الرئيسية / صفحات مميزة / عن الاستفتاء الكردي المرتقب وتأثيره على الوضع في سورية “مقالات مختارة”

عن الاستفتاء الكردي المرتقب وتأثيره على الوضع في سورية “مقالات مختارة”

 

 

 

 

أيّ عراق للأكراد؟/ حازم صاغية

هناك، كما أشار الزميل حازم الأمين في ملحق «تيّارات» يوم الأحد الماضي، فارق كبير بين انتقادين لأكراد العراق: الانتقاد الذي يتحفّظ على الاستفتاء، وعلى الدولة تالياً، بسبب الظروف أو القدرات أو المعطيات الاستراتيجيّة أو النظام نفسه، والانتقاد الذي يرفض، من حيث المبدأ، قيام دولة لأكراد العراق. يرفضه اليوم أكثر من أمس. يرفضه دائماً وبالمطلق.

الانتقاد الأوّل يقع في السياسة. الثاني في الجوهر.

أصحاب الانتقاد الثاني يقرنون أيّة استقلاليّة كرديّة بتفكيك العراق وبإنشاء إسرائيل أخرى هي، في الحدّ الأدنى، حليفة إسرائيل الصغرى! الحجج التكراريّة هذه يزيدها فقراً حال التفكّك غير المعلن الذي يعيشه العراق راهناً، وتعيشه المنطقة عموماً، فضلاً عن اتّساع رقعة التسليم بفشل نظام الدولة والاجتماع القائمين في المشرق العربيّ.

أهمّ من هذا، أنّ أصحاب الحجج المذكورة لا يَبدون معنيّين بتاتاً برأي أكراد العراق في أحوالهم، وهم طبعاً غير معنيّين بمحاورتهم في رأيهم رغبةً منهم في تغييره، أو تعديله، أو الوصول إلى تسوية معه. إنّ ما يفعلونه يشبه اختيار السيّد غرفةَ نوم خادمه: نم هنا أو انقرض.

هذا التجاهل يبلغ ذروة إدقاعه حين لا يكون هناك عراق قابل لتقديمه مرجعاً صالحاً يُركَن إليه، ولا يكون هناك عراق قابل أن يصير وعداً بمستقبل يخالف الماضي. فأيّ عراق هو ما يغري الأكراد: عراق عبد الكريم قاسم حين بدأت حرب السلطة المركزيّة على الشمال؟ عراق بعث 1963 حين استعين بقوّات سوريّة لإخضاع الشمال؟ عراق عبد السلام عارف حيث عُقد ثمّ انهار اتّفاق 1964؟ عراق أحمد حسن البكر حيث عُقد ثمّ انهار اتّفاق 1970؟ عراق صدّام حسين بالأنفال وحلبجة؟ عراق ما بعد 2003 حيث الخلاف الضاري على معنى «الفيديراليّة» في موازاة توطّد «الهيمنة الشيعيّة العربيّة» كمحاكاة مقلوبة لـ «الهيمنة السنّيّة العربيّة» السابقة؟

هذه الأنظمة جميعها، وعلى مدى ستين عاماً، اختلفت في ما بينها كثيراً. اختلفت سياسيّاً وأيديولوجيّاً وفي تمثيلها الاجتماعيّ والطائفيّ. لكنّها، مع هذا، حافظت على أمر مشترك: إخضاع أكراد الشمال. و «الصدف» حين تتكرّر كلّ هذا التكرار تغدو «قانوناً».

لقد عانى الأكراد على يد الوطنيّة العراقيّة في عهد قاسم لأنّها اعتبرتهم الغرفة الملحقة بالبيت العراقيّ. لكنّهم عانوا أكثر كثيراً على يد العروبيّة العراقيّة للبعث، قبل أن تنتقل العهدة إلى الشيعيّة السياسيّة في تمايزها المزدوج، القوميّ والطائفيّ، عنهم. والحال أنّه منذ انهيار السلطنة العثمانيّة، التي استبعدت الأقلّيّات غير المسلمة، فيما وفّرت رابطة عابرة للقوميّات بين المسلمين، لم تنشأ علاقة متوازنة وعادلة تجمع بين مسلمي العراق، ناهيك عن أقلّيّاته غير المسلمة. وقبل كلّ حساب وبعده، لم يدخل الأكراد في العراق الحديث مختارين. لقد قصفتهم الطائرات البريطانيّة كي يصبحوا عراقيّين.

لكنْ هل يمكن القول، مثلاً، إنّ المستقبل يتكفّل إنتاج صيغ ومؤسّسات وقنوات مشتركة؟ التجربة تقول العكس تماماً: ففضلاً عن الدولة والجيش، ناهيك عن السكن، لا يوجد جسر يجمع: الحزب الشيوعيّ العراقيّ، مثلاً، الذي حضن ذات مرّة تمثيلاً كرديّاً معقولاً، يكاد يتبخّر. وإلى انفجار الهويّات في العراق وفي سائر المنطقة، يمتّ تاريخنا الحديث بأكثر من صلة إلى تقليد يرجع إلى «الاتّحاد والترقّي»: آنذاك انعقد تحالف بين إصلاحيّي الترك وإصلاحيّي الأقلّيّات، لكنْ ما إن حصلت ثورة 1908 حتّى افترقت الطريقان: الترك كان همّهم الحفاظ على إمبراطوريّة متداعية، والآخرون همّهم نيل حقوقهم. الأوّلون كانت قوميّتهم مشرعة على الاستبداد. الأخيرون قوميّتهم مشرعة على طلب الحرّيّة والمساواة.

هذا التقليد اشتغل طويلاً ولا يزال يشتغل. وهذا من الأسباب التي أضعفت النسيج الوطنيّ لمجتمعاتنا كلّها، كما أضعفت ثوراتنا ومحاولاتنا للإصلاح، جاعلةً كلّ سياسة تتقاطع مع رداءة الاجتماع الوطنيّ في كلّ بلد من بلداننا.

فلماذا، ووراءنا كلّ هذا العبث، وكلّ هذا الدم، نمسك بالأكراد من أعناقهم ونصرّ عليهم: ابقوا معنا في هذا السجن بوصفكم خدّام المساجين؟ ابقوا معنا وإلاّ فأنتم خونة!

الحياة

 

 

 

 

كردستان العراق: مَنْ محامي الطلاق؟/ صبحي حديدي

هل كان ينقص قضية حقوق الكرد القومية عموماً، ومشروع استفتاء إقليم كردستان العراق تحديداً، محامي دفاع من طراز المتفلسف الفرنسي برنار ـ هنري ليفي؛ مهندس كارثة التدخل الفرنسي في ليبيا، المؤمن بأنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي هو الأكثر ديمقراطية بين كلّ جيوش العالم، المساند المطلق لحروب إسرائيل ضدّ غزّة واستمرار حصار القطاع؟ وإذا جاز أن تكون الانتهازية الأشدّ ابتذالاً هي مبعث امتطائه للقضايا العادلة، على نحو يقلب الحقّ باطلاً؛ فلماذا يتوجب على الكرد قبول هذا النمط من محاماة زائفة وكاذبة وخبيثة؟

وبعد شريط وثائقي بعنوان «البيشمركه» (عُرض في مهرجان كان السينمائي!)، وآخر بعنوان «معركة الموصل»؛ نشر ليفي مقالة تطالب بالعدالة لكردستان (وهذه كلمة حقّ)، لأنّ الإقليم واحة ديمقراطية وعلمانية وحيدة في محيط من الدكتاتوريات، على رأسها إيران وتركيا (وهنا الباطل، أياً كان موقف المرء من نظام الحكم في البلدين المذكورين)؛ وأمّا العراق/ البلد، ذاته، فإنه «كيان اصطنعه البريطانيون»! وبين السينما والمقالة، فإنّ المتفلسف لا ينسى انحيازه الأعمى لدولة إسرائيل، أو اشمئزازه من «البربرية ذات الوجه الإنساني» كما يقول عنوان أحد مؤلفاته.

والحال أنّ محاماة تعتمد هذه المحاكمة الجوفاء، لملفّ بالغ التعقيد والتشابك مثل الاستفتاء على استقلال الإقليم، لن تنفع قضية الكرد في شيء؛ إذا لم تتسبب في إلحاق الأذى بمشروعيتها ومصداقيتها، فضلاً عن تنفير شرائح من المتعاطفين والمساندين ممّن لا يفوتهم التمييز بين الحقّ البسيط، وما يتشوّه من جوهر ذلك الحقّ إياه جرّاء نفاق أمثال ليفي. ومطلوب، في المقابل، أن تدرك حكومة الإقليم إشكاليات الاستفتاء كافة، وما سيترتب عليه من نتائج وعواقب؛ ليس بمعنى الاكتفاء بوضع مصالح المواطنين الكرد في سلّم أولوية عليا منفردة متميزة، بل بوضع تلك المصالح في سياقاتها السياسية والاجتماعية والديمغرافية والثقافية التي تخصّ المكوّنات الأخرى ضمن النطاق الجغرافي للاستفتاء.

ومن المتفق عليه أنّ كركوك هي النموذج الأبرز على معادلة برميل النفط، حامل الثروة، الذي قد ينقلب إلى برميل بارود، لا يحمل سوى الدمار. صحيح أنّ غالبية السكان من الكرد، ولعلّ المدينة هي العاصمة الأمثل لكردستان مستقبلية مستقلة في العراق؛ إلا أنّ الوجود السكاني للعرب والتركمان لا يستوجب منحهم ما يستحقونه من حقوق مختلفة، فحسب؛ بل يشكّل بوّابة لامتداد نطاق النزاع إلى الجوار التركي، وربما تدويله أيضاً، إذا اختارت إيران أن تعرب عن معارضتها للاستفتاء، ولاستقلال الكرد إجمالاً، بوسائل تتجاوز اللفظ والبيان! هذا فضلاً عن حقيقة اضطرار الإقليم إلى مسالمة تركيا، إذا شاءت استمرار تصدير النفط بمعزل عن السلطة المركزية في بغداد، عبر الأنبوب المارّ من الأراضي التركية.

فإذا تعقل الكرد ورفضوا خدمات المحامي الفرنسي المتفلسف، فهل يتكئون على خطاب المحاباة الخجول الذي قد يصدر عن هذا أو ذاك من ممثلي الإدارة الأمريكية، بما في ذلك تغريدات الرئيس دونالد ترامب نفسه؟ المرء يلمس هذا التوجه في لقاءات مسؤولي حكومة الإقليم مع ديريك هارفي، مسؤول الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي؛ ومع بريت ماكغورك، المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى التحالف الدولي في العراق. كأنّ الذاكرة الكردية المعاصرة تتناسى مأساة الكرد مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة، حين يتصل الأمر بقرارات ملموسة إزاء مسائل استقلال الكرد، أو حقوقهم الوطنية الجوهرية: من مبادئ وودرو ولسون حول حقّ تقرير المصير، إلى «المنطقة الآمنة» التي أوهمهم بها جورج بوش الأب، والتاريخ سجلّ يشهد…

ولعلّ الذاكرة ذاتها تستعيد محامياً ثالثاً، هو ستافان ديمستورا، دون سواه! لقد تولى ملفّ كركوك سنة 2009، ولم تكن حصيلته أفضل حالاً مما يقدّم اليوم في الملفّ السوري…

فأيّ محامٍ، سوى الشعب الكردي ذاته، ولذاته؛ وأية محاماة، سوى مصالحه في قلب جواره التاريخي والثقافي والسياسي والاقتصادي.

القدس العربي

 

 

 

«دولة كردستان» مؤجلة… هل يؤجل الاستفتاء؟/ جورج سمعان

هل فات أوان تأجيل الاستفتاء على انفصال كردستان؟ رئيس الإقليم مسعود بارزاني ربط التأجيل بضمانات يستحيل أن تقدمها بغداد أو أي طرف إقليمي ودولي. يريد ضمانات لإجراء هذا الاستحقاق بعد أشهر أو سنة. أي بعد انتهاء الحرب على «داعش». هذه الحرب هي الذريعة التي يلجأ إليها معظم المعارضين وليس الرافضون بالمطلق. يرون أن الظروف ليست ملائمة. لو قدموا هذه الضمانات اليوم مثلاً لا تعود هناك حاجة إلى استفتاء على استقلال ينشده جموع الكرد. لأن الضمانات تعني ببساطة الموافقة سلفاً على انفصال الإقليم. وعلى رغم اصطفاف حشد من المعترضين الذين تتفاوت لهجات مواقفهم، لم يعد بامكان الزعيم الكردي التراجع. صدقيته وقيادته ومستقبله على المحك. يرى ومعظم مواطنيه أن الظروف التي لا تلائم الآخرين اليوم هي نفسها تلائم أهل كردستان. وقد تساءل قبل مدة متى يكون التوقيت مناسباً؟ فكلما عبر الكرد عن رغبتهم في تأسيس كيانهم المستقل كانوا يواجهون بمقولة أن الظرف ليس مناسباً! وقد رفع غلاة خصومه نبرة التهديد والتلويح باستخدام القوة ولجأوا إلى التخويف من بحور من الدماء في الإقليم. وساق كثيرون اتهامات له بأنه يريد التغطية على فشل إدارته وتجديد رئاسته بعدما انتهت ولايته قبل سنتين ويرفض تسليم الراية.

غالبية الكرد ترى إلى الظروف الحالية إذاً فرصة قد لا تتكرر. كان مصير مثل هذا الاستفتاء في السنوات والعقود الماضية بيد أربعة أطراف إقليمية أثبتت قدرتها على إحباط أي محاولة في هذا الاتجاه. فالدول الأربع تركيا وإيران والعراق وسورية يتوزع فيها الكرد مكوناً كبيراً لا يستهان به. وكانت ولا تزال ترفض مجرد التفكير في تغيير جغرافيتها وخريطتها. ولا حاجة إلى التذكير بما عاناه هذا المكون ولا يزال من اضطهاد وعذابات ومرارات منذ تقسيم المنطقة بين الانتدابين الفرنسي والبريطاني إثر سقوط السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. فضلاً عما عاناه تحت نير السلطنة أيام سطوتها. ولا حاجة إلى التذكير بمحاولاته الفاشلة لإقامة دولة مستقلة على غرار باقي شعوب المنطقة. لكن الظروف تبدلت اليوم في كردستان وفي مناطق شمال شرقي سورية. وتبدلت في الشرق الأوسط كله. فقد عاش الإقليم، منذ حرب تحرير الكويت، في شبه استقلال عن العاصمة العراقية. كما أن ما تعانيه البلدان الأربعة التي كانت من أشد المعترضين على انفصال الكرد حد من قلص خياراتها وقدراتها.

العراق يعيش تفككاً داخلياً قد لا يكون له علاج لا في المستقبل القريب ولا البعيد. وفوز الكرد بدولة مستقلة سيتفاقم هذا التمزق بين مكوناته. سيعزز حراك أهل السنة العرب لإقامة فيدراليتهم وإن بدا أوانها قد فات. أحزابهم وقواهم السياسية مشتتة ولا قدرة لها على المساهمة في منع المساس بوحدة البلاد، مثلما هي عاجزة عن فرض رؤية واحدة لإدارة المحافظات الغربية والشمالية. حتى أن بعض العشائر العربية نادى بأن يشمله الاستفتاء للتخلص من سطوة القوى الشيعية التي تستأثر بالسلطة. وكذلك لن يكون وقع التصدع سهلاً على تحالف القوى الشيعية المتصدع أصلاً. فبعض أحزابهم يحاول التملص من قبضة إيران. كما أن انقسام «حزب الدعوة» تكرس عملياً على وقع الاتفاق الذي أبرمه «حزب الله» مع «داعش» لنقل مقاتلي «التنظيم» من الحدود اللبناني – السورية إلى مناطق محاذية لحدود العراق. لذا لا تملك بغداد من أدوات القوة لمنع الاستفتاء أو الانفصال. ومهما ساقت من اعتراضات واتهامات للكرد بأن الدستور منحهم نسبة مشاركة تفوق نسبتهم السكانية في البلاد، وهم يحتلون مواقع مهمة في الدولة من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الأركان وعدد من الوزراء… فإن قادة الإقليم يردون بأن مواقعهم صورية لا سلطة قرار لها. كما أن الحكومة المركزية منعت وتمنع عنهم حصتهم من الموازنة العامة. في أي حال موضوع الاتهامات المتبادلة طويل ومعروف، ويتحمل الطرفان المسؤولية عما آل إليه الوضع. فالكرد أفادوا من مشاكل نظام المحاصصة الذي أرساه الأميركيون إثر الغزو وعززوا مواقعهم في الإقليم. وأفادوا أيضاً من «تحالفهم» الظرفي مع الأطراف الشيعية. مثلما أتاحت لهم المساهمة الفاعلة في الحرب على «داعش» فرصة مد سلطتهم إلى مناطق متنازع عليها.

وسورية ليست أفضل حالاً. إنها تعيش اليوم على وقع تقاسم خريطتها مناطق نفوذ بين القوى الكبرى الدولية والإقليمية. وتعيش تركيا على وقع أزمات في عدد من الجبهات داخلياً وخارجياً ليس أولها وآخرها قضية الكرد الذين عادوا وإياها إلى تجديد الحرب والقتال في أكثر من مكان. وهي أمام منعطف تتحول فيه هوية الدولة وشبكة علاقاتها التقليدية. حتى بات يخشى أن يدمر حزب العدالة والتنمية كل ما بناه في السنوات الأخيرة. إضافة إلى ذلك قد لا تحتمل وقف تدفق مئات آلاف البراميل يومياً من كردستان عبر خط جيهان. ناهيك عن أن حجم التجارة التركية مع الإقليم يربو على ثمانية بلايين دولار سنوياً. فهل تجازف حكومة «حزب العدالة والتنمية» بهذه المكاسب الاقتصادية؟ يقود ذلك إلى أن دول المنطقة المعترضة لن يكون يسيراً عليها تنفيذ تهديداتها بعمل عسكري منسق لمنع الكرد من تحقيق استقلالهم. بل إن الحضور العسكري الروسي والأميركي تحديداً في المنطقة لن يكون خارج أي حسابات أو مغامرات من هذا القبيل. فاعتراض واشنطن على توقيت الاستفتاء وليس على حق الكرد في تقرير مصيرهم ومستقبلهم. وكذا موقف أوروبا عموماً. ويمكن وضع هذه المواقف الدولية المعترضة اليوم في خانة مسار تاريخي منذ اتفاق «سايكس – بيكو»، أي رفض تغيير الخرائط. إذ لا تحتاج هذه الدول، في عز الحرب على «داعش»، وقبل ذلك في ظل التحولات الدولية الكبرى، وفي ظل الصراع على بناء نظام دولي وإقليمي، إلى مزيد من المشاكل قد تنجم عن إعادة رسم حدود جديدة للدول في المشرق العربي. فمثل هذه المغامرة قد ينسحب على دول أخرى. هذا التنوع الديموغرافي والاتني والمذهبي في المشرق ليست إيران أو تركيا بعيدتين عنه. كما أن تلويح أنقرة بحصار اقتصادي لكردستان ووقف التعاون في مجال الطاقة إذا انفصلت قد لا يجد صدى. فالمجتمع الدولي لن يتفرج على طوق خانق يقود إلى تجويع الناس ويهدد حياتهم. وتبقى واشنطن أقرب حليف للكرد صاحبة الكلمة العليا ولن تسمح بتوجيه ضربة عسكرية إليهم. بل يمكنها الضغط عليهم لتأجيل إعلان الدولة… إلى حين.

تبدو إيران أكثر المعترضين تشدداً. لكنها تخوض اليوم حروباً لترسيخ مشروعها في الشرق الأوسط كله، من العراق إلى لبنان مروراً بسورية وما بقي من فلسطين و… اليمن أيضاً. ولا بد لها في النهاية من النظر في مصالحها الخاصة. وعلى رغم موقفها العلني الرافض بشدة والمحمل بالوعيد والتهديد، قد لا تكون مستعدة لفتح جبهة جديدة ومشاكل إضافية. فلها أكرادها أيضاً وقد لا يسكتون في حال التحرك ضد كردستان. وهم يهادنون اليوم لأن لهم مصلحة في المشاركة في الصراع على سورية. ولذا قد لا تجد أيضاً مبرراً لتدمير شبكة مصالحها مع الإقليم. وكانت سباقة في نجدته بالسلاح عندما توجه إليه «تنظيم الدولة» غداة احتلاله الموصل. فعلاقاتها مع السليمانية مقر سلطة حزب الاتحاد الوطني، تاريخية لا يمكن المغامرة بها. مثلما قد لا يصح هذه المرة الرهان على تأليب الكرد بعضهم على بعض، كما حدث في مناسبات وظروف أخرى. صحيح أن حزب الاتحاد يبدي بعض أجنحته اعتراضاً على توقيت الاستفتاء، ويصر على ترتيب البيت الداخلي للكرد. وكان اقترح قبل ثلاثة أشهر «خريطة طريق» لحل المشاكل في الإقليم والتفاهم مع بغداد. لكن الصحيح أيضاً أن الحزب يرفع منذ يوم تأسيسه شعار العمل من أجل كيان مستقل للكرد. وهو يشارك رسمياً في المجلس الأعلى للاستفتاء. وقد زار ممثله مع وفد المجلس بغداد ودول الجوار وبينها طهران للتسويق لهذا الاستحقاق. حتى القوى الإسلامية لا تعترض كلها. فالاتحاد الاسلامي الكردستاني (رابع قوة في الإقليم) وأحزاب إسلامية أخرى، تنادي بالاستفتاء، باستثناء «حركة التغيير» (القوة الثانية) التي تخوض صراعاً مع قيادة الإقليم. عموماً يصعب على جموع الكرد أن يقفوا بخلاف عواطفهم وطموحاتهم التاريخية بإقامة وطن قومي. وقد لا تنجح وساطة الجمهورية الإسلامية بين بغداد واربيل لإعادة المياه إلى مجاريها. هل تنجح وإيران تهدد كل يوم وهدفها طي صفحة الاستفتاء وليس تأجيله؟

يبقى أن الاستفتاء لن يقود إلى إعلان الاستقلال في اليوم التالي. سيستغرق الأمر أشهراً وربما أكثر من سنة. ثمة مشاكل وقضايا يجب أن تحل بالتفاهم بين اربيل وبغداد، مثل قضايا النفط والمياه والحدود النهائية والمناطق المتنازع عليها، إضافة إلى مستقبل العرب المقيمين في الإقليم ووضع الكرد في باقي محافظات العراق… أي أن 25 أيلول هو موعد للاستفتاء وليس موعداً لإعلان الدولة المستقلة. حتى كركوك لن تعني مشاركتها في هذا الاستحقاق أنها ستؤول تلقاءياً إلى أراضي الدول الجديدة. بل إن مصيرها والمناطق المتنازع عليها، كما قال بارزاني، يخضع للمادة 140 من الدستور. لكن حقيقة الموقف الكردي أن المدينة وهذه المناطق التي ساهمت «البيشمركة» في تحريرها من «داعش» ستبقى بيد الكرد… وهذا ليس وحده ما سيؤسس لنزاعات وحروب في المستقبل القريب والبعيد. ذلك أن انفصال كردستان، مهما هوّن الأمر أهل الاستفتاء العتيد، سيسهل على المعترضين من دول الطوق ترسيخ أقدامهم في ما استحوذوا حتى الآن واقتطعوا من المشرق العربي. وسيفتح الباب واسعاً، بعد دحر «داعش» أيضاً، لصراعات جديدة مذهبية وطائفية. فهل يكون الحدث المسمار الأخير في خريطة «سايكس – بيكو» لتنشأ خرائط بديلة للمشرق كله؟

الحياة

 

 

 

ألغام تزنّر العراق بعد «داعش»/ خالد غزال

يقف العراق أمام مرحلة جديدة من الصراعات السياسية والمذهبية والإثنية. بعد الانتصارات على «داعش» في الموصل، والسير في هزيمتها في ما تبقى من مناطق، تتسارع التناقضات الداخلية وصراعاتها لتحتل مكانها على الساحة العراقية، مهددة بانفجارات داخلية، لا يستبعد مراقبون تحولها الى حروب أهلية تمنع الاستقرار السياسي في هذا البلد. ثلاثة ألغام رئيسة ستهدد السلم الأهلي الذي لم يستقر بعد.

