الرئيسية / صفحات مميزة / عن التدخل الروسي في سورية –مجموعة مقالات-

عن التدخل الروسي في سورية –مجموعة مقالات-

 

التحرّر من قواعد اللعبة الروسية/ غازي دحمان

سوف تخسر المعارضة السورية الكثير إذا استمرت في السير خلف قواعد اللعبة التي صنعتها روسيا. لن يطول الوقت كثيراً، قبل أن يجدوا أنفسهم، وقد تكيفوا مع تلك القواعد، ووجدوا أنفسهم في مكان آخر غير الذي أرادته الثورة السورية. والسؤال: إذا كانت الثورة السورية ستنتهي بالتكيّف، فلماذا لا تختار بنفسها نمط التكيف وشكله؟ ولماذا تستبعد المعارضة خيار مواجهة روسيا مباشرةً على الأرض السورية، باستهداف أصولها وقواعدها العسكرية؟

ربما يعتبر بعضهم أن الدعوة لمواجهة روسيا محض تخريجات طفوليةٍ غير واعية لما تنطوي عليه من مخاطر، فإذا كانت الثورة لم تواجه روسيا، وأصابها ما أصابها، فما الذي سيحصل في حال قرّرت إعلان الحرب على روسيا؟ ربما ليس أفضل طريقة للرد على مثل هذه الآراء سوى مقولة مؤسس موقع فيسبوك، مارك زوكيربيرغ، “أكبر مخاطرة تكمنُ في محاولة تجنب المخاطرة. ففي عالمٍ يتغيّر بسرعة، تتمثل الاستراتيجية الوحيدة المحكومة بالفشل في عدم القيام بأي مخاطرة”.

لم يعد الأمر بحاجة لمزيد من التحليلات والتقديرات لتقييم السياسات الروسية في سورية، بعد حربٍ عسكريةٍ شرسةٍ، تشنها منذ ثمانية أشهر، من دون توقف، وحرب دبلوماسية وإعلامية تخوضها روسيا ليل نهار تستخدم فيها كل خبرتها في التزوير، بقصد تشويه ثورة الشعب السوري، بل حتى ملاحقة المنكوبين المهجرين في أوروبا وتشويه حتى الضحايا، من أطفال ونساء، وتجريمهم. بعد ذلك كله، هل تركت روسيا مجالاً للشك بأنها جاءت إلى سورية لاستكمال تنفيذ ما عجز عنه بشار الأسد وخامنئي وحسن نصر الله من السياسات القائمة على الإبادة والإخضاع والتطهير الديمغرافي؟

لم تعلن روسيا، منذ لحظة قدومها إلى سورية، ما من شأنه طمأنة الثورة وشعبها. على العكس، كانت أهدافها العلنية مجرد خطة حربٍ ضد أكثرية الشعب السوري، المحافظة على نظام الأسد، تدعيم مؤسساته التي أنتجت الخراب والقتل، سحق الإرهابيين الذين هم كل معارض لنظام الأسد، ومنع وصول المساعدات للثوار والمجتمعات المحلية للدفاع عن أنفسهم، وتغطية جرائم المليشيات الطائفية القادمة من العراق ولبنان، وتشريع آلة القتل الإيرانية”. فقط الثوار، والدول التي تسمي أنفسها داعمةً لهم، هم من توهموا أنه قد تكون لروسيا أهداف أخرى، مثل تحجيم النفوذ الإيراني، أو ضبط سلوك بشار الأسد، وصولا إلى عزله عن سلطة القرار، صنعوا لروسيا أهدافاً لا تسمح لها طبيعة سياستها وطريقة تفكير صناع السياسة فيها بالاقتراب منها أو مقاربتها.

الأدهى من ذلك كله أن الاستمرار في السير وراء قواعد اللعبة التي صنعتها روسيا لن يسفر

“مواجهة الثوار روسيا مكلفة، لكنها الممكن الوحيد، والرهان الذي يستحق الخوض فيه” عنه سوى زيادة الشقاق والتباعد بين مختلف مكونات الثورة العسكرية والسياسية، بل إن المخطط الروسي المعلن هو صناعة بدائل كاملة للأجندة الثورية، ولن يتطلب مثل هذا الأمر وقتاً كبيراً، بدليل نموذج معارضة حميميم التي صدّرتها موسكو، وتطالب بدمجها في هيئة التفاوض، وكذلك بعض التشكيلات العسكرية التي بدأت بالعمل معها على الأرض.

أثبتت الحملة على حلب أخيراً، والتي قامت بتخطيط وقيادة روسيين، أن الخطة تقوم على تدمير البنى التحتية للثورة على مراحل، تشمل تدمير مرتكزات القوة لدى الثوار، من عتاد وكوادر وطرق إمداد، وتحطيم البنى التشغيلية لبيئة الثوار، من مستشفياتٍ ومخابز، وتفريغ البيئات الحاضنة، وفق خطةٍ ممرحلةٍ، تجري كل فترة، وكلما وجدت أن المفاوضين لم يستسلموا بعد، وما زال سقف مطالبهم أعلى من تصوّر روسيا للحل. الأمر إذاً لن يستغرق عدداً من الجولات وفق هذه النمطية، وهو يندرج في إطار الصبر الاستراتيجي، وتراكم المتغيرات.

أخطأ الثوار كثيراً يوم لم يعطوا للتدخل الروسي حقه، يوم لم يتكيّفوا مع هذا المتغير، ويتعاطوا معه بجدية، وانتظروا، بدل ذلك، أن تهبّ الأقدار برياحٍ تزعزع القوة الروسية، أو أن يأتي العون من الخارج كما يشتهون. كان الأجدر بهم تغيير هياكل منظومتهم العسكرية، وتغيير أساليبهم في المواجهة والقتال، واجتراح طريقةٍ لمواجهة القوة الروسية، ولم ينتج عن استمرارهم في المماطلة وسياسة الانتظار سوى تضييق خياراتهم إلى أبعد مدى، وهم لو انتظروا أكثر، سيجدون أنفسهم بلا فاعليةٍ، ولا قدرة لديهم، للتأثير بمجريات الأحداث.

الأكيد أن مواجهة روسيا أمر مكلف، وله أثمان عالية، في وقت وصلت فيه الثورة إلى حد الإرهاق والتعب، بعد مواجهةٍ مديدة مع نظام الأسد، ثم إيران وأذرعها، لكن عدم مواجهتها يعني خسارة كل شيء، ولا توجد رهاناتٌ أخرى، يمكن الركون لها، لا القوى الدولية، ممثلة بأميركا وأوروبا، لديها استعداد للانخراط في حربٍ خطيرةٍ ضد روسيا، ولا القوى الإقليمية يمكن أن تجازف، في ظل هذا الوضع الدولي المتغير في مواجهة روسيا، والعكس صحيح، بمعنى أن استمرار الرهان على الخارج بات أحد مصادر التهديد الخطيرة على الثورة السورية، انطلاقاً من حقيقة أن للخارج حساباته المختلفة، ويملك قدرةً على التكيف مع المتغيرات، ومهما تكن خسائره في ذلك، تبقى أقل بكثير من خسائر الشعب السوري الذي سيبقى يعاني، وحده، من استمرار سلطة الأسد، بدعم من روسيا وإيران.

مواجهة الثوار روسيا مكلفة، لكنها الممكن الوحيد، والرهان الذي يستحق الخوض فيه، وهذه مهمة القادة الميدانيين بالدرجة الأولى، إعادة خلط أوراق الصراع والخروج من قواعد اللعبة الروسية ربما يحرّر داعمين كثيرين، ويفتح الأفق أمامهم لإيجاد الطرق لدعم الثوار. من هنا البداية.

العربي الجديد

 

 

 

المجازر السورية ورمادية واشنطن وموسكو/ وليد شقير

تستمر روسيا والولايات المتحدة الأميركية في التأرجح بين تثبيت الهدنة في سورية وبين تغطية خرقها من جانب النظام السوري. وكلما بلغت المجازر التي يرتكبها بدم بارد، في ريف حلب وحماة وريف دمشق، تستبقان ارتفاع الأصوات الأوروبية والعربية، بالعودة إلى «بلفة» تثبيت الهدنة وتوسيعها، مع زرع أسباب خرقها عبر دعوة المعارضة إلى التمايز عن «جبهة النصرة»، فتستفيد موسكو من تداخل مواقع التنظيمات المعتدلة مع مواقع «النصرة»، لتبرير اندفاع بشار الأسد والقوات الإيرانية نحو «الانتصار».

هكذا فعلت الدولتان العظميان حين أصدرتا بيانهما المشترك عن تثبيت الهدنة ليل الأحد الماضي، لاستباق اجتماع باريس الاثنين، للبحث في تقديم المساعدة للمعارضة السورية في وجه مشاهد الإبادة التي ميزت خروق الهدنة من النظام، وللقوطبة على اجتماع «أصدقاء سورية» الـ17 في باريس الثلثاء المقبل. الهدف هو الحؤول دون الرد بتمرير الأسلحة النوعية التي ظهرت منها صواريخ «تاو» في يد المعارضة قبل أيام، رداً على مجازر النظام، ما أتاح إنزال خسائر بدباباته وبمقاتلي الجيش الإيراني في ريف حلب وحماة.

تلجأ موسكو إلى واشنطن لإعادة إحياء المفاوضات السياسية بعد أن أجازت التصعيد الهمجي للنظام خلال الأسابيع الماضية، من أجل لجم مواقف من نوع الذي أدلى به وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أول من أمس، حين قال أن «الأسلحة التي تم تزويد المعارضة بها أكثر فتكاً وقوة من تلك التي تم تزويدهم بها من قبل»…

في الشكل تتسم محطات التوافق الأميركي الروسي بالرمادية. تارة تضغط كل منهما على الحلفاء من أجل الحل السياسي السوري، وأخرى تتيحان لهم التصعيد الميداني، وإن كانت موسكو تجنح أكثر من شريكتها إلى تنسيق هذا التصعيد مع هؤلاء الحلفاء وسط غض نظر من إدارة باراك أوباما.

