الرئيسية / صفحات العالم / عن الولايات المتحدة و”داعش” –مجموعة مقالات-

عن الولايات المتحدة و”داعش” –مجموعة مقالات-

بين أوباما و”داعش”/ حـازم صـاغيـّة

نُسب إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما أنّه قال في قمّة كامب ديفيد الأخيرة، إنّ الأميركيّين غير مهتمّين بقضايا الشرق الأوسط والعالم العربيّ. والتتمّة المنطقيّة والضمنيّة لكلام كهذا هي أنّ سياسة أوباما – التي نرى نحن فيها سياسة ما دون حدّ أدنى – إنّما هي سياسة حدّ أقصى في نظر الأميركيّين، وأنّ أوباما بالتالي إنّما يجرّ رأيه العامّ وشعبه إلى مواقع “تورّط” لا يريدانها.

قبل ذاك، وفي المقابلة التي كان أجراها معه الصحافيّ وكاتب العمود في “نيويورك تايمز”، توماس فريدمان، أشار الرئيس الأميركيّ إلى دور الأنظمة العربيّة ومسؤوليّاتها حيال التحدّيات الداخليّة التي تواجهها، وضرورة عدم الاقتصار، لدى تعداد الأخطار، على التحدّي الإيرانيّ.

وثمّة من يرى في هذا التوجّه، معبَّراً عنه بالفقرتين أعلاه، نوعاً من إحالة المنطقة إلى إيران بعد إنجاز الاتّفاق النوويّ معها في أواخر حزيران (يونيو) المقبل. فطهران، بحسب هذا التقدير، هي التي ستغدو شرطيّ المنطقة لمصلحة الولايات المتّحدة. وثمّة من يستنتج مستطرداً أنّ هناك تواطؤاً أميركيّاً – إيرانيّاً على ترك “داعش” تنتصر وتتمدّد، بدليل أنّ قافلتها إلى الرمادي لم تتعرّض لأيّ قصف جويّ.

وقد يجوز النقاش إلى ما لا نهاية في هذه التقديرات، وفي ما إذا كانت تصيب الدقّة أو تعبّر عن هواجس ووساوس تضرب جذرها في مواقف “ثقافيّة” من أميركا (ومن إيران).

إلاّ أنّ ثمّة شيئاً يكاد يكون مؤكّداً، هو أنّ أوباما يستطلع بنارنا وضع المجتمعات العربيّة وقدرتها، فضلاً عن الأنظمة والحكومات.

وهو استطلاع لا يخلو من قسوة ومن سينيكيّة ومن استعداد للتخلّي عن جزء من الدور العالميّ المنسوب إلى الولايات المتّحدة، وإن كان ينسجم مع رغبات رأي عامّ أميركيّ وغربيّ لا يريد “التورّط” معنا. وهذه العناصر تجتمع في الموقف الأميركيّ، المؤيّد والمتحفّظ في وقت واحد، من الحرب السعوديّة – الخليجيّة في اليمن.

لكنْ إذا كان الكلام عن تواطؤ أميركيّ مع “داعش” قابلاً لأن يكون مبالغة غير مقنعة، فالمقنع جدّاً هو الكلام عن تواطؤ داعشيّ مع أميركا بمعنى محدّد: ذاك أنّ المجتمعات العربيّة، كما تقدّم “داعش” صورتها، تجعل مهمّة الاستطلاع الأميركيّة فاشلة سلفاً، وتقلّل من رغبة الراغبين الغربيّين في التدخّل، أكانوا صانعين للقرار السياسيّ أم رأياً عامّاً.

ذاك أنّ الرسالة التي توصلها “داعش” وأخواتها إلى العالم مفادها أنّ منطقتنا خُلقت للحروب والعنف والتدمير، وبها تمضي إلى ما لا نهاية. وهي، من دون شكّ، رسالة مبسّطة تعوزها الدقّة وتفتقر إلى التعقيد. إلاّ أنّ مسؤوليّة البرهنة على ذلك تقع علينا، شعوب هذه المنطقة، قبل أن تقع على الولايات المتّحدة.

موقع لبنان ناو

 

 

 

القيم البائسة في السياسة الأميركيّة إزاء الشرق الأوسط/ حسن منيمنة

ما كشف عنه الإعلامي اللبناني نديم قطيش، حين عرض على الشاشة يوم الاثنين الماضي، رسالة تتحدث عن تبديل في أولويات السياسة الأميركية، مسألة تستحق التوقف عندها لما تمثله من إمعان في التهاوي من جانب حكومة الرئيس باراك أوباما نحو الحضيض المعنوي، والتخلّي الممنهج عن القيم التي تفاخر الولايات المتحدة بأنها قامت عليها.

الرسالة وجّهتها الشهر الماضي إحدى مؤسسات الدعم الأميركية الى الناشط المدني اللبناني لقمان سليم، تبلغه فيها بإنهاء ما تقدّمه لمؤسسته من دعم، وذلك بعد قرار من وزارة الخارجية بالتخلّي عن تأييد الأصوات الشيعية المعتدلة في لبنان.

وبالفعل، فإن لقمان سليم من عائلة شيعية لبنانية عريقة. غير أن تصنيفه «شيعياً معتدلاً» لا يرتكز على طبيعة ما يقوم به من نشاط، إذ تشمل البرامج التي تنفذها مؤسسته المواطنين من دون اعتبار لطائفتهم، وتعمل على توطيد الحس المدني والروح التعاضدية البعيدة من أي اعتبار فئوي. فاستحقاقه الصفة الشيعية في العمل السياسي، عائد إلى قراءة تعسفية قاصرة في واشنطن تختزل الفرد، أقلّه إذا كان من الشرق الأوسط، بانتمائه الطائفي.

وهي نفسها القراءة التسطيحية التي مارسها ولا يزال بعض أصحاب القرار في واشنطن، من هواة التأريخ اللامسؤول، حين قرّروا أن العراق، إذ هو وريث ثلاث محافظات عثمانية، يتألف من ثلاثة مكونات فئوية بحيث تجوز إعادة فرزه للعودة إلى التقسيم الثلاثي، في تجاهل مؤلم لخطوط التماس المتداخلة وللتواصلات المتقاطعة في الواقع الاجتماعي العراقي.

هي مقولة نائب الرئيس الحالي جو بايدن، الذي يفاخر بأنه من ذوي الاطلاع على الشؤون الدولية، والذي يثابر على تأكيد نقاء قراءته والدفع باتجاه تحقيقها، وإن كان الثمن التفريط بوطن سدّد أهله ثمناً باهظاً على مرّ العقود لتتشكل لهم هوية جامعة قبل أن يعبث بها أصحاب الهوايات والأهواء.

