الرئيسية / صفحات الرأي / عن العلمانية و الديموقراطية والإسلام السياسي

عن العلمانية و الديموقراطية والإسلام السياسي


جورج السوري

لم نخاف من كلمة “علمانية”؟

لم أنسَ برنامج الحوار الذي شاهدته على قناة مصرية بعد الثورة، وفيه قال ضيف: “نريد دولة علمانية ديموقراطية”، فرد عليه الآخر:”مش علمانية…مدنية …مدنية”، و كانت ردة فعله مفاجئة بشكل جعلني أشعر أن الشخص الذي قال “علمانية” قد أساء للذات الإلهية أو لحرمة دينية أو اجتماعية معينة و هي أمور لا يتسامح معها مجتمعنا بشكل عام. لماذا نخاف من هذه الكلمة بهذا الأسلوب؟ حتى أصبحت أحيانا نوعا من أنواع الذم والشتيمة “هاد شخص علماني بدون ضمير” أو “ما بخاف الله”؟! ومنهم من يذهب أبعد من ذلك ويتهم العلمانيين باتهامات شديدة القبح! كما قال وائل السواح:”يجد مفهوم العلمانية في سوريا نفسه شيئا فشيئا مثل ابن الزنا الذي لا يريد أحد أن يتبناه.” وأيضا قال جورج طرابيشي:”قد استبيحت العلمانية حتى باتت تكافئ بشكل آلي تهمة أو سبة.” ربما من صرخ “مدنية…مدنية” لا يعرف أن الدولة المدنية هي دولة علمانية, لكنه يخاف استخدام كلمة علمانية؟!

غريب هذا سوء الفهم للعلمانية. وهذا ما دفعني لكتابة هذا المقال محاولا شرح العلمانية ودورها في العالم وفي مستقبل سوريا وعلاقتها بالديموقراطية واختلافها عن الإسلام السياسي والتفكير الديني بشكل عام. مستشهداً بعدة مراجع وكتابات لوائل السواح, جاد الكريم الجباعي, برهان غليون, رجاء بن سلامة, محمد الحداد وغيرهم من المفكرين في العالم العربي والغربي.

إني اعتقد أن المقالة ,وإن طالت, تغطي جميع جوانب الخلاف الأساسية عن العلمانية وكذلك عما يسمى بالعلمانية في العالم العربي استبدادي الأنظمة. حتى أن الشيخ القرضاوي قال بأحد الخطب واصفا النظام التونسي بالعلماني الطاغية أو المجرم. لا أذكرالتعبير بشكل حرفي، لكني أسأل سماحة الشيخ هل يمكن مقارنة الأنظمة العلمانية في ألمانيا أو النمسا أو اليابان بنظام بن علي!؟ أو حتى بالأنظمة الإسلامية في السعودية أو إيران؟! يمكنني أن أختصر كل هذا المقال بمثَل ” التجربة أكبر برهان”, لكن مع كل هذا التشويه للعلمانية في العالم العربي لا أعتقد أن هذا يكفي.

العَلمانية:

من الصعب اللّم بجوانب العَلمانية بتعريف واحد في جملتين فكثيرون عرّفوا العَلمانية، ولم أرى أحد يختزلها فقط بالمقولة الشهيرة “فصل الدين عن الدولة”, على الأقل أنا شخصيا لايمكن أبدا أن أختزلها بذلك. العلمانية بجانبها السياسي البحت هي انتقال السلطة من الله (وهي بالحقيقة ممن يظن نفسه أو اختير ليكون نائبا عن الله, بما أن الله لا يمكن أن يحكم بشكل مباشر) إلى الشعب. والشعب تعني كل أطيافه بغض النظر عن أي شيء آخر. فهذا يجعل من العلمانية أرضا محايدة لكل أطياف المجتمع والشعب لممارسة العمل السياسي. وهذا الجانب السياسي لا يمكن فصله عن الجانب الإجتماعي لأن السياسة أولاً وأخيراً أداة لمجتمع يتألف من أفراد ومجموعات تحمل أفكارا وعقائد مختلفة. قد تكون مختلفة في العائلة الواحدة في الكثير من الأحيان. كما قال برهان غليون عن العلمانية :”احترام حرية الضمير بما تعنيه من حق اختيار العقيدة والتعبير عن الرأي والدفاع عن الفكر المختلف.” أنا أعتقد أن كلمة عقيدة هنا تطال جميع الأفكار وليس فقط العقائد الدينية.

كلمة عَلمانية أتت من “عَالَم” و ليس “عِلم” كما يعتقد الكثيرون, بمعنى أن الفكر العَلماني يستند إلى حجج وبراهين من هذا العالم وليس مما وراء الطبيعة الذي يعتمد على القناعة الشخصية ولا يمكن إثباته بشكل ملموس. وهذه الحجج و البراهين البشرية تتمثل بالمنطق والعلم والحقائق وموضوعية الفكر وتجرده, أما ما وراء هذا العالم فهوغير قابل على الإدراك بشكله الحقيقي من قبل العقل البشري المحدود, فالجدل والاقتتال على الأمور الغيبيّة هو جدل عقيم, والجزم بها مستحيل أيضا. واشتقاق كلمة علمانية من كلمة “عالًم” تعني أن اهتمام الناس يصب بجعل هذا العالم الذي نعيش فيه (مبدئياً على الأقل) عالما أفضل, وهو ما باستطاعتنا فعله و لو نظريا كحد أدنى. بحسب فهم الكاتبة اللبنانية نازك سابا يارد للعلمانية فإن الإنسان مخيربما يتعلق به كفرد و بالتالي الإنسان حر التفكير والمعتقد وهو إذاً حر بالتعبير عن هذه الأفكار واتخاذ القرارات وهذا يجعله مسؤولا عن نتائج اختياراته وقراراته إن كانت قد أودت به للهاوية أو للرفاه.

