الرئيسية / صفحات سورية / عن الثورة السورية: أربعة مقالات / أسامة أبو زيد

عن الثورة السورية: أربعة مقالات / أسامة أبو زيد

 

 

الثورة السورية والمسار التفاوضي.. حوار الأشلاء

(1/4)

أسامة أبو زيد

(1)

مع بدء وصول طلائع قوات الاحتلال الفرنسي إلى دمشق، قرر العقيد يوسف العظمة، مع عدد من رفاقه، خوض معركة استقلال الوطن، فكانت معركة ميسلون التي استشهد فيها العظمة ورفاقه. وفي الوقت نفسه، رفض بطريرك الروم وسائر المشرق، غريغوريوس حداد، طلب القائد الفرنسي غورو في لقاء بينهما، بينما كان بعض مؤيدي صبحي بركات الذي عينه الانتداب رئيسا لحكومة سورية يضعون أنفسهم مكان البغال التي تسحب عربة غورو، تعبيرا منهم عن الترحاب الحار بقوات الانتداب الفرنسي، وعن “الواقعية السياسية” التي تستند إلى قاعدة “العين لا تقاوم المخرز”. اليوم، بعد مئة عام، لا يزال اسم معركة ميسلون خالدا، ويعيش يوسف العظمة ورفاقه الأبطال في جوارح السوريين، على اختلاف طوائفهم واحدا من رموز الاستقلال، بينما إذا سئل سوريون كثيرون عن معرفتهم بصبحي بركات ربما لن يذكره أحد.

(2)

في إبريل/ نيسان 2011، وبعد أحداث الجمعة العظيمة التي التهبت فيها شوارع محافظات سورية، باحتجاجات مدنية سلمية تطالب برحيل الأسد ونظامه الأمني، بدأ النظام يطلق مبادرات الحوار السوري، محاولا احتواء ثورة السوريين، ثورة ملايين من الشباب الطامح إلى بلد متطور حر وكريم، وثورة المظلومين المقهورين على الجلاد، وثورة من ابتدأوا الكفاح قبل آذار بعشرات السنين، وقضوا في معتقلات الأسد الأب سنين طويلة، ليخرجوا إلى الحرية، بعد تنصيب الأسد الابن على كرسي الدم. وقد حدثني الأستاذ جورج صبرة أنه، قبيل إطلاق سراحه من سجن القلعة التابع للمخابرات العسكرية في دمشق، كانت مخابرات الأسد قد أتت بعشرات من شباب كفرسوسة ودوما كانت قد اعتقلتهم بسبب المظاهرات. نادى أحدهم، وهو مضرج بدمائه نتيجة التعذيب الوحشي، جورج صبرة قائلاً: أستاذ جورج دير بالك… لا حوار مع الأسد.

في يوم السبت 21/5/2011، تلقيت اتصالا من يحيى شربجي، أبلغني فيه أن قيادات بعثية في مدينة داريا طلبت منه أن يحضر ناشطين من داريا إلى لقاء في مقر اتحاد الفلاحين في

“العالم يستثمر قبول السوريين مبدأ المفاوضات بدفعهم إلى التنازل عن جذر القضية، وهو رحيل الأسد” المدينة بين وجهاء داريا ومسؤولين من نظام الأسد، لحل قضية المعتقلين والمداهمات الأمنية. وبعد اجتماع مطول في أحد بساتين داريا مع مجموعة من نشطاء داريا، بينهم يحيى وغياث مطر وإسلام دباس ومجد خولاني، قررنا حضور الاجتماع بوفد من خمسة أشخاص، كنت أحدهم. وتم اللقاء في اليوم التالي، وكان الضابط الدمشقي في القصر الجمهوري، حسام سكر، ممثل الأسد. وبعد سرد طويل من الأكاذيب، مغلف بوعيد مفاده بأن الجيش الذي دخل درعا بإمكانه متى شاء دخول داريا، أنهى سكر حديثه بدعوتنا إلى زيارة بشار في قصره، لبحث طموحات شباب داريا.

من دون مداولات أو بحث، كان جوابنا أن داريا ليس فيها مشكلة اقتصادية أو اجتماعية، وأن مشكلتها هي ما يجري بحق أهلنا في حوران وبانياس، وأنه لا داعي لحوار أو لقاء حتى ينفذ مطلب الأهل هناك. وأرفقنا الجواب بأسطوانة ليزرية تتضمن فيديو لاقتحام المخابرات الجوية مدينة داريا يوم جمعة أزادي وعملية قتل الشهيد أحمد زهير العزب وإطلاق النار المباشر على المتظاهرين.

انتهى اللقاء بابتسامة باردة من سكر الذي دهم هو وزملاؤه، بعد أيام، منازلنا واقتادونا جميعا إلى مطار المزة.. ولا يزال الرفاق كلهم في السجن، بينما خرجت على قدميً، وخرج غياث مطر جثة.

(3)

على وقع المظاهرات الثائرة من حوران، وصولا إلى داريا والمعضمية والميدان وكفرسوسة إلى جوبر والغوطة الشرقية إلى حمص وبانياس وإدلب وجبل الزاوية وجبلة الأدهمية. وعلى وقع زج مئات من شباب سورية ورجالها وأطفالها في أقبية السجون، وتسبيح كثيرين من خطباء المساجد والكنائس بحمد بشار، أطلق النظام مؤتمر الحوار مع المعارضة في فندق سميراميس في دمشق، وطغت فيه شعارات “البعث” بأبدية حكم الأسد، وتم فيه الاعتداء على من رفع صوته بتبني مطلب المتظاهرين بإسقاط النظام، واعتقل بعده من شاركوا في المؤتمر من أصحاب القضية الثورية.

في الثامن من يوليو/ تموز 2011، قرّر الشعب السوري أن يرد على دعوات الأسد ومخابراته إلى الحوار السوري السوري، حيث ارتفعت أصوات مئات آلاف المتظاهرين في حماة ودير الزور والقامشلي ودمشق وحمص ودرعا وريف دمشق، تحت شعار: “لا حوار مع الأسد”. وعلى الرغم من حملة أمنية دموية، شنها الأمن الأسدي، استشهد فيها أكثر من 26 متظاهراً من أبناء حماة التي كان قد وصل إليها السفيران الأميركي والفرنسي، خرجت واحدة من أكبر المظاهرات هناك على ضفاف العاصي، لتعلن بصوت هادر قرار كل السوريين من أقصى جنوب حوران إلى أقصى شمال دير الزور والقامشلي: بدكم بشار؟… لا والله. بدكم إيران ؟… لا والله.

في أثناء وجودي في سجن المخابرات الجوية في بداية إبريل/ نيسان 2011، كانت المخابرات الجوية، وقبل إخلاء سبيل أي معتقل، تتأكد من عدم وجود علامات تعذيب شديد

“الوحشية التي أمعن النظام بإنزالها بالشعب السوري، قابلها إمعان من المجتمع الدولي بتجاهل الجرائم تارة، وبالتسليم بها تارة أخرى”  على جسمه. وكان واضحاً أنهم مازالوا يجهلون طبيعة الرد الدولي على مجريات الأحداث في سورية. أخلي سبيلي بعد أيام من الاعتقال. وبعد أقل من شهرين، اعتقلت للمرة الثالثة التي طالت حتى منتصف 2012، وكانت أيضا في المخابرات الجوية. والعلامة الفارقة أن التعذيب يفوق ما شهدته سابقا بمراحل مهولة، وكان من الطبيعي أن يقتل أي معتقل تحت التعذيب، بل شهدت تعذيب أحد علماء الشام، وكان يتجاوز السبعين عاما، حتى فارق الحياة نازفاً.. سألت نفسي: ما الذي تغير خارج السجن حتى صاروا بهذه الشراسة واللامبالاة بأرواح المعتقلين؟

وجدت إجابتي عندما خرجت: ما حصل باختصار أن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، أندرياس فوغ راسموسن، صرح ثلاث مرات بأن لا نية للحلف للتدخل في سورية. ما حصل أن سفراء ولجان مراقبة أممية وعربية دخلت إلى المدن، وشهدت سحل المتظاهرين، وخرجت وكأن على رؤوسها الطير من دون أي إجراء. ما حصل أن سفراء ست دول، بينهم سفير أميركا، زاروا عزاء ناشط سلمي بارز في داريا، هو غياث مطر، وشهدوا اقتحام الأمن مكان العزاء في أثناء مغادرتهم، من دون أي حراك. ما حصل أنهم شهدوا أقبح مجزرة في العصر الحديث بحق المدنيين القاطنين بجوار أقدم عاصمة في التاريخ، واكتفوا بسرقة جزء من سلاح الجريمة، وتركوا البقية للمجرم، ليستمر بالعربدة على شعبه، ويستمروا هم في لعبة الأعمى.. والضحية. ما حصل أنهم قالوا له: اقتل اقتل اقتل، وسنبذل جهدنا في ألا نرى جرائمك والأدلة عليها. سنكذب على الضحايا بالتحقيقات وعدم كفاية الأدلة، ونتحجج باستعمال روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، ونبرر مشاركتنا في قتلهم بمحاربة الاٍرهاب. .. اقتل، إننا معك من القاتلين.