فالحاصل هنا، وفي حالات تتكرر في صياغة القرار السياسي في الولايات المتحدة، هي المعرفة المجزوءة التي يجازف صاحبها، ليبرهن عن جسارة ومهارة في موقع القيادة، في اتخاذ المواقف شبه الارتجالية، من دون اعتبار لما قد تتسبب به من ضرر. فالقيمة البائسة هنا هي غياب التواضع فكراً وفعلاً، وإن مال البعض في الثقافة العربية إلى عدم تصديق عمق هذا العيب، فاستبدلوه بقناعة ليس لها ما يثبتها عن اكتمال معرفة مقرون بسوء نوايا.

غير أن بؤس هذه السمة، أي غياب التواضع، يبدو ضئيلاً أمام السقوط الأخلاقي والمعنوي الذي يشكّله التبديل في السياسة نحو التخلّي عن دعم الاعتدال، بغضّ النظر عن صواب التقييم، في خضمّ المفاوضات مع إيران. إذ ليس من التجنّي أو المجازفة بالربط أن يُقرن بين هذا التخلي، والذي هو كما تفيد الرسالة ساري المفعول على الفور وإلى أجل غير مسمّى، وبين رغبة حكومة الرئيس أوباما في استرضاء الجانب الإيراني في سعي إلى الاستحصال على اتفاقية معه.

هو نفسه الرئيس البليغ الذي رسم الخطوط الحمراء للنظام القمعي في دمشق بعيداً من المتوقع، بما يقيه الحاجة إلى التدخل، ليجد نفسه وقد أخطأ الحساب، فالخطوط الحمراء جرى تجاوزها بأرواح ضحايا الغازات السامة. ولكن بدلاً من العقاب الموعود، وفي أعقاب مفاخرته بالاستثنائية الأخلاقية التي تلزمه التحرك انطلاقاً من القيم، يعقد الرئيس أوباما الصفقة ليخرج القاتل سالماً غانماً ويستمر بالقتل لعامين إضافيين أو ما يقارب. والقيمة البائسة هنا هي النفاق. إذ مهما اجتهد من أراد إحسان الظن بأوباما في محاولة إيجاد الأعذار، لا يبدو أن ثمة ما يفسّر صمت هذا الرئيس، الذكي بشهادة كل من التقاه وسمعه، عن النتائج السلبية لقراره والمتحققة في سورية، فيما هو ينعم برواية دعائية تعفيه من التدخل.

فمن يغضّ النظر عن مقتل مئات الآلاف وتدمير وطن بأكمله، لا حرج لديه بطبيعة الحال أن يقطع الدعم عن ناشطين مدنيين توهموا أن خطاب الرئيس الحافل بالمبادئ يلزمه أن يضع مبادئه هذه موضع التنفيذ.

والكلام الواقعي لتأطير هذه المجريات، اعتذاراً لأوباما، هو الدعوة إلى التعقل، فالسياسة بطبيعة الحال رهن المصالح بمعرفة الجميع، ولا يجوز بالتالي استهجان أن يعمد الرئيس إلى أن يوازن المصالح برمّتها. فإن جرى التفريط ظاهراً بإحداها تفصيلاً، فإن ذلك يعود إلى رغبة صادقة في تحقيق النتائج الإيجابية جميعها إجمالاً. وهنا موطن القيم وموضع الحكم عليها، لا الخطوة الفردية التي قد تعلو وتنخفض.

غير أن هذه الحجة ينفرط عقدها عند التمحيص. فمنذ تولى فخامته منصب الرئاسة، والولايات المتحدة تفتقد السياسة الخارجية المقنعة للخصوم والأصدقاء على حد سواء. بل هي برأي كثر، ومن دون تحفّظ، كارثة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة ستستغرق الحكومات القادمة أعواماً طويلة لمعالجتها. ومجدداً، فإن هذا الرئيس مميز بذكائه، فلا يجوز اعتبار مسلكه نتيجة هفوة أو خطأ آني. بل فيه، وبإصرار، إظهار لقيمة بائسة أخرى هي الاستهتار بمصالح الآخرين، والرئيس أوباما وضعها موضع التنفيذ في شكل غير مسبوق في القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط، انطلاقاً من قناعة بأن استقلالية بلاده على صعيد الطاقة على الأبواب، وبأن الانسحاب من هذه المنطقة، والإسراع في الترتيبات التعويضية هما السبيل الأنجع. وإذا تطلب الأمر خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، كما في الاجتماع الأخير في كامب ديفيد، فليكن.

وعلى الخلاف من التصوير السلبي المتكرر للولايات المتحدة في الخطاب السياسي العربي، فإن المجتمع والثقافة فيـــها قائمان على تأكيد مركزية القيم في صياغة الموقف السياسي، وإن جاءت الوقائع العملية أحـــياناً أدنى من مقتـــضيات التـــأكيد النـــظري. فالسمات البائسة التي تتكشف عند النظر في مسلك الحكومة الأميركية إزاء الشرق الأوســط اليوم، أي غياب التواضع والنفاق والاستهتار بمصلحة الآخرين، تتعارض مع الصورة الذاتية السائدة في الولايات المتحدة. غير أنه مع استمرار مسرح الرعب المتواصل القائم في ما يبدو في المدى المنظور في المنطقة، فإن الدافع في الأوساط الثقافية والاجتماعية الأميركية إلى تبيُّن تعارض سياسات الحكومة مع منظومة القيم، سيبقى غائباً.

الحياة

 

 

 

 

حَدَثَ في الرمادي وتدمر/ خالد غزال

في مدى زمني لا يتجاوز الأسبوع، صدرت قرارات عراقية وسورية للقوى النظامية الموجودة في الرمادي العراقية وتدمر السورية، بالانسحاب من مواقعها وتسليم المدينتين الى تنظيم الدولة الإسلامية «داعش». تبدو حجج النظامين متهافتة في تبرير سقوط المدينتين، لأن قيادات رسمية عراقية تتحدث علناً عن تخاذل فيما يذهب بعضها في وصف ما حدث بأنه خيانة. وما حدث في المدينتين يعيد الى الذاكرة ما جرى في فلسطين عام 1948، عندما أعطيت الأوامر الى الجيوش العربية بالانسحاب وتسليم فلسطين الى العصابات الصهيونية.

