الرئيسية / صفحات العالم / عن الروس والنظام الروسي

عن الروس والنظام الروسي

 

ياسر قبيلات

-1-

الروس يبحرون

تبدو المناورات الروسية الأخيرة حدثاً مهماً بنظر المراقبين ووسائل الإعلام لكونها الأضخم والأولى من نوعها منذ فترة طويلة؛ غير أنّ هذا أبسط ما يثير الاهتمام بهذا الحدث المهم دون شك، ولا سيّما إذا ما ربطناه بصعود دور روسيا الدولي، خلال السنوات الأخيرة. وهنا، يوقعنا التركيز على المناورات نفسها، في وهم أننا أمام حدث طارئ ينتهي كما بدأ في موعده المحدد؛ غير أنّ الحقيقة تكمن في أنّ البحرية الروسية وضعتنا، والمعنيين في العالم، أمام إعلان مثير عن بداية كبيرة لمهمة طويلة لا تنتهي، سمّاها الوزير سيرغي لافروف «حفظ الاستقرار في المتوسط». والاستقرار في المتوسط، كما هو معروف، واحدة من حالات العناية الفائقة، ومهمة تتطلب الانشغال الحثيث والمستمر.

وبمعنى ما، فإنّ المناورات نفسها تنتهي في موعدها، لكن الحضور الروسي في المتوسط (والأسود) سيستمر ويتواصل، ويصبح معهوداً وأكثر كثافة من أيّ وقت مضى، بما في ذلك خلال العهد السوفياتي. وبهذا تدشّن البحرية الروسية مهمة دائمة ثانية، إلى جانب المهمة التي تؤديها من خلال بعض قطع أسطول المحيط الهادئ في خليج عدن، وقبالة شواطئ الصومال في مكافحة أعمال القرصنة البحرية.

مناورات لافتة

ما يجري في المتوسط، بحدّ ذاته، قد لا يكون كافياً لفهم أبعاد الحدث، لكنّه يقدّم مداخل مناسبة لقراءة تقود إلى تلك الجوانب المثيرة، التي تقف وراء خروج الروس عن «صمتهم» العسكري، الذي تمثل في انشغالهم الأمني الداخلي والحدودي البري المباشر، لتنظيم تظاهرة بحرية كبيرة في منطقة محاطة بالهواجس السياسية ومزدحمة بالبؤر المتفجرة، في معاكسة واضحة لمفهوم التدريبات العسكرية، التي لا يندر أن تؤجلها الدول لتلافي سوء فهم سياسي أو تحاشي إثارة خصم هناك.

وبهذا، فإنّ المناورات الروسية التي لم تلتفت إلى هذا كله، توجه الاهتمام نحو البحرية الروسية بوصفها واحدة من الأذرع الطويلة للدول. وأول ما يمكن أن نذكره هنا، هو السمات العامة للبحرية الروسية، التي عانت دائماً نقطتي ضعف، كانتا تعيقان نموها.

الأولى: أنّ روسيا بطبيعتها برّ مترامي الأطراف، وفي اللحظات التي كانت الدولة (القيصرية ثمّ السوفياتية) فيه تواجه تحديات وضعفاً داخلياً، يجري ترجمة ذلك على نحو مباشر بإهمال القوات البحرية، وتجميد خطط تسليحها وتحديثها. هذا حدث مراراً، وانعكس تكراراً على الجاهزية والقدرة، إضافة إلى أنّ البرّ المترامي كان يتيح مع ظهور القوة الصاروخية نقاط تمركز داخل روسيا نفسها لتغطية أهداف خارجية بعيدة، تحتاج الولايات المتحدة لتغطيتها إلى قواعد عسكرية خارجية وبحرية كفوءة تجوب البحار. بمعنى الاستعاضة عن القدرة العملياتية بقوة الردع الصاروخية، وهو ما جعل البحرية الروسية، مثلها مثل الدولة السوفياتية، تمثل حالة ردع ساكنة، دون احتمالات تدخّل موضعية أو تنفيذ عمليات محدودة.

الثانية: أنّ الاتحاد السوفياتي لم يسعَ على نحو جدّي لايجاد قواعد عسكرية في الخارج، واعتمد على القطع البحرية الاستراتيجية، القادرة على التحرك بمهمات طويلة وبعيدة، انطلاقاً من المركز. وهو بذلك لجأ إلى التركيز على الأعماق (غواصات) مقابل حدّ أدنى من السيطرة على السطح (سفن، بوارج، حاملات طائرات، سفن انزال). ولهذا، فإنّ عدد قطع الأعماق السوفياتية كان يعادل تقريباً عدد مثيلتها الأميركية (اثنتا عشرة قطعة مقابل أربع عشرة).