عمليّاً، تولى المجتمع الدولي مهمة تحديد حجم القتل المسموح به ووسائله، ولا يعنيني كضحية البحث في أن ذلك متعمّد أم غير متعمد.

.. بعد وصول جثمان غياث مطر الذي اهتزت داريا لاستشهاده، وكان منكلا به من عناصر مدير إدارة المخابرات الجوية، جميل حسن، إلى منزل أهله، أرسل النظام تعزيزات أمنية وعسكرية ضخمة، لمنع تشييع الشهيد الذي اقتصر على أهل الشهيد فقط، لتبقى قوات الأمن محاصرة خيمة العزاء التي وصل إليها سفراء خمس دول، بينهم سفراء أميركا وفرنسا وألمانيا، سريعاً ما تبدل طغيان عناصر الأمن إلى خوف، فمنهم من اختبأ في حاوية القمامة، ومنهم من اختبأ تحت السيارات، فقط حتى لا يرى سفراء دول عظمى جرائمهم التي وصلت إلى حد التضييق على خيمة عزاء. لم يدم ذلك الخوف طويلاً، فمع مغادرة السفراء، عادت قوات الأمن لتقتحم العزاء، وتعتقل أقارب للشهيد، وناشطين ما زالوا في سجون الأسد، وليس معلوما ما إذا كانوا من بين من صوّرهم سيزر أم ما زالوا أحياء في قبور المخابرات. وقد قال لي أحد أقارب من اعتقلوا ذلك اليوم: ما الفائدة من زيارة السفراء سوى أن من تم اعتقالهم اتهموا بالتخابر مع جهات أجنبية، وهذه الجهات الأجنبية (العظمى) لم تستطع أن تنجد الثورة، ولا حتى أنجدت من جرّت عليهم حقداً إضافيا لحقد النظام على كل منطقة ثائرة، بل حتى عجزت الدول التي حضر سفراؤها إلى العزاء عن أن تخرج معتقلاً واحداً؟

في القانون، ليست الجريمة فقط هي عندما تقدم على فعل يخالف القانون. الجريمة تكون أحيانا بامتناعك عن القيام بواجباتٍ يفرضها القانون ومبادئ الإنسانية… هكذا قتلنا العالم، وترك دمنا المستباح لسلاح الأسد وحلفائه.

هذه الوحشية التي أمعن النظام في إنزالها بأبناء الشعب السوري، قابلها إمعان من المجتمع الدولي بتجاهل الجرائم تارة، وبالتسليم بها تارة أخرى، مع قليل من التنديد والشجب. ولكن بالقدر الذي لا يؤثر على سير الجرائم، وفق مسار يحقق المآل المطلوب في إضعاف المعارضة قبيل إطلاق مفاوضات جنيف، وتحويل الحرب في سورية من حرب ضد الاستبداد والدكتاتورية إلى حربٍ ضد الإرهاب، ما أدى إلى بروز اتفاقيات هدنة وتهدئة في عدة مناطق وتهجير قسري في مناطق أخرى.

(4)

بدأت مرحلة جديدة من الصراع، تصاعدت فيها حدة جرائم الأسد بحق المناطق الثائرة، لتصل إلى ذروة وحشيتها بارتكاب مجازر الذبح ‏بالسكاكين، في كل من ريف حماة وحمص ودير

“الخط الأحمر الذي ‏رسمه أوباما كان هامشاً واسعاً للقتل وأدواته المرّخص للأسد استعمالها” الزور، وصولاً إلى مجزرة الكيميائي في الغوطة، إلى إطباق الحصار على مناطق حمص ‏وريفها وريف دمشق، ووضع المدنيين فيها بين خياري الموت جوعا أو الموت بقصف البراميل والكيميائي‎.‎

لعل أخطر الرسائل الدولية على الشعب السوري، وأكثرها خدمة لمشروع قتل السوريين الذي قاده الأسد، الخط الأحمر الذي ‏رسمه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، والذي كان في حقيقة الأمر هامشاً واسعاً للقتل وأدواته المرّخص للأسد استعمالها. وعندما تجاوز ‏الأسد ذلك الهامش بمجزرةٍ تعد من أكبر مجازر القرن الواحد والعشرين، اكتفى أوباما بسحب سلاح الجريمة، في تأكيدٍ منه أنه في وسعك القتل كيفما شئت، وقدر ما شئت، لكن لا تتجاوز قائمة أدوات القتل المحدّدة‎.‎

وعلى الرغم من استمرار فارق التسليح والدعم بين ما قدمه حلفاء الأسد للمجرم، بالمقارنة مع ما قدمه حلفاء الثورة لأصحاب القضية الحق، وتراجع دول كثيرة عن مواقفها الداعمة لقضية الشعب السوري في تغيير ديمقراطي، وتحقيق سورية مدنية ديمقراطية تعددية، ودخول روسيا وإيران وخليط إجرامي من مليشيات طائفية متعدّدة الجنسيات، في مقدمتها تنظيم حزب الله، على الرغم من ذلك كله، استمرت عمليات الثوار في المقاومة والتصدي ومعارك التحرير والدفاع، الأمر الذي دفع الأسد وحلفاءه إلى بدء استراتيجية تدمير المدن السورية فوق رؤوس أهلها، وإطباق الحصار الكامل عليها، لدفع الثوار وإجبارهم على الانسحاب منها.

(5)

طموح الثورة في إسقاط الأسد، وإحداث التغيير الحقيقي في نظام الحكم، وتحقيق الحرية والعدالة لكل السوريين من خلال حكومة ديمقراطية، لم ولن يكون محلا للتفاوض، لكن بعد أن واجه الشعب الثائر، وحيداً طوال سنين، المذبحة الأكثر دمويةً في القرن الواحد والعشرين، انخرطت المعارضة السياسية والعسكرية في مسارات تفاوض تنظر إليها على أنها بشأن كيفية رحيل الأسد، بما يؤمن تحقيق هذه الغاية مع أقل قدر ممكن من الخسائر، لكن الواضح أن العالم يستثمر قبول السوريين مبدأ المفاوضات بدفعهم إلى التنازل عن جذر القضية، وهو رحيل الأسد. وربما سيجد كثيرون في الموت خياراً أكثر منطقية، وربما سيجد آخرون من حملة الهمّ الوطني في الهزيمة خياراً.. لكن بالتأكيد لن تكون الخيانة خيار أي ثائر.

الثورة السورية.. ومفاوضات في أتون المحنة

(2-4)

فشلت المعركة الثانية لكسر الحصار عن حلب (نوفمبر/ تشرين الثاني 2016)، والتي واجهت فيها فصائل الثورة السورية سلاح الجو الروسي، بكامل طاقته، وآلافا من مليشيات شيعية متعدّدة الجنسيات، لتبدأ مرحلة إطباق الحصار وتدمير الأحياء الشرقية لحلب، وكل ملامح الحياة فيها، في مشهد إجرامي شابه، إن لم يتجاوز، مشاهد التدمير في الحرب العالمية الثانية.

وعلى الرغم من وحشية العدوان الروسي الإيراني، والضغط العسكري الهائل على خطوط المواجهة، قرّرت جبهة النصرة، مع حركة الزنكي وسرية أبو عمارة، مهاجمة “تجمع فاستقم” من الجيش الحر داخل مدينة حلب المحاصرة، والذي كان واحداً من أهم الفصائل المحاصرة وأكثرها تنظيماً، كما أنه الفصيل الحلبي الوحيد الذي كان قائده العام داخل حلب المحاصرة، ما ساهم، إلى جانب القصف وأسباب أخرى، في اختلال الخطوط الدفاعية وانكسارها في عدة جبهات، ما جعل شبح المذبحة بحق أكثر من مائة وخمسين ألف محاصر يخيّم على أجواء الأحياء المحاصرة.

