ويرى أن كركوك ستكون بداية سقوط العبادي. وكان لافتا وجود هادي العامري، زعيم منظمة بدر وأبو مهدي المهندس، زعيم كتائب حزب الله أثناء إنزال العلم الكردي من على مبنى المحافظة. وإذا توحدت الفصائل الشيعية حول كركوك فلن يستمر هذا طويلا حيث ستعود المواجهة بينها في الأشهر المقبلة وتعود للتنافس على الدولة العراقية ومصادرها. ويواجه العبادي بالإضافة لجماعات إيران في العراق معارضة من مقتدى الصدر الذي يقود حركة شعبية. ومنذ نهاية حكم صدام تحولت اللعبة الانتخابية لمقايضات وترتيبات بين الطائفة نفسها بشكل أنتج نظاما سياسيا عاجزا. وهنا يأتي دور الأكراد في هذه الدولة غير الفاعلة. فربما خسروا كركوك إلا انهم سيظلون جزءا مهما في أي عملية سياسية. ويتوقع علاء الدين أن يتجاوز الأكراد الصدمة في كركوك لأن التحالفات غير مستقرة في الشرق الأوسط، فرغم اصطفاف تركيا وإيران معا ضد كردستان إلا أنهما تتنافسان في شمال العراق. ومن غير المحتمل تخلي أنقرة عن حليفها في أربيل وللأبد، فهو مهم لها للحد من نشاطات حزب العمال الكردستاني. وعليه فدخول منطقة كردستان للفوضى ليس في صالح كل من إيران وتركيا لأنهما ستتنافسان على الأطراف المتصارعة فيها وستحاولان حماية نفسيهما من التغيرات التي ستأتي بعد نهاية تنظيم “”الدولة الإسلامية. وفي الوقت الحالي تلقى بارزاني جوابا على سؤال حمله للأمريكيين عبر إيما سكاي: في حالة نشوب نزاع مع العراق مع من سيقف الأمريكيون؟ ولم يكن بارزاني يعرف أن والده تلقى جوابا مماثلا. ففي عام 1975 طلب ملا مصطفى بارزاني الدعم الأمريكي بعد اتفاق شاه إيران والبعث في العراق حول المناطق البحرية المتنازع عليها. ولكن هنري كيسنجر، وزير الخارجية في حينه رفض تقديم الدعم فانهار التمرد الكردي. فهل سيواجه بارزاني الابن قدر والده وهو الذي ظل يمني نفسه بالوقوف تحت علم دولة كردستان المستقلة؟

القدس العربي

 

 

السعودية مع الأكراد شمال سوريا: أبعد من التطبيع

رأي القدس

نشر ناشطون صوراً لوزير الدولة السعودية لشؤون الخليج العربي ثامر السبهان في شمالي مدينة الرقّة السورية برفقة قيادات عسكرية من «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي وحدات تعتبر واجهة لحزب العمال الكردستاني التركي والفصائل التابعة له في سوريا كـ«وحدات الحماية الكردية» و«حزب الاتحاد الديمقراطي». الوزير كان برفقة بريت ماكغورك، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرقة.

تشير الحادثة إلى تطوّر لافت في الموقف السعودي من الأوضاع السورية، يمكن وضعه، بداية، في إطار رغبة الرياض في الانتظام ضمن الأجندة الأمريكية العامة في المنطقة، وهو ما تتالت فصوله بعد الزيارة الشهيرة لترامب إلى الرياض في شهر أيار/مايو الماضي، بحيث أن المواقف السياسية السعودية في المنطقة والعالم، لم تعد هي المواقف التي كانت قبلها.

غير أن ذلك لا يعني أن المواقف السعودية صارت كلها، بعد زيارة ترامب، مختومة بعبارة «صُنع في أمريكا»، فهناك أسباب سعودية داخلية أيضاً ساهمت في هذا التغيّر، وأهمّها بالطبع تعيين نجل الملك سلمان بن عبد العزيز، محمد، وليّاً للعهد، وهي خطوة كبرى في تاريخ العرش السعودي، خلخلت التوازنات العائلية السابقة، وأعلنت سياسياً عن نفسها بتحالفات سياسية داخليّة جديدة، تلغي بالتدريج فكرة تأسيسية في المملكة، وهي تحالف العائلة الحاكمة مع رجال الدين السلفيين، وتتوجّه إلى قطاعات في المجتمع السعودي بدعوات الرخاء المستقبلي (رؤية 2030)، والتنمية (طرح أسهم أرامكو عالميا)… والتسلية!

وجد هذا الاتجاه نموذجا محلّيا يستلهمه هو الإمارات العربية المتحدة، وهو ما قد يفسر اندفاع وليّ العهد السعودي لاقتباس سياسات الإمارات الداخلية والخارجية نفسها، رغم تناقضها مع تراث طويل من السياسة الخارجية السعودية، وهو ما أفضى إلى تمكين متزايد للإمارات في شؤون اليمن وسوريا وليبيا ومصر، وإلى تواصل مع إسرائيل، وإلى صراع مكشوف مع قطر!

بالنسبة للوضع السوري انقلبت المعادلة السعودية من النزاع الواضح مع نظام بشار الأسد إلى وقف المساعدات عن المعارضة السورية والضغط عليها للقبول بممثلين سوريين لمصالح روسيا ومصر ضمن هيئتها التفاوضية، وصولاً، على ما يبدو، إلى التماثل مع الموقف الأمريكي الذي يعتبر واجهات حزب العمال الكردستاني أداته للقضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» وتثبيت مصالحه في سوريا، وهو أمر يكشف في داخله أيضاً، عن عداء مبطن لتركيا، أمريكيّاً، وسعودياً، وبذلك تستبدل الرياض، كما فعلت أبو ظبي، الصراع مع النظام السوري بالصراع مع أنقرة والدوحة.

وفي مقابل هذا الموقف قرأنا أمس عن هبوط أول طائرة سعودية في العراق، وعن مشاركة 60 شركة سعودية في معرض بغداد السبت المقبل، وهذا يعني، ضمن ما يعنيه، استكمالاً تدريجيا للانقلاب في الأولويات والمبادئ، فالسعودية تتقرّب من روسيا وتوقع الصفقات الكبيرة معها، وتتقارب مع إسرائيل، وتطبع مع النظام العراقي، حليف إيران، ولا تجد عدوّاً على الكرة الأرضية غير جارتها التي تشاركها حدود الأرض وآمال البشر، قطر، وشريكتها في الإسلام والمصالح الجغرافية والتجارية، تركيا.

وفي تفسير هذه المواقف العجيبة فليتنافس المتبارون!

القدس العربي

 

 

 

أوهام بارزاني/ مصطفى زين

اعتقد مسعود بارزاني أنه يستطيع اللعب على التناقضات وسط الفوضى التي تضرب الشرق الأوسط ويقظة العصبيات القومية والطائفية، والمستعمرين القدماء والجدد الجاهزين لإعادة رسم الخرائط بالحديد والنار. صادق تركيا وإسرائيل، ولم يعادِ إيران. أصبح الناطق باسم الولايات المتحدة في العراق. لم تبخل عليه واشنطن بشيء، من تدريب ميليشياته وتسليحها والدفاع عن إقليمه إلى دعمه سياسياً في كل مساعيه (زلماي خليل زاد مقيم في أربيل). فرنسا حافظت على احتضانه، من أيام ميتران وزوجته دانيال في ثمانينات القرن الماضي إلى اليوم. روسيا، هي الأخرى، حافظت على علاقاتها معه. رجب طيب أردوغان عامله كرئيس دولة كبرى، كان يستقبله وعلم كردستان مرفوع إلى جانبه، ويرسل وزير خارجيته إلى أربيل من دون المرور ببغداد. ابنه بلال ونجل بارزاني مسرور شريكان في تجارة النفط. للشركات التركية في الإقليم الأولوية.

هذا بعض من العلاقات الإقليمية والدولية التي نسجها بارزاني، بعد الاحتلال الأميركي ومشاركته في حكم «العراق الديموقراطي الجديد». أما في داخل إقليمه فحجّم كل القبائل المناوئة، خصوصاً الطالبانيين، وأبعد حركة «التغيير» المعارضة، وأغلق البرلمان، وخاض حرباً أهلية ضد حزب «الاتحاد الوطني». و «كرّد» كركوك، بحجة أن النظام السابق «عرّبها». واضطهد المسيحيين، ما اضطر معظمهم إلى الهجرة وترك أراضيهم وممتلكاتهم للأكراد. كل ذلك في ظل حملة إعلامية واسعة، شاركت فيها صحف عالمية كبرى في تحقيقات عن تسامح الأكراد وديموقراطيتهم التي يجب دعمها. أما عن الفساد في إدارته والمحسوبيات وإسناد المناصب إلى رجال قبيلته فالحديث يطول.

علاقة بارزاني مع بغداد لم تكن جيدة طوال السنوات الماضية، وكان الراحل جلال طالباني يلعب دور الوسيط بينهما. ووجد في ظهور «داعش» وتمدده فرصة ثمينة للمشاركة في إضعاف الحكومة، وبعد انهيار الجيش في الموصل لم تحرك «البيشمركة» التابعة له ساكناً إلا عندما وصل التنظيم إلى أبواب أربيل، عندها فقط طلب دعماً أميركياً فأوقفوا الهجوم على عاصمته. وبعدما استعاد الجيش قوته وبدأ تحرير المناطق التي احتلها التنظيم، تحركت «البيشمركة» وبدأت قضم سهل نينوى وضمه إلى الإقليم، وتمددت في كركوك والمناطق الأخرى. أي أنها كانت تقاتل من أجل إعادة رسم حدود الإقليم، استعداداً للانفصال عن العراق، بدعم إسرائيلي واضح، فالدولة العبرية تخطط منذ عقود لإقامة قواعد لها في شمال العراق على مقربة من الحدود الإيرانية بالتعاون مع البارزانيين، وكي تضعف بغداد أكثر.

اعتقد بارزاني أن أصدقاءه الدوليين، خصوصاً الأميركيين والفرنسيين، سيهبون للدفاع عنه ويدوّلون قضيته ويدافعون عنه، وأنه يستطيع تحييد أردوغان الذي لديه مصالح اقتصادية كبيرة في كردستان، وأن إيران المعزولة في محيطها لن تستطيع نجدة العبادي. واعتقد أن الغلبة التي حققها بالقوة في الإقليم وتحجيم معارضيه، فضلاً عن ضعف بغداد، تتيح له الانفصال وإعلان دولته ووضْع الجميع أمام الأمر الواقع. لكن تبين أنه كان متوهماً، وأن قراءته للأحداث كانت خطأً. أصدقاؤه تخلوا عنه، عدا إسرائيل. الحكومة الاتحادية ليست ضعيفة. أردوغان لا يستطيع الموافقة على انفصاله خوفاً من تقسيم تركيا. وإيران لم تنكفئ. أكراد الإقليم الذين قمعهم طوال سنوات كانوا ينتظرون الفرصة لاستعادة شيء من حريتهم، والمحافظة على بعض المكاسب التي حققوها خلال السنوات الماضية. كركوك التي كان يعوّل على نفطها لتمويل دولته لم تعد تحت سيطرته.

هل سيتراجع بارزاني عن هذا الخطأ التاريخي؟ هل ينتفض الأكراد ضده أم أنه سيستمر في حالة الإنكار؟ هل سيقتنع بأنه كان أداة وليس في حجم تقرير مصير العراق ومحيطه الإيراني والتركي والسوري، وبأن الدول الكبرى لا يهمها مصير الشعوب ولا الصداقات عندما يتعلق الأمر بمصالحها؟

تجارب الماضي مع آل بارزاني تؤكد أنه لن يعترف بهزيمته، ولن يتراجع، فهو مثل أي ديكتاتور صغير أو زعيم قبيلة سيحاول شد عصب رعاياه للمحافظة على مكانته، وأي تحرك ضده في الإقليم ينذر بتجدد الحرب القبلية وتقسيم كردستان بدلاً من تقسيم العراق.

مصير الأكراد ليس مرتبطاً بصداقاتهم الخارجية. وانضمامهم إلى سائر شعوب المنطقة في السعي إلى الحرية ينقذهم وينقذ هذه الشعوب. أما العصبية القومية ومعاداة الآخرين فستحولهم إلى كيانات أشبه بإسرائيل تعقد مصالحات مع الأنظمة وتعجز مع هذه الأنظمة عن اكتساب شرعية وجودها.

أوهام بارزاني لا تصنع دولة.

الحياة

 

 

 

 

كردستان: كلّما تجسّد الحلم تبخّر/ عصام الخفاجي

سبق الشاعر الكردي أحمدي خاني عصره بأربعة قرون، إذ استهل ملحمة «مه م وزين» التي كتبها في القرن السابع عشر، وتُعدّ أول عمل أدبي كردي، بقسم عنوانه «أمراضنا» يتأسّى فيه على انقسامات الكرد التي تسبّبت في إخضاعهم للعثمانيين أو الصفويين. «لو نهض ملك واحد من بين صفوف الكرد، لو ساد التناغم بيننا، لو أبدينا الطاعة لواحد منّا لكان في مقدوره إخضاع الترك والعرب والفرس جميعاً».

نصّ أحمدي خاني عبقري في سبقه الزمني، لكن تطبيقه من جانب زعماء الكرد منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم يلخّص الكوارث التي لحقت بشعبهم والتي ألحقوها به. لا يزال القادة الكرد، وتجسيدهم المعاصر هو السيد مسعود بارزاني، يتظاهرون بأن ليس ثمة انقسامات تمتد جذورها إلى التاريخ والثقافة والجغرافيا والاقتصاد، بل إلى خلافات سياسية لا بد من الحوار أو القسر أو تقديم الإغراءات لكي يتم تجاوزها. ولا يزال كل قائد كردي من بارزاني إلى أوجلان يوهم نفسه بأنه الملك الواحد الذي بمقدوره تحقيق ما يراه مصلحة قومية لو أبدت الرعية الطاعة له.

لأؤكد، استباقاً لتصفيق من شوفيني عراقي أو تصفير من قومي كردي: تعرّض الكرد لجرائم لا حصر لها. ليس من حق الكرد المطالبة بالاستقلال فقط بل عليهم الإصرار عليه. تعرّض الكرد لبشاعات لا حصر لها. بحسبة بسيطة تستند إلى افتراض أن عدد سكان كردستان العراق كان ثلاثة ملايين أيام مجازر الأنفال التي شنها نظام البعث عامي 1987-1988، تتجاوز نسبة من أبيد منهم إلى مجموع سكان كردستان نسبة ضحايا القنبلتين النوويتين على اليابان إلى سكانها.

مأساة الشعب الكردي هي أن قادته يبدون وكأنهم يعيشون في كوكب آخر، على رغم حديثهم المتكرر عن الضغوط والمؤامرات الإقليمية والدولية التي تعرّضت وتتعرّض لها كردستان. مأساته هي أن قادته الساعين إلى تحقيق النصر السريع (أو الوصول إلى الزعامة) لا يأبهون بما قد يجرّه هذا السعي من كوارث، ذلك أن سردية المظلومية جاهزة على الدوام لتبرير مغامراتهم من دون أن يتعرّضوا للمساءلة من شعبهم عن أسباب خوض المغامرة، وهم يدركون أن ثمة أعداء لهم ثقلهم القادر على تبديد أحلام شعبهم المتعطّش لنيل استقلاله.

يتذاكى القائد الكردي متباهياً بأنه استطاع استمالة هذا الطرف الدولي أو الإقليمي أو ذاك. ويتذاكى بأنه تحالف مع هذه القوة أو تلك عن غير قناعة لأنه يسعى لتحصيل حقوق الشعب الكردي. ولا يرى أنه الطرف الأضعف في معادلة العلاقة بين الدول وبين شعب لا يزال يسعى لتحقيق مصيره. ويعود القائد بعد الخيبات ليعلن أنْ ليس للكردي صديق غير الجبل. ثمة جهل مفهوم، وثمة انتهازية غير مبرّرة.

في 1946 قامت أول جمهورية «مستقلّة» للأكراد في إيران. كانت القوات السوفياتية تحتل القسم الشمالي من إيران وقررت قبل أن تنسحب أن تدعم نشوء جمهوريتين «شعبيتين»: جمهورية أذربيجان (غير أذربيجان السوفياتية) و «الجمهورية الكردية الشعبية» إلى الجنوب منها التي أسست جيش الشعب الكردي ومحطة إذاعة واختارت القاضي محمد لرئاستها. حظيت جمهورية مهاباد بدعم شعبي واسع بفضل تأييد بطل قومي كردي هو عمّار خان وعشيرته «الشكاكي» لها. فماذا كانت الخطوات الأولى للجمهورية الكردية الشعبية؟ رفضت الجمهورية الحدود المرسومة لها وأعلنت أن كل الأراضي الممتدة إلى حدود الاتحاد السوفياتي الجنوبية تعود لها واتّهمت السوفيات (وهم من أنشأ جمهوريتها) بالانحياز إلى الأذربيجانيين. لا يذكر التاريخ الرسمي الكردي اسم عمّار خان الذي أصيب بالإحباط فسحب دعمه للقاضي محمد. تقول وثيقة أرسلتها محطة السي آي أي في تبريز إلى واشنطن عام 1948 ولم ترفع عنها صفة السرية إلا بعد خمسين عاماً: «لم نتدخل في الصراع لأنه أنهك الجمهوريتين». لم يكن سقوط جمهورية مهاباد محتّماً فقد كانت إيران منهكة وخارجة من الاحتلال للتو. لا يذكر التاريخ الكردي الرسمي اسم عمّار خان. استسلم القاضي محمد للقوات الإيرانية فتم إعدامه في ساحة جوار جار (الأعمدة الأربعة) في مهاباد.

برزت فرصة أخرى للكرد لتحقيق بعض من طموحاتهم حين أقر دستور الجمهورية العراقية الوليدة عام 1958 لأول مرّة بأن «العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن». أتجنّب هنا الحكم على صحّة رفع الملّا مصطفى بارزاني السلاح وإعلان الثورة ضد بغداد في أيلول (سبتمبر) 1961 من دون أن يسبق ذلك أي استفزاز حكومي، إذ لم أطّلع على وثائق أو شهادات من معاصري تلك الفترة تشير إلى مطالب قدّمها الملّا مصطفى بارزاني ولم يتم تنفيذها. كان واضحاً للجميع أن نظام حكم عبد الكريم قاسم بات يواجه تهديدات جدية من حزب البعث وحلفائه منذ النصف الثاني من 1962. فماذا فعلت القيادة الكردية؟ وجهت رسائل إلى البعث بأنها ستدعمهم إن ضمنوا حقوق الشعب الكردي. يومذاك كان البعث يتبنى دستور 1943 الذي يفتتح بفصل «أهداف وغايات» ترد فيه الفقرة التالية: «غير العرب من الأقليات القومية التي لا يمكن أن تندمج في المجموع العربي وتتعرّب بصورة تامة تخضع لقوانين خاصة تحدد حقوقها وواجباتها بصورة تمنعها من الإضرار بمصالح العرب، وهي تظل معتبرة أجنبية يحق للدولة العربية في كل حين أن تخرج من يضر بمصلحتها منها. ويحظر عليها تشكيل مدارس وإنشاء منظمات وصحف بلغتها». وكانت المادة 11 من الدستور تنص على أنه «يجلى عن الوطن العربي كل من دعا أو انضم إلى تكتّل عنصري ضد العرب».

لا مفاجآت: جاء البعث إلى السلطة في انقلابه الوحشي عام 1963 ليشن حرب أرض محروقة ضد الأكراد. فماذا كان ردّه؟ أنقل من جديد عن مذكّرات سرية متبادلة بين محطة السي آي أي في تبريز ورئيسها المؤسس والمخضرم آلان دالاس. بعث بارزاني برسالة عبر مسؤول المحطة في تبريز يطلب فيها أن يطّلع عليها «قائد العالم الحر» الرئيس كينيدي ويطلب المسؤول نصحاً: لا شك في أن الرئيس كينيدي ليس في وارد قراءة كهذه، فبمَ نجيب بارزاني؟ والسؤال الأهم: هل بارزاني عميل شيوعي؟ آخذين بنظر الاعتبار أنه لجأ إلى الاتحاد السوفياتي لمدة ثلاث عشرة سنة منذ سقوط جمهورية مهاباد حتى قيام الجمهورية في العراق؟ وجّه دالاس بأن يقدّم المسؤول إجابة عامة عن السؤال الأول: «نحن نتّبع القنوات الرسمية، وقد أوصلناها إلى المعنيين»، وأن يؤكدوا لبارزاني «أن أميركا تؤيد سعي العراق إلى حل مشكلاته».

الجواب عن السؤال الثاني يلخّص التباس علاقة الكرد مع العالم الخارجي «الأكراد ليسوا عملاء للسوفيات. هم مع كل من يقف ضد أي حكومة في بغداد». والجواب عن مذكّرة جديدة بعد ربع قرن هو الأكثر إثارة للدهشة وللأسف على جهل قادة الكرد بالعالم الخارجي وجهل العالم الخارجي بهم. المذكّرة موجّهة إلى مستشار الأمن القومي الأميركي زبغنيو بريجينسكي (4 أيلول/سبتمبر 1979). كانت الحركة المسلّحة الكردية قد انهارت عام 1975 بعد اتفاق شاه إيران وصدّام حسين على تخلّي الأول عن الحركة التي دعمتها أميركا مقابل تنازل العراق عن نصف شط العرب لإيران. ومن جديد يتساءل مكتب العراق في الخارجية الأميركية عن أدلّة على علاقة الكرد بالسوفيات. المذكرة مثيرة للدهشة لأنها كتبت حين كان الملا مصطفى بارزاني يقضي أيامه الأخيرة لاجئاً في الولايات المتحدة، بعد أن رمى بكل ثقله لإنجاح المشروع الأميركي بزعزعة نظام البعث.

محنة العلاقة الكردية بالعالم الخارجي تكمن في أن الدول المؤثرة، منذ نهاية عشرينات القرن الماضي وحتى أوائل تسعيناته (وربما حتى اليوم)، لم تنظر إلى كردستان ككيان تجدر دراسة مشاكله ورغبات شعبه لتتّخذ بالتالي موقفاً حول مصائره. كانت كردستان على الدوام «مشكلة عراقية» أو «إيرانية» أو «تركية» تتم معاينتها من خلال مؤشر العلاقة مع بغداد أو طهران أو أنقرة ويتم اتّخاذ موقف في شأن «المشكلة الكردية» تناسباً مع الموقف من الحكومات المركزية.

وحين حانت اللحظة الذهبية لكي تنهض كردستان ككيان مستقل نسبياً، تكفّل القادة الكرد بإضاعتها. عهد كردستاني مشرق بدأ عام 1992: فرض التحالف الدولي حظراً على الطيران العراقي على كردستان، انسحبت أجهزة البعث والمؤسسات القمعية، صدر عفو عن كل من تعاون مع نظام البعث، انتخابات برلمانية، انفتاح اقتصادي مع تركيا وإيران. ها إن دولة حلمت بأن يقيمها الكرد تتبرعم.

صيف 1996 كنت أحمل رسالتين أحرص على تذكّر أي من الرسالتين وضعت في كل جيب. كل من الرسالتين تشير إلى أن «الرفيق الدكتور… صديق وفي للشعب الكردي ويرجى تسهيل مروره». إحدى الرسالتين كانت موقّعة باسم السيد مسعود بارزاني تسمح لي بالدخول إلى المنطقة الصفراء، والأخرى موقعة باسم الراحل جلال الطالباني تسمح لي بالدخول إلى المناطق الخضراء. وحين اختل التوازن بين الصفر والخضر، لم يجد الصفر مشكلة في الاستنجاد بالحرس الجمهوري العراقي الذي برروا كل نضالهم التحرري بمحاربته لكي لا يسيطر خصمهم الكردي على مواقعهم.

ومن جديد، قد لا يرى الشوفيني العربي في ما سبق غير تدليل على ضرورة «انصياع» الكرد لهم، وقد لا يرى القومي الكردي فيه غير تبرير لحرمان كردستان من حقها في الاستقلال.

ليكن! أردت ممّا سبق أن أثير سؤالاً أتمنّى على العقل التنويري، لا الغوغائي، الكردي (والإنساني) أن يغوص بحثاً في الإجابة عنه: أين تكمن مسؤوليتنا؟

أم لعلنا لا نزال نعيش في عصر الخالد أحمدي خاني ننتظر ملكاً نركع له جميعاً؟

* كاتب عراقي

الحياة

 

 

 

بين العراق وكردستانه: المناطق المتنازع عليها أينعت../ زاهر موسى

يتحدث سياسي يمثل إحدى اقليات العراق الدينية عن منطق القوة والضعف في جلسة يتبادل المتحاورون فيها الأسى. الغرفة الضيقة ألقت على الدردشة صراحة مختنقة. يتحدث عضو مجلس النوّاب العراقي القادم من شمال نينوى عن عدم فهم قادة إقليم كردستان العراق لخطر الاعتماد على ضعف خصومهم. يؤكد بحرقة أن بغداد الضعيفة اليوم لن تبقى كذلك طويلاً: لن يُسكَت عن تمدد الاقليم خارج حدوده الادارية، مبتلعاً المسيحيين والتركمان والشبك والآيزيديين والعرب السنة.. فرصة البوح هذه سبقت استفتاء كردستان الذي اقيم يوم 25/9/2017 والذي لا يبدو ما بعده مشابهاً لما سبقه سياسياً واجتماعياً.