ذكريات سيئة

وفي خلفية ذلك كله، ذكريات بحرية روسية سيئة تبدأ من مأساة أول قطعة حظيت بها البحرية الروسية (السفينة الشراعية فريدريك)، التي فقدت في أول رحلة لها في بحر قزوين على أثر مواجهتها عاصفة شديدة عام 1636، ثم سفينة «آريول» (النسر) التي واجهت نهاية مشابهة، حينما استولى عليها القوزاق المنتفضون بقيادة ستيبان رازين، وأغرقوها في مصب نهر الفولغا (1669)، أمّا الحادثة الأكثر قسوة، فهي حصار السفن الروسية في «بورت آرثر» خلال الحرب اليابانية ـــ الروسية عام 1904، وخسارة عدد من السفن التي حاولت أن تخرق الحصار، حينما وقعت في حقل ألغام ياباني. وعلى أثر هذا، أنشأ القيصر نيكولاي الثاني هيئة الأركان البحرية العامة (1906)، وبدأ التفكير في توجيه الاهتمام نحو الألغام البحرية والغواصات.

تأثرت البحرية الروسية، كذلك، بخسارة مراكزها المهمّة في اتفاقيات سياسية حرجة، ففي عام 1661 اضطرت روسيا إلى التخلي عن حوضها الأول لبناء السفن «تساريفتش ديميترييف» الواقع على الأراضي السويدية، ثم فقدت بموجب اتفاقية باريس في ستينيات القرن الثامن عشر الحقّ في امتلاك أسطول في البحر الأسود. بينما دفعت الحرب اليابانية – الروسية إلى نقل عمليات أسطول المحيط الهادئ إلى بحر البلطيق، وخسرت روسيا هذا الأخير عام 1918 بموجب اتفاقية بريست ليتوفسك، فجرى إجلاء أسطول البطليق (الشمال) من هلسنكي (فنلندا)، وتالين (أستونيا) إلى كرونشتادت خلال عملية الرحلة الجليدية.

وفي هذه الفترة، وقع التدخل الأجنبي (البريطاني) في روسيا البلشفية، واحتُلّت منطقة المحيط الهادئ والبحر الأسود وسواحل المحيط المتجمد الشمالي؛ بينما علاقة الثورة البلشفية الرومانسية بالبحرية التي بدأت مع تمرد المدرعة بيتيومكين (1905) والسفينة أفرورا (1917) لم تستمرّ، فقد شهد عام 1921 تمرّد بحارة أسطول بحر البلطيق، الذي كان قد نُقل إلى كرونشتادت بالقرب من سانت بيترسبرغ (لينينغراد) في الخليج الفنلندي.

الغواصة كورسك

كان لعهد فلاديمير بوتين، أيضاً، ذكرياته البحرية السيئة، وعنوانها حادثة الغواصة كورسك التي غرقت في ظروف غامضة عام 2000، لكن هذه الحادثة على خلاف ما سلف لم تؤد إلى حالة نكوص وتراجع، بل على العكس من ذلك لفتت الانتباه إلى القوات البحرية التي عانت طوال عهد بوريس يلتسن تقليص مخصصاتها وإهمالها لدرجة العجز عن تنفيذ برامجها الاعتيادية.

ابتدأ منذ ذلك الحين (عام بوتين الأول رئيساً لروسيا) البحث في مشاكل البحرية الروسية ووضعها إلى جانب الأولويات الأخرى، التي كانت تواجه روسيا الغارقة لأذنيها في مشاكلها الداخلية والاقتصادية، إلى جانب انهيار سمعتها الدولية وتراجع دورها الخارجي. وكان من المتوقع أن تبقى تلك مجرد خطط ووعود، ليس فقط لضغط المشكلات الملحة، بل كذلك لغياب التصور المباشر والمحدد للدور الذي يمكن أن تؤديه «البحرية» في مستقبل كان هو ذاته بعيد المنال، ويبدو حلماً خيالياً.

ومن المعروف، حينها، أنّ بوتين منذ تسلّمه الاستخبارات كان قد بدأ بإعداد ملفات (فساد وفضائح مالية وأخلاقية) لمراكز القوى المتنفذة حول يلتسن، والدوائر العليا في النخبة الحاكمة، وتحديداً «الأوليغارش» الذين حولوا الرئاسة الروسية إلى ألعوبة يتنافسون على استغلالها. وهذا مشوار واصله، رئيساً للوزراء ورئيساً لروسيا؛ وعملياً كان بذلك يعيد هيكلة الحياة السياسية في روسيا مع التشديد على حقيقتها الفدرالية، التي ضاعت في أعوام يلتسن من خلال مراكز النفوذ، التي كانت ترى عن قرب ضعف مركز السلطة وعملت جاهدة على استغلال حاجات الأقاليم إلى التنمية، فخاضت معارك في التنافس على النفوذ في الأقاليم وفي تقاسمها، واستغلال نفوذها فيها سياسياً في موسكو، ما قاد بدوره إلى تقسيمات إدارية انشطارية، بحيث تشظت روسيا إلى نحو ثمانين وحدة إدارية، مع حقوق سيادية بالعلاقات الخارجية للحكام الإداريين.