بالمعنى الاستراتيجي، يعتبر سقوط المدينتين في يد «داعش» خسارة كبرى، فسقوط الرمادي يشكل أحد الأخطار الفعلية لتمدّد التنظيم المتطرف الى بغداد وكربلاء، بل يقوّي من مركز التنظيم في العراق بعد أن سيطر على الموصل. أما سقوط تدمر، فبصرف النظر عن التهويل بالأخطار على الآثار، فإن سقوط المدينة أتاح للتنظيم توسيع مساحة سيطرته في سورية، وربط المساحات الجغرافية الجديدة بالعراق، ما يعطي التنظيم موقعاً قوياً ومدّ سلطة دولته وإلغاء الحدود التي صنعتها اتفاقات سايكس بيكو في مطلع القرن الماضي. إذا كان النظامان العراقي والسوري، يدركان معاني ودلالات سقوط المدينتين، فلماذا سمحا بهذا السقوط، بل وعملا على إنجاحه؟

بالمعنى السياسي والاستراتيجي، يمكن الحديث من دون وجل عن مؤامرة موصوفة كانت وراء سقوط المدينتين. عراقياً، يكمن وراء الموقف قرار إيراني واضح الأهداف. فالعراق اليوم، وعلى رغم تغيير رئيس الوزراء نوري المالكي لصالح العبادي الذي يجري إلباسه ثوب الاستقلالية النسبية عن إيران، إلا أن الواقع على الأرض يشي يومياً بأن القيادات العسكرية والأمنية ذات ارتباط إيراني أكثر منها عراقي. فور سقوط الرمادي، أسرع وزير الدفاع الإيراني بالمجيء الى بغداد، مصحوباً بمعلومات عن دخول قوات نظامية إيرانية الى العراق. ما يؤشر الى مسؤولية النظام الإيراني عما حصل في الرمادي، أن إيران التي تعتبر العراق مدى حيوياً أساسياً لنفوذها السياسي والاقتصادي والمذهبي، تتوسل تسعير الصراع المذهبي لتكريس سيطرتها. إن هزيمة الجيش العراقي أمام «داعش»، جرى اعتبارها هروباً لجيش ينتمي الى «المذهب السني» المتعاطف مع «داعش»، وأن خلاص العراق وهزيمة «داعش» لن يقوم بهما سوى القوى المنتسبة الى «المذهب الشيعي»، عبر القوات الإيرانية وبالتعاون مع ما يُعرف بـ «الحشد الشعبي» في العراق ذي الانتماء المذهبي الشيعي أيضاً. فور سقوط المدينة، ارتفعت الأصوات المنادية بالمساعدة الإيرانية المباشرة، وبتجييش الحشد الشعبي للذهاب الى الرمادي وتحريرها من «داعش». ستضمن هذه الخطة مشروعية الهيمنة الإيرانية في العراق، وتقديم نفسها المخلّص للشعب العراقي من الإرهاب.

لا يبدو الأمر بحاجة كبيرة الى تفسير السلوك السوري في تسليم المدينة. كان «داعش» صناعة سورية بامتياز، وكان هدفه إظهار انتفاضة الشعب السوري حركة إرهابية. وقد نجح النظام الى حدّ بعيد في مخططه. اليوم، وفي ظل تهاوي مواقع النظام العسكرية وتهديد نظامه نفسه، دفع بخطته صعوداً من خلال مدينة تدمر. فالمدينة تستثير وضعاً دولياً بالنظر الى موقعها التاريخي والآثار التي تتضمنها، وتوسع «داعش» جغرافياً لن يكون له الأثر السلبي في النظام بمقدار ما يؤثر في وضع المعارضة عبر تقطيع طرق إمداداتها، خصوصاً أن النظام بات محدداً لجغرافية سيطرته الحالية ويسعى الى الحفاظ عليها فقط. من ناحية أخرى، يضع النظام التحالف الدولي والعالم أمام الابتزاز الذي يتقنه: إما حماية النظام السوري ومساعدته، وإما سيطرة الإرهاب وتمدّده. لقد نجح سابقاً في تقديم هذه المعادلة، وهو اليوم يعيد المسلك نفسه.

في هذه المعمعة، لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية ومعها التحالف الدولي، في قلق كبير مما يحصل. فالسلوك الأميركي لا يزال يتعاطى مع المعركة ضد الإرهاب بمنطق إدارة هذا الإرهاب وتقنين مواطن التدخل بما لا ينهي المعركة، سواء من خلال التلكؤ في دعم القوى العراقية في الأنبار، أو من خلال حجز التسليح النوعي عن قوى المعارضة السورية التي يمكن لها أن تغير موازين القوى على الأرض. تتصرف الولايات المتحدة وفق منطق عدم الاستعداد لدفع كلفة بشرية من قواتها أو قوات التحالف، وليستمر التقاتل على الأرض وليجر إنهاك جميع القوى، فلا أخطار من انفلات أي منها خارج السرب الأميركي. فهذه المعارك تستنزف المجتمعات العربية في بشرها وثرواتها وبناها التحتية… والشركات الأميركية جاهزة لاحقاً لإعادة الإعمار.

لا يمكن هزيمة «داعش» ومن معه من دون إسقاط النظام الأسدي، فكل واحد يتغذى من الآخر، وهما وجهان لعملة واحدة: «داعش» هو النظام والنظام هو «داعش». كما لا يمكن هزيمة «داعش» في العراق من دون انكفاء إيران عن تدخلها وطموحاتها في جعل بغداد عاصمة لإمبراطوريتها. كما في سورية، النظام الإيراني و «داعش» وجهان لعملة واحدة.

* كاتب لبناني

الحياة

 

 

 

 

الانهيارات العربية واللاصدقيّة الأميركيّة!/ الياس الديري

هنيئاً للشعوب والدول، ولكل مَنْ لا يحتاج إلى مساعدة من أميركا في يوم من الأيام، عسكريّة كانت أم سياسيّة أم مالية أم معنوية. وإلا، فإن الخيبة في انتظاره خلف الباب كما التخلّي عنه في ليلة لا قمر فيها ولا نجوم.

ومَنْ يحتاج إلى شاهد حيّ، لا يزال يُعالج ما حلَّ به من مصائب نتيجة حاجته في ساعة تخلٍّ إلى مساعدة أميركية، فها هو لبنان بفراغه الرئاسي والشلل الاقتصادي الذي يُسربله مع تعطيل كل مؤسساته جاهزٌ للإدلاء بإفادته الصادقة من غير أن يُقسم اليمين.