سكت دستور العراق الذي أقر منتصف العقد الماضي عن تسمية المناطق التي وصفها ب”المتنازع عليها”، فيما حاولت بعثة الامم المتحدة الى العراق (يونامي) حصر هذه المناطق، من باب وصف المشكلة على الأقل، وذلك في تقرير لها عام 2009. بشكل عام، كان الحديث عن مناطق تتنازعها حكومة إقليم كردستان العراق مع محافظات كركوك ونينوى وصلاح الدين وديالى وواسط، أمراً غير صادم حتى عام 2014.. حينها تعرّف العراقيون على مساحة إقليم كردستان العراق التي تضاعفت حتى بلغت 40 في المئة من مساحة العراق تقريباً. شاهد الجميع القادة الكرد وهم يتحدثون عن “الحدود التي تُرسم بالدم” وعن عدم الحاجة لتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي. كان المشهد مروعاً بالنسبة

لبعض من يسكنون المناطق التي سيطرت عليها لتوها البيشمركة.

“المادة 140” مصطلح يشير الى الاجراءات التي كان يجب على حكومة العراق إتمامها في المناطق التي تحاذي اقليم كردستان العراق وتخضع لتمدده اليوم. سكرتير الحزب الشيوعي العراقي كان رئيساً للجنة تنفيذ هذه المادة الدستورية على مدى سنوات، وهو برّر عدم تطبيق المادة خلال العقد الماضي بحجج كثيرة أهمها عدم تخصيص أموال لتعويض العرب السنة ممن يسكنون هذه المناطق مقابل مغادرتهم لها كما تنص المادة الدستورية. إذ يفترض، بحسب الدستور العراقي، أن نظام حزب البعث ــ خلال خمسة وثلاثين عاماً هي فترة حكمه ــ  قام بتعريب هذه المناطق عبر طرد الاكراد وإحلال العرب السنة محلهم. مرّت الاعوام ولم يتحقق الكثير من إجراءات التطبيع هذه. غالبية من يسكنون هذه المناطق رفضوا مغادرتها ورفضوا ضمناً مبلغ العشرين مليون دينار عراقي الذي كان يُمنح كتعويض. هذا المبلغ لم يكن يصرف بسهولة لمن يرغب به في اعوام 2006 و2007 و2008، بسبب البيروقراطية أو رغبة بعض المتنفذين في عرقلة العملية، كما انه لم يعد يحمل القوة الشرائية التي كانت له حينما تم اقراره كتعويض.

قصة كركوك

أهم المناطق المتنازع عليها بين اقليم كردستان وبقية العراق هي محافظة كركوك. لم تشهد هذه المحافظة انتخابات محلية سوى مرة واحدة خلال عقد ونصف، لأسباب تتعلق بصراع جميع الاطراف عليها. المحافظة النفطية الأهم في نصف العراق الاعلى شهدت تصفيات جسدية كثيرة كان ضحيتها السياسيين المحليين والوجهاء وشيوخ القبائل من العرب السنة وبدرجة اقل التركمان والأكراد. وعلى الرغم من أن غالبية مساحة كركوك يسكنها التركمان والعرب، الا ان الكثافة السكانية في مركز كركوك هي من حصة الاكراد، يقاربون فيها نصف عدد السكان، بالاضافة الى المناطق الاغنى بالنفط التي وُضعت عليها اليد الكردية بدقة. وعلى الرغم من اصرار الساسة الكردستانيين على كردية كركوك الى درجة وصفها ب”قدس الاكراد”، على لسان جلال طالباني الرئيس العراقي الراحل، إلا أنهم لم يستحوذوا عليها بالكامل حينما سنحت لهم الفرصة. مع سقوط الموصل بيد داعش، في النصف الثاني من عام 2014، أجبرت قوات البيشمركة قطعات الجيش العراقي على تسليم اسلحتهم والانسحاب من المدينة. وعلى الرغم من أن ثلث المحافظة كان بيد تنظيم داعش حتى تحريره قبل أسابيع، إلا أن البيشمركة لم يتجهوا يوماً، خلال أعوام ثلاثة، لتحرير تلك الأرض.. فسكانها عرب، ونفطها قليل على اية حال!

وشهدت كركوك عبر السنوات إرتفاعاً هائلاً بعدد الولادات المسجلة فيها، وقد فسّر بعض الساسة الامر على انه احتيال. يشير سياسي تركماني الى أن عدد كبير من النساء الحوامل في إقليم كردستان يأتين الى كركوك للانجاب وتسجيل الاطفال في المحافظة. تشهد آبار النفط في كركوك ــ مدينة النار الازلية كما تُلقّب ــ سيطرة واضحة لحزبي “الاتحاد الوطني” و”الديمقراطي” الكردستانيين، ويغلب على قوى الأمن المعروفين بـ “الاسايش” الانتماء لحزب الاتحاد الذي اسسه جلال طالباني، ويهيمن بالاضافة الى كركوك على محافظتي السليمانية وحلبجة. من جانب آخر، تنتشر في المدينة مقرات لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا، بالاضافة الى شقه الآخر من الجانب الايراني، “حزب الحياة الحرة”.

تنقسم الاقلية التركمانية في كركوك وأماكن أخرى، سياسياً وطائفياً. التركمان الشيعة أقرب ل”حزب الدعوة الاسلامية” و”منظمة بدر”، أما التركمان السنة فينضوون تحت مسمى “الجبهة التركمانية” وهم يمتلكون علاقات إستثنائية مع تركيا. العرب السنة في المحافظة الملغومة يسكنون في جنوبها الشرقي وتغلب على مناطقهم صفة الريف، وقد شهدت هذه المناطق انتشاراً ملحوظاً لعمليات ارهابية يقف خلفها بعثيون و”تكفيريون”. وكانت الشرارة التي أيقظت مسلسل الرعب في العراق عام 2013 وحتى اللحظة هي المصادمة بين معتصمين وقوات عسكرية حكومية في الحويجة.

.. وبقية “المتنازع عليها”!

يمتد شريط المناطق المتنازع عليها من الشمال الغربي للعراق حيث قضاء “سِنجار” الآيزيدي في غالبه، ونزولاً حتى منطقتي “بدرة” و”جصان” جنوبي العراق. ليست كل هذه المناطق بالاهمية السياسية والاقتصادية ذاتها، فكركوك في المقدمة بسبب النفط على الأرجح. سهل نينوى الذي يقع شمال وشمال شرقي الموصل، حيث تستقر الأقليات المسيحية والشَبَك، لم يرقَ في اهتمام إقليم كردستان إلى درجة إشراكه في عملية الاستفتاء التي تشتعل أزمته حالياً. مدينة “طوزخورماتو” في “صلاح الدين” تركمانية في غالبها، وهي عبر السنوات أكثر المدن تصادماً ما بين الاكراد والتركمان في مشاحنات عرقية دموية. اما مناطق الكرد الفيلية شرقي “ديالى” فقد اتضح للكثيرين مزاجها الشيعي الذي يغلب على إنتمائها القومي اليوم، وذلك من خلال الفصائل المسلحة التي تشكّلت لتقاتل داعش بعيدا عن البيشمركة. بل ان مجلس محافظة ديالى رفض بشدة المشاركة في الاستفتاء الكردي.

عاش سكان المناطق المتنازع عليها سنوات كئيبة منذ الإحتلال. شهدت مناطقهم سلطات متعددة وقوى أمن متقاطعة ومليشيات تضمر العداء لبعضها البعض. المعاملات القانونية المتعلقة بالعقارات وإصدار الوثائق متلكئة في غالبيتها، إن لم تتوقف، مع أفضلية واضحة للاكراد على حساب الأعراق والإثنيات الأخرى. مواجهة الاحتلال والصراع مع الإرهاب لم تكن خيارات تلك المناطق دائماً، على الرغم من حضوره بقوة. السبب يراه الكثيرون مرتبط بالقادمين من محافظات أخرى والذين كانوا يجدون في المناطق المتنازع عليها فراغاً امنياً ليس فيه تنسيق بين بغداد وإقليم كردستان.. بالإضافة الى الاستعمال السياسي الخفي للإرهاب.

يبدو ما عاشه أكراد سوريا فيما يخص ضياع الهوية، وكذلك البدون في الكويت، أمراً قابلاً للتحقق في المناطق المتنازَع عليها في العراق. يأتي هذا الاحتمال ثانياً في حال لم يحدث الاحتمال الأول، وهو الحرب الدامية وشديدة التعقيد.

* شاعر وإعلامي عراقي

السفير العربي

 

 

 

 

أزمة كردستان وصناعة الكراهية/ فارس الخطاب

تطورت مجريات الأمور في الأزمة التي افتعلها رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، بإصراره على إجراء الاستفتاء الجماهيري للانفصال عن الوطن الأم، العراق، في 25 من سبتمبر/ أيلول الماضي؛ فبرزت إلى السطح معادلات جديدة، وقوى عديدة، وتحولت قضية أكراد العراق من شعبٍ طالب، وبوسائل عدة، بالحصول على حقوقه السياسية والثقافية والحقوقية، إلى قضية ينظر إليها العالم، وربما كل العالم، باستثناء إسرائيل ودولة الإمارات، على أنها محاولة من قيادات هذا المكون العراقي المهم لقلب موازين الصراع والنفوذ في الإقليم نحو مزيد من الفوضى والتدخلات الدولية والإقليمية، وأيضا لإيجاد غطاء سياسي وأمني لتسلل قيادات تنظيم داعش الإرهابي ومسلحيه في العراق وسورية.

خطورة الأزمة التي وصلت إلى طرق معقدة، وتفاعل دولي أفضى إلى أن يكون لمجلس الأمن الدولي أكثر من موقفٍ تجاه إدارة إقليم كردستان العراق، كان بعضها للتحذير من مغبة المضي في إجراء الاستفتاء، والآخر بالتحذير والتهديد المبطن لهذه القيادة من تداعيات استمرار عنادها، وتغليب منطق الأمر الواقع على العراق بشكل خاص، ودول الإقليم المجاورة للعراق بشكل أعم.

هل أيقن رئيس إقليم كردستان، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، مسعود البارزاني، خطورة ما أقدم عليه؟ وهل شاهد ولمس ما أفضت إليه خطوته غير الناضجة، والمتسرعة، والانفرادية، من نتائج عليه وعلى عائلة البارزاني أولا، وهم رموز مهمة في مسألة النضال

“تكريس الكراهية في نفوس الأجيال المتعاقبة يضع حاجزاً نفسياً عميقاً وخطيراً جداً” المسلح والسياسي لأكثر من خمسين عاما، للحصول على مكاسب تم تأمينها للأكراد في مراحل تاريخية عدة؛ كقانون الحكم الذاتي 1970، وتضمين حقوقهم القومية والسياسية في دستور العراق الجديد (2005). أيضا يفترض برئيس إقليم كردستان أن يكون قد أفاق من ظنه أن الإقليم وشعبه يعتبره “القائد الأوحد”، وأنه سيمضي وراءه حيث يريد! فتجربة كركوك والمناطق المتنازع عليها وطريقة تمكين القوات العسكرية العراقية (والحشد الشعبي منها) باتت على لسان كل كردي، سواء من كان مفتخرا بها، كأكراد السليمانية، أم من اعتبرها “خيانة عظمى” كأكراد أربيل، وهو ما سيمهد الأرضية لتقسيم إقليم كردستان إلى منطقتين، ستكون إحداهما إقليما جديدا ربما (السليمانية – حلبجة – كركوك)، والثانية لن تكون إقليما (أربيل – دهوك).

خطير جدا ما قام به مسعود البارزاني، بمشاركة قياداتٍ في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (السليمانية)، وفي مقدمتهم أرملة الرئيس العراقي السابق الراحل جلال طالباني، هيرو إبراهيم أحمد، وآخرون، حيث ألهبوا حماسة شعب العراق الكردي صوب “حلم الانفصال”، وبات هذا الأمر وكأنه تحرّر من العراق وشعبه العربي، وكذلك من بقية المكونات القومية والإثنية فيه. وبتنا نسمع في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عبارات عاطفية، بعضها هستيري وغاضب تجاه العراق وشعبه، وصلت إلى الإساءة إلى العلم العراقي، برفع علم إسرائيل، والإشادة بدورها في دعم انفصالهم عن البلد الأم، ووسم الإدارات العراقية المتعدّدة بالتخلف والطائفية، على الرغم من أن القائمين على هذه الحكومة هم من اختاروا التحالف معها منذ أكثر من ربع قرن. ومن الطرف الآخر، في جنوب كردستان العراق، بدأت ماكنة التحشيد العاطفي السلبي تجاه أكراد العراق والإقليم واضحة، حتى بدت وكأن قياداتٍ بعينها تريد أن تحطم النموذج الكردي الناجح الذي برز بوضوح بعد تدهور جميع صور المدنية في بقية مناطق العراق، ومنها العاصمة بغداد منذ عام 2003.

التوظيف السياسي لصناعة الكراهية خلال أزمة الاستفتاء وبعده هو أخطر أغراض هذه العملية التي ساهم في تنفيذها وترويجها مسعود البارزاني، وبشكل بدا فرديا ولافتا لجميع المراقبين.

“التوظيف السياسي لصناعة الكراهية خلال أزمة الاستفتاء وبعده هو أخطر أغراض هذه العملية” وبحسب الباحثة الإعلامية في جامعة بغداد، نزهت حمود الدليمي، فإن “صناعـــة الكراهيـــة والعنـــف والتحريـــض هي أبـــرز أهداف الحرب النفســـية كأســـلوب اتصالـــي مؤثـــر فـــي المتلقين، يـــؤدي إلى اختـــراق العقـــول والمشـــاعر وتوجيهها، وفق تخطيـــطٍ دقيـــقٍ، يهدف إلى كســـر المعنويات، وشـــل الإرادة والتفكيـــر العقلاني والمتـــوازن باتجاه تدميـــر البـــلاد، وتخريبهـــا سياســـيا واقتصاديا واجتماعيـــا وثقافيا”. ولعل ما رافق عمليات دخول القوات العراقية والحشد الشعبي إلى كركوك صورة واضحة المعالم لهذه الأجواء المختزنة بالعواطف السلبية، سواء تمثل هذا بالتعامل مع علم كل طرف، أم في الخطابات التلقائية أو المتلفزة لكل طرف على حدة.

قد تنتهي المظالم والاستحقاقات التي تخص أي طرف في المعادلات السياسية الوطنية أو الدولية بزوال أسبابها، لكن تكريس الكراهية في نفوس الأجيال المتعاقبة يضع حاجزا نفسيا عميقا وخطيرا جدا لا يمكن إزالته بأي وسيلة كانت، وهي كما وصفها الفيلسوف المصري مصطفى محمود “نمو إلى تحت، وليست نموا إلى فوق، إنها نمو يتغذّى على نفسه ويأكل بعضه”. وهو ما يحصل الآن في العراق، حيث تسعى جهاتٌ، ربما تمتد جذورها إلى خارج حدود البلد بكثير، إلى جعل القضية الكردية التي تمت معالجتها بكثير من الانسيابية والأريحية إلى خنجر مغروس في خاصرة العراق، لن تسمح له بالاستقرار والتخطيط السليم في كل مرحلةٍ تتطلب تعميق هذا الخنجر، ليحدث الألم والنزف المطلوبين لهذا البلد، ورحم الله جلال الدين الرومي حين قال “محظوظ من لا يحمل الحقد مرافقا له”.

العربي الجديد

 

 

 

وحدة العراق بمقاسات الحرس الثوري الإيراني/ حامد الكيلاني

ما يقال إن الأكراد في العراق لا أصدقاء لهم سوى الجبال يتردد صداه في جميع أنحاء العراق لأنه من دون صداقة الجبال سيكون العراق فاقدا لأهم عناصر الطبيعة وجمالها ومصايفها ومشاتيها وعيون وشلالات المياه التي طالما كانت مصدرا للسياحة والتواصل والعلاقات الاجتماعية بين أبناء الشعب العراقي.

هل بين أهل العراق من لا يحتفظ بذكريات جميلة عن تساقط الثلوج وهي مشاهد نادرة في العراق ومحدودة؟ الانتعاش الاقتصادي كان ينعم به إقليم كردستان كجزء من الدولة العراقية لتساويه في توزيع المرتبات للعاملين والموظفين كما في باقي المدن العراقية، لكنه كان يزيد عليها في واردات السياحة ومعظمها من داخل العراق وحتى من الزوار القادمين من دول الخليج العربي أو من دول الجوار.

الصعوبات ارتبطت دائما بعدم الاستقرار وارتباك الأمن ومفاجآت تغير مزاج المناخ السياسي ومغذياته الخارجية في صفة قد تنطبق على مساحة العراق، إلا أنها في كردستان أكثر وضوحا لأسباب شتى أهمها الإحساس الخاص لدى الأكراد بفقدان هويتهم الوطنية الخاصة لعائديتهم إلى عراق بهوية عربية، وهي عقدة لا يمكن تجاوزها بالعلاقات الإنسانية الطيبة أو بالتصاهر بين الأسر أو بالمشتركات التجارية.

وقائع المتغيرات أثبتت أن الانكفاء وآثار الانقسامات الطائفية في المدن العراقية بعد الاحتلال الأميركي تكتلت في مجموعات وتبادل سكاني مناطقي خفي وغير معلن يقارب التغيير الديموغرافي السري المتقابل، وهذا يفسر لنا حقيقة المشاعر الكردية تجاه رغبتهم بالانفصال أو الاستقلال بكامل مقومات الدولة دون الإخلال بصلاتهم النوعية مع باقي امتدادهم الجغرافي نزولا إلى البصرة.

حتى ثمانينات القرن الماضي كان الكثير من الأكراد يعيشون بعزلة حضارية لا يشكون منها ولا يتذمرون، والتقيتُ برجال كبار في السن لا يعرفون أسماء حكام العراق ولا تعني لهم السياسة شيئا في حياتهم إلا حين تفجعهم المداخلات العسكرية الصادمة لوجودهم، أو حين يتعرضون لاقتحامات الميليشيات الكردية التي كانت تعتاش على أرزاقهم ومحاصيلهم، لكنهم قبل تصاعد الحراك المسلح لم يجرب بعضهم مجرد الوصول إلى مراكز المدن في أربيل والسليمانية لانعدام الطرق الحديثة وصعوبة التنقل ومشاق الرحلة.

تعجبت تماما من إدارة بعض القرى البعيدة لشؤونهم الصحية وبالذات الحالات الطارئة، فتبين أنهم يعتمدونعلى العلاجات الطبيعية وخبرات تجريبية لبعض الأفراد من رجال أو نساء. هذا الواقع بلا مبالغة كان حقيقيا تماما إلى بداية الستينات مع بروز التمرد الكردي على سلطة الدولة في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم الذي سمح للقيادات الكردية وأسرهم بالعودة من الاتحاد السوفييتي. في العهد الملكي لم تنقطع المناوشات لكن الحركة الكردية الحديثة تبلورت في العام 1961.

هل كانت هناك حقوق خاصة للأكراد قبل ذلك؟ نعم فهم مواطنون عراقيون في تساويهم بالخدمات العامة. في مدارسهم دروس للغة الكردية إلى جانب اللغة العربية لأن الحروف متقاربة مع تغييرات بسيطة تشبه الكتابة اللفظية في العروض العربي، ودرس اللغة العربية كان العرب مشمولين به من الذين يقطنون في المدن الكردية. ومنذ السنة الدراسية 1960 -1961 صدرت تعليمات بتكريد جميع الدروس الإنسانية والعلمية وفتح مدارس معدودة للتلاميذ والطلبة من عرب العراق في المدن الكردية.

في السبعينات صدرت تعليمات بعد توقيع اتفاقية الحكم الذاتي بتدريس اللغة الكردية في الثانويات ببغداد والمحافظات الأخرى، وباشرت شخصيات مهمة في الدولة تعلم اللغة الكردية لما يبعثه ذلك من تطمينات في الاندماج في وطن واحد يتم فيه تبادل العلاقات وتهدئة الخواطر والتفاهم أيضا في الحالات الحرجة.

بداية اشتعال فتيل الأزمة الأصعب وملحقاتها كانت في طبيعة العلاقة الحدودية مع إيران وفي مناطق جبلية وعرة وشاقة جدا. كانت الحدود قبل العام 1974، كما يتذكر بعض العراقيين، عبارة عن صخرة مكتوب عليها الحدود العراقية وصخرة أخرى بالقرب منها مكتوب عليها الحدود الإيرانية، ولأن المخافر الحدودية متقاربة كانت الحياة اليومية توحد العلاقات بين أفراد المخافر في تلك الأماكن القاسية حد تحريك الصخرة الحدودية إلى أمتار قليلة داخل إيران أو داخل العراق كمزاح بينهم.

لكن ما حصل بعد التمرد الواسع في العام 1974 حوّل المناطق الحدودية هذه إلى شريط ملتهب بتداعيات أمنية متفاقمة تدفقت منها الأسلحة المهربة، وطبعا ما أصعب السيطرة عليها عن طريق المشاة أو الآليات القتالية ولذلك كان سلاح الطيران الحل الوحيد لمعالجة الأهداف مما أدى إلى سقوط ضحايا من المدنيين في القرى النائية المترامية على الجبال وفي الوديان القريبة من الحدود والتي تشكل ملاذات للمهربين والمقاتلين.

دفع ذلك القيادة العراقية إلى اقتراح بناء قرى تتوفر فيها خدمات الماء والكهرباء وبمجمعات قريبة من الطرق الرئيسية في فكرة لإدماجها في واقع جديد اعتبرته الدولة منجزا يساعد تلك العوائل على حياة مختلفة أفضل، ويؤدي كذلك إلى تنفيذ خططها الأمنية، وبدأت بحملة فتح الطرق وتعبيدها وإيصال الكهرباء إلى أقصى القرى.

كان ذلك التصرف مفترقا لرفض شديد من الذين شملوا بالقرار رغم أنهم استلموا تعويضات مجزية شملت حتى عدد الأشجار التي كانت ضمن ملكياتهم في قراهم الأصلية. اعتبر الإجراء تغييرا سكانيا قسريا لغايات سياسية وعسكرية مما دفع المئات أو الآلاف من الشباب إلى الانخراط في فصائل الكفاح المسلح للحركة الكردية، لأن القيادات السياسية للأكراد عثرت على فرصة تحريض ضد الدولة بدوافع وصفتها بتهجير ممنهج للسكان الأكراد لوضعهم في مجمعات اعتبرها الأكراد سجونا ومعتقلات.

بهذه الوقائع والروحية الخاصة كانت تتفاعل الحركات الكردية والأحزاب المعروفة الآن والتي يمكن اختصارها بالعشيرة أو القبيلة البارزانية وتاريخها. كل الآخرين كانوا جزءا منها أما الانفصال عنها بأحزاب أخرى فهو نتيجة منطقية لنمو الشخصيات وتراكم الخبرات والأفكار.

الطابع الأساس لجميع القوى الكردية لا صلة له بقواعـد السياسة العامة، محلية كانت أو دولية، والتعاطي السياسي حتى لما نراه الآن مبني على قواعد قبلية مسلحة تشعر بالظلم العام حتى مع توفر كل اشتراطات التحرر لأنها بلا هوية وطنية معترف بها دوليا.

إنسانيا التعاطف لا يلبي الطموحات، والأكراد جربوا العالم ودول الإقليم والدولة العراقية. الشعور بالمؤامرة على قضيتهم لم يكن هوسا فقط بل كان، في بعض مفاصلها، حقيقة متكررة لأن ذلك أساسيات أي دولة حاكمة في رفض استخدام القوة من قبل أي مجموعة تخضع لصلاحياتها.

كل القوى السياسية الكردية خرجت من معطف الملا مصطفى البارزاني لذلك هناك أبوة نوعية وضمنية لابنه مسعود البارزاني عليها وعلى الشعب الكردي عموما، لا علاقة لها بانقسامات الواقع السياسي أو المصالح أو القرب من الأطراف الإقليمية.

لذلك فإن ما جرى في كركوك من انسحاب تم إيجازه من قبل الحزب الكردي الأم ونعني به الحزب الديمقراطي الكردستاني بمفردات الخيانة. سبق أن وصل النزاع في التسعينات إلى حد الاقتتال واستعان مسعود البارزاني رغم الواقع السياسي وصعوبات الحصار على العراق حينها بالقيادة العراقية التي أعادت الأمور إلى توازنها بين حزب جلال الطالباني وحزب مسعود البارزاني، وربما ما يحصل اليوم هو انتقام مؤجل استغلته إيران مع حزب الاتحاد الوطني.