غادرتُ تحت جنح الظلام منطقة سوق الجبس، أحد أسخن خطوط المواجهة مع الإيرانيين والقناصين الروس، لأعود مع المقاتلين مسرعين إلى بابسقا المجاورة للحدود التركية، لمنع رتل الزنكي من الوصول والاستيلاء على مقر قيادة الريف في “تجمع فاستقم” في جبل بابسقا، على وقع انقضاض قاذفات السوخوي وقصفها قرى ريف حلب الغربي بالعنقودي والنابالم. انتشرنا على قمة جبل بابسقا بعد منتصف الليل، مع قوات من جيش الإسلام وصقور الشام وتجمع فاستقم، لحماية مقر القيادة.

في تلك الأثناء، نفذت طائرة سوخوي روسية غارة جوية على خان العسل في ريف حلب

“بعد وصول مقاتليها إلى إدلب، بدأت جبهة النصرة بممارسة هوايتها في ابتزاز الثورة والعالم” الغربي، أضاءت واهتزت لها كلّ إدلب وريفها، بما في ذلك الجبل الذي رابطنا عليه. حينها لعنت قادة الفصائل وجبهة النصرة التي دفعت ثوارا كثيرين لترك نقاط المواجهة مع هذا الإجرام الروسي وجموع المليشيات الطائفية، لتغزو مخازن سلاح لفصيل يرابط معهم، ودفعت آخرين إلى ترك نقاط الاشتباك مع جموع المليشيات الطائفية القذرة لتدافع عن مقارها وسلاحها. ولم يكن في تلك الفصائل من المروءة ما يجعلها تحترم أشلاء المدنيين ومنازلهم التي كانت تحترق بفعل النابالم والعنقودي الروسي.

أحدث هذا المشهد إحباطاً وقهرا دمّرا همة ثوار كثيرين ومعنوياتهم. وساهم، إلى حد كبير، بفقدان الثقة بالنفس وبالفصائل وقادتها، إن لم يكن بالقضية. حطم هذا المشهد معنويات (وإمكانات) شباب غاضب يريد الثأر للمقهورين في حلب، فأخرجهم من معادلة المعركة التي لم يكن في الوسع الانتصار فيها إلا بروح قتالية، تستمد بركان غضبها من تراكم القهر والظلم والتكالب على قضية السوريين، وتستمد إرادتها وتماسكها من الثقة المشتركة بين رفاق الثورة والسلاح، وبين هؤلاء الثوار المقتتلين وشعبهم المقهور.

(2)

في بداية نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وأنا غارق في إحباط فشل معركة كسر حصار حلب، وقهري من الفصائل التي أمعنتْ في إذلالنا وتحطيمنا، على الرغم من شناعة المواجهة مع عدوٍّ أمعن في الإجرام بحق شعبنا، توجهت إلى أنقرة إلى جانب مجموعة من قادة الفصائل، لمناقشة عرض روسي لوقف إطلاق النار في حلب.

كانت المفاوضات مع وفد من وزارة الدفاع وهيئة الأركان الروسية، حاول في مستهلها إظهار رغبة روسيا في المساهمة بحل القضية السورية، وأن روسيا ليست متمسّكة حالياً ببقاء الأسد على رأس السلطة، لكنها ترى أن الطريق المناسب لتغيير الأسد عقد مؤتمر لمختلف فعاليات المجتمع السوري وشرائحه، ويشكل المؤتمر لجنةً لتضع مسودة الدستور، ويتم إجراء انتخابات بمراقبة أممية، استنادا إلى الدستور الجديد. ويشبه هذا كله، إلى حد كبير، المسار الذي يعمل وفقه مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، ويسيّر من خلاله مفاوضات جنيف. هذا الكلام المعسول كانت تبدده أشلاء ممزقة، بفعل قاذفات السوخوي، وانعدام الثقة بدولةٍ صرّح وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، في مستهلّ الثورة السورية، بكلام يقطر حقداً وطائفية، حين قال إنه لا يمكن لروسيا السماح للسنّة بأن يحكموا سورية.. ليقترن التصريح لاحقاً بجسر جوي وجنود وقنابل عنقودية لم تفرق بين مركز للدفاع المدني ومدرسة ومقاتل.

كان وفد القوى العسكرية في أنقرة، والذي كان يمثل كل الفصائل، بما فيها أحرار الشام وجيش الإسلام، باستثناء جبهة النصرة، يدرك المعطيات المؤسفة داخل أحياء حلب الشرقية المحاصرة. لذلك، حاول مراراً المناورة لإنجاز اتفاقٍ يوقف اجتياح حلب، بعد أن باتت مهدّدة، إلى حد كبير، بشبح المذبحة، الأمر الذي دفعه إلى قبول مبدأ التفاوض، وبحث مشروع وقف إطلاق نارٍ شامل، لكن بعد إنجاز اتفاقٍ ينقذ المحاصرين في حلب.

كانت جولات التفاوض الأولى متعثرة للغاية، بسبب انعدام الثقة، واستمرار الروس في

“على الرغم من شناعة المواجهة مع عدوٍّ أمعن في الإجرام بحق شعبنا، توجهت إلى أنقرة ومجموعة من قادة الفصائل، لمناقشة عرض روسي لوقف إطلاق النار في حلب” المراوغة في نطاق الهدنة الجغرافي، حيث برز المطلب الروسي في ألا يخصّ الاتفاق المناطق المحاصرة للمعارضة فقط. ولم يكن هذا المطلب مقبولاً لوفد الثوار، بسبب عدم الرغبة بإجراء تفاهماتٍ مباشرة مع روسيا التي كنا نقاتلها قبل أيام فقط، إلا في حدود الحاجة الملحة، والتي كانت تتمثل في إنقاذ حلب من شبح المذبحة. ومن جهةٍ ثانية، كان المطلب الرئيس للروس أن تخرج جبهة النصرة من أي منطقةٍ يشملها الاتفاق، وكان هذا الشرط قابلاً للتنفيذ في حلب، باعتبار العدد القليل لمقاتلي “النصرة”، والضغط الإنساني الشعبي الذي كان ممكنا أن يكون عاملا مساهما في إجبار مسلحي جبهة النصرة على الانسحاب هناك. أما في منطقة إدلب التي ذكرها الروس، فالأمر معقد جدًا، والإشكالية الرئيسية أصلاً أن “النصرة” قد يكون ممكنا أن نجبرها على الانسحاب من حلب إلى إدلب، لكنها تالياً إلى أين ستنسحب، وتعقيدات كثيرة لم يشأ وفد الثوار ربطها بملف حلب المحاصرة.

في الأسبوع الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، توصّل وفد الثوار والوفد الروسي إلى مسودة اتفاقٍ يقضي بوقف إطلاق النار والضغط العسكري على كل من حلب والوعر والتل، وكلاهما كانتا مهدّدتين بالتهجير القسري، وتم توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى بضمانة تركيا وروسيا، وكان يشبه، إلى حد كبير، الاتفاق الذي وقع أخيرا في القاهرة لوقف إطلاق النار في الغوطة، حيث كان سيبقي المناطق الثلاث تحت سيطرة الثوار، والسماح بدخول المساعدات بأنواعها كافة، في مقابل انسحاب مقاتلي جبهة النصرة إلى الوجهة التي يختارونها، مع سلاحهم وعائلاتهم أو بدونهما.

سافر الوفد الروسي متوجها إلى دمشق، ليوقع الأسد على الاتفاق، لكن الوفد الروسي لم يعد إلى أنقرة في الوقت المتفق عليه، متذرعا بتصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إن الجيش التركي دخل إلى الأراضي السورية لإنهاء حكم الأسد. في ذلك الوقت، بدأت دفاعات الثوار تنهار داخل حلب الشرقية، ليخسروا لاحقاً مساكن هنانو التي كانت بداية الانهيار السريع لأحياء المدينة المحاصرة، وفي الوقت نفسه وقع ثوار التل اتفاقاً يقضي بخروجهم إلى إدلب، ما جعل الصيغة التي تم التوصل إليها ملغية.