وتحت سقف «التعاون» بينهما، لا يمكن عزل الموقف الروسي في سورية عن عاملين جوهريين:

– الأول هو غضب موسكو من مواصلة الإدارة الأميركية تقليم أظافر نفوذها في أوروبا عبر توسع الحلف الأطلسي في شرق القارة قريباً من حدود القيصر، وآخرها بالأمس نشر المنظومة الأميركية المضادة للصواريخ في رومانيا، الذي اعتبره الكرملين «بحد ذاته تهديداً لأمن روسيا»، فيما برره الأميركيون بأنه لحماية أوروبا من احتمال تهديد الصواريخ البالستية الإيرانية.

– الثاني هو أن اللعبة باتت مكشوفة بالنسبة إلى الاستراتيجية الإيرانية في ما يخص الدور الإقليمي. وإذا كان لا لبس في تصميم طهران على فعل ما يلزم لتثبيت الأسد، وضمان خط نفوذها الممتد من طهران إلى شواطئ بيروت، فإنها في المقابل لم تعد مطمئنة إلى ما أشيع عن «انبهار» أوباما بنجاحها في تحقيق المكاسب خلال عقود، إلى درجة دعوته دول الخليج العربي إلى «تقاسم النفوذ مع طهران في المنطقة». وواشنطن لا تسخر تأثيرها على «حلفائها السابقين»، من أجل منعهم من التصدي لنفوذ إيران، في الخليج واليمن وسورية… ومثلما أنها لا تشتغل عند دول الخليج ولمصلحتهم بل لمصالحها، كما يقول الأمين العام لـ»حزب الله» السيد حسن نصر الله، فإنه من باب أولى، ألا تعمل عند إيران أيضاً، وهي تكتفي بإدارة النزاعات بين الفريقين، في الميادين كافة لوضع سقف لها، إذا عجزت عن حلها.

ما كانت تأمله طهران من إشراكها في الحل في سورية بعد دعوتها إلى اجتماعات فيينا آخر العام الماضي ومطلع الحالي، ما لبث أن تلاشى، بحكم انفراد موسكو مع واشنطن في إدارة الملف، أو باضطرار الأخيرة لاستدراك عثرات الحل باجتماعات مع الدول الأوروبية والعربية وتركيا… من دون إيران. وهو ما دفعها إلى تكبد أكلاف التدخل المباشر لجيشها، وإلى تخلي الرئيس حسن روحاني عن صورته كساع إلى التصالح مع المجتمع الدولي، بامتداحه تدخل «الحرس الثوري» في بلاد الشام و «بسالة الجنرال قاسم سليماني»، مهندس التمدد الإقليمي. وبدا روحاني منخرطاً بما يسميه مستشار المرشد، الجنرال رحيم صفوي استراتيجية بلاده على مدى 20 سنة مقبلة، لتمكين «حزب الله» من أن يكون الأقوى في لبنان، في إطار الجغرافيا السياسية الإقليمية. وهو ما يفسر انقلاب الحوثيين على كل اتفاق يحصل في محادثات الكويت.

هنا أيضاً تتمخض رمادية السلوك الأميركي تارة عن مراعاة مطلب طهران وموسكو بقاء الأسد، وأخرى عن مراعاة مصالح دول الخليج في دعم المعارضة، وعن التمسك بالعقوبات على ايران لتوسع نشاطها الإقليمي، ثم إبلاغ المصارف الغربية أن لا عواقب لتعاملها معها… وكذلك رمادية موسكو التي تتذمر أحياناً من «الحليف الصعب» وتطلق العنان في أخرى لجموحه العسكري. والشعب السوري ضحية اللعبة.

الحياة

 

 

 

 

كيري – لافروف والشهور الصعبة في النزاع السوري/ د. خطار أبودياب

يعيش النزاع السوري منذ ثلاث سنوات على وقع تحرك الثنائي جون كيري – سيرجي لافروف، مع تفاقم المأساة والمعارك متعددة القطب والمناورات من كل نوع. وبالرغم من بروز نوع جديد من الحرب الباردة بين واشنطن وموسكو، لم يتأثر التفاعل والعمل المشترك بين لافروف وكيري في مسارات الأزمة السورية، فهل تكون الأشهر الأخيرة من ولاية باراك أوباما أي من وجود كيري على رأس الدبلوماسية الأميركية، الفرصة الذهبية لموسكو من أجل إخراج حل يتلاءم مع استراتيجية فلاديمير بوتين، أم هل ستكون فعليا مرحلة الشهور الصعبة خاصة على ضوء اعتراف جون كيري، نفسه، بـ“أن الحرب في سوريا باتت خارجة عن السيطرة؟”.

مما لا شك فيه أن اختلال التوازن الدولي في “اللعبة” السورية وشراسة المواجهة الإقليمية والداخلية، لا ينبئان بحصول اختراقات إيجابية في منطقة تحولت إلى ما يشبه البركان، وتشكل فيها الحالة السورية الحلقة المركزية لعدة حروب في حرب، يتصورها البعض فرصة لإعادة رسم النظام الدولي أو إعادة تركيب الإقليم، لكن بعد قرن من الزمن على اتفاقية سايكس – بيكو الإنكليزية – الفرنسية (بعد استثناء سيرجي سازانوف القيصري الروسي)، لا يبدو أن ردة الفعل الروسية والانخراط البوتيني، في مقابل تنصل أوباما وسعي كيري الشخصي، سيسفران عن التوصل في العام 2016 إلى توافق أو تسوية أو اتفاقية “لافروف – كيري”، وعلى الأرجح سيتطلب حل النزاع السوري انتظار الإدارة الأميركية الجديدة وتصحيح الخلل في التوازنات الإقليمية والدولية.

ستة أشهر تفصل ما بين 14 نوفمبر 2015، موعد آخر اجتماع في فيينا أطلق مسار جنيف، و17 مايو 2016 موعد اجتماع مجموعة دعم سوريا لبحث مستقبل الحل السياسي. كانت هذه المرحلة محتدمة عسكريا وسياسيا، وحفلت بإصدار القرار الدولي 2254 (الذي أصبح مرجعية لمسار الحل السياسي السوري إلى جانب وثيقة جنيف 1)، وعدم قدرة التدخل الروسي على إحداث تغيير جذري لصالح النظام السوري، وفشل جولات التفاوض في جنيف.

بالرغم من عدم صمود هدنة وقف الأعمال العدائية (27 فبراير 2016)، ومعارك حلب ومحيطها التي أرادها المحور الإيراني – الأسدي تقريرية وحاسمة وفشل حتى الآن في ذلك، أتى الإعلان عن موعد فيينا 3 في الأسبوع القادم، لينعش الأمل بإحياء الجولة المقبلة من مسار جنيف 3 قبل بداية يونيو المقبل وفق تصور مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا (أو خلال الشهر القادم) وذلك على خلفية إصرار كيري ولافروف على رعاية المسار والجهد الاستثنائي المشترك عبر “مركز مراقبة الهدنة في جنيف” (غرفة مشتركة أميركية – روسية تسجل حالة نادرة في العلاقات الثنائية)، ومع أن هذا التعاون يدلل على تسليم أميركي بالدور الروسي الأساسي، لكنه يشكل عنصر ضعف بحد ذاته، لأن موسكو تلعب دور الخصم والحكم في آن معا.

من غرائب وعجائب الأمور في زمن الاضطراب الاستراتيجي أن تختلف واشنطن وموسكو في كل مكان تقريبا (النزاع الأوكراني والعقوبات ضد روسيا، ومنظومة الدرع الصاروخية في أوروبا والتي تم تدشينها في رومانيا، والتهديدات الروسية لدول الجوار كما جرى أخيرا عندما هدد لافروف السويد التي تود التقارب مع الناتو، وتمدد حلف شمال الأطلسي نحو حدود روسيا، والتوتر فوق البلطيق وفي البحر الأسود، والرفض الروسي لإدانة تجارب صواريخ أميركا الشمالية، وسباق التسلح الذي يهدد معاهدة 1987 حول الأسلحة الإستراتيجية النووية) إلا في سوريا.

وبرز “الغزل” مع صدور البيان الروسي – الأميركي، يوم التاسع من مايو الجاري، قبل قليل من اجتماع باريس لنواة ما كان يسمى مجموعة “أصدقاء الشعب السوري” (وزراء خارجية وممثلو 10 دول، هي فرنسا وبريطانيا وألمانيا والسعودية والأردن وتركيا والإمارات وقطر والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) في مسعى واضح لقطع الطريق على موقف أوروبي مفترض إلى جانب الهيئة العليا للمفاوضات الممثلة للمعارضة السورية ومطالبها قبل العودة إلى جنيف.

ومن دون شك لا ينظر كيري ولافروف بعين الرضى إلى تفاهمات أوروبية – خليجية تكسر الثنائية الأميركية – الروسية بشأن الملف السوري. وهكذا أتى حضور كيري الاجتماع لينتزع بقاء الأطراف “الحليفة” تحت السقف الأميركي ولكي تكتفي بسرد مطالب حول الهدنة وفك الحصار والدعوة إلى استئناف الحوار.

