الرئيسية / صفحات مميزة / عن اللجوء السوري إلى لبنان المآل، الانتهاكات الجسيمة وتطورات الأزمة هناك  –مقالات وتحليلات-

عن اللجوء السوري إلى لبنان المآل، الانتهاكات الجسيمة وتطورات الأزمة هناك  –مقالات وتحليلات-

 

 

لبنان المدلّل إذ يغدو متهماً بالقتل/ عمر قدور

لم يصحُ السوريون وقلة من اللبنانيين من هول صور مداهمات الجيش مخيمات اللاجئين في عرسال حتى أتت سريعاً صور القتلى تحت التعذيب، ممن اعتقلهم الجيش في مداهماته. ومع بدء تنديدات لبنانية محدودة، غالبيتها على وسائل التواصل الاجتماعي، ارتفعت أصوات لا تخفى ارتباطات أصحابها لتنذر المحتجين بسوقهم إلى العدالة، وأن الجيش خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه بالنقد أو التشكيك، ووصل الحال بالبعض إلى مطالبة المنتقدين بالصمت ومغادرة البلاد.

التهديدات أدت مفعولها كما يبدو، مسنودة بتأييد شعبي! وسط صمت رسمي تام يشي بالتواطؤ، في بلد عُرف عنه تعطيل الحكم أحياناً في التنافس على تسمية موظف من الدرجة الأولى فحسب. في الوقت نفسه، كان وزير الداخلية يعلن إطلاق سراح مطلقي الرصاص الحي ابتهاجاً بنجاح أبنائهم في «البروفيه»، فقط ممن لديهم سند من إحدى القوى السياسية، بينما أُبقي قيد الاعتقال أولئك الذين لا سند لهم، أي الذين حالهم مثل حال مَن يُهدَّدون اليوم بالاعتقال إذا اعترضوا على مقتل سوريين تحت التعذيب.

قد يُقال الكثير عن خلفيات هذا العداء للسوريين، ومن ذلك هروب لبنان التاريخي من الشقيق الأكبر، ومن ثم ما هو معروف عن حقبة وصاية الأسد على لبنان، وقد تُضاف أيضاً تلك الممارسات الشائنة في حق النازحين الفلسطينيين، فضلاً عن مواسم الكراهية بين اللبنانيين أنفسهم. إلا أن هذه المبررات تتجاهل التاريخ الأقرب، وهو التاريخ الحي حقاً، التاريخ الذي يحرك الأحداث الحالية، ويرسم أيضاً صورة لبنان، سواء من خارجه أو داخله.

أحد أخطر أحداث السنوات الأخيرة هو عدوان حزب الله على السوريين في بلدهم، هذه بالأحرى صيغة ملطفة جرى تسويقها إعلامياً حتى اكتسبت مرتبة البداهة. الصيغة الأقرب إلى الواقع هي: عدوان حزب الله على السوريين بصمت رسمي وشعبي يعني المشاركة الضمنية فيه. هذه ليست مبالغة ولا اتهاماً مجانياً، فنحن إزاء حكومة تضم كل أطياف النخبة السياسية اللبنانية، هذه الحكومة تخلت بكاملها عن إعلان بعبدا الذي كان ينص على نأي الحكومة اللبنانية عما يجري في سورية، ولا تهم الأسباب أو المكاسب المأمولة التي دفعت فرقاء لبنانيين إلى التغطية رسمياً على عدوان الحزب بعد التحفظ السابق عليه.

قانونياً، قد يصحّ شكلاً وصف طلب بشار الأسد مؤازرة حزب الله لقتل السوريين بالإجراء الشرعي، على خلفية كونه لا يزال يحظى بتمثيل البلاد رسمياً في الهيئات الدولية. لكن حتى يكون هذا في إطار الشرعية، مرة أخرى من دون الخوض في الشرعية الشعبية، ينبغي أن يحظى الطلب بموافقة الحكومة اللبنانية. صمت الأخيرة وعدم اتخاذها أي إجراء، وعدم رفعها أية شكوى كعضو في الأمم المتحدة، يجعلانها في مرتبة الشريك الكامل الموافق على عدوان الحزب وإرهابه. وإذا كان الأسد يستقوي بعجز الشرعية الدولية أو تواطؤها، فالحكومة اللبنانية، ومن ورائها من يؤيدون انتهاكات الجيش، يستقوون أيضاً بالتواطؤ ذاته. لكن ذلك قد لا يصمد طويلاً أمام إجراءات قضائية قد تُتخذ مستقبلاً من قبل ضحايا الحزب في سورية، وتتهم الحكومة اللبنانية بوصفها مسؤولة عن رعاياها.

ولعل أهم ما يستقوي به الحكم اللبناني وحشوده الشعبية هو ذلك التواطؤ الدولي على حماية لبنان من ارتدادات الحدث السوري، ويمكن الإشادة بنجاح هذا المسعى منذ 2011، وبخاصة منذ بدء عدوان حزب الله. فالحدود اللبنانية مفتوحة للإرهاب من اتجاه واحد، وما سُجّل من حوادث إرهابية فردية في الداخل اللبناني أقل حتى من بلد مثل فرنسا ليست لديه ميليشيات شيعية تقتل السوريين. أما الجيش اللبناني فيحظى بدعم دولي قلّ نظيره وتعدده، من دون أن تنبري واحدة من القوى الداعمة إلى الضغط عليه أو إعلان أي موقف غداة انفضاح تلك الصور.

نحن إزاء حكم يتحلى بأدنى درجات الشفافية في ما يخص قضية النزوح السوري، فلا أعداد رسمية دقيقة للاجئين سوى تلك المبالغات التي تبتغي التشكي أو طلب مساعدات دولية، ولا شفافية في ما يخص المساعدات الدولية المقدمة للحكومة من أجل إنفاقها عليهم. فوق ذلك، لا يتحرج مثلاً مسؤولون من إلقاء مسؤولية نقص الكهرباء على السوريين، بينما تنفضح قضايا فساد كبرى تخص بواخر توليد الكهرباء، ولا يتحرج مسؤولون من إطلاق نعوت عنصرية على السوريين، ولا تخشى بلديات من قانون يردعها عن تعليق لافتات تنذر السوريين بعدم التجول مساء.

هذا في مجمله ليس من فولكلور الفوضى اللبنانية، وغير ناجم فقط عن غياب سلطة القانون. هو يستقوي تحديداً بوضعية الحُكم المدلل الذي لا يخشى عقاباً من أية جهة، بل يشبه وضعية الطفل المدلل الذي يُعامل دائماً كطفل ذي احتياجات خاصة تميزه عن أقرانه. فحماية لبنان في السنوات الأخيرة اتخذت وضعية شاذة جداً، هي بالضبط حماية القاتل، ويجوز تشبيهها بوضعية سابقة هي حماية نظام وصاية الأسد على لبنان وما عنته من تنكيل بكل لبناني معارض لها.

ما يكمل هذه الحماية تلك الكليشهات المعتادة عن ضعف لبنان وخصوصيته، الأمر الذي أتاح دائماً لطبقته السياسية ألا تكون صاحبة حد أدنى من المبدئية أو القيم متى شاءت ذلك. اللبنانيون، بمعزل عن توافقهم إزاء استهداف السوري، أجدر من غيرهم بشرح ما يعنيه تمكين هذه الطبقة فساداً، وقدرةً على إسكات أي صوت مستقل في الشارع، وأخيراً إيجاد الذرائع للاستسلام لمشروع حزب الله في الهيمنة على كل مفاصل الدولة ما دامت المقايضة تأتي بأن يكسب الحزب وحلفاؤه في السياسة والهيمنة بينما يحظى منافسوهم بحصتهم من كعكة الفساد.

بالطبع لم يكن مطلوباً في أي لحظة التضحية بالسلم الأهلي اللبناني، ما هو مطلوب ألا يكون هذا السلم على حساب دماء سوريين يقتلهم لبنانيون في سورية وفي لبنان. أي تحذير من انتقام سوري مستقبلي لن يردع القتلة، بل قد يزيدهم تصميماً على سحق السوريين استباقاً. أما استضعاف الحكم قلّةً من اللبنانيين تجرؤ على مناهضة نهجه فغايته قد لا تتعدى إعادتها إلى الواقع، لترى لبنان كما آل إليه لا كما تتوهم.

الحياة

 

 

 

اللبنانيون يتناقصون.. كيف؟/ عمر قدور

يصادف أن يكون مانشيت جريدة النهار “اللبنانيون يتناقصون… السوريون يتزايدون”، وهي ليست المرة الأولى التي تثير فيها الصحيفة ردود فعل غاضبة على ما يُعدّ تحريضاً خفيّاً أو عنصرية إزاء السوريين. ثم بعد ذلك تأتي صور مداهمات الجيش اللبناني في مخيمات النازحين في عرسال، ليتلوها حريق مخيم الرائد في البقاع، فيبدو كأن هناك ما هو ممنهج في استهداف النازحين، حتى إذا لم نأخذ في الحسبان تغريدة وزير الخارجية اللبناني الذي يصرح بأن النزوح هو مصدر الإرهاب والقضاء على الأخير يستلزم التصدي للأول.

لكن، لنفترض أن ما حدث في مدة قصيرة لا تحكمه سوى المصادفة حقاً، وأن كل تفصيل مما سبق منفصل عن الآخر بالمعنى الإجرائي. هذا لا ينفي ترابطاً من حيث وقوع هذه التجاوزات ضمن مناخ عام، مناخ يستهدف اللاجئ السوري بلا تورية أو حياء، ويستقوي بصمت يشمل النخبة السياسية كلها، إن لم يكن يستقوي بتواطؤها على اصطناع عدو يتحد إزاءه اللبنانيون وينسون استحقاقات داخلية لبنانية تفوق إلحاحاً ملفَّ اللجوء السوري الذي يُرمى به كجوكر بين الحين والآخر.

أيضاً، ثمة تفسير وجيه يطرحه أصدقاء لبنانيون حول استهداف السوري، مفاده ما يشي به الاستهداف من عنصرية لبنانية بينية يتم تصريفها نحو الآخر السوري، بعد تعب اللبنانيين من تصريفها داخلياً في جولات الحرب الأهلية وما تلاها من انقسامات. ويسعنا القول بأن هذا التحليل قد يقدّم معرفة للبنانيين، أو يدفعهم إلى طرح تساؤلات ضرورية على أنفسهم، أكثر بكثير مما يقدّمه من عزاء لسوريين متضررين مباشرة أو بشكل غير مباشر من مظاهر العنصرية اللبنانية تجاههم. فضلاً عن أن إلحاح هذه القضية وراهنيتها لن ينتظرا تشكل وعي لبناني أفضل لها، بقدر ما ينبغي أن يكون التطلع إلى تحرك فعلي يضع كافة أشكال العنصرية تحت طائلة القانون، وإذا لم يكن هذا ممكناً يكون قد وضعها تحت طائلة الانكشاف الأخلاقي الذي لا لبس فيه.

قد يستدعي حال المثقفين اللبنانيين التضامن أيضاً بسبب قلة حيلتهم، إنما ليس من قبل سوريين مستضعفين في بلدهم أو في الشتات، وليس بالتأكيد من قبل سوريين يُقتلون يومياً بسلاح ميليشيا لبنانية تعبّد بأجسادهم طريقها المزعوم إلى القدس. هذا الضعف اللبناني هو بالأحرى جرس إنذار للّبنانيين أنفسهم؛ فأن لا تستطيع سوى قلة رفع أصوات متفرقة، جلّها على وسائل التواصل الاجتماعي، ضد انتهاكات موصوفة لحقوق الإنسان؛ هذه ليست بشرى عن المستقبل اللبناني أولاً، ولن تكون بشرى حتى عن المستقبل القريب جداً لبلد طالما طرح نفسه كبلد للحريات في محيط استبدادي.

وأن تنبري أقلام لبنانية، تستقوي بتواطؤ ومزاج عنصري، إلى تخوين القلة المتضامنة مع اللاجئين السوريين، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، فهذا أيضاً حال لا يبشر إلا بمزيد من القمع، بحيث لا تترك أية مساحة حرية إلا للذين يستظلون بحماية من أحد مراكز القوى القادرة على تأمينها. ومن المعيب لأي سوري تنبيه لبنانيين لا تنقصهم الفطنة إلى أن شعارات من نوع تنزيه الجيش عن النقد لا تبشّر عادة بتحولات إيجابية للبلد ككل، وفي كافة التجارب المماثلة جرى استغلالها لمزيد من قضم الحريات العامة، ولا داعي للمقارنة مع دول ديموقراطية لا توجد فيها أية جهة فوق النقد حتى في حالات الحروب الشديدة، أو في حالات الطوارئ.

ولعل أكثر الفئات رياء تلك التي تتشدد في الدفاع عن الجيش وواجبه في حماية لبنان وحدوده مع سوريا، دون أن تتذكر واجبه في حماية السوريين من ميليشيا حزب الله التي تتدفق إلى سوريا باستمرار عبر الحدود نفسها. ولكي لا تبدو هذه فئة قليلة تنبغي الإشارة إلى طبقة سياسية مزقت ما يُعرف ببيان بعبدا، على رغم كونه محض حبر على ورق، وتحللت بذلك من أدنى التزام أخلاقي أمام مأساة السوريين. الأهم أن هذا يضع الطبقة الحاكمة ومشايعيها في موقع شراكة حزب الله في عدوانه على السوريين، وتكون هذه الطبقة بمجملها مسؤولة عن العدوان على السوريين وعن التعديات المتواصلة عليهم في لبنان.

لقد سبق في العديد من المناسبات أن انفضحت تعديات تعبر عن العنصرية إزاء السوريين، وأخذ بعضها طريقه إلى الإعلام لأنه لم يكن صادراً عن مؤسسات لبنانية بل عن أفراد. رغم ذلك، وخلال سنوات من محنة اللجوء السوري، لم نسمع عن حكم قضائي في حق أي لبناني ارتكب جريمة من هذا القبيل. هذا يعني أنه بإمكان أي لبناني استهداف أي سوري كما يشاء دون محاسبة، والبرهنة على هذه الحال لا تتطلب من كل منا سوى استرجاع عشرات الحوادث التي يحصل ما يشبهها يومياً، ولا يتكلف ضحاياها السوريون عناء الشكوى وإشهار أنفسهم طالما أن ذلك لن يرد لهم حقوقهم.

وأن تكون العنصرية أكثر حدة تجاه الأكثر فقراً ممثلاً بنازحي المخيمات فهذا سلوك لا يستبطن فقط عنصرية مركبة، بل يستبطن انتهازية المصالح التي تتغاضى عن سوريين تساهم أموالهم في عجلة الاقتصاد اللبناني، وعن سوريين قادرين على استئجار تلك الشقق التي باتت فارغة منذ شح السياحة الخليجية قبل أكثر من عشر سنوات لأسباب تخص ممارسات حزب الله. كما أن هذه العنصرية تستثني عمالاً سوريين يقطنون في الضاحية الجنوبية، طالما أنهم موجودون برضا الحزب ويذهبون بمواكبته إلى السفارة السورية لينتخبوا بشار الأسد.

إلقاء المسؤولية على الآخرين لا يُحتسب بدعة لبنانية بالطبع، إلا أن تصريحات من نوع إلزام اللاجئين بشراء وأكل فائض موسم التفاح لا بد أن تُزكّى كنباهة خاصة. كذلك الأمر مع اعتبار الهجرة اللبنانية، في بلد معروف تقليدياً بكثرة جالياته حول العالم، نتيجةً للنزوح السوري الحالي، بلا أي انتباه لأولئك الذين يعلنون على وسائل التواصل الاجتماعي ضيقهم بالعيش في جمهورية حزب الله وعزمهم على الهجرة، أو الذين نفذوا إعلانهم فعلاً. اللبنانيون يتناقصون؛ هذا خبر مؤسف حقاً. وما هو مؤسف أكثر أن يتناقص عدد الذين يمثلون لبنان بوصفه بلد الحريات ضمن محيطه، هؤلاء هم لبنان الذي يُدعس على جسده أيضاً.

المدن

 

 

 

نعم… اللبنانيون يتناقصون والعنجريون يخطفون لبنان كله/ بكر صدقي

«على أثر العملية الأمنية الإستباقية التي نفّذتها وحدات الجيش في مخيمات عرسال والتي أسفرت عن مقتل أربعة إنتحاريّين كانوا يعدّون لعمليات أمنية في الداخل اللبناني، تمّ توقيف عددٍ من المطلوبين المتورّطين في التخطيط والإعداد للعمليات المذكورة، ولدى الكشف الطبّي المعتاد الذي يجريه الجسم الطبّي في الجيش بإشراف القضاء المختص، تبيّن أنّ عدداً منهم يعاني مشاكل صحية مزمنة قد تفاعلت نتيجة الأحوال المناخية، وقد أخضع هؤلاء فور نقلهم للمعاينة الطبيّة في المستشفيات لمعالجتهم قبل بدء التحقيق معهم، لكن ظروفهم الصحية قد ساءت وأدّت إلى وفاة كل من السوريين: مصطفى عبد الكريم عبسه، خالد حسين المليص، أنس حسين الحسيكي، وعثمان مرعي المليص، وقد وضع الأطباء الشرعيّون تقاريرهم حول أسباب الوفاة وعلى الفور بادرت قيادة الجيش إلى إخضاع الموقوفين الآخرين للكشف الطبّي للتأكّد من عدم وجود حالات مماثلة تستدعي نقلها إلى المستشفيات، وللتأكّد عمّا إذا كان بعضهم قد تناول عقاقير سامّة تشكل خطراً على حياتهم».

النص أعلاه هو بيان لقيادة الجيش اللبناني الذي يدافع عن ممارساته لبنانيون منحازون سلفاً لروايته عن «ملحمة» مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال. هذا بحد ذاته أمر محزن. محزن أن يتضامن مطلق مدني لبناني مع جيش بلده في عملية تستهدف مدنيين داخل البلد، حتى لو كان هؤلاء اللاجئون السوريون (!) اعتادوا هذه المعاملة المشينة في بلدهم الأصلي على يد شبيحة النظام الكيماوي وشبيحة حزب الله الإيراني في لبنان. محزن أن يتم تبرير هذه الفظاعات المصورة و»المسربة» من أجل تأديب اللبنانيين أيضاً، إضافة إلى تطفيش اللاجئين السوريين، بذريعة لم تعد تثير إلا الغثيان، وهي ذريعة الإرهاب وداعش والتكفيريين (كذا). وقد تناسى هؤلاء المتضامنين مع جيشهم «البطل» المستأسد على الفئة الأكثر ضعفاً وهشاشة في لبنان اليوم، أن حزب الله الإرهابي الشريك في حكومة البلد، قد برر دخوله الحرب السورية بذرائع أبرزها قتال «التكفيريين» على الأرض السورية، بدلاً من انتظارهم في لبنان. فلا يخجلون اليوم من ترديد ذريعة جيشهم المقدام في استباحة مخيم لاجئين جلهم ممن شارك حزبهم الإلهي في طردهم من بيوتهم في سوريا، تلك الذريعة القائلة إن هناك انتحاريين كانوا يعدون لعمليات إرهابية في لبنان، من غير أن يضعوا موضع الشك كل هذه الرواية الركيكة على شاكلة بيان الجيش الذي «يخشى» على الموقوفين من تسميمهم لأنفسهم (!) بعدما قتل أربعة منهم بواسطة «التغير المناخي»! وهذا لعمري سلاح جديد يضاف إلى ترسانة مبتكرة تضم فيما تضم: البراميل المتفجرة ومادة الكلور السامة والألغام البحرية وسلاح الدمار الشامل المتمثل بأرواح إجرامية تسمى الشبيحة وماكينة كذب جبارة، في «جيش وحدة المسارين» الشهير.

إنه حقاً جيش واحد في بلدين، زينت بساطيره العسكرية رؤوس عاشقيه وعاشقاته في سوريا وتونس، بانتظار النسخة اللبنانية التي لم تظهر صورها بعد، لكنها ربما «قيد التحميض» وبالألوان.

هناك انتهاكات قام بها الجيش في المخيم المنكوب؟ الإرهابيون هم الذين فجروا أنفسهم وعائلاتهم داخل المخيم! والجيش اللبناني تعرض للاعتداء! ومن حقه أن يدافع عن نفسه! حقاً يعجز اللسان والعقل أمام هذا الدرك الذي بلغه بعض اللبنانيين. تقول لهم إن عشرة لاجئين سوريين قتلوا تحت التعذيب على يد جيش «وحدة المسار والمصير»، فيقول لك بكل نباهة وحذاقة: أين دليلك؟ وما هي مصادرك؟ ثم إن الجيش له الحق في التحقيق مع المشتبه بهم لانتزاع معلومات منهم حول الشبكات الإرهابية التي تخطط لقتل اللبنانيين! فهو يستبق الأمور، حتى إذا أتيته بالدليل القاطع وزودته بمصادرك التي لا يرقى إليها شك، يكون قد رد عليك سلفاً بأن للجيش الحق في «استجواب» الموقوفين. فإذا ماتوا «تحت الاستجواب» جاؤوك بخبر «التغيرات المناخية» التي قتلت أولئك الإرهابيين المحتملين، واستبقوا الأمر مرة أخرى في تبرير قتل من لم يقتلوا بعد «تحت الاستجواب» بالقول إنهم تناولوا مواداً سامة تشكل خطراً على حياتهم، على رغم كل فحوصات «الطاقم الطبي» لأجسامهم ودمائهم للتأكد من خلوها من تلك المواد السامة.

ونحن نعرف أن المواد السامة المقصودة في بيان الجيش ليست مواداً طارئة على دماء أولئك اللاجئين السوريين، بل هي جزء أصيل من دمهم ورثوه عن أجدادهم وصولاً إلى أول شقاق في تاريخ الإسلام بين سنة وشيعة، تكفيريين و»تنويريين»، إرهابيين و»مسالمين»، مذهبيين و»علمانيين»… هذا الدم الفاسد هو سبب تهجيرهم أصلاً من القصير ويبرود وغيرها من الأراضي السورية على يد الميليشيا العلمانية التنويرية المسالمة لحزب الله الإيراني في لبنان. وها هو»جيش وحدة المسارين» يكمل ما بدأه هذا الحزب في سوريا، فيتوغل في الدم السوري الرخيص بحثاً عن السموم التكفيرية التي، للمصادفة، لا تقتل إلا أصحابها. قامت جريدة النهار اللبنانية، قبل أيام من «ملحمة» الجيش اللبناني البطولية بقصفها التمهيدي، فحذرت من «تناقص» اللبنانيين و»تزايد» السوريين في لبنان، في صدى تافه للذعر الإسرائيلي التقليدي من خصوبة الإنجاب لدى الفلسطينيين مقابل «التناقص المطرد» لنسبة اليهود في إسرائيل. اللبنانيون يتناقصون فعلاً، ولكن ليس بسبب تزايد اللاجئين السوريين، بل بسبب تحول لبنانيين كثيرين إلى سوريين أسديين.

حيفي على لبنان، وكل التضامن مع اللبنانيين الأصيلين ممن يعرفون عن قرب ما معنى عنجر والعنجرية، أس كل إرهاب وتكفير ووضاعة. فهؤلاء مثقفون محترمون أفراد متفرقون بلا سند من طائفة أو»دولة» فرض عليهم الصمت تحت شعار أن «الجيش خط أحمر». و»من لا تعجبه ممارسات الجيش فليرحل!» هكذا غرد ابن عنجر البار. وبيت القصيد في كل هذه الفضيحة مطالبة «الدولة» اللبنانية التي خطفوها، هم أنفسهم، بالتنسيق مع نظام البراميل والكيماوي من أجل إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم.

أما نحن السوريين، فلن نطالب شيئاً غير موجود بإعادة وحوش حزب الله من جبهات القتال على أرضنا إلى لبنان. فحساب هؤلاء في سوريا، يدفعونه اليوم، وسيدفعونه غداً.

٭ كاتب سوري

القدس العربي

 

 

 

لبنان المقتول بيد مقاومة لا تعترف به وطناً وكياناً/ حسان القالش

ربما آن الأوان أن يعترف اللبنانيون بأنّ لبنان الجميل، ذاك الحلم الرومانسي وبعض سنيّ الازدهار، قد مات حقاً وفعلاً. لبنان الذي واجه تدخلات وتجاوزات المقاومة الفلسطينية، والذي تحمّل احتلال ووصاية نظام الأسد، قد مات، أو بالأحرى قُتل، ليس على يد ياسر عرفات أو آل الأسد، بل بأيدٍ لبنانية، وعلى يد المقاومة اللبنانية التي لا تعترف أصلاً بلبنان الوطن والكيان. وبعض علامات موت لبنان هو حلول البشاعة والخراب في كل ما كان باقياً من تميّز لبنانيّ، حلول القسوة والتجهّم محل الانفتاح والرحابة، في تحوّل بيروت إلى معسكر خانق للأرواح بعد أن كانت متنفّس المشرق.

والحال أنّ موت لبنان هو أشبه بحدث متواصل الحدوث، يكرّر ذاته ويعيد تأكيد واقعة الموت. هذا ما تقوله وقائع كثيرة كالتي حصلت في عرسال أخيراً تجاه اللاجئين السوريين. هنا، وانصياعاً للمنطق لا يمكن تجاهل ما يتحمّله لبنان كدولة من أعباء اللجوء السوري، ولا يمكن تجاهل الخوف التاريخي للبلد الصغير من جاره الكبير. بيد أنّ هذا لا يبرّر بأي حال مستوى العنصرية التي بلغها البعض تجاه السوريين، ففي المقابل، وبلغة الأرقام التي يتذرّع بها العنصريون، قد تكون رؤوس الأموال السوريّة التي هربت واستقرت في مصارف بيروت كافية لوحدها في تعديل الميزان الاقتصادي اللبناني، بل في ترجيحه إيجابياً ربما. هكذا، تبدو الذرائع والمبررات الاقتصادية واهية وعديمة الفائدة، ذاك أنّ السبب الأساس في كلّ ذلك إنما يكمن في إيديولوجية الكراهية الطائفية التي يعتنقها «حزب الله» وجمهوره، هذه الإيديولوجية المدعّمة بسلاح خارج عن القانون باتت تخنق اللبنانيين أنفسهم، ولعلّها السبب الخفيّ خلف انبعاث عنصرية اليمين اللبناني القديمة، وفي انتفاخ هذه العنصرية التي تتمثّل في جبران باسيل وأمثاله.