أول الألغام يتصل بالقضية الكردية الناجمة عن دعوة الإقليم الكردي للانفصال. ناضل الأكراد طويلاً من أجل حقوقهم بحدها الأدنى منذ سيطرة حزب «البعث» على السلطة في الستينات، ونالوا من الاضطهاد ما لم يشهده التاريخ العربي، في ظل قومية عربية شوفينية مثلها حزب «البعث»، ترفض الاعتراف بحقوق الأقليات، وتسعى الى «تعريبهم» بالقوة. قاد الأكراد نضالاً طويلاً من أجل حكم ذاتي، أمكن لهم تحقيقه بعد هزيمة العراق أمام التحالف الدولي في التسعينات. لكن القيادة الكردية كانت تؤسس منذ ذلك الوقت لكيان كردي مستقل يشكل بوابة الدخول الى دولة كردستان التي تضم أكراد تركيا وسورية وايران إضافة الى العراق. ارتفع منسوب الحلم بعد احتلال العراق، وخصوصاً بعد ان أدخل المالكي «داعش» الى الموصل عبر إعطائه الأوامر للجيش العراقي بالانسحاب بناء على قرار إيراني.

اليوم، وبعد هزيمة «داعش» التي ساهم بها الأكراد، يواجهون ما سبق أن عانوا منه بالتلاعب بقضيتهم، ووقوف دول الجوار ضد أي عملية انفصالية. في الداخل العراقي، هناك تهديدات بأن سير الأكراد بالانفصال سيتسبب بحرب أهلية. واستعاد الأتراك والإيرانيون التنسيق العسكري، تحت عنوان منع الاستفتاء الكردي في العراق على الانفصال، لمعرفة البلدين بنجاحه، وما سيشكله من انبعاث الشعور القومي في بلديهما وأخطار هذا الاستنهاض. والنظام السوري، الذي تلاعب بالأكراد خلال الانتفاضة وأغراهم بالوقوف الى جانبه، سينضم الى إيران وتركيا في معارضة الانفصال. فهل يعي الأكراد خطورة الآتي عليهم، ويخففون من مطالبهم الانفصالية والقبول بتحسين شروط الحكم الذاتي؟

اللغم الثاني الذي ما زال منفجراً هو الصراع السنّي- الشيعي على السلطة ومراكز النفوذ. لا يبدو في الأفق ما يشير الى إمكان تسوية داخلية توزّع السلطة بما يضمن حقوق المجموعات في العراق. لا يزال جموح الهيمنة والثأر من الماضي يتحكم في القيادات السياسية التي تولت السلطة في العراق بعد الاحتلال الأميركي، والتي ازداد نفوذها بفعل التدخل الإيراني. في هذه النقطة المتفجرة، يجب الأخذ في الاعتبار ما باتت تمثله إيران في العراق من قوة نفوذ وتحكّم بالقرار السياسي والأمني. لا يدخل في العقل الإيراني ما يعرف بالتسويات، بل الهيمنة الوحيدة الجانب والقمع لسائر المجموعات، بما فيها إدارة حرب أهلية في ما بينها. إضافة الى ذلك، باتت إيران تعتبر العراق منطقة نفوذ إيرانية بالكامل، وهو قلب الأمبراطورية الفارسية. إن ممارسة إيرانية – عراقية تتسم بقهر المجموعات السنّية هو أقصر الطرق الى إذكاء نار الحرب الأهلية وعودة «داعش» الى العراق وانخراطها في الصراع المذهبي الدائر.

اللغم الثالث يتصل بالصراع الشيعي– الشيعي. بعد إعلان الانتصار على «داعش»، تصدع التحالف الشيعي وظهرت الخلافات في ما بين قواه. في الجانب العراقي- الإيراني، برزت اعتراضات عراقية على الهيمنة الإيرانية، سواء أكان في تحجيم بعض القوى الأساسية أم في السعي الى إلحاق المرجعية الدينية في النجف بالمرجعية الإيرانية في قم. وشهد العراق تظاهرات تدعو الى خروج إيران من العراق. مظهر آخر من مظاهر الصراع كان في مواقف قوى ثلاث من الحكم العراقي وربيبته الإيرانية، هذه القوى تمثلت بالمرجعية الشيعية السيستاني، وباقر الصدر وعمار الحكيم. من المفيد التدقيق في حدود تحول هذه القوى والمدى الذي ستصل اليه بعد توجهها الخليجي. لا يغيب العنصر العربي في وجه العنصر الفارسي عن هذا الصراع، كما يجب النظر الى استدارة هذه القوى العربية سعياً الى تقوية نفوذها الداخلي ضد القوى المدعومة بالمطلق من إيران. كما لا يجب الحكم بقطيعتها مع إيران، فهي لا تزال على علاقة معها، ولكنها تريد موقعاً في السلطة يتجاوز ما نالته حتى الآن. في كل الحالالت لا يجب التقليل من شأن هذه التعارضات في ما هو قادم.

سيُحكم العراق في تطوراته المقبلة بما ستقرره إيران في شأن قوى النفوذ ومواقع السلطة. والذي يزيد من المخاوف على هذا البلد، إن الجار الإيراني لن يتورع عن تجديد الحرب الأهلية، سواء بين السنّة والشيعة، او بين الشيعة أنفسهم، اذا ما شعر بأن العنصر القومي العربي عاد الى النهوض، وأن مطلب الاستقلال سيرتفع. كما سيستخدم العنصر الكردي في تأجيج الاضطرابات الداخلية.

* كاتب لبناني

الحياة

 

 

 

في ظل حرب على الاستقلال الكردي/ خيرالله خيرالله

هل تقوم دولة كردية مستقلة في أراضي ما كان يسمّى العراق الموحّد، أو الجمهورية العراقية التي قامت على أنقاض النظام الملكي في العام الذي انهار في العام 1958؟ الجواب نعم كبيرة بالنسبة إلى كردستان العراق. ما ليس واضحا حدود هذه الدولة التي بدأت الحرب عليها منذ الآن، خصوصا في ظل الخلافات الدائرة في شأن مستقبل مهمة مثل مدينة كركوك. ما ليس واضحا أيضا ما سيفعله أكراد تركيا وإيران وسوريا على أرض الواقع في حال قيام دولة مستقلة في كردستان العراق.

عندما يتبيّن بوضوح أن هناك عملية إعادة تشكيل للمنطقة، ليس أمام الأكراد في العراق سوى التمسّك بموعد الاستفتاء على الاستقلال في الخامس والعشرين من الشهر الجاري. مثل هذا الاستفتاء سيكون فرصة لتثبيت حقوقهم أكثر بكثير مما أنّه سيوفّر مناسبة لإعلان الاستقلال. المهمّ بالنسبة إليهم نجاح الاستفتاء. أمّا الاستقلال فيستطيع أن ينتظر، لا لشيء سوى لأن كل المؤشرات تدل على أن لا عراق موحّدا يمكن أن تقوم له قيامة بعد اليوم. تبدو الأزمة العراقية عميقة إلى درجة تستحيل معها استعادة البلد، الذي تأسس في عشرينات القرن الماضي بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، لوحدته.

بدأت الحرب على كردستان العراق قبل الاستفتاء الذي أكد غير مسؤول كردي كبير، بما في ذلك هوشيار زيباري وزير الخارجية السابق في العراق، أنّ نتائجه لا تعني إعلان الاستقلال بشكل تلقائي. في النهاية يستطيع الأكراد الانتظار، بل الانتظار طويلا، لا لشيء سوى لأن الرياح الإقليمية تسير وفق ما يريدونه ويشتهونه وما يطمحون إليه في المدى البعيد في أراض تتجاوز العراق وحدوده الجغرافية.

هناك سؤال كبير سيبقى مطروحا، بغض النظر عن استقلال كردستان العراق أو عدم الإعلان عن ذلك. هذا السؤال هو: ما العمل بأكراد تركيا وأكراد سوريا وأكراد إيران؟

نظرا إلى أن هذا السؤال مطروح بجدّية كبيرة، نجد قيام تحالف من نوع جديد يضمّ النظام السوري وإيران وتركيا ضد أكراد سوريا قبل أن يكون ضدّ أكراد العراق. يفسّر قيام هذا التحالف تلك الجهود التي بذلها “حزب الله”، الذي ليس في نهاية المطاف سوى لواء في “الحرس الثوري” الإيراني، من أجل نقل مقاتلي “داعش” مع عائلاتهم من منطقة الحدود السورية-اللبنانية إلى دير الزور.

لم يكتف الحزب بتأمين وقف المعارك بين الجيش اللبناني وإرهابيي “داعش” كي لا يتمكن الجيش من القضاء عليهم، بل حرص على تهيئة كل الأجواء والوسائل التي تضمن انتقال هؤلاء إلى دير الزور التي تبدو وجهة المعركة الجديدة مع أكراد سوريا الذين يتحرّكون ويتوسّعون في الشمال السوري وعلى الحدود السورية-العراقية بغطاء جوّي أميركي.

ما يفترض أن يتفهمّه اللبنانيون وأن يستوعبوه جيّدا هو أن ما يجري في المنطقة يتجاوز لبنان. أن يحفظ لبنان نفسه يبقى إنجازا في حدّ ذاته.

الأمر يتعلق بدول كبيرة مثل العراق وسوريا لم يعد في الإمكان إعادة اللحمة إليها. الأمر يتعلق أيضا بأزمة تمر فيها تركيا التي لم تعرف في أي وقت كيف تدير سياستها السورية ولا كيف تتعاطى مع الأكراد، بما في ذلك أكرادها. أما إيران، وخلافا لكلّ ما يقال عن مشروعها التوسّعي الذي توفرت له انطلاقة جديدة بعد انهيار النظام في العراق في العام 2003، فإنّها في مأزق عميق.

نعم، إنها في مأزق عميق حتّى في علاقاتها مع شيعة العراق الذين يكتشفون يوما بعد يوم أنهم عرب وليسوا إيرانيين، وأنّ لديهم مصلحة في أن تكون بلادهم على علاقة جيّدة مع محيطها العربي قبل أيّ شيء آخر. سيكون صعبا على اللبنانيين فهم التعقيدات التي تشهدها المنطقة ولماذا يلعب “حزب الله” الدور المطلوب منه إيرانيا في ظلّ الحرب على الاستفتاء الكردي. من أجل تبسيط الأمور عليهم، يُفترض بهم الاقتناع أولا بواقع يريدون الهرب منه بشكل مستمرّ. يقول هذا الواقع إن “حزب الله” ليس سوى ميليشيا مذهبية عناصرها لبنانية تعمل في خدمة إيران. هذا على الأقلّ ما يقوله الأمين العام للحزب حسن نصرالله الذي يعترف علنا بأن كلّ ما لدى الحزب مصدره إيران. ليس لبنان سوى “ساحة” تستخدمها إيران للترويج لسياستها في المنطقة وللإساءة لهذه الدولة العربية أو تلك وللهرب من الأزمة العميقة التي تعاني منها على كلّ المستويات، وهي أزمة مرتبطة أوّلا وأخيرا بأنّها لا تمتلك الوسائل، خصوصا الاقتصاد القوي، التي تسمح لها بمتابعة هجمتها على كلّ ما هو عربي في المنطقة.

قبل الاستفتاء على استقلال كردستان العراق، التقت قوى عدّة بينها تركيا وإيران عند اتخاذ موقف حذر منه خوفا من امتداد العدوى إلى خارج الحدود العراقية، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات على أكراد تركيا وإيران. من الطبيعي أن تتوجّه الأنظار إلى ما يدور في الشمال السوري وإلى استخدام “داعش” في السعي إلى التصدّي للتمدد الكردي المدعوم أميركيا في تلك المنطقة.

يتلهى اللبنانيون بأمورهم الداخلية غير مدركين أن اللعبة في المنطقة كبيرة، بل كبيرة جدا. ما بدأ باحتلال أميركا للعراق وتسليمها البلد على صحن من فضة إلى إيران كان في العام 2003 زلزالا لا تزال تفاعلاته تتردد في كلّ الشرق الأوسط والخليج.

ما تفعله الولايات المتحدة حاليا هو التفرّج على ما يدور في المنطقة. تتدخل متى تدعو الحاجة إلى ذلك. منعت قافلة “داعش” من الانتقال من الحدود السورية-اللبنانية إلى منطقة قريبة من الحدود السورية-العراقية ثمّ انكفأت. هل تُقْدم على ما هو أكثر من ذلك؟ لن تقدم على أي خطوة ما دام كل شيء يسير حسب الخطة المرسومة التي تصب في مزيد من الشرذمة بإشراف من إيران وروسيا والنظام السوري “الممانع” الذي أدّى دائما الدور المطلوب منه إسرائيليا.

الأكيد أن لا شيء يحدث بالصدفة، بما في ذلك انكشاف العلاقة القائمة بين “حزب الله” والنظام السوري من جهة، و”داعش” من جهة أخرى. هناك خدمات متبادلة بين الأطراف الثلاثة. يوفّر “داعش” فرصة للنظام السوري ولـ”حزب الله”، ومن خلفه إيران، للادعاء بأنّهم يخوضون حربا على الإرهاب.

ستستقل كردستان العراق. ليس معروفا متى ستستقل. المعروف أنّ على بلد صغير مثل لبنان أن يحفظ رأسه وأن يقتنع أهله بأن اللعبة الدائرة في المنطقة أكبر منهم. الأهمّ من ذلك، عليهم استيعاب أنّ هذه مرحلة في غاية الدقّة والخطورة وأنّه لا يمكن من دون أدنى شكّ الاستخفاف بالتنسيق الأميركي-الإسرائيلي على كلّ صعيد وفي غير منطقة، من سوريا إلى العراق، إلى كردستان. أميركا لا تعترض من حيث المبدأ على الاستفتاء الكردي. اعتراضها على توقيته. أما إسرائيل، فليس ما يشير إلى أنّها متضايقة من شيء، خصوصا من انهماك “حزب الله” في ترتيب انتقال “داعش” إلى الشمال السوري، ومن تركيز إيران وتركيا على الاستفتاء الكردي وتفاعلاته وتلهيهما بذلك.

إعلامي لبناني

العرب

 

 

دولة كردية مزمعة وصراع مديد/ عدلي صادق

كان حُلم إعلان الدولة الكردية يراود الأكراد منذ أن تأسس أنموذج الدولة الوطنية في المشرق العربي، بعد اندثار الدولة العثمانية. غير أن المشكلة التي جعلت تحقيق هذا الحلم سببا في تسميم العلاقة بين الشعب الكردي وشعوب دول المشرق وأممها، هي طبائع الرهانات الكردية على الآخرين.

اليوم، تحتفي إسرائيل بفكرة الدولة الكردية، وتُكرس فرضية عدائها للجوار العربي وصداقتها مع الصهيونية واصطفافها معها. ورغم المبدأ الأخلاقي الذي يدعونا كعرب إلى تأييد حقوق الأمم في تقرير مصيرها، إلا أن إعلان قيام الدولة الكردية، على حساب الأراضي العربية في العراق وسوريا، ومن دون التوافق ووضع صيغ استقلالية للأكراد لا تخصم من حقوق العرب؛ يجعل عنصر استضعاف الأمة العربية حصرا، والاستقواء بالدول المتنفذة في العالم وفي الإقليم، هو قاعدة الحسبة العربية وفرضياتها واستحداث مظلومية أخرى لهم. فالأمة الكردية ومجموعاتها العرقية الأربع، في كردستانها الكبرى، تنتشر في شمالي إيران، وشمالي غرب العراق وفي أجزاء من تركيا وأذربيجان وسوريا، وحيثما تقع جبال طوروس وزاكوس في شمالي غرب آسيا.

على الرغم من ذلك، كانت وجهة الاستنزاف الكردي لأوطان الدول المتداخلة مع مناطق تواجد الأكراد، تركز أساسا، على العراق، منذ أن تم تعيين حدوده النهائية، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وقد جرى على الدوام استغلال الزعامات الكردية لعوامل كثيرة مواتية لهم في الدولة العراقية، لا سيما بعد أن خرج العراق بعد ثورة يوليو 1958 من دائرة نفوذ الغرب. فمنذ ذلك الحين دخلت إسرائيل إلى المشهد الكردي، كحليف يشجع على استمرار التمرد، لإضعاف العراق، والاستحواذ على جزء معتبر من ثرواته، والتركيز على كركوك العربية الغنية بالبترول.

في تجربة الأكراد الأولى، لإعلان دولة كردية، كان مسرح المحاولة هو أقصى شمال غربي إيران الذي أعلن فيه الأكراد جمهورية مهاباد. فقد أعلنت تلك الجمهورية في ديسمبر 1945 باقتناص فرصة النزاع على النفوذ، بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، وبشفاعة القوات الروسية التي دفع بها جوزيف ستالين إلى التوغل في الأراضي الإيرانية.

وعندما نشأ صراع النفوذ بين أميركا والاتحاد السوفياتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتوغلت قوات السوفيات في الأراضي الإيرانية مع بدء تصفية حسابات العملاقين مع القيادات المحلية في دول المشرق أو غربي آسيا، كان لدى ستالين ما يقنعه بأن الشاه رضا بهلوي تعاطف مع النازيين وساندهم سرا، وكان هتلر يتعاطف مع ذلك الشاه رغم إعلانه الحياد في الحرب العالمية الثانية. وعندما توغل ستالين وهرب رضا بهلوي، وجرى تنصيب ابنه محمد رضا بهلوي، وبدأ الاتحاد السوفياتي في اصطناع كيانات موالية له في محيط إيران، بادر مصطفى البارزاني، والد مسعود رئيس إقليم كردسان حاليا، إلى إعلان جمهورية مهاباد بمساعدة زعيم محلي يُدعى قاضي محمد.

ومثلما كانت الكيانات الناشئة بشفاعة الأبعدين والطامعين بلا مستقبل، فقد استهل الشاه الابن، محمد رضا بهلوي حياته السياسية، بالارتماء في أحضان الأميركيين لكي يضغطوا على السوفيات لسحب قواتهم من الأراضي الإيرانية، وهكذا كان، ليصبح الجيش الإيراني كفيلا بالإجهاز على جمهورية مهاباد بعد 11 شهرا من إعلانها، فهرب الزعيم العراقي الكردي البارزاني إلى بلاده، بينما ألقت القوات الإيرانية القبض على الزعيم الإيراني الكردي قاضي محمد، وأعدمته في العام 1947 في ساحة عامة.

في أواخر عقد الخمسينات أرسلت إسرائيل للأكراد في شمالي العراق، بعثة عسكرية ومعدات وبعثة طبية. ومن المفارقات أن المهمة الإسرائيلية في شمالي العراق كانت برئاسة الجنرال آرييه لوبا إلياف الذي أصبح في ما بعد ناشط سلام، يدعو إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة على أراضي 1967. اليوم تحتفي إسرائيل المتطرفة بفكرة الدولة الكردية، التي تراها حليفا لها في قلب المنطقة، له ميزات إستراتيجية كون هذه الدولة ستشمل أراضي عراقية وسورية.

قبل أن يصل كاتب هذه السطور إلى حدود مساحتها، ننوه بأن الشر الإرهابي المتلطي بالدين الإسلامي، ومعه الجموح أو الشر الطائفي على الجانب الآخر، كانا من الأسباب الجوهرية التي أضعفت العراق وأضعفت الأمة ومكنت للغزاة وخلطت الأوراق، وأراحت إسرائيل ووضعت الأسس لصراع مديد، يتعين على الأمة أن تخوضه لكي تستعيد حقوقها في أرضها وثرواتها.