هل تحققت الوحدة العراقية أخيرا على مقاس المشروع الإيراني برفع شعار عدم التفريط بشبر واحد من الأرض العراقية خارج سلطة ولاية المرشد علي خامنئي. الحقيقة في زلة لسان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي مؤخرا عندما أراد أن يقول الحشد الشعبي إلا أنه استبدل كلمة الحشد بالحرس ثم استدرك؛ لكن متى يستدرك العالم زلة احتلال العراق؟

كاتب عراقي

العرب

 

 

 

كركوك وأزمة الدولة المركزية/ سلام السعدي

بدا للوهلة الأولى أنها عملية عسكرية خاطفة سيطرت فيها قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي بدعم إيراني وصمت أميركي على كركوك في غضون ساعات، ونتجت عن ذلك هزيمة مريرة للأكراد. تبين لاحقا أن حكومة كردستان العراق وقوات البيشمركة كانت قد قررت الانسحاب لتجنب الدخول في معركة مع الجيش العراقي الذي دخل المدينة الغنية بالنفط من دون قتال، ولكن ذلك لا يلغي أن ما حصل هو هزيمة مدوية للأكراد ستكون لها تبعاتها الداخلية. كما تُظهر تلك الهزيمة أن إستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية، التي حصرت كل جهودها بمحاربة تنظيم داعش من أجل الاستقرار، هي إستراتيجية قصيرة النظر بل هي وصفة للفوضى والنزاع لعقود قادمة.

وكانت قوات البيشمركة قد استغلت فرار القوات العراقية أمام هجوم داعش في العام 2014 للسيطرة على مدينة كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها. ومع خسارتها للمدينة يخشى البعض من تجدد الحرب الأهلية الكردية التي اندلعت في أعوام 1994 -1997 بين الحزبين الرئيسيين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والتي انتهت بوساطة أميركية وتقاسم السيطرة على الإقليم، ليسيطر الأول على أربيل والثاني على السليمانية. ولهذا الانقسام عزا البعض سوء التنسيق أو الخيانة في التصدي لقوات الحشد الشعبي والجيش العراقي والانسحاب من المدينة من دون قتال.

ولكن الأزمة كشفت أيضا عن أزمة أكثر عمقا تتمثل في وجود دولة مركزية إقصائية ونزاعات أهلية مزمنة في العراق كان يتم حجبها دوما بأولوية “الحرب على الإرهاب” التي كانت تنحي الخلافات الداخلية جانبا بضغط أميركي. ولكن، ما إن تتوقف تلك الحرب بعد هزيمة الإرهاب، فإن انفجار تلك النزاعات الأهلية ودخول البلاد في الفوضى هو مسألة وقت فقط.

ليست هذه الأزمة المزمنة بشيء جديد خاص بالحرب على تنظيم داعش، بل تعود جذورها إلى بدايات الغزو الأميركي للعراق. في الفترة التي سبقت الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تردد الأكراد في حضور الاجتماعات التي نظمتها الإدارة الأميركية مع المعارضة العراقية لدراسة عملية تغيير النظام العراقي والتنسيق لمرحلة ما بعد الغزو. كان شرط الحزبيْن الكرديين للمشاركة الصريحة في أي عملية أميركية لتغيير النظام، أو حتى دعمها، هو ألا يجري استبدال دكتاتور بآخر، وأن يجري تأسيس نظام فيدرالي ديمقراطي تعددي. وقد اقترح الحزب الديمقراطي الكردستاني دستورا في هذا الصدد قبل الغزو.

لم تلتفت الولايات المتحدة إلى مهمة بناء الدولة بعد غزوها وتدميرها، فلا هي نجحت في إرساء الأمن والاستقرار ولا في تشكيل نظام سياسي ديمقراطي جامع ودستور حديث غير طائفي. وضعت أميركا هدفا وحيدا يتمثل بقتال تنظيم القاعدة الذي تنامت قوته بعد الغزو وخصوصا منذ العام 2005، ودفعت جميع الأطراف لقتاله وتأجيل موضوع الصراع الداخلي. وعندما تراجع خطر تنظيم القاعدة في العام 2010، بدأت بوادر انفجار داخلي بين الأكراد والعرب السنة من جهة، والحكومة المركزية الشيعية من جهة أخرى.

خسر رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في انتخابات 2010 من ناحية عدد المقاعد وفاز إياد علاوي، ولكن تحالفا داخليا بدعم إيراني-أميركي أوصل المالكي للسلطة. انتهج الأخير سياسات طائفية واضحة ونكث وعود الدولة المركزية للأكراد والعرب السنة الذين هزموا القاعدة، بل زج بشبابهم بالسجون ولاحق قادتهم واتهمهم بالإرهاب فاضطروا لمغادرة البلاد. باختصار خلق المالكي، في ظل الصمت الأميركي، الظروف المواتية لنشوء تنظيم داعش التي أزاحت الانفجار الداخلي من الواجهة، ليحل مكانه من جديد مسألة مكافحة الإرهاب لدى واشنطن.

أمل البعض في ذلك الوقت أن تكون الولايات المتحدة قد أدركت خطأها السابق والمتمثل في تجاهل بناء دولة تعددية، والعمل على إستراتيجية واسعة تخلق تلك التعددية وتنزع عوامل الانفجار الداخلية. وبالفعل بدأت أميركا الحرب على الإرهاب هذه المرة بالإطاحة بنوري المالكي كرئيس للوزراء في إدراك واضح لدوره السابق في خلق الأزمة الحالية واستحالة حلها بالتركيز فقط على الحرب على الإرهاب، بل بضرورة وجود مسار سياسي يوازي المسار العسكري. ولكن النظام العراقي بقي كما هو، استبدادي وفاسد وطائفي، ومهيمن عليه من قبل إيران وعملائها في العراق، وبالتالي مولّد للقلاقل والانفجارات السياسية. فيما عادت الولايات المتحدة لتجبر الجميع على محاربة داعش وصرف النظر عن مظالمهم ومخاوفهم الخاصة بالمستقبل.

قبل عام على الأزمة الحالية في مدينة كركوك، أعلنت بغداد وقيادة إقليم كردستان هجوما مشتركا، بدعم أميركي إيراني، على الموصل لانتزاعها من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية. كانت تلك أيام التفاهم والعمل المشترك لاستئصال التنظيم المتطرف واستعادة الاستقرار في العراق.

وصلت الحرب على تنظيم داعش اليوم إلى نهايتها باستعادة السيطرة على معاقله الرئيسية في العراق وسوريا، الموصل والرقة. ومعها عاد المرض المزمن المتمثل بأزمة الدولة المركزية الاستبدادية الطائفية والمعززة بطغيان إيراني وسلبية أميركية وضياع أوروبي للظهور مجددا اليوم. هو مرض غياب حل عادل واسع ورحب، وباعث على الأمل لجميع مكونات هذه البلاد.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

 

 

 

بين رفض الانفصال وإلغاء الأكراد/ عبد الرحمن الراشد

كان لا بد لرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني من أن يجرب مرة حظ مواطنيه؛ أكراد العراق، في طرح حلمهم التاريخي، وهو الانفصال وإقامة دولة مستقلة. وكانت أكثر الاحتمالات تنبئ بفشل المشروع. لماذا فعلها بارزاني؟ ربما لو لم يحاول لكان سيلام مستقبلاً، ويتهم بخذلان شعبه، خصوصاً أنه من تولى مهمة العمل المشترك مع حكومة بغداد عسكرياً وسياسياً في السنوات الماضية، وهو من تعاون مع المجتمع الدولي في محاربة التنظيمات الإرهابية، وسالت دماء الأكراد في سبيلها.

لكن مسعاه للاستفتاء، الذي نتيجته مضمونة بأن الأكراد يريدون تحقيق حلمهم التاريخي؛ جمهوريتهم المستقلة، كان خاطئاً، لأنه لا توجد دولة إقليمية واحدة مستعدة لدعمه، نظراً لأن الانفصال يهدد الجميع. وهو أمر ينطبق على جنوب اليمن، وغيره من مشاريع الانفصال في المنطقة، التي لا يكفي لتحقيقها تصويت أغلبية أهالي الإقليم لها، بل الأهم الاعتراف الدولي بنتائج الاستفتاء. لهذا التقت السعودية وتركيا وإيران، على اختلاف سياسات هذه الدول الإقليمية الكبرى، وعارضت مشروع انفصال إقليم كردستان، أو بعبارة دبلوماسية؛ أعلنت أنها مع وحدة كامل العراق. وساندتهم بهدوء القوى الدولية الكبرى أيضاً.

في الوقت نفسه، هناك رسالة مهمة وراء إفشال مشروع انفصال إقليم كردستان العراق. الرسالة أنه لن يسمح للقوى المحلية أو الإقليمية بتغيير الأوضاع الداخلية، وهذا لا يخص فقط الأكراد؛ بل حتى الجماعات المحسوبة على إيران في المنطقة؛ سواء في جنوب ووسط العراق، أو غيره، وضد كل دول المنطقة التي تحاول استغلال الفوضى وفرض جمهورياتها الصغيرة المقتطعة من وسط الحروب. وتسارع تقارب السعودية مع العراق، كما يبدو، تصحيح مهم في السياسة الخارجية تجاه هذه المناطق التي تحتاج إلى التقارب وليس إلى التجاهل.

ومع أننا ضد تقسيم العراق لصالح أي جماعة كانت؛ فإن هذا لا يعني السكوت عن محاولة إضعاف المكون الكردي العراقي المهم جداً في التوازنات العراقية؛ بل والمهم للمنطقة. وبالتأكيد لا يفترض أن نقبل بإضعاف سلطة مسعود بارزاني، رئيس الإقليم، أحد أهم زعماء العراق والمنطقة كلها. هناك قوى كردية تريد استغلال الأزمة الحالية ضد مسعود وسلطته، وهناك تركيا وإيران، وكذلك حكومة بغداد، تضعفه بتبنيها عقوبات مباشرة على الإقليم وعلى سلطاته، وتهديده عسكرياً.

نعم أخطأ الأكراد بإجراء الاستفتاء، واعتبار نتيجته مرجعية لتشريع الانفصال وإقامة دولة مستقلة، إنما هذه خطوة صدر ضدها «فيتو» عراقي وإقليمي، وتم إجهاض المشروع. ويفترض بعدها أن تعالج الأزمة الكردية، ليس بالمواجهة والتصعيد؛ بل بالمصالحة بين أربيل وبغداد، فالمشروع أجهض وسقط وانتهى. محاولة بعض القوى العراقية ملاحقة القيادات الكردية العراقية لا تصب في مصلحة بغداد، ولا مصلحة حكومة حيدر العبادي، بل تزيد الشقة اتساعاً. ولنتذكر أن الموقف الكردي في بغداد، المساند لبقية القوى العراقية، ساهم في إنهاء رئاسة نوري المالكي عندما رفض الخروج، وكان يريد الاستمرار رئيس وزراء بصلاحيات مطلقة ومدى الحياة. الأكراد مهمون في ميزان القوى في النظام السياسي العراقي، كما تم بناؤه في مرحلة الاحتلال الأميركي. استغلال الأزمة بإضعاف الأكراد وحكومة إقليمهم مشروع إيراني، ويناسب الميليشيات المسلحة مثل «الحشد الشعبي» التي، وإن رفعت الراية العراقية، وأضفت على نفسها الشرعية، تظل ميليشيا تنافس الجيش العراقي؛ قوة البلاد الشرعية، وتهدد وحدة البلاد.

وحتى تتوقف نزعات الانفصال، والتهديدات بتهميش سلطات العاصمة، فإن الحل يبقى تطبيق الوعود والالتزامات التي كونت الدولة الحديثة وكتبت دستورها. الدولة العراقية لكل العراقيين، وليست للأغلبية أو الأقوى تسليحاً، وسلطاتها منصوص عليها دستورياً، وليست المرجعيات الدينية، أو الميليشيات والعشائر المسلحة، أو من القوى الخارجية.

الشرق الأوسط

 

 

 

رسائل كركوك العاجلة!/ عبد الله السـناوي

بعض التحولات فى موازين القوى تكتسب قيمتها من حجم آثارها وتداعياتها، كأنها انقلاب استراتيجى تختلف الحسابات بعده عما كان قبله.

وقد كان حسم الصراع على كركوك، المدينة العراقية المتنازع عليها والغنية بالنفط، فى غضون ساعات دون قتال حدثا مدويا برسائله للإقليم كله.

أول رسالة ـ أن مشروع تقسيم العراق إلى دويلات عرقية ومذهبية تقوض وضربت ركائزه إلى حد بعيد.

هواجس التقسيم والانفصال تراجعت لكنها لم تغادر المكان.

ذلك الاستنتاج يقتضى نظرة أخرى تتجاوز قوة السلاح إلى حساب السياسة.

فهناك مشكلة كردية عميقة ومؤسسات الدولة معتلة والتعقيدات فى بنية المجتمع تنذر بمصاعب لا يمكن مواجهتها دون مصالحات واسعة على أسس دستورية وسياسية تضمن الشراكة الوطنية وحقوق المواطنة وشفافية المال العام والتحكم فى حركة السلاح.

الأطراف العراقية بلا استثناء واحد ـ تقريبا ـ تردد مثل هذه العبارات بصياغات مختلفة والمصير الأخير معلق على درجة الجدية فى إدراك مواطن الخلل والعمل على تجاوز منزلقاته.

هذه ليست مسألة سهلة بأى حساب واقعى ينظر فى التعقيدات والتداخلات، التى تفاقمت إثر الاحتلال الأمريكى لبغداد عام (٢٠٠٣).

فى المجال العام مبادرات لمصالحات وطنية واسعة تؤكد وحدة العراق واستقلال قراره لكنها تفتقر ـ حتى الآن ـ إلى آليات واضحة تضمن جدية الالتزام.

من أكثر العبارات شيوعا فى الخطاب العراقى المناهض لاستفتاء الانفصال أنه تجاوز الدستور، الذى ينص على وحدة أراضى الدولة.

التأسيس الدستورى لوحدة البلاد ضد أى مشروع للتقسيم والانفصال، أو أى تدهور فى بنيتها الداخلية، مسألة حاسمة.

المشكلة فى العالم العربى ـ مصر بالذات ـ أن أحدا لا يحترم الدستور ويلتزم بمقتضى نصوصه وروحه، رغم أن مثل هذا الاحترام أول متطلبات الدولة الحديثة.

رغم أية ملاحظات جوهرية على الدستور العراقى إلا أن احترامه طوق إنقاذ لبقاء البلد موحدا.

ثانى رسالة ـ عمق الأزمة الداخلية الكردية.

هزم «المشروع الانفصالى» من داخل إقليم كردستان قبل أن تتحرك الأرتال العسكرية العراقية وتحكم قبضتها على كركوك بكل قواعدها ومطاراتها ومنشآتها النفطية والعامة، فضلا عن استعادة جميع المناطق المتنازع عليها التى شملها الاستفتاء.

بتفاهمات مسبقة، حسب الشهادات والمعلومات المتواترة، سلمت قوات البشماركة، التى تتبع الاتحاد الوطنى الكردستانى، كل هذه المواقع دون قتال.

نظريا: البشماركة تدخل فى المنظومة العسكرية العراقية.

عمليا: هى جيش خاص بالإقليم، لكنه يفتقد التماسك التنظيمى، فلكل حزب كردى ميليشياته الخاصة.

بافتراق الرؤى والتصورات وعمق الانتقادات المتبادلة بين الحزبين الكرديين الكبيرين «الحزب الديمقراطى» ـ الذى يتزعمه رئيس الإقليم «مسعود البرزانى» وله صلات قديمة مع إسرائيل، و«الاتحاد الوطنى» ـ الذى أسسه الرئيس العراقى الراحل «جلال طلبانى» وله صلات تاريخية مع الجار الإيرانى، تشققت «وحدة البشماركة» وتبدت على السطح الساخن اتهامات متبادلة، ليس أقلها الخيانة.

الصراعات متوارثة، فقد انشق الثانى عن الأول.

الشكوك عميقة، فحزب «البرزانى» يسيطر على أربيل ويمسك وحده بمقاليد السلطة وعوائد النفط ويتهمه معارضوه بأن تجربته فى حكم الإقليم، التى امتدت لأكثر من ربع قرن، لم تساعد على تحسين أحواله وأنه محض ديكتاتور صغير أمم الحياة السياسية ولم يترك منصبه رغم انقضاء مدته وعطل الحياة النيابية بالكامل.

وحزب «طلبانى» يكاد يهيمن على السليمانية، وهى محافظة كردية مهمة، وحضوره السياسى والعسكرى فى كركوك المتنازع عليها أبرز وأقوى، وهو متهم ـ من قبل الحزب الآخر ـ بالخيانة نتيجة قرار منفرد اتخذه انتهت بانسحاب البشماركة بالطريقة التى جرت.

المثير فى القصة أن القوات التابعة لـ«البرزانى» لم تطلق رصاصة واحدة، لا قاتلت ولا دافعت، واستسلمت تماما لحقائق القوة مكتفية بإطلاق الاتهامات.

بدا أن جميع الأطراف الإقليمية والدولية حسمت أمرها على ترك «البرزانى» وحيدا أمام تقدم القوات العراقية.

باستثناء إسرائيل لم يؤيد الاستفتاء على الانفصال أحد ولم يكن بوسع الدولة العبرية أن تفعل شيئا.

على أى أساس راهن «برزانى» على تصعيد الأزمة مع الحكومة المركزية ومع الجاريين الإقليميين التركى والإيرانى؟

هذا السؤال يشغل الأكراد قبل غيرهم.

هناك مؤشرات على احتقانات تتصاعد واحتمالات مواجهات بين الفرقاء الأكراد مع خسارة ما اكتسبوه من أرض أثناء المواجهات مع «داعش».

بالعودة إلى أوضاع (2003) خسارة «البرزانى» لا تحتمل وقدرته على البقاء بين قوسين كبيرين.

ثالث رسالة ـ تراجع احتمالات تقسيم دول المشرق العربى، وأهمها سوريا، وأية دول عربية أخرى.

تقويض المشروع الانفصالى فى العراق يفضى بالتبعية إلى تقويض مماثل لأية مشروعات انفصالية محتملة.

كألعاب الدومينو ما إن يسقط حجر حتى تتبعه أحجار أخرى.

إذا مضى مشروع انفصال كردستان العراق إلى نهايته فإن المصير نفسه سيكون مرجحا فى سوريا حيث ترسم الخرائط بحسابات السلاح.

فالولايات المتحدة تحالف وتدعم وتخوض معارك مشتركة مع قوات «سوريا الديمقراطية» بأغلبيتها الكردية لحسم معركة الرقة، عاصمة دولة الخلافة، وتستخدم نفس القوات لقطع الطريق على تقدم الجيش السورى فى دير الزور.

هذه لم تكن مناكفات ميدانية بقدر ما هى محاولة بالسلاح لرسم خرائط على الأرض قبل التوصل إلى أية تسوية سياسية.

كلا اللاعبين الإقليميين الكبيران الإيرانى والتركى ناهض اللعبة إذ إن نتائجها تهدد أمنهما القومى على نحو خطير.

كان لذلك دور حاسم فى إنهاء الانفصال المحتمل لكردستان العراق خشية أن تمتد اللعبة إلى سوريا.

أحد الأسباب الجوهرية لتصدع العلاقات بين واشنطن وانقرة عدم اطمئنان الأخيرة لأى تعهدات أمريكية بشأن احتمالات تأسيس دولة كردية بالشمال السورى على الحدود التركية، حيث تقطن أقلية كردية كبيرة تناهز 20 مليونا فى بعض التقديرات، وهو ما يفضى إلى تفككها كدولة إقليمية كبيرة.

رابع رسالة ـ أن مشروع التحالف التركى الإيرانى العراقى قد يأخذ مدى أوسع بعد أن تمكن فى وقت قياسى بإجهاض الانفصال الكردى فى العراق.

باليقين الدور الإيرانى أكبر فى حسم الصراع على كركوك، لكن تركيا ـ من ناحية استراتيجية ـ ربحت من مثل هذا التحالف.

بذات القدر فإن دولا عربية كثيرة مهددة بـ«دومينو التقسيم» ربحت دون أن تكون طرفا له دور، أو تأثير، وأحيانا أثارت شكوكا حول أين تقف بالضبط؟

كانت إسرائيل الخاسر الأكبر فى إجهاض مشروع الانفصال.

فقد راهنت على تفكيك العالم العربى وإعادة بناء شرق أوسط جديد تلعب فيه دور المركز بإدارة تفاعلاته ومصالحه.

بذات التوقيت خسرت رهانا آخر على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية تحت غطاء المصالحة بين فتح وحماس لتجاوز الانقسام القاتل، والدور المصرى حاضر وفاعل فى الملف.

السؤال الأهم فى كل تلك الرسائل العاجلة: أين مصر ـ بالضبط ـ فى النظر إلى توازنات القوى وتحالفاتها المستجدة فى الإقليم؟

بأى حسابات للمصالح الاستراتيجية فإيران وتركيا ليستا عدوتين ـ أيا كانت مساحات الاختلاف، وإسرائيل ليست صديقة ـ أيا كان ضجيج الدعايات.

أسوأ ما يحدث أننا نعطى لإسرائيل أسبابا للقوة لا تستحقها وننزع عن أنفسنا أية قدرة على المبادرة تجاه الإقليم وأزماته.

أرجو أن نقرأ بشىء من التأمل رسائل كركوك العاجلة.

* كاتب صحفي مصري

الشروق المصرية

 

 

 

كيف تحوّل حلم استقلال أكراد العراق إلى كابوس؟

ترجمة منال حميد – الخليج أونلاين

قبل عامين، وعقب معارك خاضتها قوات البيشمركة الكردية مع تنظيم الدولة، تمكّنت تلك القوات من استعادة مدينة سنجار القريبة من الموصل شمالي العراق، فوقف رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود البارزاني، على قمة جبل هناك ورفع العلم الكردي، وألقى خطاباً أكد فيه أن العلم الكردي “سيبقى مرفوعاً”.

إلا أنه وبعد أقل من عامين، عاد العلم العراقي ليرفرف مجدداً على سنجار، بعد أن دخلتها القوات الحكومية، فكيف تحوّل استفتاء كردستان، الذي جرى في الـ 25 من سبتمبر الماضي، إلى نقمة؟ تتساءل صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية.

تقول الصحيفة إن نتائج استفتاء كردستان جاءت بنتائج عكسية على الأكراد؛ فعلى الرغم من الاعتراضات العراقية والإقليمية الغاضبة، أصرّ رئيس الإقليم على إجراء الاستفتاء، غير أن الأمر انقلب ضده، وأدى إلى انتكاسة كبيرة للأكراد.

وبينما كانت الرغبة الإقليمية، وحتى الدولية، تقف ضد الاستفتاء، فإن ذلك أدى إلى تقسيم وانقسام الأكراد، خاصة عقب ما جرى بعد الاستفتاء؛ فلقد ازداد التصدّع الداخلي الكردي، ولم يعد مجدياً حتى إلقاء اللوم على جناح في الاتحاد الوطني الكردستاني المنافس للبارزاني بأنه وراء ضياع كركوك.

يقول محمود عثمان، وهو سياسي كردي مخضرم، كان أحد أعضاء وفد كردستان في مفاوضات الحكم الذاتي عام 1970، إن ما جرى كان خطأ في التقدير، مؤكداً أنه حذّر البارزاني من أن عدم الحصول على الاستقلال سيشكّل خيبة أمل كبرى، خاصة في ظل الاعتراضات الإقليمية.

وتابع عثمان: “ربما اعتقد البارزاني أنه في حال جرى الاستفتاء فإنه ستنشأ حالة جديدة يجب أن يتم التعامل معها، هناك ثقة بالسيد البارزاني وعائلته، ربما اعتقد أن أمريكا أيضاً ستتعامل معه بشكل مختلف، أو أن إيران وتركيا لن تتخذا الكثير من الإجراءات ضده، قد يكون البارزاني حصل على تقارير مختلفة من مستشاريه”.

يقول معارضو البارزاني إنه كان بحاجة إلى تعزيز شعبيته، فلقد مدّد ولايته في العام 2013 من خلال البرلمان ولم تُجرَ أي انتخابات، حتى الانتخابات التي كانت مقررة الشهر المقبل عُلّقت حينما أعلنت المفوضية أن أحداً لم يترشح لها.

يقول أحد معارضي البارزاني، طالباً عدم ذكر اسمه، إن البارزاني أراد من خلال اللعب بورقة الاستقلال أن يستعيد شرعيته.