ربما يراهن كيري ولافروف على استنزاف إيران والقوى الإقليمية الأخرى على الساحة السورية لفرض سيناريو الحل وفق تصور موسكو مع مراعاة مصالح وهواجس واشنطن

وهذا يعني أن مسعى باريس لمجابهة التفرد الأميركي – الروسي ومخاطر “التنازل الأميركي خلال الشهور القادمة” لم يفلح تماما، لكنه شكل على الأقل رافعة لتحسين الموقف الأميركي في “اللعبة” مع موسكو، والتحضير للحد الأدنى المقبول في اجتماع فيينا وقبل استئناف جولة جديدة من الحوار السوري في جنيف. بيد أن المعنى الأعمق للبيان الأميركي – الروسي يكمن في استمرار رهان موسكو على إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما “اللينة”، وتفادي استمرار المجابهة في سوريا مع ما تنطوي عليه من استنزاف (حاولت موسكو الحد منها عبر إعادة الانتشار في بدايات آذار الماضي).

يتباهى بوتين بتقنيات أسلحته ويقول إن “القوات الجوية والبحرية الروسية برهنت على قدراتها”، وساعدت القوات السورية (الأسدية) على تحرير 500 بلدة، لكنه يستدرك ويعود ليراهن في العمق على أن “يثمر التعاون الروسي – الأميركي عن تغييرات جوهرية، وخلق الظروف المناسبة لتحقيق التسوية السياسية”. وهذا يعني أن إستراتيجية موسكو المتماسكة بحاجة أيضا للغطاء الأميركي. وهنا مكمن العلة في انعدام التوازن في الرؤى والإستراتيجيات. إذ أنه في مقابل رؤية روسية واضحة للدفاع عن النظام السوري وإعادة إنتاجه في سياق توازن إقليمي يكرس موسكو لاعبا دوليا أساسيا في الشرق الأوسط، نلاحظ عدم وجود إستراتيجية أميركية بسبب تنصل أوباما العملي، وممارسته التسويف والضغوط على القوى المناهضة لبشار الأسد داخليا وإقليميا.

ولهذامهما كان تطور الأوضاع الميدانية ونتائج اجتماع فيينا القادم، أصبحت الدول الحليفة للمعارضة السورية على محك الاختبار حتى لا تدفع ثمن التسويف والتنصل الأميركيين، والمراوغة الروسية والهجوم الإيراني.

ضمن هذه الأجواء الممهدة للشهور الصعبة يتميز دور جون كيري (السياسي المخضرم والمرشح السابق للرئاسيات الأميركية) عن موقف أوباما. إنه يحاول الإثبات أن له هيبة دولية وهو يحاول الحفاظ على سمعة واشنطن وصورتها، لكن الوقائع لا تمنحه كل الصدقية لأن الإيهام في ترتيب الحلول يترافق مع المزيد من الاستهتار في الدم السوري. ربما يراهن كيري ولافروف على استنزاف إيران والقوى الإقليمية الأخرى على الساحة السورية لفرض سيناريو الحل وفق تصور موسكو مع مراعاة مصالح وهواجس واشنطن، لكن هذه اللعبة “الماكيافيلية” والرقص على الركام السوري، يشيان أيضا بأن النزاع السوري له دوما وظيفته الجيو سياسية، وأن آفاق حله غير واضحة على المدى المنظور.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس

العرب

 

 

 

من رومانيا الى… حلب/ محمد ابرهيم

المباشرة بنشر الدرع الصاروخية الأميركية في رومانيا كجزء من الشبكة التي ستمتد من البلطيق الى المتوسط أدخل العلاقات الأميركية – الروسية في مرحلة جديدة تطرح تساؤلات حول أثرها على المساعي المشتركة لوضع حد للحرب السورية.

لا شك في ان الهدف المعلن للدرع، وهو التصدي لتنامي القدرات الصاروخية الإيرانية، لا يغطي كل مفاعيلها المنتظرة. فالدرع قادرة تقنيا على التصدي للصواريخ الروسية كالإيرانية، وتوجيهها رهن بالقرار السياسي. وعلى مستوى الحسابات الاستراتيجية لا قيمة كبيرة للنيات المعلنة ولا للتوازنات الظرفية العابرة. فروسيا مضطرة لأن تأخذ في الاعتبار ضرورة تطوير ترسانتها بما يواجه الطاقات الأميركية – الأطلسية الجديدة.

هذا يفتح ملفا قديما في العلاقات الأميركية – الروسية يعود الى الحقبة السوفياتية ، حيث كان سباق التسلح الباهظ الكلفة أحد العوامل الرئيسة في التآكل الاقتصادي الداخلي الذي ادى في نهاية المطاف الى انهيار الاتحاد السوفياتي. وبالنظر الى طموحات الرئيس الروسي الإقليمية والدولية يمكن اعتبار ان المضي قدما في نشر الدرع الصاروخية هو استعادة للسيناريو القديم، مع روسيا هذه المرة، وهي التي تعاني من ضعف اقتصادي قديم جديد.

ومع استمرار الملف الأوكراني مفتوحا على امكان استئناف المواجهة الروسية – الأطلسية يصبح السؤال ملحا حول التغييرات الممكنة في التعاطي الروسي مع الأزمة السورية. فهنا يمتلك الرئيس الروسي القدرة على إحراج الإدارة الأميركية، في أشهرها الأخيرة، وتكريس صورة فشل الرئيس الأميركي في الشرق الأوسط. كذلك فإن الضوء الأخضر الروسي لقوات النظام السوري وحلفائه لانجاز معركة حلب وتأمين غطائها الجوي سيغذي الملف المتوتر أصلا في العلاقة بين واشنطن وحلفائها الإقليميين.

حتى الآن بدا وكأن موسكو وواشنطن تتبادلان العون في تسهيل علاقة كل منهما بحلفائه. وكانت التصريحات الروسية الملتبسة حول مستقبل الأسد، تقابلها تصريحات اميركية في انتقاد حلفاء واشنطن، وطرق خوضهم معركة سوريا. ومع ان وقف النار بحد ذاته لا يكفل، ضمن التوازنات العسكرية الراهنة، ان تنجح مساعي التسوية، إلا انه الشرط الضروري ليبدو الرئيس الأميركي وكأنه حقق على الأقل تجميد الأوضاع في سوريا قبل مغادرته.

لذلك إذا تبينت صحة المعلومات الرائجة حول قرب احتدام معركة حلب، ومع اتضاح ان الطاقة العسكرية الروسية الباقية في سوريا اكثر من قادرة على ترجيح الكفة فيها، فإن موسكو تكون قد اختارت سوريا، لا أوكرانيا، للرد على ما تعتبره محاولة خنق اقتصادية، يتبين من خلال سيرة أوباما الرئيس انها كانت وسيلته للتعويض عن قراره الثابت باستبعاد التورط العسكري الأميركي المباشر.

النهار

 

 

 

 

بين الأطلسي وروسيا/ مصطفى زين

ما زالت روسيا، بعد أكثر من ربع قرن على تفكك الاتحاد السوفياتي، تحن إلى ذلك العهد عندما كانت قوة عظمى. وما زال الأطلسي يحاول تطويقها عسكرياً وسياسياً، سواء كان ذلك في مجالها الحيوي المباشر، أي دول البلطيق، وأوروبا الشرقية التي كانت تشكل بقيادتها ما عرف بحلف وارسو، أو في آسيا الوسطى والقوقاز. وذلك من خلال توسيع الحلف، إما بضم هذه الدول إليه وتسليحها ووضعها تحت حمايته، أو توسيعه بطريقة غير مباشرة من خلال نشر قواعد أميركية أو فرنسية أو بريطانية في الشرق الأوسط، خصوصاً في الخليج العربي. ولا ننسى أيضاً أن تركيا، وهي القوة العسكرية الثانية في الحلف، بعد الولايات المتحدة، تشكل الجبهة الأمامية في مواجهة موسكو.

تطويق روسيا استراتيجية قديمة جديدة للأطلسي تتخذ أشكالاً مختلفة، فمرة يشعل الثورات الملونة في عقر دارها، مثلما حصل في أوكرانيا، ومرة ينظم مناورات ضخمة في جورجيا، وينشر دروعاً صاروخية عند حدودها، مثلما يفعل الآن في رومانيا. وزيادة في التحدي اختار قاعدة سوفياتية لنشر هذه الدرع. لكنه في الوقت نفسه حاول تهدئة الغضب الروسي بتصريحات لا تقنع طفلاً صغيراً فكيف بفلاديمير بوتين الذي يعتبر نفسه لاعباً استراتيجياً ويدعو إلى الثنائية في قيادة العالم. خلال تدشين الدرع الصاروخية في رومانيا، قال مساعد وزير الدفاع الأميركي روبرت وورك: «ما دامت إيران تواصل تطوير صواريخ باليستية، وتنشرها فستستمر الولايات المتحدة تعمل مع حلفائها للدفاع عن الأطلسي». أما الأمين العام للحلف يانيس شتولتنبيرغ فأكد أن النظام الصاروخي «يعزز قدرة الدفاع لدى الحلفاء الأوروبيين في مواجهة صواريخ تنطلق من خارج المنطقة الأطلسية، خصوصاً من الشرق الأوسط». ودعا موسكو إلى عدم القلق لأن «الموقع في رومانيا مثل ذاك الذي سيقام في بولندا ليس موجهاً ضدها».

يتساءل الروس: هل تستطيع إيران التي تطوقها القواعد الأميركية والدول المعادية لها في أذربيجان وتركيا وباكستان والخليج أن تطلق صواريخ باليستية في اتجاه أوروبا؟ ثم ماذا عن الاتفاق النووي مع طهران، هل هو مجرد حبر على ورق؟ ألا ينص على مراقبة المواقع العسكرية الإيرانية؟ ألا يستطيع الأطلسي رصد تحركاتها والرد عليها قبل أن تطلق صاروخاً واحداً؟ ثم هل إيران تخطط فعلاً لحرب عالمية؟

هذه هي الحرب الباردة بين روسيا والأطلسي بكل تجلياتها القديمة المعروفة، ومتغيراتها الحديثة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى. أما نحن، خصوصاً في المشرق العربي، فأدواتها ووقودها المشتعل منذ عشر سنوات أو أكثر. نحرق بلداننا وندمر أنفسنا.