كاتب وسياسي فلسطيني

 

 

 

 

 

خريف الخريطة العراقية/ غسان شربل

في الطريق من أربيل إلى كركوك هاجمتني مشاعر غريبة. للمرة الأولى في حياتي أتمنَّى لو كنتُ مراسلاً أجنبياً. يكتب تقريره بحياد وبرودة أعصاب ويبحث له عن عنوان صارخ. وحين يغادر البلد المعني يقلب الصفحة ويبحث عن بلاد مريضة أخرى تصلح لكتابة تقرير مثير.

لكنني صحافي عربي.

وليس بسيطاً عزيزي القارئ أن يكون المرء صحافياً عربياً مهمته ملاحقة هذه الانهيارات المتعاقبة في المنطقة، وإحصاء نتائج أعاصير الوحل والدم. وأن تكون تعرف هذه العواصم ونمت فيها في عهود مختلفة، واستمعت إلى أصحاب القرار فيها ثم اكتشفت أن الثابت الوحيد في حكايتها هو الميل إلى الانهيار.

أنا عربي وأحب العراق ولا علاقة لذلك باسم حاكمه. وكنت ككثيرين أعتقد أن هذا البلد الذي تجتمع فيه مختلف أنواع الثروات سيكون الرافعة في الطريق إلى المستقبل العربي. وكدت أصدق قبل عقد أن سقوط المستبد سيؤدي إلى قيام دولة ديمقراطية مدنية تقدم نموذجا لتجربة تعايش ناجحة بين العرب والأكراد من جهة وبين السُّنة والشيعة من جهة أخرى. وكنت آمل أن أكتب ولو مرة مقالاً متفائلاً من قماشة أن النافذة مفتوحة وأن المستقبل واعد. لم يحالفني الحظ.

وأنا أحبّ بغداد. ذهبت إليها في عهد «السيد الرئيس المهيب القائد». وذهبت لاحقاً إلى المنطقة الخضراء وقال لي نوري المالكي: «السّنة شركاؤنا وسنعطيهم ما يطمئنهم». والتقيت لاحقاً حيدر العبادي ووجدته مهتماً بترميم الجسور بين المكونات لكن ظلَّ «داعش» كان مستولياً على الموصل والبلاد والعباد. والتقيت مرات الرئيس جلال طالباني الذي كان يحاول إقناعي أن شروط الحرب الأهلية غير متوافرة في العراق. والتقيت دورياً مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق لأقيس درجة التوتر لدى الشريك الكردي في هذا الزواج المفخخ بالشكوك والمرارات. كل ذلك الكلام بات من الماضي فالخريطة العراقية تسعل دماً.

بعد الانشغال بالقصة العراقية على مدى عقدين ها أنا على طريق كركوك أشم رائحة الخريف العراقي على الرغم من استمرار الصيف اللاهب. بكرت رياح الخريف في الهبوب. فمنذ الإعلان عن موعد استفتاء الاستقلال في كردستان العراق المقرر في 25 من الشهر الجاري، بدا العراق مندفعاً نحو ساعة الحقيقة وهي ستكون على الأرجح ساعة الطلاق بين بغداد وأربيل.

لا أريد الذهاب بعيداً في مشاعري كأن أكتب أن السنة العربية تتألف أصلاً من فصل وحيد هو الخريف. لكن الأكيد هو أن الخريطة العراقية تتلوى الآن في أوجاع خريفها، وكأن الطلاق نهاية حتمية للزواج الفاشل الذي أبرم بحبر سايكس – بيكو. كان التانغو العربي – الكردي على الخريطة العراقية شائكاً ودامياً وها هم الأكراد يستعدون لإعلان وقف الرقصة المكلفة.

انتابني في الطريق حلم قصير. حلمت أن يتوجّه حيدر العبادي إلى أركان «البيت الشيعي» وأن يصارحهم بأن الوقت يفلت من الأيدي. وأن إنقاذ خريطة العراق يحتاج وقفة تاريخية. وأن تفادي إشهار الطلاق يستلزم قراراً تاريخياً جريئاً يعطي الأكراد كامل الحقوق والطمأنينة في مقابل إبقاء الخريطة بلا تمزق رسمي وعلني. كأن يتم الاتفاق وبصورة قاطعة على نظام كونفدرالي يمكن الأكراد من ممارسة حق تقرير المصير، مع الاتفاق على مصير المناطق المتنازع عليها وبينها كركوك التي يمكن ترتيب حل مؤقت لها يبقي علاقاتها بأربيل وبغداد على أن يقرر سكانها لاحقاً وفي أجواء هادئة مصيرهم ومستقبلهم. وحلمت أيضا أن يوافق الحاضرون على حل حقيقي يحمله العبادي إلى أربيل وحينها لن يكون أمام بارزاني غير الموافقة. وسرعان ما استيقظت من الحلم فالجو في بغداد ليس جو إبرام تسويات بهذا الحجم، فالصقور فيها يصرون على السياسات التي أوصلت إلى الخريف الحالي. والأكراد من جهتهم يئسوا من الإقامة في الخريطة الحالية ويعتبرون أن تكاليف الطلاق اليوم أقل منها مستقبلاً.

لا بغداد توافق على استقلال الأكراد ولا الدول المجاورة تقبل خصوصاً تلك التي تنام «القنابل الكردية» في خرائطها أي تركيا وإيران وسوريا. ويميل العربي إلى معارضة أي تغيير في خريطة دولة عربية. وواشنطن تنصح بالتأجيل لاستمرار التركيز على محاربة «داعش». لكن ماذا لو قال الأكراد إنهم يريدون الاستقلال؟ هل يحق للدول المجاورة أن تغلق حدودها لخنقهم؟ وهل يحق لـ«الحشد الشعبي» أن يتوجه لتأديبهم؟ وهل تحتمل المنطقة اندلاع نزاع شيعي – كردي يضاف إلى النزاع الشيعي – السني الحالي؟

على الصحافي ألا يكتفي بما يسمعه في مراكز القرار. لهذا رحت أسأل الأكراد في الشارع والمقهى والسيارة والفندق. إنهم يجمعون على تأييد الاستقلال حتى ولو تخوف قسم منهم من العواقب. ردّد عدد منهم أنهم لا يريدون البقاء في عراق يمكن لرئيس وزرائه «أن يقطع رواتب أهل الإقليم وحليب أطفاله» في إشارة إلى ما فعله نوري المالكي. وقال كثيرون إن الاتفاق على قيام دولة مدنية بعد إسقاط صدام انتهك ومات، وإن بغداد تتّجه إلى «العيش في ظل دولة دينية وطائفية» لا مكان للأكراد فيها. ولاحظوا أن المرجعية الأخيرة لـ«الحشد الشعبي» ليست رئيس الوزراء القائد العام «مرجعيتهم خارج الدستور وخارج العراق» في إشارة إلى إيران.

للوضع الكردي خصوصيته في كل من الدول الأربع التي يتوزعون فيها. والأكراد أصلا أهل خلافات مريرة وانقسامات بين صفوفهم. وما يعتبره أكراد العراق حلاً لهم لا يصلح للتعميم. لكن رؤية أكراد العراق يختارون الاستقلال ستكون حدثاً مدوياً. فتغيير الخرائط شديد الخطورة في منطقة حافلة بالخرائط الهشة. والتعايش في الشرق الأوسط الرهيب ليس في أفضل أيامه. والطلاق المخملي على غرار ما شهدته تشيكوسلوفاكيا غير وارد فثقافتنا لا تنتج المخمل. الصورة غامضة فعلا. لكن الأكيد هو أن الخريف دهم الخريطة العراقية، وأنها لن تكون بعد هذا الخريف كما كانت قبله.

الشرق الأوسط

 

 

في بيتنا إسرائيل/ شورش درويش

أثار رفع أعلام إسرائيل، في احتفالية مركزية للجالية الكردية في ألمانيا بمدينة كولن الألمانية، لأجل دعم استفتاء استقلال كردستان، ردود أفعال متباينة، بين عربي شاجب وغاضب لمثل هذا المسلك الكردي، وآخر كرديٍّ مرتاب وخائف من استثارة الحميّة العربية، وليبراليين من الطرفين يرون في التعبير عن المشاعر أمراً قابلاً للتصريف والتفهم.

لم تقدّم إسرائيل عبر تاريخها الدعم للقضية الكردية في شكلٍ فعلي، أو في شكلٍ مؤثّر، وبقيت العلاقة الكردية- الإسرائيلية في أحسن الأحوال أخفّ وأقل من علاقة بعض الدول العربية بإسرائيل، ولعل انفراد إسرائيل في دعم الاستقلال الكردي المأمول ساهم في تشجيع الرأي العام الكردي للبوح بخوالجه كاحترامه إسرائيل التي لم تتسبب في الكثير من المتاعب للكرد، خلا بعض اللحظات التي كانت فيها جزءاً من معاناة الكرد، كتورّطها في تسليم زعيم العمال الكردستاني عبدالله أوجلان إلى تركيا وفق صفقة تورّطت فيها جهات دولية عدّة، إضافةً إلى شكوكٍ كبيرة حول دور إسرائيل في عدم الضغط على الإدارة الأميركية حين همّت الأخيرة بتسليم رقاب الثورة الكردية إلى بغداد عقب اتفاقية الجزائر 1975 بين نظامي الشاه والبعث، فكان موقف كيسنجر وقتها كالممسك بالضحية كي لا تفلت من سكاكين الدولتين المتفاهمتين على إخماد ثورة الكرد.

حريٌّ بنا القول أن العرب بما هم أنظمة، ومؤسسات مدنية، وشعوب، لم يُعرَفوا بتفهّم معاناة الكرد ولا توقهم إلى أن يعيشوا أسوةً بشعوب المنطقة. وتوخيّاً للدقة يمكن استثناء نخب عربية قليلة من هذا التعميم. وبالتالي فإنه ومن هذه الشقوق في علاقة العرب بالكرد قد تنفذ إسرائيل وتدخل لاعباً ماهراً يستفيد من تباطؤ العرب وكسلهم في حل المسائل الحالية والكبيرة التي تتطلب حلولاً جذرية بغير إتباع المنهج البعثي القائم على سياسة «الحل الأخير» النازية كما اتبعها بعث العراق في إبادة الكرد. إلى ذلك فالأخطار كبيرة من انزياح الكرد إلى التفكير بعقلية النكاية وردود الأفعال غير المنتجة والتي تستبطن الخطاب الشعبوي في التعاطي مع المسائل الحساسة والمثيرة لحفيظة الجوار العربي الفسيح.

لم تقسّم سايكس- بيكو الكرد على مستوى الجغرافيا فحسب، بل إن التقسيم طاول شكل تعاطي الكرد في الأقسام الأربعة مع المسائل السياسية، وهذه الأخيرة أقرب إلى المهزلة حين تصبح الأنظمة الحاكمة للكرد معبرهم الوحيد لإقامة العلاقات مع شعوب ودول المنطقة، من دون أن يكونوا أحراراً في خياراتهم تلك. فكرديُّ ديار بكر (آمد) يستطيع إقامة علاقات تفوق خيال الكردي السوري أو العراقي أو الإيراني مع الإسرائيليين، وكذا يملك الحق القانوني بالزيارة أو العمل في تل أبيب، فضلاً عن أنه يستطيع وضع علم إسرائيل في شرفة منزله جهاراً نهاراً من دون أن ينال منه القانون، في حين أن الأمر يرقى إلى مرتبة الخيانة العظمى التي تحلّل سفك دم الكردي في إيران، وفي فترات سابقة في العراق وسورية.

لا يملك الكرد ترف تجريب سياساتٍ تتسبب بإغاظة العرب أو المسلمين في المنطقة. لكن، في المقابل، فإنهم تعبوا واستبد بهم اليأس من حكومات المنطقة وشعوبها، وهذه الأخيرة باتت صورةً منسوجة من خيال الحكومات الغاصبة لحقوق الكرد وديارهم. وعليه فإن مسألة العلاقة الطردية بين الكرد وإسرائيل حبيسة منطق واحد، وهو منطق بسيط مفاده: كلما رفض العرب حقوق الكرد قرّب هذا الرفضُ الكردَ إلى إسرائيل، وكلما انفتح العرب على حقوق الكرد ومن بينها استقلالهم، انفضَّ الكرد عن التعويل على إسرائيل وإغاظة العرب بـ «أبناء عمومتهم».

كان كاتب هذه السطور في احتفالية كولن، وقد استرعى انتباهي منظر الكثيرين من الكرد الذين التقطوا الصور بعيداً من نقطة إظهار العلم الإسرائيلي كي لا يستفزوا مشاعر أصدقائهم العرب. من أجل هؤلاء تحديداً ينبغي أن يلتفت العرب، فمن هم مثل هؤلاء جديرون بالمساعدة حتى وإن كانت المساعدة على سبيل دعم الطلاق بين الكرد وعاصمةٍ عربية. فالأعلام القليلة التي أثارت هذا اللغط وسيول الاتهامات أو التبريرات تعني في بابٍ ما أن إسرائيل في بيتنا الآن.

* كاتب كردي سوري.

الحياة

 

 

 

الاستفتاء الكردستاني وما بعده/ عدنان حسين

لم يتبقَّ سوى ثلاثة أسابيع على الموعد المحدّد للاستفتاء في إقليم كردستان العراق بشأن الحق في تقرير المصير (الاستقلال)، وما لم يحصل طارئ فإن عملية الاستفتاء جارية في موعدها، 25 الشهر الحالي… لكن ماذا عن استحقاق اليوم التالي؟

حتى الآن يبدو أي طارئ يدفع لتأجيل الاستفتاء احتمالاً ضعيفاً للغاية، فإدارة الإقليم وضعت للتأجيل شرطاً من النوع السهل الممتنع: تحديد موعد جديد والتوقيع على اتفاق بهذا الخصوص مع الحكومة الاتحادية في بغداد، مدعوماً بضمانة دولية من الأمم المتحدة أو بعض القوى العظمى. هذا الشرط لا يستطيع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تقديمه، فحتى لو كان راغباً فيه لا يُمكنه الإقدام على مجازفة قبل ثمانية أشهر فقط من موعد الانتخابات البرلمانية. هي مجازفة، لأن الأمر سيعني صِداماً مؤكداً مع «الأخوة الأعداء، وأولهم زعيم حزبه وكتلته البرلمانية، نوري المالكي، الذي سيُسعده اتخاذ العبادي قراراً كهذا، كيما يرفع من وتيرة تأليبه ضد العبادي، ولا بدّ أنه سيسعى لسحب الثقة من العبادي وإطاحة حكومته.

وإذ ليس مرجّحاً أن تُلزم بغداد نفسها بموعد للاستفتاء، فمن غير المنتظر بالتالي حصول الضمانة الدولية. عليه فالإقليم ذاهب إلى الاستفتاء، وبغداد غير قادرة على منعه أو تأجيله بالقوة، وما من عاقل سيفكّر باستخدام القوة على غرار ما فعلته الأنظمة العراقية السابقة في سعيها لإنهاء الثورة الكردية، وفشلت فيه فشلاً ذريعاً، أو حتى مجرد التهديد باستخدام القوة كما فعل سلف العبادي، المالكي، عندما أرسل في عام 2012 قوات حكومية إلى حدود الإقليم في عرض للقوة كان فاشلاً هو الآخر.

إيران وتركيا المعترضتان على الاستفتاء ليس في مقدورهما فعل شيء، فأي منهما لم تهدّد باستخدام القوة لمنع الاستفتاء، وهما غير قادرتين على التهديد لأنهما غير قادرتين على تنفيذ التهديد، ذلك أن أي أعمال عسكرية واسعة النطاق داخل الإقليم، إيرانية أو تركية، ستُجابَه على الأرجح بردّ يتعدّى الاحتجاج والاستنكار من الولايات المتحدة وسواها من الدول التي رعت «الاستقلال» الكردستاني عن بغداد في عهد نظام صدام.

بغداد وحدها قادرة على تأجيل الاستفتاء. كان بوسعها فعل ذلك عندما زار وفد من القوى السياسية الكردستانية العاصمة العراقية منذ أسبوعين، وأجرى مباحثات استغرقت أياماً مع حكومة العبادي والقوى السياسية الحاكمة وغير الحاكمة. لو كانت المباحثات، خصوصاً مع الحكومة وقواها المتنفّذة، مكرّسة لقضية الاستفتاء، ولو اتّفق الطرفان على العودة إلى أصل المشكلة وعلاجها من الأساس، لكان يُمكن حمل الطرف الكردستاني على التأجيل، بيد أن المباحثات انصرفت إلى القضايا الأخرى العالقة بين بغداد وأربيل.

الأصل في المشكلة التي دفعت نحو خيار الاستفتاء، أن بغداد لم تفِ بالتزاماتها الدستورية. هذا ما تستند إليه القيادة الكردستانية في تبريرها لمشروع الاستفتاء. وهذه القضية المحقّة لا تقتصر على العلاقة مع الإقليم، فعدم الوفاء بالالتزامات الدستورية كان العرب والتركمان وسائر المكوّنات والمناطق العراقية خارج الإقليم ضحايا له كما الإقليم وسكانه.

دستور 2005 كُتب على عجل لإعطاء شرعية للنظام الجديد القائم على أنقاض نظام صدام. لم يكن دستوراً مكتملاً، ولهذا ضمّنه مشرّعوه مادة تُلزم بتعديله واستكمال نواقصه لاحقاً، بل نصّ الدستور على توقيتات محدّدة لتحقيق هذه المهمة. كان يتعيّن الانتهاء منها في عام 2007، لكنّ هذا لم يتحقق إلى اليوم.

ليست الخلافات بين القوى السياسية، وبخاصة الشيعية والسنّية، السبب الوحيد لعدم تعديل الدستور. القوى التي تولّت السلطة (شيعية وسنّية وكردية) أوجدت نظاماً لتقاسم النفوذ زعمت بأنه سيكون مؤقتاً لدورة برلمانية واحدة (أربع سنوات)، هو نظام المحاصصة… هذه القوى وجدت في النظام المطبّق حتى اليوم، ضماناً لاحتكارها السلطة والاحتفاظ بالنفوذ والحصول على المال، بخلاف الدستور الذي لو عُدِّل لأسّس لنظام ديمقراطي يجري فيه تداول السلطة، بمعنى أن أحداً لن يتأبّد فيها ويحتكرها.

وُضِع الدستور جانباً في الغالب، ولم تُعدّل مواده مستحقة التعديل ولم تُنفّذ مواد أخرى كان يتعيّن تنفيذها، ولو حصل ذلك ما كنّا سنصل الآن إلى مرحلة ذهاب إقليم كردستان إلى خيار تقرير المصير. تنفيذ المادة 140 كان كفيلاً بحلّ مشكلة كركوك والمناطق الأخرى المختلف عليها، وتنفيذ المادة 48 كان سيكفل إنشاء مجلس الاتحاد، الهيئة التشريعية الثانية إلى جانب مجلس النواب الاتحادي، وتطبيق المادة 102 كان سينشئ هيئةً لضمان حقوق الأقاليم والمحافظات ومشاركتها في إدارة الدولة، وكذا الحال بالنسبة للمادة 112 الخاصة بتشريع قانون لإدارة ثروة النفط والغاز وتوزيعها بإنصاف على سكان البلاد، وغير ذلك من مواد كثيرة أُهمِل تنفيذها بحجة عدم حصول التوافق بشأنها.

ليس الملوم في هذا الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية التي احتفظت دائماً بالأغلبية في البرلمان وسائر هيئات السلطة. الأحزاب الكردستانية أيضاً تتحمّل مسؤولية كبيرة، فهي رضيت باستمرار نظام المحاصصة وقنعت بالمناصب والمغانم التي أتاحها لها، ولم تضغط للوفاء باستحقاق التعديلات الدستورية. كان يُمكنها، مثلاً، تشكيل تحالف معارض قوي مع قوى سياسية داخل البرلمان وخارجه.

على أية حال الاستفتاء الكردستاني حاصل في توقيته على الأرجح رغم الاعتراضات العراقية والإيرانية والتركية التي لن يكون لها مفعول على الأرض، مثلما لم يكن هناك مفعول لاعتراضات أقوى من بغداد وطهران وأنقرة ودمشق على أول انتخابات برلمانية وتشكيل أول حكومة في الإقليم في عام 1992.

الاستفتاء سيحصل وسيصبح أمراً واقعاً بتصويت الأغلبية العظمى لصالحه، لكنّ: ماذا بعده؟ وكيف ستتعامل القيادة الكردستانية مع استحقاق ما بعد الاستفتاء، الاستقلال؟… أغلب الظنّ أن هذه القيادة ستواجه وضعاً مُحرجاً على هذا الصعيد، فالاستقلال ليس بسهولة الاستفتاء، نسبةً إلى ظروفه غير المؤاتية محلياً وإقليمياً.