في بداية ديسمبر/ كانون الأول، وعلى وقع الانهيار السريع للثوار في حلب ومحاصرتهم مع عشرات آلاف من المدنيين في عدة أحياء فقط تبقت من القسم المحاصر، عاد الوفد الروسي ليطرح سيناريو وحيداً للاتفاق، وهو خروج جميع الثوار من حلب الشرقية إلى إدلب. كان كلام الضابط الروسي واضحاً، وكان في حقيقة الأمر تهديداً صريحاً، حيث قال: تغير الوضع في الميدان، وهذا العرض هو لمنع استمرار إراقة الدماء.

لم يكن هذا الخيار الذي نطمح إليه، لكنه كان خيارنا الوحيد لإنقاذ المدنيين، ومن تبقوا من ثوار. وتحت ذلك الضغط الإنساني وهول التطورات داخل حلب الشرقية، وافقت الفصائل، لتبدأ عملية تهجير أهالي حلب وثوارها إلى ريف حلب الغربي وإدلب.

أول الخارجين من حلب كان مسلحي جبهة النصرة الذين لو كان لديهم من الشرف والاكتراث

“قمت في أنقرة، مفوضاً من 14 فصيلاً ثورياً في شمال سورية وحمص وريف دمشق وحماة بالتوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار” لأمر السوريين ذرة لقتلوا أنفسهم، في بث مباشر، داخل أحياء حلب الشرقية، منعاً لتهجير أهلها، لكنهم كانوا كزعيمهم، الجولاني، بلا شرف ولا ضمير.

بعد وصول مقاتليها إلى إدلب، بدأت جبهة النصرة بممارسة هوايتها في ابتزاز الثورة والعالم، ليبدأ المدعو أبو بلال قدس، الذي كان مسؤول جبهة النصرة في نقطة العبور في الراشدين، بتعطيل عبور الحافلات، وبدأ يحاول فرض شكل جديد لآلية العبور.

في أثناء ابتزاز جبهة النصرة تركيا والوفد التفاوضي، لأجل أن تثبت قوتها على الأرض، وأن على الدول التفاوض معها، كان آلاف من الشباب والنساء والأطفال قد تجمعوا في منطقة الراموسة المدمرة، في انتظار الخروج من حلب، في درجات حرارة اقتربت من الصفر، وتحت هطول الثلج والبرد، ومن دون بيوت، ولا حتى دورات مياه، باتوا ليلتين ينتظرون جبهة النصرة الهاربة أن تقبل المقايضة عليهم. ومن دون وجود خطوط دفاعية حقيقية خلفهم، فيما لو قرّرت المليشيات الإيرانية والأسدية أن ترشّ عليهم النار، أو تقتحم المنطقة. كان المشهد سوريالياً، حسب ما نقلت لنا الصور من داخل حلب، أطفال يبكون حقاً من البرد ونساء بلا مأوى في الثلوج، وآلاف المدنيين متجمعون في مشهد أشبه بالقيامة المصغرة، وبالتيه الكبير للثورة اليتيمة، بينما يتاجر بآلامهم وأرواحهم تنظيم الجولاني، بعدما كان أهم أسباب معاناتهم وتشريدهم وهزيمتهم، وعلى الجانب الآخر كانت حافلات الخارجين من الفوعة وكفريا في وضع مشابهٍ أيضاً، وكثيرون ممن فيها من المدنيين كذلك، إلى أن استجابت جبهة النصرة والمليشيات الإيرانية، وخرجت آخر قوافل المهجرين من حلب في 21/12/2017.

(3)

بعد سقوط حلب، عاود الجانب الروسي طرح وقف إطلاق نارٍ يشمل كل الأراضي السورية، والدخول في مفاوضات مع النظام، لأجل حلحلة القضايا الإنسانية العالقة، مثل المساعدات الإنسانية والمعتقلين والمناطق المحاصرة. وبعد اجتماع قادة الفصائل في أنقرة، أجمع الحضور على أن هدنةً شاملةً أمر محل قبول، لكن الإشكالية في المفاوضات التي ستليها، لأن روسيا راعية لها.

تم الرد على المقترح الروسي بخطة لوقف إطلاق النار، قدّمها وفد الفصائل الثورية الذي غادر أنقرة إلى الشمال السوري، بعد تقديمه هذا المقترح. وبعد يومين، توصلت تركيا وروسيا إلى مسودة اتفاق حول وقف إطلاق نار شامل، وإطلاق مسار مفاوضات في العاصمة الكازاخية أستانة. عرضت المسودة على قادة فصائل من الجيش السوري الحر، ليقرروا التوقيع على الاتفاقية في 30 ديسمبر/ كانون الأول 2016.

قمت في أنقرة، مفوضا من 14 فصيلاً ثوريا في شمال سورية وحمص وريف دمشق وحماة بالتوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار، يتبعه مفاوضات لأجل القضايا الإنسانية العالقة، وفي مقدمتها المعتقلون والمناطق المحاصرة، وبعدها بأيام وقعت الجبهة الجنوبية الاتفاقية.

بعد توقيع الاتفاق، سعت الفصائل الموقعة إلى التشاور مع طيفٍ واسع من الفاعلين في الثورة السورية، من نشطاء وقادة للرأي العام في الداخل. وبمساعدة الحكومة التركية، تمت الدعوة إلى لقاء كبير في أنقرة، شارك فيه أكثر من خمسين شخصية فاعلة في المعارضة من ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية والهيئة العليا للمفاوضات، وأيضاً في الميدان. وقد جرت في الاجتماع، وعلى مدار يومين، مداولات ونقاشاتٌ قررت بعدها الفصائل الثورية الموافقة على المشاركة في مفاوضات أستانة بوفد ضم كل الفصائل السورية، بما فيها الجبهة الجنوبية، عدا حركة أحرار الشام. وكان قرار الموافقة على المشاركة في المفاوضات يستند إلى عامل جوهري، وهو أن عدم الذهاب يعني عودة السلاح الروسي إلى المواجهة العسكرية المباشرة وعودة الطيران الروسي إلى ممارسة ما يتقنه من قتل للسوريين بالنابالم والفوسفور الأبيض، ليبدأ بعد ذلك مسار أستانة بتفاصيله الإشكالية جداً.

(4)

كان واضحاً أنه بعد حلب بدأ فصل آخر من تغريبة السوري المتروك إلا من الأعداء، ولتبدأ الثورة السورية مرحلة جديدة وخطيرة، على المستويات كافة.

الثورة السورية ومسار اللامفاوضات في جنيف

(3-4)

صدر في سبتمبر/ أيلول من عام 2013 القرار 2118 عن مجلس الأمن، وتناول استعمال الأسلحة الكيميائية في سورية، بعد مجزرة الغوطة الشرقية، وضم بيان جنيف1 (صدر في 5 يوليو/ تموز 2012)، والذي وضع أسس الحل والانتقال السياسي في سورية، بدءا بتشكيل هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، ما يعني أن رحيل بشار الأسد هو الخطوة المؤسسة لانطلاق المرحلة الانتقالية. ووفق هذا الفهم لبيان جنيف، كان المسار التفاوضي سيفضي إلى وقف إبادة السوريين، وتحقيق طموحهم في تغيير نظام الحكم، لو أنه اقترن بإرادة دولية جادة وحاسمة في ضرورة وقف الجريمة التاريخية المعلنة بحق السوريين والقيم الإنسانية من الأسد وحلفائه، لكن ذلك لم يحصل.

ومع انطلاق الجولة الأولى من مفاوضات جنيف في يناير/ كانون الثاني لعام 2014، شهدت المعارضة السورية تبايناً في الرأي بشأن المشاركة في مفاوضات جنيف من عدمها، حيث امتنعت عدة فصائل من الجيش الحر والجبهة الإسلامية عن المشاركة، باعتبار أن المؤتمر يؤسس لخفض سقف تطلعات الثوار، بينما شارك الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، مدعوماً من بعض فصائل الجيش الحر في مقدمتها جبهة ثوار سورية.

بيان فيينا

حال الفيتو الروسي، وأولوية الاتفاق النووي الإيراني لدى الرئيس الأميركي، باراك أوباما، دون تحقيق مفاوضات جدية، فسرعان ما بدأت عملية تمييع موقف المعارضة، وتكسير حدة بيان جنيف، وهو ما تحقق لها لاحقاً بعد التدخل الروسي في سورية (30 /9 /2015)، من خلال مؤتمر فيينا (نوفمبر/ تشرين الثاني 2015) الذي أسس للقبول بدور إيراني في الحل.