على أنّ عنصرية هؤلاء هي عنصرية منافقة ومتحايلة، إذ تتحايل على مستوى الكبت الذي يسببه «حزب الله» في الحياة العامة اللبنانية وتبحث عن وسيلة لتفريغ هذا الكبت، ولا يوجد أنسب من السوريين، في ضعفهم ومحنتهم، كوسيلة لتفريغ ذاك الكبت. وبهذا، يؤكّد هؤلاء على نهاية حقبة الحماية الأوروبية المسيحية للبنان، التي لا تقتصر أسباب نهايتها على الخذلان الأوروبي فحسب، بل على أداء نخب اليمين اللبناني والتحالف الخطير لجزء منهم مع «حزب الله». والمفارقة هنا، كما أظهرتها أحداث عرسال، أنّ عنصرية هؤلاء تعلن مجدداً موت لبنان عبر الرغبة في تحويله إلى دولة ديكتاتورية. ذاك أنّ العنصريين يحتمون في مثل هذه الأحداث بادعاء التعلق بالجيش الوطني، بوصفه خطاً أحمر، وذلك رغبة في إبعاد تهمة العنصرية والطائفية عنهم بتمسكهم بمؤسسة تعبر عن الانتماء الوطني، لكنهم بذلك يتغافلون عن حقيقة أنه ليس هناك من هو فوق المساءلة في النُظم الديموقراطية، وأنّ هذا الإصرار المتعمّد على عدم مساءلة الجيش يسيء إليه هو نفسه.

على هؤلاء أن يدركوا أنّ «حزب الله» لن يدوم مهما طالت الأيام، وأنّ السوريين باقون في أرضهم، جيراناً لهم، وأنهم لن ينسوا ما حصل لهم في لبنان.

* كاتب وصحافي سوري

الحياة

 

 

 

فيديوهات التعذيب.. قدر السوريين ولعنتهم/ وليد بركسية

أكثر ما يخيف في مقاطع الفيديو الأخيرة التي انتشرت خلال اليومين الماضيين، لتعذيب مدنيين سوريين، داخل سوريا وخارجها، أن الجميع يتعامل معها كنتيجة طبيعية روتينية ضمن مسار الحرب السورية الوحشية، وكأن هناك استسلاماً ضمنياً أو يأساً وحتى اعترافاً بوجود شيء من اللعنة على السوريين الراغبين بحياة أفضل أو الهاربين من الأسوأ على حد سواء، خصوصاً أن القائمين بالتعذيب، هذه المرة، ليسوا جنوداً تابعين للنظام ومخابراته.

وربما لا تكون هوية القائم بالتعذيب مهمة كثيراً في هذا السياق، سواء كان الجيش اللبناني في عرسال أم قوات سوريا الديموقراطية في الحسكة أم الجيش الروسي، طالما أن الضحية واحدة في سياق مؤلف من تبرير واحد هو هاجس الحفاظ على الأمن، والذي يبدو غير كاف لتبرير الوحشية أو ارتكاب فعل التعذيب ثم تصويره ونشره.

والحال أن القدر واللعنة كلمات تتوارد للذهن فوراً مهما كانت خيالية وبعيدة عن المنطق، لأنه لا منطق أصلاً في كل ما يجري في سوريا، فالفوضى الحاصلة وتعدد الجهات الفاعلة، وإصرار الجميع على إثبات وجوده بهذا النوع من التصرفات الوحشية المصورة كنوع من استعراض القوة، ومدة الحرب الطويلة نسبياً، تحيل تلقائياً إلى الشعور باليأس والعجز، وهي أحاسيس كان لها زخم ربما قبل سبع سنوات وفقدت معانيها اليوم.

يتجلى هذا الإحساس العام باللاجدوى للكلمات أمام بطش الأفعال، في ردود الأفعال الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي أتت باهتة وراضخة وحتى حالمة بالعودة إلى حقبة ما قبل الثورة، حينما كان التعذيب مجرد قصص شفهية أقرب لأساطير يقوم بها جلادو النظام في المعقتلات والسجون، من دون دليل بصري يوثقها، إلا ما ندر من شهادات من حالفه الحظ وخرج حياً من المعتقل.

ولا تخرج المقاطع كلها، عن إطار فائض القوة التقليدي وهو الشعور الذي يدفع أحداً ما لممارسة العنف تجاه الأضعف منه، وهو السبب نفسه وراء عشرات المقاطع الأخرى التي تظهر إذلال لاجئين سوريين في دول اللجوء، أو ممارسات الميليشيات ضد المدنيين كفيديو نشر العام الماضي لعناصر من “حزب الله” وهم يهينون مجموعة من المدنيين السوريين المهجرين في حلب، وسط البرد والثلوج، أو تصرفات عناصر جيش النظام السوري خلال وجوده في لبنان ضد المدنيين على حواجز التفتيش.

الجديد هنا هو تحميل التعذيب المصور معنى مختلفاً بوصفه فعل قصاص عادل، لا يتعلق فقط بملاحقة الإرهابي المطلوب نفسه بل بالوصول إليه من أجل تعذيبه قبل قتله، وهنا يصبح أي مدني سوري عرضة للتعذيب من دون سبب سوى الاشتباه بامتلاكه معلومات ما حول الإرهابيين الحقيقيين، ما يستوجب القيام بالتعذيب من أجل سرعة الاستنطاق.

ويجب القول هنا أن ربط الإرهاب بالسوريين عموماً يجعل التعدي عليهم بهذه الطريقة مبرراً في الخطاب السياسي العام، طالما أن تصرفات التعذيب والاعتقال والعنف المجاني تحصل لسبب نبيل كمحاربة الإرهاب، مهما كانت تلك التصرفات تماثل جوهر الإرهاب في النهاية.

إلى ذلك، تشترك المقاطع الأخيرة في تحويلها السوريين إلى أداة من أدوات الخطاب القومي لدى أطراف شعبوية في دول كثيرة، وهو أسلوب يشيطن جميع السوريين، في الداخل وفي دول اللجوء، من أجل غايات محلية، وبالتالي فإن فعل التعذيب والتباهي به يصبح خطاباً دعائياً موجهاً من أجل مصلحة وطنية ما، فالروس يعذبون مدنياً سورياً بمطرقة مع ضحكات من أجل استعادة الأمجاد السوفييتية، وقوات سوريا الديموقراطية تكافح “داعش” وأمام عينيها هدف أبعد مثل استقلال كردستان.

هذا النوع من الغايات حتى لو لم يتم التصريح به علناً، إلا أنه يلامس مشاعر الأفراد العاديين أصحاب النزعات القومية نفسها، وينعكس بصورة تأييد لهذه التصرفات وخلق مبررات شعبية لها، ويتجلى ذلك أكثر في الحالة اللبنانية مع تصاعد التجييش في وسائل إعلام محلية ضد جميع السوريين في كافة المناطق في الأيام القليلة الماضية.

في ضوء ذلك، لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن رؤية وشيكة لحل ينهي المأساة السورية، ليس بسبب تعقد الوضع السياسي والعسكري، بل لأن كمية الفظائع التي حصلت منذ العام 2011، من أي طرف كان، لا تدع مجالاً كثيراً للمسامحة، وحتى لو انتهت الحرب بالاسم ستبقى آثارها النفسية والاجتماعية ماثلة لأجيال بشكل أحقاد لا تموت، هذا إن تخلت الأطراف المتنازعة عن فكرة القتل الجماعي والرغبة في إبادة الآخر وتصفيته كحل ينهي تلك المشكلة البسيطة، مع إدراك كل طرف أن الطرف الآخر لا يمكن أن يغفر له مستقبلاً.

من السهل هنا إعلان التضامن مع اللاجئين في لبنان ومع السوريين في الداخل، ومن السهل أيضاً نشر بعض الكلمات الغاضبة والمستاءة عبر مواقع التواصل مرفقة بهاشتاغات التضامن التقليدية مثل #لاجئ_مش_إرهابي، لكن ذلك لن يكون كافياً لتجاوز العنف أو تصور مستقبل أفضل للسوريين في الحرب التي لن تتوقف قريباً، مع وجود كل هذه الهمجية التي يصبح معها الغفران والبدء من جديد صعباً أو ربما مستحيلاً.

المدن

 

 

السوريون بين بيروت الظلم وبيروت العدل/ سميرة المسالمة

ليست هناك مدينة تشبه المرأة كبيروت. الصفات التي تطلق على أي منهما تنطبق على الأخرى، فهي الفاتنة والمراوغة، الجذابة والعنيدة، الحنون والقاسية، السهلة والصعبة، ما من وصف إلا وبيروت سيدته، وهي التي منحها الشاعر محمود درويش أعذب قصائده.

هكذا كانت بيروت قبل أن نصبح نحن السوريين «لاجئين» بين جنبات مخيماتها، لأنها أقرب إلينا كلاجئين جدد، وأبعدها عن استبداد ينخر عظام «دولتنا»، ويقذف بنا في شتى أرجاء الأرض، وهي بقيت كذلك حتى بعد أن أصبحت النيران تأكل خيامنا، في مخيم الرائد، في محيط مدينة قب الياس، ومخيم تل السرحون في بلدة بر الياس، ولا نعلم متى وأين موعد النيران القادمة مع أجساد سوريين آخرين في أرجاء أخرى من لبنان «يا قطعة سما»!

في الغضون تصدح أصوات ممثلي الكتل البرلمانية داخل أروقة البرلمان اللبناني طالبة ترحيلنا، كأننا هناك بمحض صدفة سياحية قادتنا إلى حيث «سويسرا الشرق»، أو لؤلؤته، كما يحلو لنا تسميتها، والتي تناسى أصحابها أن ثمة منهم من ذهب إلى أماكننا في القلمون وريف دمشق وحمص وحلب، ليقتلعنا من جذورنا، بسلاح ادعى أنه لمقاومة إسرائيل فقط، في حين لم يعد يوجهه ضد عدوه المفترض إسرائيل وإنما ضدنا، أي ضد الشعب السوري الذي احتضنه، وأمّن له المسكن والاحتياجات زمن كان الادعاء صحيحاً، وكانت البندقية باتجاه غير صدور السوريين ومدنهم.

السوريون موجودون في لبنان في شكل طارئ وقسري، لكن بعض من ادعى أنه يمثل لبنان بات في سورية منذ سنوات، يقتل ويهجر ويدمر في شعبها، بل ويستولي على أملاك السوريين ويغير خريطة مدنهم جغرافياً وسكانياً. وهذا البعض يلبس حيناً وجهه اللبناني، الذي لا يشبه وجوه أهالي لبنان «الطيبين»، لكنه في أحايين أخرى لا يراه السوريون إلا وجهاً إيرانياً، ينفذ أجندة إيرانية بلسان لبناني في سورية، وكذلك اليوم في البرلمان اللبناني وفي الحكومة وعبر وشاياته بين المواطنين، عندما يطالب بإعادة السوريين إلى بلادهم عبر محادثات مع الحكومة السورية، ليس لأنه يرى أن الحرب الوحشية التي شنتها هذه الحكومة على السوريين انتهت وحل الأمان في أرض طاولها التدمير، بل لأن شروط توسيع حصة النظام في أي حل تفاوضي مع المعارضة، باتت تتطلب هذه الأكاذيب والمراوغات، متناسياً ومن معه، من المطالبين بعقد التفاهمات مع النظام لإعادة السوريين، أنه بذلك يزيد من دائرة ضحايا المقتلة السورية التي جرت بالمشاركة مع «حزب الله»، اللبناني الهيئة والإيراني التبعية والأجندة. ينسى هؤلاء كلهم أن معظم السوريين هربوا من جور النظام وملاحقاته الأمنية وأحكامه الجائرة عليهم، فكيف يمكن الدعوة لإعادتهم إلى حيث ينتظرهم الغدر؟ وكيف يحدث ذلك بدل أن تقوم الحكومة اللبنانية بدورها الانساني والسياسي برعايتهم وتوفير الأمان والحماية لهم؟

لا ينكر أحد على لبنان معاناته لكونه دولة صغيرة المساحة، وقليلة الموارد، وتعاني ما تعانيه اقتصادياً، وسياسياً، وهو ما يتوجب على الأمم المتحدة -الصامتة أمام عذابات السوريين في لبنان اليوم- أن تتحرك لإيجاد حلول تجنب لبنان الدولة آثار استضافتها نحو مليون ونصف المليون من السوريين، كما يتوجب على المعارضة السورية المتفرجة بدورها أيضاً، أن تتحرك مع أصدقائها لإيجاد مخرج للسوريين من جهة، وللدولة المضيفة التي أرهقت خلال السنوات السبع وما قبلها، من هجرة السوريين إليها، كملجأ من عذاباتهم، سواء السياسية أو الاقتصادية، حيث بنت العمالة السورية المهاجرة إلى لبنان كثيراً من ذاكرة العمارة الحديثة في بيروت وبقية المدن، وهو الأمر الذي لا ينكره شعب لبنان غير المؤدلج إيرانياً الآن، أو المرشح لانتخابات نيابية في العام المقبل.

لا أحد يريد لأهلنا أن يبقوا في غربتهم هذه، كما لا يمكن القول إننا عاجزون عن فعل أي شيء يتعلق بعودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم، أو على الأقل عودتهم إلى المناطق المحررة عبر تركيا، وهو ما تستطيع كيانات المعارضة وفي مقدمها «الائتلاف»، أن تعمل عليه مع أصدقاء الثورة وذلك حماية للسوريين من جهة ولتعزيز وجودها في المناطق المحررة من جهة ثانية.

لا يمكن أن ننكر دور المعارضة في ضرورة تحمل مسؤولياتها تجاه المواطنين السوريين في لبنان والأردن وتركيا، طالما أرادت أن تكون ممثلة لهم سياسياً وخدمياً، عندما أنشأت حكومتها التنفيذية. لكن قبل ذلك لا يمكن أن يتناسى المجتمع الدولي، ومنه الدولة اللبنانية، أن وجود السوريين في لبنان إنما هو بسبب حرب طاحنة شنها النظام على شعبه، وشارك فيها لبنانيون، أقصد «حزب الله»، سواء بتفويض من الحكومة الشرعية، أو باغتصاب هذا التمثيل عنوة، لذا فإن عودتهم، أي اللاجئين، إلى سورية قبل أن تحط هذه الحرب رحالها، وتعود ميليشيات «حزب الله» إلى جنوبها مع سلاحها، هي عودة بالإكراه، هدفها إكساب النظام السوري نصراً مزوراً، ككل انتصاراته على شعبه الأعزل الذي طالب بدولة ديموقراطية، دولة مواطنين أحرار متساوين أفراداً وقوميات، فقوبلت مطالباته بالنار والقنابل والصواريخ والبراميل المتفجرة، من جانب النظام ومن يدعمه، مثل إيران عبر ذراعها «حزب الله» والميليشيات الطائفية من كل حدب وصوب، ولا يستبعد أن جزءاً منها لن يغادر لبنان في طريق عودته من سورية بعد انتصاراته المزعومة.

أعود إلى بيروت: الطاحنة، القاهرة، بيروت التي تطحن الجيوب والأرواح وتقهر عشاقها بالانتكاسات المتجددة، وأقول هامسة، بيروت معشوقة السوريين، لا يهز صورتها بعض الأصوات النشاز، ولا يعكر صفو وجهها التنافس على طرد السوريين من قبل مرشحين لانتخابات قادمة، لأننا نثق أن بيروت الجميلة القوية الحرة ستنتصر على بيروت المتأرجحة على حساسية ميزان الصراعات الطائفية والمصلحية، وعلى بيروت التي زعمت النأي بالنفس في حرب تأكل من دمها، وتعتاش على أرواح أولادها. بيروت الحب التي يعرفها نزار قباني، ونحبها معه، على رغم حماقات الانسان ستظل معنا وفي قلوبنا: ما زلت أحبك يا بيروت القلب الطيب… ما زلت أحبك يا بيروت الأمل، يا بيروت العدل.

* اعلامية وكاتبة سورية

الحياة

 

 

شعب بلا غطاء/ميشيل كيلو

تنتقل المسألة السورية إلى طورٍ جديد، يُراد له أن يكون طور ما بعد الثورة، طور تقرير مصير ملايين السوريين الذين طردهم النظام الطائفي/الاستبدادي من وطنهم، منذ استهدفهم بحملات قتلٍ منظمةٍ نفذها جيشه، لم تترك لهم غير الموت تحت ركام منازلهم، أو الفرار إلى بلدانٍ لا يقيم حكامها وزنا للقوانين، ولحقوقهم بشراً، وليس لديها الرغبة في خدمتهم، تفتقر مؤسساتهم الحكومية إلى إجماعٍ وطني، يمكن أن يفيدوا منه، باعتبارهم لاجئين تقرّ القوانين الوضعية والشرائع السماوية بحقوقهم، وإلى شرعيةٍ وطنيةٍ تقبلها الأطراف السياسية والحزبية، وتلزمها بما تتبناه حكومات بلدانها من مواقف. لو أخذنا لبنان مثالا، حيث يُعامل السوريون كأنهم أسرى حرب لدى حزب الله وامتداداته في الجيش وأجهزة الأمن، وتمارس عليهم سياساتٌ هي امتداد لحرب الحزب ضدهم، وهو الذي أخرجهم من مواطنهم الأصلية في سورية، بعد أن غزاها ودمرها بأمر من خامنئي، لوجدنا أن حكومته في واد وحزب إيران في آخر، وأن كلمته وليس كلمتها هي الحاسمة، وأن سلطاتها لا تشمله في أية قضية تخص إيران وسياساتها الاحتلالية والتدخلية في المشرق العربي عامة، وسورية ولبنان خصوصا.

لا يعني هذا أن حكومة لبنان ليست مسؤولةً عّما يتعرض له السوريون من عدوانٍ على يد جيشٍ تابع لها، يفترض أنه خاضع لإمرتها يضع نفسه بتصرفاته ضد مدنيين عزّل، ويضعها هي أيضا في موقع العداء للسوريين الذين لو كان ربع من اعتقله من لاجئيهم “إرهابيا”، لما نعم لبنان يوما واحدا بالأمن والاستقرار، ولما تمكّن جنوده من دخول المخيمات، ناهيك عن إلقائهم أرضا وتمريغ وجوههم بترابٍ مغطى بالحصى، وهم عراة الجذوع مكبلو الأيدي.

يقول ما يجري في لبنان أمرين:

أولاً، من اعتدوا على السوريين من دون تمييز، لمجرد أنهم سوريون، أنهوا سياسة النأي بالنفس التي أعلن لبنان الرسمي التزامه بها حيال الصراع الدائر في سورية. لذلك، يجب توجيه سؤال إلى حكومة الرئيس المقدّر سعد الحريري: عن أي نأيٍ بالنفس يمكن أن نتحدث منذ الآن، إذا كان حزب الله يقتل السوريين داخل بلادهم، وجيشكم الرسمي يقتلهم خارجها: في مخيمات البؤس والموت التي طردهم الحزب إليها عقابا لهم على رفضهم نظاما مرتبطا مذهبيا بإيران، هو أقوى ركائزها في المشرق، وأعمق اختراقاتها السياسية والعسكرية والمذهبية للجسد العربي؟

ثانياً، لبنان الرسمي الضعيف حيال لبنان المتحكّم، أي حزب إيران، قرار أن يسهم بقوةٍ في مرحلة قادمةٍ تلوح تباشيرها من الصراع السوري، تقول تصرفات جيشه المفاجئة، وأخبار تركيا والأردن، أنها ستستهدف ملايين السوريين خارج وطنهم، الذين أتاح خروجهم لهم فرصة النجاة من القتل، والتمسك بقضيتهم، فإن نظموا أنفسهم وقرّروا ممارسة عمل سياسي منظم ومؤسسي/ موحد، بقيت الثورة حية، وإن تراجعت أمام النظام في الداخل. للخلاص من هذا الاحتمال، بدأ عمل واسع وجدّي لتمزيق الخارج السوري وإرهابه، وهو الذي تفيد دلائل متنوعة بأنه سيكون ضحية سياساتٍ تريد تحقيق هذا الهدف، سواء أعادتهم طائعين خانعين من خلال “هدن” استسلامية إلى ركام بيوتهم، حيث ستفرض الأسدية عليهم نمطا من العيش الموتُ أفضل عليه، أو عرّضتهم أدواتها لتصفياتٍ وملاحقاتٍ وسياساتٍ إذلالية تقوّض قدرتهم على أن يظلوا كياناتٍ متماسكةٍ تعي نفسها جزءاً من مجتمع تاريخي، يوحّده الاستبداد داخل وطنه، ونضالهم للعودة إليه وطناً حرّا خارجه، إن أقام الأواصر والصلات المطلوبة بين جزأيه، الداخلي والخارجي، حافظ على هويته الجامعة شعباً ثائراً، يرفض الأسدية وعازم على تجاوز محنته، بما لديه من مؤهلاتٍ فردية وجماعية، وروح وطنية حية ولا تقبل الهزيمة. يريد الأسد وحزب الله تحويل الجسم السوري في لبنان إلى حالةٍ “غجرية”، ليست كيانا سياسيا أو وطنيا، وليس لها هوية جامعة وقضايا مشتركة، إن عاد بعضها إلى سورية صار عبدا تحت البوط العسكري الأمني، وانضم إلى جموع الأموات من مواطنيه. وإن بقي خارجها نبذ وقتل عشوائيا بالرصاص، أو تحت التعذيب في “المستشفيات”، مثلما حدث أخيرا في لبنان.

يعتقد أسد إيران أن روسيا قضت على جزءٍ مهم من قوى الثورة، وأنه حان وقت القضاء على حاملها: شعب سورية أو ما تبقى منه، فإن نجح جعله نجاحه خيارا لا بديل له، وقبله العالم. هذه الجريمة الفظيعة لا يجوز أن يشارك فيها جيش لبنان، فهي ليست مهمته، وستلحق مشاركته فيها ضررا فادحا بشعبين شقيقين، لا مصلحة لهما في ارتكابها.

العربي الجديد

 

 

 

 

تعذيب السوريين.. المعنى والخصوصية/ عمر كوش

لم يحدث أن تعرّض لاجئون في العالم من إهاناتٍ وانتهاكاتٍ وارتكاباتٍ بحقهم، مثلما تعرّض له اللاجئون السوريون في لبنان. وليس تعذيب لاجيئن سوريين في مخيمات عرسال وسواها سوى حلقةٍ في سلسلة التعذيب البشعة التي ارتكبت بحق سوريين كثيرين، سواء من عصابات النظام الأسدي وجيشه، أم من مليشيا حزب الله اللبناني ومن يلفّ في فلكه، أم من مليشيات نظام الملالي الإيراني، أم مليشيا “وحدات حماية الشعب” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، أم من جنود النظام الروسي، نظام بوتين، وسواهم، فالجريمة واحدة، والمستهدف هو ذلك السوري، روحاً وجسداً وأشلاء.

وإن كانت الصور الفظيعة لمن قتلهم جنودٌ من الجيش اللبناني أو مخابراته تحت التعذيب، قد أثارت سخط القوى الحيّة في العالم، إلا أنها تثير أكثر من سؤال عن المعنى والخصوصية في قتل سوريين، مدنيين وعزّل، وتكشف مستوى الانحطاط الذي وصلت إليه الطائفية السياسية في لبنان، بعد أن اختطفته واغتصبته، تنفيذاً لأوامر نظام الملالي الإيراني، ووليه الفقيه القابع في طهران، ونصّبت قادةً ممن تريد على بلدٍ كان يضرب فيه المثل بالحريات، إبان ستينيات القرن المنصرم وسبعينياته، من أمثال السيد والجنرال وصهره ووزيره نهاد المشنوق وسواهم، ممن باتوا يتحكّمون بمصير لبنان واللبنانيين، وأقحموهم في حربٍ قذرة دفاعاً عن استبداد نظام الأسد، بل يتعدّى الأمر ذلك، ليكشف مستوى انحدار الطائفية السياسية اللبنانية إلى مستوىً مهين من التوحش واللا إنسانية، ليطرح أسئلةً عن الفكر الطائفي المهيمن فيها، فكر الذين سوّقوا الحرب إلى جانب نظام طائفي فاشي، وأوصلوها إلى محطةٍ قصوى من العذاب الإنساني

ومع علمنا أن العصبوية، شوفينية كانت أم طائفية، تحمل على الدوام ألواناً عديدة من التعذيب والقهر، إلا التعذيب الذي حلّ باللاجئين السوريين يحمل خصوصية ومعنىً لا يمكن تجاهلهما، ويشكّل جزءاً من المعاناة اليومية لغالبية السوريين في بلادهم وخارجها، من امتهانٍ للكرامة وقتل وسلوك متعسّف وجرائم عديدة ارتكبت بحقهم على مرأى العالم، وبتواطؤ من قادة المجتمع الدولي وأنظمته.