الشرق الأوسط

 

 

 

 

آشوريو الجزيرة السورية و”الادارة الكردية”/ سليمان يوسف يوسف

إذا ما كُتب البقاء والاستمرار لما يسمى بـ” الإدارة الذاتية الديمقراطية ” الكردية، التي اُعلنت في 21-1-2014 من قبل (حزب الاتحاد الديموقراطي PYD) في مقاطعات ثلاث في الشمال الشرق السوري (الجزيرة – عين العرب – عفرين)، من طرف واحد ومن دون موافقة واعتراف الحكومة السورية بدمشق، فأنها ستشكل منعطفاً سياسياً ومجتمعياً تاريخياً في شكل النظام السياسي وهوية الدولة السورية القائمة، كذلك في المستقبل السياسي لأقوام هذه المناطق. الآشوريون (سرياناً/كلداناً)، المكون الثالث بعد العرب والاكراد في مقاطعة الجزيرة. اسباب عديدة، سياسية وغير سياسية، جعلتهم يتحفظون ويرفضون “الادارة الكردية” ويحجبون عن الانخراط في هيئاتها ومؤسساتها . الإدارة المعلنة، لم تأت في إطار (مشروع وطني ديمقراطي تحديثي شامل) يتيح لأبناء منطقة الجزيرة فرصة المشاركة الفعلية والمتوازنة في إدارة شؤونهم والنهوض بمنطقتهم، وتطوير مختلف الثقافات واللغات المحلية (الآشورية /السريانية، الكردية،الأرمنية، العربية ) التي تزخر بها. أنها مشروع “قومي كردي”، يعمل عليه الأكراد، مستغلين الظروف والأوضاع الأمنية والسياسية الاستثنائية، التي تعصف بالبلاد. طرح الإدارة الذاتية تحت مسمى “كردستان سورية أو غرب كردستان أو روج آفا ” يرفضه الآشوريون، كما كل السوريين من غير الأكراد، لما ينطوي عليه هذا المصطلح من مغالطات تاريخية وسياسية ويخفي نزعة انفصالية . هذه التسميات، الغريبة عن التاريخ الحضاري والسياسي لسوريا، هي بمثابة “قنبلة موقوتة” ستفجر “الإدارة الكردية” من الداخل، خاصة مع توسيع حدودها الديمغرافية لتمتد في العمق العربي بريف الحسكة والرقة وديرالزور، حيث سيصبح الأكراد “اقلية عددية” صغيرة بالنسبة للمكون العربي.

خطابات وتصريحات القائمين على “الادارة الكردية” والمروجين لها، يتحدثون عن الاشوريين والأرمن والمسيحيين عموماً، وكأنهم يعيشون “عصرهم الذهبي” في “فردوس كردي”، فيما كل المعطيات، السياسية وغير السياسية، تؤكد يوماً بعد آخر على أنهم(الاشوريون) خارجون من تحت الاستبداد العربي، ليدخلوا تحت الاستبداد الكردي. اربع سنوات مضت على اعلان ما يسمى بـ” الإدارة الذاتية الديمقراطية” الكردية، وهواجس الآشوريين والمسيحيين الخاضعين لسلطتها، لم تتبدد، بل تعمقت أكثر فاكثر . أن يتطور (بزمن دقائق) تلاسن بين عناصر دورية الاسايش(شرطة الادارة الكردية) وشخص أعزل، الى استخدام السلاح، كما حصل مساء الخميس 31 آب الماضي في منطقة ذات غالبية مسيحية وسط القامشلي مع الشاب (توماس هاكوبيان)، الذي نجا بأعجوبة من إصابة بليغة في رقبته برصاص الاسايش لمجرد تلاسن معهم، يطرح الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول مستقبل الآشوريين والمسيحين في ظل هكذا سلطة مستهترة بأرواح وكرامات وحقوق الناس، أخذت من “العنف” نهجاُ لإرهاب الجميع وإخضاعهم لسلطتها الغير شرعية “سلطة امر واقع” . في إطار هذا النهج، اقدمت مجموعة مسلحة، تابعة لميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في 22 نيسان 2015، على خطف واغتيال (داوود جندو)،قائد (حرس الخابور الآشوري) ومعاونه (الياس ناصر)، الذي نجا بأعجوبة، بعد إصابته البليغة. في كانون الثاني 2016، داهمت قوات الاسايش ليلاً حواجز وتحصينات اقامتها قوات الحماية المسيحية (السوتورو ) في حي الوسطى، بعد تعرض الحي لسلسلة هجمات ارهابية ( مفخخات وانتحاريين)، أوقعت العشرات بين شهيد وقتيل. وكأن الذي جرى ويجري في الأحياء والمناطق ذات الغالبية( السريانية الاشورية الارمنية المسيحية)، هو “عقاب” لسكان هذه المناطق الخارجة عن سلطة الاسايش الكردية. مثل هذه الاعتداءات البربرية والانتهاكات لحقوق الناس، تشكل “صفعة قوية” للعيش المشترك وتنسف شعارات التآخي والشراكة الحقيقية وتدفن مشروع “الشعوب والأمم الديمقراطية”، الذي يزعم(حزب الاتحاد الديمقراطي) بأنه يعمل على تحقيقيه في المناطق الخاضعة لسلطته.

في بيان مشترك، صدر في تشرين الأول 2015 عن كل من “الكنيسة السريانية الأرثوذكسية- الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية- مطرانية الأرمن في الجزيرة والفرات- الكنيسة الكلدانية – كنيسة المشرق الآشورية- الكنيسة الآشورية القديمة- كنيسة السريان الكاثوليك- الكنيسة الإنجيلية الوطنية- هيئة السلم الأهلي للسريان الأرثوذكس- المنظمة الآشورية الديمقراطية- الحزب الآرامي الحر- الهيئة السريانية للقرى الزراعية- التجمع المدني المسيحي- تجمع شباب سورية الأم- مؤسسة شباب المصالحة الوطنية- مركز الثبات المسيحي السوري” عبرت هذه الكنائس والمؤسسات والهيئات والأحزاب المسيحية في الجزيرة السورية عن استيائها من نهج وسياسات “الإدارة الذاتية”، وأدانت قراراتها المتعلقة بـ (فرض التجنيد الاجباري وقانون استملاك ممتلكات المهاجرين وفرض تعليم المنهاج الكردي ). جاء في البيان أن ” قانون إدارة أموال الغائبين والمهاجرين يتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان وحق المواطنة، وحق التملك الذي هو حق شخصي مقدس، وإن محاولة تخوين المهاجرين بوطنيتهم و قوميتهم غير مقبول وطنياً وقومياً، كما أن محاولة تشريع تشكيل لجنة، والمسماة (القيّمة على أموال الغائبين والمهاجرين) محاولة للاستيلاء على أملاك الغير بحجة استثمارها لصالح المجتمع والمتضررين”. أضاف البيان “إن هذا القانون يشكل خطراً ديموغرافياً على المسيحيين بالكامل في منطقة الجزيرة بإحداث خلل ديموغرافي في السكن، والتمليك أو محاولة الاستيلاء على الأراضي الزراعية والعقارات في الريف، والتي تمثل فيها ملكية المسيحيين ما يقارب الـ 35%، وهذا يشكل ترهيباً لمن تبقى ولمن هاجر، وتخويفه من العودة إلى الوطن، و إن عدم بيع المسيحيين لأملاكهم وعقاراتهم وتنظيمهم وكالات عامة أو خاصة لأقاربهم بإدارة أملاكهم حق مشروع قانوناً، لا يجوز التشكيك فيه، وخطوة في طريقة العودة إلى الوطن”. وقد حذرت الكنائس والاحزاب والهيئات الآشورية والمسيحية من أن هذه الممارسات ستثير “الفتن الطائفية والعرقية” في المجتمع و ختمت بيانها، بالمطالبة بإلغاء هذه القوانين والقرارات ومقاضاة الادارة الكردية. “نعتبر أنفسنا مدّعين شرعاً، وقانوناً أمام المحاكم ودوائر القضاء المحلي والدولي للمطالبة بإلغاء هذا القانون”.

باحث سوري مهتم بقضية الأقليات

ايلاف

 

 

موقع الأكراد في المعادلات الجديدة/ محمود الريماوي

لا يمكن اختزال الأكراد بحزب العمال الكردستاني، على الرغم من أن هذا الحزب الذي أسسه عبدالله أوجلان من أهم التعبيرات السياسية والعسكرية عن الكتلة الكردية في تركيا، ولا تفوقه في الأهمية سوى القيادة السياسية والعسكرية لكردستان العراق. يأتي المرء هنا على ذكر أحد أقدم شعوب الشرق الأوسط، والذي يصّنف أقلياتٍ في أربعة بلدان، تركيا وإيران والعراق وسورية، بمناسبة ما يبدو من ارتساماتٍ لمعادلاتٍ جديدة في الشرق الأوسط. ومن الواضح أن قادة كردستان العراق يدركون ما يبدو من تحولات، في ضوء منح الأولوية أميركيا وروسياً لمكافحة “داعش” في سورية والعراق، وترك المشكلات الأخرى من دون حل، وعزم تركيا مواصلة صراعها مع حزب العمال وذراعه السورية: وحدات حماية الشعب وقوات سورية الديمقراطية. وقد وسعت أنقرة دائرة متابعتها الشأن الكردي، وسعت إلى الضغط على قيادة إقليم كردستان للتخلي عن مشروع الاستفتاء المزمع في سبتمبر/ أيلول الجاري. ومن اللافت أن الولايات المتحدة التي تدعم القوات الكردية في سورية انضمت إلى قائمة من يضغطون على أربيل للتراجع عن مشروع الاستفتاء، باعتبار أن هذا الإجراء يضعف، من وجهة نظر أميركية، الحرب على “داعش”.

والحال أن الهاجس الكردي لدى تركيا، والذي يرتفع إلى مرتبة هاجس أمن قومي، هو الورقة التي لوحت بها كل من طهران وموسكو لضم تركيا إلى مباحثات أستانة، وموسكو راعية هذه المباحثات، وليست مجرد أحد أطراف الثلاثي. وبالتلويح بهذه الورقة، أمكن دفع أنقرة نحو التراجع في مواقفها حيال الأزمة السورية. وإلى التسليم بالوجود الإيراني، وهو وجود عسكري ومليشاوي في سورية، علاوة على الوجود الروسي.

في 22 أغسطس/ آب الماضي، كانت أنقرة تستقبل رئيس الأركان الإيراني، محمد باقري، وقد نسب لمسؤولين أتراك قولهم إنهم “فوجئوا” بطرحٍ إيراني يدعو إلى عملياتٍ مشتركة على

“من المأمول أن تشجّع أنقرة طهران على اعتماد الموقف التركي من الأكراد القائم على التعايش واحترام التعدّدية” الحدود التركية الإيرانية ضد قوات حزب العمال. ولم تملك أنقرة سوى الموافقة على الاقتراح الذي يستجيب لمصالحها في منح الأولوية لمحاربة المكون الكردي المسلح. بالنسبة لطهران، وخلافا لأسلوب أنقرة في التعامل مع الوجود، فهي تقوم باستئصال سياسي للأكراد على أراضيها، وتمنع عنهم أي تعبير عن وجودهم وكيانيتهم، ولا تعترف بوجود مشكلة أو مسألة كردية، كما هو الحال مع سائر المكونات التي تشكل أقليات في بلاد فارس غير المصرح لهم بالتعبير عن هويتهم الثقافية أو ممارسة عباداتهم (تعداد الأكراد في إيران نحو أربعة ملايين ونصف مليون كردي). وعليه، فإن خوض حرب استئصالية ضد حزب العمال، ونظيره في إيران، وهو حزب “الحياة الحرة”، هو من مألوف الأمور في الجمهورية الإسلامية، ولا يمثل جديدا. خلافا لتركيا التي تعترف بالمكوّن الكردي (نحو 15 مليون كردي)، لكنها تناهض حزب العمال المسلح، وهو أمر مفهوم، وكل من يبدي تأييدا له أو تعاطفا معه. وبعد وقوع محاولة الانقلاب في صيف 2016، جرى اعتقال 11 نائبا كرديا ينتمون لحزب الشعوب الديمقراطي، بينهم رئيس الحزب صلاح الدين دميرطاش. وتتهم السلطات الحزب الذي يمثله 78 نائبا في البرلمان بإقامة صلاتٍ مع حزب العمال، وهو ما ينفيه مسؤولو الحزب بشدة. والغاية من الإشارة إلى هذه الوقائع أن الكتلة الكردية في تركيا ما زالت تحظى باعتراف رسمي وواقعي بها، وأن المشكلة أساساً في اعتماد حزب العمال العمل المسلح، وبعدئذ في مطلب الإدارة الذاتية الذي ترفعه شرائح كردية، خلافاً لإيران التي لا ترى وجوداً للأكراد بصفتهم القومية والعرقية والدينية على أراضيها.. هم وغيرهم من المكونات غير المرئية في أعين السلطات، وكما هو ديدن هذا النظام الشمولي المغلق في التعامل مع كل آخر ومختلف.

في السياق نفسه، من حق تركيا منع نمو الظاهرة الكردية المسلحة قريبا من حدودها،

“من حق تركيا منع نمو الظاهرة الكردية المسلحة قريبا من حدودها”  وخصوصا مع سورية، حيث الروابط غير خافيةٍ بين المكون الكردي المسلح في سورية وحزب العمال. علما أن نشأة هذه القوة الكردية المسلحة ارتبطت بمجريات الصراع بين أنقرة والنظام في دمشق، ولطالما سعت هذه القوة الكردية إلى التمركز على الحدود مع تركيا، ما حفز على التدخل التركي وعملية درع الفرات. وبينما تعمل واشنطن على دعم حرب قوات سورية الديمقراطية على “داعش”، فإن أطرافاً أخرى تمنح لهذه القوات دورا في استفزاز تركيا. والتحدي أمام أنقرة هو في وجوب الفصل بين موقفها من حزب العمال وذراعه السوري، وموقفها من الكتلة الكردية الكبيرة على أراضيها التي تستحق أن تتمتع بحقوقها الثقافية واللغوية والمدنية، في إطار الدولة التركية وقوانينها وضمن مؤسساتها، ثم من عموم الأكراد المنتشرين في الدول الأربع، وفي عشرات البلدان، وتعدادهم، حسب مصادر تركية، نحو 55 مليون نسمة، فيما تُجمل مصادر أخرى العدد الكلي بأقل من 30 مليونا. وأيّا كان العدد الصحيح، فإن من المأمول أن تشجّع أنقرة جارتها طهران، وفي ضوء تحسّن العلاقات بينهما، على اعتماد الموقف التركي من الأكراد القائم على التعايش واحترام التعدّدية العرقية، لا أن يحدث العكس، بحيث تنساق أنقرة، لا سمح الله، نحو الموقف الإيراني من الكتلة الكردية، وتُشيطن كل ما هو كردي. وعلى سبيل المثال، ليس إقليم كردستان في العراق خاصا بحزب العمال. وقد نسجت أنقرة على الدوام علاقات طيبة مع قيادة الإقليم التي غضّت النظر عن مطاراداتٍ تركية لتموضعات حزب العمال في مناطق من هذا الإقليم (مناطق جبلية ووعرة بعيداً عن المدن). وعليه، فإن اتخاذ موقف مناوئ أو عدائي من استفتاء سبتمبر، يبدو متسرعاً. ومن الحكمة رؤية جوانب إيجابية في هذا التطور على علاقات تركيا بالأكراد على أراضيها، مع حق أنقرة، كما بغداد، في الحصول على ضماناتٍ من قيادة إقليم كردستان بألا يشكل الكيان الناشئ فرصةً لزعزعة الأوضاع في العراق وتركيا وبقية البلدان المجاورة. ومن الواجب تقديم ضمانات ملموسة.

من حق الأكراد، وهم أحد أقدم شعوب المنطقة، أسوةً بغيرهم، أن يتمتعوا بالحرية والكرامة الوطنية. أما إنكار وجود هذا الشعب على طريقة إنكار وجود شعب فلسطين، ووجود شعب سورية، فلن يؤدي سوى إلى مزيدٍ من الكوارث في منطقتنا.

العربي الجديد

 

 

الاستفتاء الكردي يهدد بانفجار صراع القوميات/ د. بشير موسى نافع

في واحدة من طلعاته المثيرة، قال زعيم حزب الحركة القومية التركي، بهتشلي، إن التحرك الذي بدأته حكومة إقليم كردستان العراق لعقد استفتاء حول تقرير المصير يمكن أن يعتبر casus belli، سبباً لإعلان الحرب على حكومة إقليم كردستان العراق. ولم يكن غريباً، طالما أن المسألة تتعلق بحرب، أن يولد تصريح السيد بهتشلي، الذي لا يتطلب موقفه، وموقف الحزب الذي يقوده، من المسألة الكردية، كبير توضيح، ردود فعل واسعة النطاق، داخل تركيا وخارجها.

المهم، أن رئيس الحكومة التركية، بنعلي يلدريم، سرعان ما أدرك خطورة هكذا تصريحات، ورد بالتأكيد على أن تركيا لا تخطط لأي إجراء عدائي ضد حكومة إربيل، مطالباً بهتشلي بأن يهدئ من روعه. هذا لا يعني أن تركيا تتخذ موقفاً محايداً من مشروع الاستفتاء. الحقيقة، أن معارضة الاستفتاء تجمع كل عواصم المشرق، من بغداد وطهران، إلى أنقرة، إضافة إلى الدول الغربية الرئيسة، بما في ذلك الولايات المتحدة، الراعي الأهم لحكومة إقليم كردستان العراق.

المفهوم من الجميع، إن الاستفتاء، إنْ عقد، سيكون خطوة متقدمة على طريق استقلال الإقليم الكردي عن العراق، على أساس أن كل الأطراف تتوقع أن تأتي نتيجة الاستفتاء بأغلبية لصالح تقرير المصير.

لا ينفي رئيس إقليم كردستان العراق، مسعود بارزاني، هذا المسار المحتمل، ولكنه يقول، في الوقت نفسه، إن تصويت الأغلبية في الإقليم على تقرير المصير لا يعني انفصالاً مباشراً عن العراق. في واقع الأمور، يتمتع الإقليم حالياً بسلطات واسعة، تفوق صلاحيات الإدارة الذاتية في دول أخرى، ولكنها تقصر عن الاستقلال. فبالرغم من الصلات المالية بين إربيل وبغداد، التي هي موضع نزاع دائم، تتمتع حكومة الإقليم بسلطات تعليمية، أمنية، عسكرية، ضرائبية، وحتى التمثيل الدبلوماسي في الخارج. بمعنى أن الإقليم يبدو مستقلاً إلى حد كبير، مقارنة بأي جمهورية حكم ذاتي روسية، مثلاً. قد يجادل أحياناً أن الاستفتاء لم يكن له من ضرورة، وأن سعي مسعود بارزاني لعقده يتعلق بمسألة شخصية بحتة، في وقت تعاني رئاسته للإقليم من فقدان الشرعية الدستورية، ويحيط به الخصوم الأكراد من كل جانب. ولكن الاستقلال القانوني، بالرغم من ذلك كله، يبدو مشكلة، مشكلة للعراق ولدول الجوار الإقليمي، التي يقطنها أكراد، بهذا الحجم أو ذاك.

انفصال الإقليم الكردي رسمياً هو خبر بالغ السوء للعراق، ليس فقط لأن هناك مناطق متنازعا عليها بين بغداد واربيل، بل لأن هذا الانفصال سيشجع نزعات انفصالية أخرى، في وقت تعيش الوطنية العراقية أسوأ حالاتها. تركيا، التي تحتضن أكبر نسبة من الأكراد بين شعبها، وتعاني من مواجهة دموية مع الانفصاليين الأكراد منذ ثمانينات القرن الماضي، تخشى أن يشكل استقلال كردستان العراق سابقة تاريخية، تطرح كل حدود دول ما بعد الحرب الأولى للتساؤل. وبالرغم من أن إيران حاولت في السنوات القليلة الماضية استخدام الورقة الكردية في تركيا والعراق، إلا أن عودة الجماعات الكردية القومية في إيران إلى العمل المسلح، أعاد المسألة الكردية في إيران إلى جدول هموم طهران وخصومها، على السواء، وإن وضع احتمال انفصال كردستان العراق إلى جانب التشظي السوري، وسعي الأكراد إلى إقامة كيان ما في شمال شرقي وشمال غربي سوريا، تصبح التداعيات الإقليمية أكثر تفاقماً. في كل الحالات، وبالنظر إلى التداخل الهائل للجماعات العربية والتركمانية والكردية في شمال العراق والشمال السوري، فليس ثمة شك في أن مساعي الانفصال في العراق أو سوريا ستولد نزاعات دموية، قد تستمر عقوداً طويلة، تفتح المشرق على تدخلات دولية لا حصر لها. هذا، إضافة إلى الاحتمالات الواقعية لاندلاع نزاعات كردية ـ كردية داخل الدولة الجديدة، حيث الانقسامات الكردية عميقة ومحتدمة، تشبه، إلى حد كبير، ما يعاني منه جنوب السودان منذ استقلاله.

هذا كله من المعلوم من شؤون المنطقة بالضرورة. ولكن ما لا يذكر في كثير من الأحيان أن الحركة الكردية القومية في العراق تعود إلى بدايات تشكل نظام ما بعد الحرب الأولى الإقليمي، وأن المسألة الكردية في العراق لم تكن السبب الأبرز لعدم استقرار الدولة العراقية الحديثة، وحسب، بل ومثلت عبئاً باهظ التكاليف على الدولة والشعب معاً، طوال ما يقارب القرن. بخلاف أكراد تركيا، حيث يصعب وجود أغلبية كردية انفصالية، وحيث تقطن أغلبية الأكراد خارج مقاطعات الأغلبية الكردية؛ وبخلاف أكراد سوريا، حيث لا توجد مناطق أغلبية كردية معتبرة أصلاً؛ وبخلاف أكراد إيران، حيث عمل عنف الدولة البالغ والانقسام الطائفي على كبح النزعات القومية الكردية، ثمة ثلاث محافظات عراقية تقطنها أغلبية كردية حاسمة، تعيش حكماً ذاتياً موسعاً منذ ما يقارب العقدين، على الأقل. تطور الحكم الذاتي في إقليم كردستان العراق إلى كيان قومي مستقل، يبدو أمراً منطقياً، سيما إن أعطى أكراد العراق أصواتهم لصالح هكذا خيار. مثل هذه الخطوة لن تمنح الأكراد دولتهم القومية، على غرار القوميات الأخرى في المشرق، وحسب، ولكنها ستحرر العراق من عبء ثقيل الوطأة، كذلك.

