الرئيسية / صفحات الثقافة / عن الاستبداد الذي لم يعد له أمل

عن الاستبداد الذي لم يعد له أمل


بشير مفتي

عاشت الدول العربية على مدار عقود بأكملها معضلة اسمها الاستبداد السياسي، ساهم بشكل مباشر في تعطيل كل مبادرات الإقلاع التنموي في هذه البلدان، بل حارب كل أشكال المبادرات الممكنة في بناء منظومات اجتماعية وسياسية قادرة على التحدي والتنمية، على رغم أن هذا الاستبداد كسب مشروعيته من خلال تغطية القوى الغربية له، سواء في مرحلة الثنائية القطبية، أو في مرحلة انتصار القطب الواحد، أي المعسكر الرأسمالي، حيث تموقع كالحرباء داخل خيارات مصالحه الشخصية على حساب قضايا شعوبه ومصالح بلدانه الحقيقية.

لقد وصل الاستبداد إلى مرحلته النهائية على رغم ما يبديه من مقاومة شديدة في بعض الدول التي تجذّر فيها منطقه، وتحكّم فيها أسلوب حكمه. لكن القضية تبدو على رغم ذلك كله، مسألة محسومة، فزمن الاستبداد انتهى ما دامت التغطية الغربية لم تعد موجودة، وهي إن وجدت من طرف البعض مثل روسيا والصين فإنها محتشمة وخجولة. وهي مسألة محسومة خصوصاً، ما دامت الشعوب العربية قررت أن تتخلص منه الى الأبد لأنه ضد منطق العصر، ضد مصالحها، وضد مستقبلها خصوصاً.

نجد اليوم من يقرأ الربيع العربي قراءة أخرى من زاوية أنه مؤامرة على المشروع العربي الثوري نفسه، وأن الهدف منه تقسيم هذه البلدان فقط وتحطيمها من الداخل، وتقديمها لقمة سائغة للغرب الامبريالي الذي لا يهمّه في النهاية لا حقوق الإنسان، ولا حريات الشعوب ولكن مصلحته لا غير، وأن ما ينتظر الدول العربية سيكون أكثر ظلاما بالتأكيد ويجب أن نتشاءم لا أن نتفاءل.

هل يتحدد كل شيء من خلال هذا الغرب؟

يطرح السؤال نفسه بنفسه. لماذا كلما طالبنا بالحرية، بالعدالة، بقسط من الكرامة الإنسانية، بتوزيع عادل للثورات، بالعدالة الاجتماعية، بالديموقراطية، بحرية الإنسان، واجهونا بأننا شعوب قدرها أن تعيش تحت حكم الاستبداد الذي وحده يعرف كيف ينقذها من المؤامرات الغربية الشنيعة؟

الاستبداد هل أنقذنا حقا؟ هل فعل شيئا لمصالح شعوبنا؟

منذ عقود شاهدنا دولاً فقيرة وجديدة في المساحة العالمية خرجت الى الوجود بمظهر متقدم في أميركا اللاتينية، في قارة آسيا، إلا نحن العرب. فعلى رغم ثراء المنطقة والإمكانات الطبيعية، لم نتقدم قيد أنملة، ولم نتزحزح من مكاننا. لقد عمل هذا الحكم المستبد على أن نبقى في النقطة ذاتها، لا نتحرك لا إلى الأمام ولا إلى الخلف، في نقطة اليأس واللاتقدم، في نقطة كراهية الذات، وعجزها عن إثبات وجودها تحت سيطرته الشديدة.

أين الخلل بالضبط؟

 بالنسبة إليّ، اتهامي واضح: إنه الاستبداد ولا غيره المسؤول عن هذا كله.

طبعا الذين يقدّمون قراءة المؤامرة الغربية، إذا حاولنا إنصافهم قليلا أو تحاشي الدخول معهم في جدال عقيم، نقول إنهم ربما يصيبون في نقاط معينة ما دام الغرب الرأسمالي يعيش أزمة حادة  ومصيرية، وهو في حاجة إلى منافذ جديدة للخروج منها. ربما. لكن هذا الغرب نفسه يستطيع أن يستفيد مع حكّام مستبدين أكثر من رهانه على الشعوب العربية التي يعرف بدون أن يحتاج إلى معاهد سبر آراء واستشرافات مستقبلية، أنها شعوب لها وجدان حر، ولن تخضع للابتزاز ثانية، لا من طرفه، ولا من طرف غيره.