الحياة

 

 

 

روسيا: رغبة توسعية تصطدم بقدرات محدودة/ سلام السعدي

جاء التوسع العسكري الروسي في كل من شبه جزيرة القرم وسوريا في سياق توسع أكبر، تضمن العمل على تأسيس قواعد عسكرية في عدة بلدان منها فيتنام، وكوبا، وفنزويلا، ونيكاراغوا، وسنغافورة وبيلاروسيا، لكن السؤال يبقى قائما حول حدود ذلك التوسع، والآفاق التي يمكن أن تذهب إليها موسكو ضمن قدراتها العسكرية والاقتصادية الحالية التي تبدو متنامية، ولكنها لا تزال متواضعة إلى حد كبير.

مع انتصار الثورة البلشفية في العام 1917 تحولت روسيا إلى موقع الدفاع لفترة طويلة. واستمر ذلك حتى انطفأت نيران الحرب العالمية الثانية، التي تلتها فترة توسع عسكري، في محيطها بشكل رئيسي، مع تعزيز نفوذها السياسي في الشرق الأوسط وآسيا بدعمها لأنظمة حليفة لها، وقد بلغت سياسات التوسع العسكري تلك مداها بغزو أفغانستان. ساعدت هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان في تفككه وسقوطه، لتتحول روسيا بعد ذلك إلى دولة غير متماسكة، تنهشها الصراعات الداخلية التي نشأت من رحم الدولة المنهارة، وعادت مجددا إلى موقع الدفاع.

ومنذ استلام الرجل القوي، فلاديمير بوتين، لمقاليد السلطة في روسيا وهو يعمل على إعادة التماسك للدولة الهشة، والخروج من حالة التقوقع والدفاع إلى حالة التوسع. برز ذلك بوضوح في صراعات العامين الماضيين التي خاضها بوتين في أوكرانيا وسوريا باندفاع واضح يتجاهل بشكل كبير قدرات روسيا التي لا تزال محدودة.

على المستوى الاقتصادي يبدو التباين واضحا بين القوة الكبرى، الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا. ففي حين تهيمن الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي وتصنف كصاحبة أكبر اقتصاد في العالم، تأتي روسيا في المرتبة العاشرة.

على المستوى العسكري، تعمل موسكو على الانتهاء من مشروع تطوير ترسانة أسلحتها بحلول العام 2020. وهو مشروع ضخم يشير إلى رغبتها الكبيرة في استعادة قوتها العسكرية المرعبة التي برزت في زمن الاتحاد السوفييتي. ورغم أن مشروع التحديث سيضيف إلى القوة العسكرية الروسية 600 طائرة حربية، و1100 مروحية، و100 سفينة حربية، و24 غواصة حربية، و2300 دبابة، بتكلفة تقدر بنحو 285 مليار دولار، إلا أن الهوة التي تفصله عن القدرات العسكرية في عهد الاتحاد السوفييتي لا تزال شاسعة.

السؤال يبقى قائما حول حدود التوسع الروسي، والآفاق التي يمكن أن تذهب إليها موسكو ضمن قدراتها العسكرية والاقتصادية الحالية التي تبدو متنامية، ولكنها لا تزال متواضعة

استطاع الاتحاد السوفييتي حشد جيش جرار يقدر تعداده بنحو 5 ملايين جندي، أما روسيا الحالية فبالكاد يصل تعداد جنود جيشها إلى 800 ألف. كما يقل لديها عدد المقاتلين المدربين تدريبا استثنائيا لخوض المعارك بسبب اعتمادها على التجنيد الإجباري، وذلك بخلاف الولايات المتحدة الأميركية التي يضم جيشها جنودا محترفين.

تشبه روسيا من ناحية نظام التجنيد الإجباري الكثير من دول العالم الثالث، حيث يختلق الشباب أعذارا مختلفة ليتهربوا من الخدمة العسكرية. تشير التقديرات إلى أن نصف عدد الشباب الروسي المطلوب للخدمة الإلزامية نجح في التهرب منها بطرق مختلفة منها دفع الرشوة.

مع ذلك، يبقى تعداد القوات الروسية والمقدر بنحو 800 ألف جندي ضخما جدا، ويتخطى بمراحل تعداد القوى المسلحة في أي دولة أوروبية. كما يحاول الجيش الروسي التحول إلى قوة تضم جنودا محترفين بصورة تامة والتخلص من التجنيد الإلزامي، لكن، وبسبب المصاعب المالية والديمغرافية، يبقى هذا الهدف بعيد المنال في الأمد المنظور.

هكذا، يبقى التوسع العسكري الروسي مقيدا بقدراتها المتواضعة ولكنه مستمر بشكل يبدو كأنه يعاند الواقع وذلك بسبب عاملين رئيسيين.

الأول هو القيادة الجديدة نسبيا لروسيا مع فلاديمير بوتين والذي يتمتع بشخصية مهيمنة ويبدو عاقدا العزم على إخراج روسيا من حالة الضعف والحياد التي ألمت بها ليضعها في موقع قيادي على مستوى العالم. ويبدو أنه نجح إلى حد ما في ذلك.

العامل الثاني هو معضلة تواجد قوات حلف شمال الأطلسي، وبشكل خاص القوات الأميركية، على حدود روسيا في دول أوروبا الشرقية. وفي حين تواصل تلك القوات تعزيز وجودها، لا تملك موسكو سوى الشكوى لأن أي فعل عسكري قد يقود إلى حرب عالمية.

وبسبب ذلك، تبدو روسيا في حالة ارتباك، إذ شهد الشهر الماضي عدة حوادث كانت عبارة عن محاولات يائسة من جانب موسكو لمواجهة تمدد نفوذ حلف شمال الأطلسي على حدودها. الحادثة الأبرز كانت تحليق طائرتين عسكريتين روسيتين بـ“صورة عدائية” قـرب مدمرة بحريـة أميركية في بحر البطليق. وتلى ذلك قيام مقاتلة روسية باعتراض طائرة استطلاع أميركية. وقد وصف الأميركيون الحادثتين بأنهما أكثر الحوادث عدوانية خلال الآونة الأخيرة.

هكذا يبدو أن التوسع الروسي في بعض دول العالم يأتي، في جانب كبير منه، كرد على محاولات حلف شمال الأطلسي التوسع في دول أوروبا الشرقية دون امتلاك حلول مباشرة لردعه. يبدو أنها حرب نفوذ عالمية تحاول روسيا فيها زيادة أوراق الضغط لديها، لكي تفاوض عليها عندما يحين وقت التفاوض.

كاتب فلسطيني سوري

العربي

 

 

 

كيري كناصح أمين لروسيا/ راجح الخوري

ما قيمة البيان الأميركي الروسي المشترك عن تعهّد الطرفين مضاعفة الجهود لدعم التسوية السياسية في سوريا وتوسيع نطاق الهدنة، عندما يتبيّن بعد أقل من ٢٤ ساعة ان موسكو تنسق مع النظام والإيرانيين لشن عمليات على محورين، واحد في اتجاه ريف دمشق هدفه التمويه على هجوم واسع تقول المعارضة إنه يستهدف حلب التي تشهد تصعيداً واسعاً وقصفاً جوياً مكثفاً رغم الحديث عن الهدنة الهشة.

والبيان المشترك مدعاة للسخرية أيضاً عندما يعلن ان روسيا ستعمل مع النظام السوري “لتقليل” الغارات الجوية على المناطق المأهولة والمشمولة بوقف النار [ تقليل القتل وليس وقف القتل] وان أميركا ستعمل على زيادة الدعم لحلفائها الاقليميين لمساعدتهم على منع تدفق المقاتلين والأسلحة والدعم المالي للمنظمات الإرهابية عبر حدودهم!

هكذا بالحرف لكأن كيري يتبنى نظرية لافروف اذ يتهم حلفاء أميركا بدعم الإرهابيين، ودائماً على قاعدة فلاديمير بوتين الذي كان صريحاً منذ البداية عندما قال إن كل معارض للنظام السوري هو إرهابي، وكيري يماشيه عندما يقبل ببيان مسخرة من هذا النوع!

صحيح ان أميركا وبريطانيا وفرنسا وأوكرانيا أسقطت مجتمعة في مجلس الأمن، محاولة روسية هدفها تصنيف “أحرار الشام” و”جيش الإسلام” منظمتين إرهابيتين، تمشياً مع نظرية بوتين المشار اليها، ولكن هذا لا يعني إطلاقاً ان البيان الأميركي الروسي سيوقف القصف بالبراميل، او سيساعد في إحياء الهدنة او في إلتزام النظام بنود قرار مجلس الامن رقم ٢٢٥٤.

عندما استمعت الى مقابلة جون كيري مع “cnn”، خلته مستشاراً للافروف أو ناصحاً أميناً وحريصاً على المصلحة الروسية وليس وزير خارجية أميركا، فقد قال صراحة: “لموسكو مصالح واسعة في سوريا ولهذا من الضروري دفعها في إتجاه التوصل الى حل سياسي اذا أرادت فعلاً تفادي الوقوع في المستنقع السوري”!

أمام هذا الكلام طُرح عليه سؤال ساخر: وما الذي يدفعك الى الإعتقاد أن الروس شركاء بالفعل في ما يتعلّق بوقف إطلاق النار في سوريا والتوصل الى حل سياسي في الوقت الذي هم شركاء بشار الأسد؟

بكثير من الإرتباك وكأن كيري مجرد مراقب مبتدئ رد قائلاً: وهل هذا الوضع مثالي، هناك مشاكل أخرى يجب العمل عليها، نعم هذه حرب امتدت خمسة أعوام وفي الحقيقة هي أكثر من حرب.