ليست الحركات القومية عادة كائنات حكيمة ولا متعقلة. مسكونة بالأساطير المسوغة وأوهام المجد، تنزع الحركات القومية إلى صناعة مقدساتها الخاصة، وتبالغ بالتالي في طموحاتها وأهدافها، كما تبالغ في تصور أعدائها وخصومها. ولكن، إن كانت الحركة القومية الكردية تعلمت من مآسي الماضي القريب، المتكررة، التي ساهمت القيادات الكردية في إنزالها بشعبها، كما ساهم الأعداء، فلابد أنها أصبحت أكثر حكمة وعقلانية وتواضعاً. يمكن لكردستان العراق، خلال عدد قليل من السنوات، أن تحقق هدف الاستقلال بالفعل، بعد تفاوض مرض مع بغداد وتطمين دول الجوار، وبأقل الخسائر لكل الأطراف، إن اكتفت بحدود محافظات الأغلبية الكردية الثلاث. السعي للسيطرة على كركوك ونصف محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى، وتحول كردستان العراق إلى حاضنة للتنظيمات الإرهابية، لن يؤدي إلى الاستقلال، بل الحرب، والحرب الطويلة، متعددة الأطراف.

بغير ذلك، فلا أقل من تبلور رؤية جديدة للمشرق، قبل احتواء الطموحات القومية الانفصالية، الكردية وغير الكردية، في دول المشرق الأربع، حيث تتواجد الشعوب الكردية وتوجد تعدديات إثنية وثقافية. كان بناء دول تركيا والعراق وإيران وسوريا على أساس قومي، سواء بإراداة شعوب هذه الدول أو بقرار أجنبي، دعوة صريحة لانطلاق الحركة القومية الكردية ودعوات الانفصال. وليس ثمة شك في أن الفكرة القومية في المشرق حملت من نذر الشر، ما لا يقل عن وعود النهضة والازدهار.

في نهاية الأمر، إن كان من حق العرب والأتراك والإيرانيين أن يقيموا دولهم القومية، فلماذا يحرم الأكراد من الحق ذاته. ولكن تصوراً مختلفاً للمشرق، تصوراً يدفع غرور السيادة إلى الخلف، ويفتح الحدود أمام الحركة الحرة للبشر والبضائع والأموال والافكار، يمكن أن يوفر مجالاً لتحقيق تجليات الهوية لكل شعوب المنطقة وجماعاتها الإثنية والثقافية. وعندها، عندها فقط، يمكن أن تصبح دعوات الانفصال القومي في هذه الدولة أوتلك بلا معنى ولا مسوغ، ولا مستقبل.

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

القدس العربي

 

 

 

الاستفتاء الكردي كرة إقليمية ملتهبة/ عبد الوهاب بدرخان

نتيجة الاستفتاء على «تقرير المصير» في كردستان العراق محسومة مسبقاً، فهل يمكن أن يجيب الكردي بشيء آخر غير «نعم» للاستقلال إذا كان الخيار الآخر هو «البقاء في العراق»؟ بالطبع لا. أما أن يقال إنه غير ملزم، أو أنه لا يؤدّي إلى انفصال فوري، أو أن تقرير المصير حقٌّ لكل شعب، فكلُّ ذلك لا ينفي أن الاستفتاء يعني ما يعنيه، أو أن معارضيه من غير الكرد مخطئون في تقديرهم. ذاك أن أوراق كرد العراق علنية ومكشوفة، فلا نيّة لديهم للاستمرار في العراق… ولا في سوريا أو إيران أو تركيا. إنهم يريدون «دولتهم»، ولو لم تكن هناك معالم واضحة لها، لا الآن ولا قبل مئة عام عندما وزّعتهم معاهدة سايكس – بيكو على الدول الأربع. وإذا كانت ظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى ظلمتهم فإنهم ينشدون بداية «إنصاف تاريخي» من تغييرٍ في جغرافية المنطقة يرونه متاحاً بانهيار الدولة وتفكّك المجتمع في سوريا والعراق، ولا يفقدون الأمل في اكتماله بالضغط الدولي على تركيا وإيران.

هل يُلام مسعود بارزاني على تنظيم استفتاء على «دولته» في «توقيت غير مناسب» عراقياً إذا كان زعيم «الحزب الاتحاد الديمقراطي (وليد الـ«بي كي كي») صالح مسلم يواصل تعزيز «دويلته» في «سياق مناسب» سورياً، بل إنه يسعى إلى توسيعها وصولاً إلى المتوسّط، متجاوزاً حدود أي «دولة كردية» كانت موجودة أو حتى متخيّلة. يريد بارزاني استكمال مشروع بدأ عملياً بالحكم الذاتي، المحمي أميركياً منذ 1991، وأحرز تقدّماً مع إسقاط نظام صدّام حسين، ثم صار واقعياً مع إقرار دستور 2005 مبدأ الفدرلة الذي كرّس وضعاً خاصاً لإقليم كردستان. ومع أن الإقليم شقّ تمايزه باجتهاد كردي ملموس، إلا أن ورشة كتابة الدستور كانت معنيةً بعراق موحّد مع اعتراف لمكوّناته الاجتماعية بحقوقها كافةً، حتى لو أسيء تطبيقه، ولم تكن تبطن استقلالاً/ انفصالاً ممكن الاعتراف به لأي مكوّن. لذلك لم يتضمّن الدستور أي أحكام للتعامل مع مسألة «تقرير المصير»، وبالتالي فهو لا يتيح لحكومة بغداد ولو قبولاً مبدئياً بإجراء الاستفتاء، وعدا أنه لا يجيز للإقليم فرض وضع كياني جديد من دون تعديل دستوري فإنه يعني أيضاً أن الأكراد شاركوا في كتابة الدستور وهم يبيّتون نقضه والخروج عنه.

أمران أفسدا مسار الدستور: الأول ظهر لحظة ولادته بوجود بنود معترف بضرورة تعديلها لإنصاف المكوّن السنّي، وهو ما لم يتمّ حتى الآن. والآخر طرأ في الممارسة من خلال حكومة نوري المالكي الذي تبنّى هيمنةً شيعية – إيرانية ودخل في خصومة مفتوحة مع المكوّنَين السنّي والكردي، ولم يبد حرصاً على حماية المكوّنات الأقلية الأخرى. مع الوقت تكاثرت ملفات الخلاف مع الكرد (حصّة الإقليم في الميزانية العامة، مرجعية الإشراف على مداخيل النفط في المناطق الكردية، تمويل جيش البشمركة، حل مسألة مناطق كركوك وسنجار وخانقين المتنازع عليها…). لا شك أن التسويف والإهمال أجّجا الخلاف الذي بلغ الذروة بامتناع حكومة بغداد عن دفع حصة الإقليم في الميزانية، ما راكم مديونيته. ثم أن مراقبة الكرد لتطوّرات الصراع الشيعي – السنّي جعلتهم يحذّرون القوى الداخلية والخارجية من احتمالات انفجار التطرف والإرهاب، كما أنذرتهم بوجود نيات سيطرة وإخضاع يحضّ عليهما الإيرانيون ضد السنّة وقد يستديرون لاستهدافهم لاحقاً.

هذه المشاكل والمخاوف حسمت التوجّه نحو الاستقلال/ الانفصال، ومع أن الإقليم ليس جاهزاً ذاتياً لهذا الاستحقاق إلا أنه يراهن على الوقت لتليين الاعتراضات، خصوصاً الإقليمية، لكن عقبة بغداد لا تزال ماثلة، ومن شأنها أن تشكّل ذريعة لحرب أو تدخّل باتت الأطراف الإقليمية تعتبرهما بالغَي الإلحاح، فالإيرانيون والأتراك، الذين تقاربوا أخيراً، قلقون من الدور الذي لعبته المسألة الكردية في تفكّك سوريا والعراق، بمواكبة/ مباركة من الولايات المتحدة أو حتى مشتركة مع روسيا. كانت طهران وأنقرة ضغطتا لتخفيف الاحتضان الروسي لكرد سوريا وربما لانتزاع تعهّد بعدم دعم كيان انفصالي لهم، إلا أن مشكلتهما الكبرى كانت ولا تزال مع واشنطن التي تثمّن مساهمة أكراد سوريا والعراق في الحرب على «داعش»، ولا ترى مانعاً من طمأنتهم ومكافأتهم. إذاً، فالاختراق الكردي خطر قائم، وهو اليوم يقترب من منعطف الاستفتاء في كردستان العراق وقد يتكرّس غداً في «روج آفا» السورية، ليصبح استحقاقاً داهماً قد ترغب تركيا وإيران في استباقه لا انتظاره للتعامل معه.

الاتحاد

 

 

 

 

عن استقلال كردستان وإسرائيل وأشياء أخرى/ هوشنك أوسي

حين هاجمت إسرائيل ثلاث دول عربيّة في حزيران (يونيو) 1967، وهزمت جيوشها، أعلن الزعيم الكردي الملا مصطفى بازراني وقف إطلاق النار، من جانب واحد، ضد الحكومة العراقيّة. ولم يقبل أن يكون مع إسرائيل ضد العراق والعرب. كذلك حين شاب التوتر الاتفاق المبرم بين نظام أحمد حسن البكر – صدام حسين وبارزاني سنة 1971 وبدا على وشك الانفجار، أبرق بارزاني الأب إلى بغداد قائلاً ما معناه: إذا كنتم تودون المشاركة في حرب 1973، فاطمئنوا. لن نهاجمكم من الخلف. فردّ النظام العراقي السابق على موقف بارزاني بتوقيع الاتفاق مع شاه إيران، (حليف إسرائيل وأميركا)، سنة 1975 في الجزائر، بوساطة أميركيّة (وربما إسرائيليّة أيضاً)، وسحق الاتفاق الكردي – العراقي المبرم سنة 1971!

هذا الموقف الأخلاقي – السياسي الكردي الصادر عن بارزاني الأب، لا تذكره أو تتذكره نخب عربيّة كثيرة، حين تتناول بكثير من الغبن والظلم حق الكرد في تقرير مصيرهم وقيام دولتهم. ومع ذلك، فالموقف الكردي، على المستوى الشعبي والسياسي والثقافي، المؤيد والمساند للقضية الفلسطينيّة وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على أرضه التاريخيّة، مختوم بدماء مئات الشهداء الكرد من سورية والعراق وتركيا ضمن الفصائل الفلسطينيّة. ولم يتغيّر الموقف الكردي من هذه القضيّة العادلة، حتى بعد صدور تصريحات مشينة ومهينة من قيادات سياسيّة فلسطينيّة بارزة، حاولت تبرير الإبادة الجماعيّة التي مارسها صدام حسين بحق كرد العراق سنة 1988، حين قُصفت حلبجة بالكيماوي الصدّامي – البعثي (المساند للقضية الفلسطينيّة). وقتذاك، قال الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قولته السوداء المشهورة، الجارحة للوجدان الكردي، والمؤذية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني أيضاً: «وهل تريديون من صدّام أن يقصف الكرد بالورد؟!».

هذا الكلام، وتصريحات أخرى منسوبة لقيادات حركة «حماس» تدافع عن إرهاب الدولة التركيّة والبعثيّة – الأسديّة بحق الكرد، كل ذلك لم يدفع النخب الكرديّة إلى التراجع عن دعم وتأييد الحق الفلسطيني العادل والمشروع في إقامة دولته. فما فعله الكرد وقدموه للقضيّة الفلسطينيّة هو أضعاف أضعاف ما قدّمه الفلسطينيون للكرد والقضيّة الكرديّة. ولو كان هنالك حقاً دعم إسرائيلي حقيقي وجدّي لقيام دولة كرديّة، لكان اللوبي اليهودي مستنفراً في الغرب وعواصم القرار الدولي لمصلحة هذه الدولة، ولربما كانت كردستان مستقلة منذ السبعينات.

مناسبة هذا الكلام هي حالة التحشيد والتأليب والنفخ في جمر الأحقاد والكراهية ضد الكرد، في بعض الأوساط العربيّة، ووصف الكرد بأشنع النعوت، لمجرّد أنه صدر تصرّف فردي وطائش من شخص أو اثنين أو عشرة…، بحمل العلم الإسرائيلي في مناسبة كرديّة بألمانيا. والحق أن هذا الانزلاق نحو العدوانيّة والتعاطي العنصري والتخويني مع الكرد وحقوقهم وعدالة قضيتهم ومطالبهم، هذا السلوك قديم – جديد، وفي حاجة إلى «نكشة» حتى يعيد الإفصاح عن نفسه بشراسة، «يفترض» أن تكون ضد إسرائيل، وليس ضدّ الكرد!

ومع الأسف، ينزلق بعض الكرد أيضاً إلى ردود فعل طائشة، لا تراعي حساسيّة العرب والمسلمين والفلسطينيين تجاه دولة عنصريّة، تمارس الإرهاب المنظّم ضد الفلسطينيين، وتهضم حقوقهم وترتكب بحقهم الجرائم. ولأنها أفعال طائشة، فهي لا تدرك أنها بهذه الطريقة تسيء إلى القضيّة الكرديّة والسعي الاستقلالي لإقليم كردستان العراق. فلو كان العلم الإسرائيلي علم دولة ديموقراطيّة، لا تضطهد شعباً، أو لو كان علم حركة تحرر وطنيّة، أو علم دولة مظلومة محاصرة، لقلنا إن الكرد يتضامنون مع هذه الدولة المحاصرة الضعيفة المستضعفة أو هذه الحركة التحررية، لكن الأمر خلاف ذلك تماماً. فإسرائيل، وفق تقارير منظمات دوليّة حقوقيّة دوليّة، دولة مدانة. وهنالك قرارات كثيرة صادرة عن الأسرة الدوليّة، ترفض إسرائيل تطبيقها. ويكفي فقط إدخال عبارة: «القرارات الدولية التي لم تطبقها إسرائيل» في محرك البحث غوغل، حتى يتعرّف المرء الى عشرات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والجمعيّة العموميّة للأمم المتحدة، ومؤسسات دوليّة أخرى، من هذا النوع!

معطوفاً على ما سبق، فاتفاق السلام الذي وقّعته إسرائيل مع الفلسطينيين في أوسلو، لم تلتزم به تل أبيب. فما الذي يغري بعض الكرد إذاً برفع العلم الإسرائيلي في نشاط كردي؟!

ما هو في حكم المؤكّد أن هذا السلوك الاعتباطي الذي يصدر عن بعض الكرد، سواء الذين يرفعون العلم، أو المدافعين عن ذلك، أو الذين يحاولون لفلفة الأمر وتجاهله…، هؤلاء، قاسمهم المشترك هو ردّ الفعل على الكثير من المواقف العربيّة، الشعبيّة والرسميّة، المتشنّجة والعنصريّة (إلا ما ندر ورحم ربّك) من المطالب والحقوق الكرديّة. فالشارع العربي – السنّي، يدافع عن تركيا ويتبنّى مواقفها وسياساتها القمعيّة والإرهابيّة ضد الشعب الكردي ومطالبه في تركيا. والشارع العربي – الشيعي، يساند إيران في كل ممارساتها وسياساتها بحق الكرد، بل بحق مجمل منطقة الشرق الأوسط. وهذا مع وجود استثناءات قليلة في الجانبين.

وعليه، لا يمكن إنكار وجود ما يشبه «الإجماع» العربي على مناهضة الحقوق الكرديّة، ومن الطبيعي أن يخلق هذا ردّات فعل كالتي نراها هنا أو هناك، بخصوص إسرائيل، من أن الأخيرة لم تعتدِ على الكرد، وأنها تساند قيام الدولة الكرديّة، ولا حرج بالتالي من رفع علمها!

مع ذلك، فالمزاج السياسي والثقافي الكردي العام يقف مع حقوق الشعب الفلسطيني، وبالضد من الممارسات والسياسات التي تمارسها تل ابيب بحق الفلسطينيين، ودانها المجتمع الدولي.

إن هذه الأسطر سيعتبرها بعضهم من الجانب الكردي ضرباً من محاولات «إرضاء العرب» أو أنها «تقمّص لشخصيّة الفلسطيني أكثر مما يفعل الفلسطينيون أنفسهم» الخ… كذلك سيعتبرها بعضهم من الجانب العربي «تبريراً لرفع العلم الإسرائيلي، ومحاولة مسك العصا من الوسط» الخ…! وخلاصات واستنتاجات وأحكام قيمة كهذه لا تصدر إلا أثناء انعدام الحجّة ومنازلة الفكرة بالفكرة. وأيّاً يكن من أمر، فكردستان تسير نحو الاستقلال، وكل هذه السجالات من أعراض هذه المرحلة الانتقاليّة، وسوف يطويها الماضي.

الحياة

 

 

 

استفتاء يطرح مصير شعب ومصالح دول/ عبدالباسط سيدا

تشتد الضغوط الإقليمية والدولية على القيادة الكردية في إقليم كردستان العراق، وعلى الرئيس مسعود بارزاني تحديداً، في سبيل إرجاء موعد الاستفتاء المقترح حول استقلال الإقليم إلى أجل غير مسمى، ومن دون أية ضمانات تؤكد أن المطالبين بالتأجيل سيدعمون موضوع الاستفتاء في موعد آخر، يتم التوافق عليه.

وتتجلى هذه الضغوط أيضاً في صيغ ومواقف وتصريحات داخلية، سواء من جهة الحكومة العراقية المركزية، أم من جهة بعض الأطراف داخل الإقليم نفسه.

كما أن قسماً من هذه الضغوط يتم التعبير عنه من خلال المواقف المعلنة من جانب أنقرة وطهران، وعبر الاتصالات المشتركة، ولعل أبرزها زيارة رئيس أركان الجيش الإيراني إلى أنقرة، ولقاءاته مع المسؤولين الأتراك هناك.

من جهة أخرى، هناك الضغوط الدولية التي تجسدت في الاتصالات الأميركية والفرنسية، والموقف الأوروبي المتوجس بصورة عامة. وربما سنشهد في الأيام القادمة المزيد من المحاولات الهادفة إلى إقناع القيادة الكردستانية بتأجيل الموعد، الأمر الذي يستبعد القبول به من القيادة المعنية من دون ضمانات تؤكد تحديد موعد جديد قاطع للاستفتاء تلتزم به بغداد، وتضمنه الولايات المتحدة، ومعها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولكن هذا ليس معناه عدم وجود تحديات كبرى على مختلف المستويات.

فعلى المستوى الداخلي، ما زالت مسألة عدم تفعيل برلمان الإقليم تنتظر الحل، على رغم الجهود المكثفة التي بذلت، وتبذل، من أجل الوصول إلى حلٍ توافقي. ولكل طرف تفسيراته وحججه. ولكنْ في المحصلة، هناك إجماع على ضرورة انطلاقة البرلمان قبل 25 أيلول (سبتمبر) القادم، لكي يشرف على عملية الاستفتاء بكل جوانبها ومراحلها، ويتبنى نتائجها.

وما يُستشف من جملة المواقف والتحركات الخاصة بهذا الموضوع، هو أنه سيحل بطريقة ما، مع وجود رغبة مشتركة في الوصول إلى حلٍ توافقي بين جميع أطرف العملية السياسية في الإقليم.

أما على صعيد العلاقة مع بغداد، فهناك وجهة نظر تقول إن الاستفتاء سيضعف موقع رئيس الوزراء العراقي العبادي، ويقوّي موقف السياسيين العراقيين من الحزب الإيراني. ولكننا إذا دققنا في الوضع، لوجدنا أن التأثير الإيراني في الشؤون العراقية الداخلية ما زال فاعلاً. بل إن جانباً كبيراً من تشدد الحكومة العراقية في مواجهة إجراء ديموقراطي مشروع، كالاستفتاء، هو بفعل التأثيرات الإيرانية في العراق التي لها حساباتها الداخلية والإقليمية الخاصة بها، وهي بصورة عامة لا تتقاطع مع مصالح الشعب العراقي بكل مكوّناته.

فإيران تدرك أن موضوع استقلال إقليم كردستان سيعطي تركيا دوراً اقتصادياً أكبر في العراق ككل، وذلك بحكم التكامل الاقتصادي اللافت بين الإقليم وتركيا منذ نحو عقدين، الأمر الذي أسهم في تجاوز الكثير من الإشكاليات السياسية، بل عزز التفاهمات، وشكّل أرضية صلبة من الثقة المتبادلة التي ربما كان من شأنها تحريك العملية السياسية الداخلية في تركيا مجدداً، وذلك بهدف الوصول إلى حلٍ واقعي عادل للمسألة الكردية في تركيا.

ومن الطبيعي أن يمتد هذا التكامل إلى الداخل العراقي، بحكم علاقة الإقليم مع بغداد التي ينبغي أن تستمر طبيعية مستقرة جيدة، لمصلحة جميع المكونات العراقية، وبغض النظر عن المآلات التي ستكون بناء على نتيجة الاستفتاء.

كما أن الدور العربي، والخليجي تحديداً، سيكون أكثر بروزاً في إقليم كردستان العراق، والعراق عموماً، بفعل العلاقات المميزة بين الإقليم والدول الخليجية. وهذه العلاقات مرشحة للمزيد من الاتساع والتعمق، وبصورة خاصة في المجال الاقتصادي.

فالإقليم لديه إمكانات واعدة في مجال الزراعة والسياحة والصناعة النفطية. كما أنه يمتلك الكوادر المؤهلة أكاديمياً في مختلف الاختصاصات. ومن شأن الإقليم أن يمارس دوراً توازنياً بفضل علاقاته الجيدة مع أوساط واسعة ضمن الشيعة والسنة، بخاصة تلك غير الراضية عن التغلغل الإيراني في مختلف مفاصل الدولة والمجتمع العراقيين.

أما على الصعيد الدولي، فإن الولايات المتحدة، على رغم كل المواقف المعلنة، لن تفرّط بعلاقاتها مع الإقليم، ودورها فيه، لأنها تعتبره ركيزة التوازن في تعاملها مع كل من إيران وتركيا. ولن تكون أوروبا بعيدة من هذا التوجه في نهاية المطاف.

هذا في حين أن روسيا تحاول مسك العصا من الوسط، على أمل بأن تضمن لنفسها دوراً يراعي مصالحها في العراق والمنطقة بصورة عامة.

