الرئيسية / صفحات الرأي / عن الحثالة الاجتماعية وبعض من ثقافتها/ عزيز تبسي *

عن الحثالة الاجتماعية وبعض من ثقافتها/ عزيز تبسي *

 

 

يقتضي الدخول الصائب إلى موضوع الثقافة المهيمنة في سوريا، في نسقيها العالِم والعامي، العبور من بوابتها الرئيسية، أي الطبقة الاجتماعية المهيمنة، والتحري عن أصولها / سماتها / هويتها. فالثقافة، في حيز مهم منها، هي تعبير عن الاتجاهات والتفضيلات الواعية لهذه الطبقة الاجتماعية، وعن أهدافها وخياراتها الصلبة، التي تكرسها بعملها المستمر لتثبيت احتكاريتها الثقافية. وهي هيمنت منذ نصف قرن على التعليم الأساسي والجامعي والصحافة والإعلام والسينما والمسرح وحزمة الأنشطة الترفيهية والرياضة والكشافة.. وتكاملت وظيفياً بالهيمنة على القضاء والمحاكم والشرطة الخ.. أي على أجهزة الدولة برمتها.

واحد من المداخل يتأتى من تهميش الإنتاج المادي والثقافة المنبثقة عنه، التي تتوضع أسسها الصلبة على الحداثة وتحديد الأهداف التنموية والعمل على الوصول إليها، بالتكامل مع سلطات رقابية ومحاسبية، تأتي تعبيراً سياسياً وحقوقياً عن الفضاء العمومي الذي تحضر فيه فاعلية الأغلبية الشعبية.. وأما الاعتماد على الريوع الطفيلية (أن تعيش دون أن تعمل) بالتطفل على الطبيعة، أو بالتطفل على الإنتاج الاجتماعي، وتمكين الثقافات المنبثقة عنها، فيهدف الى أن تتصلب مع الزمن ثقافة المرتشين والمهربين وقطاع الطرق ورجال المافيات والمخبرين والقوادين. ويمكن كذلك تعقب الهجرات الواسعة من الأرياف، والتمايزات الاجتماعية في المدن، التي عمقت الانشطار الطبقي والهوياتي بين أحياء المدن الكبرى كنتيجة للمآزق التنموية المتعاقبة.. والشيخوخة المبكرة ل«الدولة – الأب»، التي كانت قد استحوذت على موقع رب العمل الأساسي والراعي الأكبر لمجموع السكان، بتوفير فرص العمل والدخول المادية المناسبة، مترافقة مع حزمة من الخدمات المجانية في التعليم والصحة، ودعم السلع الأساسية كوسيلة لتخفيف أعباء تآكل القوة الشرائية.

«الارتزاق»

بدأت تظهر بوضوح آثار هذه التوجهات التنموية وطابعها الريعي بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، بالتدفقات المالية من دول الخليج العربي التي أخذت شكل منح ومساعدات، قدرت قيمتها بنحو مليار ونصف دولار سنوياً، ساهمت في رفع معدلات النمو (بالأحرى الاستهلاك والرفاهية) إلى أرقام عالية (10,5 في المئة سنوياً)، وساهمت بتعميق الاعتماد على الريعية، حيث تمظهر التبخيس التدريجي لقوة العمل وعائداتها في الزراعة والحرف التقليدية الملازمة لها، وفي الخلل الواضح في قطاعات الدولة الإنتاجية (المصانع والمزارع الإنتاجية)، ما شكل الدوافع الأولى للهجرة المستمرة إلى المدينة والتكدس في أطرافها، في أحياء العشوائيات، ومعها غياب العمل الإنتاجي، وضعف عائداته، والتوجه إلى ما بات يعرف بالارتزاق مجهول المصدر، الذي جرى مبكراً الزج بالله في تحققه واستمراره، ربما لأنه تعبير عن أحد أسمائه الحسنى: الرزّاق.

الارتزاق، على الرغم من الكثافة الأيديولوجية لتسويقه وتبريره، ومن الاستعانة بالدين الإسلامي لمنحه الحصانة والحماية، يبقى نقيضاً للعمل والإنتاج المادي. وهو اختلاق أو افتعال لوضعية عمل لا يحتاجه المجتمع، يخص جماعات حصلت على امتيازات. من تلك الجماعات من يقبع في مواقع أدنى، وهم ليسوا سوى واجهات مسنودة لقوى اجتماعية أعلى مرتبة، تجلس في الظلال (مكاتب بيع وشراء العقارات والأراضي- معقبي معاملات ـ مكاتب محاماة مختصة بالقضايا المعقدة بيروقراطياً ـ مخلصين جمركيين ـ مضاربين عقاريين ـ مكاتب بيع سيارات ـ شركات مقاولات وهمية..). وأغلب هؤلاء توضعوا على جماعات عشائرية -عائلية صاحبة نفوذ.