على الإنسان التصرف على أساس أن الحياة خاضعة لأفعاله بالخير أو بالشرّ, وإن كان هناك بالفعل قوّة عليا تتدخل بمجريات الأمور على الأرض فإنها “ليست من إختصاص” العقل البشري والإنسان, طالما أن الإنسان (و بحسب الفكر الديني) غير قادر على تغيير مجرياته. إن كان الفرد يرفض ما ذكر فلا يمكن للدولة إلا وأن تسنّ دستورها وقوانينها على هذه الأُسُس الحيادية العقلانية الموضوعية لتكون دولة مساواة وعدالة وحرية الفكر والنشاط السياسي, تراعي فئات المجتمع المختلفة وتتغير بتغير ظروفها الداخلية والخارجية.

اسحق نيوتن كان مسيحياً مؤمنا لكنه كان يقول :”علينا أن نفهم هذا العالم على أنه آلة”, فالعالم كأي حركة مكانيكية متألفة من فعل ورد فعل. فلم يكن يؤمن أن الله يتدخل بالشؤون اليومية وبأصغر تفاصيل حياة البشر, لكن إيمانه بوجود قوّة عليا خَلقت هذا العالم ورسّخت قوانينه الفيزيائية والكيميائية حتميّة. فالله بحسب الفلسفة اليونانية:”المحرك الأول الذي لا يتحرك”. و ابن رشد كان مؤمنا أيضا ومع ذلك كان من أوائل المفكرين في التاريخ الذين توصلوا إلى قناعة الحرية الفكرية للفرد وفصل الدين عن الدولة.

و إن كان التفكير العلماني لا ينكر تأثير الدين على أخلاقيات الفرد والمجتمع فإن الحقيقة المطلقة في العلمانية غير موجودة, بل كل الأمور نسبيّة طالما أنها تتعلق بالإنسان وبفكره وبما وراء الطبيعة, بالتالي “الخطأ و الصواب” بالمعنى المطلق غير موجودان بل يختلفان بحسب الشخص والزمان والمكان. هنا يتم قبول الإختلاف وتكمن حرية المؤمنين على مختلف مذاهبهم واللادينيّن وجميع البشرعلى مختلف أجناسهم وأعراقهم ومدخولهم المادي وأديانهم.

عن العلمانية بحسب المفكر التونسي محمد الحداد:”تحييداً للفضاء العام عن سلطة العقائد المختلفة, الدينية والغير دينية, ليتمكن كل فرد من ممارسة حرة لدينه أو عقيدته أو مذهبه أو فلسفته الوجودية في حدود فضائه الخاص وفي إطار الاحترام المتبادل بينه و بين المختلفين أو الذين لا يرغبون أصلا في أن تكون لهم انتماءات دينية أو عقدية أو مذهبية.”

قال أيضا برهان غليون:” العلمانية بقدر نجاحها في ضمان الحريات الفكرية والسياسية, تفتح فضاء جديد وتخلق ظروف لا يمكن إلا أن تقود إلى تغير في أفكار الناس ومعتقداتهم ومنظومات قيمهم وتطلعاتهم. إنها تشكل إطار لولادة ثقافة جديدة بالمعنى الحرفي للكلمة, هي الثقافة الحديثة, بكل ما تتصف به من استثمار في الفرد والشخصية الإنسانية,وقيم الحرية واستقلال الرأي والمساواة والنديّة, ومن الاهتمام بشروط الحياة الدنيويّة واعتقاد بإمكانية تحقيق السعادة على الأرض والتمتع بالحياة الدنيا.”

فهذا كله هو ما يجعل في النظام العلماني حرية الاعتقاد وممارسته مطلقة وحرية التنافس الشريف بين مختلف المعتقدات أيضاً. وهنا أيضاً يَكمن جوهر تسامحه مع كل الأديان والمعتقدات. “العلمانية هي الوحيدة التي لا تؤسس لاختيار قِيمي آخر سوى حرية الاختيار, وضمان هذه الحرية بإجراءات قانونية وسياسية واحدة, ومنطبقة على جميع أصحاب العقائد بالتساوي.” (برهان غليون)

يقول أيضاً جاد الكريم الجباعي:” القانون الوضعي (العلماني) وحده يعبّر عن العناصر العقلية والأخلاقية المشتركة بين الأفراد والجماعات والفئات الإجتماعية ويضمن تساوي المواطنين في الحقوق والواجبات, وحرية الفكر والضمير وحرية الاعتقاد وحرية العبادة وحرية التعبير بلا استثناء ولا تمييز, ويوفّر للأديان والمذاهب والطوائف والاثنيّات شروط النمو والتفتح والازدهار, وفق قوانينها الخاصة.”

يمكنني أن أقوم بمقاربة لهوايتي الموسيقيّة. لا يمكن للمستمع أن يسمع جميع الآلات بالتساوي في حفل موسيقي مسرحي, إلّا إذا وقف في المنتصف تماما. لذلك ترى مهندس الصوت ومعداته في أغلب الأحيان تتمركز في الوسط للوصول إلى أفضل صوت ممكن. فالوقوف في المنتصف ,لا يمين و لا يسار أي الحياد, هو الموقع الوحيد الذي يمكن للفرد رؤية الأمور بوضوح تام وأن يرى الصورة متكاملة.

الديموقراطية:

ترجمة كلمة ديموقراطية الحرفية من الكلمة الأصلية اليونانية هي “حكم الشعب”, وعمرها أكثر من 2500 عام. و هي نظام يكفل لجميع المواطنين حقا متساوي في اتخاذ قرارات الدولة والقرارات التي تخص حياتهم. فهي حكم الشعب لنفسه.

حتى الديموقراطية تعرضت لسوء فهم كبير في بلادنا على أنها فقط “حكم الأكثرية”, وكأن هذه الأكثرية هي لعنة على بقية فئات الشعب. الديموقراطية هي قيادة الأكثرية السياسية ومشاركتها للأقلية السياسية ومراعاتها لحقوق وواجبات تنطبق بالتساوي على الجميع بما فيها هي نفسها كأكثرية سياسية مسؤولة في عهد ما على التطبيق العادل للقوانين. فإذاً الديموقراطية ليست فقط صندوق إقتراع يفوز به ٥١% و يُسحق الآخرون، هي ثقافة قبول للآخر والحفاظ على الأقلية السياسية. الأقليات والأكثريات تكون به (النظام الديموقراطي) أغلبية وأكثرية متحركة وغير ثابتة (دينية أو قومية)، وعدم تحقق هذا الشرط يجعل من الديموقراطية اداة لإنهاء الديموقراطية والعودة إلى الشمولية.