فحالته الحاضرة التي تتفرّج عليها واشنطن منذ أعوام وعقود تُغني عن كل شرح في هذا الصدد…

في كل حال، ها هي أميركا ذاتها التي لا يثق بها حتى أقرب الشعوب والدول إليها تقدِّم النموذج الأميركي ذاته، وبفشل ذريع، في سوريا والعراق وليبيا واليمن وحتى في مصر، ناهيك بلبنان وفيتنام وخليج الخنازير بين ميامي وكوبا وأفغانستان… وفي كل مكان وطَأته أساطيل الدولة العظمى التي لا تفي بوعد، ولا تصمد مع حليف، ولا تحلِب صافياً مع مَنْ تزجّه وعودها في ورْطة.

لقد تمزّق العراق بفضل ذيول الغزوة الأميركية التي شنّها الرئيس جورج دبليو بوش. وتمزّقت سوريا لاحقاً نتيجة سياسة اللاسياسة واللاقرار التي اتخذها الرئيس باراك أوباما، واضطرته إلى أن يغيّر قراراته ثلاث مرات في النهار الواحد أحيانا.

على رغم ذلك، صبّت الإدارة الأميركية جامَ غضبها على الجيش العراقي المُشرذم، والمنتوف الريش، والمجرّد من أي سلاح صالح للحروب الفعلية، كونه لم يكن عند حسن ظنّها في القتال ضد “داعش”، وحيث لم تتحرّك مقاتلات التحالف الدولي طوال الفترة التي استغرقها مقاتلو “داعش” لاحتلال الرمادي.

الأميركيون مصرّون على أن الجيش العراقي مسؤول للغاية، فهو أظهر للملأ عدم استعداده للقتال ضد جيوش “الدولة الاسلامية”، فيما أكدت دول الخليج ودول أوروبية أن الغارات التي “ينقّطها” التحالف الدولي على نمط التجوال السياحي لا تُخيف “داعش”، وغير صالحة لاسترداد الرمادي والموصل، ولا هي مؤهّلة لإعادة اللُحمة إلى الجغرافيا العراقية أو السورية.

و”النيويورك تايمس” من هذا الرأي. فهي ترى أن سياسة الحذر الشديد التي تُمارسها واشنطن تجاه الوضع في العراق وسوريا، وربما في اليمن لاحقاً وشتى أرجاء المنطقة العربية، وتحت عناوين وحجج واهية تجسّد الأسباب الفعلية التي أدّت إلى فشل استراتيجية، أو لا استراتيجية، إدارة الرئيس باراك أوباما إزاء حروب “داعش” وانتصاراتها.

إلاّ أن صحيفة “الغارديان”، وبعيداً من “لا سياسة ولا استراتيجية أميركية”، ترى أن “داعش” لن تستطيع تحويل “الدولة الإسلامية” دولة حقيقية، واسماً على مسمّى، “فمصيرها إلى الزوال”.

النهار

 

 

 

مأزق أوباما/ هشام ملحم

نجاح تنظيم “الدولة الاسلامية” في احتلال مدينتي الرمادي وتدمر في العراق وسوريا خلال اسبوع واحد، كشف من جملة ما كشفه محدودية القوة الجوية الاميركية، وكذلك حقيقة عدم وجود استراتيجية اميركية تسعى الى هزيمة “داعش” ليس فقط في العراق ولكن ايضا في سوريا. لكن هزيمة “داعش” تقتضي وجود قوات برية تنسق مع الحملة الجوية. المعضلة الاميركية في العراق هي ان الجيش النظامي غير فعال وغير متماسك وفاسد وقيادته مذهبية شيعية ويعاني مشاكل بنيوية شأن جميع المؤسسات الحكومية العراقية. القوة البرية الفعالة هي الميليشيات الشيعية التي تدربها وتساهم في قيادتها ايران.

المعضلة الاميركية في سوريا، هي ان واشنطن لم تستثمر بجدية وبصدق في تطوير قدرات المعارضة السورية المناوئة لـ”داعش” و”جبهة النصرة”، لكي تجبه نظام بشار الاسد و”داعش” معاً. الاميركيون يتولون الآن رعاية برنامج تدريبي محدود لمواجهة “داعش”. لكن الهدف الرئيسي للمعارضة السورية المسلحة هو محاربة النظام السوري قبل التفكير في مواجهة التنظيم والجبهة. وبعد النكسات الميدانية الاخيرة التي مني بها نظام الاسد، أبدى المسؤولون الاميركيون قلقهم من احتمال انهيار النظام السوري بسرعة وملء القوى الاسلامية الفراغ الناتج من الانهيار. وما لا يريد ان يعترف به البيت الابيض هو ان هزيمة “داعش”

في سوريا، تقتضي التخلص من الجاذب الاساسي للتنظيم، أي النظام السوري وممارساته المذهبية التي ساهمت في تعزيز التيارات الاسلامية السنّية المتطرفة وجذبها الى سوريا.

انهيار الدفاعات العراقية في الرمادي، بعد اقل من سنة من انهيارها في الموصل، عمّق مشاعر الاحباط في واشنطن. وزير الدفاع آشتون كارتر الذي تحدث بصراحة عن غياب “الارادة العراقية” لقتال “داعش” كان يعبر عن مشاعر احباط تسود واشنطن. ومحاولات البيت الابيض لاحقا تفسيرها بطريقة تغطي عمق الاحباط والاستياء لا تخفي حقيقة ان البيت الابيض هو في مأزق حقيقي كان اوباما قد عبّر عنه في مقابلته مع مجلة “ذي اتلانتك” حين قال: “اذا كان العراقيون غير مستعدين للقتال من اجل أمن بلادهم فاننا غير قادرين على ان نحقق ذلك لهم”.

بعد تسعة أشهر من بدء الحملة الجوية، التي تكلف واشنطن 9٫8 ملايين دولار يوميا (2٫44 ملياري دولار حتى الآن) وبعد انفاق 25 مليار دولار على تدريب الجيش العراقي، وبعد نشر نحو ثلاثة آلاف عسكري ومستشار اميركي في العراق، تشعر واشنطن باحباط أكثر لأنّ الميليشيات الشيعية التي سمت حملتها على “داعش” في الرمادي “لبيك يا حسين”، (بدلا ربما من لبيك يا عراق؟) هي التي ستسعى الى استرداد المدينة وليس الجيش العراقي الهش.