ومن المعروف كذلك، أنّ بوتين بدأ رئاسته للوزراء بحرب جسورة في الشيشان، واصلها بعد ذلك خلال رئاسته لروسيا بتصفية مجموعات المسلحين الإسلاميين الانفصاليين؛ كان من نتائجها المباشرة استعادة الجيش لثقته بنفسه وبقدراته، ووصول قادته إلى قناعة بأنّ لديهم أخيراً سياسياً يثقون بجديته. وبهذا، كان قد أحكم سيطرته القوية على البلاد وعلى الحياة السياسية فيها، في وضع جعل منه أقوى من جيل كامل من السياسيين المتعددي الطبقات والمستويات والأهواء والمشارب، ما أهّله لاستعادة صلاحيات «المركز»، وإعادة السيطرة على المؤسسات والثروات الوطنية الكبيرة التي كانت قد جرت عملية خصخصتها على نحو متعسّف وسافر.

في هذا الوقت، شهدت أسعار النفط ارتفاعاً كبيراً، بينما كانت روسيا قد وسعت من استثماراتها في مجال الطاقة (النفط والغاز)، ودخلت الأسواق العالمية كواحدة من كبار المصدرين، فيما ارتفع معدل الانتاج إلى أضعاف (الشهر الحالي زاد انتاج روسيا من النفط على السعودية)، ما وفّر موارد مالية ضخمة، فتحت المجال أمام الكثير من البرامج، ومنها تحديث القوة البحرية الروسية.

مخاطر وتهديدات

اجراءات بوتين استتبعت عداءً غربياً له، جرت ترجمته بالضجة حول الحريات الإعلامية (أهم وسائل الإعلام كانت مملوكة لـ«أوليغارش» يهود، بعضهم يحمل الجنسية الإسرائيلية) وحقوق الإنسان (حرب الشيشان) واعتدائه على الليبراليين وحرية السوق (قضية خودروفسكي، رئيس عملاق النفط «يوكوس»)؛ لكن بوتين الذي أمضى سنوات طويلة في الاستخبارات الخارجية على احتكاك وتنافس مع الغرب، لم يفهم كلّ ذلك خارج علاقة التنافس وصراع المصالح.

وعملياً، فإن من أهم الصفات التي يمتاز بها بوتين وفريقه من المقربين (لافروف على وجه الخصوص) هو أنهم ليسوا مأخوذين (كأسلافهم من عهد غورباتشوف ويلتسن) بزملائهم الغربيين، وآخر من يبهرهم هم الأميركيون. وأكثر من ذلك، يمكن الحديث عن شعور داخلي بالازدراء تجاه زملائهم الأوروبيين، بينما لا يجدون في الحديث عن «الذكاء الأميركي» طرفة ممجوجة، غير أنهم في المقابل شديدو الاهتمام بالقوة والنفوذ الأميركيين.

ولهذا، فقد رُبطت علاقة روسيا بالجانب الغربي من خلال عنوانين رئيسيين، هما: وقف التمدد الغربي الأطلسي باتجاه وحول روسيا من خلال ضمّ أعضاء جدد، ثم التسلح وبرنامج الدرع الصاروخية، باعتبار أن هذين العنوانين يحددان اتجاهات العلاقة: شراكة أو تنافساً. ومن المعلوم أنّ الغرب لم يقدّم إلى روسيا في هذا الشأن سوى التطمينات السياسية والدبلوماسية، وأنّ الروس، الذين لا يجدون سبباً لبقاء حلف الأطلسي، ويعدّونه من مخلفات الحرب الباردة، ردّوا على ذلك مطلع عام 2010 بعقيدة قتالية جديدة، جرى توصيف «الأطلسي» فيها عدواً رئيساً، أخذ مكانه على رأس التهديدات الاستراتيجية السياسية والعسكرية، باعتباره الخطر الأول.

هنا، في هذه المساحة، كان البحث عن تصوّر حول دور القوات المسلحة ووظيفتها في الوضع الجديد قد اكتمل، وبدأ بالانتقال من الورق إلى الشروع في تطبيقه، ونقله إلى حيّز الواقع من خلال اجراءات وبرامج محددة. والمناورات الروسية الأخيرة واحدة من حيثياتها. وإن كان على المرء أن يفكر في أنها ليست كل شيء، فهي أولاً مجرد مباشرة لإبحار السلاح في السياسة، وهي ثانياً تحمل معنى تحديد الأولويات، وبهذا، فالمتوسط (والأسود بطبيعة الحال) يأخذان مكانهما على رأس قائمة الأولويات الروسية!

-2-

قاعدة على ساحل أزمة

تكثّف ظهور الأسطول الروسي في المتوسط منذ بداية الأزمة السورية، وبدأت زيارات القطع البحرية لمرفأ طرطوس تصبح ملحوظة، ومع الوقت بدأت تثير الاهتمام، بينما راح المراقبون يتحدثون عن القاعدة العسكرية الروسية هناك، باعتبارها سبباً رئيساً للموقف الروسي الحازم في مجلس الأمن؛ والحقيقة أن الاتحاد السوفياتي بقيادة غورباتشوف أضاع وتخلى عما هو أهم من سوريا، فضلاً عن قاعدة طرطوس. بينما كاد يلتسن أن يتخلى عن وحدة الأراضي الروسية نفسها، سعياً للحفاظ على علاقات «الصداقة» مع الغرب.