ويبدو أن عذابات غالبية السوريين في لبنان لم تنته بعد، كونها لم تتغيّر قبل اللجوء وبعده، إذ إن وحشية الممارسات التي كانوا يتعرّضون لها من أجهزة نظام الأسد وشبيحته انتقلت إلى

“لن تُمحى بسهولة صور الأجساد المهزومة في مخيمات عرسال وسواها” أجهزة حزب الله والعونيين ومنتسبي الحزب القومي وسواهم من الذين سخروا أنفسهم مرتزقة خدمةً لنظام الإجرام الأسدي الذي عانى من بطشه غالبية اللبنانيين من قبل، ثم حوّل أكثر من نصف سكان سورية إلى نازحين ولاجئين. ولم يشفع لهؤلاء الذين تركوا بيوتهم وراءهم، أملاً في الخلاص من القتل، وتحمّلوا تبعات العيش في خيمٍ لا تقيهم برد الشتاء ولا حر الصيف. ولم تحمهم من الاعتقال والملاحقة، بل وجدوا أنفسهم في معسكرات اعتقال كبيرة، أشبه بمعسكرات الاعتقال النازية، حيث الظروف المعيشية مهينة جداً، وحيث القهر والظلم والإذلال والاعتقال والتعذيب، فأي مشاعر ستتولد لدى هؤلاء الثكالى والمقهورين؟

غير أن مشاهد القتلى الذين سلمهم الجيش اللبناني إلى أهلهم، ومنع ذويهم من رؤية أجسادهم ومعرفة أسباب قتلهم وظروفه، ومن بينهم شاب مقعد أعادوه أشلاء مقطعة، يعكس النقطة الحرجة أو المدى الأقصى الذي وصل إليه المشروع الطائفي في لبنان، من حيث أنه بدأ بحملة أكاذيب وألاعيب هائلة، تمهيداً لإجبار اللاجئين على العودة إلى مناطق سيطرة النظام الأسدي، بعد أن أجبر حزب الله قسماً كبيراً منهم على اللجوء، ومغادرة أماكن عيشهم، والمفارقة أن معظم هؤلاء اللاجئين هم من استقبل اللبنانيين الذين تسبب حزب الله في لجوئهم إلى سورية عام 2006، وبدلاً من رد الجميل لهم، أنكره، بل وأمعن هذا الحزب في وقوفه مع نظام الأسد في الحرب البشعة ضد هؤلاء، وضد غالبية السوريين، تحت مختلف الذرائع واليافطات المزيفة.

ولعل من المخزي أن يلفّ صمتٌ ثقيلٌ هذه الممارسات بحق السوريين، بل وينبري بعضهم دفاعاً عنها أو تبريراً لها، بدعوى ملاحقة الإرهابيين، مع العلم أن الإرهابي هو من حوّل هؤلاء إلى لاجئين، وهو من ينتهك حرمة الجسد البشري الذي يعتبر احترامه معياراً لوحدة البشر حول القيم الإنسانية المشتركة، لكن ما حصل في مخيمات عرسال ضرب تلك الحرمة، إذ حولت عناصر الجيش اللبناني، المدفوعين بلا شك من حزب الله، أجساد اللاجئين الشباب الممدّدة على الأرض إلى حالةٍ من الإخضاع الجسدي، وحالةٍ من الانتهاك والعنف، عبر ممارساتهم لانحرافاتهم الطائفية، ولصورهم النمطية والكراهية والعنصرية. وهي ممارساتٌ تؤكد السيطرة الجسدية للقوة، بغية إذلال الآخر، الضعيف، وما ينشأ عنه من حقٍّ زائف في التعذيب والتمثيل بأجساد الآخرين.

وتُرجع صور أجساد الرجال والشباب العراة، والمقيدي الأيدي، والمبطوحين على الأرض، إلى الذاكرة صور مختلف الكومات البشرية لجثث القتلى في جميع معسكرات الاعتقال وحروب الإبادة التي خاضتها القوى المسيطرة في العالم الحديث، وربما لن يكفي تفسير مثل هذه المشاهد القول بانفصال الإرادة عن العقل، وتحوّل الأخير مجرد أداة، بل يجب البحث عن محتوىً يتسع لكلّ هذا الكمّ المرعب من العنف الجسدي، بدءاً من حروب إبادة الهنود الحمر، وحتى حروب الإبادة في البلقان وفي مناطق عديدة من إفريقيا وفلسطين. لكن المحيّر هو في خصوصية التعذيب الجسدي الذي يولّد نوعاً من لذة الاستمتاع في التسبّب في الألم لجسد الآخر، وهي خصوصية تتجسّد في كراهية الجسد والحقد عليه، وتكشف مركب نقصٍ تعويضيٍّ عن عمليات التحقير والإهانة والإذلال.

لن تُمحى بسهولة صور الأجساد المهزومة في مخيمات عرسال وسواها، تلك الأجساد المهانة، ولن تُمحى كذلك وجوه الجنود الهازئة وقهقهاتهم والممتهنة كرامة الضحايا. غير أنه لا يمكن

“إنه عارٌ نلمسه في الحالات القصوى للفكر الطائفي، يمتد إلى الحالات المبتذلة الملازمة له” المساواة بين الجلاد والضحية، ولا يمكن الاكتفاء بالنظر إلى ضحايا الطائفية السياسية اللبنانية، بل يجب أن يطاول الاتهام كل مسوّقي الصور النمطية عن الآخر، لأن الأمر يتعلق بالعقلية العنصرية لدى بعض اللبنانيين، لكن المؤسف أن يتفرّج العالم على تلك الصور من دون حراكٍ أو تحقيق دولي لإحقاق الحق. إنه عار أمام الضحايا، وعار أمام إنسانية الإنسان. عار الفكر حين يغوص في مستنقع معياريته الخاصة، فكر العنصريين الطائفيين وسواهم أينما وجدوا. إنه عار هذا الزمن العربي المفتوح على الاستبداد والهزائم والدمار، وعار القتلة بإنسانيتهم. عارٌ أمام الضحايا، وعارٌ أمام الإنسانية، وعارٌ أمام إنسانية الإنسان؛ فكلهم مسؤولون عن الضحايا ومسؤولون أمام الضحايا. عارٌ يطاول كلّ من يحاول التستر على الجريمة، ويساوي بين الضحايا والقتلة. إنه “الخليط المشوب أو التجاور المشوب” كما يقول نيتشه، حين ينحطّ الفكر السياسي الطائفي في وحل معياريته، ويكاد يقترب أحياناً من صورة حيوانٍ يحتضر أكثر مما يقترب من صورة إنسان حيّ.

إنه عارٌ نلمسه في الحالات القصوى للفكر الطائفي، يمتد إلى الحالات المبتذلة الملازمة له. لكن، على الرغم من كل المجازر، نستشعر حالة خلق جديدة، ونشترك مع كل المناهضين للعنصرية والطائفية، كي تظل دماء السوريين شاهداً على هذا العصر، عصرنا التجاور المشوب، بانتظار أن تتحقّق العدالة الإنسانية، ويرجع الحق إلى أصحابه.

العربي الجديد

 

 

وطنيّتان/ حازم صاغية

أطلقت الأحداث الأخيرة، منذ صورة عرسال، موجة تخوين طاولت لبنانيّين ولبنانيّات شاؤوا أن يغرّدوا خارج السرب. وسائط التواصل الاجتماعيّ أساساً، لكنْ أيضاً سياسيّون وصحف وتلفزيونات، كلّهم أدلوا بدلوهم في «دعم الجيش» والتشهير بمن لا يدعمونه وفقاً لمعاييرهم في الدعم. وطبعاً، كان لـ «بَوْس البوط» العسكريّ و «دعس الرقاب» حصّة معتبرة في هذا الدعم وذاك التشهير.

حسناً: الوطنيّة اللبنانيّة مرضوضة جدّاً ومريضة جدّاً. هذا ما يصعب أن نتوقّع سواه في ظروف البلد وفي أوضاع المنطقة. والوطنيّات المريضة هي التي تبرّر أفعالها، كائنة ما كانت، من دون أيّة مساءلة للذات وأيّ تحمّل للنقد. هي التي تبرّر قتل مدنيّين تحت التعذيب. هي التي تبرّر إحراق خيم للاّجئين. هي التي تبرّر «التنسيق» مع نظام كالنظام السوريّ «بهدف إعادة» من هجّرهم هذا النظام ذاته.

هذه الوطنيّة إنّما تسيء أوّلاً إلى الوطن إذ تقدّمه مسلخاً، كما تسيء إلى العقل والكرامة الإنسانيّين إذ يقاسان، والحال هذه، بتقبيل «البوط». وإذا صحّ ما يقال أحياناً من أنّ الحروب على الإرهاب ترتّب آلاماً إنسانيّة لا بدّ منها، يبقى أنّ تلك الحروب خفيّة وحمّالة أوجه فيما الآلام ظاهرة تفقأ العين. الحروب تبوّب البشر وتعتّمهم. الآلام توحّدهم في إنسان واحد مطلق وتضيئه. لهذا يصعب الوقوف مع الحروب بغضّ النظر عن الآلام، فيما يُلحّ الدفاع عن ضحايا الآلام بغضّ النظر عن الحروب. هذا هو الموقف الأخلاقيّ. لكنّه الموقف السياسيّ الصائب أيضاً.

فهنا تميّز الوطنيّة الدستوريّة نفسها عن الوطنيّة الحربيّة. وطنيّة القيم والمساءلة والنقد مقابل وطنيّة التسليم والتزلّم والقسوة على الآخرين وتمجيد الذات وتمرير بضع مصالح وضيعة. وطنيّة الحقوق والواجبات مقابل وطنيّة الزجل و «هلّي ع الريح».

ونعرف أنّ كثيرين تخرّجوا وما زالوا يتخرّجون من مدرسة الوطنيّة الثانية، وأنّ وجوهاً كالوزير السابق ميشال سماحة كانوا في عدادهم. لكنّنا نعرف أيضاً أيّ استعداد يبديه هؤلاء لإلحاق الوطن بنظام قاتل في الجوار، ولإنزال الموت بأبرياء حرصاً على مصالح ذاك النظام، وللقبول الفعليّ بجيش اسمه «حزب الله» يكون أقوى أضعافاً من الجيش الوطنيّ الذي يزعمون عبادته. وهذا فضلاً عن استعدادهم لتلطيخ صورة الوطن وصورة جيشه، بأعمال قتل وتعذيب مقرفة، من أجل إنجاح «التنسيق» مع هذا النظام إيّاه.

وما دام البعض يستعيد «عِبَر» الماضي، كي يضمن ألاّ ينحرف بنا المستقبل، يغدو مفيداً أن نقرأ الماضي قراءة مغايرة:

إنّ الذين يعترضون ويتمسّكون بالوطنيّة الدستوريّة لا يكرّرون الوقوف مع البندقيّة الفلسطينيّة ضدّ الدولة اللبنانيّة، بل يدينون ذلك. إلاّ أنّهم أيضاً لا يقبلون، بل يدينون، معاملة المدنيّ الفلسطينيّ على النحو الذي عومل به قبل أن يتسلّح، والذي ساهم بقوّة في دفعه إلى التسلّح.

وهم ليسوا مع دمج لبنان في كلٍّ، سوريّ أو عربيّ أو إسلاميّ، أكبر. إنّهم يعرفون تماماً، وأكثر من غيرهم، أهميّة الحرّيّة في لبنان وأهميّة لبنان بوصفه وطناً للحرّيّة. إلاّ أنّهم، مع ذلك، يستنكرون «حقّ» بعض اللبنانيّين بحمل السلاح والتحكّم بالبعض الآخر الذي لا يحظى بهذا «الحقّ».

وهؤلاء يكرهون الإرهاب أكثر من سواهم، لأنّ خطر «داعش» يتهدّد طريقتهم في الحياة وفي التفكير قبل أن يكون خطراً سياسيّاً. لكنّهم أيضاً يكرهون أسباب الإرهاب ويظنّون أنّه، مثل كلّ شيء آخر، له أسباب. أمّا أن تكون «إعادة إعمار» سوريّة الرشوة المدفوعة سلفاً للقبول بانتهاك السوريّين، فتذكّر بالحدث الكبير الذي هو اغتيال صاحب «إعادة إعمار» لبنان بعد انتهاك اللبنانيّين بالإعمار مرّة وبالاغتيال مرّات.

وهي، على العموم، معركة خاسرة تقودها الوطنيّة الدستوريّة ضدّ الوطنيّة الحربيّة للطوائف «الكريمة». وكيف يمكن ألاّ تكون خاسرة في مناخ الثورة المضادّة التي تنشر أعلامها العابرة للحدود، وكيف لا تكون كذلك في لبنان تحديداً، هو الذي لا يعدو كونه واحة صغيرة في محيط؟ لكنّ الفارق يبقى كبيراً بين أن ينهزم الأخلاقيّ ويبقى هو الأخلاقيّ، وأن يُعدّ الكاسب هو الأخلاقيّ لأنّه الكاسب.

الحياة

 

 

 

خرافتان عن اللجوء السوري إلى لبنان/ حسام عيتاني

يحيط لجوء مئات الآلاف من السوريين الى لبنان عدد من الخرافات التي رسخ بعضها وبات في حكم الحقائق الثابتة. نكتفي هنا بعرض خرافتين تتعلقان بما يوصف بالبيئة الأكثر تعاطفاً مع اللاجئين والأشد تأييداً لقضاياهم السياسية والإنسانية، أي بيئة السنّة اللبنانيين.

تقول الخرافة الأولى إن أكثرية أهل السنّة في لبنان أيدوا الثورة السورية منذ أيامها الأولى نظراً إلى شراكة الانتماء الى مذهب واحد هو الذي يتعرض للاضطهاد من حكم الأقلية المذهبية المنافسة، إضافة الى شعور عميق عند السنّة بمسؤولية الحكم السوري عن اغتيال زعيمهم الراحل رفيق الحريري وعدد من أبرز شخصياتهم مثل المفتي الأسبق الشيخ حسن خالد، على نحو حال دون تحول الزعامة السنّية الى واحدة وطنية على غرار تلك التي أرساها رئيس الوزراء الأول للبنان المستقل، رياض الصلح، الذي اغتيل ايضاً انتقاماً من دوره في إعدام زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي انطون سعادة. تضيف الخرافة الى هذين العاملين ثالثاً يقوم على انتشار علاقات القرابة والمصاهرة وتحدّر عدد من الأسر اللبنانية من سورية واحتفاظها بصلات وثيقة مع أصولها، في إطار ظاهرة تعم كل الطوائف اللبنانية.

ينقض الخرافة هذه أن قسماً كبيراً من اللاجئين السوريين من غير المقيمين في مخيمات البقاع، ينتشر في المناطق الأفقر من لبنان، خصوصاً في الشمال، أي حيث يتركز جلّ اللبنانيين الذين يقل دخلهم عن أربعة دولارات في اليوم ويصل عددهم الى المليون (وفق أرقام برنامج الأمم المتحدة للتنمية). بداهة أن الجوار بين فقراء من منابت مختلفة، سيسفر عن منافسة ضارية على فرص العمل والموارد الشحيحة أصلاً وينمي، في سياق ذلك، مشاعر الكراهية والعداء والبرم بالآخر. الاوضاع في المناطق ذات الكثافة السكانية السنّية ليست أفضل حالاً، إذ يسود التذمر والاستياء من الحضور السوري. الحقائق التي يعرفها الاقتصاديون وأصحاب المصارف عن حجم الأموال السورية التي دخلت الدورة الاقتصادية اللبنانية والفائدة التي يجنيها لبنان من المساعدات العربية والدولية للاجئين، لا تصل الى صغار الكسبة الذين يرون أن مصالحهم المباشرة تتعرض للحصار من اللاجئين.

يفتح هذا الواقع الباب أمام استغلال انعدام فاعلية السياسة اللبنانية حيال اللاجئين وتعظيم خطر وجودهم وتحويلهم الى كيس رمل يفرغ فيه اللبنانيون، خصوصاً الفقراء منهم ومن بين هؤلاء كثير من أهل السنّة، إحباطاتهم وكبتهم وتحميل اللاجئين وزر مشكلات كانت قائمة قبل اندلاع الحرب في سورية بأزمان.

هنا تظهر الخرافة الثانية القائلة إن زعامة السنّة اللبنانيين مؤيدة للثورة السورية وإن تعاطفها معها بلغ حد إيفاد مبعوث دائم اليها، بل إن هناك من يعتبرها مسؤولة معنوياً عن اللاجئين الأقرب سياسياً ومذهبياً اليها.

والحال أن الزعامة المذكورة تتصرف وفق معايير السياسة المحلية وضروراتها وحاجتها الى التحالفات الموقتة والدائمة لتمرير مصالحها في المجالين الرسمي والعام. كما أنها تعاملت مع انتظارات وتوقعات جمهورها بكثير من اللامبالاة والاستخفاف في مسائل كانت هي ذاتها من أكثر الداعين الى التصلب فيها على غرار مواجهة «حزب الله»، حيث يذوب الخطاب المتشدد كما يذوب الملح في الماء كلما لاحت ملامح صفقة مشتركة كبيرة مع الخصوم المفترضين، من «التحالف الرباعي» في 2005 وصولاً الى اليوم. فإذا كان الجمهور اللصيق لهذه الزعامة موضوع مساومة وبيع وشراء، لماذا لا ينطبق الأمر ذاته على الموقف من الثورة السورية ومن اللاجئين؟

الحياة

 

 

 

«المستقبل» رفع الغطاء… فدَهم الجيش المخيم وقضى نازحون في السجن/ حازم الامين

مفجع وممل بيان الجيش اللبناني الذي فسر فيه مقتل 4 سوريين كان اعتقلهم خلال مداهمته مخيماً للاجئين السوريين في بلدة عرسال بالبقاع اللبناني (تشير معلومات أخرى إلى أن عددهم سبعة). وهاتان الصفتان لم تأتيا مصادفة، ذاك أن الرأي العام الذي من المفترض أن يخاطب البيان ذكاءه ليس في وارد مساءلة الجيش عن بيانه ولا عن فعلته، وبهذا المعنى لم يشعر الجيش بأنه مطالب بأكثر من هذا البيان. لقد مات السوريون الأربعة أو السبعة نتيجة الأحوال الجوية.

هذا التفسير يوازي في فظاعته واقعة موت السوريين في السجن، ذاك أنه مؤشر يتعدى في دلالاته إخفاء الجيش أسباب وفاة معتقليه في ثكنه العسكرية، إلى شعوره بأن الموت السجني صار واقعاً يجب أن يتعامل اللبنانيون معه.

الفظاعة المشفوعة ببيان مفجع، ليست سابقة لبنانية وحسب، إنما هي سابقة تفوقت فعلاً على مثيلاتها في دول البعث وفي سجون العروبة الكثيرة. فعندما يموت سوري في سجن نظام البعث، تُسلم جثته إلى أهله من دون أن تكون مشفوعة ببيان. لا قدرة للنظام في دمشق على إصدار بيان، ولا رغبة أيضاً. انعدام القدرة والخيال ناجم عن معرفة بأن بيان التوضيح لن يُخاطب أحداً، أما في لبنان فبيان التوضيح لاقى استجابة، وتبنته وسائل إعلام وسياسيون ومشتغلون بالشأن العام.

للفعلة إذاً صدى اجتماعي وسياسي وطائفي، وهي على ما يبدو ثمرة توافق ما كان الجيش ليدخل مخيمات اللاجئين وليصدر بيانه من دونه. ففي لبنان، تحتاج فعلة من هذا النوع إلى «إجماع» حتى يتمكن جهاز ما من إتيانها. والإجماع عكسه الصمت السياسي حول واقعة رهيبة تتمثل في موت 4 أو 7 موقوفين لدى الجيش اللبناني، والصمت الرهيب أيضاً حول صور جثثهم!

«الديكتاتورية التوافقية» عبارة أطلقتها أكاديمية لبنانية على ما حصل في عرسال ولاحقاً في ثكنة الجيش التي مات فيها السوريون الأربعة أو السبعة. والعبارة تعكس ما حصل فعلاً، ذاك أن قضية اللاجئين في المعايير اللبنانية ليست أكثر من معطى مذهبي. إنهم سنّة، ووجودهم يُقلق الشيعة والمسيحيين. القضية الإنسانية ليست بعداً لبنانياً على الإطلاق، وما يُثار حول وجود إرهابيين بينهم لم تكشفه واقعة واحدة. العمليات الإرهابية التي نُفذت في لبنان أقدم على معظمها لبنانيون بالدرجة الأولى وفلسطينيون بالدرجة الثانية، وليس من بين سكان مخيمات اللاجئين السوريين واحد ثبت أنه منفذ عملية إرهابية.

في المعادلة اللبنانية، اللاجئون السوريون هم من الطائفة السنّية. الطائفة السنّية بيئتهم الاجتماعية، وهذه الأخيرة كانت جزءاً من التوافق على استهدافهم. ما كان للجيش اللبناني أن يدخل المخيمات من دون حصول هذا التوافق. الشرط الشيعي مؤمّن، و «مخاوف المسيحيين» تساعد على المهمة، ويبدو أن وصول الرئيس سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة بدد العقبة الأخيرة.

لكن، لا يبدو أن لهذا التوافق وظيفة سوى استهداف اللاجئين وتأسيس ضغينة لا شفاء منها، ذاك أن مقولة طردهم عبر إشعارهم بالاستهداف لا تبدو واقعية على الإطلاق. النظام السوري لن يقبلهم بأي حال من الأحوال، ووهم نقلهم إلى شمال سورية عبر تركيا لم يُقنع أحداً، ولن يبقى من وظيفة لهذه الممارسات بحق اللاجئين سوى الضغينة المؤسسة لفاجعة أكبر.

المتغير الفعلي الذي أفضى إلى هذا الواقع يتمثل في أن أصحابه نجحوا في تأمين توافق حول استهداف اللاجئين. الشرط المذهبي تأمن لأصحاب هذه الرغبة، والغطاء الذي كانت تؤمنه الطائفة السنّية اللبنانية سُحب من فوق رؤوس هؤلاء. لم يرتفع صوت نائب واحد من تيار المستقبل إلى أكثر من الدعوة إلى التحقيق بما حصل! وفي لبنان يعرف الجميع ماذا تعني عبارة «التحقيق بما جرى»، ففي الوقت ذاته الذي «توفي» فيه السوريون في السجن، كان وزير الداخلية نهاد المشنوق يُعلن أن 80 موقوفاً بتهمة إطلاق رصاص أدى إلى مقتل وإصابة مواطنين لبنانيين أطلق سراحهم بعد تدخلات من سياسيين. «التحقيق بما جرى» ستقوم به سلطات تجري في ظلها وقائع من هذا المستوى، وعلى هذا المقدار من الوضوح. ثم إن موت موقوفين شبان بعد مداهمة عنيفة لمخيماتهم واقعة لا تتطلب هذا المستوى من الحذر و «الدقة» في اختيار العبارات، إذا لم يكن في الأمر شعور بالإحراج ناجم عن معرفة بأن الجيش نال غطاء على فعلته.

لكن العودة إلى نقاش وظيفة هذه الممارسات مفيد أيضاً، فالمرء لن يجد أفقاً لهذه الأفعال سوى دفع اللاجئين إلى «الإرهاب». الأرجح أن الخطة تقضي بذلك. إعادتهم إلى سورية تعني للنظام ولـ «حزب الله» أن السنّة الذين تخلصت منهم «سورية المفيدة» قد عادوا، واللاجئون هم البيئة التي انتفضت على النظام، والأخير لن يأمن لهم بعد اليوم. مناطق القصير ويبرود وحمص وأريافها تمّ تطهيرها من سكانها، والمهمة أنجزت ولن يقبل «المنتصرون» بالعودة إلى الوراء. وعرض العودة المحدودة الذي قدمه أمين عام «حزب الله» لعدد قليل من هؤلاء النازحين يبقى جزءاً من فولوكلور لطلما حفل به خطاب الممانعة السقيم.

«الخائفون» على التركيبة الديموغرافية في لبنان عليهم أن يفكروا في هذه الحقيقة. عليهم أن يُدركوا أن من لعب بالديموغرافيا السورية هو نفسه من لعب بالديموغرافيا اللبنانية، ولبنان لن ينجو من هذا اللعب طالما أنه شريك في الجريمة هناك.

التنكيل باللاجئين هو الطريق الأقصر إلى تفجير الأوضاع في لبنان، وهو الوصفة التي لطالما أمنتها الأنظمة والسلطات لـ «داعش» و «النصرة»، وهذه على ما يبدو وجهة أصحاب الرغبة في موت النازحين في السجون. فوصل التوتر في لبنان بالاضطراب السوري سيطيح ما تبقى من حدود، وسيجعل لمشاريع الديموغرافيا الجديدة في سورية أفقاً لبنانياً، وربما يُبقي على سعد الحريري رئيساً للحكومة، لكنه من دون شك سيعطي صلاحياته إلى الموفد الرئاسي إلى سورية الجنرال عباس إبراهيم.

الحياة

 

 

 

السوريون إذ يُدفعون دفعاً إلى فم الأسد/ بيسان الشيخ

إذا كان القانون الدولي العام ينص على «ألاّ يُعاد أي لاجئ إلى أرض تتعرض فيها حياته أو حريته للتهديد»، بصرف النظر عما إذا كان البلد المضيف وقّع أو لم يوقّع على معاهدات اللجوء، فما هو حكم القانون في حال أحدقت تلك الأخطار ذاتها باللاجئين في البلدان التي هربوا اليها؟ وما هو حكم القانون الدولي إن كان مصدر الخطر يتعدى الهبات الشعبية وسورات الغضب الأهلي، الى تورط السلطات الرسمية والمؤسسات الأمنية والعسكرية في شكل مباشر؟ من يحمي من ساعتئذ؟

ما شهده لبنان أخيراً ذروة غير مسبوقة على هذا الصعيد. موقوفون سوريون قضوا تحت التعذيب وهم في عهدة الجيش اللبناني بعد اقل من ثلاثة ايام على توقيفهم ومداهمة المخيم الذي يقيمون فيه. بداية، لا بد من القول إن الموت بتلك السرعة القياسية يعني أن الجهة المسؤولة عن التوقيف والتحقيق والاستجواب لا تسعى إلى انتزاع اعترافات أو استخلاص معلومات يحال على اثرها المتهمون الى المحاكمة وتكشف من خلالها شبكات ارهابية فعلية، وإنما هي تسعى الى تصفية سريعة وثأرية، لإشاعة الرعب قبل أي شيء آخر. والأهم انها تريدها علنية غير مواربة لتلقين العبر. نعم، لقد أراد الجيش أن يعلمنا أن سجلاته باتت تتسع لوفاة أشخاص تحت التعذيب وإحالة موتهم على الظروف المناخية والحالة الصحية.

والواقع إنه منذ انطلقت مسيرة اللجوء السوري قبل نحو 5 سنوات، نال السوريون اينما حلوا قسطاً من العسف والانتهاك، سواء في بلدان الجوار المباشر أو بلدان الدرجة الأولى التي حاولوا بلوغها إبحاراً ومسيراً لأيام وأشهر. يكفي أن تقارير حقوقية نشرت أخيراً تتهم بعض دول الاتحاد الأوروبي والمنظمات الإغاثية الدولية، بمعرفتها المسبقة باحتمال غرق قوارب تقل لاجئين وعدم تحريك ساكن لإنقاذهم.