كمثال، هتلر والنازيين فازوا ووصلوا للسلطة بالانتخاب والبرلمان، وبعد فوزهم ألغيَ الانتخاب والبرلمان والديموقراطية. فهل كان له حق الترشّح بالأساس؟؟!!

الاقتراع هو فقط الجانب الاجرائي في الديموقراطية والدولة التي تَحصُر الديموقراطية بصندوق تلقَّم به أوراق لا يمكن أن تكون دولة ديموقراطية والأمثلة صارخة في منطقتنا, لبنان البلد الطائفي الذي تتحدّد فيه الأكثريات والأقليات على أساس طائفي وقبلي. وأيضا هناك اسرائيل التي لديها انتخاب لكن فوز هذا أو ذاك في الإنتخابات لا يغير شيء في عنصرية الدولة واضطهادها “للأقلية” الغير يهودية.

“إن كثرة العدد أو قِلّته (عن أتباع الأديان والمذاهب والطوائف والإثنيّات) لا يجوز أن ينتج منهما أي نتيجة سياسية, ولا يجوز كذلك أن ينتج منهما زيادة أونقصان بالحقوق والواجبات.” (جاد الكريم الجباعي)

العلمانية والديموقراطية:

يمكن الآن لمس تطابق ماهيّة الدولة العلمانية والدولة الديموقراطية, على أنهما دولتا المساواة والحرية وحكم الشعب لنفسه. وأنه في الواقع لا يمكن أن تكون الدولة ديموقراطية من غير أن تكون علمانية. قال وائل السواح:” إن فرض عقيدة بعينها ترى أن ثمة طريقة واحدة لتحقيق الخير هو طغيان واضح, حتى لو جاءت عن طريق صناديق الاقتراع. ولا شك في أن ’ديموقراطية’ تنتجها أغلبية قومية أو دينية أو عشائرية أو طائفية لا يمكنها أن تكون في أحسن أحوالها إلّا ’ديموقراطية إجرائيّة’ [بحسب تعبيرعادل ضاهر].”

يقول المفكرجاد الكريم الجباعي:” ترتبط العلمانية بالعقلانية والإنسانية ارتباطاً وثيقاً لا تنفك معه إحداهما عن الأخريين, وترتبط بالديموقراطية, لأنها الصفة الجوهرية للقانون.”

فالعلمانية هي ليست فقط “فصل الدين عن الدولة” لأنه إذا كانت كذلك فقط عندها يكون الاتحاد السوفيتي علمانيا وهذا غير صحيح أبدا لأن الاتحاد السوفيتي كان من اكثر الدول استبدادية في التاريخ وإن كان هناك فصل دين عن الدولة، لكن الدولة حينها كانت تعادي كل الأديان, وهي نقيض العلمانية تماما المتسامحة مع كل الاديان.

ولا إسرائيل يمكن أن تكون دولة علمانية. “الدولة اليهودية العلمانية”؟ اسم متناقض بأساسه!!

إذا كان الإنتخاب هو الديموقراطية فإن اسرائيل كذلك إذاً. لكن من غير الممكن أبداً ان تكون دولة بأساس وجودها مرتكزة على فئة دينية محددة (برأيهم هي عرقيّة أيضاً) وتميز اليهودي عن غيره أن تكون علمانية أو ديموقراطية! بحسب تعبير وائل السواح:”الديموقراطية ليست فقط صندوق اقتراع على الرغم أنها لا تقوم من دون ذلك. الديموقراطية,بالأحرى, هي ثقافة متكاملة تقوم على مبدأ صيانة الحريات الفردية الأساسية.”

هنا يبرز السؤال الأكبر, هل يمكن للدولة الدينية (الإسلامية في منطقتنا) أن تكون دولة ديموقراطية؟؟ لنأخذ “الجمهورية الإسلامية الإيرانية” كمثال. كل الأدوات الديموقراطية الجمهورية موجودة في إيران, برلمان وتصويت ورئيس وزراء ورئيس جمهورية. لكن يَكمُن التعطيل في أن السلطة الدينية فوق كل هذا. حتى أنها تستطيع أن تتدخّل بأبسط تفاصيل الحياة, من ملابس وعرض طرقات وطول أشجار والموسيقى التي يسمعها المواطنون. فلم تُحسم الأزمة الإيرانية الأخيرة إلى بعد ظهور السلطة الدينية علنيا لتقر أن أحمدي نجاد هو الرئيس و”تباركه”. فعملياً كل الوسائل الديموقراطية يمكن أن تذهب في سلة المهملات إن أرادت السلطة الدينية ذلك. ولنتمعّن بالإسم, “الجمهورية الإسلامية” , هو اسم متناقض بتركيبته الرئيسية. النظام السياسي إما أن يكون جمهوريا أو إسلاميا (بغض النظر من هو الأفضل), هل هو حكم الشعب أو الرب (من خلال من اختير ليمثله)!

والآن أنا جالس أمام التلفاز أشاهد برنامج الشريعة والحياة على قناة الجزيرة, يقول الشيخ القرضاوي إن الثورات أتت لتحكم الشعوب نفسها وفي نفس الوقت يتكلم عن رئيس أو أمير أو سلطان يحكم بالشريعة وبسنّة الله ورسوله. فالسؤال هل هوالمقصود حكم الله أو حكم الشعب لنفسه؟ لأن المفهومين متناقضين أشد التناقض. و هنا تكمن فكرة الإسلام السياسي الجديد بشكل عام وهو الاستعانة بالأدوات الديموقراطية كالانتخاب والبرلمان (وهي أدوات غير إسلاميّة بل غربيّة بحتة) للوصول “بممثل شرع الله على الأرض ومن يحسن تطبيقه على الناس”, هذه ليست ديموقراطية ولا حكم الشعب لنفسه, جوابي الكامل على هذا هو بكل ما قلته في الصفحات السابقة وفي المحور الأخير من هذا المقال.