وهنا، يجب على المرء أن يقرّ بتغيّر الزمن، الذي يصطفي رجاله كل حين، وأن نعترف بأن الاتحاد السوفياتي غاب لأن غورباتشوف حضر بكامل «ابتسامته»، وأن روسيا توارت وراء أزماتها لأنّ يلتسن كان يجد أن وفاءه لزوجته يعني بالضرورة أنه مخلص لروسيا، بينما لم يكن لديه من طاقة لمواجهة أزمات بلاده، فقد كان عليه أن يعالج صباحاً بعد آخر صداع ما بعد السكر. ظهر عقب غورباتشوف ويلتسن، أبناء مؤسسات وأجهزة الدولة، التي أهينت وجرى امتهان هيبتها ومنعتها، بسبب قادة حزبيين جاءت بهم التصاريف الكارثية التي جمدت قدرة «الحزب القائد» و«طليعة المجتمع» على تجديد نفسه، فابتدأوا عهداً جديداً ويقينهم أنّ الفرصة التي واتتهم مرة، لن تقترب منهم مرة أخرى، وأنّ المشكلات مهما كانت عاصفة وساخنة مع العالم فهي ليست بالسوء الذي تمثله المشاكل الدخلية، ولا سيما مع فقدان الشعبية لدى النواة الصلبة المتمحورة حول فكرة روسيا بين الروس وغيرهم من أبناء القوميات التي تعتد بتاريخها المشترك مع الروس، ولا سيما في إطار دولة الاتحاد السوفياتي.

قاعدة اجتماعية

أبناء مؤسسات وأجهزة الدولة هؤلاء، الذين يمثلهم بوتين بالدرجة الأولى، أدركوا أنّ صلتهم بالمجتمع، وموقعهم فيه يتحددان بموقف «الحزب» الأوسع انتشاراً في روسيا وهو الجهاز البيروقراطي للدولة، الذي كانت السيطرة عليه تعني النفوذ في المجتمع والسيطرة التامة على الدولة والغلبة المؤكدة في أيّة معركة سياسية داخلية، وفي موازنة ذلك، ولتلافي الطحن في مفرمة المساومات والتنازلات والعيش في دوامة الرضى والغضب الذي يعيق أي مساس بهذا الجهاز، خطا هؤلاء خطوات مباشرة نحو أهم شريحتين في المجتمع وأكثرهما عدداً واتساعاً وتوزعاً جغرافياً وديموغرافياً: الجيش والمعلمون، من خلال اهتمام مباشر أعطى لهما الأولوية في الإفادة من المقدرات التي أتيحت للدولة من خلال ارتفاع أسعار النفط.

وهكذا، بدلاً من تدليل المصرفيين ورجال «البزنس» العنيف والعصابات، محبوبي يلتسن وأمله (كان قد صرح مرة بأنهم أمل الأمة وإن كانوا «الآن» مجرمين)، توجّه رجال روسيا الجديدة إلى الاستثمار بسخاء في هاتين الشريحتين، اللتين كانتا تمثلان هيبة الاتحاد السوفياتي (القوة ودولة التعليم والعناية بالأطفال)، ومما يقال هنا، إنه جرى رفع رواتب الجنود والعاملين في قطاع التعليم عشرة أضعاف، مع إعادة الاعتبار إلى المؤسسة العسكرية والمدرسة والعاملين فيهما.

الفكرة باختصار، تتمثل في تشكيل قاعدة اجتماعية ضرورية في بلد أضحى بكامله في لحظة ما، حياً نيويوركياً من ثلاثينيات آل كابوني، يبحث كل فرد فيه عن زعيم عصابة يقدم إليه الطاعة والولاء و«الجباية» اللازمة ليحظى بالحد الأدنى من الطمأنينة والشعور بالأمان. وإلى جانب منتسبي القوات المسلحة والأمن والجهاز التعليمي، كان هناك عالم المال والأعمال (ولا سيما الشرائح المتوسطة والصغيرة الأوسع انتشاراً) الذي استفاد من استتباب الأمن في المدن وعودة الاعتبار إلى القانون، إلى جانب منتسبي الجهاز البيروقراطي للدولة تحققت معادلة استقرار داخلية، فرضت من ذاتها لاستكمال عوامل الاستقرار وتحفيز الفكرة الروسية ذات الجاذبية، بالحديث عن المصالح الروسية في الخارج، التي ليس من المصادفة أنها موجودة فعلاً. لم يلفت ذلك اهتمام المواطنين الروس فقط، بل كان هذا بحدّ ذاته يمسّ هموم جاليات روسية كبيرة عالقة في الجمهوريات السوفياتية السابقة، وقوميات أخرى في الداخل وفي المجال الروسي الحيوي، الذي يمتد بامتداد أراضي الاتحاد السوفياتي السابق (من هنا حديث بوتين عن الجاليات الروسية ومجال الناطقين باللغة الروسية)؛ وهذا أحيا الارتباط الاجتماعي والثقافي في جمهوريات سوفياتية اجتاحها التأثير الأميركي والغربي.