النهار

 

 

 

 

تقدم «داعش» ضرورة حتى تنضج خريطة الدويلات؟/ جورج سمعان

الحرب على «داعش» تتعثر. بل إن التنظيم يحقق مكاسب في العراق وسورية. هناك أسباب كثيرة وراء فشل الخطة التي اعتمدها التحالف الدولي – العربي وجميع المعنيين باحتواء «الدولة الإسلامية» ومن ثم القضاء عليها. وخسارة الرمادي أكبر من «نكسة» أو «تراجع تكتيكي» للتحالف، كما يحلو للقيادة الأميركية أن تصف هذا التطور. إنها خسارة في الاستراتيجيا. المعنيون الدوليون والإقليميون لم يغفلوا العامل السياسي وأثره في مجريات الحرب. إدارة الرئيس باراك أوباما وشركاؤها اشترطوا وجوب التغيير السياسي في بغداد وهذا ما حصل. واشترطوا تصحيح الأوضاع في الحكومة. فكان لهم رئيس جديد، وحكومة لم يغب عنها ممثلو معظم القوى والمكونات. لكن هذا لم يتعد الصورة أو الشــكل. ما حصل فعلياً ولا يزال هو تردد الحكومة المركزية. رئيس الوزراء حيدر العبادي لم يستطع الوفاء بالتزاماته لإحياء اللعبة السياسية واستـــعادة الثقة في صفوف السنة. وقوى التحالف الشيعي كانت حاضرة ومستنفرة دائماً في البرلمان وفي الوزارة. كما أنه لم يف بالــتزاماته تسليح العشائر في المحافظات الشمالية والغربية. في حين تعاظم دور قوات «الحشد الشعبي» الذي يأتمر جل قادتها بأوامر «الحرس الثوري» الإيراني.

لم تستطع حكومة العبادي تسليح العشائر السنية على رغم كل وعودها. حكمتها مخاوف من انتقال السلاح إلى حركات التطرف. وقد حملها زعماء الأنبار المسؤولية عن المكاسب التي يحققها «داعش». وواضح غياب الـــثقة بين الــــطرفيــــن. وما يعزز ذلك شكـــوك تحوم حول أسباب انسحاب قوات الجيش من الرمادي. تساءل بعضهم هل هناك خطة رسمت من أجل وضع الجميع أمام خيار وحيد هـــو اللجوء إلى «الحشد الشعبي» منقذاً وحيداً؟ إذا صح الأمر فإن نفوذ الإيرانيين سيتقدم مع الميلـــيشيات إلى مواقع جديدة في العراق. وسيــصبح معظم البلد تحت هيمنتهم. ويتقلص الحضور العربي أو النفوذ الخليجي تحديداً. لم يتعلم الــــقائمون في بغداد من تجربة «القاعدة» أو ربما هناك استراتيجية غير معلنة تدفع بالأوضاع نحو مآلات أخرى. «دولة أبي مصعب الزرقاوي» هزمت عسكرياً بعد مقتله عام 2006. لكنها لم تكن هزيمة حاسمة ونهائية. العوامل الســـياسية التي استنهضت هذه الحركات بقيت تتــفاعل تحـــت الرماد. حكومة نـــوري المــالكي أخلت بوعودها لأهل السنة ولم تحتضن أو تستوعب «الصحوات» التي كانت وراء هزيمة التنظيم. لذلك كان سهلاً انبعاث «دولة البغدادي» بنسخة أو تركيبة مختلفة عن سابقتها، تضم خليطاً واسعاً من قوى خارجية، ومحلية في صفوف ضباط وحزبيــون سابقون في البعث، وزعماء عشائر خذلتهم الحكومة المركزية وحــاربتهم فضاقت بهم السبل، إضافة إلى مجموعات كبيرة من القوى التي أثارها ويثيرها التمدد الإيراني، ويقلقها التقارب بين طهران وواشنطن.

المسار الذي دفعــت إليه الحــرب على «داعش» يعزز الـــعوامل السياسية وراء انتشاره. مثـــلما يعزز الصراع المذهبي في العراق والإقليم كله. كان رهان التحالف الدولي – العربي على قوة برية لا بد منها لاحتوائه ثم دحره. كان الرهان على قوات الجيش. وهو ما دفع أمـــيركا إلى التركيز على الساحة العراقية قبل السورية بانتظار أن يتوافر في هذه شريك مقبول. لكن هذا الجيش أثبت في معركة الرمادي أنه دون الطموحات التي علقت عليه. تكرر في هذه المدينة ما حصل في الموصل. والنتيجة الخطيرة أن حكومة العبادي وإدارة الرئيس باراك أوباما باتتا أمام خيار وحيد: التعاون والتفاهم مع قوات «الحشد الشعبي» من أجل قتال «داعش» ميدانياً. وهذا ما كانت واشنطن تتحاشاه، لذلك اشترطت أن تكون هذه القوات تحت إمرة العبادي. وحتى لو تم له ذلك فإن قيادته ستكون شكلية. قادة هذه القوات يتلقون بمعظمهم العون والدعم والمشورة والأوامر من «الحرس الثوري».

لكن هذا الخيار يشكل بوجهه الآخر وصفة لتأجيج الصراع المذهبي. أي بمعنى آخر، يشكل دافعاً لتمسك مجاميع سنية واسعة بهذا التنظيم إذا وضع هؤلاء بين خياري «دولة أبي بكر» أو «دولة قاسم سليماني»! ولن يجازفوا بخسارة خيار أن تكون لهم مناطق حكم ذاتي أو إقليم خاص مثلما للكرد في جبالهم. كما أن توجه العبادي مرغماً إلى «الحشد الشعبي» بعدما كان يعول على المؤسسة العسكرية الرسمية سيضعه تحت رحمة الميليشيات وأجنـــدتها الخاصة المرتبطة بمصالح إيران والقوى الشيعية المتشددة في العراق. لن يكون بعد هذه الاستعانة قادراً على تسويق نفسه مختلفاً عن سلفه نوري المالكي. ولن يكون بمقدوره إقناع أهل السنة بأن اللعبة السياسية ستكون مختلفة عن السابق، وسيكون لهم دور أكثر فاعلية مما كان في العقد الأخير. والحقيقة الواضحة أن إهمال بغداد، كما دمشق، لتظلمات السنة أو القوى المعارضة في شكل أوسع، سيظل يوفر مدداً يـــــنعش «الدولة الإسلامية» ويطيل في عمرها وتالياً صمودها في وجه الحرب التي يشنها التحالف. علماً أن القليل مما تنادي به العشائر يوفر عليها السكوت على التنظيم. فلبعضها أيضاً ثارات عليه بعد المجازر التي ارتكبها في صفوف أبنائها.