“علمانية” الأنظمة العربية:

“العلمانية” في العالم العربي وفي العصر الحديث كانت حكراً على من استطاع الاحتكاك بالغرب ووظِفت لأغراض هذه الفئة على عكس أوروبا, فالعلمانية هناك هي نتاج وعي فكري انتشر عبر مفكري عصر التنوير (المتأثرين بمفكرين مسلمين) من ثم انتقلت إلى حالة سياسية عن طريق الثورات الشعبية كما الثورة الفرنسية. أما “العلمانية” في هذه الأنظمة الطاغية هي ليست إلّا وهم يتبدّل بتبدل ضرورات الحفاظ على الكرسي, ومحصورة بحرية الشرب. كأنها اختزلت العلمانية بكأس من البيرة. صدّام حسين علماني (كما ادّعى) لكن لسبب يساعده على البقاء أضاف “الله أكبر” على العلم ليفخر “بأم المعارك” والتي هي أم الهزائم. هناك مثال مبتكرأيضا وهو الشعار “العلماني”, “سوريا الله حاميها”.

العلمانية تعدديّة لكن أين هي بالأنظمة العربية؟ العلمانية حرية تعبير, أين هي بالأنظمة العربية؟ العلمانية حرية إعتقاد ومساواة, أين هي في العالم العربي الذي اضطُهدت فيه الأقليات القومية الأخرى أو هُمّشت سياسياً على الأقل؟ حتى شرط “فصل الدين عن الدولة” غير مكتمل في الأنظمة العربية. لنأخذ الحالة السورية كمثال, الرئيس يجب أن يكون مسلم والشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع, عدا جرائم الشرف وقوانين الأحوال الشخصية الغير مدنية (علمانية). والمادة الثامنة من الدستور (حزب البعث الحزب القائد للدولة و المجتمع) هي مساوية في المبدأ “للإسلام دين الدولة” لكن بطابع قومي عربي بعثي وليس ديني إسلامي. فكلا الحالتين غيرعلمانية بل شمولية.

فهذا النوع من الأنظمة محسوب على العلمانية لأنه غير ديني بشكل كامل لكنه في الحقيقة لا يمتّ للعلمانية بأي صلة, وهي من شوهت فكرة العلمانية في عقول الشعوب.

“…و قضية العلمانية خسرت بدورها في المجتمعات العربية بسبب الأدلجة القومجية أو الستالينية التي جعلتها مرادفة لمقاومة الأديان والعقائد, وهذا خطأ بالغ…” (محمد الحداد)

العلمانية كمفهوم غربي:

كما نَوّهتُ سابقاً فإن ابن رشد (وحتى أبو بكر الرازي و المعتزلة) ساهموا مساهمة كبيرة بصنع مفهوم العلمانية, لكن العلمانية بوجهها اليوم هي نتاج بشكل أساسي عصر التنوير في أوروبا, فهي مفهوم غربي. للبعض, قد لا يكون هناك أي مشكلة في ذلك, لكن باعتقادي, أن الأكثرية في العالم العربي قد يكون لها اعتراض أو تَحفّظات على ذلك, وخصوصاً بعد أن كَوّنت أنظمتنا الاستبدادية في أنفسنا كره للغرب مع أنها هي (أنظمتنا) من شوه اسم العلمانية في منطقتنا, وطبعاً هناك أيضاً سياسات الغرب في منطقتنا التي جعلتنا بشكل عام نكره كل شيء قادم منه. فالغرب لم يعطي المواطن في العالم العربي أي فرصة لكي يحبه, و بالتالي الغرب وعلمانيته لم يكن مثالا وكيانا يحتذى به في نظر المواطن العربي.

لكن هكذا مسألة لا تحتاج لردود أفعال عاطفية, بل عقلانية. فلماذا يعتبر من الطبيعي أن نأخذ من الغرب الغسالة و”المايكروييف” و”الموبايل” والجلاية و”الإنترنت” و”التلفزيون” و”الراديو” و”الفيسبوك” و”الكاميرا” والسيارة و”الكومبيوتر” الذي أطبع عليه بهذه اللحظة والقلم و”الكرافات” و”الجينز” و”البابيون” والبدلة الرسمية والبرلمان والانتخاب بشكل جاهز. لكن يعتبر من الكفر (السياسي أو الديني) أن نأخذ فكرة اجتماعية, سياسية, إنسانية أدت لنهاية الحروب الأهلية في أوروبا, ولنشوء الديموقراطية والمواطنة الحقيقيتين ونهاية تسلط الدولة والمؤسسات الدينية على الشعب, بشكل جاهز؟؟… هذه الفكرة التي أدت إلى خلق أوروبا جديدة اليوم أصبحت الأفضل بحقوق الإنسان والحيوان والبيئة والأفضل اقتصاديّا وعلميّا والأقوى عسكريّا و سياسيّا!! و أكثرها حرية وعدالة اجتماعية.(لمن يريد أن ينقض حقوق الإنسان في أوروبا بسبب سياستها الخارجية أقول لهم أن المقياس هو كيف تعامل هذه الحكومات شعوبها, أما الدول جميعا تسعى لمصالحها في الخارج).

لماذا نفخر أن أوروبا أخذت عنّا في زمانٍ ما الكيمياء والجبر والرياضيات والطب والعلوم الإنسانية, ولا نستطيع نحن أن نفعل الشيء نفسه في عصر مختلف. لماذا هم يعترفوا أنهم تأثروا بابن خلدون وابن رشد وأبو بكر الرازي وابن سينا, و نحن نستكبر أن نتأثر (أو لا نعترف بأننا تأثّرنا) بجان جاك روسو و إيمانويل كانت و لافوازييه و جان بول سارتر؟؟!!

لا يمكن رفض فكرة فقط “لأنها منتج غربي”, و كأنه نوع من مركب النقص. كل المفاهيم في النهاية هي نتاج الإنسانية جمعاء على مد تاريخها الطويل.