جاهزية للخارج

بهذا تبدو روسيا مستعدة. وتعيش لأول مرة منذ عقود ارتياحاً داخلياً، تدرك أنها لن تحتفظ به لمجرد أنها حققته، بل بقدرتها على الاستجابة لممكناته الكبيرة، التي تمد ظلال التأثير والفعالية وتأمين المصالح الروسية بما يتناسب مع بلد يكاد يكون الأكبر امتداداً في العالم، وثاني بلد من حيث منعته، والأهم من حيث ثرواته الطبيعية، وقدراته البشرية. وهنا يجري الحديث مباشرة عن الحضور الدولي خارج حدود السياسة والدبلوماسية. ومن يراقب الوزير سيرغي لافروف يدرك أنّه من ذلك النوع من البشر، الذي يكره في مهنته أنها تكتفي بترجمة الإرادة إلى مجرد ورق، وأنه في حياته المهنية كان يفتقد دائماً القوة القادرة على التهديد، التي تفيه من التكرار والصبر على تكرار الآخرين لكلامهم ومواقفهم في الرد عليه.

وهذه حاجات تحتاج إلى مقومات، ومقومات تجد ترجمتها في برامج التسليح غير المعهودة في تاريخ روسيا، في عهودها الثلاثة الروسي والسوفياتي ثم الروسي. وما الجموح الروسي الحالي في الحالة السورية، إلا مظهر من مظاهر تصفية القلق الداخلي، وتسوية الانهيار الاقتصادي، واستعادة مكانة الدولة المركزية وهيبتها. وهي كذلك حاجات تلبيها ميزانيات البحث العلمي في مجالات التسلح والفضاء والتكنولوجيا الرقمية وبرامج التنمية، التي تستعيد قيم الوطنية المتمحورة حول فكرة الدولة العظمى، التي أهدرها كل من غورباتشوف ويلتسن. وبطبيعة الحال، فإنّ الجاهزية للخارج تتحدد بعوامل عديدة منها درجة الاستعداد المرضي على نحو خاص للبحرية والأساطيل، ولها بالنسبة إلى الروس موعدان، الأول عام 2016، وفيه تجري مرحلة من مراحل التحديث والتسليح، والثاني عام 2020 مع اكتمال الخطة الموضوعة لتحديث التسليح والجيوش، التي كانت إلى ما قبل وقت قريب تعاني تدني نسبة حداثة تجهيزاتها.

ورغم ذلك، يمكننا أن نتأمل مؤشر وزارة الدفاع الروسية للفرص في ظروف وقوع حرب (العدو المفترض لهذا المؤشر هو الولايات المتحدة)، ويشير إلى 52% لمصلحة الروس. ويمكننا أن نعدّ هذا المؤشر العلني مجرد دعاية نفسية، غير أنه يجدر بنا في المقابل مراقبة المشهد السياسي الدولي ومواقع الفاعلين فيه، والنظر في الأفق للتحقق من هوية القادم من الشرق، ومعرفة شخصية المبتعد نحو أفق الغروب.

سوريا… سوريا

في هذا السياق كله، حكاية لروسيا مع التدخل الأطلسي في يوغوسلافيا، وأخرى مع العراق، وثالثة مع ليبيا أكثر فصولها باتت معروفة، لكن لها حكاية مع سوريا لا تزال تثير المخيلة. والتفكير يذهب تلقائياً إلى طرطوس. تلك القاعدة التي بذل السوفيات جهداً مضنياً في اقناع الرئيس حافظ الأسد بمنحهم إياها. وكان الاتحاد السوفياتي حينها (مطلع الثمانينيات) يملك نقاط امداد عديدة، في «كام رانه» (فييتنام) وجزيرة سوقطرة (اليمن الجنوبي) وجزر سيشل وكوبا، إضافة إلى أنّ السواحل كانت مليئة بالسواحل الصديقة، الخارجة عن النفوذ الأميركي. وبذلك، فإن طرطوس تبدو اليوم أهم مما مضى، على الأقل لأنّ الروس لم يعودوا يملكون خارج بلادهم قواعد بحرية سوى اثنتين: الأولى القاعدة السوفياتية السابقة على البحر الأسود (سيفاستوبول) التي صادف أنها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واقعة في حدود أوكرانيا (جرى ترتيب وضعها بعد منازعات)، والثانية بعد الخروج من مضيق البوسفور في طرطوس بسوريا.

أهمية طرطوس تزداد، وعلينا أن نتذكر أنّ الروس الذين يواجهون استحقاقاً خارجياً، مهتمون بإيجاد المنافذ وهم يتفاوضون اليوم على إعادة تشغيل نقاط الإمداد البحري السوفياتية السابقة، وهم كذلك معنيون بالتأكيد على احترام القانون الدولي، ومنه ما يتعلق بالممرات المائية بما يضمن لأساطيلهم حرية الحركة، ويسعون إلى إيجاد مزيد من التفاهمات المساعدة. وما مجاملتهم لمصر ـــ مرسي إلّا لأنها في النهاية تسيطر على قناة السويس، لكنها في المقابل لا تسيطر على عقلها السياسي. لذا، فالفكرة بالنسبة إليهم ليست في التخلي عن طرطوس، لكن في إيجاد المزيد منها.