الأكراد تمكّنوا، خلال فترة محاربة تنظيم الدولة، من ضم كافة الأراضي التي كانت توصف بأنها متنازع عليها في الدستور العراقي، وحتى قبل الاستفتاء فإن حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، كان يبحث في كيفية استعادة تلك الأراضي من سلطة كردستان، ما جرى أن الاستفتاء سرّع من وتيرة عمل العبادي، بحسب مسؤول في الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وزارة الخارجية الأمريكية أعربت عن معارضتها إجراء الاستفتاء بشدة؛ لأن ذلك سيضعف كثيراً من حليفها في بغداد، حيدر العبادي، قبل الانتخابات المقررة العام المقبل.

مسؤول أمريكي كشف للواشنطن بوست أنه، على الرغم من المعارضة الأمريكية الواضحة لإجراء الاستفتاء، فإن البارزاني تلقّى رسائل من أمريكا وبريطانيا تعده بدعمه خلال المفاوضات التي ستجري مع بغداد عقب الاستفتاء، وأنه في حال لم تتقدّم المفاوضات مع بغداد بعد عامين فإن الولايات المتحدة ستعترف بالحاجة إلى إجراء استفتاء.

سعدي بيره، المتحدث باسم الاتحاد الوطني الكردستاني، المنافس الأبرز للبارزاني، قال إن أعضاء في حزب البارزاني ناقشوا رسالة وزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، إلى البارزاني؛ التي تحدث فيها عن تأجيل التصويت لعامين مقابل دعم أمريكي للأكراد في مفاوضاتهم مع بغداد، وفي حال لم يحصل تقدّم فإن أمريكا ستدعم إجراء الاستفتاء.

إلا أن بعض أعضاء حزب البارزاني طالبوا بأن تكون الرسالة الأمريكية أقوى. وقد قال البارزاني إنه حتى في حال قرر الاتحاد الوطني الكردستاني عدم إجراء الاستفتاء في مناطقه فإنه ماضٍ بإجرائه في المناطق الخاضعة لسيطرته، وهذا كان سيتسبب بخلاف كبير.

هذا الكلام نفاه هيمن هورامي، مستشار البارزاني، واعتبره “تضليلاً”، قائلاً: “إن جميع الأطراف كانت وراء قرار إجراء الاستفتاء”.

أكثر من ذلك، أن اثنين من المسؤولين في الخارجية الأمريكية نفوا أن يكون وزيرهم قد وجه رسالة إلى البارزاني بشأن تأجيل الاستفتاء والشروع بمفاوضات مع بغداد، مع تأكيد أن الخارجية الأمريكية كانت دوماً مع المفاوضات والحوار بين بغداد وأربيل.

النقطة الحاسمة التي غيّرت شكل المعادلة قبل الدخول في كركوك هي إيران؛ فقبل أيام من دخول القوات العراقية إلى كركوك، زار قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، السليمانية وأربيل؛ في محاولة لإقناع البارزاني بالتخلّي عن نتائج الاستفتاء، في هذا الوقت كانت شوارع كردستان تعجّ بالمحتفلين، كان التراجع سيعتبر خطأً فادحاً.

قبل دخول القوات العراقية إلى كركوك عقدت القيادات الكردية اجتماعاً موسّعاً في دوكان، بحضور الرئيس العراقي، فؤاد معصوم، وقدّمت وقتها صفقة تقضي بأن يُسمح للقوات العراقية بالدخول إلى كركوك، إلا أن البارزاني رفضها وغادر الاجتماع غاضباً، بحسب أحد الحاضرين.

عقب الاجتماع تحدثت وسائل الإعلام الكردية عن أنه تم خلال الاجتماع الاتفاق على وحدة الصف، وأنه لا مجال للتفاوض مع بغداد من قبل أي طرف كردي.

يتحدّث الملا بختيار، المسؤول في الاتحاد الوطني الكردستاني، عن أنه كانت هناك صفقة لإدخال القوات العراقية إلى كركوك، مؤكداً أن الصفقة تمت من خلال وسيط رفض الإفصاح عن هويته. وشدد على أن تلك الصفقة قُبلت حتى من طرف الحزب الديمقراطي الكردستاني، وليس من طرف الاتحاد الوطني فقط.

إلا أن سعدي بيرا، من الاتحاد الوطني الكردستاني، قال إن تفاصيل الصفقة لم يُبلَّغ بها العديد من قيادات الحزب، وأنها ربما تكون قد أُجريت سراً مع جماعة “أصدقاء كركوك”، التي تقودها أرملة الرئيس السابق المتوفَّى مؤخراً، جلال الطالباني، وأن الصفقة مُرّرت، وتم الاتفاق عليها خلال مراسم جنازة الطالباني.

مسؤول آخر في حزب البارزاني قال إن الصفقة عُقدت مع قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني.

ووفقاً للاتفاق، انسحبت القوات الكردية مع تقدّم القوات العراقية؛ فلقد وصلت أوامر للقيادات العسكرية الكردية بالانسحاب، وهو ما دفع العديد من تلك القيادات إلى وصف ما جرى بأنه خيانة لدماء الشهداء، بحسب الملازم برهان رشيد.

بغداد أعلنت أنها استعادت المواقع التي سيطرت عليها القوات الكردية بعد 2014، ومع ذلك فإن قادة المليشيات الشيعية التي تشارك القوات العراقية تقدمها وقتالها ضد البيشمركة الكردية يضغطون باتجاه إجبار القوات الكردية على العودة إلى مواقعها قبل عام 2003، وهو أمر قد يؤدي إلى صراع يطول أمده، بحسب السياسي الكردي برهم صالح.

واشنطن بوست

 

 

 

أزمة الاستفتاء: السيناريو الذي لم يتوقعه أحد/ يحيى الكبيسي

قلنا في مقال الأسبوع الماضي إن خيارات الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان محدودة إلى حد بعيد، وان الطرفين يعولان على الفاعل الإقليمي والدولي لترجيح كفة أي منهما على كفة الآخر، او فرض حل عليهما معا. بعد أربعة أيام فقط حدث ما لم يتوقعه أحد، صفقة مع جناح عائلة الطالباني في حزب الاتحاد الوطني الكردستاني (المكون من زوجة، وابن، وأبن أخ الرئيس الراحل جلال الطالباني: هيرو ابراهيم احمد وبافل الطالباني ولاهور شيخ جنكي الطالباني) مع بغداد برعاية من قاسم سليماني تنسحب بموجبها قوات البيشمركة التابعة للاتحاد من المناطق المتنازع عليها الخاضعة لسيطرتها في محافظة كركوك، ومنطقة طوزخرماتو في صلاح الدين، ومناطق خانقين وجلولاء في محافظة ديالى، مقابل تقدم سريع ومتفق عليه من القوات الاتحادية والميليشيات المتجحفلة معها للسيطرة على هذه المناطق.

هذا التحركات فرضت على قوات البيشمركة التابعة للحزب الوطني الديمقراطي (البارتي) إلى الانسحاب، اضطرارا، من مناطق تواجدها المحدود على أطراف مدينة كركوك، ثم انسحابها لاحقا من مناطق متنازع عليها عديدة شمال محافظة كركوك في قضاء الدبس (حيث حقلي نفط باي حسن وآفانا)، ومناطق متنازع عليها شرق وشمال وغرب محافظة نينوى. ويبدو مشهد هذا الانسحاب اشبه باستعادة لحظة 1966 عندما تحالف جناح ابراهيم احمد وجلال الطالباني مع الحكومة العراقية يومها لقتال قوات الملا مصطفى البارزاني! ولحظة 1996 عندما دخلت قوات الحزب الاتحاد الوطني الكردستاني بدعم ايراني إلى أربيل مما اضطر البارزاني حينها إلى الاستعانة بالقوات العراقية لاستعادتها! فقد وجدت أربيل نفسها وحيدة بمواجهة بغداد، بل والسليمانية أيضا بعد هذه الصفقة، وهو ما اضطرها إلى الانسحاب عن الحدود التي وصفها البارزاني نفسه بانها حدود رسمت بالدم ولن ينسحب عنها مطلقا، إلى حدود يستطيع الدفاع عنها بدلا عن الانتشار الواسع الذي يضعف قدراته الدفاعية إلى حد بعيد.

بعيدا عن التحركات العسكرية، فقد كشفت صفقة كركوك عن طبيعة الشرخ الواسع بين السليمانية وأربيل، وهو الانقسام الذي وصفناه في مقالة سابقة بانه يجعل حلم الدولة الكردية حلما مؤجلا، وانه ليس ثمة إمكانية موضوعية للحديث عن «دولة» كردية موحدة مع هكذا انقسام! ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد انقسام سياسي، وإنما باختلافات أكثر عمقا تتعلق بعوامل سوسيو ـ ثقافية مرتبطة بالانقسام المجتمعي بين السورانين والبهدينانين. وهو انقسام لغوي/لهجي بالأساس، اذ تنقسم اللغة الكردية إلى الكرمانجية الشمالية (البهدينانية) والسورانية (الجنوبية).

وقد نتج عن هذا الانقسام اللغوي اختلافات اجتماعية واقتصادية وثقافية واسعة بين شمال كردستان العراق الناطقة بالكرمانجية (بهدينان)، وجنوبها الناطق بالسورانية، وكانت التوترات بين جماعة ابراهيم احمد وجلال الطالباني (السورانيين) من جهة، والبارزانيين (البهدينان) من جهة ثانية داخل الحركة الكردية العراقية منذ بدايتها، تستند إلى حد كبير إلى هذه الاختلافات، ويشير فريد هاليداي، وهو أحد المختصين بالدراسات الكردية، أن النزاع الضاري بين الحزبين الرئيسيين قد تسبب في تكريس انقسام الإقليم الى منطقتين مختلفتين ايكولوجيا واجتماعيا وثقافيا، كل منطقة منهما تشعر بتمايز متزايد عن الآخر.

صحيح أن صفقة كركوك لم يشارك فيها حزب الاتحاد الوطني الكردستاني ككل، بل اقتصر على جناح عائلة الطالباني فيه، إذ ثمة معارضة صريحة أبداها كوسرت رسول نائب الأمين العام للحزب للصفقة بين بغداد والسليمانية، وربما معارضة ضمنية أبداها آخرون (كما في حالة ملا بختيار مسؤول الهيئة العاملة للمكتب السياسي للحزب)، إلا ان رمزية عائلة الطالباني في هذا السياق جوهرية، كما أن المكاسب التي يفترض أن السليمانية ستحققها نتيجة هذه الصفقة، يمكنها في النهاية أن تفرض شروطها! صحيح أن طبيعة هذه المكاسب غير واضحة حتى اللحظة، إلا انها بالضرورة سوف تشكل مادة صالحة للتسويق سياسيا وجماهيريا (من بينها ضمان رواتب العاملين في السليمانية على أقل تقدير!). فالصفقة قد تضمن للسليمانية هيمنتها النهائية على كركوك عبر صيغة الإدارة المشتركة فحزب الاتحاد الوطني يهيمن منذ 2003 على مجلس محافظة كركوك وبالتالي هو يحتكر منصب المحافظ، ويسيطر ايضا على قوى الأمن المحلية التي تشكل امتدادا لبيشمركة الحزب، لكن هذه الهيمنة وجدت من ينافسها في اربيل من خلال سيطرة الخيرة على الحقول النفطية في المحافظة، مع تحويل ولاء محافظ كركوك نفسه نجم الدين كريم (وهو أحد قياديي الاتحاد الوطني) نحو اربيل.

ويبقى السؤال الجوهري الذي يجب طرحه هنا، هو عن مستقبل إقليم كردستان نفسه في ظل التطورات الاخيرة! فقد أثبتت الوقائع أن ليس ثمة سلطة حقيقية لأربيل في السليمانية، وأن ثمة سلطتين مقننتين في كل منهما، وأن السردية التي تم تسويقها حول «وحدة الإقليم وسلطاته» لا وجود لها على الأرض! فبعد حرب 1996 تدخلت الولايات المتحدة في النهاية لتحقيق اتفاق سلام بين الطرفين تم توقيعه في واشنطن في أيلول/ سبتمبر 1998، وقد ظل صامدا حتى العام 2003. بعد العام 2003، وعلى الرغم من وحدة الموقف الكردي في بغداد، إلا ان ثنائية السلطة ظلت قائمة عمليا. ويبدو واضحا بعد صفقة كركوك أن ثمة نزعة في السليمانية يقودها جناح عائلة الطالباني لفض الرابطة الشكلية مع اربيل، ربما بالذهاب إلى إقليم خاص للسليمانية، مع ضمن الهيمنة على كركوك وخانقين وجلولاء عبر صيغة الإدارة المشتركة مع بغداد مؤقتا، مع العمل على ضم هذه المناطق الى هذا الإقليم في مرحلة لاحقة في إطار تنفيذ المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، أو على أقل تقدير العمل على إقامة إقليم محافظة كركوك مع ضمان هيمنتها عليها في إطار صفقة مع بغداد!

بعيدا عن الانقسام الكردي الكردي ومآلاته، يبدو من خلال الأزمة الاخيرة أن الولايات المتحدة ما زالت عاجزة عن ايجاد استراتيجية واضحة في العراق! فالمسؤولون الأمريكيون أنفسهم يصرحون دائما في لقاءاتهم بذلك، ويصفون تعاملهم مع الازمات في العراق بالسياسة الامريكية تجاه العراق، وتبدو هذه السياسة لغزا حقيقيا! تحديدا فيما يتعلق بتكريس التغول الايراني في العراق! والمفارقة هنا ان الدور المركزي لقاسم سليماني في صفقة كركوك جاءت مباشرة بعد إعلان الرئيس ترامب لاستراتيجيته الجديدة تجاه إيران، فالمليشيات العاملة تحت مسمى الحشد الشعبي، باتت تسيطر على محافظات كركوك ونينوى بالكامل بعد الصفقة الأخيرة! كما انها أصبحت اللاعب الأهم في السليمانية، الحليف المفترض للولايات المتحدة الامريكية! وأقصى ما يمكن توقعه من الولايات المتحدة هي العمل على التقليل من جموح بغداد نحو إعادة صياغة العلاقة مع أربيل إلى ما دون مستوى الفيدرالية!

بالنسبة لتركيا فان طبيعة الفجوة بين الخطابات التركية وسياساتها على الأرض، تشير الى انها في النهاية قبلت بسيناريو متطابق مع سيناريو تلعفر، هيمنة الميليشيات الولائية (التي تؤمن بمقولة الولاية العامة المطلقة للفقيه وتقلد الخامنئي) على كليهما، ويبدو ان الامن القومي التركي أكثر اهمية من أية رابطة أخرى!

أخيرا ما زالت الحدود التي يمكن ان تقف عندها انسحابات أربيل، أو الحدود التي تريد بغداد الوصول اليها غير واضحة! فالقرارات الرسمية (مجلس النواب العراقي والعبادي) التي كانت تتحدث عن حدود 10 حزيران 2014 لم تعد حاكمة! فيما يتحدث الرئيس مسعود البارزاني في خطابه يوم أمس عن وجود اتفاق مع الحكومة العراقية، قبل انطلاق عملية استعادة الموصل، بأن تكون حدود التماس بينهما هي الحدود التي كانت قائمة في تشرين الأول 2016 التي لم تعد ملزمة لبغداد كما يبدو! كما لا يمكن الحديث عن حدود نيسان 2003 التي أقرها الدستور العراقي لان القوات الاتحادية اوقفت تقدمها في بعض المناطق قبل الوصول إلى هذه الحدود! هنا فقط نستطيع تلمس دور أمريكي غير معلن للاتفاق على خط هذه الحدود الجديدة بصمت!

٭ كاتب عراقي

القدس العربي

 

 

من كركوك إلى إدلب… والبحر/ سمير السعداوي

هو التاريخ ذاته، المراحل والمصالح والحرب ذاتها والنتائج والتفاصيل. هذا ما يمكن استنتاجه من ظروف محيطة بدعوات الاستقلال بعد الاستفتاء في كردستان العراق.

لا يتطلب الأمر كثيراً من البداهة لاستخلاص أن القضية لا تزال تدور في الحلقة المفرغة التي علقت فيها منذ أواسط القرن الماضي، أو لعلها دلائل على المقولة الشهيرة التي تحذر من توقع نتائج مختلفة لتكرار فعل الشيء ذاته، وهي التي يمكن استدراكها بنصيحة مفادها: «إذا كانت الوقائع لا تتناسب مع النظرية فعليك تغيير الوقائع» لا النظرية، طبعاً، مع صعوبة تغيير الوقائع في معظم الأحيان، واستحسان انتظار ظروف مناسبة لتغيرها تلقائياً.

لا تقاس أعمار الدول بالبشر، فهؤلاء لهم عهود محددة بأجيال، في حين أن ظروف الدول متعلقة بالجغرافيا. وإذا كانت هناك مآخذ موضوعية على ملابسات الاستفتاء الكردي، فطبيعي أن تكون حول توقيته ومدى صحة قرار شمل كركوك به في هذه المرحلة، بما للمدينة من خصوصية تعددية، جامعة للأعراق والانتماءات.

هذا لا يعني أن ثمة عذراً للتنظير وسوق مبررات، فتوقيت القرار قد يكون اتخذ في ضوء «أحقية» نابعة من تضحيات بذلت لردع إرهابيي «داعش» وردّ أذاهم الذي لم يُوفّر أحداً، الأمر الذي وحّد المواقف وأعطى أولوية لمكافحة خطرهم، لكن القلق الأساسي يتجسد في أن تكون الحماسة القومية قد طغت على القراءة المتأنية للآتي الأخطر على صعيد المنطقة، والذي قد يتصدر أولويات عواصم القرار المهتمة بمصالحها وتُقدمها على ما عداها من تطلعات بغض النظر عن أحقيتها، أو مطالب أياً كانت مشروعيتها.

في مكان غير بعيد جغرافياً ولا تختلف ظروفه السياسية كثيراً، لا تجد تركيا غضاضة في إدخال قواتها إلى الأراضي السورية تحت سمع سلاح الجو الروسي ونظره، في مهمة تتجاوز كل التناقضات، إلى استهداف تمدد الأكراد في إدلب. مهمة، قُدّم لها بالتشديد على «أهمية احتواء خطر وحدات حماية الشعب الكردية ومنعها من محاولة شن أي هجوم جديد يوسع نطاق سيطرتها إلى البحر المتوسط»، كما قال قيادي في فصيل محلي متحالف مع الأتراك، لم يتمالك أن يهلل بأنه «اليوم أصبح القول إن حلم الانفصاليين بالوصول إلى المنفذ البحري ودخول إدلب ومن ثم جسر الشغور وجبال الساحل أصبح حلم إبليس بالجنة». بديهي أن هذا القيادي يتحدث بلغة الأتراك عن الأكراد بإشارته إلى الانفصاليين، ويشير إلى مخاوف من اتساع طموحات دعاة الاستقلال إلى «كردستان الكبرى».

وبمعنى آخر بمنطق المصالح الجيو- استراتيجية، فالخط الأساسي الرابط بين كركوك والبحر المتوسط هو خط أنابيب كركوك- جيهان الأكبر من نوعه لتصدير النفط من الأراضي العراقية إلى الميناء التركي وبدأ تشغيله عام 1976. ولا يخلو الأمر من مدلولات أن هذا الخط يخترق مناطق كردستان ويراد تحويله عن مساره، على رغم انعكاسات سلبية لذلك على المشترين الأوروبيين.

تقدم القوات العراقية إلى كركوك خطر، والأخطر من ذلك أن يشارك فيه «الحشد الشعبي» الذي يعمل تحت إمرة القيادة العراقية بمباركة مرجعيته في النجف، ما يعطي جدية للتحذيرات من أخطار «حرب أهلية» في كركوك، في وقت لا تحتاج المنطقة إلى تصعيد مع بروز مخاوف أقرب ما تكون إلى مؤشرات لاحتكاك محتمل بين الإيرانيين والأميركيين الباحثين عن فرصة إضافية للشكوى من طهران و «طيشها» الإقليمي، وميلها إلى افتعال المواجهات وصولاً إلى تسويات. وبذلك يكون طغيان حدث على آخر، مقدمة لإبراز تحديات أكثر إلحاحاً كما كان الحال في الفوضى التي أحدثتها دولة «داعش» المزعومة.

الحياة

 

 

هل يسدّد مسعود بارزاني فاتورة الاستفتاء وتداعياته؟/ بشير عبد الفتاح

أما وقد أعلنت مفوضية الانتخابات في كردستان العراق تعليق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كان مقرراً إجراؤها مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، تزامناً مع تداعيات الوضع الجيوسياسي الجديد المتمثل في استعادة حكومة بغداد المناطق المتنازع عليها، يكون الإقليم قد أضحى على شفا منعطف سياسي خطر، ليس فقط في ما يتصل بمصيره، ولكن أيضاً في ما يخص مستقبل رئيسه مسعود بارزاني.

فبمرور الوقت، ومع تعقد الأزمة، يبدو بارزاني كما لو كان على موعد مع سداد فاتورة الاستفتاء الذي أصر على إجرائه في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، وسط معارضة شديدة من بغداد والمجتمع الدولي، باستثناء إسرائيل. خطوة الاستفتاء، ترتبت عليها نتيجتان فارقتان، الأولى عسكرية وتجلت في تبديد المكتسبات الجيواستراتيجية التي اغتنمها الإقليم ورئاسته مِن وراء الدور البارز للبيشمركة خلال الحرب ضد «داعش»، بعدما تراجعت القوات الكردية إلى خطوط حزيران (يونيو) 2014 أو ما يعرف بحدود عام 2003، إثر فقدان الأراضي التي ضمَّتها بعد تحريرها من سيطرة «داعش»، وفي قلبها كركوك حيث توجد 40 في المئة من احتياطي النفط و70 في المئة من احتياطي الغاز العراقيين.

والثانية، تمثَّلت في التداعيات السياسية للاستفتاء، والتي بدت في ملمحين بارزين: أولهما الصدع الهائل الذي ضرب وحدة إقليم كردستان، إذ أفضى إصرار بارزاني على انفصاله إلى اضطراب سياسي تجلى في تداول معلومات عن احتمالات طرح سيناريو العودة إلى صيغة الإدارتين التي اعتمدت في تسعينات القرن الماضي، إذ كانت محافظة دهوك تتبع أربيل والحزب الديموقراطي بينما تتبع كركوك السليمانية وحزب الاتحاد الوطني، فيما توصل حزبا بارزاني وطالباني عام 2000 وبعد نزاع مسلح إلى تفاهم لبسط النفوذ على كردستان، وتوحيد إدارتي المدينتين في حكومة واحدة، على أن يتولى كل حزب مسؤولية إدارتها لمدة عامين.

وبينما تبدي دوائر كردستانية تفهماً لصيغة الإدارتين حالياً، خاصة بعدما فقد حزب بارزاني نفوذه في كركوك ومناطق أخرى على خلفية الاستفتاء وتداعياته، في وقت نجح حزب الاتحاد الوطني في إبرام صفقات مع بغداد وطهران، تلقى على إثرها وعوداً بتعزيز نفوذه في المحافظة الغنية بالنفط وفي السليمانية بعد انسحاب القوات التابعة له مِن المناطق المتنازع عليها، لوَّحت مصادر كردية مطلعة بإمكان إقدام حزب الاتحاد الوطني على إعلان استقلال السليمانية عن أربيل بدعم من حكومة بغداد ومباركة من طهران، لقاء التسهيلات الكبيرة التي قدَّمها الحزب لخطة رئيس الوزراء حيدر العبادي الرامية إلى استعادة السيطرة على المناطق المتنازع عليها من أيدي البيشمركة. كما لم تستبعد المصادر نفسها أن تدعم بغداد وطهران انتقال مركز الثقل السياسي الكردي من أربيل إلى السليمانية، في خطوة، قد تعيد إلى الأذهان، ما فعله طالباني عام 1996، حين استعان بإيران لإنهاء حكم بارزاني، وها هم اليوم يكادون يكررون السيناريو نفسه، ولكن في غياب صدام حسين، الذي سانَد مسعود بارزاني حينها وأنقذه مِن السقوط.

الملمح الثاني، تمثَّل في الفرصة الذهبية التي أتاحها الاستفتاء وتداعياته لخصوم بارزاني السياسيين، سواء حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، أو حركة التغيير، أو حتى معارضيه داخلَ حزب الاتحاد الديموقراطي، علاوة على الساسة العراقيين في بغداد، للانقضاض عليه، وتبديد آماله في أن يصبح الأب المؤسس لأول دولة كردية ويورث حكمها لنسله. ويرى معارضو بارزاني أن استمراره في رئاسة إقليم كردستان بات أمراً غير شرعي، بعدما انتهت فترات رئاسته القانونية في آب (أغسطس) 2015، كما يسعون للحيلولة دون تمكنه من توريث منصب الرئيس لابنه مسرور. وبناءً عليه، دعا رئيس برلمان إقليم كردستان يوسف محمد، بارزاني، إلى تقديم خدمة جليلة لشعبه عبر الاستقالة من منصبه وإتاحة الفرصة للأكراد ليقرروا مصيرهم بإرادة حرة، وليس على أساس حساباته السياسية العائلية.