أكثر من حرب؟

نعم انها مذبحة مفتوحة، لكن المستر كيري لا يتذكر مئات آلاف القتلى بل المصلحة الروسية، لهذا يكمل نصائحه “لموسكو مصلحة في عدم الإنغماس في سوريا وفي ألا تصير هدفاً بالنسبة الى العالم السني بأكمله. الإقتصاد الروسي يفرض عليها ألا تنزلق الى المستنقع”… ولست أدري ما اذا كان لافروف هاتفه شاكراً!

النهار

 

 

 

 

الأسد إذ يُراوده نهجُ الإبادة متمتّعاً بالحصانة الروسية/ عبدالوهاب بدرخان

ليل الخميس – الجمعة (5 – 6 أيار – مايو) قصف طيران النظام السوري مخيم «غطاء الرحمة» للنازحين في بلدة الكمونة بريف إدلب. كان هؤلاء هربوا من جحيم حلب إلى ما ظنّوه ملاذاً آمناً أو شبه آمن. قتل وأصيب أكثر من مئة منهم في جريمة حرب موصوفة، بعد ساعات على جلسةٍ لمجلس الأمن دان فيها معظم الأعضاء الهجمات الوحشية للنظام على حلب واعتبرتها الأمم المتحدة جريمة حرب نظراً إلى تدمير منهجي للمستشفيات والبنية التحتية للمدينة. لكن روسيا منعت مجلس الأمن من إصدار بيان، مجرّد بيان تنديد، لئلا يشكّل ورقة أولى في ملف جرائم نظام بشار الأسد لمحاسبته بموجب القانون الدولي. وتأسيساً على هذه «الحصانة» التي توفّرها روسيا أغار طيران الأسد على مخيّم النازحين. هذه المرّة طلب بان كي مون بوضوح أن يتخذ مجلس الأمن إجراءات لإحالة ملف سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ما لبثت موسكو ودمشق أن لجأتا إلى التضليل لتمييع المسؤولية عن هذا القصف الإجرامي، بل اتهمتا «جبهة النصرة» بقتل نازحين في مخيم يقع في نطاق سيطرتها. شاركت واشنطن أيضاً في التضليل والتمييع، فكل ما استطاع ناطق الخارجية قوله أن «لا شيء يبرر الهجمات على المدنيين». هذا الموقف الأميركي المبالِغ في الخجل يريد مشاركة الأسد والروس في تعمية ما حصل فعلاً، لأن تأكيد مسؤولية الأسد يتطلّب من الأميركيين أن يحدّدوا الخطوة التالية وما إذا كانوا مستعدّين لخوض حملة تتبنّى طلب عقوبات دولية تتضمّن إحالة الأسد إلى المحكمة الجنائية. لكن هُزال الإرادة لدى أميركا – أوباما يجعلها تفضّل التهرّب من الحقيقة لتغطية العجز عن مواجهتها.

ما الذي يترتّب على انعدام المسؤولية روسياً وأميركياً؟ الجواب المفزع والمؤرق هو: تشريع الإبادة… ولا مبالغة في ذلك، فالإبادة كلمةً وتعريفاً ومنطقاً واقتناعاً تتكرّر حالياً على ألسنة جميع الذين يُنطقهم نظام الأسد بأفكاره، من «المفتي» إيّاه إلى الذين تختارهم الأجهزة «ضيوفاً» للفضائيات. ومع احتدام الصراع والبحث المحموم عن نهايةٍ لأزمةٍ زادت تعقيداتها داخلياً وخارجياً، بات النظام يعتبر أن لديه الحلّ الذي يؤيده حليفاه الإيراني والروسي، وهو الإبادة التي اعتمدها على نحو متقطّع منذ 2011 مقدّماً نماذج مكرّرة من مجزرة حماة (1982) التي سبق للولايات المتحدة أن تغاضت عنها. قد يشكّل نموذجاً لعقلية الإبادة هذه ولتسويغها في الأذهان ذلك الاستعراض المشين الذي قدمه أكراد عفرين لجثث من قتلوهم، في واحدة من الوقائع الأكثر بشاعة في هذه الحرب، لكنها مرّت من دون التوقف عندها كما لو أن التظاهر بالجثث صار أمراً عادياً. بل إن تلك العقلية الإبادية استكملت غزوها عقول الأفراد كما يظهر في الـ «سيلفي» المقزّز الذي التقطته تلك الصحافية على خلفية من الدماء.

في عام 1994، أبادت مجموعات من غالبية الهوتو في رواندا، وفي ما يقرب مئة يوم، نحو ثمانمئة ألف من أقلية التوتسي، واستهلك «المجتمع الدولي» شهوراً عدة طويلة قبل أن يحدّد ردّه وينشئ محكمة خاصة لمعاقبة الجناة الذين تمتعوا بتواطؤ من السلطة القائمة آنذاك. صارت تلك الجرائم «عقدة ذنب» كبرى لمعظم قادة تلك الحقبة وديبلوماسييها في أفريقيا وخارجها، وإلى وقت قريب كانت تعتبر خاتمة مذابح القرن العشرين الذي شهد حربين عالميتين أودتا بحوالى سبعين مليون شخص، إضافة إلى ملايين أخرى من الضحايا في حروب إقليمية ونزاعات أهلية. وقد عُزي الفشل في وقف الجريمة الرواندية إلى أسباب عدة، منها القصور في إدراك حقائقها وشحّ المعلومات الموثّقة عن وقائعها والتأخّر في تقدير حجمها وهولها، خصوصاً إلى ضعف الإرادة الدولية ودوافعها للتحرك. بالتزامن مع الحدث الرواندي كانت تدور حرب إبادة في الشيشان، لكن الولايات المتحدة قدّمت مصالحها على فضح الجريمة الروسية، وفضّلت التضحية بذلك البلد وببضعة بلدان أخرى بعده، كما تفعل الآن في سورية، بهدف إشباع مطامع روسيا ولن تفلح.

بالنسبة إلى سورية، حيث تدور المذبحة بما يشبه بثّاً مباشراً على مدى خمسة أعوام وشهرين، يمكن الحديث فقط عن إرادة دولية معدومة قلبت معاييرها ومفاهيمها بل هيّأت نفسها للتكيّف مع نهج الإبادة البطيئة والتهيّؤ لقبوله. لا أحد يستطيع التحجّج بأنه لم يعرف ما حصل ويحصل في سورية، وما جرى فعلاً كان طمس عشرات التقارير وتجاهل المعلومات والتوقف عن عدّ الضحايا للاكتفاء بربع مليونٍ كحصيلة «مقبولة». لكن دراسة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (أسكوا) مع جامعة سانت أندروز البريطانية كانت صادمة منذ سطورها الأولى: إذ قدّرت أن 2,3 مليون سوري قتلوا أو جُرحوا في الحرب، وأن 12 مليوناً تعرّضوا للتهجير، فيما فقد البلد نحو 260 بليون دولار من ناتجه المحلي، ليصبح 83,4 في المئة من الشعب تحت خط الفقر. وفي نهاية 2015 كان هناك 13,5 مليون شخص (بينهم ستة ملايين طفل) في حاجة إلى مساعدة إنسانية، وبينهم أكثر من أربعة ملايين يعيشون في دمشق وريفها ومحافظة حلب، وهذه هي المناطق التي يتطلع النظام إلى الإجهاز عليها لتحقيق ما سمّاه الأسد «النصر النهائي» في برقية شكر وجّهها إلى فلاديمير بوتين.

جميع داعمي الأسد ونظامه، العلنيون منهم وغير العلنيين، خصوصاً روسيا وإيران والولايات المتحدة، كانوا شركاءه في كل ما ارتكب من مجازر وسيبقون وراءه في اعتزامه الإقدام على الإبادة كـ «حل نهائي»، وفقاً للمصطلح النازي، ويريدون له «النصر النهائي» هذا. فهو لم يلمس في أي لحظة أن الدولتين الكبريين مختلفتان فعلاً في شأن بقائه، ذاك أن أميركا غير الراغبة في التدخل عارضت علناً تسليح المعارضة بما يمكّنها من الدفاع عن مواقعها، وأميركا هذه تغاضت عن التدخل الإيراني حين كان يقتصر على «خبراء» وميليشيات ولا تزال تتغاضى عنه بعدما أصبحت طهران تعلن رسمياً إرسال قوات خاصة وضباطاً وجنوداً إلى سورية (قتل منهم أخيراً أكثر من ثلاثين شخصاً). أما روسيا فلم تخذل الأسد في أي مرحلة وعندما دهمه خطر حقيقي صار تدخلها مباشراً وباتت تضع هيبتها على محك إنقاذه وفرض الحل السياسي الذي يناسبه. وفوق ذلك أخضعت تفاهماتها السرّية مع أميركا لمصلحته.