إقليم كردستان العراق ملزم بفعل عوامل الجغرافيا، والتاريخ، والثقافة، والدين، والمصالح الاقتصادية، والتداخل السكاني، بالسعي لبناء أفضل العلاقات مع دول المنطقة وشعوبها، سواء استمر في ظل النظام الاتحادي ضمن العراق، أم تحوّل بعد الاستفتاء إلى دولة مستقلة. وقد تلمست ذلك باستمرار من خلال لقاءاتي مع معظم القيادات من مختلف الأطراف السياسية. وقد أثبت الإقليم بالفعل قبل القول حرصه على تلك العلاقات، وأكد قدرته على التعامل مع سائر المكونات المجتمعية من دون أية عقد أو تمييز.

أما الهواجس التي تحملها لنا تصريحات ونتاجات قسم من السياسيين والكتّاب العرب حول الأخطار التي ستترتب على الاستفتاء، وربما على قرار استقلال الإقليم مستقبلاً، فهي في معظمها تستند إلى مفاعيل أيديولوجية لا تعترف بالآخر المختلف، ولا تقيم وزناً للوقائع والحقائق التاريخية والمعطيات السكانية والجغرافية، وانما تلتزم منطقاً رغبوياً، يتجاهل الواقع المأسوي الذي عاشه الكرد منذ تأسيس الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى، وينسى المجازر الوحشية الكبرى التي ارتكبت بحق الكرد تحت يافطة شعارات قوموية، كانت تغطية لصراعات شللية حزبية داخلية، اختُزلت لتتجسّد في شخصية الزعيم المؤله.

لننتظر نتائج استفتاء إقليم كردستان، ولنحترم قرار شعبه بكل مكوناته، ولنراهن على نضج قياداته التي تعلمت كثيراً من أخطائها، وأظهرت حنكة لافتة في إدارة الخلافات، والبحث عن حلول توافقية لها. فمشروع الإقليم هو في جوهره مشروع وطني، محوره احترام الآخر المختلف والاعتراف بحقوقه.

هناك أخطاء كثيرة في الإقليم من دون شك، ولكـــن فـــي المقابل هناك رغبة وإرادة في المعـالجة. فلنتفاءل بالخير لنجده في المنطقة بأسرها، التي أنهكتها مشاريع تطويع الواقع لمصلحة نزوات أيديولجية قوموية، مذهبية طائفية، لم تجلب لنا سوى القتل والدمار والتخلف الشامل.

الحياة

 

 

أن أكون أنا العربي مع حق الأكراد في دولة مستقلة/ حازم الامين

لم يَرُق لنخب عربية واسعة قرار أكراد العراق إجراء استفتاء حول استقلال إقليم كردستان العراق. والحال أن المرء قد يشهر في وجه الأكراد عشرات الحجج والوقائع التي تطرح تساؤلات حول الخطوة المزمع أن يُقدموا عليها، وهي في عدد منها محق وصلب، لكن النخب العربية التي صدر جزء من هذه الحجج عنها، لم تكتم أن تحفظها ورفضها صادران عن شعورها بأن ذلك جزء من مخطط لـ «تقسيم العراق»، وربما «تقسيم المنطقة» بأجمعها. والتقسيم يعيدنا إلى «الوحدة»، والأخيرة تعيدنا إلى أحد أضلاع المثلث البعثي الأثير، وهو في كل حال، الضلع الذي يشترك فيه البعث مع أشقائه، أحزاب العروبة التي جثمت وتجثم منذ أكثر من نصف قرنٍ على صدور مجتمعاتنا.

والحال أن العرب بنخبهم وأحزابهم وجماعاتهم، يقرون بأن نتائج الاستفتاء محسومة، ذاك أن الرأي العام الكردي منجذب على نحو حاسم إلى فكرة الاستقلال. فكيف لنخب وأحزاب وجماعات تُقر برغبة جماعة في الاستقلال، لكنها لا تقر بحق هذه الجماعة فيه؟ ألا يطرح ذلك تساؤلات حول حقوق الجماعات العربية في الاستقلال؟ وماذا عن حقوقنا بفلسطين؟ أليس حق الأكراد بدولة يوازي الحق الفلسطيني بدولة؟ مع تفصيل إضافي هنا، يتمثل في أن العرب كانوا جزءاً من منظومة منعت الأكراد من إقامة دولتهم واضطهدتهم، في حين لم تكن للأكراد ناقة ولا جمل في المأساة الفلسطينية.

ليس تفصيلاً بسيطاً أن نبدأ فكرتنا حول الدولة الكردية العتيدة بأننا «نعلم أن الأكراد سيصوتون لمصلحة الاستقلال»، وأن ننهي الفكرة بأننا ضد هذا الاستقلال! هذا يعني أننا ضد حق المجتمعات في تقرير مصيرها، وهذا يطرح تساؤلات موازية حول حقوقنا وقضايانا.

لا حساسية عربية ناضجة وكاملة حيال ظلامة الجماعة الكردية. في العراق، اعتراف بظلامة جماعية شملت الأكراد وضمتهم إلى الضحية العراقية بصفتها «الضحية الأمة»، وهي بذلك أنكرت عليهم حقيقة «الظلامة القومية» واعترفت بظلامتهم الوطنية. والأمر ذاته تكرر في سورية مع اختلافات في الشكل وفي الظروف. فصحيح أن البعث في البلدين ظلم الجميع، لكنه ظلم الأكراد لأنهم عراقيون أو سوريون، ولأنهم أيضاً أكراد. الظلم هنا مضاعف.

لم تصدر مراجعة يُعتدّ بها عن مسؤولية عربية ثقافية واجتماعية عن المأساة الكردية، فالعرب ضد «سايكس بيكو» وضد معاهدات ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعدها لأنها قسمت لبنان وسورية، أو لأنها ضمت لواء الإسكندرون إلى تركيا، لكنهم معها في أنها حرمت أكراد العراق من حقهم في دولة مستقلة. هذه الحساسية الانتقائية حيال «المؤامرات الدولية» لها جذورها الثقافية والاجتماعية، والانحياز اليوم إلى حق الأكراد في تقرير مصيرهم كان فرصة للقول أن مراجعة بدأت، أو يجب أن تبدأ، لهذه الممارسة.

كل هذا لا ينفي حقنا بمساءلة الدولة الكردية العتيدة عن الكثير من إخفاقات التجربة التي باشرها الأكراد منذ 1991. والحال أن مراقباً لا يمكن أن يخفى عليه حين يزور أربيل شطط التجربة، وتحولها إلى مشهد منسجم مع مشاهد التجارب العربية لجهة فساد النخب الحاكمة ومظاهر الاستبداد، والاندراج في تحالفات إقليمية لا تمت إلى الحقوق والطموحات الكردية بصلة.

زائر أربيل سيشعر بخيبة من دون شك، ذاك أنه كان يؤمل أن يستفيد الأكراد من تجارب المحيط، لا أن تستحضرها قيادتهم ودولتهم بصفتها نموذجاً. لكن خيبة الأمل هذه لا علاقة لها بحق أصلي سابق على كل شيء، وهو حق الأكراد في تقرير مصيرهم. وأن تُقدم نخب عربية على التمسك بهذا الحق، فهذا يُعزز حقها في مساءلة القيادة الكردية عن اندراجها في ثقافة السلطة العربية. المسألة تبدأ من هنا، أي من أن الأكراد، أو معظمهم، يريدون الاستقلال، وهنا نكون أيضاً قد أعفينا العرب من اعتذارٍ على ثقافتهم أن تتسع له، فهم من بين أقوام أخرى، كانوا وراء المأساة الكردية. وبعد هذا الاعتراف، وهذا الاعتذار، سيكون في إمكاننا أن نواجه الحزبين الكرديين الرئيسين الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني عن أسباب تحالف الأول مع تركيا والثاني مع إيران، وعن استدراج حرب إقليمية إلى الإقليم (الدولة) بسبب نزاع على حصص وعلى مناطق وعلى نفوذ. يصير في وسعنا مساءلتهم عن الفساد وعن التضييق على الحريات وعن التحول إلى نموذج الحزب الحاكم والحزب القائد. أما استحضار هذه الآفات للقول أن لا حق للأكراد بدولة مستقلة، فهو يستدرج قولاً موازياً من أن لا حق للعراقيين بدولة، ذاك أن فساد الحكومة المركزية في بغداد مضاعف، وانقساماتها أعنف، والأمر ذاته يصح على حق اللبنانيين والسوريين بدولتيهم.

أن ننطلق في نقاشنا التجربة الكردية من مسلمة حق الأكراد، اليوم قبل الغد، في دولة مستقلة، وأن نقف معهم في مسعاهم هذا، يجعل من كل تحفظاتنا عن تجربتهم أمراً منطقياً وأخلاقياً. لا بل أن الحقوق العربية في المناطق المتنازع عليها في الموصل وكركوك تصبح أكثر جلاء طالما أن وراءها مُطَالِبٌ أجرى مراجعة لدوره في ظلامة صار عمرها أكثر من قرن.

الأسلحة المستعملة في السجال العربي – الكردي حول استقلال كردستان العراق، كاشفة حقيقة أخرى، وهي وعي الجماعات والنخب المساجلة لحقيقة الظلامة، لكن وعي الظلامة لا يُفضي إلى رفضها، وهذا ينطوي على كارثة أكبر. ذاك أن الظلم هنا صادر عن ثقافة لا تُنكره، وهي في أحسن الأحوال تقبله وتحيله إلى واقع أوسع. فـ «الأكراد كانوا جزءاً من مأساة الأرمن ولم يُشيطنوا على دورهم فيها»، وهذا أحد الأجوبة العربية، وهو بدوره دعوة للأرمن إلى أن لا يطالبوا الأكراد بمراجعة.

لو كنت عراقياً عربياً، أو سورياً عربياً، لما تجرأت على الوقوف في وجه حق الأكراد في تقرير مصيرهم. أما لو كنت فلسطينياً، فأجدني محارباً إلى جانب الأكراد، ذاك أن حقي بفلسطين لا يزيد عن حقهم بكردستان، وإسرائيل لم تكن أشد ظلماً من البعثين، ومن سلطتي الاحتلال في طهران وفي أنقرة.

الحياة

 

 

تركيا وروسيا تلتقيان في سوريا ضد إيران والأكراد!/ هدى الحسيني

كان لافتاً جداً الصمت المطبق الذي لفّ روسيا وتركيا حيال صفقة «حزب الله» مع تنظيم داعش، هل لأن مقاتلي التنظيم كانت وجهتهم حسب الاتفاق العراق، حيث هبّ هناك الممولون من إيران يتهمون الولايات المتحدة بالازدواجية، وبأنها فتحت منفذاً لمقاتلي «داعش» من تلعفر للهرب باتجاه كردستان، وادعى ممثل «كتائب حزب الله العراق» مساء الأحد من على شاشة «الميادين»، إن لديه الإثباتات بأن مسعود البرزاني الرئيس الكردي أعطى الأمر باستقبالهم؟ هل هناك طبخة ما تُحضر ضد أكراد العراق؟ أو ضد الأكراد بشكل عام؟ وهل لهذا السبب أطبق الصمت على روسيا وتركيا؟

في العام الماضي تحسنت العلاقات بين تركيا وروسيا، وترى الدولتان ضرورة التعاون في مجالات كثيرة، والتركيز الأساسي هو على الحرب في سوريا، حيث تتداخل مصالح البلدين. ثم إن تحسين العلاقات الاقتصادية والعسكرية الثنائية يلعب دوراً مهماً، وطبقاً لمسؤولين أتراك وروس، فإن جميع الاستعدادات قد تم اتخاذها كي تشتري تركيا نظام دفاع صاروخي روسياً من طراز إس – 400 (الثالث من الشهر الحالي)؛ الأمر الذي أثار قلق حلفاء تركيا في الحلف الأطلسي، مع العلم أن الصفقة قد لا تتحقق في النهاية؛ إذ لا يزال المحللون يشككون فيما إذا كانت تركيا ستتسلم بطاريات صواريخ أرض – جو الدفاعية، ويرون أن المهم هي الرسالة الموجهة إلى الغرب أكثر من للاستحواذ الفعلي.

وحسب محلل سياسي بريطاني، فإن كلاً من موسكو وأنقرة تستخدمان هذه القصة سياسياً لإظهار عدم رضا كل منهما عن الغرب، وبالذات أنقرة التي تشعر بالإحباط العميق من جراء التعاون العسكري الأميركي المستمر مع أكراد سوريا.

في التقارب بين الدولتين، هناك مشاركة روسية في بناء محطة نووية في تركيا، ومشروع أنبوب الغاز التركي الذي سيمكّن روسيا من تعزيز صادراتها من الغاز إلى جنوب أوروبا عن طريق التحايل على أوكرانيا.

إن الساحة الأولى للتعاون بينهما هي الحرب في سوريا. وعلى الرغم من أن لكل منهما وجهات نظر مختلفة حول مستقبل الرئيس السوري بشار الأسد، فإن موسكو وأنقرة تتعاونان من أجل السيطرة على التطلعات الإقليمية للقوميين الأكراد داخل سوريا.

منذ بداية الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، وروسيا تعمل بشكل وثيق مع إيران. وبطبيعة الحال، هذا التعاون أبعد الجانب التركي، لكن، تتردد من وقت إلى آخر تلميحات بأن لروسيا وإيران خلافات حول مستقبل سوريا. مثلاً، لا تتضمن الصيغة الإيرانية لدعم النظام السوري أي تنازلات بشأن عائلة الأسد، وبالذات بشار، فهو المتلقي والمتجاوب المرن، في حين أن روسيا كانت دائماً على استعداد لتقديم بعض التنازلات على الجبهة الدبلوماسية، طالما أن مصالحها الأساسية في سوريا مضمونة: القواعد العسكرية والنفوذ السياسي.

في سوريا، تلتقي أحياناً وجهات النظر الروسية والتركية حول تقييد طموحات إيران الإقليمية. ما يجمع بين أنقرة وموسكو ويدفعهما إلى التعاون هو الولايات المتحدة الأميركية. تركيا عضو في الحلف الأطلسي، وأقل ما يمكن أن تقوم به هو التحالف الوثيق مع القوى الغربية في سوريا. إلا أنها تسعى وراء مصالحها الخاصة القائمة على ضروراتها الجغرافية ومصالحها في الشرق الأوسط الكبير. ليس خفياً قلق أنقرة من المساعدات الأميركية للأكراد في سوريا، وأزعجتها وجهات نظر واشنطن المتغيرة حول مستقبل نظام الأسد، كذلك الأمر بالنسبة إلى روسيا التي تشعر بالقلق إزاء العمليات الأميركية في سوريا، على الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوقف مؤخراً المساعدات العسكرية للمعارضة السورية، وتوصلت واشنطن وموسكو إلى وقف لإطلاق النار في جنوب غربي سوريا في مطلع يوليو (تموز) الماضي، لكن يبقى أن التقارب التركي – الروسي تدفعه جزئياً معارضتهما المشتركة للمصالح الأميركية.

بعيداً عن معضلة الشرق الأوسط تتشارك تركيا وروسيا في علاقات صعبة مع الاتحاد الأوروبي، وقبل أن تقطع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورقة الخروج الأخير لتركيا من الاتحاد، فإن أنقرة تعرضت لانتقادات حادة من قبل بروكسل، بينما تصطدم موسكو مع أوروبا منذ عام 2014 بسبب أوكرانيا.

لكن الاختلافات الجيوسياسية لا تزال كما هي بين البلدين. أحد هذه المسارح هو منطقة البحر الأسود. جغرافية تركيا تعطيها أطول شاطئ على البحر الأسود، ثم إن تحكمّها الطبيعي بمضيقي البوسفور والدردنيل يجعلها قادرة على إبراز قوتها العسكرية والاقتصادية على كل البحر الأسود.

تاريخياً كانت المنطقة ساحة قتال بين الإمبراطوريتين الروسية والعثمانية على امتداد القرن الثامن عشر وحتى نهاية الحرب الباردة، وبالتالي فإن تركيا، مثل روسيا لديها مصلحة طبيعية في توسيع منطقة نفوذها في البحر الأسود؛ مما يترك مجالاً ضيقاً للبلدين لإيجاد حل توفيقي على المدى الأطول. لكن التحركات العسكرية الروسية في المنطقة منذ عام 2014 عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، التي، نظراً لموقعها الجغرافي، أعطت الروس اليد العليا من حيث البنية التحتية العسكرية والقدرة على تغطية جميع شواطئ البحر الأسود.

على شرق البحر الأسود وفي جنوب القوقاز، فإن تركيا وروسيا تواجهان معركة تاريخية طويلة الأمد حول جورجيا، وأرمينيا وأذربيجان. ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي عملت تركيا وبنشاط على إعادة ربط منطقة جنوب القوقاز بسوقها المتنامية لاستهلاك الطاقة، من خلال بدء وتسهيل مختلف مشاريع الطاقة والبنية التحتية من الشرق إلى الغرب. خطوط أنابيب باكو – تبليسي – جيهان، وباكو – تبليسي – سوبسا، فضلاً عن سكة حديد باكو – تبليسي – كارس، وهذه ليست سوى بضعة مشاريع تدعمها أنقرة حاليا. وعلى الرغم من أنه من المستبعد جداً في الوقت الحالي أن تواجه تركيا روسيا عسكرياً في المنطقة، فإن هذا لا يمنع بأن أنقرة تفكر في زيادة قدرات جورجيا وأذربيجان العسكرية.

هناك مجال آخر من الخلافات العميقة بين روسيا وتركيا، وهو الصراع الناجم عن ناغورنو كاراباخ. لروسيا أجندة خاصة بها لحل هذا الصراع. والواقع، فإن موسكو تفضل إبقاء الوضع على ما هو عليه لأطول فترة ممكنة. لهذا؛ تريد روسيا من تركيا حليفة أذربيجان، أن تبقى أبعد ما يكون عن ذلك الصراع، ويتردد أن موسكو تسعى لنشر قواتها لحفظ السلام في كاراباخ مقابل أن تتنازل أرمينيا عن مناطق عدة حول كاراباخ.

أما في شرق آسيا الوسطى، فإن أنقرة ترى نفسها الحليف الطبيعي لجميع دول آسيا الوسطى، حيث كانت هناك روابط عرقية قوية بين تركيا والشعوب التركية في كازاخستان، وقيرغستان، وتركمنستان وأوزبكستان (طاجيكستان كانت دائماً أكثر تأثراً بالثقافة الإيرانية).

لا تتحمل أي من الدولتين الآن معاداة بعضهما بعضاً. تركيا ترى في روسيا الباب إلى سوريا للمشاركة في المستقبل، وربما قد تكون الغطاء الذي ستحتاج إليه أنقرة إذا ما اضطرت إلى تقبل ابتلاع مرارة بقاء الأسد على بزوغ حكم ذاتي كردي يلوّح لها بين الحين والآخر بظل عبد الله أوجلان. ستواصل روسيا وتركيا العمل معاً في الساحة السورية، هدأت أو ظلت مشتعلة، وسوف تدفع الضرورات الفورية للبلدين إلى إيجاد أرضية مشتركة للتعاون بينهما، ومعارضة المصالح الإيرانية في الشرق الأوسط أحياناً أو، المصالح الأميركية. ثم إن تركيا لا تتحمل خسارة آخر نفوذ لها فوق أرض عربية. كما ستزدهر الاتصالات الاقتصادية والعسكرية بينهما؛ لأن روسيا لا تتحمل خسارة السوق التركية المهمة جداً لصادراتها من الغاز، ومع ذلك، وأبعد من هذا التعاون، فإن العلاقات بين روسيا وتركيا ستتعرض لضغوط جيوسياسية على أساس القضايا الجغرافية والأمنية، وسيظل البحر الأسود وجنوب القوقاز، وبدرجة أقل آسيا الوسطى المناطق الأكثر تنافساً بين موسكو وأنقرة.

في ظل هذه الخريطة التي تحيط بالمنطقة العربية، نرى عمليات، ومصالح، وتوسعاً، وقواعد عسكرية، وثقافات تتمدد وتتصادم، تأخذ من المسرح السوري ساحة تلاقٍ أو فرض نفوذ. هناك الروسي، والإيراني، والتركي، والأوروبي، والأميركي، وهناك الشيشاني، والأوزبكي، والقيرغستاني، الذي جاءنا وقتلنا بثياب «داعش»، وأطل أسيراً من على شاشة التلفزيون الكردي في العراق. لكن أين الدور العربي في كل هذا؟ لم نره بعد!

* نقلا عن “الشرق الأوسط”

الشرق الأوسط

 

 

كيف يمكن فك العقدة التي تربط الأكراد السوريين بتركيا/ سونر چاغاپتاي

يبدو أن دعم واشنطن المستمر للقوات الكردية في سوريا محفوف بالمخاطر التي تهدد العلاقة الأمريكية-التركية. فمنذ عام 2015، كانت الولايات المتحدة تتعاون مع «حزب الاتحاد الديمقراطي» وجناحه العسكري – «وحدات حماية الشعب» – من أجل محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، وشمل ذلك توفير الأسلحة والمساعدة التقنية إلى «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي منظمة جامعة كردية/عربية تهيمن عليها «وحدات حماية الشعب». غير أن «حزب الاتحاد الديمقراطي» – «وحدات حماية الشعب» يتفرع عن «حزب العمال الكردستاني» [«الحزب»]، وهي جماعة تركية صنفتها وزارة الخارجية الأمريكية منظمة إرهابية أجنبية، وتحاربها أنقرة منذ عقود.