لكن اللافت يبقى تلك الخطوات الحثيثة التي تتخذها دول الجوار المباشر، لا سيما لبنان وتركيا، للدفع بالعدد الأكبر من السوريين للعودة الى بلادهم بينما توضع اللمسات الأخيرة على اتفاقات المناطق الآمنة، على أن يُجنّس من يبقى منهم في تركيا وربما الأردن وفق مؤشرات كثيرة.

ومع الفارق الهائل في ظروف الإقامة والرعاية والحماية التي يحظى بها او يحرم منها السوريون في كلا البلدين، فإن التحشيد الإعلامي والاجتماعي الذي شهده لبنان وبلغ حده الأقصى مع المقتلة الأخيرة، شهدت تركيا ما يشابهه الى حد بعيد من حملات تجييش وتعبئة، تناقلتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وتقول صراحة: «اطردوا السوريين». وترافقت الحملة مع رسائل زعم أصحابها أنها من قبل نافذين في «حزب العدالة والتنمية» تطلب من السوريين عدم التجمع وارتياد الشواطئ أو الأماكن المكتظة، وعدم لفت الانتباه في الأسواق والأماكن العامة، وتفادي الدخول في مشاجرات حتى وإن استدرجوا اليها، في محاولة واضحة لبث الخوف والارتياب. اي باختصار، ضرورة اعتماد التقية سلوكاً عاماً لدرء الأذى. والأدهى أن ذلك كله ترافق مع كلام كثير عن «مؤامرات خارجية» و «فتنة» يسعى الى زرعها «المتربصون» بالشعبين السوري والتركي. وليس سراً أن التضييق الرسمي وشبه الرسمي على السوريين في تركيا بدأ يشتد في الآونة الأخيرة، حيث سحبت استثناءات وتسهيلات كثيرة كانت ممنوحة لهم، ومنعت بعض جمعياتهم من العمل، وبات المقيمون منهم شبه ملزمين باستصدار جوازات سفر من قنصلية بلدهم، فيما «التوقيف الاحترازي» لبعضهم قد يمتد إلى أجل غير مسمى إن لم ينته بالترحيل (غالباً الى السودان). أما الجندرمة فتملك ضوءاً اخضر لإطلاق النار على كل من يحاول اختراق الجدار الحدودي المبني حديثاً بين البلدين، وقد فعلت ذلك عملياً وأسقطت ضحايا غير آسفة. تلك ليست بالطبع حالة شائعة أو عامة، ولكنها تعكس جواً من الاحتقان والنفور الشعبي الذي بات يتردد صداه في مراكز صناعة القرار. فقد اصدرت الخارجية التركية بياناً للتهدئة واعتبار ما يجري «تضخيماً للأحداث لغايات سياسية (…) بما لا يتوافق ومعايير حسن الضيافة ومبدأ الأنصار والمهاجرين»، وذلك عملياً ليس الا اعترافاً ولو جزئياً بمشكلة آخذة في التفاقم، سيما أن جزءاً لا يستهان به من الشعب التركي لا يستهويه الأنصار ولا المهاجرون.

لكن، وفيما علت اصوات سورية تصف لبنان بـ «الخطأ التاريخي والفائض الجغرافي»، وتتوعد اللبنانيين بعودة حكم العسكر فور سقوط نظام الأسد، ترافقت كلها مع استهزاء صريح بالبلد وأهله وتاريخه وكيل الإهانات لجيشه لما كان يفترض أن يمتدح به، أي «ضعفه»، تداعى سوريون مقيمون في تركيا الى حملة تنظيف شواطئ، وإطلاق مبادرات صداقة وأخوّة حيال الشعب التركي وتقديم الاعتذارات عما صدر من بعضهم من سلوكات تنافي العادات والتقاليد المحلية، فبدا أكثر من شرخ في بيئات اللجوء نفسها.

وبين تقية مفرطة هنا واستعلاء متضخم هناك، كلاهما مؤذ وغير ذي طائل، يتخبط اللاجئون بين واقع يومي مؤلم، ومصائر مجهولة ترسم لهم. ففي حين تريد تركيا أن تدفع بهم نحو مناطق «درع الفرات» شمالاً لإقامة حزام عربي يخضع لسيطرتها وفق اتفاقات «المناطق الآمنة»، يريد لبنان الرسمي والشعبي رميهم في فم الأسد وإعادتهم الى بلدات وقرى حدودية على المقلب الآخر من عرسال، والتي كان «حزب الله» سبب تهجيرهم منها وتدمير بيوتهم. والأسوأ والأمرّ أن هؤلاء لن يعيشوا تحت سلطة طرف ثالث وإنما سيضطرون للعودة الى كنف جلادهم، في مناطق تخضع إما لسيطرة «حزب الله» في شكل مباشر أو توضع تحت النفوذ الإيراني كما هي حال حمص.

وعليه، لن يبقى أمام اللبنانيين والسوريين على السواء إلا الإذعان للعودة إلى ما قبل 2011 وإن بصيغة أكثر عنفاً وقهراً. أما عن ذلك القانون الذي يفرض ألا يُعاد اللاجئ إلى أرض تهدد حياته او حريته، فالضمانة تأتي على شكل اتفاقات «مناطق آمنة»، وأخرى «يُخفّض فيها التصعيد»!

الحياة

 

 

 

لجوء سوري وشوفينية لبنانية/ الياس حرفوش

عادت أزمة اللاجئين السوريين في لبنان تشعل النزاع السياسي بين الأطراف المختلفة، بعدما حاولت تحالفات المصلحة التي أنتجت رئيساً للجمهورية وحكومة ائتلافية وقانوناً للانتخاب، أن تخفي هذا النزاع تحت غطاء المسايرات والمحاصصات وتغطية الخلافات بأوهام الوحدة الوطنية والدفاع عن السيادة.

انفجر الجدل الأخير على خلفية الأحداث الأمنية في بلدة عرسال البقاعية وتعرّض قوة من الجيش هناك لهجمات إرهابية، أعقبتها مداهمات واعتقالات واسعة أدت إلى سقوط قتلى سوريين، قال الجيش أن موتهم سببته “مشكلات صحية تفاعلت نتيجة الأحوال المناخية”. أمر يمكن أن يحدث في أي مكان من أمكنة اللجوء المنتشرة الآن في منطقة الشرق الأوسط كما في دول أوروبية. وحل الاتهامات يكون عادة من طريق تحقيقات شفافة تتم بنتيجتها ملاحقة المذنبين وتبرئة الأبرياء.

غير أن هذه الأحداث كشفت في لبنان عمق الخلاف الذي ما زال قائماً بين طرفي النزاع (8 و14 آذار) والذي سعى الجميع إلى التغطية عليه بحجة الحفاظ على الاستقرار الأمني والرفاه الاقتصادي. لكنها كشفت أيضاً حجم التوافق بين اللبنانيين، على اختلاف أحزابهم وطوائفهم، على موقف عنصري مريض ضد اللاجئين السوريين، يحمل في طياته الشوفينية اللبنانية المعهودة، إذ باتت أكثرية اللبنانيين، ومن مختلف الطوائف، تتفق على تحميل هؤلاء المساكين مسؤولية كل الأزمات التي يواجهها لبنان، اجتماعية كانت أم اقتصادية. هكذا، فمعدلات الجريمة ترتفع في لبنان لأنه يؤوي لاجئين سوريين. والكهرباء تنقطع عن البيوت لأن اللاجئين يستهلكون الكهرباء في الخيام المجهّزة بأحدث وسائل الترفيه والتبريد! وأزمة العمالة اللبنانية مستفحلة، لأن العمال السوريين ينافسون اللبنانيين بالأجور المتدنية التي يتقاضونها.

عنصرية كاملة الأوصاف بكل ما للكلمة من معنى، لا يختلف فيها هذه المرة مسلم عن مسيحي، أو منطقة عن أخرى. عنصرية كشفت وجهها الشوفيني البشع، من غير أن تقف لحظة عند موقف إنساني يطرح سؤالاً على ضميره، عن الدوافع التي ألقت بهؤلاء اللاجئين إلى هذا المصير البائس الذي انتهوا إليه، فيما كانت أصوات الحزبيين والطائفيين الذين يطالبونهم اليوم بالعودة إلى بلادهم، تقف موقف الدفاع عن المجرمين الذين طردوهم أصلاً من بلادهم، بعد أن دمروا بيوتهم وقتلوا ذويهم، وأحرقوا قراهم ومدنهم، وحرموهم من سبل العيش بكرامة في بلدهم.

هناك أزمة لاجئين سوريين في لبنان. هذا صحيح. وصحيح كذلك أن بلداً يملك الإمكانات المتواضعة التي يملكها لبنان، والهشاشة الديموغرافية التي تهدد وقوفه سالماً على رجليه كل يوم، لا بد أن يعاني من هذه الأزمة التي فرضت عليه فجأة أن يستقبل على أراضيه ما يعادل ربع سكانه. وصحيح فوق كل ذلك أن لبنان عانى بما فيه الكفاية من الوصاية السورية عليه، ودفع ثمناً غالياً من استقراره وسيادته ومن دماء عدد من سياسييه وخيرة رجاله… ولكن، هل كان هؤلاء اللاجئون هم المسؤولين عن هذه المصائب، أم إنهم مثل أكثرية اللبنانيين، ضحية نظام القمع والجريمة الذي ارتكب بحق اللبنانيين أقل بكثير مما يرتكبه اليوم ضد شعبه، وهؤلاء اللاجئون القادمون من المدن والقرى التي هُجّر أهلها، من حمص وريفها، ومن القلمون وسواها، هم في طليعة ضحاياه؟

الحلول التي يقترحها من لا يزالون يرفعون راية النظام السوري في لبنان لأزمة اللاجئين تقوم على مطالبة الحكومة اللبنانية بفتح حوار مع نظام دمشق لإعادتهم إلى الأمكنة التي هربوا منها خوفاً من قتلهم. أي بإرسالهم إلى منصة الإعدام بعد أن تحملوا مآسي التشرد واللجوء لينجوا منها.

دعوات أقل ما يقال عنها أنها دعوات انتهازية، تهدف أولاً إلى استغلال الشعور الوطني العام والمؤسف الذي يتسع ضد استقبال اللاجئين، من أجل إرغام فريق رئيس الحكومة سعد الحريري على رمي مواقفه من النظام السوري في سلة المهملات. كما تهدف ثانياً إلى تقديم اللاجئين هدية إلى بشار الأسد ليكمل جرائمه التي تمكن هؤلاء من الهرب منها واللجوء إلى أقرب منطقة أمان كانت متاحة أمامهم.

الحياة

 

 

عندما تعب المجتمع وضاقت المسافات/ سامر فرنجيّة

عندما بدأ «المجتمع» اللبناني باكتشاف ذاته، أو إعادة استكشاف ذاته بعد انحلال الأغطية السياسية والأيديولوجية لأحداث ٢٠٠٥، كانت ما زالت «الصدمة» هي الإحساس المسيطر، وهي ناتجة من الفارق بين النظرة للذات والواقع. فعندما وقعت جريمة كترمايا في ٢٠١٠، استنكر المجتمع الحادثة، محاولاً تبرئة ذاته من فعل بعض أبنائه. وعندما طُرِح «القانون الأرثوذكسي» في ٢٠١٣، وبّخ المجتمع طارحيه الذين لم يفهموا حياء الطوائف وضرورة اتباع لغة مزدوجة في السياسة. وعندما اتضح أن هناك أزمة بيئية قد تقضي على إمكانية الحياة، وجد المجتمع بعضاً من شبانه يتظاهرون مطالبين الدولة بحل. قد يكون هذا الإحساس بالصدمة مجرّد نفاق، لكّنه سمح لمسافة، وإن كانت بسيطة، بين الحدث والذات. لم نكن مجرّد أفعالنا، بل كنّا أفعالنا ورفضنا لها في آن.

بيد أن منطقاً آخر كان يتسلل من وراء هذه الصدمات المتكرّرة، فحواه استياء متزايد من هذه المسافة الضئيلة بين الحدث والذات ومتطلباتها الأخلاقية، والمواظبة بشتى الطرق على نسفها. فالاحتدام السياسي العنيف لم يعد يحتمل أن تكبّله هذه المسافة، فأطلق العنف وتبناه، بما فيه «الإرهابي» منه، كما حصل مثلاً مع قضية ميشال سماحة في ٢٠١٢. ترافق هذا التبني مع تعطيل كامل للمؤسسة القضائية الضامنة رمزياً لهذه المسافة، ليروح القضاة يستعجلون صدور قرار يمنع تداول اسم طبيب مشتبه بقتل، أو يخلون سبيل متاجر بالبشر بكفالة مالية قد تكون أقل مما جناه بساعة «عمل».

إلى ذلك، لم تتمكن هذه المسافة من مقاومة الأخبار المتسارعة والمتكاثرة التي تشير إلى الانهيار الكامن في المجتمع. فأصبحت «الفضائح» طريقة عيش وأصبح «الخبر العاجل» التوقيت الطبيعي للمجتمع. فلم يمرّ يوم خالٍ من خبر عن جريمة سببها فنجان قهوة أو الموت جراء رصاصة طائشة أو صور لميليشيات المواكب تنهال ضرباً على مواطن أو كارثة بيئية لا عودة عنها. هناك كمٌّ معين من القضايا يمكن لهذه المسافة أن تبعدها عن الذات. وهذا ما سقط، لنصبح مجرّد مجموع هذه الأفعال، من دون مسافة أو فارق.

«تعب» المجتمع من هذه المسافة ومطالباتها الأخلاقية، وباتت مناعته، كبحيرة القرعون، معدومة. وكما حصل مع كل هزيمة، كان العنفوان الوطني جاهزاً لتقديم التكبّر المطلوب على هذه المسافة الضئيلة التي تشكّل إمكانية العيش المشترك. فتبرّع عدد من الكتّاب والصحافيين للتعبير عن السخط والاستياء و «ضيق الخلق» من تهم «العنصرية» التي تساق ضد «مجتمعهم». فالعاملات الأجنبية يسرقن ربّات المنزل، ما يبرّر احتجازهن، والإرهاب يختبئ في اللاجئين، ما يجعل فرض حظر التجوّل على السوريين ضرورة وجودية، والأمن مهدّد، ما يجعل التعذيب مطلباً جامعاً. فليخرس أصحاب الجمعيات وكارهو النفس الوطنية، «نحن» الحجز والحظر والتعذيب. ألم تقرأوا افتتاحية «النهار»: إنهم يتكاثرون ونحن نتضاءل.

قد تكون ذروة هذا الالتحام مع الفعل، مهما كان شنيعاً، خط الدفاع الجماعي عن مؤسسة الجيش الذي شهدناه أخيراً. فبعد الاعتداء الوحشي على بعض المعترضين على التمديد الأخير لمجلس النواب، تبرّع البعض بالدفاع عن العنف المفرط. بيد أن هذا التبرير بلغ ذروته في التغطية الأخيرة لعرسال وتسرّب بعض الصور عن معاملة «المشتبه بهم». لقد استُقبلت صور التعذيب بحفاوة وطنية وخُوِّن كل من شكّك بالرواية الرسمية أو طالب ببعض المعايير الإنسانية في التعاطي مع النازحين. في مجتمع تعب من ذاته، هكذا تشكيك لم يعد ممكناً. الآن، زمن الوطنية القذرة، التي مهدّ لها إعلام الممانعة وبرّرها الإعلام المقابل، زمن الالتحام بالفعل والجيش، وزمن تجسيد ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة» في طقوس تعذيب السوريين، المنفذ الأخير للكراهية الكامنة في المجتمع.

مع زوال هذه المسافة، بات مستحيلاً العيش في «مجتمع القسوة» الذي بات أشبه بغرفة مغلقة تضيق على سكّانها. فالمساحات القليلة التي حاولت إبعاد القسوة بعض الشيء لمحاولة البقاء على قيد الحياة باتت تنقرض كسلاحف صور التي تعيش أيامها الأخيرة. الحصار بات مكانياً وبيئياً وأخلاقياً، بعدما كان اقتصادياً وسياسياً. فالأمكنة العامة الأخيرة سقطت أمام بلدية بيروت، بعدما سقط البحر أمام التلوث، ومعه المزروعات المرويّة بالمجارير والهواء السرطاني. وما لم يطله الانهيار البيئي، تساقطت عليه الرصاصات الطائشة وقطّعته المواكب المتعجرفة وتسللت إليه صور المسؤولين يمضغون سيكارهم الطويل.

ومن يعاني رُهاب الأمكنة المغلقة، خائن وكاره للنفس. وفي كل الأحوال، أيامه معدودة، ومع الأزمة المقبلة، سينقض عليه الوطنيون الجدد الذين لم يعودوا يحتملون التشكيك بغرفتهم المغلقة.

في هذه الغرفة التي تضيق بقاطنيها، باتت الأخبار خدشاً للذات، تتسارع لتقضي على ما تبقى من مسافة تفصل بين القسوة العامة وبعض الأفراد التائهين في متاهة البلاد الخارجة عن المنطق العام. ففي هذا الدوران حول الذات، لم تعد تعاش هذه الأخبار كمجرد حوادث متقطّعة، بل كخط مستقيم من العنف موجه إلى كل من يسكن هذه الغرفة. كما لم يعد للتحليل قدرة على عقلنة الأحداث من خلال إرجاعها إلى جذورها الاجتماعية أو التاريخية. فسقوط ما تبقى من الدولة وانفجار المشاعر الطائفية وانحلال الضوابط المؤسساتية لم تعد أحداثاً، بل هي جدران هذا الواقع وحدوده. في غرفة كهذه، أي حركة باتت عنفنا موجهاً للذات، لمجرّد الوجود في هذا المجتمع.

لم يعد للمقاومة معنى. فالغرفة ليست مقسومة بين شعب وسلطة أو «أوادم» و «زعران» أو طبقات مهمشة ومستغلين…، تلك التصنيفات تحتاج إلى مسافة. الوضع بات أقرب إلى عملية احتجاز لرهائن، خيارهم الوحيد الفرار أو التأقلم مع الغرفة. لم يبق من تضامن كاف لكي يوزع على الضحايا المتزايدين، ولا من مثابرة للدفاع عن كل متر يبنى عليه مجمع سياحي، ولا من عزيمة لمجرد السير في مجتمع القسوة. المجتمع تعب ورضخ لأفعاله. أن تكون لبنانياً اليوم يعني أن تكون مع التعذيب والحظر والمنع والمجارير وتجارة البشر.

وإن رفضت هذا، لا يبقى إلا الهجرة، كاستبدال للمسافة الرمزية بأخرى مادية، وكمقاومة لإحساس الكره العميق تجاه مجتمع القسوة هذا. إذا كان السفر في الماضي يعتبر خسارة لبعض من الذات، فهو اليوم بات الطريقة الوحيدة للمحافظة على شيء من تلك الذات.

الحياة

 

 

عودة متبادلة من سوريا وإليها/ أحمد جابر

هل ينوي النظام السوري حقاً استعادة شتات شعبه؟

لم يدخل النازحون السوريون لبنان، بل أُلقوا فيه، ولم يخرجوا من ديارهم بل أُخرجوا منها، وهم طاروا كالهوام من بين ألسنة الحرب التي شُنَّت عليهم، إلى متاهات البر والبحر، وما كان معلوماً من حياتهم في وطنهم، أخذه منهم المجهول عندما تشتتوا بين الأوطان.

لقد “ارتكب” السوريون الناجون بأجسادهم فعل الرحيل، وارتكب الذين اقتلعوهم من هدوء ترابهم كل خطايا القتل والاقتلاع والتهجير. لقد قُتل السوري في بلده جسداً ومُثِّل به، ودُهس السوري روحاً ومعنىً، فصار صورة قاتمة. من قام بذلك هو الذي اخترع لآلة قتله معنى، وجَعَل لغياب روحه حضوراً بلا معنى. إذ ما قيمة كلمة الوطنية والقومية والسيادة، عندما صاحبها، أي الشعب، غادر مكان الكلمة؟ وما الوزن الأخلاقي للمقاومة والممانعة ورفض “الإملاءات” وإفشال المؤامرات، عندما يكون مدّعي الشعار هو أول المسهلين لنفاذ المؤامرة؟

ببساطة، صارت القضية لدى الأبطال الجدد قضية ثبات نظام، نظام لا قيمة له إلاّ بمقدار جدوى توظيفه، ولا معنى له، إلا إذا كان إضافة تضليله ولغة مناورة، من قبل المتدخلين الأجانب الذين يتبارون في صياغة النصوص الكاذبة، ويتواصلون من خلال تبادل الرسائل القاتلة، وبعد ذلك يُسْأل السوري عن فداحة أثر نزوحه على أهل ديار النزوح، وبالتالي يُنسب إليه الخلل البيئي والمائي والتشغيلي وهدر الموارد المحلية. كانت البلاد، هانئة العيش، وكان خيرها عميماً، فجاء الغريب السوري، وقبله الغريب الفلسطيني، وبعده كل الغرباء اللبنانيين الذين لم يقولوا قول النظام الطائفي البائد، جاء كل هؤلاء، فعبثوا بالفردوس اللبناني، الفردوس الذي كان موجوداً، وما كان موجوداً يوماً، وصار مفقوداً، وهو كان مفقوداً على رغم أوهام الذين وصفوا حقيقة وجوده.

يُراد اليوم للوجود السوري الاضطراري أن يكون سلعة محلية يتداولها عنصريو السياسة، ويتبادل بيعها وشراءها وتحصيل عوائدها، اللاعبون في ميدان التوازنات الديموغرافية اللبنانية، أما ذاك الذي كان جزءاً من عملية تهجيرهم، فيريد أن يجعلهم ممراً إجبارياً يسلكه أقرانه في التشكيلة الحاكمة والمتحكمة، للاعتراف بدوره البطولي الدفاعي عن لبنان، قبل انتقال نار الخطر التكفيري إليه، ويريد الفريق ذاته، صاحب المبادرة الإستباقية، أن يشاطره أقرانه الاعتراف بنظام التهجير السوري الذي حالفه وآزره ودافع عنه.

عند صياغة المواقف من مسألة الوجود السوري النازح في لبنان، لا بدَّ من فرز عناوين الأزمة الحقيقية التي تلقي بظلالها على المناخ الوطني العام. فرز العناوين هذا، يساعد على اتخاذ موقف عام يتضمن أبعاداً سياسية ومصالح مجتمعية، ومعاني إنسانية وأخلاقية، وفي كل بعد من هذه الأبعاد جملة من الاعتبارات التي تقود إلى معالجة البعد في ذاته، وإلى رؤيته متصلاً بسائر الأبعاد الأخرى، والتي تشكل مجتمعةً محتوى أزمة النزوح في لبنان، والأساسي من أعبائها وتجلياتها.

عند مباشرة المقاربة تحضر الأسئلة التالية: الأول، هل ينوي النظام السوري حقاً استعادة شتات شعبه الذي قذفه إلى المنافي؟ والسؤال الثاني، ما هي الضمانات والآليات الكفيلة بتأمين هذه الاستعادة؟ والسؤال الثالث، إلى أين يعودون وما هي مقومات الاستقرار الجديدة وسط الدمار الهائل الذي أطاح بمعالم العمران؟ وبعد الأسئلة المتعددة والمتشعبة، ما هي مرجعية التفاوض من أجل العودة؟ ومن هي الجهات الضامنة؟ ومن هم الفرقاء المعنيون بالتفاوض لتأمين السياق الإنساني العام لهذه العودة؟ ما هو واضح حتى الآن، وما يجب أن يكون مرفوضاً، هو التسليم بمرجعية النظام السوري وحلفائه، في شأن معالجة مأساة النزوح التي عصفت بالسوريين، فمن كان سبباً في ارتكاب الجرم، ليس مؤهلاً لمعالجة الآثار الناجمة عنه. إذن، المرجعية السياسية الضامنة تقع في مكانٍ آخر.

وما يجب أن يكون واضحاً أيضاً، هو منع عملية فرز النازحين المرشحين للعودة وفق انتماءاتهم المذهبية، فلقد تناقل البعض أن من هو مؤهّل للعودة، هم أولئك الذين يدينون بالولاء للنظام، من خلال المذهب، أو من خلال إعادة التأهيل والالتحاق بصفوفه. هذا يعني أن العودة ستكون من نصيب من يُؤمَن جانبه، خصوصاً إلى المناطق المتصلة بالحدود اللبنانية، وتلك المحيطة بالعاصمة دمشق. هذا فرز أول، أما الفرز الثاني فهو نقل “عشوائي” إلى المناطق التي مازالت موضوع نزاع، ودائماً وفق احتمال الولاء السياسي والمذهبي، أو الشك في هذا الولاء. هذا تعبير آخر عن نقل الفرز السكاني من أماكن النزوح إلى الداخل السوري، بحيث يصير النازح مستهدفاً مرتين: مرة عند خروجه، ومرة عند عودته.

ويبقى ما هو شأن لبناني. في هذا المجال، يجب أن يُطالَب حزب الله ومن معه من اللبنانيين، بالخروج من الميدان السوري، فهذه العودة مسألة مبدئية من دونها يتم تجهيل واحد من الفاعلين، ومعها يتم تسهيل مهمته في توظيف ما جناه خارجياً، في الميدان الداخلي اللبناني. عودة حزب الله صعبة، لكن تجاهل المطالبة بها مستحيل. يجب تسجيل ذلك في رأس قائمة كل نقاش. وهذا يشكل مدخلاً إلى إدارة العلاقة بالشأن السوري من خلال عنوان النزوح، بحيث لا يكون رأس النظام السوري مقصداً للعلاقة، ولا يتاح له بالتالي توظيف ما جنت يداه في إعادة تلميع صورته، التي تلطخت وطنياً وإنسانياً.

مسلكان، لا إدارة ظهر لأزمة النازحين السوريين، وفي الوقت ذاته لا تسليم بما يطرح من جانب النظام السوري وحلفائه لأشكال إدارة هذا الملف.