وبعدما حمَّلت «السياسة الفاشلة» بارزاني مسؤولية ضياع مكتسبات الإقليم، دعت «حركة التغيير» شخصيات سياسية كردية إلى وضع خطة للخروج من الأزمة عبر إعادة بناء مؤسسات الحكم على أسس وطنية، وطالبت السلطات التي كانت تستخدم معاناة الشعب لمصالحها الشخصية والحزبية، بتحمل مسؤوليتها عما جرى عقب الاستفتاء ومن ثم التنحي عن أي مهمات تنفيذية أو مناصب سياسية. وتعتبر «حركة التغيير» ثاني أكبر قوة سياسية معارضة في كردستان العراق بعد الحزب الديموقراطي، وأفضى توتر علاقتها ببارزاني إلى منع الأخير أعضاء الحكومة ونواب البرلمان التابعين للحركة من مباشرة مهامهم في أربيل، الأمر الذي تسبَّب في حدوث شلل تام في مؤسسات الإدارة البلدية الكردية.

وتسعى تلك الحركة من أجل تشكيل حكومة إنقاذ وطني إلى حين تحديد موعد جديد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية. وشأنها شأن أحزاب سياسية كردية أخرى على شاكلة «التحالف من أجل الديموقراطية والعدالة» بزعامة برهم صالح، الذي انشق عن الاتحاد الوطني الكردستاني، ترى «حركة التغيير» أن التداعيات الخطرة التي أعقبت الاستفتاء تعد مؤشراً على أفول حقبة آل بارزاني في حكم إقليم كردستان، كما تعتبر أن انسحاب البيشمركة من مناطق نفوذها يشي بأن «الظاهرة البارزانية» في السياسة الكردية باتت مِن الماضي.

وبدا لافتاً أن إسدال الستار على حكم بارزاني كردستان لم يعد هدفاً لخصومه من الأكراد داخل حدود الإقليم فحسب، إذ بدأ سياسيون بارزون في الأحزاب الشيعية العراقية الموالية لإيران في الإعلان صراحة عن رغبتهم في إنهاء حكم بارزاني وعائلته. ومِن أبرز هؤلاء رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، الذي يقود حزب الدعوة الإسلامية الحاكم، والطامح بقوة إلى استعادة منصبه، غير مكترث بضعف حظوظه مقارنة بمنافسه حيدر العبادي صاحب إنجاز استعادة المناطق المتنازع عليها وحماية وحدة العراق بعد تحرير ثلث أراضيها من «داعش».

فبمنطق براغماتي بحت، لم يتورّع المالكي عن استثمار محنة بارزاني، لتقوية موقفه التنافسي المرتبك في الانتخابات العراقية المزمع إجراؤها في ربيع 2018، عبر إطلاق حملة شعواء تستهدف رئيس إقليم كردستان وتحمله مسؤولية إخفاقات المالكي نفسه حين كان رئيساً للوزراء، بتغليب مصالحه الشخصية والعائلية على مصلحة الإقليم ووحدة واستقرار الدولة العراقية، فضلاً عن وصمه بالخيانة والتواطؤ مع إسرائيل، وتسهيل غزو «داعش» واحتلاله الموصل وغيرها من المناطق العراقية صيف 2014.

* كاتب مصري

الحياة

 

 

كركوك بين بسط سلطة بغداد ودعوات إصلاح الإقليم والتدخل الخارجي/ مصطفى العبيدي

بغداد ـ «القدس العربي»: شكلت استعادة القوات العراقية، محافظة كركوك و»المناطق المتنازع عليها» شمال العراق، بعد انسحاب قوات البيشمركه الكردية منها بدون قتال، في سيناريو غامض مثير للتساؤلات، مؤشرا على واقع جديد لافت في المشهد العراقي، أنهى جدلا حول استفتاء كردستان وفتح آخر حول مستقبل الإقليم وآفاق علاقته مع العراق، وفجر من جهة أخرى الخلافات الكردية الكردية لتفتح المجال واسعا أمام التدخلات الخارجية.

وجاء التقدم السريع للقوات العراقية في «عملية فرض القانون» نحو محافظة كركوك الغنية بالنفط شمال العراق، بعد رسالة وجهها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى الشعب العراقي، أعلن فيها توجيه القوات المسلحة لفرض سلطة الحكومة الاتحادية على كركوك، وطمأن فيها سكان تلك المناطق بالحرص عليهم وعلى مصالحهم، ومؤكدا انه حريص على تنفيذ قرارات البرلمان الاتحادي في المحافظة على وحدة العراق. وقد فعل العبادي خيرا عندما أعلن في رسالته وتصريحاته «نريد كركوك مدينة للتعايش بين مكونات المحافظة» نافيا أي اتفاق لتشكيل أقاليم في كردستان. وفي وقت أكد أن استفتاء الإقليم انتهى وأصبح من الماضي، فإنه دعا القادة الكرد إلى معاودة الحوار لحل الأزمات، وهو الأمر الذي رحبت به حكومة الإقليم، كما أمر بمنع تواجد أي جماعات مسلحة غير جهاز مكافحة الإرهاب والشرطة المحلية في المحافظة، في إشارة إلى الحشد الشعبي.

وتابع غالبية العراقيين والعالم باستغراب، سيناريو تقدم القوات العراقية السريع وسيطرتها على كركوك وباقي المناطق، وانسحاب قوات البيشمركه منها، دون قتال، في وقت كانت هناك مخاوف حقيقية من إندلاع معارك عنيفة تسفر عن سقوط ضحايا بين قوات الطرفين والمدنيين، وذلك استنادا إلى التهديدات والتحشيدات المتبادلة خلال الأيام الأخيرة، إلا ان نتائج العمليات العسكرية قوبلت بالارتياح البالغ لأنها حققت أهدافها بأقل الخسائر وهو إنجاز كبير يحسب للعبادي.

وكانت الأزمة بين حكومتي بغداد وأربيل تفجرت عقب غصرار رئيس الإقليم مسعود بارزاني على إجراء الاستفتاء حول الانفصال عن العراق الذي اعتبره خطوة نحو بناء الدولة الكردية، وسط رفض قاطع من الحكومة العراقية والبرلمان الاتحادي والمجتمع الدولي، باعتباره غير دستوري ويهدد وحدة العراق.

ورغم ان الكثير استغربوا سحب الاتحاد الوطني الكردستاني لقوات البيشمركه من كركوك أمام تقدم القوات العراقية، إلا ان مصادر ومنها النائب عن كتلة التغيير مسعود حيدر، كشف جوانب من إتفاقية تسليم كركوك للقوات العراقية التي جرت كما أعلن بين عائلة رئيس الجمهورية السابق جلال طالباني وهادي العامري القيادي في الحشد الشعبي.

وذكر في بيان ان «الاتفاقية نصت على عودة القوات العراقية إلى المناطق المتنازع عليها والمناطق التي سيطرت عليها قوات البيشمركه بعد حزيران/يونيو 2014 والإدارة المشتركة لكركوك، واستئناف الرحلات في مطار السليمانية، وقيام الحكومة الاتحادية بمنح رواتب موظفي وبيشمركه السليمانية وكركوك».

ولم تخل عملية فرض القانون من انتهاكات من بعض عناصر الحشد الشعبي وخاصة في طوزخورماتو وبعض أحياء كركوك رغم حرص حكومة العبادي على ضبط الأمور، حيث عبرّت الأمم المتحدة، عن قلقها إزاء تقارير عن تهجير أكراد وتدمير ونهب منازل في كركوك، داعية الحكومة العراقية إلى وقف الانتهاكات. وبدورها أدانت حركة «التغيير» و»الجماعة الإسلامية» في بيان مشترك، الجرائم والاعتداءات التي ارتكبها الحشد الشعبي، ضد مواطني كركوك وطوزخورماتو، وطالبوا الحكومة باتخاذ القرارات الكفيلة بتطبيع الأوضاع في تلك المناطق وإعادة النازحين وتعويضهم، والابتعاد عن النزعة الانتقامية.

الخلافات الداخلية الكردية

وفي مؤشر على تفاقم الخلافات الكردية، فقد حذر رئيس الجمهورية فؤاد معصوم من مخاطر نشوب صراع كردي على خلفية أحداث كركوك. كما حذر ملا بختيار، القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني، من إندلاع حرب داخلية، في إقليم كردستان بسبب الأزمة لحالية، محملا قادة الإقليم مسؤولية إجراء الاستفتاء، وتداعياته ، ومحذرا من «تقسيم الإقليم إلى إدارتين واندلاع حرب داخلية وتدخل إقليمي نتيجة عدم معالجة المشاكل».

ويبدو ان عملية كركوك، لم تشعل الخلافات وحرب الاتهامات بين أربيل والسليمانية فقط ، بل عمقت الخلافات الداخلية بين الأحزاب الكبيرة أيضا، وهو ما أدى إلى تأجيل عقد جلسة برلمان الإقليم المقررة في الأربعاء الماضي إضافة إلى تأجيل انتخابات الإقليم المقررة في الشهر المقبل.

وكشفت الاتهامات بالخيانة التي وجهها حزب بارزاني إلى الاتحاد الوطني، حجم الانقسامات بين الأحزاب والإحباط والورطة الكبيرة التي وجد بارزاني نفسه فيها بعد تخلي أبرز الحلفاء عنه وتضييق الحصار عليه.

وجاءت ردود قيادات الاتحاد الوطني على تهم الخيانة، بهجوم مقابل عنيف، حيث شن قائد جهاز مكافحة الإرهاب في كردستان لاهور شيخ زنكي، هجوما على بارزاني، مؤكدا «لن ندفع بأبنائنا للموت في سبيل كرسي بارزاني» مضيفا، انه «بينما كنا مشغولين في حماية الشعب الكردي كان مسعود بارزاني منشغلا بسرقة النفط وتعزيز نفوذه» حسب قوله.

كما دعا التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة الذي يقوده، القيادي البارز برهم صالح، إلى تشكيل حكومة انتقالية في إقليم كردستان لحين إجراء انتخابات نزيهة في الإقليم، من أجل إدارة الحوار مع الحكومة المركزية في بغداد. وأكد التحالف أن «الوضع الحالي هو أيضا نتاج محاولات الفاسدين لتغطية النهب والسلب باسم كركوك والقومية الكردية».

أما نائب رئيس مجلس النواب (من حركة التغيير) ارام الشيخ محمد، فقد اتهم قيادة إقليم كردستان بافتعالها حربا في كركوك وشمال العراق بداعي تأسيس الدولة الكردية المزعومة، مبينا ان «هذه الحرب القذرة التي فرضت بداعي الاستفتاء وكذبة تأسيس الدولة الكردية جاءت من أجل المصالح الشخصية والحزبية لبضعة أشخاص».

وبالنسبة للخلافات داخل الاتحاد الوطني حول كركوك، فقد انتقد نائب سكرتير الاتحاد الوطني الكردستاني ونائب رئيس إقليم كردستان، كوسرت رسول»الأشخاصَ الذين انحرفوا عن نهج الاتحاد الوطني الكردستاني من دون الرجوع لقيادته، والذين اقحموا أنفسهم في الصفحات السوداء من خلال تعاونهم مع الجيش العراقي» الذي وصفه بـ»المحتل» «من أجل الحصول على بعض المكاسب الشخصية والمؤقتة».

الدور الإقليمي والدولي

وبدا واضحا الدور الإقليمي والدولي في معركة سيطرة القوات العراقية على كركوك، حيث أبدى مجلس الأمن الدولي، قلقه بخصوص الوضع الراهن في كركوك، وطالب كل الأطراف «بالامتناع عن أي تهديد وعن اللجوء إلى القوة، والانخراط في حوار بنّاء على طريق تهدئة التوتر» داعيا إقليم كردستان إلى إجراء الانتخابات والعودة إلى العملية السياسية. وكشف القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني سعدي بيره في مؤتمر صحافي في السليمانية، ان الجنرال الإيراني قاسم سليماني كان ممثل إيران في أحداث كركوك وهاكال فيدال ممثل تركيا، نافيا ما يتم الحديث عنه حول وجود نية للحزبين الرئيسين الديمقراطي والاتحاد، للرجوع إلى نظام الإدارتين في الإقليم.

ورغم نفى إيران تدخلها في قضية كركوك، فقد أعلن نائب رئيس الجمهورية اياد علاوي ان مسعود بارزاني اتصل به وأبلغه بوجود مجاميع من الحرس الإيراني شاركوا في معركة كركوك. كما أعلن علاوي ان نجل جلال طالباني ونائب رئيس حكومة الإقليم قوباد طالباني أبلغه أيضا عن ضغوط إيرانية شديدة تمارس على الاتحاد الوطني لفك الارتباط بحزب بارزاني. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أعلن إن «أمريكا لا تنحاز إلى أي طرف في الاشتباكات بين الأكراد وبغداد» بينما دعا البيت الأبيض «بغداد وأربيل إلى تجنب العنف والتصعيد» ولكنه حذر «من التوسع الإيراني في العراق». كما تلقى العبادي، اتصالا هاتفيا من وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون، أكد خلاله ان «واشنطن لا تعترف بالاستفتاء في إقليم كردستان، وانها تدعم وحدة العراق وخطوات الحكومة الاتحادية في تجنب الصدام وفرض سلطة القانون».

دروس

شكلت عملية اجتياح القوات العراقية ، لكركوك والمناطق المتنازع عليها ، ضربة عنيفة لمكانة حكومة وأحزاب الإقليم أمام مواطنيهم بعد أيام من الاستفتاء، وجعلتها تواجه الواقع الجديد في القبول بتواجد السلطة الاتحادية في المناطق التي كان الإقليم يسيطر عليها ويتمسك بها، وسيتعين عليها إعادة التفكير بحلول مثل فتح حوار مع بغداد والقبول بالإدارة المشتركة للمناطق الذي كانت ترفضها سابقا، إضافة إلى التسليم بسيطرة بغداد على الصادرات النفطية والمنافذ الحدودية. وأظهرت عملية كركوك، ان الخلافات بين الأحزاب الكردية وصلت إلى مستويات لم يعد في الامكان انكارها أو التكتم عليها، وهو ما دفع أحزاب السليمانية وكركوك إلى الاتفاق مع بغداد من أجل حل الخلافات بالطرق السلمية بمعزل عن أربيل.

وبات من المؤكد ان العمليات العسكرية في كركوك والمناطق المتنازع عليها، والتي حققت أهدافها دون سفك الدماء، هي إنجاز كبير يحسب للعبادي ويعزز مكانته السياسية في الشارع العراقي، كما منحه تأييد القوى السياسية المختلفة لأنه حافظ على وحدة العراق.

وخلال هذه الأيام، ظهر واضحا تضخيم دور الجنرال قاسم سليماني من قبل القوى الشيعية، في إنجاز عملية كركوك بدون معارك، بهدف إرسال رسائل إيرانية إلى من يهمه الأمر وخاصة أمريكا، ان إيران تتحكم في شؤون العراق، وان الذي يريد التعامل مع العراق والمنطقة، عليه ان لا يغفل الدور الإيراني فيها.

كما يعتقد بعض المراقبين، ان إيران تهدف إلى القضاء على بارزاني، وهو الأمر الذي لا تقبل به أمريكا، التي ستسعى إلى فتح حوار بين بغداد وأربيل من أجل استقرار الوضع في العراق إضافة إلى ان أمريكا لن تسكت على تمدد الحشد الشعبي القريب من إيران في كركوك وشمال العراق.

ومن جانب آخر، أثارت عملية كركوك دعوات شيعية لإعادة ترتيب إقليم كردستان، طالب بعضها بتقسيمه إلى عدة أقاليم، وبعضها يدعو إلى إلغاء الإقليم وتحويله إلى محافظات مثل باقي محافظات العراق، إضافة إلى مطالبات بضم قوات البيشمركه إلى القوات المسلحة الأخرى، بينما دعا آخرون إلى التعامل مع السليمانية كمركز للإقليم بدل أربيل، بل وصل الأمر إلى المطالبة بدخول القوات العراقية إلى أربيل واسقاط بارزاني، وذلك بالتزامن مع تحذير نائب رئيس الجمهورية اياد علاوي بان تفرد التحالف الشيعي في التعامل مع الأزمة بين بغداد والإقليم، قد يؤدي إلى ضياع العراق وتدميره، داعيا إلى الحكمة في حل الأزمة.

القدس العربي

 

 

إقليم كردستان بعد عاصفة كركوك/ صادق الطائي

بدت التداعيات متسارعة، تنذر بخطر اشتعال الحرب بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد، لكن ما حصل من سيطرة سريعة للقوات الحكومية على مدينة كركوك الغنية بالنفط أذهل المراقبين. تبع ذلك تحرك متسارع للقوات الاتحادية للسيطرة على كل المناطق المتنازع عليها في محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى. وفي غضون يومين من العمليات التي سمتها بغداد إعادة انتشار القوات الاتحادية وصل الأمر إلى خسارة حكومة الإقليم ما يعادل 50 في المئة من الأراضي التي كانت تسيطر عليها قبل منتصف تشرين الأول/اكتوبر الجاري، حيث تراجعت قوات البيشمركه الكردية إلى ما يعرف بالخط الأزرق أي حدود الإقليم قبل 9 نيسان/ابريل 2003 المحددة في المحافظات الثلاث السليمانية وأربيل ودهوك فقط. كيف حصل الانهيار في قوات البيشمركه؟ وهل تم الأمر بضوء أخضر من الإدارة الأمريكية؟ وهل قاد التحرك الأخير جنرالات إيرانيون كما أدعت بعض الجهات الكردية؟ كل تلك الأسئلة طرحت في الأيام القليلة الماضية وتضاربت الإجابة عليها، وانفتح أفق التحليل على العديد من التكهنات ونظريات المؤامرة.

كيف أبتدأ السيناريو؟

بعد اتمام تحرير قضاء الحويجة ومناطق جبال حمرين وما تمثله من كونها آخر الجيوب التي كان يسيطر عليها تنظيم «داعش» شمال العراق، تغيرت خريطة القوى على الأرض، ومع تداعيات الاستفتاء الكردي الذي تم في 25 ابلول/سبتمبر الماضي، وفي محاولة لتحجيم التحرك المندفع لحكومة الإقليم، بدأ رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في تطبيق مجموعة خطوات تستند إلى الدستور والقوانين الاتحادية، الغاية منها تقليم نفوذ حكومة الرئيس المنتهية ولايته مسعود بارزاني ووضعها أمام استحقاقاتها التي فرضتها على شعب كردستان، وكانت هذه الخطوات تسير بشكل تصاعدي ومتسم بالهدوء والعقلانية، بدءا بالمطالبة بإدارة المنافذ الحدودية وفرض السيطرة على مطاري أربيل والسليمانية التي اوقفت عنها الرحلات الدولية بأمر من السلطة الاتحادية، وصولا إلى الفقرة الأهم والتي توقع المراقبون انها ستكون القشة التي ستقصم ظهر العلاقات بين أربيل وبغداد وربما ستتسبب في إشعال الحرب بين الطرفين، وهي محاولة إعادة السيطرة على حقول النفط ومحطات الضخ في كركوك.

وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية

يرى العديد من المحللين السياسيين ان الولايات المتحدة كانت قد حذرت حكومة الإقليم وبارزاني شخصيا قبيل الشروع بالاستفتاء الذي قاد إلى كل هذه الأزمات، وكانت الآراء تلوم الأكراد لأنهم لم يحتكموا إلى نصيحة الأمريكان وما قدموه لهم من بدائل، وأصروا على إجراء الاستفتاء، ما جعل الأمريكان يعطون الضوء الأخضر لحكومة بغداد أن تتحرك بحرية وتعيد سيطرتها على المناطق المتنازع عليها. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد سيطرة القوات العراقية الاتحادية على محافظة كركوك وإحكام انتشارها في الحقول والمنشآت النفطية ومطار المدينة العسكري، أن بلاده «لا تنحاز لأي طرف» في الأزمة بين الأكراد وحكومة بغداد. وواصل حديثه في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض قائلا: «لقد أقمنا علاقات جيدة مع الأكراد منذ سنوات عديدة كما تعلمون وكذلك مع الجانب العراقي رغم أنه ما كان يجب أن نذهب إلى هناك».

وقال متحدث باسم البنتاغون إن استعادة السيطرة على كركوك من قبل القوات العراقية كان ضمن «حركات منسقة وليس هجمات». كما نفى المتحدث باسم قوات التحالف العقيد راين ديلون في تصريح صحافي يوم الاربعاء18 تشرين الأول/اكتوبر الجاري وجود قوات إيرانية أو وحدات غير عراقية في كركوك، مشيرا إلى أن الجيش العراقي هو الأفضل في الشرق الأوسط. وقال إن «ما حدث في كركوك هو إعادة انتشار طبيعية للقوات العراقية والشرطة الاتحادية» مؤكدا أن القوات العراقية مهنية ومنظمة ومنضبطة وتثير إعجابنا بأدائها دوما، وهي الآن الأفضل في الشرق الأوسط وكانت حريصة على المدنيين والبيشمركه. وأكد ديلون، أنه «لا توجد قوات إيرانية أو وحدات غير عراقية في كركوك، حسب ادعاء وسائل إعلام من أربيل، التي كانت غير راضية على انتشار القوات العراقية في كركوك».

السيناريو الخفي

وتبقى الأسئلة المعلقة الآتية، هل كانت هنالك سيناريوهات مخفية في ما حصل في كركوك؟ وماذا حصل في اجتماع دوكان قبل ساعات من دخول الجيش العراقي لكركوك؟ وهل حمل رئيس الجمهورية فؤاد معصوم، الذي حضر اجتماع دوكان مع قيادي حزبي الديمقراطي والاتحاد الكردستانيين، مشروع اتفاق إلى بغداد لكن بغداد رفضت الاستماع له؟ كل تلك الأسئلة تحوم حتى الآن دون إجابات واضحة. النائب عن حركة التغيير الكردية في البرلمان العراقي، مسعود حيدر، أعلن في وقت مبكر من الأزمة إن هناك اتفاقا أبرمه حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مع الحشد الشعبي برعاية إيرانية، ينص على «تسليم كركوك للحكومة العراقية وتقسيم إقليم كردستان». حيث أوضح حيدر، عبر منشور له على صفحته الرسمية على فيسبوك يوم الإثنين 16 تشرين الأول/اكتوبر الجاري، أن «الاتفاق أُبرم بين بافل طالباني نجل زعيم حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الراحل جلال طالباني، وهادي العامري، قائد منظمة بدر وأحد أهم قياديي الحشد الشعبي، عقب إجراء استفتاء استقلال كردستان نهاية الشهر الماضي، وكان بإشراف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي وقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، وتكون الاتفاق من 9 نقاط». لكن مسعود حيدر سرعان ما نفى الأمر، وادعى انه ترجم نصا اطلع عليه فقط ولم يتأكد من مصداقيته قبل نشره في صفحته ونفى علمه بالأمر جملة وتفصيلا.

لكن الخطاب الرسمي الذي وجهه رئيس الإقليم مسعود بارزاني بعد الأزمة إلى «الرأي العام في كردستان والعراق والعالم» حمَل فيه ما حصل طرفا كرديا داخليا حين قال؛ «ما حصل في معركة كركوك، كان نتيجة لقرار انفرادي اتخذه بعض الأفراد التابعين لجهة سياسية داخلية في كردستان، وكانت نتيجة هذا القرار انسحاب قوات البيشمركه بهذا الشكل والطريقة التي رآها الجميع، ونتيجة لهذا الانسحاب تحول خط التماس الذي تم الاتفاق عليه قبل عملية تحرير الموصل في 17 تشرين الأول/اكتوبر 2016 بين بغداد وأربيل إلى أساس للتفاهم حول كيفية نشر القوات العراقية في إقليم كردستان».

رد الاتحاد الوطني والانشقاق الكردي

ونفى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني الاتهامات التي وجهت له عبر تصريحات عنيفة، جاءت يوم 16 تشرين الأول/اكتوبر الجاري على لسان قائد جهاز مكافحة الإرهاب لاهور شيخ جنكي الطالباني، وهو ابن أخ الرئيس السابق جلال طالباني، حيث قال؛ «لن ندفع أبناءنا للموت من أجل كرسي مسعود بارزاني، والهدف من إجراء الاستفتاء في كركوك كان لإخراجها من سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني». وأضاف «بينما كنا منشغلين في حماية الشعب الكردي، كان الديمقراطي يقاتل من أجل النفط، وفي الوقت الذي كان بيشمركه الاتحاد الوطني الكردستاني يقاتلون من أجل الدفاع عن كركوك، إلا أنهم تعرضوا للخيانة» وقال أيضا، ان «هذه المعركة لم تكن من أجل الدفاع عن كركوك وانما من أجل النفط وأبناء بارازني».