العلمانية ليست عقيدة وليست الإلحاد:

هذا أكبر خطأ في عالمنا العربي وأكثره شيوعاّ, وهو معاملة العلمانية كعقيدة دينية, ويمكنني أن استحضر ما كتبته المفكرة التونسية رجاء بن سلامة:”العلمانية ليست دينا وليست رأيا بل هي إتفاق مبدئي على إمكان تعدد الآراء, وجواز تعددها, وجواز اختلافها اختلافاً يمكن أن يبقى اختلافاً لا رجعة فيه, فلا حاجة إلى التوفيق بين المختلفين ما دام المشتَرك الذي يجمعهم رغم اختلافهم وقبل اختلافهم أساسياً, أي سياسياً. و الغفلة عن هذا البعد اللامذهبي للعلمانية يؤدي إلى تحويلها إلى ديانة جديدة مناهضة للديانات, وهو التصور الذي يريد الإسلاميون و’التراثيون’ اختزال العلمانية به. نقيض العلمانية تبعاً لذلك ليس الإسلام بل الأصولية باعتبارها أيديولوجية شمولية…”

و قال برهان غليون في هذا الموضوع:”…والقصد أن العلمانية ليست عقيدة دينية جديدة تنزع إلى الحلول محل العقائد الأخرى أو التعويض عنها, وإنّما هي قاعدة لإدارة التنافس بينها, وتنظيم طريقة التعبير عن اختلاف كل منها مع غيرها, بما فيها العقائد اللادينية, وهي تقوم على افتراض إمكانية تحييد الاعتقاد الشخصي والفلسفي في الأمور الجماعية التي تتعلق بإدارة الدولة, حتى يمكن للدولة أن تكون دولة للجميع, وليست دولة جماعة اعتقاديّة واحدة.”

فالعلمانية ليست الإلحاد أبداً, كما يسعى لإظهارها المتطرفون دائماً, بل هي حرية التفكير في أي اتجاهٍ كان, وإن وصل أحدهم إلى قناعة أن لا وجود لخالق فالعلمانية تحترم حريته بالبحث عن “الحقيقة” والوصول لهذه القناعة, كما تماما تحترم حريته بأن يقتنع و يؤمن “بأن لا الله إلا الله محمد رسول الله” وإن كان قد ولد من أهل غير مسلمين. و كما نَوّهت في المقدمة أن كثير من المؤمنين علمانيين, فالإيمان وعدمه لا يرتبط بالعلمانية بل هي في مجال آخر. حتى عدم الإيمان قد يكون منافي للعلمانية أحيانا, كمثال الاتحاد السوفيتي الذي ذكرته سابقا.

العلمانية السبيل الوحيد للمواطنة:

بالاستناد إلى منطق بسيط كيف يمكن أن يكون هناك مساواة بين المواطنين, إذا كان مفهوم الدولة الأساسي وركيزتها العقائدية دينية أو عرقية أو قومية؟

بحسب فهم جاد الكريم الجباعي لهيغل:”العلمانية ليست موضع اختيار ذاتي, رفضا أو قبولا, بل تقع في مجال اختيار آخر, أعني: إمّا اختيار الدولة الوطنية وإمّا اختيار اللادولة, إمّا اختيار الوطنية ذات المحتوى الإنساني وإمّا اختيار المذهبية والطائفية والانغلاق الإثني.”

“فالعلمانية ليست صفة خارجية نطلقها على الدولة جزافا وننزعها جزافا… بل هي حكم واقع يتعلق بأساس الدولة الوطنية الحديثة ومبادئها, وليست اختيارا ثقافيا أو انحيازا ايديولوجيا, إلّا على صعيد الأفراد. الدولة الوطنية إما أن تكون علمانية وإما أن لا تكون دولة وطنية, بل تكون دولة.”

عن القومية العربية و السياسة يقول الجباعي:”العروبة فضاء ثقافي روحي واخلاقي, مشترك بين العرب جميعا, و ليست إنتماء سياسيا, ولا يجوز أن تكون كذلك.”

“فإن تَطَلّع القوميين العرب إلى دولة قومية عربية نقية عرقيا يشبه تطلع الجماعات الإسلامية…إلى دولة إسلامية نقية مذهبيا, و تطلع الماركسيين اللينيين إلى دولة ’اشتراكية’ نقية طبقيا…وهذه التطلعات تنفي بالتساوي وطنية الدولة وتنفي من ثم علمانيتها, ما يعني أن الحركة القومية العربية و الحركة الشيوعية, كالحركة الإسلامية تماما, لم تكونا حركتين علمانيتين, في رؤيتهما إلى السياسة بوجه عام وإلى الدولة بوجه خاص, فقد كان لهما موقف سياسي من الدين, يخفض الدين إلى مستوى الوسيلة والأداة, و موقف ديني من السياسة يضفي عليها طابع المعصومية والقداسة.”

يقول ياسين الحاج صالح:”…و ما يصح على دولة فرنسا التي يؤسِس انفصالها عن الدين للمساواة بين مواطنيها, متعددي الأديان واللادينيين, يصح كذلك على دولنا الحديثة التي لا مفر من أن تقوم على المساواة بين سكانها وعلى حرية الاعتقاد التامة. الدولة التي لا تقوم على ذلك ليست دولة غير علمانية فقط, وإنما هي لا دولة, وهي سلطة مفروضة على سكانها بقسر مادي أو معنوي أو بهما معا.”

“الأديان والمعتقدات خاصة بمجموعات وفئات, فهي تُفرّق ولا تجمع. ففي الوطن الواحد مهما تضاءل حجمه, ومهما أخفت أيديولوجيته الرسمية أقلياته, ومهما اختلق أصوليّوه من ’هويات خيالية’ أحاديّة, يوجد مؤمنون من مختلف الأديان والمذاهب, ويوجد غير مؤمنين من نفاة وجود الإله ومن اللاأدريين واللادينيين, وهؤلاء جميعا توحدهم العلمانية المأمولة, لأنها مبدأ حياد مشترك هو جوهر السياسي. جوهر السياسي هذا أعتقد أنه العيش المشترك, والشوق إلى العيش المشترك مما يجعل الإنسان كائنا ’مدنيا بالطبع’” (رجاء بن سلامة)

قد يقول أحدهم أن العلمانيين يريدون فرض وجهة نظرهم بالقسر, لكن الحالة هي العكس تماما, كل ما قيل في هذا المحور هو لإيضاح أن من حق المجتمع أو السكان أو المواطنين عدم اختيار العلمانية لكن بهذا يكونوا قد اختاروا الشمولية بشكل من أشكالها, وهو نهاية المواطنة. لكنّ الخيار لهم.