قد لا تكون التشكيلة الحاكمة والمتحكمة مؤهلة لهكذا إدارة، وقد تعوزها الفطنة المصلحية، ومن موقعها، قد لا تستطيع مقاومة إغراء ما يُعرضُ عليها من أثمان.. لن يكون لذلك، إذا حصل، وقع المفاجأة، لكن التشكيلة هذه ستحصد الخسران، ومعها سيخسر لبنان.

المدن

 

 

 

لاجئون قلقون ومخيمات غير آمنة/ وائل نجم

أصيبت، أخيراً، مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان بانتكاساتٍ خطيرةٍ، تزامنت مع حملة إعلامية سياسية، تدعو إلى إعادة اللاجئين إلى سورية، وإلى فتح حوارٍ وتنسيق بين الحكومة اللبنانية والنظام السوري، لإتمام هذه الخطوة وإنجازها.

يُقدّر عدد اللاجئين السوريين في لبنان، والمسجّلين لدى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، بأكثر من مليون ومئتي ألف لاجئ، فضلاً عن أعداد أخرى غير معروفة، وغير مسجّلة لدى المفوضية، ومنتشرة في أكثر من منطقة لبنانية، وتخضع كاملة للأنظمة والقوانين اللبنانية. أما المخيمات، فمنها المنظّمة ومنها العشوائية، وتتركّز أيضاً في مناطق كثيرة، لا سيما في وادي البقاع، وعند الحدود في منطقة عرسال الحدودية.

أصيبت المخيمات، أخيراً، بـ “انتكاسات”، فقد تعرّض بعضها في منطقة عرسال لمداهمةٍ قامت بها وحدات من الجيش اللبناني، على خلفية معلوماتٍ عن وجود “إرهابيين” (وفقاً للمصطلح المستخدم) في مخيمين منها، ينوون القيام بأعمال تضرّ بالأمن اللبناني. وأدّت المداهمة إلى مقتل لاجئين، قيل إن بعضهم فجّر أحزمة ناسفة عند المداهمة، أدّت إلى مقتلهم وإصابة بعض الجنود، فيما تحدّثت معلومات لاحقة عن مقتل آخرين في ظروف غامضة بعد توقيفهم. وقال بيان لقيادة الجيش إن أربعة لاجئين قضوا جرّاء أمراض مزمنة، وظروف مناخية، في أثناء توقيفهم، وقبل التحقيق معهم.

وتضاربت المعلومات بشأن أعداد الذين لقوا مصيرهم وحتفهم، ما جعل حقوقيين وناشطين يشكّكون في أسباب الوفاة، ويطلقون حملةً عبر وسائل التواصل الاجتماعي يطالبون فيها الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بتوفير الحماية لتلك المخيمات، ما يُعدّ تشكيكاً بقدرة السلطة اللبنانية على حماية المخيمات، وأيضاً مطلباً لحماية تلك المخيمات من أية مجموعات “إرهابية” مفترضة، تحاول اختراقها واستهدافها.

وبعد أيام قليلة من حادثة مخيمات عرسال، تعرّض مخيم للاجئين السوريين في بلدة قب إلياس البقاعية لحريق هائل لم تُعرف أسبابه، أدّى إلى مقتل طفلة وجرح عشرات آخرين، فضلاً عن احتراق عشرات الخيم. وبعد أربعين ساعة تقريباً، تعرّض مخيم آخر في مدينة بر إلياس المحاذية في البقاع الأوسط إلى حريقٍ هائل مماثل، ذهب ضحيته لاجئ آخر، وجرح فيه آخرون، ولم تُعرف أسبابه أيضاً.

الملفت أن هذه الأحداث التي حصلت في المخيمات تزامنت مع حملةٍ إعلاميةٍ سياسيةٍ، راحت تطالب بإعادة اللاجئين السوريين إلى سورية، فيما ذهب بعضهم في حملته إلى مطالبة الحكومة اللبنانية بفتح حوارٍ وتنسيق مع النظام السوري، لإتمام خطوة إعادتهم وإنجازها، إلا أن أطرافاً سياسية مشاركة في الحكومة رفضت الطلب، ووضعته في إطار محاولة تطبيع العلاقة مع النظام السوري، وتلميع صورته، مقدمةً لإعادته إلى جامعة الدول العربية والحظيرة الدولية من بوابة لبنان، وفضّلت هذه الأطراف المشاركة في الحكومة معالجة هذا الموضوع من خلال الأمم المتحدة.

كشفت هذه التطورات أن هذه المخيمات تعيش حالةً من الخوف والقلق، وأنها غير آمنة، وقد تكون عرضةً، في أي وقت، لأي عملٍ يستهدف اللجوء السوري، من أجل إخضاعه، أو ترهيبه، أو شيطنته، مقدمةً لضربه وطرده من البلد. وفي مطلق الأحوال، من يدفع ثمن ذلك هو اللاجىء السوري الذي قد لا يكون له أي ذنبٍ في كل ما حصل معه، وجرى له.

الحملة التي أطلقها ناشطون حقوقيون لحماية المخيمات، وتأمين حقوق اللاجئين، بدأت تلقى صدىً في الأوساط اللبنانية المتفاعلة مع القضايا الحقوقية، وحدّت في مكانٍ ما، ما اعتبره بعضهم حملة عنصرية استهدفت اللاجئين، ولكن ذلك كله لم ينهِ معاناة أولئك، والتي تحتاج إلى حلّ جذري، يبدو أنه ما زال بعيداً.

العربي الجديد

 

 

 

النازحون السوريون… ومصلحة لبنان/ خيرالله خيرالله

ليس في دعوة “حزب الله” الحكومة اللبنانية إلى التعاطي المباشر مع النظام السوري من أجل ترتيب عودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم سوى تعام عن الحقيقة والواقع واحتقار لهما. هناك محاولة واضحة تستهدف جرّ لبنان نحو أن يكون جزءا لا يتجزّأ من “محور الممانعة” الممتد من طهران، إلى بغداد، إلى دمشق، إلى بيروت.

تقول الحقيقة والواقع أن هؤلاء النازحين السوريين موجودون في لبنان بسبب الحرب التي يشنّها النظام السوري على شعبه والذي صار “حزب الله” شريكا فيها من منطلق مذهبي قبل أيّ شيء آخر. هل هناك عاقل يستطيع نفي هذا الكلام، خصوصا إذا عاد إلى بدايات الثورة السورية ولجوء النظام على وجه السرعة إلى القمع من أجل إطفائها؟

يطرح ذلك سؤالا في غاية البساطة لم يعد مفرّ منه في مناسبة كلّ هذه الدعوات إلى التعاون مع النظام السوري وفتح خطوط معه: هل يسيطر هذا النظام على الأراضي السورية أولا كي يعود هؤلاء الناس إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم ويعيشون فيها بأمان؟

لو كان الحزب حريصا في الأصل على السوريين وعلى بقائهم في أرضهم، لما كان ساهم في حملات التهجير في دمشق ومحيطها وفي مناطق أخرى من أجل تغيير طبيعة العاصمة السورية.

الموضوع في نهاية المطاف موضوع خيار لبناني، وذلك بغض النظر عن كون النزوح السوري إلى لبنان قنبلة موقوتة لا بد من إيجاد علاج لها. تبدأ المعالجة من حيث يجب أن تبدأ، أي بوقف المشاركة اللبنانية، عن طريق “حزب الله” في قتل السوريين وتهجيرهم. مثل هذه المشاركة لا يمكن إلا أن تكون لها انعكاسات في غاية الخطورة في المدى الطويل، خصوصا أن لا مستقبل للنظام السوري الذي صار في مزبلة التاريخ. مثل هذه المشاركة ستخلق عداء شديدا بين الشعب السوري واللبنانيين الذين يتعاطون معه بعنصرية، كما يفعل “حزب الله”. يعبّر الحزب عن مصالح إيران واستخفافها بمصير الشعب السوري ومستقبل العلاقة بين اللبنانيين والسوريين.

من هو حريص على لبنان ومن يدّعي محاربة الإرهاب لا يفعل كلّ شيء من أجل تغطية الجرائم التي يرتكبها نظام أخذ على عاتقه في كلّ وقت إذلال السوريين وإرهابهم. تعاطى النظام مع السوريين وكأنّهم بمثابة عبيد لديه. تعامل معهم بالسلاح الكيميائي والبراميل المتفجّرة ولجأ إلى تدمير المدن الكبيرة وإلى عمليات تبادل للسكّان من منطلق مذهبي حيث دعت الحاجة إلى ذلك.

قليل من المنطق يبدو مفيدا هذه الأيّام. وقليل من المنطق يعني، أوّل ما يعني، التفكير في كيفية الخروج من المستنقع السوري بدل الغرق فيه أكثر فأكثر من دون أن يعني ذلك تفادي البحث عن حلول ومخارج لمشكلة ضخمة اسمها النزوح السوري إلى لبنان.

لا بدّ من الاعتراف بأنّ هناك مشكلة لا يمكن الهرب منها. في أصل المشكلة النظام السوري نفسه الذي لا يجد عيبا في تغيير الطبيعة الديمغرافية لسوريا، متجاهلا أنّه سيصطدم عاجلا أم آجلا بحاجز الأكثرية السنّية، وذلك مهما فعل بالمدن الكبيرة ومهما قتل من السوريين ومهما أشرف على عمليات تبادل للسكان كما حصل أخيرا.

ليس التعاطي مع النظام السوري المدخل لمعالجة أيّ مشكلة مرتبطة بما يدور في سوريا، بما في ذلك مشكلة النازحين إلى لبنان. لو كان النظام السوري يريد، هو و”حزب الله” مصلحة لبنان، لكانا قبلا أن يشمل القرار 1701 منطقة الحدود بين البلدين. الدخول في حوار مع النظام السوري لا يعيد نازحا واحدا إلى سوريا، إنّما يلبي مطالب إيران التي تبدو في هذه الأيّام على عجلة من أمرها، خصوصا لجهة فرض أمر واقع في لبنان.

فحوى الموضوع كلّه أن إيران تريد إثبات أن “حزب الله” يسيطر على لبنان، مثلما أن “الحشد الشعبي” يسيطر على العراق. تستطيع الحكومة اللبنانية التلهي بالماء والكهرباء وسلسلة الرتب والرواتب. يستطيع الجيش القيام بمداهمات في عرسال وغير عرسال. المهمّ بالنسبة إلى إيران إثبات أن لبنان تابع لها وأنّه مجرّد مستعمرة تدور في فلكها. هذا ما يدفع “حزب الله” إلى الدفع في اتجاه الاعتراف بالنظام السوري الذي لا يمتلك أيّ شرعية من أيّ نوع كان باستثناء أنّه قادر على استقدام ميليشيات أجنبية تنتمي إلى مذهب معيّن للدفاع عنه. لا يجمع بين هذه الميليشيات سوى الولاء لإيران التي تسعى إلى تكريس واقع اسمه “البدر الشيعي”.

آن الأوان كي يتنبّه اللبنانيون إلى هذا الواقع الأليم الذي في أساسه رفض حكومة “حزب الله” التي ترافق تشكيلها برئاسة نجيب ميقاتي مع اندلاع الثورة السورية في مطلع العام 2011. رفضت تلك الحكومة في وقت باكر إقامة مخيمات في مناطق آمنة على الحدود السورية-اللبنانية كي يبقى وجود النازحين مضبوطا. كذلك، لا يمكن تجاهل أن المجتمع الدولي تجاهل البحث عن حلول لمشكلة النازحين وبقي همّه محصورا في الحدّ من انتقالهم إلى البلدان الأوروبية.

من يقرّر ما هي مصلحة لبنان؟ الأكيد أن دور “حزب الله”، خصوصا بعد تورّطه المباشر في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري، صار يتجاوز لبنان. إنّه جزء من الأدوات الإيرانية المستخدمة في خلق واقع جديد على الصعيد الإقليمي. لم ينكشف دور “حزب الله” في لبنان وسوريا والعراق والبحرين فحسب، بل انكشف في اليمن أيضا.

ليست الدعوة إلى الدخول في مفاوضات مع النظام السوري بريئة بأيّ شكل. تنمّ هذه الدعوة عن رغبة في تكريس لبنان عضوا كامل العضوية في المنظومة التي تتحكّم بها إيران في المنطقة. وهذا ما جعل السيد حسن نصرالله الأمين العام لـ”حزب الله” يتحدث في خطابه الأخير في مناسبة “يوم القدس” عن إمكان “فتح الأجواء” أمام تدفق آلاف العناصر التابعة لميليشيات شيعية، من إيران والعراق وأفغانستان وباكستان واليمن على لبنان.

من حسن الحظ أن لبنان ما زال يقاوم. تفرض مثل هذه المقاومة اللبنانية للأطماع الإيرانية عدم تجاهل مشكلة النازحين السوريين، وكيف البحث عن حلول لها بعيدا عن أي نوع من العنصرية وبعيدا عن الاعتقاد بأنّ الحل يمكن أن يكون أمنيا. فأي تصرف يتسم بالعنصرية وأيّ حل أمني لا يمكن إلا أن يرتدا على لبنان عاجلا أم آجلا… مع الأخذ في الاعتبار أن مصلحة لبنان هي آخر هموم “حزب الله” والذين يقفون خلفه.

إعلامي لبناني

العرب

 

 

 

المخابرات تعترض فحوصات جثث الموقوفين السوريين: لبنان دولة بوليسية؟/ منير الربيع

هناك تهديدات أمنية وضغط سياسي على منظمات حقوق الإنسان

يسود الترقب والحذر بلدة عرسال. تداعيات المداهمات التي نفذها الجيش في مخيمي النور والقارية لم تنته بعد، لاسيما في ضوء إصرار عدد من عائلات الموقوفين والذين قضوا خلال التوقيف، على اجراء فحوصات شرعية تشرف عليها لجان حقوقية للتثبت من أسباب الوفاة.

ثمة من يعتبر أن بيان الجيش لم يكن مقنعاً، لذلك تم اللجوء إلى تكليف محامين لمتابعة هذا الموضوع. ومن بين هؤلاء المحامين، المحاية ديالا شحادة، التي حصلت على إذن قضائي، بالحصول على عينات من الجثث، وإجراء الفحوصات اللازمة لها، للتثبت من أساسب الوفاة.

وقد لاقى وزير الدولة لشؤون حقوق الإنسان، مواقف المطالبين بفتح تحقيق شفاف لمعرفة ملابسات الوفاة، وإذا ما تعرض الموقوفون للتعذيب، مع تقديره جهود الجيش في محاربة الإرهاب. ولكن ما حصل مع المحامية شحادة، قد فاقم الأمور، إذ تقول شحادة إنها تعرضت لضغوط كبيرة من قبل مخابرات الجيش في مستشفى أوتيل ديو لأجل تسليم العينات التي تم أخذها من الجثث قبل اجراء الفحوصات اللازمة لها. وهذا ما يعتبره البعض دليلاً على تعرض الموقوفين للتعذيب. تم تسليم العينات لمصلحة المخابرات، بناء على اتصال من المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود، الذي أعتبر أن الجهة القضائية المخولة منح إذن للحصول على العينات هي مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية.

وتقول شحادة لـ”المدن” إن أهالي المتوفين الثلاثة ينتظرون الحقيقة، وأبلغوني اليوم أنهم لا يريدون الجثث بل يريدون الحقيقة. واليوم القضاء العسكري سيحقق ونحن ننتظر التقرير. وإذا ما صدر قرار القضاء العسكري بأن هناك عنفاً تسبب في الوفاة، سنصمت ونوقف أي تحرك، وفي حال قال إن الوفاة طبيعية، سنعترض. ولكن هناك سؤالاً أساسياً من الذي يجرؤ على إصدار تقرير طبّي موضوعي، بعد التهديدات التي حصلت”. وتلفت شحادة إلى أن ما حصل خطأ كبير بحق المؤسسة العسكرية، وهي التي تقدم تضحيات كبيرة وجبارة للحفاظ على الاستقرار، فلماذا ترتبك في التعاطي مع هذا الملف، وهي أكبر من أي تجاوزات فردية.

ويعتبر رئيس مؤسسة آفاز لحقوق الإنسان والمهتمة بشؤون اللاجئين وسام طريف، لـ”المدن”، أنه تم دفن الجثث بالتواصل مع رئيس بلدية عرسال، ومن حق الأهالي أن يطالبوا باجراء فحوص شرعية كما هو معترف به دولياً. وهذا لم يحصل. وأهالي المتوفّين أوكلوا الموضوع للمحامية شحادة، وقد تم إنجاز الاجراءات القضائية لاجراء معاينة الجثث، وأثناء نقل العيّنات، تدخّلت المخابرات وبدأت تضغط، وطلبت تسليم العينات إلى مركز مخابرات الجيش في أبلح، فرفضت شحادة الأمر. وبعد التواصل مع وزير العدل والمدعي العام التمييزي تم الإتفاق على تسليم العينات لمخابرات الجيش، على أن يتم إحالة العينات إلى مستشفى الياس الهراوي، لكننا علمنا أنها لم تُحل إلى المستشفى بل إلى مركز المخابرات في أبلح.

ويقول طريف: “نحن في موقف صعب، إما أن نكون في بلد تحتكم كل مؤسساته إلى القانون، أو لا. لبنان ليس دولة بوليسية. ومن المستغرب أن تقوم أي مؤسسة أو جهاز، بتحقيق عن نفسها، ومن المفترض أن يتم التحقيق لدى القضاء المدني، لأن من توفوا مدنيون وليسوا عسكريين، لأجل تبيان الوقائع”. ويعتبر طريف أن الوضع السائد الآن، يفرض سؤالاً أساسياً إذا ما كان الجيش اللبناني ارتكب هذه الأفعال، أم لا. والمخول في ذلك يجب أن يكون جهة قضائية محايدة.

من جهته يعتبر رئيس مؤسسة لايف المحامي  نبيل الحلبي، أن شحادة تمثل جميع الحقوقيين العاملين على هذا الملف، وأهالي الضحايا، واستحصلت على قرار قضائي للسير بالتحقيقات ونقل العينات إلى مستشفى أوتيل ديو. ويقول الحلبي لـ”المدن” إن ما حصل “يؤكد أن التحقيق الذي تحدثت عنه السلطات اللبنانية غير جاد. وكان من المفترض أن يسلك الأمر مساره القضائي والاجرائي بعيداً عن الضغط”. ويكشف الحلبي أن هناك تهديدات أمنية وضغطاً سياسياً على منظمات حقوق الإنسان. وهذا الأمر يفوق كل الفترات السابقة. ويعتبر أنه يجب انتظار القضاء، وما سيقرره بهذا الشأن. ويبدي تخوفه من تبديل العينات، لأن التدخل الذي حصل لم يكن قانونياً، ولا يمكن لمخابرات الجيش أن تكون طرفاً وحكماً. وما جرى هو سابقة خطيرة.

وفي سياق الإتهامات التي وجهت إلى رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري بأنه متواطئ مع الجيش في تسليم الجثث بدون اجراء الفحوص اللازمة لها، تلقى الحجيري صباح الجمعة في 7 تموز، رسالة تهديد. ويروي لـ”المدن” أنه تلقى شنطة فيها رصاص قابل للاستخدام، تم إرسالها له عبر شرطي بلدي. ويشير إلى أن استمرار توقيف عدد من السوريين لدى الجيش اللبناني، يوتر الأجواء، لاسيما مع وجود أشخاص يعملون على زيادة التوتير، عبر ضخ معلومات مغلوطة عن الموقوفين. فهناك من يشيع أن 30 موقوفاً قتلوا. وهذه معلومات يراد منها تفجير الوضع وافتعال الإشكالات بين اللاجئين السوريين وأهالي عرسال.

ويعتبر الحجيري أنه في البداية لم تُجر فحوصات شرعية، ولم يكن هناك أي جلبة بهذا الشأن، وفيما بعد بدأ الإشكال. ويقول: “تسلمنا أربع جثث، تم دفنها بدون اجراء فحوصات شرعية، وهناك أربع جثث أخرى موجودة في أحد مستشفيات زحلة، لم نتسلمها لأن الأهالي يريدون اجراء فحوصات شرعية لمعرفة أسباب الوفاة”.

يضيف: “ما قمت به هو أنني استلمت الجثث بالطريقة القانونية. ولا نريد تحميل الموضوع أي أبعاد، ولا علاقة لعرسال بهذا الموضوع. نحن نريد الأمن والأمان. وقد استلمنا الجثث لأن أهالي المتوفّين لا يستطيعون الخروج من عرسال. لذلك، أرسلنا سيارة لنقل الجثث، وليس بإمكاننا منع الأهالي من دفن الجثث. ولم يكن بإمكاننا أن نمنعهم من تصوير الجثث. اقتصر دورنا على تسليم الجثث للأهالي. ولو رفضوا ذلك كنا امتنعنا عن نقلها. فليس باستطاعتنا التأثير على أي شخص”.

المخابرات تعترض فحوصات جثث الموقوفين السوريين: لبنان دولة بوليسية؟ منير الربيع | الجمعة 07/07/2017 شارك المقال : 0Google +00 هناك تهديدات أمنية وضغط سياسي على منظمات حقوق الإنسان يسود الترقب والحذر بلدة عرسال. تداعيات المداهمات التي نفذها الجيش في مخيمي النور والقارية لم تنته بعد، لاسيما في ضوء إصرار عدد من عائلات الموقوفين والذين قضوا خلال التوقيف، على اجراء فحوصات شرعية تشرف عليها لجان حقوقية للتثبت من أسباب الوفاة. ثمة من يعتبر أن بيان الجيش لم يكن مقنعاً، لذلك تم اللجوء إلى تكليف محامين لمتابعة هذا الموضوع. ومن بين هؤلاء المحامين، المحاية ديالا شحادة، التي حصلت على إذن قضائي، بالحصول على عينات من الجثث، وإجراء الفحوصات اللازمة لها، للتثبت من أساسب الوفاة. وقد لاقى وزير الدولة لشؤون حقوق الإنسان، مواقف المطالبين بفتح تحقيق شفاف لمعرفة ملابسات الوفاة، وإذا ما تعرض الموقوفون للتعذيب، مع تقديره جهود الجيش في محاربة الإرهاب. ولكن ما حصل مع المحامية شحادة، قد فاقم الأمور، إذ تقول شحادة إنها تعرضت لضغوط كبيرة من قبل مخابرات الجيش في مستشفى أوتيل ديو لأجل تسليم العينات التي تم أخذها من الجثث قبل اجراء الفحوصات اللازمة لها. وهذا ما يعتبره البعض دليلاً على تعرض الموقوفين للتعذيب. تم تسليم العينات لمصلحة المخابرات، بناء على اتصال من المدعي العام التمييزي القاضي سمير حمود، الذي أعتبر أن الجهة القضائية المخولة منح إذن للحصول على العينات هي مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وتقول شحادة لـ”المدن” إن أهالي المتوفين الثلاثة ينتظرون الحقيقة، وأبلغوني اليوم أنهم لا يريدون الجثث بل يريدون الحقيقة. واليوم القضاء العسكري سيحقق ونحن ننتظر التقرير. وإذا ما صدر قرار القضاء العسكري بأن هناك عنفاً تسبب في الوفاة، سنصمت ونوقف أي تحرك، وفي حال قال إن الوفاة طبيعية، سنعترض. ولكن هناك سؤالاً أساسياً من الذي يجرؤ على إصدار تقرير طبّي موضوعي، بعد التهديدات التي حصلت”. وتلفت شحادة إلى أن ما حصل خطأ كبير بحق المؤسسة العسكرية، وهي التي تقدم تضحيات كبيرة وجبارة للحفاظ على الاستقرار، فلماذا ترتبك في التعاطي مع هذا الملف، وهي أكبر من أي تجاوزات فردية. ويعتبر رئيس مؤسسة آفاز لحقوق الإنسان والمهتمة بشؤون اللاجئين وسام طريف، لـ”المدن”، أنه تم دفن الجثث بالتواصل مع رئيس بلدية عرسال، ومن حق الأهالي أن يطالبوا باجراء فحوص شرعية كما هو معترف به دولياً. وهذا لم يحصل. وأهالي المتوفّين أوكلوا الموضوع للمحامية شحادة، وقد تم إنجاز الاجراءات القضائية لاجراء معاينة الجثث، وأثناء نقل العيّنات، تدخّلت المخابرات وبدأت تضغط، وطلبت تسليم العينات إلى مركز مخابرات الجيش في أبلح، فرفضت شحادة الأمر. وبعد التواصل مع وزير العدل والمدعي العام التمييزي تم الإتفاق على تسليم العينات لمخابرات الجيش، على أن يتم إحالة العينات إلى مستشفى الياس الهراوي، لكننا علمنا أنها لم تُحل إلى المستشفى بل إلى مركز المخابرات في أبلح. ويقول طريف: “نحن في موقف صعب، إما أن نكون في بلد تحتكم كل مؤسساته إلى القانون، أو لا. لبنان ليس دولة بوليسية. ومن المستغرب أن تقوم أي مؤسسة أو جهاز، بتحقيق عن نفسها، ومن المفترض أن يتم التحقيق لدى القضاء المدني، لأن من توفوا مدنيون وليسوا عسكريين، لأجل تبيان الوقائع”. ويعتبر طريف أن الوضع السائد الآن، يفرض سؤالاً أساسياً إذا ما كان الجيش اللبناني ارتكب هذه الأفعال، أم لا. والمخول في ذلك يجب أن يكون جهة قضائية محايدة. من جهته يعتبر رئيس مؤسسة لايف المحامي  نبيل الحلبي، أن شحادة تمثل جميع الحقوقيين العاملين على هذا الملف، وأهالي الضحايا، واستحصلت على قرار قضائي للسير بالتحقيقات ونقل العينات إلى مستشفى أوتيل ديو. ويقول الحلبي لـ”المدن” إن ما حصل “يؤكد أن التحقيق الذي تحدثت عنه السلطات اللبنانية غير جاد. وكان من المفترض أن يسلك الأمر مساره القضائي والاجرائي بعيداً عن الضغط”. ويكشف الحلبي أن هناك تهديدات أمنية وضغطاً سياسياً على منظمات حقوق الإنسان. وهذا الأمر يفوق كل الفترات السابقة. ويعتبر أنه يجب انتظار القضاء، وما سيقرره بهذا الشأن. ويبدي تخوفه من تبديل العينات، لأن التدخل الذي حصل لم يكن قانونياً، ولا يمكن لمخابرات الجيش أن تكون طرفاً وحكماً. وما جرى هو سابقة خطيرة. وفي سياق الإتهامات التي وجهت إلى رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري بأنه متواطئ مع الجيش في تسليم الجثث بدون اجراء الفحوص اللازمة لها، تلقى الحجيري صباح الجمعة في 7 تموز، رسالة تهديد. ويروي لـ”المدن” أنه تلقى شنطة فيها رصاص قابل للاستخدام، تم إرسالها له عبر شرطي بلدي. ويشير إلى أن استمرار توقيف عدد من السوريين لدى الجيش اللبناني، يوتر الأجواء، لاسيما مع وجود أشخاص يعملون على زيادة التوتير، عبر ضخ معلومات مغلوطة عن الموقوفين. فهناك من يشيع أن 30 موقوفاً قتلوا. وهذه معلومات يراد منها تفجير الوضع وافتعال الإشكالات بين اللاجئين السوريين وأهالي عرسال. ويعتبر الحجيري أنه في البداية لم تُجر فحوصات شرعية، ولم يكن هناك أي جلبة بهذا الشأن، وفيما بعد بدأ الإشكال. ويقول: “تسلمنا أربع جثث، تم دفنها بدون اجراء فحوصات شرعية، وهناك أربع جثث أخرى موجودة في أحد مستشفيات زحلة، لم نتسلمها لأن الأهالي يريدون اجراء فحوصات شرعية لمعرفة أسباب الوفاة”. يضيف: “ما قمت به هو أنني استلمت الجثث بالطريقة القانونية. ولا نريد تحميل الموضوع أي أبعاد، ولا علاقة لعرسال بهذا الموضوع. نحن نريد الأمن والأمان. وقد استلمنا الجثث لأن أهالي المتوفّين لا يستطيعون الخروج من عرسال. لذلك، أرسلنا سيارة لنقل الجثث، وليس بإمكاننا منع الأهالي من دفن الجثث. ولم يكن بإمكاننا أن نمنعهم من تصوير الجثث. اقتصر دورنا على تسليم الجثث للأهالي. ولو رفضوا ذلك كنا امتنعنا عن نقلها. فليس باستطاعتنا التأثير على أي شخص”.