وأعتبر نائب رئيس إقليم كردستان، النائب الأول للأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني، كوسرت رسول علي، الأربعاء 18 تشرين الأول/اكتوبر الجاري في بيان صحافي حاد اللهجة، ان ما تشهده كركوك يعتبر «أنفالا آخر ضد الكرد» وأن «بعضا من قليلي الفهم في الاتحاد الوطني يتحملون مسؤولية كارثة المحافظة» مشيرا بطريقة ملغزة إلى بافل طالباني وجناحه في الحزب. وأضاف أن «عدداً من الأشخاص الذين انحرفوا عن نهج الاتحاد الوطني الكردستاني وقليلي الفهم دخلوا للتاريخ من بوابة العار».

ومع هذا التصعيد الخطير المنبئ بالانشقاق الواضح في الموقف الكردي، بدأت الاتهامات توجه للحزب الديمقراطي أيضا، خصوصا بعد انسحاب بيشمركه الديمقراطي الكردستاني من قضاء سنجار وسد الموصل ومدن سهل نينوى التي سلمتها للقوات العراقية. فقد صرح على اثر الانسحابات الأخيرة فاضل ميراني سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني في لقاء تلفزيوني قال فيه «ان انتشار القوات العراقية استند على تنسيق سابق مع بغداد». وأضاف «كان هناك اتفاق بين البيشمركه مع رئاسة أركان الجيش والدفاع العراقية في اجتماع عقد في 29/9/2016 رسم خط باسم 17/10/2016 وهو الخط الذي سيطرت فيه قوات البيشمركه على المناطق قبل معركة الموصل. ما جرى ان القوات العراقية أعادت انتشارها في هذه المناطق. ومع لغة المنطق والحوار والانتماء الوطني فلا مشكلة لدينا فهذه أرض عراقية». وقال «ما زلنا في بلد واحد ونرتبط بماض وحاضر مشترك. وأنا أعتز بعراقيتي طالما كردستان غير مستقلة». وأضاف «ان أربيل مدينة عراقية مثل السماوة والناصرية. وليست هناك أرض عراقية وغير عراقية. فالاتفاق الذي جرى يخص تماس القوات العراقية». ونستطيع ان نقرأ بوضوح في هذا التصريح تراجعا في الموقف الكردي الرسمي ومحاولة تهدئة تجاه حكومة بغداد.

الدور الإيراني والتركي

أتهمت العديد من الجهات الكردية في الإقليم الإيرانيين انهم قادوا التحركات الأخيرة في ما سموه اجتياح كركوك، وصرح نائب رئيس الجمهورية إياد علاوي لمحطات تلفزيونية عربية ان الرئيس مسعود بارزاني أبلغه ان جنرالا إيرانيا يقود القوات العراقية التي تحاصر كركوك، بينما نفت إيران الأمر وبشدة، كما جاء الإعلان الأمريكي مؤيدا للنفي الإيراني، حيث قال الجيش الأمريكي إنه تلقى روايات متباينة تفيد بمقتل ما بين ثلاثة و11 شخصا في اشتباك وقع يوم الاثنين 16 تشرين الأول/اكتوبر بين القوات العراقية والكردية. وأقر المتحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بمحدودية قدرة الولايات المتحدة على جمع معلومات ميدانية بشأن المواجهة بين الطرفين الحليفين لواشنطن. وأضاف أيضا أنه ليست لديه معلومات عن وجود وحدات للحرس الثوري الإيراني داخل مدينة كركوك العراقية وحولها على الرغم من إشارة تقارير من كردستان العراق تفيد بذلك.

وأفادت الأخبار بتسليم معبر ابراهيم الخليل الحدودي بين تركيا والعراق للقوات العراقية، وان النية تسير باتجاه فتح معبر حدودي جديد بعد ان سيطرت القوات العراقية على مناطق سنجار وتلعفر وربيعة غرب الموصل، وان المعبر الجديد سيربط الموصل بتركيا بشكل مباشر. ومع سيطرة بغداد على المنشآت النفطية في الإقليم وعلى المنافذ الحدودية مع إيران وتركيا تكون قد قوضت أو على الأقل أجلت ولأمد بعيد حلم الدولة الكردية وهذا ما سعت له حكومات بغداد وطهران وأنقرة.

القدس العربي

 

 

 

من تطلعات الاستقلال إلى خسارة كركوك وموقف تفاوضي أضعف/ سامان نوح

خلال ساعات فرض الجيش العراقي مدعوما بفصائل الحشد الشعبي سيطرته على مدينة كركوك الغنية بالنفط والتي كانت تخضع لسلطة حكومة إقليم كردستان منذ انسحاب الجيش منها في حزيران/يونيو 2014 إثر هجمات تنظيم «داعش». وظلت المدينة المتنازع عليها تدار بشكل منفرد رغم دعوات حكومة بغداد المتكررة بتشكيل إدارة مشتركة فيها يكون للعرب والتركمان الذين يعيشون إلى جانب الكرد دور في صنع القرار فيها.

السيطرة السريعة جاءت بعد انسحاب وحدات من البيشمركه من مواقعها في محيط كركوك دون قتال، التزاما بأوامر وجهت لها من قياداتها التي عقدت تفاهمات مع بغداد، فيما دخلت وحدات أخرى في قتال غير متكافئ مع وحدات عراقية لعدة ساعات انتهى بخسائر كبيرة، ما أدى في النهاية إلى انهيار الخطوط الدفاعية والانسحاب الكامل من المدينة ومحيطها.

سيطرة الجيش والحشد على كركوك دفعت عشرات الآلاف من الكرد للنزوح عنها سريعا (قدرتهم جهات دولية بأكثرمن 65 ألف شخص) بتجاه أربيل والسليمانية خوفا من المعارك والفوضى أو من «انتقام الحشد» اعتمادا على أخبار وشائعات عن تجاوزات عديدة حصلت بحق الكرد في المدينة وفي بلدة طوزخورماتو القريبة التي سيطر عليها الحشد والتي ذكرت تقارير وشهود ان عشرات من بيوتها تعرضت للحرق.

الانسحابات غير المنظمة للبيشمركه والنزوح الكبير للأهالي، دفع باتجاه استمرار تقدم الجيش والحشد وفرض سيطرته على مناطق واسعة ظلت خاضعة طوال سنوات لسلطة الكرد المطلقة مثل مخمور القريبة من أربيل، وسنجار التي تقع غرب نينوى وتشكل غالبية حدود الإقليم مع سوريا، إلى جانب خانقين على الحدود مع إيران، وتم في كل تلك المناطق فرض إدارة جديدة بعد تفاهمات سريعة على إعادة انتشار القوات العراقية كما قوات البيشمركه في حدود تمركزها عام 2003 أو حدود انتشارها في 2014.

 

تبادل اتهامات

 

المنصات الإعلامية للحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني، اتهمت بعض قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني بالخيانة وتسليم المدينة للجيش العراقي بعد اتفاقات حصلت على عدم القتال، متحدثة عن اتفاق جرى بتخطيط إيراني وتنسيق تركي وموافقة أمريكية ضمنية، بين زعيم منظمة بدر هادي العامري وبافل طالباني نجل الأمين العام الراحل للاتحاد الوطني جلال طالباني. وهي اتهامات رفضها الاتحاد الوطني وقال عدد من قادته انه كان من المستحيل الدفاع عن المدينة في مواجهة قوة عراقية كبيرة ومحترفة ومزودة بأفضل السلاح، وان قرار التخلي عن القتال جاء لمنع سقوط آلاف القتلى وتدمير المدينة. وتساءل المتحدث باسم الاتحاد الوطني سعدي بيرة: إذا كنا قد استسلمنا وخنا قضيتنا في كركوك فلماذا لم تقاتل وحدات الحزب الديمقراطي في المدينة ولماذا انسحبت لاحقا من مخمور وسنجار؟ وأشار بيرة إلى ان المقاومة كانت غير مجدية بعد الاتفاق العراقي الإيراني التركي، وان الأوضاع في كركوك تتجه إلى الاستقرار وسيتم اختيار محافظ كردي جديد.

بينما ذكر العديد من قادة الاتحاد في كركوك والسليمانية ان كل ما جرى هو بسبب القرار الخاطئ في إجراء استفتاء الاستقلال رغم اعتراض بغداد والدول الإقليمية والمجتمع الدولي عليه، مؤكدين ان كركوك تدفع ثمن الإصرار على ذلك القرار الذي اعترض عليه معظم قيادة الاتحاد لكن دون جدوى.

فيما اكتفى رئيس الإقليم مسعود بارزاني بالقول، وفي بيان قصير ان «ما حصل في معركة كركوك، كان نتيجة لقرار انفرادي اتخذه بعض الأفراد التابعين لجهة سياسية داخلية في كردستان، وانتهت نتيجة هذا القرار بانسحاب قوات البيشمركه بهذا الشكل والطريقة التي رآها الجميع». وأضاف انه نتيجة لهذا الانسحاب تحول خط التماس الذي تم الاتفاق عليه قبل عملية تحرير الموصل في 2016/10/17 بين بغداد وأربيل إلى أساس للتفاهم حول كيفية نشر القوات العراقية والقوات الكردية في إقليم كردستان.

 

الأوضاع في كركوك

 

تشهد كركوك وضعا أمنيا غير مستقر، مع مخاوف الأهالي من إندلاع اشتباكات بين القوى التي تدفع في إتجاه المواجهة مع القوات العراقية وفصائل الحشد الشعبي التي ما تزال تحتفظ بوجود لها في بعض مناطق المدينة رغم إعلان الاتفاق على سحبها بشكل كامل، خاصة مع دعوات قنوات إعلامية تابعة للحزب الديمقراطي المواطنين الكرد إلى التحرك لدعم ما تصفه بـ»انتفاضة شعبية في خانقين وكركوك ضد الحشد الذي يقوم بعمليات استفزازية وانتهاكات لحقوق المواطنين الكرد والتركمان».

ونقلت مؤسسات إعلامية تابعة للديمقراطي أخبارا عن «نجاح مئات المنتفضين في طرد الحشد» من خانقين مساء الأربعاء، وذلك بعد ساعات من إعلان رئيس الوزراء حيد العبادي بدء عملية سحب الحشد من معظم المناطق المتنازع عليها والاكتفاء بتواجد وحدات للجيش وبالتنسيق مع القادة الكرد. في وقت يقول الحزب الديمقراطي انه الآن يعيد تنظيم قواته ونشرها بالتنسيق مع الحكومة العراقية والتحالف الدولي ووفق اتفاقات جديدة.

قد تتغير عمليات إعادة الانتشار على الأرض في بعض المناطق عدة مرات قبل ان تستقر، وقد يضطر الجيش العراقي إلى الانسحاب من بعض المناطق المتنازع عليها وعدم التمدد كثيرا خاصة انه لا يملك القوات الكافية للسيطرة وبسط الأمن على تلك المساحات الكبيرة التي انسحب منها البيشمركه، ولا يمكن توريط الحشد بنشره في تلك المناطق لأن ذلك سيولد تشنجات وعمليات تجييش واعتراضات من أربيل ومن واشنطن كما من أنقرة.

 

تحت سقف الدستور

 

بعد التطورات السريعة في كركوك والتي أنهت عمليا آمال المضي في عملية الاستقلال، خاصة مع فقدان قيادة الإقليم لنحو نصف الأراضي التي كان يسيطر عليها (المناطق المتنازع عليها) ونحو نصف صادراته النفطية أيضا، دعا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الكرد إلى الحوار وقال «الاستفتاء الآن انتهى وأصبح من الماضي، أدعو للحوار تحت سقف الدستور».

ووافق الإقليم سريعا على تلك الدعوة، وجاء في بيان صدر عقب اجتماع لحكومة الإقليم ان مجلس الوزراء «رحب بمبادرة السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الاتحادي الفدرالي، لبدء المفاوضات مع حكومة الإقليم من أجل حل القضايا العالقة بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية وفق الدستور، وضمن مبدأي الشراكة والتوافق» ودعا المجتمع الدولي إلى المساهمة والمساعدة في رعاية الحوار بين الجانبين.

ويرى كتاب كرد ان العبادي وبدعم أمريكي سيعمل على تخفيف التوتر مع الكرد وفتح صفحة جديدة، وسيقوم بكل ما يستطيع لبسط الأمن في كركوك بالتنسيق مع الاتحاد الوطني، فالفوضى والتحشيد هناك سيحملان نتائج كارثية على الجميع وقد تدخل المدينة في دوامة الحرب الأهلية، مشيرين إلى ان العبادي لن يمارس سياسة عدائية ضد الكرد لأنه في حاجة إليهم بعد ستة أشهر مع خوضه الانتخابات البرلمانية في مواجهة المتشددين الشيعة.

 

الحوار الصعب

 

مع الانقسامات الحادة في البيت الكردي وتبادل الاتهامات بشأن من يتحمل ما حصل، والتحذير من انقسام الإقليم إلى إدارتين والذي حذر منه القيادي الكبير في الاتحاد الوطني ملا بختيار، طالبت حركة التغيير والجماعة الإسلامية وقوى أخرى بتشكيل حكومة إنقاذ وطني تتولى إدارة الإقليم بعد فشل القيادة الحالية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، إلى جانب توليها مهمة التحضير للانتخابات البرلمانية (التي ستتأخر عن موعدها المقرر في 1 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل) فضلا عن مهمة الحوار مع بغداد.

لكن تشكيل تلك الحكومة أمر في غاية الصعوبة، فهو يتقاطع مع رغبة الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني في الاستمرار في السلطة من خلال تمديد عمر البرلمان شبه المعطل لنحو عامين، إضافة إلى تمديد فترة استمرار بارزاني في الرئاسة، ليتولى الطرفان مجددا تشكيل وفد للتفاوض مع بغداد وهو السيناريو الأرجح، خاصة ان وضع الإقليم لا يحتمل حدوث فوضى إضافية.

ولا يرغب الأمريكيون في دورهم في تغيير القيادة الحالية في كردستان وهم في العموم لن يتخلوا عن الكرد وسيعودون لمساعدتهم، بعد ان لقنوهم «درسا قاسيا» بسبب إصرارهم على الاستفتاء. الحاجة الأمريكية للتعاون الكردي ما تزال أساسية لتحقيق التوازن السياسي في العراق في مواجهة إيران، وهم سيفرضون على كل اللاعبين خطوطا حمراء جديدة ستُعرف خلال أسابيع.

باختيار قيادة جديدة مستقبلا أو باستمرار القيادة الحالية في الحكم في كردستان، فإن التفاوض مع بغداد سيكون صعبا ومعقدا وطويلا ولن يحصل الكرد إلا على جزء من مطالبهم، فإذا اختاروا المضي إلى بغداد للتفاوض بالوجوه الحالية فهي ستذهب ومعها شعورها بالهزيمة، وإذا تشكل مجلس قيادة جديد فسيكون ضعيفا ويحتاج إلى وقت طويل لتثبيت وجوده وفرض مطالبه.

رغم ذلك فإن القادة الكرد ما زالوا يملكون عددا من أوراق الضغط واللعب الجيدة كالدعم السني والموقف التركي المتحفظ من تزايد النفوذ الإيراني، والحاجة الأمريكية لوجودهم، وهذا في مجمله قد يعيد لهم شيئا من الخسائر الكبيرة التي حصلت، لكن ذلك سيرتبط أولا وأخيرا بوحدتهم ونجاحهم في حل أو على الأقل تنحية مشاكلهم جانبا وتشكيل قيادة واحدة للتفاوض والتعامل مع بغداد وإلا فانهم سيخسرون أكثر وأكثر.

في كل الأحوال هناك أمنيات كثيرة سقطت خلال ساعات، ولا بد من مراجعات كردية شاملة. مراجعات لا تعتمد على الطموحات الشخصية وأحلام القادة الذين ثبت خطأ قراءتهم للواقع الإقليمي والدولي، لكن وفق التجربة كل الأحزاب الكردية تتجنب المراجعة والتصحيح والإصلاح إلا إذا كانت مجبرة ومهددة في وجودها.

القدس العربي

 

 

 

 

الاستفتاء واستهلاك الإرادة خطأ الأكراد الفادح هو اختيار توقيت غير مناسب للمضي وراء قرار الانفصال/ كه يلان محمد

بناء الدولة الكردية قبل أن يكون مشروعا سياسيا أو حزبيا هو مطلب الشعب الكردي المشتت بين الدول والكيانات المختلفة. ولكن مصالح الدول العظمى اقتضت إرجاء تحول هذا الحلم إلى حقيقة واقعة، وإنْ بدا في بعض منعطفات تاريخية أن قيام الدولة الكردية قد أصبح جزءاً من التركيبة الجغرافية للمنطقة لكن سرعان ما اصطدمت مطامح الأكراد في إقامة دولة مستقلة بتحولات دراماتيكية في سياسة الدول التي زعم الأكراد بأنهم ضمن صفوف حلفائها. ربما ما صرح به السفير الأمريكي السابق روبرت فورد قبل أشهر بأنَّ بلاده ستتخلى عن الأكراد وسيتكرر سيناريو إخماد الثورة الكردية في سنة 1975، اعتبره البعضُ توقعاً لا تسانده معطيات الواقع. ومن المعلوم أن هنري كيسنغر قد بارك إبرام اتفاقية الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين، التي بموجبها توقف دعم إيران للحركة الكردية مقابل الحصول على الامتيازات في مياه الخليج. لكن إجراءات الحكومة العراقية وتململ الدول المجاورة للعراق عقب إجراء الاستفتاء في إقليم كردستان حيث شمل المناطق المتنازع عليها أيضاً (كركوك وأخواتها) ومن ثم مساندة التحالف الدولي في الحرب ضد «تنظيم الدولة» (داعش) متمثلا بأمريكا وبريطانيا وفرنسا لاستعادة الحكومة الاتحادية السيطرة على كركوك المدينة العائمة على بحر من النفط وتأكيد المجتمع الدولي على ضرورة الحفاظ على وحدة العراق. هذه التطورات المتلاحقة كلها كشفت بأن ما ورد على لسان المسؤول الأمريكي لم يكن عبثاً أو زلة لسان، وأبانت خطأً في حسابات القادة الكرد. ولعل خطأهم الفادح هو اختيار توقيت غير المناسب للاستفتاء والمضي وراء قرار الانفصال على رغم مناشدات دولية وإقليمية وتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بالتوسط لتسوية الخلافات بين الإقليم والمركز شريطة تأجيل الاستفتاء. فعلاً لم تكن الظروف مواتيةً لاسيما أن مخاطر الإرهاب لم تختفِ وأن اندحار «داعش» لا يعني طي صفحة العنف والإرهاب نهائياً. أكثر من ذلك هناك ملفات حساسة تتصدر لائحة اهتمام دول الغرب مثل انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ومخاوف من انفراط عقدة القارة العجوز، كما لا يوجد ما يفوق أهمية من متابعة المشكلة الكورية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة، فضلا عن مساعي الإدارة الجديدة لإعادة صياغة السياسة الخارجية في منطقة الشرق الأوسط بحيث تتمكن من استعادة أوراق اللعبة، بعد اختلال ميزان القوة جراء تواجد روسيا عسكريا وتعاظم دورها سياسياً.

غابت هذه الحقائق عن القادة الكرد فيما يعاني شعبهم من ضائقة اقتصادية مضنية منذ أربع سنوات ما أثر على كل مفاصل حياة المواطنين. هذا الأمر يُعد حقيقة ماثلة أمامهم. أضف إلى ذلك ما يمر به الإقليم من حالة عطب السلطة التشريعية والخلافات الناشئة نتيجة تمديد ولاية رئيس الإقليم في سنة 2013 ما أحدث شرخاً بين الأطراف السياسية. ولم يلتئم المشهد السياسي الكردي حتى بعد إعلان مشروع الاستفتاء، وإن تمكن زعيم الحزب الديموقراطي من استدراج جميع الأحزاب السياسية الأخرى لتأييد قراره معلناً في السليمانية أمام حشود جماهيرية بأنّه لم يعدْ هناك حزب غير حزب كردستان في إشارة إلى توحيد الجميع وراء الاستفتاء، لكن كل ذلك لم يكن كافيا لمواجهة تحديات مرحلة ما بعد الاستفتاء. وضرب المسؤولون الأكراد بنصائح الدول الصديقة عرض الحائط، وكان هناك نوع من الاستخفاف بتحذير الولايات المتحدة بعدم تحمل تبعات التعنت الكردي وعواقب وخيمة لخطوتهم غير المحسوبة.

لقد اقتنع الكرد بما ينشر من دراسات وترويج بعض المراكز السياسية لمفهوم إعادة رسم خرائط المنطقة وحتمية تعديل ما استقر عليه شكل دولها منذ الحرب العالمية الأولى. وفاتهم أنَّ خريطة المنطقة بتشكيلتها الحالية هي وليدة مخاضات الحرب وتوافقات بين الدول الكبرى وأنَّ إحداث أي تغيرات في رسم الخريطة يعني وقوع حروب مدمرة وكارثية وهذا ما لا تريده حتى الأطراف المتصارعة. ولا استغرب في تقاطع السياسة الأمريكية والإيرانية في تعزيز موقع السلطة الاتحادية في العراق ودعم مطالب الأخيرة لبسط السيطرة على مصادر الطاقة والمنافذ الحدودية. إن الأخطر في تطورات يوم 16 أكتوبر هو تداعياته على مستوى البيت الكردي، إذ يلاحظ المراقبون أعراض تصدع كبير في إدارة الإقليم. ومن المتوقع أن تنجح الحروب الإعلامية الساخنة بين الحزبين الرئيسيين إلى ما هو أسوأ وبذلك يتعمق الجرح الكردي أكثر إذ ما انفك منذ أن كرت سبحة العمليات الانسحابية يلقي كل طرف باللائمة على طرف آخر. ومن غير المستبعد استقلال إدارة السليمانية عن أربيل. عطفاً على ما سبق فإنَّ الخلافات تغلغلت بين قادة بعض الأحزاب السياسية. وبهذا يبدو أن القضية الكردية تمر بأيام عصيبة وحالة القادة الأكراد صعبة إذ أدار ما سمي بحلفاء الأكراد وجههم بعيداً عن الحلم الكردي التاريخي، ولم يكن الاستفتاء إلا استهلاكاً لإرادة شعب طالما ضحى من أجل قيام دولة مستقلة. لقد أعلن رئيس الوزراء العراقي بعد سيطرة الجيش العراقي على كركوك أن الاستفتاء أصبح من الماضي، غير أن ما حققه العبادي على المستوى العسكري رافقته الدعوة إلى الحوار مع حكومة الإقليم. ولا يحتاج الأمر إلى البحث عن السبب وراء تسارع الإقليم للترحيب بدعوة الحكومة الاتحادية فقد يكون هناك تفهم لدى القادة الأكراد لموقف الدول الكبرى التي لا تحيد عن السياسة التي تحسب المشكلة الكردية جزءاً من المسألة الداخلية في العراق. وإذا خرجت عن هذه القاعدة مؤقتاً في تعاملها مع الكرد فإن ذلك يأتي خدمة لمصالح مرحلة ليس أكثر. مما يؤسفُ له ونحن نشهد فصلاً آخر من محنة الشعب الكردي هو إدراك قادته لهذه الحقائق جاء متأخرا ما يكلف الشعب الكردي خسائر كبيرة في الأرواح والمكاسب. إن أي حوار سيجري بين الإقليم والحكومة الاتحادية لا يكون متكافئاً، إضافة إلى أن ما كان يتمتع به الأكراد من مناصب سيادية ومواقع حساسة سيفقدها في الأيام المقبلة. وقد يتساءل البعضُ عن السيناريو الأسوأ فنقول هو انضمام القوى الكردية إلى لعبة الاستقطابات الإقليمية.

القدس العربي

 

 

عقب انتهاء عمليات «فرض القانون»: اتهام البيشمركه بتجريف آلاف المنازل في جلولاء وعمليات «ثأر» مرتقبة/ مشرق ريسان

سيطرت القوات العراقية الاتحادية على معظم الأراضي التي تقع ضمن ما تسمى «المناطق المتنازع عليها» في محافظات صلاح الدين وكركوك ونينوى وديالى، والتي كانت تحت سيطرة قوات البيشمركه الكردية.

العملية التي أطلق عليها اسم «فرض القانون» تهدف إلى عودة قوات البيشمركه الكردية إلى حدود ما قبل حزيران/يوليو 2014 في «الوقت الحالي».

وعقب سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) على جُل تلك المناطق، نفذ التنظيم عمليات قتل وتهجير طالت أغلب المكونات، لكنها استهدفت بشكل مباشر العرب «الشيعة» والتركمان والأيزيديين والأقليات الأخرى.