ما انكشف في حلب ثم في قصف مخيم الكمونة ليس فقط نهج الإبادة، ولا صعوبة التوصل إلى هدنة شاملة فحسب، بل سقط مسلسل التضليل الأميركي – الروسي لتغطية خدعة «حل سياسي» يرمي أساساً إلى إعادة إخضاع الشعب السوري لمجرم الحرب وزمرته من القتلة. ولعل هذا الاقتراب من منطق الإبادة هذا هو ما دفع الفرنسيين والبريطانيين والألمان إلى قرع ناقوس الخطر، كما سبق أن فعل العرب والأتراك. فهم يساندون التحرك الأميركي ويتفهّمون الكثير من جوانبه رغم غموضها والتباسها، إلا أنهم يرفضون انجرار الأميركيين وراء النهج الروسي – الإيراني ووقوعهم في تبرير جرائم نظام الأسد والسكوت عنها. ويرى الأوروبيون أن ثمة فارقاً شاسعاً بين استخدام التفاهم الأميركي – الروسي لحضّ الأسد والمعارضة معاً على «حل سياسي» يتطلّب التزامات وتنازلات، وبين تسخير ذلك «التفاهم» في إرضاء الإيرانيين وحفز الأسد على الاستشراس في الحسم العسكري وتحصينه من أي مساءلة ومحاسبة. والأهم أن الأوروبيين الذين أرادوا تخفيف موجات اللاجئين فسايروا حلّاً سياسياً، ولو مجحفاً للمعارضة، اكتشفوا أن الأميركيين والروس بالغوا في الكذب بالنسبة إلى «صمود الهدنة» أو إلى صلاحية العملية السياسية المقترحة، وبالتالي فإن مشكلة اللاجئين مرشحة للضغط مجدداً على أوروبا. والحاصل الآن أن صعوبة إقامة هدنة وضمان احترامها من النظام والإيرانيين باتت بصعوبة إعادة المعارضة إلى مفاوضات جنيف، لأن اللعبة انكشفت تماماً فحتى التسوية المجحفة لا يريدها النظام، لذا فهو يتعمّد ضرب الهدنة لضرب المفاوضات. هذا ما دفع الأوروبيين إلى المطالبة بـ «مبادرة جديدة» لأن الصيغة التي انبثقت من لقاءات فيينا، ثم أصبحت القرار 2254 استطاع الروس والأسد والإيرانيون إفسادها وحتى إسقاطها.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

روسيا ذات الوجهين … القوة والضعف/ رينو جيرار

دعت فرنسا فلاديمير بوتين إلى باريس للمشاركة في حفل افتتاح كاتدرائية أورثوذكسية في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، فخرجت عن قرار الأنظمة الديموقراطية تعليق العلاقات الديبلوماسية مع موسكو منذ ضمها القرم إلى أراضيها. ومذ ذاك (قضم القرم)، روسيا أشبه بنسر ذي رأسين: اقتصادها يتداعى ومجتمعها يغرق من جهة، ونهضة استراتيجية وديبلوماسية أخاذة تدحض ما قيل إنها هبطت إلى مصاف قوة إقليمية فحسب، من جهة أخرى.

وأركان سلطة بوتين ثلاثة: استعادة هيبة سلطة الدولة، والاحتجاج على نظام ما بعد الحرب الباردة والطعن في هيمنة الولايات المتحدة، وتعافٍ اقتصادي حفزه ارتفاع أسعار المواد الأولية وساهم في تقوية القدرة الشرائية وبروز طبقة وسطى عدادها 90 مليون نسمة. ويبدو أن الركن الأول ينهار على وقع الفساد، والثالث على وقع الركود. وتعصف بروسيا الأزمة الأكثر عنفاً منذ انفراط عقد الاتحاد السوفياتي. فالنشاط الاقتصادي تراجع 3.7 في المئة في 2015، ويتوقع أن ينخفض 3.5 في العام الجاري، وهروب رؤوس الأموال يتواصل، وسعر الروبل يهبط. وتتقلص سنوياً قيمة الرواتب 10 في المئة، ومعدلات البطالة ترتفع ارتفاعاً كبيراً. ونتائج الأزمة الاقتصادية بالغة الشدة على الروس.

وعاد متوسط الأمل في الحياة إلى الانخفاض بعد أن ارتفع منذ العام 2000 من 59 سنة إلى 66 سنة. وتقلص حجم الطبقة الوسطى إلى 20 في المئة من مجمل السكان. والفقر المدقع يصيب أكثر من 19 مليون روسي. والتفاوت الاجتماعي يتفاقم ويتعاظم.

وساهمت الأزمة النفطية والعقوبات النفطية في مفاقمة فشل الاقتصاد الروسي. وإخفاق قمة الدوحة في 17 نيسان (أبريل المنصرم) هو ضربة قاسية ألمّت بموسكو، فتقويم الخلل في سوق النفط (ارتفاع أسعاره من جديد) غير مرتقب في القريب العاجل.

ولا يخفى أن جذور الأفول الاقتصادي الروسي داخلية، فالنمو يعتمد على ارتفاع أسعار المواد الأولية، وأصحاب الكفاءات والموهبة يغادرون البلاد، شأن رؤس الأموال. والمصارف تفتقر إلى السيولة. والشلل أصاب عجلة الاستثمار والابتكار، فهبطت الصادرات العالية القيمة المضافة، في ما خلا الأسلحة. وطريق الاستدارة الروسية إلى الشرق مسدود. ولا يسع روسيا منافسة أو مضاهاة الصين. فوزن هذه البلاد الاقتصادي يفوق نظيره الروسي بـ12 ضعفاً.

ولا يخفى أن قوة الدولة في روسيا تتغذى من بؤس الروس، فالكابوس الاقتصادي يترافق مع انبعاث ديبلوماسي واستراتيجي. وفي عامين، قوضت روسيا الجديدة النظام الأوروبي ما بعد الحرب الباردة، واستعرضت قوتها في سورية ثم في ناغورني قره باخ، وعادت إلى صفوف الديبلوماسية الأولى وكسرت طوق العزلة في المجتمع الدولي جراء ضم القرم وتقطيع أوصال أوكرانيا.

ولا يُستخف بإنجازات روسيا في عهد بوتين منذ 2014. ولكن هذه الإنجازات هشة، فالانهيار هو مصير دولة تجافي اقتصادها ومجتمعها ومواطنيها، وتنشب الأنياب فيهم وتلتهم مواردهم وتطيح فرص حياتهم. ولكن سياسة روسيا الأخيرة تنبه إلى أن القوة لا تزال ناجعة وترتجى منها فائدة في القرن الواحد والعشرين. وهذا التذكير هو في مثابة دعوة إلى إيلاء الأولوية للمخاطر الاستراتيجية المترتبة على يقظة التوسعية الإمبريالية (الروسية) وعدم الانشغال فحسب بالقضاء على «داعش»، فموسكو تروج لنظام بديل عن نظام الأمم الحرة والديموقراطية وتسعى في مراجعة راديكالية لنظام ما بعد الحرب الباردة.

* معلق، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 1/5/2016، إعداد منال نحاس

الحياة

 

 

 

روسيا في سوريا…باقية وتتمدد/ موناليزا فريحة

فوجئ الصحافيون الغربيون في موسكو الأسبوع الماضي بدعوة عاجلة من وزارة الخارجية للاستعداد للتوجه الى سوريا. هدف الرحلة ظلّ سراً، ولم يتبلغ الصحافيون أي تفاصيل باستثناء أن ثمة لباساً “رسمياً” للزيارة، هو سترة واقية من الرصاص، كما حُذر الصحافيون الأميركيون تحديداً من أنهم إذا جاءت كتاباتهم سلبية “تكون رحلتهم الأولى والأخيرة”.

منذ انطلاقتها، شهدت المغامرة الروسية في سوريا كثيراً من الحيل والعروض، بدءاً من شعارها المعلن محاربة الإرهاب، وصولاً الى اعلان انجاز المهمة. إلا أن دعوة الصحافيين للاستماع الى أوركسترا مسرح ماريينسكي تؤدي مقطوعات لباخ وبروكوفييف في مسرح أثري بتدمر حرر للتو من براثن “داعش”، تشكل ولا شك إحدى أكثر الالاعيب الروسية غرابة.

بدأت رحلة كسب العقول والقلوب والآذان أيضاً، استناداً الى مراسل صحيفة “النيويورك تايمس”، من اللاذقية حيث حطت الطائرة التي نقلت نحو مئة صحافي أجنبي من موسكو. هناك، رفع الستار عن فصل جديد من المسرحية الروسية استمر 56 ساعة، بما فيها أكثر من 12 ساعة مسافة الطريق ذهاباً وإياباً من اللاذقية الى تدمر.

لا أحد يشكك في أهمية الموسيقى الكلاسيكية في الثقافة الروسية، الا أن العملية اللوجيستية والأمنية الضخمة التي تطلبها نقل هذا العدد من الصحافيين من اللاذقية الى وسط سوريا الذي كان حتى وقت قريب منطقة حرب، أظهر تجربة متطورة في البروباغندا التي تخلط الإرث الثقافي الغني لموسكو بطموحاتها العسكرية غير المحدودة. وتطلب نقل الصحافيين خمسة باصات كبيرة واكبتها ثمانية آليات مدرعة مجهزة برشاشات آلية وآليتان قتاليتان مع مرافقة دائمة من طائرتي هليكوبتر هجوميتين طوال الرحلة. وعلى الطريق، مر الصحافيون بقواعد عدة تضم طائرات هليكوبتر روسية قرب حمص وتدمر وغيرهما. الا أن أكثر ما فأجأهم، كما قال مراسل شبكة “سي أن أن” الاميركية للتلفزيون، هو رؤية هذا العدد من الجنود الروس في مواقع عدة من سوريا. ولفت الصحافيين الموقع الجديد الذي بناه الجيش قرب تدمر الأثرية. ومع أن الموقع نظرياً هو قاعدة للفريق الذي أزال آلاف الالغام من تدمر وضواحيها في الاسابيع الاخيرة، لاحظ الصحافيون أن العتاد المنتشر فيها يتجاوز كاسحات الالغام الى عشرات الاليات القتالية وناقلات الجند المدرعة، وصولاً الى نظام للدفاع الجوي من طراز “بانتسير- س 1” القادر على إطلاق صواريخ وقذائف على طائرات.