وكما سيتمّ توضيحه أدناه، يسيطر الأكراد الأتراك على القيادة الجماعية لكل من «حزب العمال الكردستاني» و «حزب الاتحاد الديمقراطي» – «وحدات حماية الشعب» ويتخذون من جبال قنديل شمال العراق مقراً لهم. ومنذ عام 2015، عندما تعثرت محادثات السلام بين «حزب العمال الكردستاني» وأنقرة، استأنف «الحزب» حربه الدموية ضد قوات الأمن التركية والتي شملت قتل مدنيين. وإذا استحوذ «الحزب» على أسلحة أمريكية من «وحدات حماية الشعب» واستخدمها ضد تركيا، سيُحدث ذلك حتماً شرخاً في العلاقات بين واشنطن وأنقرة التي تعتبر أقدم حليف ذي أغلبية مسلمة للولايات المتحدة والعضو الوحيد من دول الشرق الأوسط في حلف “الناتو”.

وللتخفيف من الخطر الذي ينطوي عليه مثل هذا التصدع، على الولايات المتحدة أن تدرس احتمال اتخاذ تدابير [مناسبة] لتقويض قيادة «حزب العمال الكردستاني» الكردية التركية بدرجة كبيرة في جبال قنديل. وسيسمح ذلك للأكراد السوريين بالسيطرة على «حزب الاتحاد الديمقراطي» – «وحدات حماية الشعب» وتحويل انتباههم عن تركيا بصوة كاملة. وعندها، يمكن لواشنطن أن تفصل سياستها حيال الأكرد في سوريا عن علاقاتها الهشة مع تركيا.

الجذور السورية لـ «حزب العمال الكردستاني»

عندما تمّ تأسيس «حزب العمال الكردستاني» في عام 1978، دعمه السوفييت باعتباره وسيلة لتقويض تركيا، حليفة الولايات المتحدة. وقد تأسس «الحزب» أولاً في سهل البقاع في لبنان الذي كان آنذاك خاضعاً للاحتلال السوري. ووفر حافظ الأسد، والد الديكتاتور السوري الحالي، ملاذاً آمناً لأعضاء الجماعة طيلة عقود، كما عاش زعيم «حزب العمال الكردستاني» عبدالله أوجلان في دمشق خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

وبعد انتهاء الحرب الباردة، واصلت الحكومة السورية استخدام «حزب العمال الكردستاني» كورقة مساومة خلال مفاوضاتها مع تركيا حول حقوق المياه في نهر الفرات. وفي الوقت نفسه، وبينما هناك أغلبية من الأكراد السوريين المهمشين وعديمي الجنسية في ظل حكم “حزب البعث”، اعتبرت دمشق «حزب العمال الكردستاني» وسيلة لإبعاد الغضب الكردي القومي عنها وتوجيهه نحو “عدو خارجي”.

وإذ أدركت أنقرة احتمال أن يتسبّب أي تمرد لـ «حزب العمال الكردستاني» ومقره في سوريا بزعزعة استقرارها، اتخذت خطوات ضد دمشق في أيلول/سبتمبر 1998، وهددت باجتياح سوريا ما لم يتوقف النظام عن إيواء «الحزب». ورداً على ذلك، طرد الأسد أوجلان ووقّع “بروتوكول أضنة” مع تركيا، منهياً بذلك رسمياً الدعم السوري لـ «حزب العمال الكردستاني».

لكن بما أنه كان قد سُمح لـ «الحزب» بتجنيد أعضاء بشكل علني ونشر حملة دعائية في سوريا لما يقارب عقدين من الزمن، تمكّن «حزب العمال الكردستاني» من تشكيل قاعدة دعم محلية استمرت لفترة طويلة بعد قطع العلاقات بشكل رسمي. ففي عام 2002، قرر «الحزب» إطلاق فروع له في سوريا وإيران والعراق، غير أن «حزب الاتحاد الديمقراطي» كان الوحيد من بين هذه الفروع الذي انطلق بزخم.

وبحلول عام 2012، عندما كانت الحرب الأهلية في سوريا في أوجها، وحيث قام نظام الأسد بإخلاء مناطق الأكراد لتخصيص المزيد من الموارد لجبهات أخرى، تمكن «حزب الاتحاد الديمقراطي» من ملء الفراغ بسرعة. وقد أسس «الحزب» 3 كانتونات أعلنت نفسها ذاتياً في شمال سوريا، هي: عفرين وكوباني والقامشلي، التي تعرف جماعياً بروج آفا. ومنذ عام 2014، استحوذت «وحدات حماية الشعب»/«قوات سوريا الديمقراطية» على نحو 20 في المائة من الأراضي السورية بفضل مساعدة عسكرية أمريكية كبيرة. كما تربط الميليشيا علاقات بروسيا التي نشرت قواتها مؤخراً في منطقة تمركز «وحدات حماية الشعب» في عفرين المتاخمة لتركيا.

خوض معركة الأكراد الأتراك

على الرغم من أن صفوف «وحدات حماية الشعب» وقيادتها تتألف بمعظمها من أكراد سوريين، إلّا أنّ القيادة الكردية التركية عموماً لـ «حزب العمال الكردستاني» في شمال العراق هي التي تتولى إدارتها. وكما أوضح تقرير صدر في أيار/مايو 2017 عن “مجموعة الأزمات الدولية“، توجه “الكوادر المدربة لـ «حزب العمال الكردستاني»” معظم العمليات الرئيسية لـ «وحدات حماية الشعب»: “فهم يتخذون القرارات بشأن الميزانية الإدارية وتعيين قادة الخطوط الأمامية والمناطق وتوزيع العتاد العسكري والتنسيق مع الجيش الأمريكي. أما التكنوقراطيون، ومعظمهم من المتعاطفين مع أوجلان والذين لا يتمتعون بأي خلفية عسكرية في «حزب العمال الكردستاني»، فيقودون اسمياً المؤسسات الرسمية في منطقة الحكم الذاتي”.

وعلاوةً على ذلك، تمنع هيكلية قيادة «وحدات حماية الشعب» الأفراد الذين لا يتمتعون برصيد داخل «حزب العمال الكردستاني» من تولي مناصب رفيعة: “هناك فرصة ضئيلة لتقدم قادة الوحدات والفصائل، الذين انضم معظمهم إلى «وحدات حماية الشعب» بعد تأسيسها عام 2012… حيث أن الأكاديميات الإيديولوجية التي تنطوي على فرص للترقية تتطلب التزاماً طويل الأمد بنضال «حزب العمال الكردستاني»، تحت قيادة «الحزب» المباشرة في جبال قنديل”. ونتيجةً لذلك، تتمتع قيادة «حزب العمال الكردستاني» في قنديل – المؤلفة من مراد كارايلان وجميل بايق ودوران كالكان ورضا ألتون، وجميعهم من الأكراد الأتراك – بتأثير كبير على «وحدات حماية الشعب».

وببساطة، إن الأكراد السوريين ضمن أسرة «حزب العمال الكردستاني» الأوسع نطاقاً مرغمون على الاضطلاع بدور ثانوي مقارنةً بالأكراد الأتراك الذين يركزون على معركتهم ضد أنقرة ويعتبرون سوريا مسرحاً ثانوياً للعمليات يُستخدم كعامل دعم ضد تركيا. وسيؤدي هذا الموقف لا محالة إلى أزمة في العلاقات الأمريكية-التركية، خاصة إذا قرر «حزب العمال الكردستاني» السماح للأسلحة التي وفرتها الولايات المتحدة لـ «وحدات حماية الشعب» بالوصول إلى كوادره في تركيا. وعلى الرغم من أن قيادة هذه الوحدات قد وعدت واشنطن بأن ذلك لن يحصل، قد يسعى قادة «حزب العمال الكردستاني» إلى تحقيق هذا الأمر لأن الصدع في العلاقات الأمريكية-التركية يصب في مصلحته في نهاية المطاف. وبالتالي فالسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس ما إذا كانت الأسلحة الأمريكية المزودة لـ «وحدات حماية الشعب» ستنتهي في أيدي «حزب العمال الكردستاني»، بل متى.

تركيز «حزب الاتحاد الديمقراطي» على سوريا

لحسن الحظ، بإمكان الولايات المتحدة منع حدوث مثل هذا الاحتمال وسط مواصلة التعاون مع الأكراد السوريين. فالسياسة الرسمية لواشنطن تتمثل بأن «حزب الاتحاد الديمقراطي» – «وحدات حماية الشعب» هو منظمة سورية لكن عليه تحويل هذا المبدأ إلى واقع إذا كان يأمل في تجنب حصول صدع في العلاقة مع تركيا. وهذا يعني إقناع تركيا بإطلاق عمليات عسكرية لها ثلاثة أهداف رئيسية هي: ضرب شبكات مخابئ «حزب العمال الكردستاني» تحت الأرض في جبال قنديل في العراق، وحشر قوات «الحزب» في المنطقة، وربما حتى القبض على بعض كبار قادته الأكراد الأتراك. وأي حملة من هذا القبيل ستتطلب من واشنطن الحصول على موافقة بغداد على شن عمليات في أراضيها، فضلاً عن تقديم المساعدة الاستخباراتية للقوات التركية والذخيرة الخاصة الضرورية لاستهداف المخابئ المحصنة.

وبدورها ستؤدي هذه السياسة إلى تمكين الأكراد السوريين في روج آفا، الأمر الذي يفتح الطريق أمامهم لتولّي القيادة الكاملة لـ «حزب الاتحاد الديمقراطي»- «وحدات حماية الشعب». ومن المفترض أن تركز الجماعة بعد ذلك على خوض معركة الأكراد السوريين على روج آفا، وليس على حرب «حزب العمال الكردستاني» ضد تركيا في سوريا وخارجها. وسيتعين على واشنطن أيضاً طمأنة الأكراد السوريين بأنها ستحافظ على مصالحهم إذا نفذوا ذلك. ومن ناحية أخرى، إن اتخاذ خطوات ملموسة بحق «حزب العمال الكردستاني» يمكن أن يحسّن إلى حدّ كبير العلاقات الأمريكية-التركية التي شهدت توترات كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

ويدرك الأكراد السوريون على الأرجح أنهم سيحتاجون إلى دعم واشنطن فيما يتخطى معركتهم القصيرة الأمد ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». فمن دون دعم الولايات المتحدة، سوف تقع روج آفا تحت السيطرة الروسية الكاملة وتتحول إلى النسخة الشرق أوسطية من ترانسنيستريا ، وهي جزء منفصل عن مولدوفا تهيمن عليه موسكو ويفتقر إلى أي نوع من الشرعية الدولية. وكبديل، ومع تموضع واشنطن في زاويتها الدبلوماسية، قد تتصدى روج آفا للضغوط التي تمارسها روسيا ونظام الأسد، مما تتيح لنفسها المجال لالتقاط أنفاسها وربما التوجه نحو تحقيق الحكم الذاتي في نهاية المطاف داخل سوريا. لكن أياً من هذا لن يكون ممكناً طالما أن قيادة «حزب العمال الكردستاني» في جبال قنديل تسيطر على الحركة الكردية السورية، على نحو يضر بها.

معهد واشنطن

 

 

 

استفتاء كردستان: مخاوف إقليمية ودور إسرائيلي/ إبراهيم درويش

يمثل الاستفتاء المزمع عقده هذا الشهر في كردستان العراق على استقلال الإقليم تحديا جديدا لوحدة العراق التاريخية. ويحمل معه على التصميم الصادر من أربيل، مؤشرات صراعات جديدة على أراضي العراق ومع جواره. كما أنه مؤشر عما حققته البيشمركه في الحرب ضد تنظيم «الدولة» مع الجيش العراقي وميليشيات الحشد الشعبي التي حررت مدينة الموصل، جوهرة ما أطلق عليها الخلافة من تنظيم «الدولة» الإسلامية. وزاد الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي نسبة الأراضي التابعة له بنسبة 40٪. وفي الوقت الحالي لا يزال إقليم كردستان يعمل كوحدة فدرالية ضمن العراق، إلا أن الاستفتاء المزمع عقده في الخامس والعشرين من الشهر الحالي سيضع الإقليم على مسار الاستقلال وهو ما تطلع إليه أكراد العراق منذ الاستفتاء غير الرسمي الذي عقد عام 2005 وصوتوا باجماع على الاستقلال. وفي مقاربة نشرتها مجلة «فورين أفيرز» (25/8/2017) ناقش كل من ماثيو فرانكلين كانسيان وكريستين فاب، أن الاستفتاء المقبل والسيطرة على المناطق هي محل نقاش حاد في داخل الإقليم ومع الحكومة العراقية. وينظر الخبراء بالشأن العراقي للاستفتاء والسيطرة على المناطق وموقف البيشمركه منها على أنها مفتاح لمستقبل العراق. والسبب هو طبيعة السياسة داخل الإقليم، حيث يتساءل الباحثون عن وحدة الأطراف الكردية نفسها. ففي داخل الإقليم ينقسم الأكراد بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني. وخاض الطرفان حربا طاحنة في التسعينات من القرن الماضي ولا يزالان منقسمان في الأهداف رغم الخطوات التي اتخذت نحو الاندماج. بل وزاد من الوضع السياسي تعقيدا ظهور فصيل سياسي جديد اسمه «غوران» (التغيير) عام 2009 والذي يزعم أنه يعارض كلا الحزبين وسياستهما الفاسدة. ومن أجل فهم مواقف البيشمركه قام الباحثان بدراسة مسحية هذا الصيف شملت 2.339 من محافظات دهوك والسليمانية وأربيل وحلبجة بالإضافة لكركوك ونينوى. واستطلع الباحثان أراء مقاتلين من البيشمركه شاركت نسبة كبيرة منهم في السيطرة على الأراضي التي تم طرد مقاتلي تنظيم «الدولة» الإسلامية منها. ورغم تنوع أعمار المشاركين فيها إلا أن معظمهم من الأكراد المسلمين الرجال. وتركزت الدراسة على سؤال يتعلق بدوافع المقاتلين الانضمام للبيشمركه ورأيهم في توحيد صفوفها وأخيرا موقفهم من مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» ومصير المناطق التي تحررت منه. واكتشف الباحثان ان نسبة 98٪ من المقاتلين يرغبون بالاندماج في قوة عسكرية واحدة غير مسيسة. لكن لا يعني هذا بالضرورة دعم الوحدة بين المجموعتين الرئيسيتين والتوجه نحو إلغاء المكاتب التي خدمت مقاتلي كل حزب.

ولاء قبلي

واكتشف الباحثان أيضا أن الهوية القبلية بارزة في طريقة نظرة المقاتلين لمستقبل إقليمهم وهي نظرة تتغلب على الولاء الحزبي. فنسبة 92٪ منهم حددوا هويتهم بالقبيلة. وبدت النزعة داخل مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني أكثر من حزب الاتحاد الكردستاني. ورغم الهوية القبلية وأهميتها إلا أنها لا تتسيد العلاقات داخل وحدات البيشمركه، فهناك نسبة 26٪ من الفرق ممن يقودها عسكريون ينتمون لنفس القبيلة. ولأن العلاقات القبلية لا تتسيد البشمركه فهي إشارة إيجابية عن إمكانية توحيد فرقها في كيان واحد/ جيش وطني. وإذا كانت القبلية لا تجمع الأكراد فإن الوطنية تجمعهم. ففي سؤال حول الدافع الذي جعل مقاتلي البيشمركه يواصلون القتال أجابت نسبة 73٪ أنهم «قاتلوا من أجل كردستان». وقالت نسبة 88٪ إنها انضمت للقوات للدفاع عن كردستان. وهناك نسبة 44٪ عللت انضمامها بالأسباب الاقتصادية. وفي الوقت الذي يعيش فيه الإقليم مصاعب اقتصادية قالت نسبة 75٪ إنها ظلت تقاتل من أجل الوطن رغم أنها لم تستلم رواتبها لمدة ثلاثة أشهر ورفضت ترك وحداتها في الأوقات الصعبة. وقالت نسبة 45٪ أن وطنيتها الكردية نابعة من الجرائم التي ارتكبت بحقهم أثناء فترة حكم صدام حسين. وفي الفترة الأخيرة تلك التي ارتكبها تنظيم «الدولة». وهناك نسبة 24٪ ذكرت أنها اندفعت للقتال نظرا لكون أبناء عائلاتها ضحية إما لصدام أو تنظيم «الدولة». وقالت نسبة 10٪ إنها تريد الانتقام مع ان عددا منهم نسب سبب الانتقام للآخرين. فعندما سئلوا عن السبب الرئيسي الذي دفع السنة لدعم تنظيم «الدولة» قالت نسبة 51٪ إنه من أجل الانتقام من بغداد. وذكرت نسبة 24٪ من المشاركين سببا آخر وهو الرغبة لحماية الهوية العربية السنية من الهيمنة الشيعية. ورأت نسبة 27٪ أن التوافق مع أيديولوجية التنظيم كانت العامل وراء الانضمام.

مصالحة

ويعتقد الباحثان أن مواقف البيشمركه من العرب السنة الذين انضموا لتنظيم «الدولة» مهمة لعملية المصالحة. وترى نسبة 75٪ من البيشمركه أن دعم السنة كان مشروطا ومن هذه النسبة فقط 10٪ دعمت التنظيم. وبالمحصلة وجد الباحثان أن مظاهر العداء تجاه السنة ليست متأصلة، إلا ان مشاركة بعضهم مع تنظيم «الدولة» لن تغفر. وفرق البيشمركه بين قادة تنظيم «الدولة» وأنصارهم، حيث قالوا إن القادة هم الذين يستحقون العقاب. وبالنسبة لأنصار التنظيم قالت نسبة 10٪ إنه يجب إعدامهم مقابل 72٪ طالبت بمحاكمتهم و31٪ بإعادة تأهيلهم. ورغم ما تكشفه الدراسة من نزعة نحو وحدة القوات الكردية والتي ستمنح أراضي كردستان استقرارا في مرحلة ما بعد تنظيم «الدولة» إلا أن هذا لا يعني منع حصول النزاعات. والوحدة في النهاية تعتمد على الشفافية في التعامل مع المناطق المتنازع عليها وتحقيق العدالة الانتقالية لمن دعموا تنظيم «الدولة». ويجب والحالة هذه تجنب العقوبات القاسية والضرب والاعدامات والاختفاء القسري. وبدلا من ذلك يجب تقديم الجناة لمحاكم عادلة وتعليمهم وإعادة تأهيلهم وإنشاء لجنة للمصالحة. وما يهم هو العلاقة بين البيشمركه وقوات الحشد الشعبي التي تعمل في المنطقة. ففي الوقت الذي قالت فيه نسبة 50٪ إنها لا تصدق أن البيشمركه ضربت وعذبت السنة، إلا أن نسبة قليلة رفضت تكذيب الاتهامات نفسها التي وجهت للحشد الشعبي.

مخاوف إيرانية

وبعيدا عن مواقف البيشمركه والقيادة الكردية فإن السياق الدولي والإقليمي غير متحمس للاستفتاء الكردي، ففي زيارته الأخيرة للمنطقة طالب جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي مسعود بارزاني تأجيل الاستفتاء. وجاءت الدعوة الأمريكية في إطار الحملة على تنظيم «الدولة». وحذرت إيران وتركيا من تداعيات الاستفتاء المقبل. في وقت تحاول فيه روسيا موضعة نفسها وتأكيد حضورها من خلال الساحة السورية. ولعل المحور التركي – الإيراني هو الأكثر رفضا للاستفتاء. وفي الوقت الذي كان يقوم فيه رئيس هيئة الأركان المشتركة الإيراني محمد حسين باقري بزيارة أنقرة منتصف آب (أغسطس) كان قادته العسكريون يحشدون قواتهم على الحدود الإيرانية مع العراق. وهذه هي المرة الأولى التي تسعى فيها إيران لدعم من تركيا. وبالإضافة للقوات كثفت إيران من طلعات طائرات بدون طيار. وتكهن الكثيرون عن إمكانية شن عملية إيرانية – تركية ضد قواعد حزب العمال الكردستاني إلا أن طهران نفت سريعا الأخبار. وفي المناطق التي احتشدت فيها القوات الإيرانية هناك عناصر من تنظيم «الحياة الحرة في كردستان» وهو الفرع الإيراني لحزب العمال – بي كي كي. ونقل محمود بوز أرسلان عن محمد ألكيس، طالب الدراسات العليا الذي يراقب كردستان العراق قوله إنه لم يكن مصادفة نقل إيران قواتها بشكل مفاجئ إلى المنطقة. وقال في تقرير نشره موقع «المونتيتور» (6/9/2017 ) «تعتبر إيران سوريا والعراق مناطق استراتيجية من ناحية الغاز والنفط ومهمة عسكريا وسياسيا. وكردستان مستقل يمثل تهديدا كبيرا لإيران. وذكر الإعلام الإيراني أن بغداد تخطط لشن هجوم عسكري على أربيل إلا ان الحكومة العراقية نفتها وبشدة». وفي نيسان (إبريل) ذكرت تقارير أن قائد فيلق القدس قاسم سليماني التقى مع مجموعات مقربة من إيران ومعارضة للاستفتاء ولبارزاني. ورغم محاولة إيران التأثير على الاستفتاء إلا أنه ليس من المحتمل أن تتدخل عسكريا لوقفه وقد تحاول التلاعب بالوضع. وأضاف أن إيران تتمتع بتأثير في كردستان العراق خاصة في السليمانية.