لماذا النظام العلماني وليس الديني؟

كل ما سبق هو لشرح العلمانية كنظام وكتركيبة اجتماعية سياسية, ولكن هناك اختيار آخر وهو رفض كل ما قيل والإتجاه باتجاه الإسلام السياسي وحكم الشرع الإسلامي في الدولة والذي يشمل تطبيقات تخص المسلمين وغير المسلمين وتتناول جميع تفاصيل الحياة وجوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

هذا الموضوع يحتاج لبحث كامل و منفصل, و إن كان بالنسبة لي شخصيّاً الإختيارالذي ينهض بسوريا واضح كالشمس…

لا شك في أن ثقافتنا اليوم في سوريا هي بشكل عام ثقافة إسلامية, حتى الغير مسلمين هم بشكل طبيعي متأثرون بهذه الثقافة, حتى في ما يخص حياتهم الشخصية والعائلية. وهذا أيضا ينطبق على المسلمين وتأثرهم بالفئات الأخرى, فهي علاقة متبادلة. سوريا في النهاية هي مجموع كل الثقافات التي مرت عليها طوال 10 آلاف عام, وأي شخص يريد أن يأخذ بحقبة معينة ويهمل الأخرى يكون قد خدع نفسه والآخرين, فلا يمكن رسم خط التاريخ من لحظة دخول العرب المسلمين إلى سوريا ولا يمكن إهمال هذه المرحلة والقفز فوقها وكأنها لم تحدث. هناك مثال صارخ في الحالة اللبنانية لمن يقول (وخاصة من المسيحيين) أنهم فينيقيون وليسوا عرب, وهذا ,مع احترامي, غباء شديد. ليس لأنهم بالضرورة عرب بل لأنهم ليسوا فينيقيين وهم برأيي الشخصي بكل بساطة لبنانيين, لكن كأنه لم يخطر ببال أحد (من جميع الفئات) ذلك.

و إن كان الإسلاميون يصممون على أن نظامهم السياسي يمثّل المساواة فهذا ,برأيي, غير صحيح أبدا وهو غير منطقي بقدرعدم منطقيّة تصريحات إخواننا السوريون من حركة الإخوان المسلمين على أن “الإخوان المسلمون” حزب غير طائفي. أليس اسمه طائفي كبداية؟ لكن من هو داخل الشيء لا يرى الشيء, بمعنى أن من هو طائفي يقول أنه غير طائفي وعن قناعة, لأنه لا يمكن أن يرى طائفيته التي هي ملتحمة بفكره السياسي وجزء لا يتجزء منه, كالشيخ الكويتي الذي خطب يوماً عن النظام السوري أنه “نظام نصيري طائفي كافر”! و هذا ليس من باب المزاح, بل قناعة راسخة عند الشيخ أن النظام السوري طائفي وأنه (الشيخ) نفسه ليس طائفيا!

و تقديس بعض الإسلاميين لعقيدتهم السياسية لا يختلف عن تقديس البعثيين لعقيدتهم السياسية في سوريا بأنهم الأجدر بقيادة المجتمع والدولة, فإنهم يفكرون بنفس الأسلوب تماما. تقديس الشيء (بالمعنى والمنحى السياسي) لا يؤدي إلا إلى الانحياز والشموليّة. فبعض الإسلاميين يُنَصّبون أنفسهم حماة للنص وحرّاس للفضيلة ويختارون أنفسهم ليختاروا هم بالنيابة عن الآخرين ما هو “أنفع وأطهر ومحرم ومحلل” لهم. أما المسلمون (وليس الإسلاميون) هم مليار ونصف إنسان يؤمنون بعقيدة وهي مسألتهم الشخصية التي لا يحق لأحد أن يتدخل بها في أي زمان ومكان. وهي مسألة شخصية أيضاً لأي منهم بأن يترك تلك العقيدة إن شاء وأن يتجه نحو عقيدة أخرى أو أن لا يتجه نحو أي دين.

وإذا اتفقنا أن “الحكم لله” فمن هو المفوّض بتطبيق هذا؟ من هو الذي يعرف ما يريد وما يبغض الرب؟ هل هذا يكون بتطبيق الإسلام الصحيح؟ وما هو “الإسلام الصحيح”؟ هذا السؤال الأزلي الذي أدّى و يؤدي و سيؤدي (إن لم نُنَحّيه جانبا) إلى حروب لا هوادة فيها.

هناك إسلام صحيح بعدد المسلمين في العالم, ومسيحيّة صحيحة بعدد المسيحيين في العالم وقِس على ذلك, لأنه لكل منّا وجهة نظره وفهمه للأمور والدليل على أن كل عقيدة اليوم تشمل عدّة وربما العشرات من المذاهب, وكل منها يعتبر نفسه “الصحيح” والآخر في الجهل و في الظلام و في الجحيم!

من وجهة نظر دينية فإن الأنبياء قد رحلوا, فكيف لنا أن نُنَصّب من يحل مكانهم ليحكم بالشريعة التي هم من أصطفاهم الله لنشرها وإيصالها للناس والحكم بها. وأن يختار مجموعة من البشر مجموعة أخرى من البشر لتطبيق هذه العقيدة على الناس, هل هذا حكم الله حقيقة؟! “نحن لسنا ضد الدين إنما نحن ضد الاستبداد الديني الذي يُنَصّب نفسه حل للمستقبل بينما هو عودة للماضي.” (المفكرة التونسية أم الزين بنشيخة). ليس لأن الدين سيء العلمانية تنادي بتحييده جانبا عن السياسة والمجال العام, بل لأنه نسبي وشخصي. من مبادئ العلمانية الأساسية أنه ليس هناك “دين سيء ودين جيد”, بل هي متغيرة بحسب مَن ينظر له ومِن أين وكيف ينظر.