وعلى الرغم من تحرير جميع «المناطق المتنازع عليها» غير إنها بقيت بعيدة عن سيطرة الحكومة الاتحادية، وتتولى الأحزاب الكردية والقوات الأمنية التابعة لها (البيشمركه) مهمة إدارتها وضبط الأمن الداخلي فيها، الأمر الذي عزز «الصراع القومي» الكردي ـ العربي.

 

جلولاء على شفى حرب أهلية!

 

ما إن سيطرت القوات الاتحادية على ناحية جلولاء، التابعة إدارياً إلى محافظة ديالى، عاد حسين طلال (24 عاماً) إلى مدينته بعد غياب استمر نحو ثلاثة أعوام.

يقول حسين لـ»القدس العربي»: «ابتعد عن مدينتي قسراً منذ عام 2014 بعد أن سيطر داعش على المدينة، ولم أتمكن من العودة منذ ذلك التاريخ». وأضاف «عائلتي تضم عدداً من المسؤولين في الحكومة المحلية بالناحية، إضافة إلى ضباط في قوات الأمن الاتحادية. تلك الأسباب منعتنا من البقاء في المدينة إبان سيطرة التنظيم عليها».

ويروي قصته قائلاً: «اتجهت أنا وعائلتي إلى العاصمة بغداد، لكن لم ننقطع عن التواصل مع جيراننا في جلولاء. كنا نتصل بهم بشكل يومي للاطمئنان عليهم».

وتابع: «علمنا فيما بعد، إن القوات الأمنية حررت جلولاء، وسلمت الملف الأمني للمدينة لقوات البيشمركه التي أسهمت بعملية التحرير» مشيراً إلى إنه «فور دخول القوات الكردية إلى المدينة، قامت بإنزال العلم العراقي ورفع العلم الكردي على جميع المباني الرسمية. بل حصلت حالات أحرق فيها العلم العراقي وأعمال استفزازية أخرى».

لم ينته الأمر عند ذلك الحدّ، بل تعدى إلى «إحراق وتدمير» منازل للعرب، خصوصاً ممن لديه منتسب أو ضابط في القوات الأمنية العراقية. على حدّ قول المصدر.

ومضى إلى القول: «بعد أن سيطرت القوات الاتحادية على المدينة أوآسط تشرين الأول/أكتوبر الجاري، عدنا إلى جلولاء، وذهبنا لتفقد منزلنا الواقع في منطقة المزرعة وسط المدينة، لكنه كان محترقاً بالكامل، ومنزل عمي المجاور سوي بالأرض». ولفت إلى إن «الأهالي أخبرونا عن أسماء الذين تعاونوا مع قوات البيشمركه لتدمير منازلنا. هم من أهالي جلولاء ونعرفهم جيداً».

وأوضح حسين إن «من أسهم بتدمير منازلنا ومنازل وممتلكات عدد كبير من أهالي جلولاء، هم أكراد، ويعملون ضمن صفوف البيشمركه التابعة لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ولا يزالون متواجدين في المدينة».

وتُقدر نسبة الأكراد في ناحية جلولاء بنحو 40%، فيما تتوزع النسبة المتبقية بين العرب السنّة فالشيعة فالتركمان والمسيح. ويضيف حسين إن «بعضاً ممن هدم وجرف المنازل خرجوا مع قوات البيشمركه إلى محافظة السليمانية المحاذية لديالى»، مرجحاً أن تشهد الأيام المقبلة «عمليات ثأر مقابلة تطال الأكراد، هؤلاء خرجوا من المدينة لكن منازلهم لا تزال موجودة». وفقاً للمصدر.

وفيما أكد «صدور توجيهات من شرطة محافظة ديالى ورجال الدين، تفيد بعدم التعرض للأكراد» أشار إلى إن «من تضرر من البيشمركه يطالبون حكومة إقليم كردستان بتعويضهم، بكون إن تلك القوات تابعة لها».

 

«تسونامي» يدمر 3800 منزل

 

فور انتهاء عملية «فرض لقانون» في جلولاء، وانسحاب قوات البيشمركه الكردية إلى داخل الحدود الإدارية لإقليم كردستان، كشفت مصادر برلمانية من أهالي محافظة ديالى، عن «تجريف» القوات الكردية أكثر من 3800 منزل في ناحية جلولاء فقط.

وعلمت «القدس العربي» من مصادر محلية متطابقة، إن الحصة الأكبر من التجريف طالت مناطق التجنيد والمرور الواقعة عند المدخل الجنوبي للمدينة، فضلاً عن أحياء الوحدة والطبج.

أما النائبة عن محافظة ديالى غيداء كمبش، فقالت، في مؤتمر صحافي عقدته في مبنى مجلس النواب، إن «هناك صورة من وجهين تزامنت مع عمليات فرض القانون التي حصلت في كركوك وديالى، أولها هي الفرحة العارمة لأهالي المناطق بعودتهم إلى مناطقهم بعد تهجيرهم منها لعدة سنوات». مبينة أن الوجه الثاني من الصورة «كانت ألم وحزن من المناظر التي تم مشاهدتها من تدمير وتجريف لقرى ومناطق كاملة، والتي وصلت إلى أكثر من 3800 منزل في جلولاء من قبل قوات البيشمركه».

وأكدت على «ضرورة انطلاق حملة إعلامية مكثفة لمتابعة تلك المأساة التي حصلت في ناحية جلولاء»، مشددة ان «على مجلس النواب تشكيل لجنة تحقيقية حول ما حصل بالناحية وعلى الحكومة تعويض أبناء الناحية تعويضا مجزيا كونها منكوبة، وإعادة اعمارها».

وأضافت: «في حال العجز عن حسم القضية محليا فعلينا فتح تحقيق دولي»، مشددة على ضرورة أن «يعطي صندوق اعمار المناطق المحررة اهتماما استثنائيا لتلك الناحية».

ولفتت إلى ان «منزلا انفجر على عائلة مكونة من أربعة أشخاص، حين عودتها، ما أسفر عن مقتلهم جميعا، لوجود عبوات ومخلفات حربية فيه من وقت معارك داعش ولم يتم تنظيفها بعد سيطرة البيشمركة على تلك المناطق».

واتهمت «قوات البيشمركه» بالوقوف خلف عمليات تجريف المنازل في تلك المناطق.

 

عشرات الضحايا بـ»الطوز»

 

في أطراف محافظة صلاح الدين المحاذية لمحافظة كركوك، وحيث يقع قضاء طوزخورماتو، سقط نحو 80 شخصاً بين قتيل وجريح، خلال يومين فقط، على خلفية استهداف قرى ذات غالبية تركماني بقذائف هاون، اتهمت البيشمركه بإطلاقها كـ»ردٍ» على عملية فرض القانون.

وقال المدير التنفيذي لمؤسسة إنقاذ «التركمان» شناي قرناز، لـ»القدس العربي»، «نستغرب من موقف الأمم المتحدة المتجاهل لمظلومية التركمان»، مضيفاً «نحن نشكر القوات الأمنية العراقية بكافة تشكيلاتها لدورها البارز في ضبط الأمن وفرض سلطة الدولة على محافظة كركوك وطوزخورماتو ومناطق اخرى في محافظتي ديالى ونينوى، لإنهاء ملف التجاوزات على التركمان في كركوك والمناطق المختلفة عليها».

وأضاف قائلاً: «التركمان دفعوا ثمنا باهظاً على مدى 14 عاماً، حيث تجاوز عدد الشهداء التركمان (خلال تلك الفترة) العشرة آلاف شهيد، نتيجة العمليات الإرهابية والخطف والاغتيالات، بالإضافة إلى هجرة كفاءات التركمان من الأطباء والأكاديميين ورؤس الأموال».

وأبدى قرناز استغرابه من «تقرير الأمم المتحدة الأخير، حول إعطاء أهمية بالغة لحرق بيوت ومقرات كانت تابعة لعصابات تسببت بقتل مئات المدنيين وأدخلت المدينة في صراع دموي على مدى عقد ونصف من الزمن».

ومضى إلى القول: «كنا ننتظر من بعثة الأمم المتحدة في العراق إنصاف عائلات وضحايا التركمان في طوزخورماتو في الأحداث الأخيرة (عملية فرض القانون) حيث سقط خلال يومين ما يقارب عشرة شهداء وأكثر من 70 جريحاً، فضلاً عن تضرر عشرات البيوت».

وختم حديثه بالقول: «الجهات الرسمية في طوزخورماتو أعلنت عن العثور على بقايا مئات قذائف الهاون استخدمت لقصف المدينة خلال ليلة واحدة».

ويعدّ تصريح المؤسسة التركمانية، كتعليق على تقرير نشرته الأمم المتحدة في 19 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تحدث عن أعمال «تدمير ونهب ونزوح قسري» لمدنيين غالبيتهم من الكرد في محافظة كركوك، معربة عن قلقها إزاء تلك التقارير.

وكشفت المنظمة الأممية عن تلقيها «ادعاءات بحرق نحو 150 منزلا في طوزخورماتو في 16 و17 تشرين الأول/أكتوبر من قبل جماعات مسلحة. وكانت هناك أيضا ادعاءات بأن ما يصل إلى 11 منزلا ذكر إنها كانت تعود إلى أسر كردية ومسؤولين من الأحزاب السياسية الكردية قد دمرت باستخدام المتفجرات في المدينة».

القدس العربي

 

 

 

هدد بإعادة الكرد إلى الكهوف: قاسم سليماني يقود معركة إيران في كركوك/ نجاح محمد علي

لم يكن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ينتظر إشارة من قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، ليبدأ عمليات «الليلة الواحدة» أو «صولة الدستور» ليستعيد محافظة كركوك ويفرض فيها الأمن وسلطة القانون، على حد تعبيره، بالرغم مما تسرب عشية العمليات التي كانت بمثابة «تسليم» قوات البيشمركه الكردية مواقعها للقوات الاتحادية والحشد الشعبي، وما سماه البعض بـ»صفقة سليماني».

قبل تلك العمليات التي بانت البصمة الإيرانية فيها بوضوح، كان العبادي حمّل الرئيس الكردي فؤاد معصوم رسالة إلى بارزاني ومن معه من متشددي الاتحاد الوطني الكردستاني ممن أصر على الاستفتاء، كانت بمثابة رسالة التحذير الأخيرة ومفادها: سلموا المواقع التي تسيطر عليها قوات البيشمركه إلى القوات الاتحادية، في كركوك بشكل خاص وفي «المناطق المتنازع عليها» أو «نحن قادمون ولو بلغ ما بلغ».

كان كل شيء ينبئ بقتال، وكانت التعبئة الشعبية من الطرفين، قبل أن يتدخل الجنرال الإيراني الذي كان ذهب إلى السليمانية لتقديم العزاء برحيل زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني التأريخي والرئيس السابق جلال طالباني، فتغير كل شيء بعد قراءته الفاتحة عند ضريحه.

 

الثمن الغالي

 

قبل إجراء الاستفتاء على الانفصال بأيام ذهب إلى طهران وفد كردي ضم كلاً من كوسرت رسول نائب رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، وملا باختياري مسؤول الهيئة العاملة في الاتحاد الوطني الكردستاني والتقى بالجنرال قاسم سليماني وبحث معه موضوع الاستفتاء وسمع من سليماني كلاماً «قوياً» برفض إيران لهذا الاستفتاء جملة وتفصيلا، وأن سليماني حذر زائريه من أن المضي في الاستفتاء سيكلف الكرد العراقيين غالياً، وقال لهم بالحرف الواحد «قولا لمسعود بارزاني: إذا أصريتم على الاستفتاء فسنعيدكم إلى الكهوف».

عاد الوفد وعقد على الفور اجتماعاً للقيادة السياسية للحزب في السليمانية ونقل لهم تحذير طهران الجدي، وأوصل الرسالة أيضاً إلى مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ولم يحصل أي تغيير، وأجري الاستفتاء في موعده، بالرغم من أن سليماني قام بنفسه بثلاث زيارات سرية إلى أربيل لثني رئيس إقليم كردستان المنتهية ولايته عن المضي فيه.

وحتى بعد وفاة مام جلال (طالباني) وإصرار تيار بارزاني ومن معه من قادة الاتحاد الوطني على تصعيد خطوات «الانفصال» العملي حتى قبل الاستفتاء، عندما قاموا بلف جنازة طالباني بعلم الإقليم، في خطوة وصفت في طهران بالمستفزة جداً في أثناء مشاركة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في الجنازة، فقد بات مؤكداً لدى الإيرانيين أن عليهم التحرك وهذه المرة بظروف أفضل تزامنت مع خطوات تصعيد مماثلة اتخذتها الحكومة العراقية التي حصلت على تفويض من البرلمان بالقيام بما هو ضروري لبسط سلطة الدولة على كركوك وباقي (المناطق المتنازع عليها).

 

دبلوماسية القوة

 

في بغداد كان القرار الذي اتخذه حيدر العبادي بعد سلسلة اتصالات أجراها مع المسؤولين الأمريكيين ومسؤولين أممين وأوروبيين، هو استرجاع كركوك للحكومة الاتحادية من خلال العمل العسكري ليجهز بذلك على حلم الانفصال، فالكرد يعتبرون كركوك النفطية أساس قيام دولتهم المنشودة، مستغلين «تراخي» بغداد مع خطواتهم المتتالية في ضمها إلى داخل حدود الإقليم.

وبينما حصل العبادي على ضوء أمريكي، أوروبي وأممي أخضر للتحرك العسكري، كانت فصائل معينة من الحشد الشعبي تحركت بالفعل صوب كركوك، واتخذت قرارها بدخولها حتى لو لم يصدرالقائد العام للقوات المسلحة أوامره. فالعبادي كان يفضّل أن يعطي الجهود السلمية فرصة إضافية فجاءه الفرج بزيارة جديدة قام بها سليماني إلى السليمانية لتقديم العزاء لأسرة طالباني، وهناك حصلت المعجزة حين التقى أسرة الرئيس الراحل، وأقنعهم بشيء من التهديد الصريح بضرورة التعاون مع العبادي في فرض سيطرة الدولة العراقية على كركوك وباقي المناطق التي سيطرت عليها قوات البيشمركه بعد طرد تنظيم «الدولة» منها، أي حدود ماقبل 10 حزيران/يونيو 2014.

ونقلت النائب في البرلمان العراقي عن حزب مام جلال وهي أيضاً بنت اخته آلاء طالباني، التي كانت حاضرة لقاء سليماني بالأسرة إنه نصح محذراً أن الكرد سيدفعون ثمناً باهظاً فيما لو لم يتعاونوا مع بغداد. وهنا قرر تيار في حزب مام جلال أطلقت عليه آلاء اسم «الاصلاحيين» ويضم نجلي الزعيم الراحل، قوباد ولاهور وهو في الأساس رافض للاستفتاء، التصدي لجناح الصقور في الحزب وفي الإقليم، ويسلم المواقع التي تحت سيطرته للقوات الاتحادية التي كانت قطعات منها تقترب من كركوك بدون أمر من القائد العام للقوات المسلحة.

ولم يكتف سليماني بالاجتماع بأسرة طالباني، إذ التقى قادة الأحزاب الكردية في السليمانية وذكرهم باتفاق الدعم الذي أبرم مع إيران خلال فترة القتال الكردي الكردي التي راح ضحيتها 12 ألفا منهم وإصابة وتهجير 20 ألفا محذراً أن إيران ستتركهم يواجهون مصيرًا مشابهاً.

وتقول آلاء طالباني، مبررة الانسحاب من كركوك وسنجار وما تلاها: «لو قاتلنا القوات الاتحادية لقتل 10 آلاف جندي من البيشمركه حسب ما قال شيخ مصطفى جعفر قائد قوات اللواء 70 بيشمركه»، مؤكدة أن خطوة الانسحاب جاءت لحقن الدماء.

تلك العملية التي يرى خبراء أنها وجهت ضربة محسوسة لمواقع الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وجعلتها تخضع لفكرة عودة العراق إلى ما كان عليه الوضع الجيوسياسي قبل العام 2003 فطهران تكون قد وجهت رسالة إلى واشنطن أن الضغوط الأمريكية المتزايدة عليها ومحاولات إعادة النظر في الاتفاق النووي، سيعود بالضرر على مصالحها في العراق، وأن واشنطن من جهتها تعلم أن من المستحيل أن تستعيد بغداد كركوك في وقت سريع بدون الدور الإيراني الفعال الذي فسره علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني بقوله «مشروع رئيس إقليم كردستان، مسعود بارزاني فشل عبر حكمة الحكومة العراقية واستشارة طهران» مشدداً على أن طهران لم تلعب أي دور في العمليات العسكرية.

 

أهداف إيران

 

‏ تكتيكياً، تضعف طهران مواقع القيادات الكردية المؤيدة للتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية من خلال اللعب على وتر التناقضات بين كرد العراق. وتعزز أيضاً لدى العراقيين الشعور أن محاولات ابتعاد بغداد عنها لن يكون في صالح العاصمة العراقية.

استراتيجياً، نجاح بغداد في إفشال مشروع انفصال كردستان يزيح عن إيران شبح التقسيم إلى ست دويلات: كردية، فارسية، آذرية، عربية، بلوشية، تركمانية، ويبعد عنها خطر التعاون الوثيق بين إسرائيل والقادة الكرد الراغبين بالانفصال.

القدس العربي

 

 

ضد حزب العمال الكردستاني في الشمال: هل تنجح تركيا في بناء تحالف عسكري مع إيران والعراق؟/ إسماعيل جمال

على وقع التطورات السياسية والعسكرية المتلاحقة في شمالي العراق، جددت تركيا عرضها على إيران والحكومة العراقية العمل العسكري المشترك ضد تنظيم العمال الكردستاني في شمالي العراق، لا سيما عقب تراجع مسلحي التنظيم من مدينتي كركوك وسنجار، والخسائر الفادحة التي تلقاها التنظيم داخل الأراضي التركية.

وتسعى أنقرة لاستغلال التنسيق السياسي والأمني الذي وصل إلى درجة غير مسبوقة مع طهران وبغداد عقب استفتاء انفصال إقليم شمالي العراق الشهر الماضي في القيام بخطوات سياسية وعسكرية تؤدي إلى إفشال مشروع الانفصال الذي تعتبره «خطراً على أمنها القومي» وتوجيه مزيد من الضربات العسكرية لتنظيم العمال الكردستاني الذي يتخذ من شمالي العراق مركزاً رئيسياً له وقاعدة خلفية لتنفيذ الهجمات ضد تركيا.

وعلى الرغم من أن تركيا تعترف بصعوبة القضاء الكامل على مسلحي التنظيم الذي يخوض حرباً مع الحكومة التركية منذ 40 عاماً خلفت قرابة 50 ألف قتيل من الجانبين، إلا أنها تأمل في عملية عسكرية تدمر جانباً مهماً من القدرات العسكرية التي يتمتع بها التنظيم الذي يتخذ من الجبال والمغارات والمناطق الوعرة مواقع له ولم تظهر أي مؤشرات على تضرره بشكل كبير من الغارات اليومية للجيش التركي على مواقعه.

وإلى جانب سعادتها بالهزائم التي تلقتها إدارة إقليم الشمال لصالح الجيش العراقي انطلاقاً من رغبتها في معاقبة مسعود بارزاني الذي أصر على إجراء الاستفتاء رغم تحذيراتها المتكررة، رأت تركيا في دخول الجيش العراقي إلى مدينتي كركوك وسنجار بشكل خاص مكسباً مهماً لها في ظل الأنباء عن انسحاب مسلحي تنظيم العمال الكردستاني من المدينتين.

وخلال العامين الأخيرين، اتهمت أنقرة التنظيم بالسعي لتحويل مدينة سنجار إلى ما قالت إنه «قنديل ثانية» في إشارة إلى جبال قنديل التي يتخذ منها التنظيم مركزاً عسكرياً له في شمالي العراق، ونفذت لأول مرة غارات جوية على مواقع التنظيم في سنجار قبل أشهر أدت إلى أزمة مع بغداد وواشنطن.

وعقب الاستفتاء اتهمت أنقرة والحكومة المركزية في بغداد إدارة إقليم الشمال بجلب مئات المسلحين من تنظيم العمال الكردستاني إلى كركوك، في خطوة قالت بغداد إنها بمثابة «إعلان حرب» الأمر الذي أثار ارتياح تركيا التي رأت في الموقف العراقي الرسمي تحولاً وتطوراً في نظرته للتنظيم وخطره.

وحسب وسائل إعلام تركية، فإن تنظيم «بي كا كا» سحب مسلحيه من منطقتي «سنجار» ومخمور» العراقيتين، بعد بسط الجيش العراقي سيطرته عليهما، لكنها لفتت إلى أن المسلحين ما زالوا يتحصنون في بعض الجبال المحيطة بالمنطقة.

مقترح العملية العسكرية المشتركة ضد التنظيم قُدم لأول مرة الشهر الماضي، خلال الزيارة التاريخية لرئيس أركان الجيش الإيراني إلى أنقرة، حيث تحدثت وسائل إعلام تركية عن أن أنقرة قدمت رسمياً إلى طهران مقترحاً للقيام بعملية عسكرية مشتركة للقضاء على المتمردين الأكراد الذين يشنون هجمات ضد الأراضي التركية والإيرانية، وسط تأكيدات من الجانبين على زيادة التنسيق الأمني والاستخباري بين البلدين في الحرب على التنظيم وتأمين الحدود.

والسبت، وخلال مؤتمر صحافي مع النائب الأول للرئيس الإيراني اسحاق جيهانغيري الذي زار أنقرة، شدد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم على أن بلاده تولي أهمية للتعاون مع إيران فيما يتعلق بمكافحة منظمة «بي كا كا» بفعالية أكثر.

وقبل أيام، جددت الخارجية التركية تأكيدها على جاهزية أنقرة للتعاون مع الحكومة العراقية في بغداد من أجل القضاء على وجود مسلحي التنظيم في مدينة كركوك وباقي المناطق في شمالي العراق.

والجمعة، أكد رئيس هيئة الأركان التركية خلوصي آكار أن بلاده تتابع عن كثب مستجدات الوضع في إقليم شمال العراق، منذ إجراء الاستفتاء، وقال: «نواصل فعالياتنا لمواجهة أي تهديدات تنجم عن التوتر الأمني هناك» فيما شدد بكر بوزداغ نائب رئيس الوزراء التركي، على أن «كافة الخيارات تجاه التطورات الحاصلة في إقليم شمال العراق، مطروحة على طاولة الحكومة التركية» وأكد على أن «تركيا ستقف بقوة في وجه سعي منظمة «بي كا كا» لإيجاد رقعة لنفسها في كركوك».

وفي تطور لافت، بدأ الجيش التركي منذ أيام عملية عسكرية برية وذلك لأول مرة منذ 10 سنوات في منطقة زاب داخل الحدود العراقية، وعلى الرغم من أنه لم يعلن عن حجم العملية وطبيعتها رسمياً، إلا أن وسائل إعلام تركية أكدت دخول قوات من الجيش في عملية برية على الجانب العراقي من الحدود أدت خلال أيام إلى مقتل 4 جنود أتراك وعشرات المسلحين.

ويرى مراقبون أن الحكومة العراقية المشغولة في الحرب المتواصلة ضد تنظيم «الدولة» والخلافات مع إدارة إقليم الشمال ليست بوارد القيام بعمليات عسكرية ضد العمال الكردستاني حالياً، لكن أنقرة تأمل في التنسيق معها والحصول على دعم استخباري والسماح لها للقيام بعمليات أوسع داخل أراضيها دون الدخول في أزمة مع بغداد بداعي انتهاك السيادة العراقية.

كما أن طهران المتضررة بشكل أقل من تركيا من هجمات العمال الكردستاني ليست بوارد الدخول في معارك مجهولة في جبال ومغارات شمالي العراق، ولكن يمكن أن تعمل على زيادة التنسيق والتعاون مع أنقرة على صعيد تبادل المعلومات الاستخبارية وتأمين حدود البلدين إلى جانب الضغط على الحكومة العراقية والميليشيات الشيعية من أجل منع تمدد التنظيم في مناطق أخرى في العراق.

في المقابل، سوف تواصل أنقرة خلال الفترة المقبلة عملياتها الواسعة ضد التنظيم داخل وخارج البلاد، حيث تهدف في الدرجة الأولى إلى مواصلة الضغط على خلايا التنظيم في شمالي العراق لمنع استقراره وتفرغه لمحاولة إعادة بناء القدرات العسكرية له في الداخل بعد أن تمكن الجيش التركي من توجيه ضربات غير مسبوقة له بالداخل طوال العامين الماضيين، حيث يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إيصال التنظيم لأضعف مراحله على الإطلاق في ظل الإجماع على صعوبة القضاء عليه.