اختلفت مشاهدات الصحافيين عن الرحلة السورية. فثمة من ركز على محاولات الروس إظهار دورهم في “مصالحات” يديرونها في سوريا، وإن يكن البعض لم يفهم من كان أطراف تلك المصالحات. ولفت آخرون إلى الأسلحة الروسية المتطورة . لكن الخلاصة التي أجمعوا عليها هي أن التعزيزات الروسية في سوريا أكبر بكثير مما يعتقد، وأن لا شيء في القواعد الروسية يوحي بأن بوتين ينوي ترك البلاد في أي وقت قريب.

النهار

 

 

 

 

الرسائل الروسية من حفل تدمر إلى استعراض حميميم/ روزانا بومنصف

تحت عنوان “سوريا تشهد استعراضا عسكريا يعدّ الاول من نوعه”، نشرت وكالة الانباء الروسية خبرا مفاده ان قاعدة حميميم العسكرية السورية شهدت يوم 9 أيار استعراضا عسكريا في ذكرى النصر على النازية. وقد شهد الاحتفال عرض آليات مدرعة وناقلات جنود وراجمات صواريخ وقذائف مضادة للطائرات وقواذف صواريخ الدفاع الجوي “اس 400”. كما شهد تحليق طائرات عدّد الخبر أسماءها، الى تحليق المروحيات أيضا. وتحدث الخبر عن مشاركة قوات سورية أيضا في العرض. وهو أمر لافت في ذاته، ليس لأنه يأتي بعد أيام قليلة على تولي روسيا إقامة حفل موسيقي في تدمر المستعادة من تنظيم “الدولة الاسلامية” دعت من أجله 100 من الصحافيين الاجانب وتولت نقلهم الى الحفل، إضافة الى جولة ميدانية مدروسة نظمتها لهم، بل لانه ليس معهودا أن تقيم دولة عرضا عسكريا لقواتها على أرض دولة أخرى ما لم تكن هذه الاخيرة دولة محتلة نظرا الى ما يعنيه ذلك من الناحية العملية من افتقاد هذه الاخيرة الى السيادة الكلية على أراضيها. وهذا أمر ليس جديدا في ظل تراجع سيطرة النظام على غالبية الاراضي السورية، وفق ما باتت تبرزه الوقائع على الارض منذ سنتين أو أكثر، لكنه أمر لافت وله دلالاته أن يأتي من الحليف المنقذ للنظام، ولو ان الاتفاق الذي وقعته روسيا مع النظام يكفل للقوات الروسية حرية التصرف والحركة من دون اي تدخل من النظام، فيما لم تبلغ صلافة الاحتلال السوري درجة أن يقيم عرضا عسكريا مماثلا في لبنان طيلة ثلاثة عقود، كما له دلالاته تزامنا مع سقوط المزيد من العناصر الايرانية في المعارك في سوريا. كما أن لهذا العرض دلالاته المتناقضة مع ما اعلنه الرئيس الروسي سابقا عن سحب القوات الروسية جزئيا لانتهاء مهمتها في سوريا. وبالنسبة الى مراقبين ديبلوماسيين، فإن روسيا تعرض موقعها وقوتها وسيطرتها في سوريا في وجه الولايات المتحدة، وتتناول جملة أمور من بينها استمرار وجود قوات كافية لها في سوريا، على رغم الكلام عن انسحاب جزء من هذه القوات، بما فيها جزء كبير من الطائرات المقاتلة، ووجود روسيا كقوة فاعلة لها تأثيرها وحرية حركتها، وتالياً تذكر بمدى ثقلها الكبير في معادلة أي حل لسوريا، بحيث لن يكون حل إلا وفق ما يناسبها أو ما ترتئيه. فيما يعتبر البعض ايضا ان الرسالة تطاول دول الجوار في المنطقة وفي مقدمها تركيا، بحيث ان الانسحاب الذي أعلن عنه الرئيس الروسي لا يمس في الواقع جوهر وجود روسيا عسكريا، وبقوة في سوريا، بحيث لن تسمح روسيا ببقائها العسكري تغيير المعادلة التي تحاول إرساءها على الارض. وثمة من يرى في العرض رسالة للداخل الروسي عن عظمة روسيا واستعادتها كما استعادة نفوذها الخارجي المؤثر في المنطقة. والواقع أن العرض، كما الحفل الموسيقي، موجه ايضا الى الروس، وهما يحاكيان هذه المشاعر لديهم في وقت تمر روسيا بصعوبات اقتصادية كبيرة.

هذه الصعوبات ستكون في المدى القريب محط متابعة في ظل تساؤلات عن قدرة روسيا على مساعدة النظام وهو يواجه انهيار عملته الوطنية وفي ظل صعوبات اقتصادية تواجهها روسيا، كما في ظل صعوبات تواجهها أيضا إيران، باعتبارهما الداعمين والممولين الأساسيين للنظام خلال الاعوام القليلة الماضية. فهذا الاخير قد يضطر الى اللجوء الى طبع أوراق جديدة من الليرة السورية، وهو ما قد يساهم في المزيد من انهيار قيمتها، وتاليا قيمة مداخيل السوريين، في حين أن روسيا تحتاج ايضا الى أموالها من ثمن الأسلحة التي تستمر في تقديمها للنظام.

النهار

 

 

 

موسيقى في تدمر ومجزرة في إدلب… والعالم يرقص/ حازم الامين

في الوقت الذي كان العازف الروسي فاليري غيرغييف، المقرّب من الكرملين، يحيي أمسية موسيقية في تدمر «المحررة»، كانت محطة «سكاي نيوز» البريطانية تنشر وثائق تكشف عن تنسيق بين أجهزة أمن النظام السوري وأمراء في «داعش» حول كيفية انسحاب التنظيم من تدمر، وتسليمه لجيش النظام، بالإضافة إلى علاقات نفطية بين الطرفين تولى فيها «تنظيم الخلافة» تزويد النظام بالنفط مقابل تولي الأخير تزويده بمواد كيماوية لم توضح الوثائق وجهة استعمالها.

والحال أن الموسيقى الروسية في تدمر امتداد لرقصٍ دولي في بركة الدماء السورية. فـ «سكاي نيوز» البريطانية، وقبلها «بي بي سي» وعشرات وسائل الإعلام الغربية، لن تبني على ما توصلت إليه لجهة العلاقة بين «داعش» والنظام ما يقتضيه. الخبر هنا ينقضي بانقضاء زمنه، وزمن الخبر لحظات ليس أكثر، سيعود بعدها العالم إلى موقعه المتمثل في تبني رواية النظام عن «داعش».

عزف الفرقة الموسيقية الروسية في تدمر أقوى تأثيراً من آلاف الوثائق التي صارت بحوزة الرأي العام تثبت أن «داعش» ليس خصماً لتحالف موسكو وطهران وبشار الأسد. العالم اقتنع مع موسكو أنها بصدد القضاء على التنظيم الإرهابي، وهذه قناعة جائرة دفع السوريون ثمنها مجازر متنقلة بين حلب وإدلب والغوطة. والعالم إذ أحصى عدد الغارات الروسية على التنظيم واكتشف أن حرب موسكو هي في مكان آخر، لم يكترث لما توصل إليه من نتائج، لا بل أمعن في إعجابه بـ «الفعالية الروسية» على رغم ما يمثله هذا الإعجاب من سقطات أخلاقية تطرح تساؤلات فعلية عن حقيقة القيم الصادرة عنها.

فعشية الحفلة في تدمر كانت طائرة تابعة للنظام السوري تغير في إدلب على مخيم للاجئين وتقتل عشرات بينهم سبعة أطفال. رقص هنا ورقص هناك، ويتصدر خبر الرقص في تدمر خبر الموت في إدلب. هذه المعادلة ستفضي إلى مزيد من الفظاعة، ذاك أن مشهد تدمر أقدر على الثبات في وعي العالم من مشهد إدلب. الأول سيستحضره المفاوض الروسي إلى جنيف، فيما الثاني سيضمه العالم إلى مشهد المأساة بصفته عنصراً عابراً ويومياً ومملاً.

والعدالة المختلة في هذه المعادلة ستعيد إنتاج المشهد السوري على نحو يخدم النظام، فيما سيلتف العالم مجدداً على المأساة السورية بصفتها مشهداً مركباً ليس النظام فيه سوى عنصر يمكن التعايش معه.

لقد صار من الواضح أن القابلية للتسامح مع النظام أعلى من القابلية لتفهم تخبطات الفصائل المناوئة له. مسارعة «بي بي سي» لاتهام المعارضة بالوقوف وراء مجزرة حلب لم تكن خطأ مهنياً وحسب، إنما هي أيضاً صادرة عن هذه القابلية. فقبل التحقق من الخبر يشتغل الوعي بالمأساة وفقاً لاستعداداته المسبقة لاستقبالها. «بي بي سي» تملك استعداداً للاعتقاد بأن المرتكب هو الفصائل المعارضة، وهي سقطت في فخ قابليتها للاعتقاد. وهذا ليس خطأ «بي بي سي»، على رغم أنه خطؤها تقنياً، إنما هو مركّب نفسي جماعي يميل إلى تصديق الرقص الروسي في تدمر أكثر من ميله لملاحظة المجزرة في ادلب. سيتولد عن ذلك مزيد من المآسي.

وعرض محطات العلاقة بين تفشي «داعش» وتدفقه على نحو سلس ورشيق من مدينة إلى أخرى، في سورية وقبلها في العراق، وبين رغبة خصومها المتوهمين أن يشيد «عدوهم» خلافته، صار أمراً نافلاً ولا يملك مرتكبوه حجة واحدة لدفعه عن أنفسهم. لم يجب نوري المالكي يوماً عن سؤال كيف سقطت الموصل، وكذلك لم يفعل بشار الأسد في ما يتعلق بتدمر أو بدير الزور، هناك حيث يقف النظام على الحياد في القتال بين «داعش» والفصائل المناوئة للنظام وللتنظيم.