في أي حال يبقى الوضع في العراق مختلفاً عنه في سورية. الجغرافيا والديموغرافيا لهما كلمة فصل، وهما واقع لا يمكن القفز فوقه. لا ينتاب إيران قلق مقيم على نفوذها في بلاد الرافدين، وإن شكل بقاء «داعش» تحدياً دائماً لهذا النفوذ واستنزافاً له ولحلفائها من القوى المحلية. هناك حدود طويلة مفتوحة بين البلدين يمكن الجمهورية الإسلامية أن تتناساها عند المنعطفات المصيرية. كما أن غالبية القوى الشيعية التي تشكل غلبة سكانية في صفوف العرب يواليها ويدعم سياستها. وهذا وضع مشابه لحال اليمن ولكن ليس لمصلحة إيران. هنا أيضاً لا يمكن تجاهل الجغرافيا والحدود الطويلة المفتوحة بين هذا البلد والسعودية. مثلما لا يمكن تجاهل الديموغرافيا حيث الغلبة لأهل السنة وليس للزيود مجتمعين فكيف لفريق منهم هو الحوثي وأعوانه؟

لذلك تشكل سورية المفصل في الصراع المذهبي. هي المعركة الحاسمة بين الجمهورية الإسلامية من جهة والعرب وتركيا من جهة أخرى. مآلات هذه المعركة سترسم فعلاً خريطة النفوذ في الإقليم وتعطي صورة واضحة عن ميزان القوى. سورية هي الجسر الباقي لإيران والذي يصلها بالمتوسط ويضعها على حدود إسرائيل مباشرة. ولسورية ثقلها في ميزان أهل الخليج خصوصاً بعد خسارة «البوابة الشرقية». وفي حسابات تركيا التي مهما كانت علاقاتها إيجابية مع إيران لا يمكن أن تسكت على هذا التوسع الإيراني في بلد ترى إليه بوابتها إلى المشرق العربي والخليج أيضاً، وثقلاً مهما في ميزان القوى الاستراتيجي في الإقليم. لذلك تشكل المكاسب التي تحققها فصائل المعارضة، أياً كانت تسمياتها، تحولاً مصيرياً في الأزمة السورية. وهي بلا شك نتيجة طبيعية لقرار تركي وخليجي عام بالتصدي المباشر للمشروع الإيراني. وانعكس التفاهم بين الرياض والدوحة وأنقرة، تفاهماً بين فصائل عدة على الأرض الـــسورية. والأهــــم أن هذا الثلاثي لم يعر اهتماماً للموقف الأميركي سواء حيال ما يجري في اليمن أو ما يجري في سورية. كانت واشنطن وعواصم غربية تحول دون دفع المعارضة السورية إلى تحقيق مكاسب كاسحة خوفاً من البديل الذي سيخلف سقوط النظام.

ما يجري الآن في سورية وصل إلى هذا المحظور. ولا يقع في باب التكتيك. إنه تطور طبيعي للأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها إدارة الرئيس أوباما ومعظم «أصدقاء سورية» طوال السنوات الأربع الماضية. وجاء التركيز على العراق وتحييد سورية إلى حد ما ليساهم في مزيد من الإضعاف للمعارضة المعتدلة لمصلحة النظام وحركات التطرف. لذلك إن البديل اليوم هو حركات جهادية في الشمال والغرب وبعض الجنوب، أو «داعش» التي تسيطر على نصف الأراضي السورية. واتسعت رقعة تواصلها مع البيئة العراقية. وربما زحفت غداً نحو القلمون الشرقي واقتربت أكثر من العاصمة، فيما شريكاتها ستتقدم نحو حلب والشريط الساحلي. لكن هذه التطورات، على خطورتها، قد لا تعجل في سقوط النظام. كما أنها قد لا تكون دافعاً لجميع الأطراف نحو تسوية سياسية في «جنيف 3» أو غيرها. فإيران لا تبدي، سواء قبل الاتفاق النووي أو بعده، أي استعداد لإعادة النظر في سياساتها أو تقديم تنازلات في أي مكان في الإقليم، خصوصاً سورية. كما أن خصومها الذين أطلقوا «عاصفة الحزم» سيواصلون المواجهة. والنتيجة الواقعية أن يستقر الصراع على تقاسم يترجم على الأرض نوعاً من التقسيم. فنظام الرئيس الأسد لا يزال يسيطر على ربع الأرض السورية. وهي المناطق التي تعنيه مباشرة. يستأثر بها فيما يتقاسم الآخرون باقي المناطق. توزع سورية «دويلات» بين قوى متناحرة سينعكس صورة مماثلة في العراق وحتى لبنان. ويعني ذلك أن زمن التسويات السياسية فات وتجاوزته الأحداث… و»الدواعش» وغيرهم «ضرورة» حتى نضج الخرائط الجديدة!

الحياة

 

 

 

 

 

 

المستثمرون في “داعش”!/ راجح الخوري

هل كان من الضروري أن يدلي نائب الرئيس الأميركي جو بايدن بتصريحات على غير الحقيقة ليرضي الحكومة العراقية التي أغاظتها تصريحات وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر عن تقصير الجيش العراقي، عندما تحدث عن «استبسال وبطولات الجيش العراقي» يوم الثلاثاء الماضي؟ لم يكن هذا الكلام إشادة بهذا الجيش بمقدار ما كان نوعًا من السخرية الضمنية التي لم تتناول حيدر العبادي فحسب، بل تناولت بايدن نفسه الذي يعرف جيدًا أنه كان يسوق الأكاذيب!

الغريب أن العبادي اعترض غاضبًا على تصريحات آشتون، الذي قال إن الجيش العراقي لم يبدِ أي إرادة بالقتال في مدينة الرمادي، التي بدا وكأنها سُلّمت تسليمًا إلى تنظيم داعش، مضيفًا: «لدينا مشكلة مع إرادة العراقيين في قتال تنظيم (داعش) وفي الدفاع عن أنفسهم»، والواقع أن الجنود العراقيين الذين فرّوا من المدينة، لم يكن لديهم أي نقص لا في العديد ولا في العتاد، إلا أنهم انسحبوا من مواقعهم تاركين عددًا من الدبابات والأسلحة الثقيلة، إضافة إلى كميات كبيرة من الذخيرة!