المدن

 

 

عبثية السجال اللبناني السوري/ ساطع نور الدين

السجال اللبناني السوري حول عملية الجيش الاخيرة في عرسال وما تلاها من فضيحة مقتل اربعة معتقلين سوريين، أثبت أن أحداً لم يتعلم الدرس ولم يكتسب الخبرة في مواجهة مثل هذه الوقائع التي تتكرر بين الحين والآخر وتفجر مختلف أنواع الغرائز والاحقاد والعصبيات..وتصرف الانظار عن النقاش الحقيقي الواجب بين البلدين والشعبين، بمعزل عن النظامين، وهما واحدٌ، والجيشين، وهما في خندق مشترك  أيضا.

لا غبار على عملية الجيش الاخيرة في مخيم النزوح في عرسال، ولا مجال للتسامح بأي حال من الاحوال مع حقيقة ان إنتحاريين فجروا أنفسهم بالقوة العسكرية المداهمة وأصابوا عدداً من أفرادها وقتلوا وجرحوا بعض النازحين أيضا. وهذا المنطق ينسحب على اللبنانيين كما على السوريين الذين سبق لتساهلهم مع تلك الظاهرة أن ذهب بقضيتهم الى ما لا تحمد عقباه، بغض النظر عن الخلاف حول موعد  ظهور الانتحاري السوري الاول.

لكن غباراً سميكاً يلف فضيحة مقتل المعتقلين السوريين الاربعة. هي مسؤولية الجيش التي تضاعفت عندما جرت محاولات التفسير والتبرير ثم التعتيم، قبل أن يصدر قرار فتح تحقيق رسمي، من خارج المؤسسة العسكرية، وربما من دونها أيضاً. وهو قرار لم يهدىء النفوس، ولم يوقف السجال، لسبب بسيط لا يمكن لأحد إنكاره، وهو ان المعني بالقرار ليس النروج ولا أي بلد إسكندنافي آخر، بل لبنان الذي يفتقر الى أبسط مقومات الدولة وأدناها ولا يمكن لمؤسساتها المدنية والعسكرية والامنية أن تحكم بالعدل والعقل ، ولا حتى بالسياسة، المقيمة الان على شرخ عميق في التعامل مع الشأن السوري، بكامل تفاصيله لاسيما قضية النزوح.

فكرة التعاطف الاخلاقي والانساني مع الجيش أو مع النازحين، واجب وضرورة، لكنها تغفل ان الجانبين وضعا عنوة في مواجهة صعبة لا يمكن لأحد  منهما أن ينتصر فيها، ولا يجوز التردد في أي مسعى ممكن لتفاديها والتقليل من خسائرها، ولنقلها الى المستويات السياسية، مهما كانت تلك المستويات مفككة ومنقسمة ومستنفرة على بعضها البعض.. والانطلاق  من حقيقة ان الادانة لما فعله الجيش لم تكن راجحة، والعطف على النازحين مؤثراً . كلام النخب لا يحسب له حساب ، خاصة إذا كان فردياً، ويتركز على مواقع التواصل الاجتماعي، المباحة لشتى أشكال الردح، ولا يستقطب أي جمعٍ لبنانيٍ او سوريٍ، يمكنه الذهاب بالمسألة الى حدودها القصوى.

إنسداد الافق السوري،المعارض تحديداً، لا يختلف كثيرا  عن إنغلاق الأفق اللبناني. وليس من قبيل الصدفة ان يبدو أداء المعارضة السورية شبيهاً بأداء الحكومة اللبنانية، وقريباً من أداء النظام السوري الذي لم ينتقد التعرض لمواطنيه، النازحين تحديداً، ولم يطلق حتى النداء بعودتهم الى حضن الوطن. ومثلما كانت المواجهة في عرسال فاضحة لهيئات المعارضة السورية، كانت محرجة أيضاً لمجلس الوزراء اللبناني الذي يتمتع فيه الاسد بغالبية واضحة، كانت وما تزال قادرة على تعطيل أي توجه نحو الحياد إزاء القضية السورية.

مثل هذه الغالبية هي بلا أي جدال إنعكاس لحساسية مسيحية وشيعية، لا ترفض فقط أي تشكيك في شرعية نظام الاسد، بل هي تنادي كل يوم باستئناف العلاقات الرسمية معه، على جميع المستويات، وتطوير التعاون العسكري والامني الذي لم ينقطع يوماً، تحت شعار البحث في عودة النازحين، برغم معرفتها المسبقة ان النظام السوري لا يريد هذه العودة حاليا، ولا يرغب في تحمل هذا العبء، وبرغم إدراكها ان الامر يقع على عاتق الدول الكبرى وعلى المنظمات والهيئات الدولية التي تغيث النازحين وتحول دون إنفجار قضيتهم في لبنان.

مرة أخرى، لا بد ان يخرج السجال من حدوده الراهنة. الالتزام بالمعايير والمواقف الاخلاقية والانسانية مفيد للثقافة لا في السياسة. لبنان ليس دولة بالمعنى الفعلي بل معسكر لجوء دائم، وتهجير متكرر. والخريطة اللبنانية هي في الجوهر عبارة عن مقرات ومخيمات هجرة، تغيرت وتبادلت وتفاوتت مواعيد أقامتها على مدى عقود وقرون ماضية. والنزوح السوري ليس الاول ولن يكون الاخير في تاريخ لبنان، وكذا الاضطراب في العلاقة بين المخيمات القديمة والمخيمات الراهنة. المهم الا يتحول ذلك الاضطراب الى إشتباك مفتوح يمس الجيش اللبناني بصفته مكلفاً بحراسة جميع المخيمات من دون إستثناء، ويستباح فيه سكان مخيم ما ، الى حد يدفعهم الى حمل السلاح وتفجير العبوات.

ولا يجوز  أيضا، ان يظل السجال عالقاً عند  تورط حزب الله في سوريا. فالغالبية اللبنانية الساحقة لا تريد إنهاء هذا التورط فعليا، بل هي تراه تعبيراً طبيعياً جداً  عن العلاقة التاريخية بين النظام السوري وبين اللبنانيين الشيعة.. بل ربما تعتبره رأفة بلبنان، او ربما عقاباً لبعض أبنائه غير المقتنعين بحدود مخيمهم اللبناني الصغير.

عبثية السجال اللبناني السوري ساطع نور الدين | الجمعة 07/07/2017 شارك المقال : 0Google +00 السجال اللبناني السوري حول عملية الجيش الاخيرة في عرسال وما تلاها من فضيحة مقتل اربعة معتقلين سوريين، أثبت أن أحداً لم يتعلم الدرس ولم يكتسب الخبرة في مواجهة مثل هذه الوقائع التي تتكرر بين الحين والآخر وتفجر مختلف أنواع الغرائز والاحقاد والعصبيات..وتصرف الانظار عن النقاش الحقيقي الواجب بين البلدين والشعبين، بمعزل عن النظامين، وهما واحدٌ، والجيشين، وهما في خندق مشترك  أيضا. لا غبار على عملية الجيش الاخيرة في مخيم النزوح في عرسال، ولا مجال للتسامح بأي حال من الاحوال مع حقيقة ان إنتحاريين فجروا أنفسهم بالقوة العسكرية المداهمة وأصابوا عدداً من أفرادها وقتلوا وجرحوا بعض النازحين أيضا. وهذا المنطق ينسحب على اللبنانيين كما على السوريين الذين سبق لتساهلهم مع تلك الظاهرة أن ذهب بقضيتهم الى ما لا تحمد عقباه، بغض النظر عن الخلاف حول موعد  ظهور الانتحاري السوري الاول. لكن غباراً سميكاً يلف فضيحة مقتل المعتقلين السوريين الاربعة. هي مسؤولية الجيش التي تضاعفت عندما جرت محاولات التفسير والتبرير ثم التعتيم، قبل أن يصدر قرار فتح تحقيق رسمي، من خارج المؤسسة العسكرية، وربما من دونها أيضاً. وهو قرار لم يهدىء النفوس، ولم يوقف السجال، لسبب بسيط لا يمكن لأحد إنكاره، وهو ان المعني بالقرار ليس النروج ولا أي بلد إسكندنافي آخر، بل لبنان الذي يفتقر الى أبسط مقومات الدولة وأدناها ولا يمكن لمؤسساتها المدنية والعسكرية والامنية أن تحكم بالعدل والعقل ، ولا حتى بالسياسة، المقيمة الان على شرخ عميق في التعامل مع الشأن السوري، بكامل تفاصيله لاسيما قضية النزوح. فكرة التعاطف الاخلاقي والانساني مع الجيش أو مع النازحين، واجب وضرورة، لكنها تغفل ان الجانبين وضعا عنوة في مواجهة صعبة لا يمكن لأحد  منهما أن ينتصر فيها، ولا يجوز التردد في أي مسعى ممكن لتفاديها والتقليل من خسائرها، ولنقلها الى المستويات السياسية، مهما كانت تلك المستويات مفككة ومنقسمة ومستنفرة على بعضها البعض.. والانطلاق  من حقيقة ان الادانة لما فعله الجيش لم تكن راجحة، والعطف على النازحين مؤثراً . كلام النخب لا يحسب له حساب ، خاصة إذا كان فردياً، ويتركز على مواقع التواصل الاجتماعي، المباحة لشتى أشكال الردح، ولا يستقطب أي جمعٍ لبنانيٍ او سوريٍ، يمكنه الذهاب بالمسألة الى حدودها القصوى. إنسداد الافق السوري،المعارض تحديداً، لا يختلف كثيرا  عن إنغلاق الأفق اللبناني. وليس من قبيل الصدفة ان يبدو أداء المعارضة السورية شبيهاً بأداء الحكومة اللبنانية، وقريباً من أداء النظام السوري الذي لم ينتقد التعرض لمواطنيه، النازحين تحديداً، ولم يطلق حتى النداء بعودتهم الى حضن الوطن. ومثلما كانت المواجهة في عرسال فاضحة لهيئات المعارضة السورية، كانت محرجة أيضاً لمجلس الوزراء اللبناني الذي يتمتع فيه الاسد بغالبية واضحة، كانت وما تزال قادرة على تعطيل أي توجه نحو الحياد إزاء القضية السورية. مثل هذه الغالبية هي بلا أي جدال إنعكاس لحساسية مسيحية وشيعية، لا ترفض فقط أي تشكيك في شرعية نظام الاسد، بل هي تنادي كل يوم باستئناف العلاقات الرسمية معه، على جميع المستويات، وتطوير التعاون العسكري والامني الذي لم ينقطع يوماً، تحت شعار البحث في عودة النازحين، برغم معرفتها المسبقة ان النظام السوري لا يريد هذه العودة حاليا، ولا يرغب في تحمل هذا العبء، وبرغم إدراكها ان الامر يقع على عاتق الدول الكبرى وعلى المنظمات والهيئات الدولية التي تغيث النازحين وتحول دون إنفجار قضيتهم في لبنان. مرة أخرى، لا بد ان يخرج السجال من حدوده الراهنة. الالتزام بالمعايير والمواقف الاخلاقية والانسانية مفيد للثقافة لا في السياسة. لبنان ليس دولة بالمعنى الفعلي بل معسكر لجوء دائم، وتهجير متكرر. والخريطة اللبنانية هي في الجوهر عبارة عن مقرات ومخيمات هجرة، تغيرت وتبادلت وتفاوتت مواعيد أقامتها على مدى عقود وقرون ماضية. والنزوح السوري ليس الاول ولن يكون الاخير في تاريخ لبنان، وكذا الاضطراب في العلاقة بين المخيمات القديمة والمخيمات الراهنة. المهم الا يتحول ذلك الاضطراب الى إشتباك مفتوح يمس الجيش اللبناني بصفته مكلفاً بحراسة جميع المخيمات من دون إستثناء، ويستباح فيه سكان مخيم ما ، الى حد يدفعهم الى حمل السلاح وتفجير العبوات. ولا يجوز  أيضا، ان يظل السجال عالقاً عند  تورط حزب الله في سوريا. فالغالبية اللبنانية الساحقة لا تريد إنهاء هذا التورط فعليا، بل هي تراه تعبيراً طبيعياً جداً  عن العلاقة التاريخية بين النظام السوري وبين اللبنانيين الشيعة.. بل ربما تعتبره رأفة بلبنان، او ربما عقاباً لبعض أبنائه غير المقتنعين بحدود مخيمهم اللبناني الصغير.

المدن

 

 

 

تحقيق في وفاة الموقوفين السوريين:اللاجئون خائفون من العودة والبقاء/ منير الربيع

على هامش النقاشات السياسية بشأن إعادة اللاجئين السوريين إلى سوريا، صدر قرار مركزي بوجوب إعادة أعداد كبيرة من لاجئي عرسال إلى القلمون السوري. الغاية من ذلك فتح باب التشريع اللبناني للنظام السوري، الإعلان عن إنشاء منطقة آمنة في القلمون برعاية حزب الله والنظام من دون الحاجة إلى الأمم المتحدة أو إتفاق دولي. ليست دعوة الحكومة اللبنانية إلى التنسيق مع النظام السوري من أجل إعادة اللاجئين عابرة. فهي استعجال من جانب حزب الله لاستدراج خصومه ومناهضي النظام إلى معسكر التطبيع معه، والإعتراف بانتصاره.

سواء وافق الأفرقاء جميعهم على إعادة اللاجئين أم لم يوافقوا، أكان ذلك علناً أم سرّاً، فعلى ما يبدو أن التطورات العسكرية هي التي قد تفرض عودة المدنيين إلى قراهم السورية، خوفاً من أن تطالهم أي معارك قد تندلع في الجرود بين حزب الله والنظام من جهة والمسلّحين من جهة أخرى. كما أن الخوف دب في نفوس اللاجئين بعد عمليات الدهم التي أجراها الجيش وما يشاع بينهم عن قتل موقوفين تحت التعذيب، وإن كان الجيش نفى ذلك، مؤكداً أن وفاتهم حصلت بسبب أمراض مزمنة أسهم الوضع المناخي بتفاعلها.

كان من المفترض أن تعود نحو 500 عائلة لاجئة من عرسال إلى القلمون في فترة عيد الفطر. لكن هذه العملية تأخرت بعد تلقيهم إتصالات من الذين سبقوهم، أن العودة لم تكن مطابقة لما جرى الإتفاق عليه. وقد طلب النظام السوري من معظمهم الإلتحاق بالخدمة العسكرية لتسوية أوضاعهم. وهذا ما سيدفع اللاجئون إلى الإمتناع عن العودة، طالما أن ظروفها غير آمنة. فيما تشير معلومات “المدن” إلى أن نحو 2000 لاجئاً سورياً كانوا يستعدون للعودة إلى القلمون الثلاثاء الماضي، لكن جرى تأجيل هذه العملية لأسباب أمنية ولوجستية.

بدأ اللاجئون السوريون بتحركات احتجاجية على ما تعرضوا له في عرسال. فمثلاً اللاجئون من منطقة القصير، التي أصبحت قاعدة عسكرية لحزب الله، يطالبون بفتح طريق لهم من عرسال إلى الشمال السوري، وتحديداً جرابلس، بسبب عدم قدرتهم على العودة إلى منطقتهم. أما لاجئو القلمون فهم يريدون العودة إلى قراهم، لكن مع تأمين ظروف العودة الآمنة وضمان عدم التعرض لهم أو إجبارهم على الإلتحاق في صفوف الجيش السوري للمشاركة في المعارك.

تتحرك المنظمات الحقوقية لمتابعة كل هذه التطورات، سواء في مسألة التعذيب أو في مسألة الضغط من أجل العودة إلى سوريا من دون ضمانات دولية أو رعاية الأمم المتحدة. ويقول رئيس مؤسسة لايف نبيل الحلبي إن عودة هؤلاء غير الآمنة أمر مرفوض قطعاً، والأمر لا يقتصر على المشاركة في العمليات العسكرية وقد تفتح المعتقلات أمام العديد منهم. بالتالي، “نحن ندعو اللاجئين إلى عدم القبول بالعودة”.

أما عن موت أربعة موقوفين، فيقول الحلبي إنه كان بسبب تعرضهم للتعذيب، وبيان الجيش هزيل. فـ”آثار الكدمات واضحة، ونحن كنا طلبنا بعدم تسلّم الجثث قبل الكشف عليها وتشريحها، وإصدار تقارير شرعية حول أسباب الوفاة، لكن منعنا من ذلك بضغط من المؤسسة العسكرية التي أصرت على دفنهم من دون تصويرهم”. ويكشف الحلبي أنه سيتم الضغط لعدم تسلّم الجثث الثلاث المتبقية قبل أخذ الاجراءات اللازمة لمعاينتها، معتبراً أن كل المنظمات الحقوقية تعمل من أجل مطالبة المنظمات الدولية والأمم المتحدة بالتدخل في هذه المسألة.

وعلمت “المدن” أن عائلات ثلاثة من المتوفين أنجزت الاجراءات القانونية لتوكيل محامين لمتابعة ملفات أبنائهم، بعد الحصول على إذن من النيابة العامة العسكرية من أجل الحصول على التقارير الطبية الشرعية والإطلاع على كل ملابسات الوفاة وخلفياتها. وتتوقع المصادر أن يتم فتح تحقيق في هذا الموضوع، وأن تتخذ إجراءات مسلكية من قبل قيادة الجيش بحق العناصر إذا ثبت أنهم ارتكبوا مخالفات.

ودعت نائبة مدير الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش لما فقيه إلى “إجراء تحقيق رسمي وشفاف ومستقل، وفي حالة ارتكاب مخالفات، يجب محاسبة المسؤولين عن الوفيات”.

وفي مقابل هذا النقاش، يتزايد الضغط العسكري في الجرود، خصوصاً أن حزب الله ثابت على قراره بطرد المسلحين منها، وهو في طريقه إلى التنفيذ. وإذا كانت المفاوضات تعرقلت أو توقفت لأي من الأسباب، فإن المصادر ترجّح أن يتم تحديد ساعة الصفر لإطلاق المعركة العسكرية في الجرود. تشير المصادر إلى أن حزب الله سيتحرك عسكرياً من الجهة السورية باتجاه جرود عرسال وليس من الجهة اللبنانية التي سيتولى الجيش اللبناني تعزيز قواته فيها لمنع تسلل أي من المسلحين باتجاه الأراضي اللبنانية.

تحقيق في وفاة الموقوفين السوريين:اللاجئون خائفون من العودة والبقاء منير الربيع | الأربعاء 05/07/2017 شارك المقال : 0Google +00 عائلات ثلاثة من المتوفين أنجزت الاجراءات القانونية لتوكيل محامين على هامش النقاشات السياسية بشأن إعادة اللاجئين السوريين إلى سوريا، صدر قرار مركزي بوجوب إعادة أعداد كبيرة من لاجئي عرسال إلى القلمون السوري. الغاية من ذلك فتح باب التشريع اللبناني للنظام السوري، الإعلان عن إنشاء منطقة آمنة في القلمون برعاية حزب الله والنظام من دون الحاجة إلى الأمم المتحدة أو إتفاق دولي. ليست دعوة الحكومة اللبنانية إلى التنسيق مع النظام السوري من أجل إعادة اللاجئين عابرة. فهي استعجال من جانب حزب الله لاستدراج خصومه ومناهضي النظام إلى معسكر التطبيع معه، والإعتراف بانتصاره. سواء وافق الأفرقاء جميعهم على إعادة اللاجئين أم لم يوافقوا، أكان ذلك علناً أم سرّاً، فعلى ما يبدو أن التطورات العسكرية هي التي قد تفرض عودة المدنيين إلى قراهم السورية، خوفاً من أن تطالهم أي معارك قد تندلع في الجرود بين حزب الله والنظام من جهة والمسلّحين من جهة أخرى. كما أن الخوف دب في نفوس اللاجئين بعد عمليات الدهم التي أجراها الجيش وما يشاع بينهم عن قتل موقوفين تحت التعذيب، وإن كان الجيش نفى ذلك، مؤكداً أن وفاتهم حصلت بسبب أمراض مزمنة أسهم الوضع المناخي بتفاعلها. كان من المفترض أن تعود نحو 500 عائلة لاجئة من عرسال إلى القلمون في فترة عيد الفطر. لكن هذه العملية تأخرت بعد تلقيهم إتصالات من الذين سبقوهم، أن العودة لم تكن مطابقة لما جرى الإتفاق عليه. وقد طلب النظام السوري من معظمهم الإلتحاق بالخدمة العسكرية لتسوية أوضاعهم. وهذا ما سيدفع اللاجئون إلى الإمتناع عن العودة، طالما أن ظروفها غير آمنة. فيما تشير معلومات “المدن” إلى أن نحو 2000 لاجئاً سورياً كانوا يستعدون للعودة إلى القلمون الثلاثاء الماضي، لكن جرى تأجيل هذه العملية لأسباب أمنية ولوجستية. بدأ اللاجئون السوريون بتحركات احتجاجية على ما تعرضوا له في عرسال. فمثلاً اللاجئون من منطقة القصير، التي أصبحت قاعدة عسكرية لحزب الله، يطالبون بفتح طريق لهم من عرسال إلى الشمال السوري، وتحديداً جرابلس، بسبب عدم قدرتهم على العودة إلى منطقتهم. أما لاجئو القلمون فهم يريدون العودة إلى قراهم، لكن مع تأمين ظروف العودة الآمنة وضمان عدم التعرض لهم أو إجبارهم على الإلتحاق في صفوف الجيش السوري للمشاركة في المعارك. تتحرك المنظمات الحقوقية لمتابعة كل هذه التطورات، سواء في مسألة التعذيب أو في مسألة الضغط من أجل العودة إلى سوريا من دون ضمانات دولية أو رعاية الأمم المتحدة. ويقول رئيس مؤسسة لايف نبيل الحلبي إن عودة هؤلاء غير الآمنة أمر مرفوض قطعاً، والأمر لا يقتصر على المشاركة في العمليات العسكرية وقد تفتح المعتقلات أمام العديد منهم. بالتالي، “نحن ندعو اللاجئين إلى عدم القبول بالعودة”. أما عن موت أربعة موقوفين، فيقول الحلبي إنه كان بسبب تعرضهم للتعذيب، وبيان الجيش هزيل. فـ”آثار الكدمات واضحة، ونحن كنا طلبنا بعدم تسلّم الجثث قبل الكشف عليها وتشريحها، وإصدار تقارير شرعية حول أسباب الوفاة، لكن منعنا من ذلك بضغط من المؤسسة العسكرية التي أصرت على دفنهم من دون تصويرهم”. ويكشف الحلبي أنه سيتم الضغط لعدم تسلّم الجثث الثلاث المتبقية قبل أخذ الاجراءات اللازمة لمعاينتها، معتبراً أن كل المنظمات الحقوقية تعمل من أجل مطالبة المنظمات الدولية والأمم المتحدة بالتدخل في هذه المسألة. وعلمت “المدن” أن عائلات ثلاثة من المتوفين أنجزت الاجراءات القانونية لتوكيل محامين لمتابعة ملفات أبنائهم، بعد الحصول على إذن من النيابة العامة العسكرية من أجل الحصول على التقارير الطبية الشرعية والإطلاع على كل ملابسات الوفاة وخلفياتها. وتتوقع المصادر أن يتم فتح تحقيق في هذا الموضوع، وأن تتخذ إجراءات مسلكية من قبل قيادة الجيش بحق العناصر إذا ثبت أنهم ارتكبوا مخالفات. ودعت نائبة مدير الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش لما فقيه إلى “إجراء تحقيق رسمي وشفاف ومستقل، وفي حالة ارتكاب مخالفات، يجب محاسبة المسؤولين عن الوفيات”. وفي مقابل هذا النقاش، يتزايد الضغط العسكري في الجرود، خصوصاً أن حزب الله ثابت على قراره بطرد المسلحين منها، وهو في طريقه إلى التنفيذ. وإذا كانت المفاوضات تعرقلت أو توقفت لأي من الأسباب، فإن المصادر ترجّح أن يتم تحديد ساعة الصفر لإطلاق المعركة العسكرية في الجرود. تشير المصادر إلى أن حزب الله سيتحرك عسكرياً من الجهة السورية باتجاه جرود عرسال وليس من الجهة اللبنانية التي سيتولى الجيش اللبناني تعزيز قواته فيها لمنع تسلل أي من المسلحين باتجاه الأراضي اللبنانية.