يتجاهل بعض الإسلاميون الفروقات في تركيبة الدولة الحديثة عن تركيبة الخلافة, ويقارنوا مجلس الشورى (الغير ملزم للخليفة) بالبرلمان والنظام الديموقراطي بشكل عام, هذه مقارنات غير منطقية وغير متطابقة أبداً. فيها تحييد لكل العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والديموغرافية التي تغيّرت كل التغيير عبر الأزمنة والأماكن, وهذا برأيي تجاهل لأبسط قواعد المنطق. هنا يبرز الإسلام السياسي الجديد الذي نَوَّهت إليه سابقا الذي يَدعي “لحكم الله” مستخدما الأدوات الديموقراطية الغير الإسلامية للوصول إليها, وهذا تناقض حقيقي يقترب لأن لا يكون حتى حق لبعضهم. كيف يمكن أن تستخدم أداة لتقتل بها من أعطاك إياها عندما تحصل عليها؟ كيف يكون لك الحق بأن تستخدم الديموقراطية للوصول للحكم ومن ثم تعمل على إنهاء الديموقراطية؟

على الأحزاب الدينية الدخول في الحياة السياسية الديموقراطية فقط تحت ظل الحقوق والواجبات التي يتمتع بها اي حزب في هكذا نظام، وأن يحترم هذه الأسُس ولا يعمل على إلغائها أو تجاهلها أو القفز فوقها. أردوغان مثال جيّد. وايضا الأحزاب المسيحية المحافظة في اوروبا. عملوا مجبرين ضمن الحدود الديموقراطية وفوزهم بالانتخابات لا يعطيهم الحق بقلب النظام إلى مسيحي. لكن يحق لهم طرح مشاريع برأيهم مهمة، كإعادة الصليب الى المدارس. لا يمكن لأي دولة أن تغير الدستور كل أربع سنوات. ويلاحَظ أن كثير من الأحزاب والحركات الإسلامية قد فهمت هذا الموضوع, وهذا ليس من باب الخضوع بل من باب الفهم لضرورات التعايش. حتى أن حقيقة وجود الدكتور عزمي بشارة (كمسيحي) في مؤتمر مستقبل الإسلام السياسي في الدوحة هي مؤشر رائع على هذا التحول.

قد يعتبر البعض أني أنتقص من أهمية الدين بشكل عام أو الإسلام بشكل خاص, العكس تماما! إن من يقحم الدين بالسياسة هو من ينتقص من أهميته وعظمته ويجعله مجرد أداة سياسية وفي الغالبية العظمى من الحالات كانت قسريّة أو استبداديّة, و تهمّش دوره الرئيسي بالإرتقاء بالأخلاقيات الإنسانية. “فقد وُجِد الدين من أجل الإنسان ولم يوجد الإنسان من أجل الدين”, بحسب تعبير الجباعي.

“… و الفقه الإسلامي الذي يسميه الأصوليون ’شريعة’ ويعتبرونه متعاليا عن التاريخ, وبمذاهبه المختلفة التي لا تختلف إلا في بعض التفاصيل والمقادير, هو نظام يخلط بين القانون والأخلاق ويقنّن الحياة الخاصة والعامة ويُخضِع كل مجالاتها إلى أحكام الحلال والحرام وما بينهما, و يخِضعها إلى مبدأ الأمربالمعروف والنهي عن المنكر الذي يجعل كل مسلم بوليساً دينيّا على الآخرين, متكلما باسم الله, حالاً محلّه على وجه الأرض. فللمؤمن المسلم مثلا أن يمتنع عن شرب الخمر احتراما لمعتقداته, وأن يصوم رمضان, وللدولة أن تضمن له هذا الاحترام, أمّا أن تتدخّل الدولة ويتدخّل القانون لفرض عدم شرب الخمر وفرض صوم رمضان على كل من ولِد مسلم, فذلك هو مظهر الخَلط بين الأخلاق الدينية والقانون, ومظهر الخَلط بين العام والخاص المنافي للعلمانية والحرية.” (رجاء بن سلامة)

“…و التطرف المذهبي الذي تشيّعه جماعات الإسلام السياسي, اليوم, يؤكّد هذه الواقعة, ولا ينفيها, و لا سيما أن التطرف قرين الجهل, فالجهل بما هو الدين, وعدم تمثّل قيمه ومبادئه الأخلاقية, الإنسانية, الكونية بالضرورة, هو أساس التطرف وأساس الأيديولوجيات المذهبية المغلقة, وأساس تحوُّل الدين إلى مجرد شعائر وشكليات ومظاهر, وأساس ارتباطه بالاستبداد السياسي.” (الجباعي)

تركيز الدّينيّون بشكل عام يكون دائماً محصوراً بالنواحي السلوكية للفرد, وكأن الحرية هي الفوضى, و يتم تهميش الناحية الفكرية والعقائدية للحرية. والتركيز على “الانحلال الأخلاقي و انتشار الرذيلة في الغرب” وكأنّ الدول التي أخذت منحى ديني حققت إنجازات أفلاطونية في هذا المجال. وأساس الرفض دائما يكون رفض قبول طبيعة الإنسان ومحاولة التحايل عليها, ومحاولة فرض حياة شخصيّة معيّنة على الأفراد بالقوة من جهة وإهمال حقيقة تمايز الناس وإختلافهم بشكل طبيعي من جهة أخرى. و هنا يُطرح السؤال, ما هو الرادع للمواطنين؟ الجواب بسؤال: الرادع عن ماذا؟ ما يخص حياته الشخصية؟ هو ليس من شأني وإن كنت أنا وغيري سنقوم بتربية أطفالنا بحسب ما كل منا يراه على أنه سلوك جيد. الرادع فيما يخص السرقة؟ لكل إنسان ذو ضمير روادعه الخاصة وقد تكون دينية أو علمانية, وإذا حيّدنا “الخوف من الله” جانبا فالجواب هو القانون الحيادي العادل الذي يُطبّق على جميع الناس بالعدل وبالتساوي, والرادع هو محبتي لأخي الإنسان الذي لا أرضى أن آخذ ما هو ملكه وأضرّه وأجرح شعوره وأستمتع بما هو ليس حقّي. ومن ملاحظتي الشخصية في أوروبا وجدت أن هم يطبّقون القانون بحكم العادة والتربية وهي غالبا تكون بدون مرجعية فكريّة دينيّة. وأعود وأقول أن العلمانية لا تعني بأن يصبح المجتمع ملحدا لكنّ الخيارات الشخصية في الحياة تبقى شخصية. أعتقد أن الكثيرين شاهدوا برنامج “كوكب آخر” عن اليابان, لماذا بلد علماني ذو خلفية دينية غير توحيدية منظّم ولديه شعب أمين لهذه الدرجة (بشكل عام) ؟ العلمانية لن تؤدي إلى تدمير ثقافتنا, لأنه لا يمكن تجاهل هذا العامل من المعادلة. هل “مشكلة” الزواج بين شخصين من دينين مختلفين قانونية أو إجتماعية بصلبها؟ وهل عدم شرعية الزواج المدني قانونياً قد حَلّ هذه “المشكلة”؟ وما المشكلة إن كان شرعيا إذا كان أختياريا؟