القدس العربي

 

 

ممثلو الأكراد في واشنطن يطلبون الحماية من ترامب والبيت الأبيض يواصل الدعوة لوحدة العراق/ رائد صالحة

قالت بيان سامي عبد الرحمن، الممثلة الرسمية لحكومة إقليم كردستان في واشنطن، ان قوات البيشمركه الكردية تقف أمام الهجمات غير المبررة من قبل الميليشيات الموالية لإيران والجيش العراقي النظامي في منطقة كركوك في العراق، وهي في انتظار ان يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحمايتها.

وأضافت عبد الرحمن التي بدأت في تمثيل الإقليم في الولايات المتحدة في عام 2015 بعد ان مثلته في لندن لمدة 10 سنوات «نتطلع إلى الولايات المتحدة، وإلى الرئيس ترامب للوقوف بجانبا ونحن نمر في هذه الأزمة في كركوك». وأكدت ان الأكراد يرون في الولايات المتحدة صديقة وحليفة سواء كانت الإدارة جمهورية أو ديمقراطية.

وحثت الرئيس الأمريكي على التوجه إلى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي ومطالبته بسحب أي قوة تحت قيادته، وقالت كان يمكن حل قضية السيطرة على كركوك دون وقوع خسائر في الأرواح. وأضافت «إذا أراد العبادي إجراء مناقشات حول كركوك فان الحوار هو أفضل طريقة لذلك وليس عبر هذا النوع من الاعتداء الوحشي الشديد جدا».

وكشف مكتب إقليم حكومة كردستان في واشنطن ان اتصالاته مع وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي الأمريكي قد خرجت بنتيجة واحدة من ممثلي هذه الوزارات وهي الإعراب عن تأييدهم لكردستان والحكومة الفدرالية العراقية. ولكن الممثلة الرسمية للأكراد في واشنطن قالت ان الأكراد يشعرون ان الطرف الأمريكي يركز على دعم حكومة العراق ووحدته وسلامة أراضيه. في حين، والحديث هنا لبيان عبد الرحمن، ان العراق دولة ليست ذات سيادة تتعرض للاعتداء من قبل جيرانها كل يوم وانه بلد غير موحد إلا إذا كانت هناك قوة وحشية في السلطة. ويبحث الأكراد عن دعم أكثر وضوحا من الأمريكيين وتعبيرات أكثر صراحة لإدانة العنف في كركوك. وقال الأكراد ان هناك حوارات بقيادة الأمريكان ولكنها ليست كافية، ومن الواضح، ان التصريحات الصادرة عن الأكراد في الولايات المتحدة أكثر حدة من تصريحات القيادة الكردية في العراق والتي رحبت بدعوة العبادي للحوار.

وفي الواقع، لم تصدر عن البيت الأبيض أو وزارة الخارجية أو الدفاع تصريحات تستجيب لهذه المطالب، إذ دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوات الأمن الداخلي والأكراد إلى إسقاط نزاعهم الإقليمي وإعادة تركيزهم على محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» مشيرا إلى ان الولايات المتحدة لا تقف مع أي طرف ولكنها لا تحب حقيقة ان هناك صدامات وصراعا بين الطرفين. وقال «لقد كنا على مدار سنوات طويلة على علاقة جيدة جدا مع الأكراد، وكنا أيضا، إلى جانب العراق رغم ان الأفضل كان عدم وجود الولايات المتحدة في العراق من الأصل» مشيرا إلى بيانه خلال الحملة الانتخابية الرئاسية ان غزو العراق كان قرارا خاطئا.

ونشر الكولونيل ريان ديلون، المتحدث باسم فرقة العمل المشتركة لعملية الحل المتاصل، تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر حث فيها جميع الأطراف على تجنب التصعيد في الإجراءات مؤكدا على ضرورة إنهاء المعركة ضد «داعش». وأوضح الجنرال روبرت وايت، قائد القوات البرية لعملية الحل المتأصل، ان النزاع الكردستاني العراقي يشتت من الحرب ضد  تنظيم «داعش» الذي يكافح من أجل البقاء، وأضاف ان ما يحدث بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية هو خلاف سياسي في طبيعته يتعين حله.

وأشار وايت ان الولايات المتحدة أكدت للأكراد استمرارها في تدريب قوات البيشمركه وذلك ردا على مخاوف من قادتهم من توقف التحالف عن تقديم الدعم للقوات. التصريحات الأمريكية الوحيدة التي وقفت إلى جانب الأكراد بوضوح صدرت من أحد أبرز مؤيدي الإقليم في الكونغرس وهو النائب ترينت فرانكس (جمهوري عن ولاية اريزونا ) إذ أدان في بيان دور إيران وميليشيات الحشد الشعبي، وقال انها أظهرت ألوانها الحقيقية في كركوك فهي غير مهتمة بالأمن العام للعراق أو الشرق الأوسط، وبدلا من ذلك هي مرهونة للنظام الإيراني وملتزمة بإنشاء «الهلال الشيعي» بهدف مواصلة مد الأموال والأسلحة إلى المنظمات الإرهابية، وطالب الحكومة الأمريكية بسحب تمويل الحكومة العراقية إذا لم تتمكن الأخيرة من حماية الشعب الكردي.

وحارب المظليون «فالكون» من وحدة القتال ( 82) وجنود من الفرقة الثانية في الجيش الأمريكي جنبا إلى جنب قوات الأمن العراقية في العمليات ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» مثل تحرير تلعفر، ولكن وزارة الدفاع الأمريكية زعمت، على الرغم من هذا التعاون، انها فؤجئت بالهجوم الكامل على كركوك. حيث قال الكولونيل روبرت مانيينغ، المتحدث الرسمي باسم البنتاغون، ان قوات التحالف لا تدعم نشاطات الحكومة العراقية أو قوات حكومة إقليم كردستان بالقرب من كركوك، وأوضح ان قوات التحالف التقطت معلومات عن تبادل محدود لإطلاق النار مشيرا إلى ان الحادث كان منعزلا، وأضاف «لم نشهد مستويات العنف المقترحة في بعض التقارير الإعلامية».

وحث مسؤولو التحالف للمرة الثانية جميع الأطراف على تجنب الإجراءات الإضافية مع التأكيد على معارضة العنف من أي طرف، وطالبوا الأطراف المعنية بعدم اتخاذ إجراءات قد تزعزع الاستقرار وتشتت الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وتقوض استقرار العراق.

وأضاف مانيينغ ان الولايات المتحدة تواصل دعمها لعراق موحد، وقال  «بالرغم من قرار حكومة إقليم كردستان المؤسف إجراء استفتاء من جانب واحد إلا ان الحوار يظل الخيار الأفضل لنزع فتيل التوترات المستمرة والقضايا القديمة» مشيرا إلى ان وزارة الدفاع ما زالت تركز على مكافحة «داعش» وهي منظمة إرهابية تهدد دول المنطقة. وقالت هيذر نويرت، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية ، ان الولايات المتحدة تدعو جميع الأطراف إلى الامتناع عن العنف، وأضافت «نود ان نرى عراقا موحدا ديمقراطيا، لقد شاركنا في العملية، ونحن ندرك ان الأكراد لديهم بعض الشكاوى والشواغل المشروعة، ونحن ندرك ان العراقيين قد عملوا مع الأكراد في جهد منسق لبدء التحرك شمالا ولكن ذلك أثار الكثير من الاهتمام» وردت هيذر على سؤال بشأن تقارير تفيد بحرق ونهب منازل الأكراد في كركوك انها لا تملك معلومات عن ذلك ولكنها تواصل دعوة جميع الأطراف للهدوء.

وأكدت نويرت ان الولايات المتحدة تواصل العمل مع المسؤولين في الحكومة الاتحادية والإقليمية في العراق في محاولة تعزيز السلام والاستقرار والحد من التوترات وتشجيع الحوار، وردا على التقارير التي أشارت إلى دور إيراني في المفاوضات التي سمحت للقوات العراقية بدخول كركوك وشعور الأكراد ان هناك خيانة من قبل الولايات المتحدة، أجابت ان الولايات المتحدة كانت تعلم بالإجراءات العراقية وانها مكرسة في الدستور العراقي.

القدس العربي

 

 

كيف حاولت السعودية استخدام الأكراد لقصقصة أجنحة إيران

قال موقع “ميدل إيست آي” في تحليل نشره، يوم السبت، إنه منذ اللحظة التي دعا فيها رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود برزاني، إلى الاستفتاء، كان واضحا أن العراق وتركيا وإيران ستشكل ائتلافا لقتل دولة كردستان المستقلة في مهدها.

وأوضح الموقع أنه “مع وجود 30 مليون كردي عرقي يعيشون في منطقة تمتد على أربعة بلدان، فإن تركيا وإيران والعراق لديها مصلحة مشتركة في خنق الدولة الوليدة، على الرغم من أن ذلك يعني تخلي أنقرة عن الحليف الكردي الذي كانت تعتمد عليه في حربها ضد حزب العمال الكردستاني في الداخل، وضد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية”.

وبالتوازي مع ذلك كان أقل وضوحا من هي الدول التي شجعت البرزاني على تنفيذ خطوة الاستفتاء، حيث كانت إسرائيل هي اللاعب الوحيد في المنطقة الذي قام بذلك علنا، حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إن “إسرائيل تدعم الجهود المشروعة للشعب الكردي لتحقيق دولته”.

ولفت الموقع إلى أن “موقف إسرائيل مبني على حقيقة أن وجود دولة كردية سيعني الحد من نفوذ تركيا وإيران والعراق في الشرق الأوسط، وهذه هي أيضا نفس مصلحة السعودية في دعم استقلال كردستان”.

وبالنسبة للخطاب المعلن كان موقف السعودية هو دعم وحدة العراق، إلا أن السعودية أرسلت أربعة مبعوثين إلى مسعود البرزاني لتشجيعه على المضي بمشروع تقسيم العراق، وبالتالي تهديد مصالح تركيا وإيران، وكان الجنرال المتقاعد أنور عشقي، الذي يشغل حاليا منصب رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جدة أحد هؤلاء المبعوثين السعوديين.

كان عشقي صريحا حول منطق المملكة، حيث قال لمجلس العلاقات الخارجية إن “إنشاء كردستان الكبرى بالوسائل السلمية سيؤدي إلى تقليص الطموحات الإيرانية والتركية والعراقية، وسيحول ثلث أراضي كل من هذه الدول إلى تبعية دولة كردستان”.

وكرر عشقي دعمه لدولة كردستان المستقلة باتصال هاتفي مع وكالة سبوتنيك الروسية، حيث قال إن “المملكة لن تقف في طريق إرادة الشعب، وأعتقد أن الأكراد لهم الحق في أن يكون لديهم دولة مستقلة”.

وكانت السعودية قد أرسلت رسالة أخرى في نفس السياق في شهر آذار/مارس الماضي، حيث قال مستشار الديوان الملكي السعودي، عبدالله الربيعة، لصحيفة عكاظ، إن “كردستان العراق تتمتع بقدرات اقتصادية وثقافية وسياسية وعسكرية عالية، ومن المستحيل على إيران وتركيا تقويض حلم كردستان بالاستقلال”.

وأرسلت السعودية مزيدا من الرسائل التي تفيد بتغير سياساتها في المنطقة، حيث ظهر وزير شؤون الخليج السعودي، ثامر السبهان، في صورة مع المبعوث الأميركي الخاص، بريت مكغورك، في أثناء زيارتهما إلى ريف الرقة للقاء قوات سورية الديمقراطية التي تشكل القوات الكردية عمودها الفقري، ويبدو أن هذه الزيارة كانت رسالة سعودية إلى تركيا.

وبمجرد خسارة الأكراد في العراق لمدينة كركوك وحقولها النفطية، قفزت السعودية من السفينة مجدداً، حيث دعا الملك سلمان رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، إلى زيارة الرياض الأسبوع المقبل بعد أن أكد له دعم المملكة لوحدة العراق.

ويخلص تحليل الموقع إلى القول أن انسحاب الولايات المتحدة التدريجي المستمر من منطقة الشرق الأوسط خلق فضاء خالياً للسلطة، ما فسح المجال للقوى الإقليمية للانخراط في صراعات على هذا الفضاء، وما شجع البرزاني أيضا على محاولة استغلال الموقف بتشجيع سعودي لإعلان دولة كردستان.

لكن السعودية وحليفتها الإمارات لم تتمكنا من تقديم شيء للبرزاني في الوقت الذي يبدو فيه أن قاسم سليماني، قائد لواء القدس في الحرس الثوري الإيراني، قد نجح في إقناع جناح الاتحاد الوطني في البشمركة (جناح الطالباني) للتوصل لاتفاق مع الحشد الشعبي والجيش العراقي وتجنب الصدام العسكري المباشر، خصوصا مع انسحاب الحشد وبقاء الجيش العراقي والقوى الأمنية في المنطقة المتنازع عليها.

ويختم تحليل الموقع بالقول إن “المملكة العربية السعودية أضعف إقليميا من أي وقت مضى، فهل سوف ترى وتتعلم في كل مرة تلعب بها لعبة العروش وتخسر؟ إن إرث هذه المغامرات السعودية الوحيد هو قائمة متزايدة من المدن السنية المدمرة والملايين من اللاجئين.

الأطلال واللاجئون هي نتيجة لما يسمى بقيادة السعودية للعالم العربي السني”.

العربي الجديد

 

 

 

أسرار زيارة السبهان للرقة والخرائط الكردية للمحافظة وشراء الأراضي/ علي حمد

تنقل مصادر “العربي الجديد” من داخل الرقة، مدينةً ومحافظة، صورة قاتمة لما ينتظرها، إذ لا تلوح في الأفق إعادة إعمار قريبة، بينما تخطط قيادة القوميين الأكراد في سورية لتوسيع نفوذها في هذا البلد إلى المحافظة ذات الغالبية العربية، وتضع لهذا الهدف خرائط جديدة لنفوذها المستقبلي. أما زيارة وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، إلى الرقة، الأربعاء الماضي، برفقة مبعوث الرئيس الأميركي الخاص في “التحالف الدولي”، بريت ماكغورك، والصور التي بثتها وكالات الأنباء، فلا تبدو بعيدة عن العناوين العريضة المذكورة أعلاه.

وقال مصدر خاص من الرقة لـ”العربي الجديد”، فضل عدم الكشف عن اسمه، إن الوزير السعودي سلك طرق الخطوط العسكرية لـ”التحالف” للوصول إلى الرقة، إما عبر العراق، أو عبر الأردن، فسورية، مؤكداً أن السبهان لم يدخل من تركيا إلى الرقة. وأضاف أن هدف الزيارة الأساسي ليس الإعلان عن تقديم الدعم للنازحين من الرقة، بل لاستلام عدد من عناصر “داعش” السعوديين، والذين يتراوح عددهم بين 20 و30 عنصراً، بحسب الأرقام المتداولة. وبيَّن أن السبهان وعد أثناء تسلمه عناصر “داعش” ذوي التابعية السعودية بإعادة تأهيل بعض المشاريع الخدمية في محافظة الرقة.

وليس بعيداً من ذلك، أكد محللون سياسيون على وسائل إعلام عربية مختلفة، أن للزيارة أبعاداً تتجاوز حتى استلام عناصر سعودية منتمية إلى “داعش”. وأشاروا إلى أنه من غير المؤكد أن لدى السعودية استعداداً في هذه المرحلة لتقديم أموال للمساهمة في إعادة الإعمار من دون ترتيبات دولية، ومؤتمر إقليمي أو دولي، تلتزم فيه دول عدة بتقاسم العبء المالي الكبير لإعادة الإعمار. ورجّحوا أن يكون ذلك المؤتمر في حال عقده، شاملاً، بمعنى أنه لن يكون خاصاً بالرقة، بل بإعادة إعمار كامل المدن السورية التي تعرضت للتدمير.

وقارن هؤلاء المحللون بين ما جرى للموصل من تدمير، وعدم التئام أي مؤتمر تحضيراً لإعادة إعمارها، وبين التسرع في الحديث عن إعادة إعمار الرقة، في إشارة إلى مهمة السبهان الاستخباراتية، على الأقل كونه يشغل منصب “وزير الدولة لشؤون الخليج العربي”، والرقة ليست ضمن نطاق المسمى الوظيفي للرجل. أما عن مغامرته بمرافقة قادة أكراد في “قوات سورية الديمقراطية”، فإنها ستترك أثراً سلبياً لدى الجانب التركي تحديداً. وقد تكون مصاحبة بريت ماكغورك للوزير السعودي رسالة مزدوجة للأميركيين والروس معاً، على خلفية صفقة صواريخ “أس 400″، التي جرى الحديث عنها أثناء زيارة الملك سلمان إلى موسكو أخيراً، ومقارنتها بصفقة مفترضة لشراء المملكة صواريخ “ثاد” الأميركية، خاصةً أن الصفقتين لا تزالان حبراً على ورق، ولم تدفع المملكة ثمن أي منهما.

لغز الصفقة الفرنسية

وفي ما يتعلق بلغز خروج عناصر “داعش” الأجانب، وعن الطرف الذي قاد المفاوضات مع التنظيم، وإلى أين وصل عناصر “داعش”، قال مصدر لـ”العربي الجديد” من الرقة، إن العناصر سلكوا اتجاهات عدة، وإن بعضاً منهم تم نقله إلى بادية دير الزور شمال الفرات، وبعضاً منهم استسلم لقوات “التحالف الدولي” و”قوات سورية الديمقراطية”، فيما استطاع عدد منهم الوصول إلى مناطق “درع الفرات” وعبروا إلى تركيا، ومنهم من ذهب إلى البادية السورية ما بين حمص وتدمر والبوكمال، حيث توجد قوات النظام السوري. وأكد المصدر أن كلاً من عناصر “داعش” الأجانب ذهب حسب تابعية جنسيته، نافياً خروج أي منهم برفقة دروع بشرية من المدنيين في الرقة. وقال “لم يكن خروجهم بحاجة إلى دروع بشرية، لأن من خرجوا من الرقة في اتجاه منطقة شمال الفرات في دير الزور عقدوا صفقة سلموا فيها بعض رعايا الدول المؤثرة إلى مسؤولين في استخبارات هذه الدول”، وفق تأكيد المصدر.

وكانت الأخبار الواردة من منطقة الرقة خلال الأسبوع الماضي، تحدثت عن قيام الطرف الفرنسي الممثل في “التحالف الدولي” بالتفاوض مع عناصر “داعش” الأجانب، بمن فيهم الفرنسيون، فيما تولى وجهاء عشائريون ترتيب استسلام عناصر “داعش” السوريين.

في غضون ذلك، أعلن مصدر لـ”العربي الجديد” أن الإدارة الأميركية ليس لديها الآن أي خطة لإدارة مدينة الرقة، مضيفاً أن “تصريحات الأميركيين كانت تقتصر على الجانب العسكري، وأن كل الوعود كانت خاوية وهدفها خدمة المعركة لا أكثر”. وقال “لا أظن أن الولايات المتحدة ستُعطي دوراً مهماً للواء ثوار الرقة في هذه المرحلة، ولا مستقبلاً، ولا لأي جهة أخرى محسوبة على المعارضة والثورة (السورية)”، مشيراً إلى أن هذا الأمر حسمته واشنطن منذ بداية الحملة قبل عام تقريباً. وأوضح أن “أميركا والتحالف سعيا إلى تعقيد الأمور أكثر على جميع الأصعدة منذ البداية، انتهاء بإخراج أهل الرقة من المدينة، وتدميرها كاملة”، على حد تعبيره.

“إعادة الإعمار”

وعقَّب مصدر مطلع على الحديث عن دور الاتحاد الأوروبي في إعادة الإعمار، نافياً وجود أي توجه أوروبي في هذا الاتجاه. وقال لـ”العربي الجديد” إن “الاتحاد الأوروبي لن يساهم في إعادة الإعمار”. وأضاف “هذا الإحجام الأوروبي أربك أميركا كثيراً”، متوقعاً أن يتخذ الأميركيون موقفاً مشابهاً للموقف الأوروبي حين تتسلم الخارجية الأميركية ملف الرقة، وملف سورية، من وزارة الدفاع، مرجعاً اعتقاده هذا إلى كون الطرفين “يشترطان التغيير السياسي في سورية أولاً”.

وفي ما يتعلق بالمرحلة التالية للسيطرة على الرقة، قال المصدر ذاته إن طبيعة المرحلة الجديدة ستبدأ مع الانتهاء من الحرب على “داعش” حسب التفاهم الدولي، وخاصة بين الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي. وأوضح أنه “سيتم العمل على تمكين مؤسسات الدولة لتعود إلى العمل في كامل الأراضي السورية، يستثنى منها الجيش والأمن، لتبدأ بعدها مرحلة التغيير السياسي”، بحسب تعبيره.

حجم الدمار

وبدأت معركة حصار الرقة في 6 يونيو/حزيران الماضي، تعرضت خلالها المدينة لـ3829 غارة جوية، وآلاف القذائف المدفعية، قُتل فيها 1873 مدنياً حتى بداية أكتوبر/تشرين الأول الحالي، وفق تقديرات حملة “الرقة تُذبح بصمت”. لكن الحملة قدرت نسبة الدمار بـ90 في المائة من المدينة. وهذا ما نفاه المصور الصحافي، عبود حمام، الذي يزور الرقة بشكل يومي في الأيام الأخيرة، ضمن وفد إعلامي، بمرافقة عنصر من “قوات سورية الديمقراطية”. وقدر حمام نسبة الدمار ما بين 40 و50 في المائة، معيداً تخبط التقديرات إلى حجم الركام، وحجم الصدمة، وعدم توافر صور بانورامية، وصور سابقة، يتم المقارنة بينها. وأضاف أن عودة النازحين ستستغرق أسابيع طويلة قبل سماح “سورية الديمقراطية” بذلك، في انتظار تمشيط المدينة، ونزع الألغام، وإزالة الركام من معظم شوارع المدينة. وتحدث حمام عن مهمته الصحافية، إذ يقيم مع مجموعة صحافيين في ناحية عين عيسى شمال الرقة، يتوجهون صباح كل يوم، منذ الثلاثاء، بإذن رسمي من “قوات سورية الديمقراطية”، وبمرافقة عنصر منها، ومع حلول الساعة الثانية ظهراً بالتوقيت المحلي (12 بتوقيت غرينتش) عليهم المغادرة والعودة إلى عين عيسى.

شراء الأراضي

وبالتزامن مع نهاية معركة الرقة التي أعلن عنها قادة “سورية الديمقراطية”، يوم الجمعة، أفادت مصادر محلية في كل من ناحية عين عيسى، وقرى تابعة لها، عن حركة شراء لأراض زراعية، وعقارية، يقوم بها أفراد أكراد، وبسعر بلغ ضعف سعر وحدة المساحة بالقياس إلى أسعار عام 2011، ومنها أرض عقارية في عين عيسى مساحتها 400 متر مربع اشتراها شخص كردي بسعر 25 مليون ليرة سورية (أكثر من 52 ألف دولار)، وأرض زراعية (غير معروفة مساحتها) في قرية المهرة شمال عين عيسى، بسعر يعادل ألفي دولار أميركي للهكتار.

إلى ذلك، ثمة خرائط كردية متداولة في شرق سورية، تتضمن كل منطقة تل أبيض، وصولاً إلى قرية تل السمن التي تبعد 40 كيلومتراً شمال الرقة، بحدود مشتركة مع تركيا تمتد 70 كيلومتراً. ويأتي ذلك على الرغم من أن عدد القرى التي تتبع إدارياً لمنطقة تل أبيض يصل إلى 630 قرية، بينها فقط 27 قرية كردية صافية تقع كلها غرب مدينة تل أبيض لجهة عين العرب (كوباني).

وكان الناطق باسم “قوات سورية الديمقراطية”، العميد طلال سلو، قد أكد يوم الجمعة، في خطاب إعلان السيطرة على الرقة، أن هذه القوات ستحمي وتدعم “مجلس الرقة المدني” الذي سيحكم المدينة ضمن ترتيبات مستقبلية لسورية اتحادية لا مركزية، و”ستدافع عنها” ضد أي “عدوان” من أي طرف، ما يعني أن الخطاب السياسي لم يقل حتى اليوم صراحةً إن مدينة الرقة تنتمي إلى غرب كردستان، أو “روج آفا”، حسب الأدبيات الكردية المستجدة.

ومساحة منطقة تل أبيض تعادل تقريباً نصف مساحة محافظة الرقة البالغة 19.620 ألف كيلومتر مربع (11 بالمائة من مساحة سورية البالغة 185.180 ألف كيلومتر مربع). لكن الكثافة السكانية قليلة في المحافظة إذا تم استثناء مدينة الرقة، بعدد سكان لا يتجاوز 1.1 مليون نسمة (2011)، منهم حوالي 200 ألف نسمة في منطقة تل أبيض كلها (حوالي عشرة آلاف كيلومتر مربع)، ونصيب مدينة تل أبيض منها لا يتجاوز 25 ألف نسمة في عام 2011.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...