ومن تلك الجماعات من يحتل مواقع أعلى وأشد التصاقا بالبيروقراطية (المدنية والعسكرية) الحاكمة، وهم استحوذوا على تقاسم استثماري في القطاعات الأعلى ربحية (الاتصالات ـ الالكترونيات ـ النفط ـ المواد الغذائية ـ النقل ـ الاستثمارات السياحية ـ العقارات ـ معامل الأدوية ـ استيراد السيارات..).

النصب

برزت كذلك في مرحلة من التاريخ الاجتماعي ـ السياسي السوري، ساحات الاستثمار كمعادل «للنصب» والنصابين، الذين اتخذوا هيئة مستثمري أموال بفوائد عالية، برزت منهم أسماء عديدة (كلاس ـ أمينو ـ خربطلي ـ حبيب ـ باشايان..) لكونها أشهرت إفلاسها بعد انكشاف لصوصيتها. وغابت عن مشهد النصب الاستثماري حالات كثيرة، تأخرت بالوصول إلى النتيجة ذاتها (مجموعة الديري – مجموعة كويفاتي..). وهناك مئات الحالات التي استثمرت وأفلست، ومنها لمّا تزل تمارس أنشطتها في أعمال تجارية وصناعية متوسطة، هي بعمومها من مدخرات العمال المهاجرين وأصحاب الدخول المحدودة.

تبين مع الوقت أن الأموال التي اكتسبت دون عمل (السرقات ـ الرشاوي..)، عالية جداً، منها ما يقدر ب 125 مليار دولار أخرج من التداول الاستثماري المحلي ليودع في مصارف أوروبية وأميركية واستثمارات في تلك الدول، والمتبقي منها وفر له حيز امتيازي لممارسة نشاطه، كأنها ثروات تأتي من المجهول أو من عالم الغيب. ويبرز ذلك من أسماء الأثرياء الجدد الذين يفتقدون لنسب سلالي (مكتومي الهوية الطبقية!) ما يشير إلى منشئهم ومنشأ الثروات التي باتت تهبط عليهم (سرقات آثار ـ تهريب المحروقات إلى دول الجوار ـ مضاربات عقارية ـ تهريب مخدرات ـ بيع أراضي ومزارع بلا سندات ملكية..). وعموم الكتلة المالية التي بحيازة هذه الجماعات لا تخضع للرقابة ولا للتكليف المالي ـ الضريبي، مستفيدة من فساد البيروقراطية الحكومية، وغياب القوانين الرقابية الجادة على الأموال والأرباح.

نهب مهندس

تعمق مع الزمن الاستبدادي هذا النمط المتفق عليه من اقتسام «الرزقة» بين المجموعات الامتيازية ذات السمات المافيوية، وخضوعه لهندسة صارمة لا تحتمل التعدي والتجاوز على المصالح. ينسب مثلا لمجموعة نافذة من عشيرة البقارة إدارة أعمال البناء وبيع الأراضي في مناطق المخالفات لثلاثة أحياء طرَفية في مدينة حلب (الشيخ مقصود ـ الأشرفية – بني زيد)، والسيطرة على عموم بسطات الدخان وحبوب المخدرات والهلوسة والدعارة وأكشاك بيع قهوة الإكسبريس. ومجموعة منهم تسيطر على منطقة تعرف باسم «مقطع البقارة» وهو مقلع صخري لإنتاج الأحجار والرمل والحصى وعموم ما بخدمته من وسائل النقل والتحميل، وهي من يحدد سعره وأجور نقله، فضلاً عن «الخوات» التي تضعها على المعامل والورشات والمستودعات في المنطقة المحاذية لها، المعروفة ب «الشقيّف»، وهي من المناطق الصناعية الكبيرة في الجهة الشمالية – الشرقية للمدينة. «آل حميدة» يحتكرون النقل والشحن والمستودعات في المنطقة الحرة، «آل بري» يحتكرون تهريب وبيع الدخان الأجنبي، «آل شويحنة» يحوزون على الحصة الأكبر في النقل الخارجي، «آل زيدو» يحوزون على الحصة الأكبر من تجارة لحوم الأغنام والأبقار.. الخ

«الملتزم» في العهد العثماني

تبقى العلاقة بين الطغمة العسكرية وهذه المجموعات من «الحثالة الامتيازية»، التي تدور في فلكها، علاقة شراكة شفهية يمكن الاستدلال عليها بنتائجها (وصول أشخاص منهم إلى مجلس الشعب ـ عدم خضوع تجاوزاتهم للمساءلة القانونية والجنائية، وثرواتهم للرقابة المالية الضريبية ـ التوسع المستمر لإمتيازاتهم..). ويحقق هذا المتَّحَد غاياته الوظيفية ويؤدي دوره التبادلي في المنافع المادية بين الطرفين.. وكأنها إعادة إنتاج لمركز «الملتزم» في العهد العثماني، الذي كان يهيمن، بالتوافق مع الدولة المركزية أو ولاتها المحليين، على حيز جغرافي – بشري («اقطاعة») لجباية الضرائب والأموال وتأمين المتطوعين العسكريين أثناء الحروب والتجريدات الحربية.. سيحصل مثل هذا بعد 18 آذار 2011، حيث تكفلت هذه الحثالة الاجتماعية – الإمتيازية ذات الأصول العشائرية والريفية، بتوفير الشبيحة، بينما اختص الجناح المديني منها بتوفير الأموال اللازمة لتمويلهم.