قراءة ليست بريئة هي الأخرى، كما لو أنها تبرر بقاء هذا الاستبداد، تشبه فتوى بعض السلفيين بعدم الخروج على الحاكم خوفا من الفتنة. وأي فتنة أشد من الظلم! قراءة مشحونة برؤية قديمة للصراعات العربية مع من وُضع في خانة العدو الغربي، المتآمر دائما من دون فصل بين غرب وغرب، رُفعت سابقا كشعارات طنانة أكثر مما مورست كتنمية للبلدان العربية. ألم يكن الأجدى بهذا الخطاب المناصر للاستبداد لو أنه أجابنا عن هذا  السؤال: هل قاد الاستبداد بالفعل الى تنمية حقيقية لتلك البلدان التي قهرها؟ لو حدث شيء كهذا، لقلنا ربما ها هو استبداد متنور مثلما حلم بعض المصلحين الكبار من زمن النهضة العربية التعبانة بالمستبد المستنير. لكن ما جرى كان عكس ذلك. لم تحدث تنمية جديرة بهذا الاسم، ولا تطور حضاري، ولا رقي ثقافي نفتخر به اليوم، ولا أي شيء يدفع الى القول إن هذه الأنظمة المستبدة ساهمت، ولو بقسط صغير، في كسب مشروعيتها عند هذه الشعوب العربية التي أهلكتها بالفقر، والحرمان، والظلم، وأهدرت طاقاتها وإمكاناتها الحيوية، وجعلتها عاجزة عن التنفس بحرية، حتى في مناطق عيشها وحياتها.

لا يمكن تبرير الاستبداد بأي صورة، ولا أظن أن شيئا ما يمكن أن يشفع لوجوده بيننا، حتى فكرة المؤامرة الغربية المزعومة، التي لا أراها إلا دفاع الغرب عن مصالحه (منطق كل دولة في العالم تحترم شعبها أن تدافع عن مصالحها) وهذا ما يجب أن نفعله نحن أيضا، ومصلحتنا تبدأ وتستمر في بيئة الحرية، وأفق التحرر.

لقد قدم الاستبداد العربي الى هذا الغرب الكثير من الامتيازات، حتى من دون أن يستشير شعبه، أو تهمّه مصلحة بلده.

 لماذا لم يقل لنا أحد حينها إن الأنظمة كانت تبيع نفسها للغرب مقابل بقائها فقط في السلطة؟

لا أحد يقول إن الربيع العربي هو نور على نور، وهو ما سيحقق المعجزات المنتظرة، أو المحلوم بها من طرف الجميع، لكن إزاحة القهر، والظلم، والتوحش، وإعطاء الناس حقهم في عيش حياتهم، وقول حريتهم، تعد ركيزة أساسية لمنطلقات جديدة للحياة العربية التي تربت على كل أشكال التشويه، والتعتيم، والغياب الموحش.

لا، لم يعُد ينفع الاستبداد أن يتكلم باسمنا، وهو يغلف استبداديته بخطاب المقاومة، أو مواجهة المؤامرات المتوهمة، أو أي شيء يظنه نافعا له كي يقنعنا ببقائه.

بقاؤه لم يعد مجديا إلا لنفسه، ولكمشة المنتفعين منه، لأن حرية الشعوب هي الأنقى والأبقى، ولأن الحق فوق الظلم، ولأنه لا بد من شمس جديدة تسطع للعرب على أنفسهم قبل أن تسطع على غيرهم. هذا هو زمن الولادة الجديدة المرتجفة والحارة، زمن الحرية الذي يضحي من أجله ببطولة، هؤلاء الناس الذين يدركون أن المستقبل لهم، وليس لغيرهم.

طبعا، الاستبداد يراهن على الخسارة، على الفشل. يضرب المثل بالثورات التي انتصرت ويدقّ الأجراس “أيها العلمانيون الأحرار الديموقراطيون سينتصر الأصوليون عليكم”. حتى هذا، ما عاد ينفع. نعم، إنه يواجهنا بالمستقبل السيئ، ويراهن على النتائج العكسية. الاستبداد يريد تضليلنا عن الخط الذي نراه واضحا كالشمس، خطنا الأبيض ضد خطه الأسود، يريد تطهيرنا من الأمل، ويعدنا بالخيبات والمآسي. ولأنه يفعل ذلك، يزيد من الأمل في داخل كل الذين يحلمون بالحرية والضوء.

لم يكن الاستبداد في أي يوم مجالا لممارسة الحياة. إنه ضغط مستمر، خنق متواصل، قهر لا يستسلم، جرح ينزف بلا توقف. وهو لهذا، يشبه الموت وليس الحياة، الشر وليس الخير، الظلام وليس النور. إنه نقيض ما نحلم، عدوّ ما نريد، وهو على رغم ما أظهره طوال هذه العقود من بطش، تصلب، خشونة رأس، وعدوانية، لم يكن في الحقيقة إلا بقعة سراب يحسبها الظمآن ماء. إنه غير الحقيقة، وغير ما ظن طوال هذه العقود التي أوهم فيها نفسه بالقوة فوق كل شيء، لأننا كنا نعرف، وكانت الشعوب العربية تعرف، وكان الجميع ينتظر هذا الربيع العربي الجميل الذي قاده الى الهزيمة، والاندحار بشكل مخز للغاية.

لا، لم يعد للاستبداد عمر طويل، إنه يعيش آخر قطرات دمه، إنه يحتضر، بل يموت، بل يُقتل ببطء، وبسرعة، لكنه يُقتل ليفرج عن نفوس كثيرة جديرة بالحياة والحرية أحسن منه، وأجمل بكثير.

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...