المدن

 

 

 

 

عسكر لبنان/ رشا الأطرش

لطالما تبادلتُ الاستغراب والدهشة مع الأصدقاء السوريين المقيمين في لبنان، في شأن “العلاقة” المركبة مع مُرتدِي البذلة العسكرية، سواء عند حاجز للجيش اللبناني، أو إثر مرور ملالة في الطريق، أو حتى مرورنا سوية أمام ثكنة. البذلة المرقطة، بالمطلق وأياً كانت جنسيتها، سرعان ما تستنهض في الأصدقاء السوريين، لا سيما الذكور منهم، مشاعر متداخلة: خوف غالباً ما يخلو من الاحترام، شكّ، توتّر، وشيء من البغضاء المغلفة بالتوجس. يقولون إنهم يُفاجأون بمناداة اللبنانيين للعسكر “يا وطن”..

– فماذا تقولون لهم أنتم في سوريا؟

– البعض يمالق فيقول “سيدي”، لكننا، في الغالب، لا نقول شيئاً.. ننتظر ما سيقولونه هم.

وبعد عدد من الحوارات المشابهة، والحفر أعمق للوصول إلى مصادر المشاعر السورية هذه، في مقابل ارتياح اللبناني عموماً لرؤية عناصر الجيش، بدأ الأمر يتضح…

الجيش بالنسبة إلى اللبنانيين، حاملي ندوب الحرب الأهلية، يمثل الدولة –أو الحلم الدائم بها كمضادّ للفوضى. هي المؤسسة الجامعة للطوائف ومختلف الفئات الاجتماعية، وتكاد تكون الوحيدة التي تحظى بإجماع وطني، أياً كان معنى “الإجماع” في بلد مثل لبنان. الجيش، في عيون اللبنانيين بشكل عام، هو الترياق المضاد للأحزاب وزعرانها، للمليشيات، وللسلاح غير المنتمي إلى جهة رسمية، ما يصعّب محاسبة حامله. الجندي، أو حتى الضابط، له مرجعية معروفة، وغالباً ما يلتزم بإجراءات معينة، وحد أدنى من التهذيب، تتيح للمدني توقع نتيجة احتكاكه به، سلباً أم إيجاباً. وفي حال، لسبب ما، لم تجرِ الأمور بسلاسة، فثمة دائماً رتبة أعلى، ومسؤول، ونظام مُدوّن في دفتر ما.. على الأقل، هذا ما يفترضه رجل الشارع. جيشه، أو لنقُل الخطاب المعمّم عن الجيش ومنه، محيّد عن السياسة والطوائف وحزازياتها.

الجيش، في المخيال اللبناني، مرتبط بفكرة “السيادة”، لا سيما من بعد –وخصوصاً خلال- الوصاية السورية المباشرة وانتشار القوات السورية في جزء معتبر من الأراضي اللبنانية. ورغم أن للجيش اللبناني عيده الخاص في ذكرى تأسيسه يوم الأول من آب، فهو نجم الاحتفالات الشعبية والرسمية بِعيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني… في حين يحتفل الأميركيون مثلاً بذكرى استقلال الولايات المتحدة (الرابع من تموز) بحفلات الشواء ومباريات البايسبول والألعاب النارية التي يضطلع طاقم البيت الأبيض بتنظيم أضخم عروضها انطلاقاً من الحديقة الرئاسية.

الجيش اللبناني رمز “السلم الأهلي”، بصرف النظر عن سيولة التوصيف في الواقع، إذ عاد موحّداً مع انتهاء الحرب. وهو الذي يشعر كثيرون أنه أسبغ “أخلاقه” على من دُمجوا فيه من مسلّحي الحرب بعد “الطائف”، الأمر الذي يعتبرون أنه لا ينطبق بالكامل على من دُمجوا في مختلف الأجهزة الأمنية. ولا يُنسى أن مؤسسة الجيش اللبناني تشكل أماناً وظيفياً للعديد من الشباب، من مختلف الخلفيات والطبقات والمستويات التعليمية، في قطاعاته المدنية كما العسكرية، خصوصاً بعد إلغاء التجنيد الإجباري. بدءاً من برستيج “ابن الدولة”، وصولاً إلى التقديمات الصحية والاجتماعية. وتالياً، فإن عشرات الآلاف من العائلات لا تبالغ حينما تسمّي عناصر الجيش “أولادنا”.

أما السوريون…

تجربة السوريين (واللبنانيين) مع العسكر السوري تكاد تكون على طرف النقيض، منذ تسلّم “حزب البعث” السلطة رسمياً. التجنيد الإجباري رعب، يُبذل في تأجيله والتهرب منه، الغالي والنفيس. الانضواء في الخدمة، تطوعاً أو تجنيداً، مصير من لا حيلة له ولا خيارات بديلة. وليس للمجندين من غير ذوي الدعم والواسطة، سوى الصلاة كي لا يقعوا في غياهب النسيان بعد انتهاء مدة الخدمة. تكرّس الخوف هذا منذ تفاقم الثورة السورية وتحولها إلى حرب تنشر الفوضى. فما عاد يُعرف المليشيوي الموالي من العسكري النظامي، والمجندون الإجباريون يُرسَلون إلى الجبهة بلا تدريب كاف أو عتاد ملائم، وإذا قُتلوا، فلا ديّة أو حقوق مؤكدة لهم، إلا إن انتموا إلى طائفة أو عائلة متنفذة. وفي ذلك – والحق يقال – هم مساوون للمواطن السوري المفتقر إلى مثل هذه الدعامة. الاحتكاك بالعسكر السوري يتزامن مع توقُّع المهانة والإذلال وربما فرض تقديم “الهدايا” مما تيسّر من أكياس الخبز، وعلب السجائر، والأوراق المالية المتوافرة في المحفظة.

الجيش السوري قامع، الجيش السوري مخيف، تهيمن عليه صورة حماة 1982، و”الفروع الأمنية”: تعذيب، قتل، ضرب، تسلّط، تبلّي. عقيدته بعثية وولاؤه لـ”الأب الخالد”، تشاركه في ذلك أجيال تربّت في صفوف “طلائع البعث” و”الشبيبة” في المدارس والجامعات والاتحادات والنقابات. والقواسم التربوية المشتركة هذه، ليست بالضرورة عزيزة على قلوب الأطفال والشباب باستثناء، ربما، من انتمى منهم إلى فئات المستفيدين، أو في ما يندرج ضمن “متلازمة ستوكهولم”.

***

تطوّر مهم ومقلق وقع قبل يومين، حينما أعلنت قيادة الجيش اللبناني وفاة أربعة معتقلين سوريين، “قبل بدء التحقيق معهم”، وهم من حصيلة الاعتقالات إثر مداهمة مخيم اللاجئين السوريين في عرسال والتي أسقطت أيضاً قتلى وجرحى مدنيين. وإذ تفيد مصادر عديدة بأن عدد المعتقلين “المتوفين” يفوق الأربعة المعلن عنهم رسمياً، فإن التفسير الذي قدمته القيادة ربطاً “بالأحوال المناخية” و”الحالة الصحية” للمعتقلين تسبب، للمرة الأولى ربما، بموجة استنكار عارمة، لم يتم تظهيرها في وسائل الإعلام، لكنها بلا شك اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي واستدعت وعيد بعض السياسيين وقدامى العسكريين، محذرين من أن “الجيش خط أحمر” وأنه سيتم إسكات من “يتطاول عليه”. ولعله، والحال هذه، لم يكن مستغرباً انتشار شعار “لا لبعثَنَة لبنان” في الشبكات الاجتماعية، فيما شُنّت في المقابل “حملة تأييد” للجيش، بدت معظم منطلقاتها مرتكزة إلى خطاب فاشي، مُطعَّم برُهاب الغرباء، والعنصرية، والطائفية الفجة، والثأرية القبَلية لـ”شهدائنا”، ناهيك عن تبرّؤها من كل المعايير الحقوقية والقانونية بل والإنسانية.

ولعل اللافت، اليوم، أن عدداً من الأحداث الداخلية السابقة والتي تدخّل/لم يتدخّل فيها الجيش، لم تُفضِ إلى مثل هذا النقاش، ولو على سبيل التأريخ والمراجعة. بدءاً، على سبيل المثال لا الحصر، من انقسام الجيش طائفياً غداة اندلاع الحرب اللبنانية وتورط أفواجه المختلفة في التقاتل الأهلي. مروراً بأحداث 7 آب 2001، عندما شن الجيش وفرع مخابراته حملة اعتقالات طاولت مئات الناشطين والقياديين في “التيار العوني” و”القوات اللبنانية”، والذين تمحور خطابهم ونشاطهم السياسي آنذاك حول مناهضة “الاحتلال السوري للبنان”. وصولاً إلى الاجتياح المسلّح الذي نفّذه “حزب الله” وحلفاؤه في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان يوم 7 أيار 2008، ووقف خلاله الجيش اللبناني “على الحياد” رغم انتشار قواته في أنحاء العاصمة وعلى تخوم الجبل. لكن، سرعان ما كانت صورة الجيش تتكلل بالأعذار والغفران: إما لظروف الحرب التي تعتبر “استثناء” لا يُقاس عليه. وإما تفهّماً لضغوط الوصاية السورية وأزلامها اللبنانيين، على الجيش وقيادته. أو افتتاناً بـ”حِكمة” الجيش (وفي قول آخر: التسليم بقلّة حيلته) بحيث “تفادى التورط” في النزاعات السياسية الطائفية…

والحال، إن “المعارك الوطنية” الفعلية التي خاضها الجيش اللبناني منذ انتهاء الحرب، تركّزت على تجمعات “الغرباء”، وتحديداً الحلقات الأضعف بينهم باعتبارهم “الحيوات العارية” بحسب مصلح جيورجيو أغامبن، كما في مخيم نهر البارد الفلسطيني العام 2007، والآن مخيمات اللجوء السوري. حتى حرب الجيش على الإسلاميين المتطرفين في الضنية العام 2001، ثم على جماعة أحمد الأسير في صيدا العام 2013، سهّلها أنه لا خيمة سياسية-طائفية فعلية فوق رؤوس هؤلاء، وإن لقوا تعاطفاً هنا وتأييداً محدوداً هناك، وبذلك هم “غرباء محليون”. وهذا ليس انتقاصاً من تضحيات الجيش وانتصاراته المخضبة بالدم والخطف، رغم أخطاء وانتهاكات يجب الاعتراف بها. وقطعاً، لا تحريض ولا “تطاول” ههنا على عسكر لبنان، أو صورته الوطنية، إذ لعله الحصن الأخير المتبقي لهذا البلد المضطجع فوق فوالق زلزالية شتى.

لكن التحقيق في مسألة وفاة المعتقلين السوريين والذين لم يتسنّ التأكد من تورطهم في نشاط إرهابي، هو أيضاً ضرورة لحماية السِّلم الأهلي الهش. لكنها، للأسف، لم تتبلور كمطلب وطني جدّي، لا في جلسة مجلس الوزراء أمس، ولا في السجال الشعبي والإعلامي. تماماً كما ظلّت فضفاضة مسألة السيادة اللبنانية المتمثلة في انتشار الجيش فوق كامل تراب لبنان وعلى اتساع سمائه، مع الضبط التام للحدود. إذ ما زال مقتل الطيار سامر حنا ماثلاً في الأذهان. وكذلك الموقف الرسمي اللبناني بالنأي بالنفس عن الحرب السورية، في حين يعبر مقاتلو “حزب الله” إليها، كل يوم، براحة وعلانية.. بل وأعلن أمينهم العام، قبل أيام، حتمية استقدام المقاتلين من إيران والعراق واليمن وأفغانستان وباكستان، في ما لو شنّت إسرائيل حرباً على لبنان أو سوريا.

ولا يتبقى إلا الأمل: تسلم يا عسكر لبنان.. من البعثنة والمرتزقة.

عسكر لبنان رشا الأطرش | الخميس 06/07/2017 شارك المقال : 0Google +00 من اعتصام في بيروت لأهالي العسكريين المخطوفين من قبل جماعات جهادية عبر الحدود اللبنانية الشرقية مع سوريا (غيتي) لطالما تبادلتُ الاستغراب والدهشة مع الأصدقاء السوريين المقيمين في لبنان، في شأن “العلاقة” المركبة مع مُرتدِي البذلة العسكرية، سواء عند حاجز للجيش اللبناني، أو إثر مرور ملالة في الطريق، أو حتى مرورنا سوية أمام ثكنة. البذلة المرقطة، بالمطلق وأياً كانت جنسيتها، سرعان ما تستنهض في الأصدقاء السوريين، لا سيما الذكور منهم، مشاعر متداخلة: خوف غالباً ما يخلو من الاحترام، شكّ، توتّر، وشيء من البغضاء المغلفة بالتوجس. يقولون إنهم يُفاجأون بمناداة اللبنانيين للعسكر “يا وطن”..  – فماذا تقولون لهم أنتم في سوريا؟ – البعض يمالق فيقول “سيدي”، لكننا، في الغالب، لا نقول شيئاً.. ننتظر ما سيقولونه هم. وبعد عدد من الحوارات المشابهة، والحفر أعمق للوصول إلى مصادر المشاعر السورية هذه، في مقابل ارتياح اللبناني عموماً لرؤية عناصر الجيش، بدأ الأمر يتضح… الجيش بالنسبة إلى اللبنانيين، حاملي ندوب الحرب الأهلية، يمثل الدولة –أو الحلم الدائم بها كمضادّ للفوضى. هي المؤسسة الجامعة للطوائف ومختلف الفئات الاجتماعية، وتكاد تكون الوحيدة التي تحظى بإجماع وطني، أياً كان معنى “الإجماع” في بلد مثل لبنان. الجيش، في عيون اللبنانيين بشكل عام، هو الترياق المضاد للأحزاب وزعرانها، للمليشيات، وللسلاح غير المنتمي إلى جهة رسمية، ما يصعّب محاسبة حامله. الجندي، أو حتى الضابط، له مرجعية معروفة، وغالباً ما يلتزم بإجراءات معينة، وحد أدنى من التهذيب، تتيح للمدني توقع نتيجة احتكاكه به، سلباً أم إيجاباً. وفي حال، لسبب ما، لم تجرِ الأمور بسلاسة، فثمة دائماً رتبة أعلى، ومسؤول، ونظام مُدوّن في دفتر ما.. على الأقل، هذا ما يفترضه رجل الشارع. جيشه، أو لنقُل الخطاب المعمّم عن الجيش ومنه، محيّد عن السياسة والطوائف وحزازياتها. الجيش، في المخيال اللبناني، مرتبط بفكرة “السيادة”، لا سيما من بعد –وخصوصاً خلال- الوصاية السورية المباشرة وانتشار القوات السورية في جزء معتبر من الأراضي اللبنانية. ورغم أن للجيش اللبناني عيده الخاص في ذكرى تأسيسه يوم الأول من آب، فهو نجم الاحتفالات الشعبية والرسمية بِعيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني… في حين يحتفل الأميركيون مثلاً بذكرى استقلال الولايات المتحدة (الرابع من تموز) بحفلات الشواء ومباريات البايسبول والألعاب النارية التي يضطلع طاقم البيت الأبيض بتنظيم أضخم عروضها انطلاقاً من الحديقة الرئاسية. الجيش اللبناني رمز “السلم الأهلي”، بصرف النظر عن سيولة التوصيف في الواقع، إذ عاد موحّداً مع انتهاء الحرب. وهو الذي يشعر كثيرون أنه أسبغ “أخلاقه” على من دُمجوا فيه من مسلّحي الحرب بعد “الطائف”، الأمر الذي يعتبرون أنه لا ينطبق بالكامل على من دُمجوا في مختلف الأجهزة الأمنية. ولا يُنسى أن مؤسسة الجيش اللبناني تشكل أماناً وظيفياً للعديد من الشباب، من مختلف الخلفيات والطبقات والمستويات التعليمية، في قطاعاته المدنية كما العسكرية، خصوصاً بعد إلغاء التجنيد الإجباري. بدءاً من برستيج “ابن الدولة”، وصولاً إلى التقديمات الصحية والاجتماعية. وتالياً، فإن عشرات الآلاف من العائلات لا تبالغ حينما تسمّي عناصر الجيش “أولادنا”. أما السوريون… تجربة السوريين (واللبنانيين) مع العسكر السوري تكاد تكون على طرف النقيض، منذ تسلّم “حزب البعث” السلطة رسمياً. التجنيد الإجباري رعب، يُبذل في تأجيله والتهرب منه، الغالي والنفيس. الانضواء في الخدمة، تطوعاً أو تجنيداً، مصير من لا حيلة له ولا خيارات بديلة. وليس للمجندين من غير ذوي الدعم والواسطة، سوى الصلاة كي لا يقعوا في غياهب النسيان بعد انتهاء مدة الخدمة. تكرّس الخوف هذا منذ تفاقم الثورة السورية وتحولها إلى حرب تنشر الفوضى. فما عاد يُعرف المليشيوي الموالي من العسكري النظامي، والمجندون الإجباريون يُرسَلون إلى الجبهة بلا تدريب كاف أو عتاد ملائم، وإذا قُتلوا، فلا ديّة أو حقوق مؤكدة لهم، إلا إن انتموا إلى طائفة أو عائلة متنفذة. وفي ذلك – والحق يقال – هم مساوون للمواطن السوري المفتقر إلى مثل هذه الدعامة. الاحتكاك بالعسكر السوري يتزامن مع توقُّع المهانة والإذلال وربما فرض تقديم “الهدايا” مما تيسّر من أكياس الخبز، وعلب السجائر، والأوراق المالية المتوافرة في المحفظة. الجيش السوري قامع، الجيش السوري مخيف، تهيمن عليه صورة حماة 1982، و”الفروع الأمنية”: تعذيب، قتل، ضرب، تسلّط، تبلّي. عقيدته بعثية وولاؤه لـ”الأب الخالد”، تشاركه في ذلك أجيال تربّت في صفوف “طلائع البعث” و”الشبيبة” في المدارس والجامعات والاتحادات والنقابات. والقواسم التربوية المشتركة هذه، ليست بالضرورة عزيزة على قلوب الأطفال والشباب باستثناء، ربما، من انتمى منهم إلى فئات المستفيدين، أو في ما يندرج ضمن “متلازمة ستوكهولم”. *** تطوّر مهم ومقلق وقع قبل يومين، حينما أعلنت قيادة الجيش اللبناني وفاة أربعة معتقلين سوريين، “قبل بدء التحقيق معهم”، وهم من حصيلة الاعتقالات إثر مداهمة مخيم اللاجئين السوريين في عرسال والتي أسقطت أيضاً قتلى وجرحى مدنيين. وإذ تفيد مصادر عديدة بأن عدد المعتقلين “المتوفين” يفوق الأربعة المعلن عنهم رسمياً، فإن التفسير الذي قدمته القيادة ربطاً “بالأحوال المناخية” و”الحالة الصحية” للمعتقلين تسبب، للمرة الأولى ربما، بموجة استنكار عارمة، لم يتم تظهيرها في وسائل الإعلام، لكنها بلا شك اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي واستدعت وعيد بعض السياسيين وقدامى العسكريين، محذرين من أن “الجيش خط أحمر” وأنه سيتم إسكات من “يتطاول عليه”. ولعله، والحال هذه، لم يكن مستغرباً انتشار شعار “لا لبعثَنَة لبنان” في الشبكات الاجتماعية، فيما شُنّت في المقابل “حملة تأييد” للجيش، بدت معظم منطلقاتها مرتكزة إلى خطاب فاشي، مُطعَّم برُهاب الغرباء، والعنصرية، والطائفية الفجة، والثأرية القبَلية لـ”شهدائنا”، ناهيك عن تبرّؤها من كل المعايير الحقوقية والقانونية بل والإنسانية. ولعل اللافت، اليوم، أن عدداً من الأحداث الداخلية السابقة والتي تدخّل/لم يتدخّل فيها الجيش، لم تُفضِ إلى مثل هذا النقاش، ولو على سبيل التأريخ والمراجعة. بدءاً، على سبيل المثال لا الحصر، من انقسام الجيش طائفياً غداة اندلاع الحرب اللبنانية وتورط أفواجه المختلفة في التقاتل الأهلي. مروراً بأحداث 7 آب 2001، عندما شن الجيش وفرع مخابراته حملة اعتقالات طاولت مئات الناشطين والقياديين في “التيار العوني” و”القوات اللبنانية”، والذين تمحور خطابهم ونشاطهم السياسي آنذاك حول مناهضة “الاحتلال السوري للبنان”. وصولاً إلى الاجتياح المسلّح الذي نفّذه “حزب الله” وحلفاؤه في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان يوم 7 أيار 2008، ووقف خلاله الجيش اللبناني “على الحياد” رغم انتشار قواته في أنحاء العاصمة وعلى تخوم الجبل. لكن، سرعان ما كانت صورة الجيش تتكلل بالأعذار والغفران: إما لظروف الحرب التي تعتبر “استثناء” لا يُقاس عليه. وإما تفهّماً لضغوط الوصاية السورية وأزلامها اللبنانيين، على الجيش وقيادته. أو افتتاناً بـ”حِكمة” الجيش (وفي قول آخر: التسليم بقلّة حيلته) بحيث “تفادى التورط” في النزاعات السياسية الطائفية… والحال، إن “المعارك الوطنية” الفعلية التي خاضها الجيش اللبناني منذ انتهاء الحرب، تركّزت على تجمعات “الغرباء”، وتحديداً الحلقات الأضعف بينهم باعتبارهم “الحيوات العارية” بحسب مصلح جيورجيو أغامبن، كما في مخيم نهر البارد الفلسطيني العام 2007، والآن مخيمات اللجوء السوري. حتى حرب الجيش على الإسلاميين المتطرفين في الضنية العام 2001، ثم على جماعة أحمد الأسير في صيدا العام 2013، سهّلها أنه لا خيمة سياسية-طائفية فعلية فوق رؤوس هؤلاء، وإن لقوا تعاطفاً هنا وتأييداً محدوداً هناك، وبذلك هم “غرباء محليون”. وهذا ليس انتقاصاً من تضحيات الجيش وانتصاراته المخضبة بالدم والخطف، رغم أخطاء وانتهاكات يجب الاعتراف بها. وقطعاً، لا تحريض ولا “تطاول” ههنا على عسكر لبنان، أو صورته الوطنية، إذ لعله الحصن الأخير المتبقي لهذا البلد المضطجع فوق فوالق زلزالية شتى. لكن التحقيق في مسألة وفاة المعتقلين السوريين والذين لم يتسنّ التأكد من تورطهم في نشاط إرهابي، هو أيضاً ضرورة لحماية السِّلم الأهلي الهش. لكنها، للأسف، لم تتبلور كمطلب وطني جدّي، لا في جلسة مجلس الوزراء أمس، ولا في السجال الشعبي والإعلامي. تماماً كما ظلّت فضفاضة مسألة السيادة اللبنانية المتمثلة في انتشار الجيش فوق كامل تراب لبنان وعلى اتساع سمائه، مع الضبط التام للحدود. إذ ما زال مقتل الطيار سامر حنا ماثلاً في الأذهان. وكذلك الموقف الرسمي اللبناني بالنأي بالنفس عن الحرب السورية، في حين يعبر مقاتلو “حزب الله” إليها، كل يوم، براحة وعلانية.. بل وأعلن أمينهم العام، قبل أيام، حتمية استقدام المقاتلين من إيران والعراق واليمن وأفغانستان وباكستان، في ما لو شنّت إسرائيل حرباً على لبنان أو سوريا. ولا يتبقى إلا الأمل: تسلم يا عسكر لبنان.. من البعثنة والمرتزقة.

المدن

 

 

 

بَلادة العيون في متاهة التوحش/ الياس خوري

وسط حملة منظمة على الوجود السوري في لبنان اتخذت شكلا عنصريا يليق بالنظام السياسي الطائفي اللبناني، صفعتنا صور الشبان السوريين الممددين أرضا في عرسال، وهم يتعرضون للتحقيق أو التعذيب، على أيدي عناصر من الجيش اللبناني، على الطريقة السائدة في تراثنا الفوتوغرافي الذي صنعته الهمجية في ذروة تجلياتها في المشرق العربي.

كلمة صفعتنا ليست دقيقة، فأعيننا تبلّدت فيها القدرة على الرؤية، فلقد ألفت وتآلفت مع مشاهد الضرب والقتل والتعذيب والإذلال والتهجير والموت. أن تكون متفرجا لا ضحية هو أقصى ما تطمح إليه، لأنك تعلم في قرارة نفسك أنك ضحية مؤجّلة، وهذا يكفي كي تستمر في عادات انتظارك.

لقد انقسم الناس إلى نصفيين: ناجين وضحايا، الضحية تعلم أنه حكم عليها بالموت أو التشرّد، والناجي يعرف أن نجاته موقتة، لأنه معرض في أي لحظة للتحول إلى ضحية.

حتى الشبيحة الذين يمارسون البشاعات، يعرفون في قرارة أنفسهم أنهم معرضون في أي لحظة للتحول إلى ضحايا.

لا يهدف هذا الكلام إلى تبرئة أحد، بل هو محاولة للوصف، والوصف يحتاج إلى أدواته، التي تهرب من أمامنا من شدة الهول الذي على اللغة التعامل معه. لقد فقدت اللغة قدرتها على إيجاد الكلمات الملائمة، وصارت الصورة هي لغة التخاطب المفهومة.

لا أعلم من سرّب صور التعذيب الوحشي في عرسال، فالمسألة لا تشير فقط إلى ملاحقة إرهابيين من تنظيم «الدولة» (داعش) والنصرة، بل تحمل معاني أكثر عمقا، هدفها أن تستثير غرائز عنصرية لبنانية مكبوتة ضد الشعب السوري، مستعيدة، ولكن هذه المرة على يد دولة لبنانية تشارك المقاومة الإسلامية في حكمها، ذلك الشعار اللعين الذي أطلقته القوات اللبنانية في أحد أزمنة الحرب اللبنانية والذي يقول: «السوري عدوك».