وكانت هذه من نتائج الرغبة الأميركية في التراجع عن دور فعال في الملف السوري، وهو الذي أضعف مجموعة أصدقاء سورية، وساهم في فقدان المعارضة السورية قرارها لصالح القوى الإقليمية والدولية، ما أوجد فراغاً شجع موسكو للعمل على استثماره والانقلاب على بيان جنيف، لتعيد تأويله من خلال التوافقات مع الدول المؤثرة على المعارضة، ليصدر استنادا إلى ذلك البيان الختامي لاجتماع فيينا، والذي ارتكز على بيان جنيف. وفي حقيقة الأمر، تضمن بيان فيينا تجاوزا لفكرة جوهرية متعلقة بشكل الحكم الانتقالي، كان بيان جنيف قد نص عليها، وهي ضرورة تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة. بينما دعا بيان فيينا إلى تشكيل حكومة ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية، الأمر الذي أسّس لتمييع مفصلية رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، لكون كل الصلاحيات التنفيذية ستكون محصورة بهيئة الحكم الانتقالي بحسب جنيف، وهو ما نقضه بيان فيينا.

القرار 2254 وضمّ المنصات

بعد مؤتمر الرياض الذي تشكلت بموجبه الهيئة العليا للمفاوضات (ديسمبر/ كانون الأول

“حال الفيتو الروسي، وأولوية الاتفاق النووي الإيراني لدى الرئيس الأميركي، باراك أوباما، دون تحقيق مفاوضات جدية” 2015)، والذي نالت الفصائل الثورية تمثيلاً داخلها، إضافة إلى الائتلاف الوطني وهيئة التنسيق وشخصيات مستقلة، اعتقدت المعارضة أنها قد سدّت الثغرة التي لطالما أشارت إليها روسيا وإيران، وأحيانا دول من أصدقاء الشعب السوري، وهي قضية التمثيل الحقيقي. لكن سرعان ما عقدت مجموعات من الأشخاص وأحزاب “السوشيال ميديا” لقاءات في القاهرة وموسكو وأستانة، لتؤسس منصات معارضة، سيشير قرار مجلس الأمن 2254 إليها إلى جانب الهيئة العليا للمفاوضات.

بعد تفاهمات وزيري الخارجية، الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف، وليس بعيداً عن تفاهمات كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، وبداية التدخل الروسي الذي ركز على قصف مقرات الجيش الحر ومعسكراته، فضلاً عن المدنيين، وعلى الرغم من تشكيل الهيئة العليا للمفاوضات قبل أيام، تحقق التراجع المفصلي المطلوب ليصدر قرار مجلس الأمن 2245 (18 /12 /2015) الذي أسس لوجود ما تسمى منصات معارضة تحت مسمى منصتا القاهرة وموسكو، وأسس لمرجعية جديدة، بدأت تطغى على قرار مجلس الأمن 2118 وبيان جنيف.

وبعد شهرين فقط من صدور قرار مجلس الأمن 2254، وفي مؤتمر ميونيخ للأمن، بدأت الدندنة الأميركية على وقع بيان فيينا وهذا القرار بشأن إمكانية بقاء الأسد في المرحلة الانتقالية، وهو ما دفع رئيس الهيئة العليا للمفاوضات، رياض حجاب، إلى إبلاغ الوزير كيري استعداده لقطع أصابعه، بدلا من توقيع اتفاق يسمح ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية.

“لا تكترثوا، الهيئة هي الأساس، والكلام عن منصات القاهرة وموسكو مجرد إشارة لن تعطيهم أي وزن..”، رسالة رددها سابقاً معظم المبعوثين من دول أصدقاء سورية، في محاولة إلى دفع المعارضة إلى أن تتجاوز هذه السقطة المتعمدة في القرار الأممي الذي أسس، بكل وضوح، لتفتيت المعارضة بما يتماشى مع رغبات روسيا. والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه: ما هي عواقب عدم قبول ضم منصات القاهرة وموسكو إلى وفد المعارضة السورية، في غياب الحاضنة الشعبية لهذه المنصات؟ بل ينظر الشعب الثائر في عمومه إلى هذه المنصات على أنها من أشكال الاختراق الذي تحاول روسيا وحلفاؤها فرضه على المعارضة لإضعافها من الداخل، وما الذي تخشاه الهيئة العليا للمفاوضات، فيما لو أعلنت رفضها هذه المنصات، ورفضها تقديم أي تنازل في هذا الصدد، خصوصاً وأنه في اجتماع الرياض الذي كان مراداً منه أن يشكل وفداً موحداً للمعارضة، يضم منصتي القاهرة وموسكو، والذي تزامن مع الذكرى الرابعة لمجزرة الكيميائي البشعة في الغوطة الشرقية، جددت منصة موسكو “المعارضة” تمسكها ببقاء بشار الأسد على سدة الحكم في سورية!

جنيف 4

بعد إعادة هيكلة وفد الهيئة العليا للمفاوضات في الرياض، ليضم مزيداً من ممثلي الفصائل

“نفوذ روسي يدير تقريبا مسار جنيف كما مسار أستانة، وإن كان ظاهر الحال في جنيف يوحي بوجود رعاية دولية” الثورية، وتحديداً المشاركة في مفاوضات أستانة، قرّرت الهيئة العليا المشاركة في الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف. ولاحقاً، وبعد دموع من مبعوثة دولة صديقة، ورجاء وضغط من مبعوثي دولة أخرى (يفترض أنها صديقة)، وبطريقة غير مفهومة، تضاربت حولها الروايات، أبلغ رئيس بعثة الهيئة العليا حينها إلى جنيف يحيى قضماني الوفد المفاوض، برئاسة نصر الحريري، بموافقة الهيئة على مشاركة الوفد في افتتاح الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف، إلى جانب المنصات الأخرى، الأمر الذي شكل إقراراً وقبولاً بوجود تلك المنصات.

وكان مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، والذي كان يعمل بشكل دؤوب ليوحي للمجتمع الدولي أن مفاوضات جنيف مستمرة، يواجه تحديا كبيرا، بفعل رفض النظام الانخراط في مفاوضات جدية وفق قرار مجلس الأمن 2254، وبحث الانتقال السياسي، وبالتالي فإن خيارات دي ميستورا كانت محدودة، بسبب تعنت النظام تجاه سلة الحكم والانتقال السياسي، ما دفعه إلى تجاوز توازي بحث السلال، وبدء الهروب إلى الأمام، بالتركيز على سلال الانتخابات والدستور. ولم تمر هذه المحاولة على وفد الهيئة العليا الذي وافق على بحث القضايا الدستورية المتعلقة بالانتقال السياسي، ليجد دي ميستورا نفسه أمام خيار وحيد: تحويل المفاوضات من مفاوضات بين النظام والمعارضة إلى مفاوضات بين المعارضة والمعارضة.

السلال الأربع ومسألة الدستور

بات واضحا، في الجولتين الأخيرتين من مفاوضات جنيف، أن ما يجري في قاعات الأمم المتحدة يشكل الانعكاس التام لتعاطي المجتمع الدولي مع القضية السورية، نفوذ روسي يدير تقريبا مسار جنيف كما مسار أستانة، وإن كان ظاهر الحال في جنيف يوحي بوجود رعاية دولية، إلا أن الوقائع تثبت أن هذه الرعاية غائبة بشكل شبه كلي، فالتركيز على “سلة الدستور” في موازاة بحث ملف المعتقلين والمختطفين وتقليص أيام الجولات واستبعاد المضي في “سلة الحكم” التي تستند إلى الانتقال السياسي، وتناول إعادة هيكلة الجيش والمخابرات … إلخ، يشير بوضوح الى تماهٍ كامل بين مساري جنيف وأستانة الذي تساهم روسيا في صياغة معظم تفاصيله.

طرح المبعوث الأممي، دي ميستورا، مقترحه حول “آلية التشاور” الخاصة بالدستور، ليتبين لاحقا أن هذا المقترح يجسد توجهاً شخصياً من دي ميستورا نفسه، مستنداً في ذلك إلى الرؤية الروسية التي عبر عنها رئيس وفد روسيا، الأميرال إيغور، في أول لقاءاته مع وفد الفصائل الثورية في أنقرة قبل اتفاق حلب، حيث أبدى عدم تمسك بلاده ببشار الأسد، لكنها تعارض رؤية المعارضة السورية في تغييره، وهي ترى (روسيا) أن التغيير الذي يمكن لها أن تقبله وتدعمه أيضاً هو الدعوة إلى مؤتمر وطني عام، يفرز لجنة دستورية، تضع مسودة لدستور تجري، بالاستناد له، انتخابات تحت إشراف دولي، ثم قال “العرب السنة هم الأغلبية، وبالتالي لن ينجح بشار، وعندها لن نقف في وجه إزاحته”. وأكدت هذا الطرح محاولة رئيس الوفد الروسي إلى أستانة 1، ليفرنتيف، تقديم مسودة للدستور إلى وفد القوى العسكرية الثورية، وهو المقترح الذي واجه رفضاً تركياً.