العبادي نفسه كان قد أعلن قبل ساعات من تصريح آشتون أن قواته انسحبت من الرمادي من دون صدور أوامر عسكرية، وأنه فتح تحقيقًا لمحاسبة المقصرين، وهو ما يذكرنا بالتحقيق الذي قيل إنه فتح بعد سقوط الموصل في يونيو (حزيران) من العام الماضي، ومن المثير أن سقوط الرمادي اعتبر كارثيًا في حين وصفه العبادي بأنه «ثغرة»، في وقت كان فيه وزير دفاعه خالد العبيدي يتحدث عن تقاطع في الأوامر بين القيادات وعدم انسجام بين القطاعات وفقدان للسيطرة ويهدد بمحاسبة المقصّرين.

تزداد دائرة الاستغراب والشكوك عندما نلاحظ أنه بعد 48 ساعة من تسليم الرمادي انسحبت القوات السورية من تدمر وسلّمتها إلى «داعش»، بما مكّن الإرهابيين من ربط البادية السورية بمحافظة الأنبار العراقية، والأبشع أنه بعد يومين من خسارة الرمادي قام الجيش العراقي بالانسحاب من «معبر الوليد» ليسيطر عليه تنظيم داعش، الذي كان قد أحكم سيطرته على «معبر التنف» السوري المقابل لتصبح بذلك كل المعابر الحدودية بين سوريا والعراق تحت قبضته، باستثناء معبر الربيعة الذي تسيطر عليه القوات الكردية!

بعض التحليلات ذهبت إلى حد القول إن تسليم الرمادي إلى «داعش» سياسة متعمّدة تمهّد ضمنًا لاستدعاء للإيرانيين و«الحشد الشعبي» الشيعي إلى محافظة الأنبار السنية على الحدود السعودية – الأردنية، وما يلفت الانتباه أيضًا أن معبر الوليد يكتسب أهمية وحساسية، لأنه يفصل بين الأراضي العراقية – السورية من جهة، ويجاور الحدود السعودية والحدود الأردنية من جهة أخرى، بما يعني أنه يربط بين أربع دول متجاورة ويصبح عنصرًا عراقيًا إضافيًا تريد طهران توظيفه لدعم سياسة العربدة التي تمارسها في المنطقة!

الأشد غرابة أن يسارع الجنرال الإيراني قاسم سليماني إلى اتهام أميركا بأنها «لم تفعل شيئًا لمساعدة الجيش العراقي في الرمادي»، وكأن هذا الجيش حارب أو صمد أو كأن أميركا لم تعد الشيطان الأكبر وأن إيران تعتمد على الدعم الأميركي، وفي هذا السياق يخاطب سليماني الأميركيين بالقول: «كيف يمكنكم أن تتمركزوا هناك بحجة حماية العراقيين وألا تفعلوا شيئًا، هذا لا يعني سوى المشاركة في المؤامرة»!

واضح أن سليماني اتّهم أميركا والتحالف الدولي بالخداع كمقدمة للقول: «ليس هناك سوى الجمهورية الإسلامية في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة»، وللإعلان عن تشكيل قوة عسكرية خاصة من 120 ألف مقاتل لمحاربة «داعش» في كل مكان، لأنه يشكّل خطرًا على العالم الإسلامي والبشرية جمعاء وأن هذه القوة أطلق عليها اسم «درع العالم»، ولهذا لم يكن مستغربًا أن يسارع البعض إلى طرح بعض الأسئلة الضرورية كالقول:

هل تريد إيران من خلال هذه التسمية الإيحائية «درع العالم»، أن توحي وكأنها تتولى وحيدة حماية العالم من «داعش» والإرهابيين؟ وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تتوالى الانسحابات العراقية، سواء في الموصل أو في الرمادي أو من معبر الوليد، حيث تتولى قوات إيرانية الإشراف والدعم، أو بالأحرى لماذا تسليم هذه المدن للدواعش كما سلّمت مدينة تدمر، حيث للإيرانيين كلمتهم الأساس في الميدان؟ وهل يجري كل هذا لإفساح المجال أمام دخول القوات الإيرانية على الخطوط والجبهات بغية توسيع النفوذ وبسط الهيمنة تحت شعار محاربة الإرهابيين نيابة عن العالم؟

في السياق عينه، يتراكم مزيد من الأسئلة: لماذا دخل «الحشد الشعبي» تكريت دون قتال تقريبًا مع «داعش»؟ ولماذا تقاعست بغداد دائمًا عن تسليح العشائر السنّية في الأنبار؟ ولماذا لم ينفذ حيدر العبادي ما ورد في البيان الوزاري لحكومته حيال الحرس الوطني وتسليحه وتمويله؟ وكيف يجوز أن تترك الرمادي وغيرها من المناطق التي سبق لها أن هزمت «القاعدة» عام 2007 من سلاح أو دعم في مواجهة «داعش» بعد سقوط الموصل الفاضح؟ وهل الإرادة الإيرانية بعيدة عن كل هذا؟

بعد سقوط الرمادي تساءل مسؤول أميركي كبير: لماذا الاستثمار في «داعش»؟ مذكّرًا بأن الإرهابيين تجمعوا في سوريا التي رعتهم ثم عبروا إلى العراق، وكان المسؤولون الأميركيون خلال احتلالهم العراق يرفضون تصديق أن النظام السوري وإلى حد بعيد الإيراني ضالعان في دعم «القاعدة»، لكنهم اكتشفوا الحقيقة قبل الانسحاب وهي أن كل الإرهابيين والمقاتلين الأجانب جاءوا إلى سوريا بترتيب من المخابرات السورية، وعبروا إلى العراق بتشجيع من الإيرانيين، الذين انخرطوا في القتال ضد أميركا، وقد سبق للقوات الأميركية أن نفّذت عمليات عسكرية ضد سوريا على الحدود في حينه، قبل أن يتمكن رجال «الصحوات» من القبائل السنّية في الأنبار من إلحاق الهزيمة بـ«القاعدة».

يضيف المسؤول الأميركي أنه قياسًا بما تثيره الانسحابات العراقية – السورية أمام «داعش» وبحقيقة أن الدواعش لم يقاتلوا النظام السوري ولم يقوموا بأي أعمال ضد إيران، بينما ينفذّون هجمات ضد السعودية، وأنهم تجمعوا بداية في سوريا وهاجموا المناطق الجنوبية السنّية، ثم احتلوا محافظات سنّية عراقية كالموصل والفلوجة، والآن الرمادي، وأنهم يندفعون في اتجاه الحدود السعودية والأردنية، وأن في ذلك ما يدلّ على أن تنظيم داعش يخدم بطريقة غير مباشرة النظامين السوري والإيراني، فلولا «داعش» لم يكن ليبرز المنطق الذي يخيّر بين ديكتاتورية الأسد والإرهابيين، ولم تكن طهران لتبسط نفوذها في سوريا والعراق، حيث أعلنت عن إرسال صواريخ «سكود» إليه لدعم ما تسميه «درع العالم»!