لقد صار مملاً تعداد محطات العلاقة بين النظام و»داعش». تسليم تدمر للتنظيم الإرهابي، ثم تسليم الأخير المدينة للنظام، كان أيضاً رقصاً موازياً تحت أنظار العالم. وهو رقص ينطوي على خبرات كبيرة في الحروب الوهمية. خطوة رشيقة لـ «داعش» إلى الأمام باتجاه المدينة، فيما النظام يخطو إلى الخلف، ليعود ويتقدم دافعاً العشيقة إلى الخلف، في وقت ينسحر فيه العالم بعذوبة الموسيقى الروسية. وبينما يلوذ الراقص الروسي بعشيقته على أبواب الصحراء تجري الحرب الحقيقية هناك، في إدلب وفي حلب، حيث المجزرة تتنقل والهدنة تترنح.

وهذا الاستعصاء الأخلاقي سيتولى مجدداً توليد الضغينة. والعالم الذي يريد إنشاء جدار في وجه اللاجئين السوريين لا يثيره استهداف مخيمات لجوئهم داخل سورية. فالمعنى الوحيد لاستهداف مخيمات لجوء داخلية هو الرغبة في دفعهم إلى خارج الحدود، أي إلى حيث راح العالم يستهول تبعات لجوئهم! لنعد هنا ونسأل عن المجرم، هل هو اللاجىء الهارب من الطائرة التي تحمل له البراميل المتفجرة، أم أنه النظام المحصن بالموسيقى الروسية؟

هل فعلاً أن العالم لم يدرك بعد أن التفجيرات في بروكسيل وباريس صادرة أيضاً عن هذا الاستعصاء؟ وأن المشهد الجلي والمتكرر والحميم لتانغو «البعث- داعش» سيجر عليه مزيداً من الموت والانهيارات؟ أكثر من نصف مليون سوري مرشحون لمغادرة حلب نحو تركيا وأوروبا، ومثلهم ربما من إدلب، وهؤلاء تم ترشيحهم لهذا المصير بفعل مجزرتين واضحتي المرتكب وقعتا في الأسبوعين الأخيرين. وكم يبدو غير عادل أن لا يبنى على هذا الوضوح وضوح في الوجهة، ناهيك عن أن رغبة الغرب في حماية نفسه لن تجد طريقها للتحقق إذا ما ترافقت مع هذا التمادي في التعامي عن حقائق أثبتتها آلاف الوثائق والحقائق والأفعال، وكلها تؤشر إلى أن «داعش» ضرورة لبقاء النظام وهدية كبرى لم تأته من السماء، إنما من خبرة كبيرة في مجال العلاقة مع هذه الجماعات تم تحصيلها على مدى عقود من عمله في انتاج الحروب ومن توظيفها. لم تحن ساعة «داعش» بعد، ولم تحن ساعة النظام السوري أيضاً. شيطانا الحرب والموت في سورية ما زالا على طموحهما في مزيد من الرقص. وجنوح العالم إلى الصمت يُغذي خيالهما بمزيد من المشاهد. والمذهل أن السوريين ليسوا وحدهم من تنتظرهم الكارثة بفعل ذلك، إنما العالم من حولهم أيضاً.

الحياة

 

 

 

موسكو وطهران ودمشق بينهما!/ أسعد حيدر

طهران طلبت من روسيا النزول في سوريا. طهران كما اكدت مراراً، كانت قد وصلت الى قناعة بأن الرئيس بشار الاسد في خطر، وأن سقوط النظام أصبح مسألة وقت، فاستجارت «بالقيصر» فلاديمير بوتين. درس «القيصر» الطلب بعناية، فوجد ان العودة بقوة الى الشاطئ الجنوبي للبحر المتوسط بهذه الطريقة قوية، وان كانت مكلفة، وانها تأتي في الوقت المناسب للثأر من «خديعة» ليبيا، ولتفكيك الحصار عليه في اوكرانيا، وفتح منفذ له على المدى المتوسط للتفاوض عليها من موقع قوة. ارسل «القيصر» «شيئاً» من سلاحه الجوي للتدخل. بهذا تفادى الغرق في «المستنقع» البري وعدم «أفغنة» وجوده العسكري، وأوقف من جهة اخرى انهيار الاسد ونظامه، وبالتالي تفكك الاستراتيجية الايرانية، والاضطرار الى التراجع العميق. طهران لا يمكنها الانسحاب من سوريا، مهما بلغت الكلفة المادية والبشرية، بينما موسكو، انسحبت فجأة. حتى لو كان انسحابها محدوداً او بحساب، فإنها جعلت عودتها بقوة رهناً بالتطور الميداني، وبطبيعة الحال بتكرار الطلب الايراني بالمساعدة والدعم العاجلين. لذلك خطة موسكو تتبلور يوماً بعد يوم. لا يريد «القيصر» أن يسقط الاسد حالياً لكنه مستعد للمقايضة.. كلما طال وجوده نجح في «قضم» جزء من حصة ايران. الحاجة للآخر تدفع الى تقديم التنازلات وايران هي المحتاجة.

ما يضاعف تعميق هذا الوضع، ان طهران بحاجة الى موسكو في ميدانين:

[ السلاح: لأنه ليس امام طهران من سوق للسلاح المتطور مثل السوخوي 30 والدبابة تي 95 سوى موسكو.

[ النووي: مهما تقدمت طهران في القطاع النووي فانها بحاجة الى موسكو لمدها بالمفاعلات النووية وتنقيتها ودعمها امام باقي اعضاء مجموعة الخمسة زائد واحد.

موسكو لديها استراتيجيتها وهمومها الكبيرة. «القيصر» يريد ان تصبح بلاده شريكة في القرار مع واشنطن، ولو عبر «حرب باردة صغيرة». كلما نسق مع واشنطن حقق مكاسب اضافية لانها بذلك ستدعمه في قراراته السورية وفي التعامل مع اوروبا. في الوقت نفسه تكسب واشنطن في قصقصة «أظافر« طهران. لم يعد سراً أن طهران تشعر اكثر فأكثر انها ما زالت محاصرة بطريقة اخف من السابق، ولكن بضغوط متواصلة، تؤكد لها يوماً بعد يوم انها ما زالت مقيدة وتحت المراقبة. عودة المتشددين الى خطاب إقفال مضيق هرمز اشعار جديد بالعجز عن المجابهة السياسية التي تتطلب تقديم تنازلات حقيقية ومفتوحة على التغيير الداخلي والخارجي معاً.

تملك ايران بالتأكيد استراتيجية متعددة المراحل والطبقات وخطط «أ» و»ب»، وذلك مثل كل الدول التي لا تتحرك اعتماداً على التحولات والضربات المتفرقة. طهران اليوم وغداً، مع المرشد آية الله علي خامنئي ومع «كتلة الامل» لن تتخلى عن سوريا وموقعها فيها، مهما بلغت كلفتها. لكن يمكنها ان تقايض الاسد بثمن مرتفع في مرحلة معينة ليست اليوم. ما تريده طهران:

[ أن يكون خط الدفاع عن حدودها بعيداً بأقصى ما يمكنها. بدلاً من مواجهة «خصومها» على الحدود أو في «حرب ناعمة» في داخلها تواجهها وتلاحقهم بعيداً. هذه الاستراتيجية ناجحة خصوصاً في الدول التي تشعر دائماً انها «محاصرة».

[ خسارة ايران كلياً في سوريا ممنوعة للنظام الايراني، لان ترجمة ذلك خسارة «حزب الله» وبالتالي ابتعادها الجغرافي عن الحدود مع «فلسطين»، الذي عرفت كيف تستثمره ايديولوجياً وسياسياً بنجاح كبير.

لذلك ما تريده طهران وتسعى إليه هو استمرار وتطوير امساكها الخط الاستراتيجي الممتد من بغداد الى دمشق وصولاً الى بيروت. هذا الخط البري هو «وريد» لوجودها ووجود «حزب الله» في زمن تتصاعد فيه مصاعب ومخاطر الخطوط الجوية والبحرية.

هل تعني هذه الاستراتيجية، فقدان الأمل من انتاج أي تغيير ايراني داخلي أي تغيير في سياستها الخارجية وتحديداً مع محيطها الجغرافي العربي؟ لم يعد امام ايران مهما بلغ طموح المرشد آية الله علي خامنئي، مساحة للتدخل السلبي بقيادة الجنرال قاسم سليماني.

كلما قوي وتدعّم خط الاعتدال داخلياً ممثلاً «بالترويكا»: الرؤساء هاشمي رفسنجاني وحسن روحاني ومحمد خاتمي ومعهم حسن الخميني يعني توجهاً قوياً ومباشراً نحو الحوار مع الجوار والعالم والتفاوض السياسي والديبلوماسي.

«عاصفة الحزم» السعودية في اليمن، انتجت خطاً أحمر قابلاً للتطوير والتمدد. الموقف السعودي الجديد كما ثبت ليس وليد انفعال او حركة طارئة او تكتيكاً قابلاً للتراجع. إنها استراتيجية متحركة ولو كانت كلفتها كبيرة في مواجهة التمدد الايراني. يوماً بعد يوم يتأكد ان ايران مضطرة للسير في مسار سياسي وديبلوماسي جديد.

لن تتبلور مفاعيل هذا المسار الجديد بسرعة، لأن التصعيد سيّد الموقف حتى الخريف القادم عندما يدخل الجميع وأولهم الولايات المتحدة الاميركية مرحلة الخيارات النهائية في قلب السلطة التي تنتج الاستقرار وموازين جديدة وثابتة قادرة على صياغة مواقف يمكن لها وللآخرين البناء عليها.

* نقلا عن “المستقبل”

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...