السعي الروسي في مسألة الدستور مستمد من استراتيجية الالتفاف على مسألة رحيل الأسد في بداية المرحلة الانتقالية، بجعل الدستور الجديد ناظما لانطلاق المرحلة الانتقالية وآليات الحكم، وبالتالي جعل الحكم، من حيث التوزيع والشكل، محكوما بالمرجعية الدستورية، وليس بصيغة اتفاق الانتقال السياسي الذي يراد من مفاوضات جنيف الوصول إليه.

من جهة أخرى، سيتحقق الانخراط في مسألة الدستور قبل الانتهاء من البت بقضية الانتقال السياسي (سلة الحكم) تفتيتاً كلياً، ليس فقط للمعارضة السورية المتهمة بنقص التمثيل، بل

“لا يزال التعنت سمة تعاطي نظام الأسد مع مسار جنيف، انطلاقا من رفضه القاطع المضي في أي حل يجرده من السلطة أو حتى يقلص سلطاته” سيمتد هذا الصراع إلى أبعد من ذلك، إلى المجتمع السوري، وبالتالي تحويل وجهة الصراع بين معارضة وثورة مع نظام مستبد ومحتلين للأرض السورية إلى صراع بين العرب والأكراد والمسيحيين والمسلمين، وصراع أكبر بين الطوائف. وفي ظل هذه الفوضى المعقدة التي قد تمهد لحرب أهلية واسعة، سيكون وارداً جداً ارتفاع أسهم الأسد حلا لضبط هذه الصراعات.

ويبدو أن سحب دي ميستورا “آلية التشاور” الخاصة بالدستور لم يكن بسبب اعتراضات المعارضة وحسب، وإنما أيضا بسبب اعتراضات دولية، خصوصاً من واشنطن التي تتابع المفاوضات بطريقة غير مباشرة. ذلك أن التركيز على الدستور، والحديث عن مؤتمر للحوار الوطني، يمثلان إرادة روسية خالصة في الانقلاب على التراتبية المذكورة في الفقرة الرابعة من قرار مجلس الأمن 2254.

يترتب على وفد الهيئة العليا للمفاوضات التمسك الكامل بمناقشة السلال بالتوازي، انطلاقا من سلة الحكم بشكل رئيسي، ورفض المضي في بحث تفاصيل سلة واحدة بمعزل عن الأخرى، استناداً إلى التراتبية التي حددتها الفقرة الرابعة من القرار 2254، وهو ما يفرض البدء في تطبيق السلة الأولى (الحكم) على أرض الواقع، وهو ما أكده دي ميستورا لوفد المعارضة في “جنيف 5”.

ولم تكن مصادفةً وضع أولوية الحكم في الجدول الزمني، إذ لا يُعقل وضع الدستور أو قانون الانتخابات قبيل البدء في تنفيذ المرحلة الانتقالية.

كيف… أيها العالم الأحمق؟

لا يزال التعنت سمة تعاطي نظام الأسد مع مسار جنيف، انطلاقا من رفضه القاطع المضي في أي حل يجرده من السلطة أو حتى يقلص سلطاته، مستنداً في ذلك إلى نفوذ روسي إيراني في مواجهة مواقف متراجعة لحلفاء الثورة السورية، وهو ما يجعل الوصول إلى حل سياسي حقيقي أمراً مستبعداً في المدى المنظور. وليس على المعارضة، في ظل هذا الاستعصاء، أن تستجيب لدعوات إبداء المرونة والواقعية السياسية، وتقديم تنازلات تسهم في دفع العملية السياسية في جنيف، بل عليها أن تجدّد التزامها الكامل بتطلعات الشعب السوري، ودعواته التي كان أكثرها وضوحاً دعوة المتظاهرين في معرّة النعمان قبل أيام، حين رفع المتظاهرون لافتة تسأل: كيف يبقى رئيساً من قتل مليوناً من الشعب.. أيها العالم الأحمق؟

فعلاً.. كيف أيها العالم الأحمق؟

الثورة السورية ومفاوضات في حقل ألغام مسار أستانة

(4-4)

(1)

بطلبٍ من قادة الفصائل الموقعة على اتفاق أنقرة، وبرعاية من الحكومة التركية، احتضنت العاصمة التركية اجتماعاً موسعاً، شاركت فيه شخصيات ثورية وسياسية وإعلامية من مختلف قطاعات الثورة السورية والائتلاف الوطني السوري والهيئة العليا للمفاوضات، لمناقشة المشاركة في الجولة الأولى من مفاوضات أستانة. ولم يكن من السهل اتخاذ القرار بالمشاركة، وسط تصعيد كبير على وادي بردى من حزب الله ومليشيات النظام، أو الامتناع عن المشاركة، وما يعنيه ذلك من عودة المواجهات العسكرية المفتوحة مع النابالم والفوسفور الأبيض الروسي.

استمر الاجتماع يومين، اختتمته الفصائل باجتماعٍ مغلق قرّرت، في نهايته، المشاركة في الجولة الأولى من المفاوضات، مع تحفظ من حركة أحرار الشام التي أعلنت دعمها الوفد المفاوض، من دون عضويته، لم تكن مشاركة القوى الثورية في أستانة تستند إلى اعتماد أستانة مسارا لحل شامل للقضية السورية، وإنما مستمدة من حاجة المناطق المحرّرة لهدنة حقيقية، تعيد الحد الأدنى من ملامح الحياة الطبيعية للمدن المحرّرة التي باتت مدمرة، بفعل آلاف من غارات سلاح الجو الروسي. ومن جهة ثانية، كانت الفصائل، وبعد خسارة حلب، في أمس الحاجة لالتقاط أنفاسها، بعد ملحمة كسر الحصار التي خسرت فيها أعداداً ضخمة من العتاد العسكري، وأيضاً من القادة الميدانيين.

كان التصعيد الهمجي ضد وادي بردى دافعاً لعدم المشاركة. ولكن، في الوقت نفسه، لم يكن لدى جميع الحضور إمكانية تقديم أيٍّ من أشكال المساعدة العسكرية له، أو للمناطق المحاصرة في ريف دمشق، لذلك كان “أستانة”، في نظر وفد القوى الثورية، فرصة ضئيلة، وليست مؤكدة، لإنقاذ وقف إطلاق النار في الوادي، وفي سواه من المناطق المحاصرة المرهقة، وهو بالتأكيد أمر كان يستحق المحاولة.

(2)

شارك في الجولة الأولى من مفاوضات أستانة المبعوث الأممي للقضية السورية، ستيفان دي ميستورا، وشهدت حضوراً خجولا من المبعوثين الأوروبيين الى القضية السورية، وشاركت القوى العسكرية بوفد موسع، تميز بوجود ممثلين لكل الفصائل العاملة على الأرض السورية، باستثناء حركة أحرار الشام، ورافقه وفد تقني من الهيئة العليا للمفاوضات، يضم خبرات قانونية وسياسية، وهو ما شكل رسالة واضحة للروس بأنه لا نية للفصائل بتجاوز الهيئة العليا للمفاوضات.

وكانت أنظار السوريين ومهتمين كثيرين بالشأن السوري متوجهة إلى القاعة التي ستشهد

“مشاركة القوى الثورية في أستانة، مستمدة من حاجة المناطق المحرّرة لهدنة حقيقية” الجلسة العامة، وسيكون فيها وفد القوى الثورية العسكري في مواجهة الوفد الإيراني ووفد الأسد. قبل الدخول، أبلغنا دي ميستورا ووزير الخارجية الكازاخستاني أن الإعلام سيخرج من القاعة بعد انتهاء كلمة كازاخستان، بوصفها الدولة المضيفة للمحادثات، وهو ما اعترضنا عليه لرغبة الوفد بأن لا تكون أبواب الجلسة العامة مغلقة على أبناء شعبنا. امتد النقاش مع وزير الخارجية الكازاخستاني بشأن هذه النقطة، وحسم المسألة بإتاحة التصوير عبر الهواتف المحمولة، لكنه لم يتوقع أن أبث الكلمة مباشرة من داخل القاعة.