ولنعرف هنا، أنّ قطع الأسطول ذات المهمات الطويلة، كانت في العهد السوفياتي قبل ظهور طرطوس تلجأ إلى الرسو في مياه دولية ضحلة نسبياً، لإجراء عمليات التفقد والإصلاح والتموين في عرض البحر. بينما يزيد من صعوبة تخلي الروس عن طرطوس، أن قطع البحرية الروسية تؤدي مهمة دائمة في خليج عدن لمكافحة القرصنة، وتحتاج إلى نقطة إمداد قريبة. وفي الظروف المستجدة، التي تغيّرت فيها لغة البحرية الروسية من الحديث عن «مهمات تدريبية روتينية» إلى الحديث عن «استقرار المتوسط»، فإنّ القاعدة البحرية الروسية الواقعة على ساحل الأزمة السورية، تمثل الحجر الأساس في خطط الوجود المنتظم اللازم لهذه المهمة.

التدخل الروسي

الاهتمام الشديد بمناورات البحرية الروسية، لا يتعلق بحجمها في الحقيقة، لكن بعلاقتها بما يجري بسوريا، وبإمكانية أن يفعل الروس ما فعلوه بمجلس الأمن (يكاد ذلك أن يكون جواباً عن التساؤل!) فيتدخلون في سوريا في لحظة ما دون اعتبار للأميركيين. وهذا أصعب الأسئلة على الإطلاق. لكن مجرد كونه أضحى سؤالاً صعباً فهو يشير إلى حجم من الاحتمالات غير المتوقعة. بينما الدعاية المضادة ضد الرئيس السوري، التي روجت أنه سيلجأ في النهاية لإقامة دولة على الساحل، وقالت لاحقاً إنّه يقطن على بارجة روسية، تفضح تقديرات وتخوفات دول مطلعة على حجم الاستعداد الروسي، ومستوى الرسائل المتبادلة خارج اللقاءات العلنية بين موسكو وواشنطن.

بطبيعة الحال، يعرف الجميع، أنّ الروس عاشوا تجربة قاسية بتدخلهم العسكري في أفغانستان، وهذا أوجد حالة أشبه بالاجماع العام بعدم إرسال أيّ جندي للقتال خارج الحدود، وأن الخارج هو مسرح للعمليات الاستخبارية، حصراً، لا أكثر من ذلك، لكن هذا كله كان في عهدَي غورباتشوف ويلتسن. أما روسيا الحالية، فهي جامحة دون استعجال وتجاوز للتجارب المريرة، وتلفتها الحسابات التي تنصب على سؤال: «ماذا لو..؟». وهذا السؤال يجري التحوط له ببرنامج التسلح الذي يعزّز عدد القطع البحرية وقدرتها، وحجم القوات البرية العاملة عليها، والتجهيزات الصاروخية، وردع الأعماق (الغواصات).

وهنا، يلفت الانتباه، أن قائداً من البحرية الروسية كان قد أعلن في الخريف الماضي أن روسيا تضع في اعتبارها حالات الاضطرار للعمليات الخارجية، وأن فرقة من هذا الاختصاص يجري تشكيلها لمواجهة عمليات الإرهاب. وليس أسهل على الروس اليوم أن يصنفوا حكومة الولايات المتحدة كواحدة من الخلايا النائمة لتنظيم القاعدة.

-3-

روسيا وسوريا: مهمات واختصاصات

لا يمكن معاينة تنامي حضور البحرية الروسية دون التفكير بنوع وحجم الدور والحضور الروسي المقبل في المنطقة، كما لا يمكن للمرء أن يغفل عن «البحرية» باعتبارها واحدة من الأدوات التي تعد لإسناد هذا الدور ومواجهة المخاطر التي تواجهه. ولكن قبل هذه المخاطر هناك عوائق الوصول الطبيعية، التي تتمثل بعدد من المضائق التي يجب أن تعبرها ثلاثة من أربعة أساطيل روسية، لتصل إلى البحار المفتوحة. وهذه في الغالب مضائق محروسة بدول هي، بشكل أو آخر، محكومة بنفوذ العدو الرئيسي المتمثل بحلف شمالي الأطلسي.

تعقيدات الجغرافيا تفرض نفسها كنقطة ضعف خطيرة تواجه «البحرية الروسية» في ظروف حرب، فمن حيث المبدأ، هناك واحد من الأساطيل الروسية الأربعة غير قابل لأداء مهام بعيدة، وذلك لظروف بحر قزوين المغلق، الذي لا يتصل بأيّ ممر مائي. بينما تقف مضائق الدردنيل والبوسفور والمضائق الدنمراكية في طريق أسطولي البحر الأسود وبحر البلطيق، في حين يحتاج أسطول المحيط الهادئ إلى قطع نصف العالم مبحراً من أقصى الشرق، ومع ذلك سيضطر للمرور بباب المندب ثمّ قناة السويس، أو عبور مضيق جبل طارق للوصول للمتوسط.

هذا الواقع يفرض، ابتداءً، على روسيا التشديد على التمسك بالقانون الدولي برمته، وليس فقط بما يتعلق بالممرات المائية، ويدفعها واقعياً إلى تأمين تواجد دائم في البحار المفتوحة و«المتوسط» على وجه الخصوص، لتأمين القدرة على الوصول دون عوائق. وهذا، من جهة، يتطلب تعزيز عدد وقدرة قطع الأساطيل، وهو يوجد حاجة إلى قواعد مثل تلك التي تحتفظ بها روسيا في طرطوس السورية.