فتش عن إسرائيل

وتظل إيران من الأطراف المعارضة للاستفتاء إلا أن إسرائيل مهتمة به وتدعمه. ومن هنا سادت تكهنات من أن التحرك الإيراني العسكري على الحدود موجه بالضرورة ضد إسرائيل. ويرى صديق حسن سكرو المحلل السياسي في أربيل أن إسرائيل تلعب دورا في تحركات طهران. وقال ان الحشود العسكرية ليست الدافع الرئيسي وإنما محاولة طهران التأثير وإضعاف الدور الإسرائيلي والسعودي في منطقة كردستان العراق. وقال: «قلق إيران ليس نابعا من الاستقلال وإنما من علاقة إسرائيل بكردستان. وتقوم إسرائيل بعمل كبير لبناء بنى تحتية لها. ولدى السعودية أهدافها الخاصة بالمنطقة وتفهم إيران جيدا الخطط السعودية والإسرائيلية. وكلاهما يطمح بنشوء حرب بين قوات الحشد الشعبي الشيعية والأكراد. ولهذا السبب تشعر إيران بالقلق والخطوات التي تقوم بها موجهة ضد إسرائيل». وفي الوقت الذي تقوم فيه إيران بتعزيز موقعها في المنطقة بدعم من الحكومتين العراقية والسورية وحزب الله وبعض الجهاديين إلا أن التوتر سينفجر بين السعودية وإيران بعد هزيمة تنظيم «الدولة» وستكون كردستان العراق ساحة للصراع ليس بسبب طموحاتها الاستقلالية ولكن بسبب الحرب بين إيران من جهة والسعودية وإسرائيل من جهة أخرى». ومع إن إيران دعمت الحكم الذاتي في كردستان في مرحلة ما بعد الخليج عام 1991 إلا أن موقفها تغير بسبب التدخل الإسرائيلي. وهي مصممة في الوقت الحالي على إحباط الاستقلال في كردستان العراق لمنع تأثير أوسع لإسرائيل عليها.

مديح

وفي النهاية فالرهانات كبيرة خاصة إن قرأنا ما كتبه برنارد هنري ليفي، الفيلسوف اليهودي الفرنسي الذي تدخل في ليبيا وكتب مديحا للأكراد في مجلة «فورين بوليسي» (6/9/2017) جاء فيه «الاستفتاء الكردي ليس فعل قوة بل حق. إنه دين وهو معلمة مهمة لشعب عظيم قدم الكثير للعالم. ففي الماضي كانوا من بين الذين أنقذوا اليهود واليوم قدموا للعالم البيشمركه الذين حرروا ويحمون الآن آخر الشعوب المسيحية في الشرق الأوسط. وظلوا لقرون منبع الإسلام المتنور، ففي ثنايا الروح وليــس فقط في نيران المعركة يظلون الرد الأفضل على لعنة الإسلام الراديكالي. وحان الوقت كي يشرف العالم الأكراد كما شرفونا».

القدس العربي

 

 

الاستفتاء في إقليم كردستان العراق: مصير جنوب السودان أم الجبل الأسود؟/ عبد الحميد صيام

نيويورك ـ «القدس العربي»: في السابع من حزيران/يونيو الماضي دعا الزعيم الكردي مسعود بارزاني في اجتماع عقد في كركوك لكافة الأحزاب والتجمعات الكردية في العراق إلى إجراء استفتاء مؤجل على «حق تقرير المصير» أو إعلان الاستقلال يوم 25 من شهر أيلول/سبتمبر الحالي. رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، قال إن هذه الخطوة لا تخدم لا الأكراد ولا العراق وخاصة أن البلاد ما زالت تخوض حربا ضد تنظيم «الدولة» الإرهابي. دول الجوار، سوريا وتركيا وإيران أعلنت أنها لن تعترف بدولة كردية مستقلة تنفصل عن العراق. الولايات المتحدة بعثت بمندوبين إلى المنطقة وأعلنت أنها تؤثر التريث بينما يصل أمين عام الجامعة العربية، هوشار زيباري، وزير خارجية العراق السابق، قال إن الإقليم لا ينوي الانفصال الفوري عن العراق مجرد ظهور نتائج الاستفتاء، لكن الأمر الجلي أن القيادات الكردية لغاية كتابة هذا المقال ماضية في الاستعداد لتنظيم الاستفتاء في موعده دون الرضوخ لكافة الأصوات المناشدة للتأجيل أو الضغوطات. ومن المتوقع أن تكون النتيجة لصالح الانفصال/ الاستقلال وإنشاء دولة كردستان العراق التي ستدخل بعدها في معركة الإعتراف والقبول من دول الجوار والمجتمع الدولي. فما أمر هذه الدولة وهل ستحظى بالاعتراف الدولي وهل الاستفتاء منسجم مع شروط الإنفصال أم شروط الاستقلال؟ وهل سيكون مصير هذا الكيان أقرب إلى مصير جنوب السودان أم مصير مونتفيديو وجمهورية التشيك؟

حق تقرير المصير للشعب الكردي

لا أحد ينكر حقيقة ساطعة هي أن هناك شعبا مميزا ذا خصائص حضارية وثقافية ولغوية وتاريخية ويعيش عبر العصور في رقعة جغرافية موحدة تأثر بها وتأثرت به واجتاز عوادي الزمن وهو محافظ على تميزه عن بقية شعوب المنطقة التي تعامل معها وامتزج فيها سلما وحربا هو الشعب الكردي العريق والأصيل أحد مكونات الخريطة الديموغرافية في أربع مناطق متداخلة جعرافيا تمتد من جنوب شرق تركيا وشمال العراق وشمال غرب إيران وشمال شرق سوريا ويصل عدد السكان فيها إلى نحو 45 مليون نسمة غالبيتهم في تركيا ثم إيران ثم العراق ثم سوريا. وقد حاول الأكراد بدعم من بريطانيا إنشاء دولة عرارات عام 1927 لكنها لم تعمر طويلا ثم أعلنوا عن قيام دولة مهاباد بعد الحرب العالمية الثانية بتشجيع من ستالين لكنها انهارت قبل الاحتفال بسنتها الأولى.

لقد أفرزت الحرب العالمية الثانية واقعا جدبدا بالنسبة للأكراد وهو أن هذا الشعب العريق مقسم بين أربع دول بحيث أصبحوا أقلية في كل دولة، وهذه الدول الأربع قد لا تتفق في شيء فيما بينها إلا حرمان الأكراد من حقهم في تقرير المصير. لقد تعرضت الأقليات الكردية في جميع هذه الدول إلى الاضطهاد والقتل والحرمان من أبسط الحقوق. والأدهى من ذلك أن كل دولة من هذه الدول كانت تدعم تمرد الأكراد في الدولة المجاورة. فقد دعم شاه إيران تمرد الأكراد في العراق والعكس صحيح وقد دعمت سوريا حزب العمال الكردستاني في تركيا ووصلت العلاقة بينهما إلى حافة الحرب عام 1999 عندما هددت تركيا بغزو سوريا إذا لم تخرج من أراضيها زعيم الحزب علي أوجلان خلال 24 ساعة وانصاع حافظ الأسد للأمر وأخرجه وتم اعتقاله فورا في كينيا. وكم أتمنى على القراء أن يراجعوا القوانين العنصرية ضد الأكراد في سوريا التي اعتمدت في خمسينات القرن الماضي. وفي تركيا منع الأكراد من ممارسة لغتهم حتى إن عضوة البرلمان ليلى زاناعندما أقسمت اليمين باللغتين التركية والكردية وكانت تلبس وشاحا على رأسها تم طردها من البرلمان وسحبت منها الحصانة وأودعت السجن. أما المذابح التي تعرض لها الأكراد في العراق وخاصة بعد اتفاقية تقاسم شط العرب مع إيران عام 1975 فحديثها طويل لا ينتهي بمجزرة حلبجة عام 1988. إذن من ينكر على الأكراد حقهم في العمل الدؤوب لممارسة حقهم في تقرير المصير في هذه الدول فهي مخطئ لا محالة.

منذ نيسان/أبريل 1991 وبعد انتفاضة شاملة ضد حكم صدام حسين بعد هزيمة الكويت، تحرك الجيش العراقي لقمع هذا التمرد كما قمع تمرد الشيعة في الجنوب، فكانت النتيجة أن هرب ملايين الأكراد باتجاه إيران وتركيا. اعتمد مجلس الأمن القرار الخطير 688 بتاريخ 5 نيسان/أبريل والذي شرعن لأول مرة ما سمي بـ «التدخل الإنساني» بدون موافقة الدولة. المهم أن الأكراد المهجرين عادوا إلى ديارهم ومنذ ذلك الحين وهم يتمتعون بحكم ذاتي واسع، لهم برلمانهم ووزاراتهم ومؤسساتهم ومحطاتهم وصحفهم حتى إن العملة في الإقليم بين 1991-2003 كانت مختلفة تماما عن العملة المتداولة في بقية العراق. لقد تم تغيير المناهج الدراسية لتعزيز اللغة والثقافة الكرديتين. وقد أصبت بالذهول عندما زرت الإقليم في اب/أغسطس 2003 وتكلمت مع شاب في أحد المطاعم بالعربية ولم يرد علي لأنه لم يتعلم العربية في المدارس. والأهم من هذا أن الإقليم بدأ يطور ويسلح وينظم قوات البيشمركه لإعدادها لتكون نواة الجيش الكردي المقبل للدفاع عن الإقليم.

بعد احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003 تعززت فرص الأكراد في توسيع الحكم الذاتي وأصبحوا مكونا أساسيا من قيادات ما بعد عهد صدام حسين. وقام بول بريمر، الحاكم الأمريكي للعراق، بتقسيم العراق طائفيا عندما أنشأ مجلس الحكم العراقي ومنح 13 مقعدا للشيعة و5 للسنة و5 للأكراد ومقعدا للمسيحيين ومقعدا للتركمان. إذن تم تقنين الطائفية مرة وإلى الأبد. لقد استغل الأكراد الوضع الجديد لصالحم تماما فهم يتفقون مع الشيعة في اجتثاث البعث ويتفقون مع السنة في ضرورة تحجيم السيطرة الشيعية على البلاد. وقدم الشيعة لهم تنازلات تاريخية وخاصة في مسألة كركوك لضمان نجاح الاستفتاء على الدستور الجديد في تشرين الأول/أكتوبر 2005 وما يجري الآن هو نتيجة لتلك الاتفاقيات التي منحت الأكراد كل ما يتمنون إلا إعلان الانفصال والذي يبدو أن الوقت قد حان لإعلانه.

يجب أن نفرق بين مفهومين وممارستين: استفتاء طوعي يؤدي إلى الانفصال السلمي وإعلان استقلال الدولة المنفصلة وبين استفتاء لأقلية مضطهدة جاء نتيجة حروب وتمردات وكفاح طويل توج أخيرا بالاستقلال.

ففي الحالة الأولى نشاهد أن مونتينيغرو (الجبل الأسود) اختارت طوعا بموافقة صربيا أن تجرى الاستفتاء عام 2006على الانفصال، فإعلان الاستقلال بطريقة حضارية سلمية لم يورث عداوة أو نزاعات دائمة. وقد قامت اسكوتلندا بالتجربة نفسها عام 2014 إلا أن 55 في المئة من الشعب رفض الانفصال. بينما اتفق الشيك مع السلوفاك عام 1993 على الانفصال الحضاري دون حرب أو عداء.

أما استفتاء اريتريا عن اثيوبيا عام 1992 واستفتاء تيمور الشرقية للانفصال عن أندونيسيا عام 1998 واستفتاء جنوب السودان عن عام 2007 فقد جاءت بعد حروب ومجازر وصراعات مسلحة استمرت عشرات السنين.

على إقليم كردستان قبل إعلان الانفصال فالاستقلال أن يجيب عن الأسئلة التالية والتي تشير إلى مصير الدولة الوليدة قبل اتخاذ قرار الانفصال والذي قد يقود البلاد إما إلى مصير جنوب السودان أو إلى مصير مونتينيغرو:

– هل هناك مقومات اقتصادية لضمان استمرارية الدولة وضمان رفاهية الشعب؟

– هل دول الجوار سـتتـقـبل الدولة الوليدة وتحتضنها وتساعدها على التقدم والرقي؟

– هل الجيش الوطني (البيشمركه) قادر على حماية البلاد في حالة تدخل عسكري من أحد دول الجوار؟

– هل سيتم الاعتراف الدولي بالدولة الوليدة في الأمم المتحدة أم أنها ستبقى خارج دوائر الاعتراف مثل كوسوفو وتايوان وأبخازيا وأوسيتا والقرم؟

– وأخيرا هل سيقبل الشعب العراقي بغالبيته هذا الانفصال ويرى الاستثمارات التي صرفتها الدولة منذ الاستقلال عام 1932 وخاصة في ميدان النفط تطير من يده دون اتفاقية يرضى بها الناس ويتم استفتاء الشعب بكامله حولها؟

نترك الإجابات عن هذه الأسئلة للقائمين على موضوع الاستفتاء متمنين ألا يكون مصير الإقليم كمصير جنوب السودان.

القدس العربي

 

 

 

القوات الكردية إلى ديرالزور: مواجهة مع النظام أو تقاسم؟/ محمد أمين

بدأت تظهر معالم الصراع على محافظة ديرالزور في شرقي سورية بين عدة أطراف تطمح إلى أن تكون “وريثة” لتنظيم “داعش” الذي تنحسر مناطق سيطرته في سورية والعراق، والذي من المتوقع أن يخوض معركته “الأخيرة” في ريف هذه المحافظة. وبدأت قوات النظام المدعومة من روسيا، وقوات أخرى مدعومة من “التحالف الدولي” الزحف باتجاه ديرالزور، في سباق من المرجح أن يتصاعد في الخريف المقبل. لكن ليس من المتوقع أن يؤدي إلى صدام عسكري بين القوتين، على الأقل في المدى المنظور.

وفي الوقت الذي تتقدم فيه قوات النظام من جنوب غربي مدينة ديرالزور، أعلنت القيادة العامة لـ”مجلس دير الزور العسكري” التابع لـ”قوات سورية الديمقراطية”، أمس السبت، انطلاق حملة أطلقت عليها اسم “عاصفة الجزيرة”، موضحةً في بيان أن الحملة “تستهدف تحرير ما تبقى من أراضي الجزيرة السورية، وشرق الفرات من (…) الإرهابيين وتطهير ما تبقى من ريف دير الزورالشرقي”، وفق البيان. وأشارت إلى أن تنظيم “داعش” يحاول “شن الهجمات على مناطق الشدادي والريف الشرقي لديرالزور في محاولة يائسة لرفع معنويات قواته في الرقة”. وأضافت أنه انطلاقاً من ذلك، قرر “مجلس ديرالزور العسكري البدء بهذه الحملة الحاسمة”.

ونقلت وكالة “رويترز” عن “مسؤول كبير” في “قوات سورية الديمقراطية” تأكيده أن هذه القوات المدعومة من “التحالف الدولي” بقيادة الولايات المتحدة “ستعلن عن عملية ضد تنظيم (داعش) في شمال محافظة ديرالزور”، مشيراً إلى أن العملية “تهدف إلى دفع (التنظيم) إلى التقهقر من المناطق الشمالية لديرالزور”. وذكر أن القوات ستطلق الهجوم من جنوب الحسكة الخاضع لسيطرة “سورية الديمقراطية”.

وأكد مصدر مطلع لـ”العربي الجديد” أن هناك حشداً كبيراً، منذ أيام، في منطقة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، مشيراً إلى أن الحشد يضم قوات أميركية، وأخرى تابعة لـ”قوات سورية الديمقراطية”. وأوضح أن الهدف المعلن هو استعادة السيطرة على بلدة مركدة وقرية السعدة ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الحسكة. ومن المتوقع أن يكون لقوات “النخبة السورية” التابعة للرئيس السابق لـ”الائتلاف الوطني السوري”، أحمد الجربا، وتضم مئات المقاتلين من دير الزور، دوراً محورياً في معركة ديرالزور المنتظرة. لكن الناطق باسم هذه القوات، محمد خالد الشاكر، أكد في حديث مع “العربي الجديد” أن “التحالف الدولي لم يبلغ قوات النخبة شيئاً بخصوص المعركة”، مشيراً إلى أن هذه القوات تتمركز في مناطق لا تبعد سوى 20 كيلومتراً عن ديرالزور.

وأعرب الشاكر عن اعتقاده أن التحضيرات الحاصلة “لا تدخل ضمن نطاق معركة ديرالزور”. وأضاف أن “لا معركة حقيقية في ديرالزور قبل أن ينتهي التحالف الدولي من معركة استعادة مدينة الرقة”. وأشار إلى أن الطريق إلى ديرالزور “تمر عبر بلدة مركدة في ريف الحسكة الجنوبي”، مؤكداً أنه “من دون تحرير الأخيرة لا يمكن المضي باتجاه ديرالزور”. ورجح أن هدف الحشود مرحلي وهو “السيطرة على مركدة لتكون نقطة الانطلاق إلى ديرالزور من الجهة الشمالية والوصول إلى نهر الفرات”. وقال الشاكر أن تمركز تنظيم “داعش” الرئيسي ليس داخل مدينة ديرالزور وإنما في ريفها الشرقي بدءاً من هرابش ومروراً بمدينة الميادين، ووصولاً إلى مدينة البوكمال على الحدود مع العراق، والمقابلة لمدينة القائم. وبيّن أن المعركة الحقيقية ستدور في هذا الريف الذي يمتد على مسافة أكثر من 100 كيلومتر، لافتاً إلى أن “مدينة الميادين باتت هي المعقل الرئيسي للتنظيم”.

وقلل الناطق باسم قوات “النخبة السورية”، التابعة للمعارضة، من أهمية تحقيق قوات النظام ومليشيات إيرانية تقدماً باتجاه ديرالزور. واعتبر أنها تقدمت ضمن البادية الخالية من وجود حقيقي للتنظيم، مرجحاً أن يكون ريف ديرالزور الشرقي ضمن نطاق عمليات “التحالف الدولي”، ما يعني أن مهمة السيطرة عليه ستوكل إلى قوات يدعمها “التحالف” من ضمنها قوات “النخبة السورية”. وأشار إلى أن معركة ديرالزور “لها حسابات أخرى تتعلق بدور الفصائل العربية، حسب الوعود الأميركية”.

وبدأت تتجه الأنظار إلى محافظة ديرالزور مع بدء تقدم قوات النظام ومليشيات طائفية باتجاهها منذ عدة أيام انطلاقاً من البادية السورية في خاصرة المدينة الجنوبية الغربية. ولا تزال قوات النظام تحقق تقدماً، إذ أعلنت، أمس السبت، أنها سيطرت على حقل “التيم” النفطي جنوب غربي المدينة، مشيرةً إلى أنها تواصل تقدمها باتجاه منطقة البانوراما على المدخل الجنوبي الغربي لمدينة ديرالزور.

ورجحت مصادر مطلعة في المعارضة السورية، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن تنحصر عمليات قوات النظام جنوبي نهر الفرات الذي يفصل محافظة ديرالزور ريفاً ومدينةً عن الوسط. وذكرت المصادر أنه “لم ترشح معلومات مؤكدة عن حيثيات التفاهم الروسي-الأميركي حيال محافظة ديرالزور، لكن من المرجح ألا يحدث تصادم بين قوات النظام، وقوات سورية الديمقراطية لأن ذلك يعد مدخلاً لقلب كل معادلات الصراع وهذا ما لا تتحمله موسكو وواشنطن”، وفق تعبير المصادر. وليس من المتوقع أن يحدث صدام عسكري بين “قوات سورية الديمقراطية” التي تشكل الوحدات الكردية ثقلها الرئيسي، وبين قوات نظام بشار الأسد في المدى المنظور، خاصةً أن تفاهمات روسية-أميركية رسمت حدود السيطرة بين الجانبين، لا سيما في الرقة وديرالزور.

ومن المتوقع أن تكون معركة ديرالزور “شرسة”، إذ يدافع “داعش” عن معاقله الأخيرة، وهو ما يؤجل المواجهة بين النظام والفصيل الكردي. ويضع الطرفان ثقلهما في محاربة التنظيم الذي من غير المستبعد أن يسعى للتسبب بمواجهة بين قوات النظام والأكراد، من خلال الانسحاب من بعض المواقع لصالح طرف على حساب آخر.

وفضّلت مصادر في “سورية الديمقراطية” عدم التعليق على احتمالات المواجهة مع قوات النظام في ديرالزور. لكن مصادر مقربة من قيادة حزب “الاتحاد الديمقراطي” (الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني) أشارت في حديث مع “العربي الجديد” إلى أنه من الواضح أن تفاهماً روسياً أميركياً ينص على إطلاق يد قوات النظام جنوب نهر الفرات، و”قوات سورية الديمقراطية” شماله، مستبعدةً حدوث مواجهة بين القوتين في ديرالزور. وأشارت إلى أن أي محاولة من النظام للاعتداء على “سورية الديمقراطية” ستواجه بغضب أميركي، كما حدث في مدينة الطبقة منذ أشهر، وفق المصادر.

وتعد محافظة ديرالزور ثاني أكبر المحافظات من حيث المساحة، إذ تبلغ أكثر من 30 ألف كيلومتر مربع، كما أنها تكتسب أهمية استثنائية كونها تحتضن ثروة نفطية هائلة، خاصةً في ريفها الشرقي مترامي الأطراف، فضلاً عن كونها تعد امتداداً جغرافياً لمحافظة الأنبار غربي العراق، وهو ما يكسبها أهمية استثنائية في سياق الحرب على تنظيم “داعش”.

من جانبه، أكد القيادي في فصيل “مغاوير الثورة” التابع للمعارضة السورية، محمود الصالح، أن الفصيل، الذي يضم مقاتلين من ديرالزور، “غير معني بتحرك قوات سورية الديمقراطية” باتجاه ديرالزور. وقال لـ”العربي الجديد”: “نحن لا ننسق مع قوات سورية الديمقراطية، وغير موافقين على العمل تحت قيادتها حتى هذه اللحظة”. وأوضح أن فصيله ليس لديه أي قوات في منطقة الشدادي، كاشفاً عن أن هناك خطة تحرك للفصيل باتجاه ديرالزور “في الأيام القريبة المقبلة”. ورفض الخوض في التفاصيل، أو محور التحرك، مكتفياً بالقول إنه “سيتم رفد المشروع بعناصر جدد للعمل على تحرير ديرالزور”. ويتخذ فصيل “مغاوير الثورة” من منطقة التنف على الحدود السورية-العراقية، مكان تمركزه تحت حماية “التحالف الدولي” بقيادة واشنطن، ومن المرجح أن تكون مهمته استعادة مدينة البوكمال الواقعة شرقي ديرالزور بأكثر من مائة كيلومتر، وتعد من معاقل تنظيم “داعش” البارزة.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...