مع بدء رئيس الوفد محمد علوش كلمته، قمت ببثها عبر صفحتي على “فيسبوك”، لتنقله فضائيات عربية، مثل الجزيرة والعربية الحدث، وهي كلمة قوية، سهر الوفد طوال الليل في صياغتها، وكان وقعها واضحاً، وفي وسع كل من كان في القاعة أن يقرأها عبر تعابير وجهي رئيسي وفدي النظام، بشار الجعفري والوفد الإيراني، وقطعت الطريق على بروباغندا “القاعدة” القائلة إن وفد الثوار سيبيع الثورة داخل القاعات.

بعد الجلسة العامة، اقتصرت الجولة الأولى على جلسةٍ لوفد القوى الثورية مع الأمم المتحدة والوفدين الروسي والتركي استمرت ساعات، أكد فيها الروس سعيهم الحثيث إلى إنفاذ وقف إطلاق النار وتثبيته، ونيتهم إرسال طائرات بدون طيار إلى وادي بردى، لمراقبة الوضع هناك. وقال لنا الوفد الروسي، حسب زعمه، إن وزارة الدفاع الروسية وجهت رسالة زجرية إلى مدير مكتب الأمن القومي في النظام، اللواء علي مملوك، ووزير دفاع الأسد، فهد الفريج، بخصوص وادي بردى، وضرورة وقف عمليات القصف على هذه المنطقة. وأقر رئيس الوفد الروسي، بحضور دي ميستورا والوفد التركي بأن وادي بردى لا توجد فيه جبهة النصرة.

ازدادت شكوكنا في التزام روسيا بالأقوال التي كانت تطلقها في جلساتنا المغلقة، وتحديداً في اليوم الثاني من الجولة الأولى، حينما أبلغَنا رئيس الوفد الروسي حاجتهم إلى الوقت، لاتخاذ قرار بخصوص مسودة خطة تثبيت وقف إطلاق النار التي انكب الوفد التقني المرافق لوفد القوى الثورية على صياغتها، وسلمناها للوفدين، التركي والروسي، في بداية جلسات اليوم الثاني، لتختتم بعدها الجولة الأولى من المفاوضات من دون نتائج عملية.

ويمكن القول إن الجولة الأولى من مسار أستانة، ربما كانت الجولة الوحيدة التي تضمنت مفاوضات حقيقية، وخاضتها فصائل الثورة السورية بوفد منظم قوي، وعلى تنسيق عالٍ مع الهيئة العليا للمفاوضات، تجلى برفدها وفد الفصائل بوفد تقني عالي الخبرة، لكن ذلك لم يشكل فارقاً، فالوعود الروسية بقيت شفهية لم تطبق، وفي مقدمتها عدم اقتحام وادي بردى، وإيقاف مسلسل التهجير القسري الذي تقوده إيران، الأمر الذي عزّز انعدام إمكانية تحقيق شيء في أستانة، كما أكد يقين قوى الثورة تجاه روسيا المتشبثة بموقفها الداعم لبقاء الأسد.

(3)

بعد جولتها الأولى، أصبحت مفاوضات أستانة في مهب الريح، فبعد انتهاء الجولة الأولى سافر قادة الفصائل في وفد أستانة إلى الرياض للمشاركة في اجتماع الهيئة العليا للمفاوضات،

“الجولة الأولى من مسار أستانة ربما كانت الوحيدة التي تضمنت مفاوضات حقيقية، وخاضتها فصائل الثورة بوفد منظم قوي” وتشكيل وفد جديد، تعبيرا عن وحدة الموقف مع قوى الثورة والمعارضة المختلفة، وهو ما شكل رسالة واضحة لروسيا التي راهنت على رغبة “المسلحين” في الاستئثار بتمثيل المعارضة، وأن ذلك، حسب الظن الروسي، سيدفعهم (المسلحين) إلى تعطيل مسار جنيف والمضي في مسار أستانة ومناقشة كل القضايا المتعلقة بمستقبل سورية فيه.

كان الرد الروسي واضحاً، من خلال توجيه موسكو الدعوة إلى شخصيات مقربة ومرتبطة بموسكو على أنها معارضة سورية، كما حاولت إدخال مسألة الدستور ضمن جدول الأعمال، وهو ما قابله اعتراضٌ قاسٍ من الحكومة التركية، لتبدأ الخلافات ترخي بظلالها على المسار برمته.

وصلت وفود المحتلين الإيرانيين والروس مع مساعديهم من وفد النظام، كما وصل وفدا تركيا والأردن إلى أستانة وسط الخلافات الحادة، بينما كان موقف الفصائل هو المشاركة بوفد تقني، في حال رافق الدعوة جدول أعمال مقبول وواضح، لتصل الدعوة بعد ظهر اليوم الأول من الجولة الثانية من مفاوضات أستانة، وإعلان وزير الخارجية الكازاخستاني تمديدها، مرفقة بجدول أعمال يتضمن قضيتي المعتقلين والمساعدات الإنسانية.

اقتصرت الجولة الثانية على اجتماع واحد مع الوفد الروسي استمر ثلاث ساعات، كان فيه الوفد التركي الذي جلس خلف وفد الثوار مصغرا، في تعبير عن استياء من محاولة روسيا ممارسة الإدارة الكاملة لمسار أستانة. وكان الجانب الروسي غاضباً، واتهم تركيا بالتقصير في دورها ضامنا، فيما كان يعتذر لنا عن عدم إخلاء سبيل المعتقلة رانيا العباسي، وعلل ذلك بعدم وجود معتقلة بهذا الاسم، بينما حاول أن يجعل قضية المساعدات الإنسانية تقتصر على دخول قوافل مساعدات إلى الزبداني ومضايا وكفريا والفوعة، كما نقل الوفد الروسي رفض إيران والنظام مقترح وفد القوى العسكرية لتثبيت وقف إطلاق النار، بحجة مخالفته القانون الدولي!

وفد القوى العسكرية، بعد رفضه تذاكي الروس في اقتصار المساعدات الإنسانية على المدن الأربع، لأنها أساساً ضمن اتفاق آخر، لا علاقة للفصائل به، أكد أن روسيا لا يمكن لها أن تكون ضامنةً مع ممارسات ومبررات هزلية كهذه، خصوصاً في الوقت الذي تفشل فيه في إطلاق سراح امرأة معتقلة مع عائلتها، كان النظام مع زعيم جبهة النصرة، أبو محمد الجولاني، يعقد اتفاق تبادل أسرى أخلي بموجبه سبيل أكثر من 40 امرأة كن معتقلات لدى الأسد، وأنه، ووفق هذا السياق، لا يمكن أن تستمر مفاوضات أستانة، وأن الفصائل لا تراها مجدية أصلاً.

على وقع فشل الجولة الثانية، وعدم تحقيق أي تقدم في ملفي المعتقلين والمساعدات الإنسانية، ورعاية روسية مباشرة لاتفاق تهجير أهالي حي الوعر، قرّرت فصائل الثورة السورية مقاطعة الجولة الثالثة. قدمت استقالتي ناطقا باسم الوفد، بسبب طرح بعض الفصائل المشاركة بوفد تقني، الأمر الذي لم يحصل بسبب موقف معظم الفصائل الرافض هذا الطرح كليا. وراهنت روسيا على حضور بعض الفصائل، وبقيت وزارة الخارجية الروسية ومسؤولون روس يصدرون تصريحاتٍ بأن وفد الثوار سيحضر، كما حاولوا، في تصريحات بلهاء، دق إسفين بين فصائل الجبهة الجنوبية والجيش الحر في الشمال، حيث صرح مسؤول روسي بأن وفدا من الجبهة الجنوبية سوف يحضر، لكن الثوار خيبوا آمال روسيا، ولم يحضر أحد.