أكثر من مجرد قاعدة

أعلن الروس أكثر من مرة أنهم لا يفكرون بالتخلي عن قاعدة طرطوس، بينما تعني الزيادة الهائلة في عدد القطع البحرية (نحو 130 قطعة جديدة من بينها 8 غواصات استراتيجية) مضاعفة الحاجة إلى هذه القاعدة، لا سيّما أنّ المتوسط، اليوم، أخذ معنى إضافياً باعتباره مستودعاً للغاز، وساحلاً لممر بديل للطاقة.

والأهم من قاعدة طرطوس، أنّ الوضع الجديد الذي تعيشه روسيا يوجد لديها حاجة إلى سوريا صديقة، وبعيدة عن حلف الأطلسي، واللافت أنّ موسكو اندفعت لتظهير عقيدتها السياسية الجديدة في الموقف من الأزمة السورية، وهذا ليس مجرد عناد بوجه الغرب، ولا مجرد دفاع عاطفي عن الرئيس السوري. ولكنه يكشف من ناحية عن الموقع الذي تحتله سوريا في الاستراتيجية الروسية، وهو من ناحية أخرى يعطي دمشق أفضليات واعدة في العلاقة مع موسكو لاحقاً، ويمنحها حالياً أذناً روسية شديدة الإصغاء.

وفي السياق، لا يمكن لروسيا أن تقبل بسيناريوهات الفوضى في سوريا، كما لا يمكنها أن تقبل بتمرير انقلاب سياسي تحت أيّ عنوان، وبأي وسيلة، يؤدي إلى تسليم الحكم لمجموعات لها ارتباطات بالقوى الدولية المنافسة، مثلما لن تسمح بتمرير صيغة تطيح النخبة الحاكمة في دمشق واستبعادها من الحياة السياسية. لذا، فتفسير بعض التصريحات الروسية الرافضة لتنحي الرئيس السوري، لا يجانب الحقيقة حينما يصف ذلك بأنّه مطلب روسي وليس سورياً فقط.

لقد باتت سوريا القوية، التي تستطيع أن تلعب دوراً محورياً في المنطقة، حاجة روسية. فموسكو التي لا تفضل مدّ يدها إلى نار المنطقة، يريحها أن احجامها عن ذلك لا يخلف استفراداً غربياً بمصير شرق المتوسط. وهذا لا يتحقق إلا بوجود حليف قادر على ملء الفراغ، وهذه هي سوريا.

ومن المريح بالنسبة لموسكو أنّ الحليف السوري غير متطلب، وتتوقف متطلباته عند الحدود التي تسمح بها المبادئ العامة للعلاقات بين الدول وفق القانون الدولي، الذي أضحى التأكيد عليه لغة مشتركة بين الطرفين. في حين أنّ ما يريح موسكو في الموضوع السوري هو أن المؤشرات التي تتجمع لديها تؤكد قوة النظام وقدرته على القيام بما عليه أن يقوم به لمواجهة تداعيات الوضع الميداني، بما يبعد أيّ احتمالات لتورط روسي في الحريق السوري الداخلي.

العقل السياسي

يجدر التنويه بأنّ الروس جادون تماماً بدعمهم لعملية تغيير في سوريا. لكن التغيير الذي يتحدثون عنه لا ينسجم مع الدعوات إلى اطاحة النظام، وتغيير وجه سوريا، ولكنه تغيير يحقق حياة ديموقراطية وسياسية سليمة، يخرج البلاد من حالة الاحتقان والتفجر، ويعيد إليها استقرارها. وهنا، فإنّ كثيراً من دواعي الراحة الأساسية لدى السياسي الروسي بما يتعلق بسوريا تتصل بأسباب تتعلق بطبيعة العقل السياسي السوري المستقر، الذي يعرفونه جيداً وخبروه تماماً، ويثقون به، ويستطيعون التعامل معه. وآخر ما يرغبون فيه هو رؤية سوريا في يد سياسيين جدد يتخبطون ذات اليمين وذات الشمال، كما يحدث ببلدان «الربيع العربي»، أو يكررون النموذج الذي مثله العقيد معمر القذافي بمزاجيته المعروفة.

وفي سياق العلاقة الروسية السورية، يحضر تاريخ العلاقات التي تواصلت رغم انهيار الاتحاد السوفياتي، وما تبعه من اضطراب كبير في السياسة الخارجية الروسية في عهد يلتسين، كما تحضر كذلك فكرة أنّ سوريا هي صانعة واحد من أقدم التحالفات في العالم (العلاقة مع إيران)، في نموذج عجزت الدول العربية مجتمعة عن أن تحقق مثله في ما بينها، حتى تلك التي تتفق في الموقف والمصلحة.