والغائب عن هذا القاموس العنصري هو قتال حزب الله في سوريا دفاعا عن الديكتاتور السوري، إلا إذا كان أساطين التنظير في محور الممانعة قرروا أن بشار الأسد ليس سوريا، وبالتالي فإن منطق الانتقام لا ينطبق على السلالة الأسدية!

يبدو لي أن إخراج السلالة الأسدية من الصفة السورية ليس خاطئا، فالواقع أن هذا النوع من الخطاب العنصري لا وطن له، فالأوطان مجرد قمصان يمكن استبدالها في سبيل إعلاء شأن خطاب عنصري طائفي، لا أفق له سوى تدمير المنطقة.

وهم في ذلك يلتقون مع «داعش» على مستويين: المستوى التقني الذي حوّل الهمجية إلى نظام للحكم والتحكّم، والمستوى الايديولوجي الذي لا يرى في الأوطان سوى معابر إلى دولة الخلافة أو إلى دولة ولاية الفقيه.

نعود إلى عرسال لنتساءل لماذا؟

واللماذا لا تمس الممارسة العملية، فهذا النوع من الممارسات شهدناه على أيدي النظامين السوري والعراقي، والعديد من الأنظمة العربية، كما تحوّل إلى نسق متكامل في مواجهة انتفاضة الشعب السوري ضد الاستبداد، ثم صار ايديولوجية متكاملة مع «إدارة التوحش»، على الطريقة الداعشية، بل تتعلق بنشر الصور وتوزيعها على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما ترون فلقد صار النقاش شكليا، إذ لولا الصور لما توقف أحد عند هذا النوع من الممارسات، فهي ممارسات عربية ودولية تم تشريعها بحكم العادة، وبحكم لجوء الولايات المتحدة إلى تعميم صور التعذيب والإذلال من غوانتنامو إلى أبو غريب بصفتها جزءا من ايقونوغرافيا الخراب في عالم اليوم.

لكن النقاش حول الصورة ليس نقاشا شكليا مثلما نظن، فقد علمتنا تجربتا النظام السوري و«داعش» أن الصورة هي جزء لا يتجزأ من عملية القمع، إذ أنها تهدف إلى إذلال الخصم وترهيبه في آن معا. عليك أن تأتي ذليلا كي تلتحق برعية مملكة الصمت والخوف. من دون صور إجبار الناس على تقبيل صور بشار الأسد وإعلان إلوهيته، ومن دون صور الإعدامات وقطع الرؤوس والرجم والرمي من المباني، فإن كل فكرة إدارة التوحش تصير بلا جدوى.

من سرّب صور الجيش اللبناني في عرسال؟

لا أملك جوابا عن هذا السؤال ولا أريد الدخول في لعبة الاحتمالات، رغم اقتناعي بأن الصور لم يجرِ تسريبها بل وزعت ونُشرت بشكل متعمّد.

الكلام عن المرض اللبناني بالعنصرية، وهو أحد أعراض المرض الطائفي اللبناني المزمن، لا يكفي كي نجيب عن هذا السؤال.

ففي هذا الوطن الصغير الذي يقيم فيه حوالي مليون ونصف مليون لاجئ سوري، فان لعبة الإذلال والانتقام والتشبيح تشير إلى قصر نظر أو إلى مشروع جنوني يهدف إلى سيطرة الطائفة اللبنانية المسلحة على البلد.

قصيرو النظر في «التيار الوطني الحر» الذي أوصل أول رئيس ماروني «قوي» إلى سدة الرئاسة، بعد اتفاق الطائف، يتغرغرون بالانتقام من السوريين، فهم بحكم انعطافتهم الطائفية الحادة، يستثيرون غريزة الانتقام من كل ما هو عربي أو ينتمي إلى الشعوب الفقيرة. مشهدية عرسال المروعة تشفي جزءا من غليلهم، وتجعلهم يستعيدون «حلمهم» بحكم لبنان بحذاء القمع العسكري. إن قصر نظرهم يصور لهم أن المحور الإيراني وُجد من أجل خدمتهم وخدمة كبتهم الطائفي، وهذا يسمح لهم باستعادة الحلم المُجهض الذي صيغ خلال الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، بأنهم يستطيعون استعادة كل السلطة.

أما أصحاب مشروع الاستيلاء على السلطة استنادا إلى الطائفة المسلحة، فإنهم يبدون أكثر هدوءا وعقلانية، فهم واثقون بقوتهم، ومتيقنون من غباء حليفهم «القوي»، لكنهم يرسلون عبر هذه الصور رسالة واضحة بأن القمع والترهيب هما سلاحهم الأخير. وأن قمعهم للسوريين في سورية يجب أن يترافق مع قمع السوريين اللاجئين في لبنان.

هذه هي الحكاية كلها، وهي حكاية ما كان لها أن تتخذ هذه الأبعاد لو رضي قصيرو النظر وحلفاؤهم ببناء مخيمات منظمة وشرعية للاجئين السوريين في لبنان. غياب التنظيم يقود إلى الفوضى التي يمكن التحكّم بها من خلال القمع، أو هكذا يظنون.

هذا الكلام لا ينفي بل يؤكد شعـــوري بالعار أمام هذه المشاهد المروعة. إنه عار لا يمحوه ألف اعتذار، بل يحتاج إلى استعادة مفهوم العدالة الكفيل وحده باخراجنا من متاهة التوحش.

القدس العربي

 

 

 

 

لهذه الأسباب تتم شيطنة اللجوء السوري في لبنان/ علي الأمين

لا يمكن فصل عملية اقتحام الجيش اللبناني لمخيمات اللاجئين السوريين في محيط بلدة عرسال القريبة من الحدود الشرقية مع سوريا، عن الكلام المتصاعد لقيادات حزب الله عن ضرورة التنسيق بين الحكومتين اللبنانية والسورية من أجل التنسيق لعودة اللاجئين إلى سوريا. عرسال ومحيطها كما هو معروف يضمان أكثر من سبعين ألف لاجئ معظمهم قدموا من المقلب الآخر من الحدود أيّ منطقة القلمون السورية التي خاض فيها حزب الله أشرس المعارك ضد الجيش السوري الحر وفصائل المعارضة منذ العام 2013، ونجح في السيطرة عليها بعدما تمّ تدمير معظم الحواضر والبلدات في هذه المنطقة وأشهرها مدينة القصير فضلا عن مناطق أخرى في حمص وريفها.

الجيش اللبناني قبل أيام قام من خلال قوة عسكرية باقتحام المخيم، وسط حملة إعلامية مركزة كان من الصعب خلالها تقصي المعلومات الدقيقة، ففيما تحدث الجيش في بياناته الرسمية عن عملية استباقية استهدفت مخططا جهنميا كان يجري التحضير له في هذه المخيمات ضد مناطق لبنانية، نفت أوساط قريبة من اللاجئين وجود مثل هذا المخطط وتحدثت عن عملية ترويع طالت اللاجئين في هذه المخيمات، وأدّت إلى اعتقال مئات اللاجئين بطريقة وحشية كشفت عنها بعض الصور التي جرى تسريبها خلال هذه العملية وأثرها، كما أنّ بيانات الجيش تحدثت عن خمسة انتحاريين فجروا أنفسهم خلال تنفيذ الجيش عملياته داخل المخيمات ولكن من دون أن يؤدي هذا التفجير إلى سقوط ضحايا من الجيش اللبناني، فيما جرى الحديث عن سقوط طفلة سورية قال الجيش اللبناني إنّها قضت نتيجة التفجير الانتحاري.

للمرة الأولى يمكن الحديث عن عملية عسكرية لا تلقى ردات فعل سلبية من جهات طالما انتقدت عمليات استهداف اللاجئين السوريين. الزعيم الدرزي وليد جنبلاط وحده انتقد استهداف الآمنين في هذه المخيمات داعيا إلى التمييز بينهم وبين المطلوبين، لكنه ما لبث بعد ساعات أن حذف تغريدته، مبررا ذلك بأنه لا يريد أن يساء فهم موقفه، وسوى ذلك خيم الصمت على الجهات السياسية المشاركة في السلطة والتي تفادت تأييد خطوة الجيش أو إدانتها.

وحده حزب الله كان يغرد ويثني على هذه الخطوة ووجه رسالة تهنئة للجيش، بعد أن سرب صورا لطلاب في المدرسة الحربية في الجيش اللبناني وهم يقومون بزيارة إلى أحد مواقعه المدنية والسياحية في مليتا، وهي الزيارة الأولى التي يقوم بها ضباط من الجيش اللبناني لهذا الموقع الذي تمّ إنشاؤه قبل أكثر من عشر سنوات، ولم تكن الزيارة في أصلها وفي توقيتها، مع اقتحام الجيش لمخيمات اللاجئين، إلاّ محاولة من حزب الله لإظهار الجيش اللبناني في موقع المتناغم معه، لا سيما أنّ حزب الله كان من أكثر المؤيدين لخطوة اقتحام مخيمات اللاجئين، لإدراكه أنّ هؤلاء يحملونه مسؤولية تهجيرهم إلى جانب النظام السوري، بعد أن دمرّ بلداتهم وقتل الآلاف من أبنائهم.

لذا خرج نائب أمين عام حزب الله إثر العملية ليطالب الحكومة اللبنانية بالتنسيق مع الحكومة السورية من أجل تأمين “عودة طوعية للاجئين إلى سوريا”، وهذا المطلب ليس جديدا كما هو معروف لكنّه كان مطلبا مرفوضا من قبل أكثر من نصف أعضاء الحكومة الماضية والحالية، انطلاقا من أنّ لبنان لا يريد أن يكون طرفا في الأزمة السورية ويريد أن يكون منسجما مع الموقف العربي الذي اتخذ موقفا مقاطعا لنظام الأسد في سوريا بسبب ارتكاباته ضد شعبه، وعدم نجاح حزب الله في السنوات الماضية في خلق قنوات اتصال علنية ورسمية بين الحكومتين اللبنانية والسورية، لا يمنعه من خلق الظروف الضاغطة التي تساعد بنظره على فتح هذه القنوات، ويتم ذلك من خلال قلب الحقائق، فحزب الله الذي دخل الأراضي السورية عسكريا ورغم الاعتراض الرسمي اللبناني، بدل أن يبدأ من خطوة الخروج من سوريا استجابة لشروط السيادة اللبنانية، يعمل على فرض كل الظروف الضاغطة ليس من أجل عودة السوريين إلى بلادهم بل من أجل إلزام السوريين بالعودة ضمن ما يسميه المصالحات وهي في جوهرها الإقرار من قبل اللاجئين بأنّهم يلتزمون بشروط النظام ويقبلون بشروطه، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر الاعتقال والقتل والانتقام.

ومن جانب آخر يريد حزب الله أن يلزم الحكومة اللبنانية بالعودة إلى حصر العلاقة بالشأن السوري بالنظام نفسه، وهو في هذه المرحلة يستثمر معركة القضاء على الإرهاب الجارية من أجل تعزيز موقع الأسد في المعادلة ومن خلال مواقع تأثيره أي لبنان.

ومن المعروف أيضا أنّ فلول تنظيم داعش وتنظيم جبهة النصرة ما زالت تتواجد في بعض المناطق الحدودية من الجانب الشرقي، وهذه التنظيمات التي لا يمكن النظر إلى معنى تواجدها ونشأتها في سوريا وفي هذه المناطق على أنقاض الجيش الحر، إلا لكونها ساهمت بوعي وبغير وعي في تمدد النظام السوري وفي شيطنة اللاجئين السوريين في لبنان، وكانت أداة طيعة في توفير الحجج والذرائع لنظام الأسد وحلفائه في كثير من محطات الحرب على هذه الحدود. بل يمكن القول إنّ نشأة هذه التنظيمات تمت إلى حد بعيد بدعم من نظام الأسد وحلفائه ضمن الاستراتيجية التي لا تزال مستمرة والقائمة على أن تغطية فظائع نظام الأسد ضد شعبه لا يمكن أن تتم إلا بمحاولة خلق تنظيمات تحترف القتل وقابلة للشيطنة.

لبنان في المرحلة المقبلة يجري تحضيره بوسائل شتى إعلامية وسياسية واجتماعية ومخابراتية لمواجهة مع اللاجئين، ويتم ذلك من خلال تضخيم آثار وجود اللاجئين على البلد، من خلال شيطنة هذا الوجود على الكيان اللبناني، وعبر بث الشائعات وتضخيم أحداث معينة ولصقها بالوجود السوري في لبنان، ومحاولة تحميل اللاجئين مسؤولية الأزمات اللبنانية الاقتصادية والمالية والبطالة، وهو سلوك خبيث من قبل السلطة للتغطية على فسادها وتقصيرها، وللتغطية أيضا على الارتكاب الاستراتيجي المتمثل بتدخل حزب الله في سوريا والذي ساهم في تعميق الشرخ النفسي والاجتماعي بين فئة كبيرة من السوريين وفئة كبيرة من اللبنانيين، ويحاول حزب الله اليوم أن يجعله شرخا لبنانيا سوريا لغاية توريط اللبنانيين في هذا العداء الذي صنعه بالأساس تدخله الفج في الأزمة السورية.

تحويل حياة اللاجئين السوريين في لبنان إلى ما يشبه الجحيم هو الهدف الذي تتجه إليه السياسة اللبنانية والتي يدفع حزب الله نحوها، والغاية منه جعل العودة إلى العيش تحت سلطة نظام الأسد أفضل من البقاء في لبنان، فالمعادلة هي ذاتها إمّا داعش وإما الأسد، وفي لبنان إمّا البؤس والاعتقال أو العودة إلى الأسد. فبعد يومين على اقتحام مخيمات عرسال، احترقت مئات الخيام التي تقيم فيها عائلات سورية في البقاع الأوسط، ومن دون أن تعرف الأسباب إلا أن ذلك يصب في خيار الدفع باتجاه جعل الحياة صعبة إن لم تكن مستحيلة للاجئين السوريين في لبنان، وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه الحوادث التي تطال اللاجئين تتم في مناطق تشكل بيئة حاضنة لهم، وهذا أمر ليس بريئا باعتبار أن الشرخ لم يعد بين بيئة حزب الله والسوريين، بل أيضا في بيئات معروفة بانحيازها إلى تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري.

كاتب لبناني

العرب

 

 

لبنان من هو؟ بقلم المحامية ديالا شحادة. عن جريمة عرسال التي ارتكبها الجيش اللبناني.

لبنانُ من هو؟

أكتب هذا النصّ المُسهَب بتمهّل منذ الساعة الثالثة فجرا، وأنا جالسة في قسم الطوارئ في مستشفى أوتيل ديو في بيروت. لا تقلقوا. حالتي الجسدية ممتازة، رغم بعض الإنهاك والكثير من الخيبة. وحالتي النفسية أفضل الآن بعد انسحاب آخر عناصر مخابرات الجيش اللبناني المدججين بالسلاح من صرح المستشفى قبل أربع ساعات. حالتي النفسية أفضل لأنني، ومساعدتي الإدارية (التي وفَّرت لها إدارة المشفى المحترم مكاناً للنوم)، كنّا (ولعلّنا لم نزل، بشكلٍ ما) شبه محاصرتين في المستشفى ومخابرات الجيش تتربّص بِنَا على أبوابه الداخلية والخارجية. تتربص بِنَا لأننا، بكل بساطة، شاركنا في تنفيذ قرار قضائي معجّل نافذ على أصله صادر عن قاضي الأمور المستعجلة في زحلة الرئيس أنطوان أبي زيد. أجل. يا لسوء نيّتنا.

القرار المعجّل والمحقّ، الذي استجاب فوراً لطلب تقدم به مكتبنا أمس بموجب وكالات قضائية عن ذوي كل من المواطنين السوريين المتوفّين مصطفى عبد الكريم العبسي، وخالد حسين المليص، وأنس حسين الحسيكي، قضى بتكليف طبيب شرعي محلّف، الجرّاح المخضرم ريمون خزاقة، بإجراء كشف طبي على جثث هؤلاء المودعة في برادات مستشفى زحلة الحكومي، وذلك “لبيان سبب وفاة” أصحابها. طلبنا الكشف الطبي لأن التقارير الطبية الشرعية التي أجريت لهؤلاء بتاريخ ٢/٧/٢٠١٧، أي بعد أقل من ٤٨ ساعة على توقيفهم احتياطياً ضمن المداهمات الواسعة التي استهدفت مخيمات وبيوت اللاجئين السوريين في عرسال قبل أسبوع، والتي استحصلنا على نسخ عنها أمس فقط بإذن من النيابة العامة العسكرية، خلصت إلى أن أسباب الوفاة طبيعية مئة بالمئة: جلطة قلبية، وجرحة قلبية، وجلطة دماغية، و”لا آثار للعنف”. هكذا. تقرير طبي شرعي اكتفى بصفحة ونصف عن كل وفية.

أعتقد أنه من قبيل المعجزة الإلهية أن يموت ثلاثة أشخاص أصحاء بشهادة أسرهم ومعارفهم (بينهم ممرض تخدير لا يسكن أصلاً في المخيمات) في غضون ٤٨ ساعة من توقيفهم احتياطياً، وفي مكان واحد، ومن قبل جهة واحدة، جميعهم لأسباب “طبيعية”. ولا أعتقد أنه ثمة من يُؤْمِن بالمعجزات بين اللاجئين السوريين على أيّ حال. ولكننا كنّا لم نزلْ، حتى الأمس، نؤمن بأن الموضوعية والحقيقة ضالتا العدالة وبأن سيادة القانون صمّام الأمن والأمان. فلم نستعجل ولَم نتكهن ولَم نتحامل، وإنما طلبنا من القضاء منح ذوي الجثث الحق بمعرفة الحقيقة. وهكذا كان.

المهم. قام الطبيب المكلَّف من قضاء العجلة في زحلة بمهمته الأولية في برادات مستشفى زحلة الحكومي. كشف على الجثث، وقام بتصويرها، واستخرج عيّناتٍ منها، ووضّبها أصولاً، وكلَّف موظفاً طبياً بإيصالها معنا إلى مستشفى أوتيل ديو في بيروت. كلّ ذلك وأنا أشعر بأن لبنان لم يزل، نوعاً ما، إلى حدّ ما، بخير. فها هو القضاء يستجيب بسرعة في قضية حسّاسة أبكت اللاجئين السوريين في عرسال، وأمرَ رئيس الحكومة بإجراء تحقيق جدي حولها، وضجّ الرأي العام المحلي والدولي بها قبل أيام. وَيَا لسذاجتنا.

قبل قليل من وصولنا مع الموظف المكلَّف والعينات الموضبة إلى بيروت نزولاً من زحلة، اتصل بِنَا الطبيب المكلَّف. كان منفعلاً وطلب منا العودة بالعينات فوراً. قال إن رئيس النيابة العامة العسكرية القاضي صقر صقر خابره وأمره بعدم السماح بوصول العينات إلى مستشفى أوتيل ديو وبإعادتها لأنها، النيابة العامة العسكرية، هي المخوّلة بمنح إذنٍ كهذا. هاتفنا القاضي أبي زيد وأبلغناه بما حصل فأجاب بأن قراره قانوني ويجدر الاستمرار في تنفيذه وبلّغ الموظف الذي معنا بذلك مباشرة على الهاتف. واصلنا طريقنا فاتصلت بالموظف مخابرات الجيش وطلب الشاب اللبق على الهاتف اسمي ورقم هاتفي وسألني: “إنتِ من وين؟”. أجبته: “أنا محامية لبنانية مسجَّلة لدى نقابة بيروت”. طلب أسماء فريق عملي فامتنعت عن تزويده بها. أجاب بأن قائد الشرطة العسكرية في البقاع العميد عازار سيتصل بي على رقمي. لم يتصل بي أحد وإنما اتصلت إدارة مستشفى زحلة الحكومي بالموظف الذي معنا وطلبت إليه “التوقف في مكانه”. توالت الاتصالات المقلقة على الموظف الذي استقال في النهاية من مهمته القانونية وطلب النزول من السيارة وسط أوتوستراد خطر.

وصلنا إلى مستشفى أوتيل ديو حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً. أبرزتُ لإدارة المشفى أوراقي القضائية والرسمية والثبوتية وباشرنا الإجراءات الإدارية لحفظ العينات في البرادات. نقلنا العينات الموضّبة إلى غرفة تسجيل الدخول وانتظرت مساعدتي هناك ريثما أتابع الإجراءات الروتينية. فجأة، ظهر شابان واثقان بنفسيهما وسألاني: أنتِ المحامية الفلانية؟ أين هي العينات؟ سألتهم عن صفتهما. أجابا: نحن مخابرات الجيش. طلبت منهما إثبات صفتهما فأبرزا، عن بعد، بطاقة لم يسمحا لي بالتمعن فيها وقال الأقل لباقة بينهما بتذاكي: ألا ترين الأرزة الخضراء؟ وطلب الأكثر لباقة الاجتماع بي على حدى فرافقتنا موظفة إدارية إلى غرفة مغلقة حيث أطلعته على القرار القضائي الذي بحوزتي. أبلغني بأنهم مكلّفين ب”أخذ العينات بأي طريقة”. أجبت: لديّ قرار قضائي يعلو على أي قرار، فردّ بأن قرار مخابرات الجيش هو الذي يعلو على أيّ قرار.

مرّت ساعة مشحونة واصلتُ فيها الامتناع عن الإفصاح عن مكان وجود العينات وتسليمها من دون قرار قضائي رسمي. تعرّض طبيب وموظفة في هذه الأثناء لترهيبٍ وتهويل بسبب إصرارهما (الصادق) بأن المستشفى لم يتسلَّم أي عينات. وسط احتقان مقنّع بتمالك النفس راح رجال مخابرات الجيش الذين تضاعف عددهم حتى زاد عن العشرة عناصر بالزي المدني داخل قسم الطوارئ يجرون اتصالاتهم ويلاحقون خطواتي، ومثلهم فعلت. هاتفتُ محامين وحقوقيين وناشطين ورجال أمن وإعلاميين. كان القاضي أبي زيد قد أغلق هاتفه، على ما يبدو تجنباً لأي ضغوط. في النهاية هاتفتُ المدعي العام التمييزي الرئيس سمير حمود الذي طلب إليّ تسليم العينات لمخابرات الجيش لأن القضاء العسكري، لا قضاء العجلة، هو المخول بإجراء تحقيقاتٍ كهذه، قال. طلبتُ إليه أن يأمر بحفظها في برادات أوتيل ديو مؤقتاً كي لا تفسد. أجاب بأنه سيتمّ حفظها في المستشفى العسكري.

نزولاً عند طلب المدعي العام التمييزي وافقتُ على تسليم العينات طالبةً من الطبيب زغبي، المدير المسؤول عن قسم الطوارئ، أن يشهد على عملية التسلّم والتسليم التي قمتُ بتوثيقها بهاتفي وسط اعتراض عنيف من عناصر مخابرات الجيش. في هذه الأثناء تم التنبه إلى مساعدتي فقام العنصر الأقل لباقة المذكور سابقاً بتصويرها بهاتفه واستفزازها بتصرفاتٍ سخيفة. طلب إليّ عنصر طويل القامة وصل حديثاً وكان الأكثر عدوانية أن “أحترمَ نفسي وإلا”، وذلك بعدما كنت قد سلمت العينات بالفعل. اجتمع بعدها عناصر عدة مع الدكتور زغيب في غرفة ضيقة لنحو نصف ساعة ومدّ أحدهم رأسه منها في لحظةٍ وصرخ بي مهدداً أن أبتعدَ عن الباب.

كل ذلك فيما كانت التصرفات العدوانية ترهب فريق المستشفى وروّاد قسم الطوارئ، بمن فيهم موظفة تجادلت غير مرة بغضب مع العناصر. احتضن الفريق مساعدتي في غرفة داخلية بعدما راح أحد العناصر يلاحقها حتى إلى باب دورة المياه. رحل بعض العناصر بالعينات وبقي عدد لا بأس به منتشرا لأكثر من ساعتين داخل أروقة المستشفى وعلى أبوابه الداخلية والخارجية كالمتربصين بِنَا، مساعدتي وأنا. احتضننا فريق المستشفى ونصحونا بعدم المغادرة. اتصلتُ بنقيب المحامين في بيروت وشرحتُ له الموقف وطلبتُ الحماية فأجابني بأنه سيهاتف الرئيس صقر في الصباح. استمرّ التربص حتى نحو الساعة الثالثة صباحا حين تنبهت إلى وجود آلية عسكرية وشابين مدججين بالسلاح في صرح المستشفى أمام بابها الداخلي. قمتُ بتصويرهم بهاتفي فدنا مني عنصر ثالث مدني بسرعة وطلب مني تسليم هاتفي. ولما امتعنت، قال لي الشاب الذي بالكاد تجاوز العشرين: “إذا محامية أنا فيني إذا بدّي إستغني عن حصانتك”. فقدتُ أعصابي وصرختُ بكل طاقتي بعباراتٍ أجدها الآن واهية وساذجة، على وزن: “هيدا بلد بيحكمه القانون مش واحد حامل رشاش”. انسحبت العناصر الباقية لكننا بقينا في المستشفى ولَم نزل حتى الآن.

طلع النهار. جلستُ في الخارج أشربُ القهوة وأدخّن وأفكّر. متى أصبح المواطنون اللبنانيون ومخابرات الجيش اللبناني فريقين لا يثقان الواحد بالآخر؟ كان رواد المستشفى وفريقه ينظرون إلى المجموعة المداهمة لا نظرة مواطنٍ لمن يحفظ أمنه بإخلاص، وإنما نظرة توجّسٍ واستنكار. وأفكّر، أنا التي اخترتُ العودة قبل أربعة أعوام إلى وطني الذي أحبّ، كيف صار لبنان الذي صاغ بمفرده مع ثلاث دولٍ أخرى، فقط، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قبل ستة عقود، لبنان اليوم، الذي، ليس لبنان المواطنين، وإنما لبنان الأجهزة الأمنية.

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...