(4)

قبيل انطلاق الجولة الرابعة من أستانة، قصفت الولايات المتحدة الأميركية مطار الشعيرات،

“الوعود الروسية بقيت شفهية لم تطبق، وفي مقدمتها عدم اقتحام وادي بردى، وإيقاف مسلسل التهجير القسري الذي تقوده إيران” بعد ارتكاب النظام مجزرة الكيميائي في خان شيخون، وقرّرت بعدها المشاركة بشكل أكثر فعالية من قبل في مفاوضات أستانة، فالولايات المتحدة الأميركية قبل الجولة الرابعة كانت تشارك في جولات أستانة من خلال سفيرها في كازاخستان، وكان دوره مقتصرا على تلاوة رسالة قصيرة في افتتاح المفاوضات، يؤكد فيها دعم بلاده حلا سياسيا وضرورة وقف شلال الدم فيها.

التصعيد العسكري الأميركي ضد الأسد، والتصريحات المذلة التي أطلقها ترامب ضد الأسد، والتوجه الذي أعلنت عنه الإدارة الأميركية ضد إيران، وقرار المشاركة من خلال مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط، شكلت مجموعة عوامل، ربما كانت، وبتعاون مع الجمهورية التركية، ستفضي إلى وضع روسيا على المحك أمام تنفيذ التزاماتها، ودفع العمليات الإنسانية إلى الأمام، وضبط مسار أستانة بما يفضي إلى تثبيت وقف إطلاق النار، من خلال كبح الجموح الروسي الإيراني الهادف إلى تعويم مسار أستانة على حساب مسار جنيف.

على وقع هذه التطورات والمشاورات، قرّرت الفصائل الثورية مجتمعةً المشاركة في الجولة الرابعة من مفاوضات أستانة، كما أصدرت بيانا رفضت فيه استقالتي، وطالبتني بالمشاركة على الأقل حتى يتم تعيين بديل. وبعد اجتماع ضم عددا من الفصائل، بينها أحرار الشام وجيش الإسلام، أصدرت الفصائل بياناً تدعم فيه وفد الثوار إلى أستانة، مع التأكيد على مجموعة من الثوابت تجاه الحل السياسي وإيران، وأن أي اتفاق يتجاوزها سيكون مرفوضاً.

لم يمض وقت على وصول وفد الثوار إلى القاعة المخصصة له في مقر المفاوضات، حتى بدأت عمليات قصف مركز على ريف حماة وريف إدلب والقابون في دمشق، وهو ما دفع الوفد إلى المغادرة إلى مقر إقامته، وأبلغ كلاً من المبعوث الأميركي والمبعوث الأممي، ستيفان دي ميستورا، بنقل الاجتماعات التي كانت مقرّرة معهما إلى مقر إقامة وفد الثوار.

لم يكن اللقاء مع دي ميستورا كما توقعنا يحمل أي جديد، لكن اللقاء مع القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي، ستيوارت جونز، كان كفيلا بتوضيح طبيعة الموقف الأميركي من القضية السورية، وسط تكهنات وتحليلات متضاربة بشأن استراتيجية البيت الأبيض في سورية، وتحديدا تجاه النفوذ الروسي الإيراني.

وفي اللقاء الذي استمر ساعات معه، أكد الدبلوماسي الأميركي، على عدة ثوابت، الموقف العسكري الأميركي لم يتغير بعد ضرب مطار الشعيرات، ودعم المشاركة في أستانة، وأن وجود إيران ضامنا أمر ليس مقبولاً، الإدارة الأميركية مهتمة لمناطق تخفيض التصعيد، وشعرت الإدارة بشيء مختلف في المبادرة الروسية الجديدة، وأنها ربما تكون وسيلة لتخفيف النفوذ الإيراني في سورية.

بالنسبة لي، كان واضحا أن الولايات المتحدة تشجع على المضي في اتفاق تخفيض التصعيد، ومتحمسة للفكرة، مع بعض التحفظ على الأداء الروسي الذي كان يشهد فجوة كبيرة بين التصريحات وما يتم تنفيذه. وبالنسبة للنفوذ الإيراني، كان واضحا أنه لا وجود لاستراتيجية واضحة لدى الأميركيين للحد من هذا النفوذ، سوى تصريحات ما زالت جوفاء.

كان دور إيران إشكالية أساسية لدى وفد القوى الثورية، وكان محل نقاش مطول مع الجانب

“استطاعت روسيا وإيران، ولأسباب تتعلق بالقدرات العسكرية على أرض سورية من جهة والرغبة الدولية والأميركية في أن يكون الحل السوري من زاوية روسية” التركي قبيل الاتفاق. ولعل هذه القضية كانت القضية الخلافية مع الجانب التركي، فالثورة لا يمكنها التعامل مع إيران من منطلق الندية، كما الحال بين تركيا وإيران أو أي دولة أخرى، ولا يمكن للثورة أن تتعامل مع إيران وفق قواعد الدبلوماسية واللعبة السياسية، ذلك أن إيران تنفذ مشروع تغيير ديمغرافي، ومشروعاً طائفياً في سورية، وهي ضالعة بشكل مباشر في عمليات قتل ممنهج للسوريين، ومليشياتها تحاصر المدنيين، وترتكب بحقهم جرائم حرب، ولا شك أن روسيا أيضا في نظر الثوار عدوّ أمعن في قتل السوريين، ودعم المستبد الطاغية في مشروع إخضاع السوريين بعد ثورة الكرامة، إلا أن الفارق الجوهري بين العدوين، الروسي والإيراني، في أن محاربة المشروع الإيراني هو ضمن الإمكانات المادية للثوار، ويحظى بدعم عربي ودولي، في حين أن مواجهة عسكرية مع روسيا أمر أكد جميع أصدقاء الثورة أنهم ليسوا مستعدين لدعم الثوار بأسلحةٍ تمكنهم من خوض هذه المواجهة، وحتى الغطاء السياسي لمواجهة عسكرية مع الروس لم يكن كثير ممن تبقوا من حلفاء الثورة مستعدين له، ما يعني أن الثوار والمدنيين في المناطق المحرّرة وحدهم سيواجهون الروس الذين كان لسلاحهم الجوي الدور الأكبر في إفشال عملية كسر الحصار عن حلب، على الرغم من شجاعة المقاتلين واستبسالهم وتضحياتهم، فلا يمكن لسلاح بسيط أن يواجه أحدث القاذفات الروسية بصواريخها الارتجاجية والفراغية.

ناقش وفد الفصائل الخيارات تجاه اتفاق تخفيض التصعيد، وكان الإجماع على رفض الاتفاق في صيغته الحالية، قرّر الوفد إعلان رفض الاتفاق، وعدم الاكتفاء بالصمت حياله، وعدم حضور الجلسة الختامية، وأجرى الوفد مؤتمرا صحفيا في القاعة نفسها التي أعلن فيها عن الاتفاق، ووزع بيان رفضه الاتفاق على الصحفيين هناك.

(5)

استطاعت روسيا وإيران، ولأسباب تتعلق بالقدرات العسكرية على أرض سورية من جهة والرغبة الدولية والأميركية في أن يكون الحل السوري من زاوية روسية، على الأقل في الوقت الراهن، استطاعتا حرف مسار أستانة، ولعل التحديات التي تواجهها الدولة التركية على عدة أصعدة لم تساعد على الوقوف في وجه المساعي الروسية الإيرانية، كما لم تستطع الفصائل بناء مظلة مرجعية، تجعلها أكثر قوة وتنظيماً عند خوض تحديات دقيقة وصعبة بحجم مسار أستانة، هذا بالإضافة إلى تقطع أوصال المناطق التي يسيطر عليها الثوار، الأمر الذي أدى إلى تعزيز الرؤى المناطقية، وضعف الثقة بأداء الفصائل عموما، والوفد خصوصاً، وهو ما نجمت عنه مشاركة بعض الفصائل في الجولة الخامسة من أستانة، في ظل مقاطعة معظم الفصائل، بسبب استمرار الضغط الروسي الإيراني الأسدي على درعا البلد، بهدف الوصول إلى معبر نصيب.

ليس من السهل تقييم مسار أستانة، واتخاذ موقف الرفض القطعي للمضي فيه، خصوصا في ظل وقف إطلاق النار المتحقق، وتحسن نسبي في الحالة الإنسانية في معظم المناطق المحرّرة. لكن من المؤكد أن استمرار مشاركة الثوار في المسار من دون مرجعية وطنية وقيادة موحدة واستراتيجية واضحة، سيبقي الوفد في زاوية المراقب لنتائج المسار لا أكثر.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحرب المقبلة وورطة «حزب الله»/ غازي دحمان

    منذ الحرب الأخيرة التي خاضها «حزب الله» في مواجهة إسرائيل، تغيرت بيئة الحرب ...