ما هو الرادع من التفكير والوصول للقناعة بعدم وجود الله (مثلاً)؟ هذا هاجس حقيقي عند كثيرمن الدّينيين، مع أهم يضمنون حق الجميع بالتفكر طالما أنك لا تختلف معهم “بالثوابت”, ولكن كيف أردع الناس عن التفكير؟ لكل إنسان قناعاته التي تكوّنت عبر قراءاته وتربيته ومجتمعه وتجاربه وإذا صوّبت مسدسا نحو رأسه وأنكر ما يضمر هذا ليس حل للمشكلة ولا يمكن إقناعه بعكس ما يضمر بهذا الأسلوب. وهنا يظهر خوف أكبر عند كثير من الدينيين, هو نقد الدين (نقد الدين ذاته و ليس رجال الدين) أو البحث بجوانبه بشكل علني في الإعلام أو الكتب والمجتمع بشكل عام, وهو بنظربعضهم ليس حق بل جريمة لا تغتفر.

و أحد المفارقات المضحكة أني لم أستطع أن أحصل في لبنان, أثناء دراستي هناك, على كتاب “شيفرة دافينشي” (الذي ينسف العقيدة المسيحية من أساسها) لكن المكتبات كانت تعجّ بكتاب “خدعة دافينشي” الذي هو نقض للأول!!! بمعنى أنه حتى إن قرأت الكتاب الثاني فلن تفهم شيئاً! فبأي حق يَمنع من مَنع هذا الكتاب أو ذاك بالانتشار وهذا المواطن أو ذاك من التعرّف على فكرة أو وجهة نظر ما؟! و لماذا الفكر الديني غير قابل للنقد أما الغير الديني فهو مستباح؟ لأن ثمة أشخاص يؤمنون بعقيدة معيّنة ولا يجوز مس مشاعرهم؟ القرآن الكريم ينسف العقيدة المسيحيّة من أساسها التي ترتكز على أن المسيح ذو طبيعة إلهيّة, والثالوث المقدس والصّلب, هل يحق للدولة في هولندا أن تمنع بيع القرآن لأنه يمس العقيدة المسيحية!!؟؟

فحرية البحث بأي موضوع لا حدود لها, على مبدأ “أنا أشك إذاً أنا موجود”, حتى أن أحدهم ذهب أبعد من ذلك وسمّى الحداثة “مَأسَسة الشك”. لم يعد أحد من الموت، فكل الاحتمالات مفتوحة وإن كنّا جميعا لدينا قناعات شخصية عن ما هو قادم. و كما نقول بالعاميّة:”ما حدا معو مفاتيح الجنة.”

البعض قد يطرح مسألة الصور المسيئة للرسول كأحد “مضار الحرية”. لا يمكن أن نأخذ حالة متطرّفة ونعممّها , بمعنى أن نأخذ الإستثناء ونجعل منه القاعدة. في الدولة العلمانية للمواطنين حرية التعبير ويتشرّب الإنسان منذ الطفولة حرية الفكر والنقد, ولكن أيضاً يتعلم مسؤوليته إتجاه الآخرين, في النهاية مهما كنا عقلانيين فإن بعض التفاصيل ستدخل النسبية بها لتحديد ما هو حق للفرد وما هو ليس حقاً, وهنا نعود للعامل الإجتماعي الذي ذكرته سابقاً. إن حدث وتجاوز أحدهم حرية التعبير بشكل صارخ, كما في حالة الصور المسيئة, يجب أن يكون الرد عقلاني وحضاري وليس بحرق سفارة الدنمارك. المخرج نجدة أنزور قد رد على الصور رداً صاعقا بمسلسل “سقف العالم”, بالفعل كان رداً رائعاً.

وبعيداً عن الديانات التوحيدية هناك مثال آخر… هناك فئة تقدس البقرة, فهل علينا الامتناع عن لحم البقر مراعاةً لشعورهم؟

أعود وأقول أنّ التجربة أكبر برهان, عندما ننظرللدول التي تحترم مواطنيها وفيها قضاء عادل وحريّة البحث العلمي وحريّة التعبير ومساواة, نعرف ما السر. “العلمانية ضرورية للشعوب التي لم تُفلح بعد في إنتاج حياتها النوعية دولة وطنية حديثة” (الجباعي), وهذا قد لا يعني أن هناك نظام صالح لكل زمان ومكان بما فيه العلمانية التي بأساس فكرها تقول أنه لا يوجد هناك نظام صالح لكل زمان ومكان, لكنها, برأيي على الأقل, الحل السحري للمئة سنة القادمة في منطقتنا ويجب أن نبدأ به الآن! الآن! وليس غدا.

و سأختم كلماتي بمقولة رجاء بن سلامة,”ليست مطالبتنا اليوم بهذه العلمانية أغرب وأدعى إلى الضحك من مطالبة المناهضين للرقّ بتحرير العبيد قبل أن يتحول تحرير العبيد إلى مسار لا رجعة فيه.”

المراجع: نصوص من الأوان حول المسألة العلمانية (1): جدل العلمانية و الديموقراطية.

نصوص من الأوان حول المسألة العلمانية (2): مفهوم العلمانية

Secularism and the Arab World by Nazik Saba Yared

Islam and Modernity (Muslims Intellectuals Respond), copy right Cooper, Nettler, Mahmoud

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...