استقرار العقل السياسي السوري، جعل من دمشق بالنسبة للسياسي الروسي الطرف العربي الوحيد القادر على بناء علاقات مستقلة وتحالفات استراتيجية طويلة وموثوقة، وذات مردود ايجابي ومثمر. وفي منطقة مثل منطقتنا تصبح هذه قيمة عليا، بينما يصبح هذا الطرف عملة نادرة مطلوبة بشدة، في حمأة البحث عن حلفاء دائمين.

تاريخ وجغرافيا

تاريخ النظام السوري مع الجماعات الاسلامية المتطرفة، يمثّل بحدّ ذاته قيمة أخرى مضافة بالنسبة إلى دولة عانت نحو عقد من تطرف اسلامي خارجي شبك خيوطه مع انفصاليين تزعمهم عقيد متقاعد من الجيش (دوداييف في الشيشان) في معادلة لم تختلف كثيراً عن مثيلتها السورية حيث ما يسمى «الجيش الحر» و«جبهة النصرة»؛ ومن اللافت أنّ الروس عاشوا التجربة السورية الحالية كاملة من التدخل الأجنبي غير المعلن لصالح الإرهابيين، والدخول في مفاوضات ومحاورات، إلى أن جاء رجل العهد الروسي الجديد (بوتين)، فقرّر أن هذه القضية سيادية ولا تهاون فيها، فشنّ حربه الجسورة (1998)، وانتهى من ملف كان يشغل الدولة حتى عن تنظيم حالة الطرق في العاصمة.

وفي الجغرافيا، تحاذي سوريا بعداء «إسرائيل»، التي لم تعد بالنسبة إلى القادة الروس الجدد، بوابة خلفية وابناً مدللاً للغرب يجب استرضاؤه لخطب ودّ ذويه، بينما تقف «إسرئيل» في وجه طموحات الشركات الروسية بالاستثمار في غاز المتوسط. وهي بذلك عامل ضغط وازعاج متوقع دائماً. وفي حين لا يرقى الأمر إلى درجة العداء، يجد الروس راحة في علاقتهم بـ«سوريا قادرة على الإزعاج»، ويمكنها أن تكون في حسابات السياسة المعادل الموضوعي للمخلب الغربي بالمنطقة.

ومن جهة أخرى، تمتلك سوريا حدوداً طويلة مع الجارة تركيا، التي تتنازعها أوهام أطلسية وأحلام عثمانية، سبق أن حاولت ترجمتها في منطقة القوقاز من خلال توفير ملاذ آمن ومحطة ترانزيت للمتطرفين المتوجهين إلى الشيشان، ومركز لنقل الأموال والأسلحة. وتلاحظ روسيا أنّ سوريا تشتبك مع تركيا سكانياً واجتماعياً، وكذلك في واحدة من أهم القضايا الإقليمية التي تقلق تركيا (القضية الكردية). وهذا الاشتباك، يبقى رغم كلّ شيء مصدر قلق تركي مطلوب في وقت ينظر فيه الروس بريبة إلى أوهام تركيا الأطلسية، وتثير فيهم أحلام الأتراك العثمانية ذكريات سيئة. وتقف سوريا في الطريق من المتوسط نحو العراق، الذي يطمح الروس إلى أن يكون له مكان مميز في منظومة دولية جديدة، وأن يشكل اتصالاً بين قطبين حليفين (إيران وسوريا) ثم بروسيا مباشرة عبر بحر قزوين، بما يتيح الاستفادة من الجغرافيا، إلى جانب الإمكانات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بمواجهة حلف يضيّق الخناق على روسيا بالمستويات نفسها من جهات أخرى، وسبق له أن أرسل موجات من الاضطراب لأراضيها باستخدام البر الجنوبي.

مهمات واختصاصات

في العلاقة الروسية ــ السورية مهمات واختصاصات تجعل موسكو تشعر بالارتياح؛ مهمات تتمثل بالجهد السوري في إدارة الأزمة الداخلية بما يلزم لمواجهة المجموعات المسلحة التي تسعى بأموال وأسلحة قوى إقليمية ودولية إلى تغيير وجه سوريا، مع الانفتاح على المطالب السياسية في تحقيق التغيير والاصلاح وتحديث الحياة السياسية واشراك المجتمع في الحياة السياسية، بما يمنع وصول روسيا إلى لحظة تواجه فيها خيارات صعبة في التدخل المباشر، مقابل اختصاصات روسية بالمواجهة في المؤسسات والأروقة السياسية الدولية، وتأمين عوامل الردع السياسي والعسكري لمنع أيّ تدخل عسكري أجنبي، والتعاون في مجال إيجاد البدائل الاقتصادية.

ويراهن فريق دولي وعربي على أنّ الاختصاصات الروسية ستصبح مرهقة مع طول استمرار المهمات السورية وامتدادها شهراً بعد شهر، وعاماً بعد آخر. هذا صحيح نظرياً، لكن التقديرات الروسية لعمر الأزمة السورية يرسم لها أفقاً يمكنه الامتداد لست سنوات. وهنا، بالكاد مضى عامان فقط، اتضح خلالهما أنّ مخاوف موسكو من التطرف الإسلامي المسلح، التمددي الطابع والقابل للتوظيف الدولي، موجودة فعلاً في عمق الأزمة السورية وعلى سطحها.

* كاتب أردني

الأخبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...