رؤوس فارغة وأيد طويلة

وقعت العديد من المقاربات التي تعاين الحالة الثقافية المنبثقة عن هذا المتحد الطبقي الطفيلي، في ظاهرية التناقض بعد تقسيمه إلى: من جهة، بنية أيديولوجية دينية ذات طابع شعائري (بعد إغراقها في أنظمة العبادات والدروس الدينية والدعوات التربوية التهذيبية التي برزت بوضوح أثناء الاحتلال العراقي للكويت وما بعده)، وبعد فتح الطريق أمامها لتغدو رديفاً للأيديولوجيا القومية اللفظية… ومن جهة آخرى، الى بنية أيديولوجية ترفيهية ذات طابع إنحلالي (الملاهي والمطاعم..). وقد أبقي عليهما كمكانين متاحين للنشاط العمومي. وإما العلاقة بينهما فليست مقطوعة كما يشير وضعهما الأيديولوجي المتباين شكلياً، بل هي على العكس مفتوحة على مداها، وتثبت المتابعة أنها تخضع لعمليات متواصلة من الانتقالات المتبادلة.

القطاع العالِم

شهدت بداية عقد الثمانينات من القرن الماضي قوانين استثنائية لدخول الجامعات للبعثيين بعد حصولهم على علامات تفضيلية لتأديتهم دورات عسكرية عُرفت بدورات المظليين والكتائب البعثية المسلحة، ليحصلوا بعدها على مواقع إمتيازية داخل الكليات العلمية، فضلاً عن جماعات أخرى أقل عدداً دخلوا هذه الكليات بالوسائل الامتيازية ذاتها: «أبناء الشهداء»، الذي بات تعبيراً فضفاضاً يشمل كل عسكري مات أثناء تأدية وظيفته أو أثناء دوامه الرسمي، وأبناء الهيئة التدريسية الجامعية، والمتفوقين/ات في حقل الرياضة. ومن أجل استمرار هذا الجانب الامتيازي وعدم التراجع عنه، ستخضع المواقع البيروقراطية لتحولات نوعية بعد أقل من عقد من الزمن، أي بعد تخرج الدفعة الأولى من هذه المجموعات، وحصولها على الأولوية في تعيينات المواقع المتوسطة والعليا في الوظائف الحكومية، وقبضها على بطاقات البعثات العلمية التي تُرسل إلى الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية والغربية لاستكمال التعليم الجامعي، وللحصول على شهادات الدكتوراه.. سيطر هؤلاء بعدها على معظم كراسي التعليم الجامعي ومواقع عمادة الكليات، أي على المركز الأعلى في إنتاج الكوادر العلمية العليا والمتوسطة، إيذاناً ببداية جديدة للانتشار الموسع لثقافة بيع المواد التعليمية وأسئلة الامتحانات، ولابتزاز الطلبة أخلاقياً ومالياً وحصارهم سياسياً وأمنياً.

وتظهَر الأنماط الثقافية العالِمة (السينما ـ المسرح ـ الموسيقى السيمفونية -الشعائرية الدينية…) كأشكال تزيينية للطغمة العسكرية والمتحد الطبقي الذي تمثله، وكغطاء أيديولوجي يتوخى الحداثوية. ويختار قسم منها حقل شركات إنتاج الدراما التلفزيونية ومحطات أف أم الإذاعية والمحطات الفضائية.. مكاناً لبعض استثماراته، لتغدو هذه القطاعات، بعد عقد من الزمن، الواجهة الإعلامية للفئات الإمتيازية الجديدة، وتعبيراً عن توجهاتها وتفضيلاتها ومزاجها. الديماغوجيا أساس فكري يلائم هذا المتحد الطبقي، ويَظهَر شكله بخلطة أيديولوجية تقوم بدورها المباشر في حجب مصالحه الامتيازية والتستر عليها. فوق البسطات الموزعة على أرصفة الشوارع الرئيسية التي تبيع الأشرطة المدمجة والكاسيت، تتوزع الخيارات المتاحة من خطابات الشيخ محمود قول أغاسي الشهير بـ«أبو القعقاع»، والشيخ متولي شعراوي، وعلي الديك وسارية السواس وفريحة العبد الله.. وأفلام الأكشن الأمريكية، المسلسلات الرمضانية الكوميدية. وعلى بسطات الكتب في الرصيف الموازي، كتيبات الأبراج الفلكية، قراءة الطالع في الكف وفنجان القهوة، والكراريس الدينية التعليمية والإرشادية، وكراريس تعليم الحاسوب، واللغات الأجنبية، والطرائف، والسحر، والحجامة، والطب النبوي..

* كاتب من سوريا

 

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...