* نقلا عن “الشرق الأوسط”

 

 

 

 

 

أميركا و “داعش”/ مصطفى زين

إلغاء «داعش» الحدود بين العراق وسورية، تطبيق عملي لأيديولوجيته القائمة على وحدة الأمة تحت راية «الخلافة»، فالتنظيم مثل معظم الأحزاب السياسية الإسلامية، لا يعترف بالدولة القومية أو الوطنية، ولا بهويات الشعوب أو تميّزها طالما أنها مسلمة. أما غير المسلمين فلهم قوانين خاصة تضمن ولاءهم لـ «الخليفة». هذه من البداهات في فكر الإسلام السياسي مهما اختلفت تنظيماته أو شيعه أو فروعه، منذ نظّر سيد قطب لـ «الإخوان» وما قبل ذلك وبعده في المغرب والمشرق، فلا هوية للمسلم غير هويته الدينية. من هنا كان الصدام بين هذه التنظيمات من جهة، والأحزاب القومية أو الشيوعية من جهة أخرى، ومن هنا كانت مقاومتها للحكومات ذات التوجه الوطني والعلماني، باعتبارها ملحدة أو كافرة تجزئ الأمة على أسس جغرافية وعرقية.

«القاعدة» وفروعها، مثل «النصرة» و «داعش»، لا تشذ عن هذه النظرة إلى الحكومات الوطنية والقومية، ولا إلى المجتمعات وكيفية «تربيتها»، ولا إلى الشعوب وطريقة إدارة شؤونها الدينية والدنيوية، ولا إلى الدول وعلاقاتها بالشعوب (الصحيح أن نقول الرعايا).

منذ انطلاق «الربيع العربي» وقبله، كانت الولايات المتحدة ترصد هذا الفكر وهذه التنظيمات، خصوصاً في المشرق، وتحاول تجيير حراكها لحماية مصالحها. هذا ما فعلته لدى احتلالها العراق عندما سرّحت الجيش وألغت المؤسسات القائمة، وسلمت السلطة للأحزاب الدينية، مثل «الدعوة الإسلامية» و «المجلس الأعلى» وفروعهما الطائفية، واستصدرت قوانين تجرّم حزب البعث و «تجتثه» قيادة وفكراً. لكن الأحزاب الدينية التي تقوم أيديولوجيتها على إلغاء الحدود، ألغتها مع الخارج وبنت حدوداً مذهبية في الداخل. وها هي منظمة «بدر» و «حزب الله» العراقي وباقي فصائل «الحشد الشعبي» تتنافس مع «داعش» على إلغاء الحدود مع سورية، فـ «الحشد» يطمح إلى الاتصال بمؤيدي النظام في دمشق، بينما التنظيم يطمح إلى تعزيز مواقعه من الموصل إلى حلب، ومن الأنبار إلى مثلث الحدود السورية – العراقية – الأردنية. من هنا كان موقف واشنطن المتردد في دعم الجيش، والمعارض مشاركة «الحشد» في تحرير الأنبار بحجة أنه مكوّن من ميليشيات طائفية. فليس من مصلحتها اتصال هذه الجماعات مع مثيلاتها في الجانب السوري، والقضاء على «الدولة الإسلامية» التي أعلنها «داعش»، وهي التي دعمت كل الحركات الإسلامية في الشام، سياسياً وعسكرياً للتضييق على النظام وإسقاطه.

هذا كله كان مجرد تحليل مبني على الواقع من دون أن تدعمه أي وثيقة، فضلاً عن أن تصريحات المسؤولين الأميركيين تنفي ذلك نفياً قاطعاً، لكن الأمر تأكد بعدما استطاعت مؤسسة «judicial watch» الحصول على وثائق سرية من وزارة الدفاع، بعدما ربحت دعوى قضائية، بناء على قانون الشفافية، تثبت ما كان مجرد تحليل أو استنتاج منطقي.

نشرت هذه المؤسسة الوثائق تحت عنوان «تقرير سري للبنتاغون يكشف أن الولايات المتحدة خلقت الدولة الإسلامية (لتستخدمها) أداة لإطاحة الأسد». وفي الوثيقة، تفاصيل تؤكد أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين دعموا «القاعدة» خلال عقدين لاستخدامها واجهة لتحقيق مصالحهم الجيوسياسية. ولم يكن «داعش» سوى «القاعدة» رقم اثنين. والوثائق تعود إلى عام 2012، وفيها أن وزارة الدفاع توقعت (وشجعت على ذلك) احتمال تأسيس إمارة إسلامية في شرق سورية (الحسكة ودير الزور)، وهذا بالضبط ما تريده القوى الداعمة للمعارضة لعزل النظام السوري، الذي يعتبر عمقاً استراتيجياً للتمدّد الشيعي (من إيران مروراً بالعراق).

والآن، هل تبدل موقف الإدارة الأميركية، بعدما ظهرت الإمارة وامتدت إلى الموصل؟ ليس من وثيقة تدعم اتهامها بالاستمرار في تبني «داعش»، وليس من وثيقة تؤكد العكس. لكن إذا أخذنا مواصلة واشنطن الحروب، بالأصالة أو بالواسطة، لتحقيق استراتيجيتها في المشرق، في الاعتبار، نستطيع الاستنتاج، بكل بساطة، أن إطاحة الأنظمة وتقسيم الدول على أسس طائفية هما الهدف الذي بدأ يتحقق، مع بعض العثرات هنا أو هناك.

مرة أخرى، أميركا والتنظيمات الطائفية تلغي الحدود مع الخارج وتبني حدوداً مذهبية في الداخل.

الحياة

 

 

 

 

 

 

عن صعود «داعش» في المشهدين السوري والعراقي/ ماجد كيالي

ثمة كثير من الغموض، والتعتيم، بشأن طبيعة تنظيم «داعش»، وعوامل صعوده، وموارده المالية والتسليحية، واستهدافاته، بيد أن هذين، أي الغموض والتعتيم، يفتحان المجال على أسطرة هذا التنظيم، من ناحية، والذهاب نحو التفكير بالمؤامرة، من ناحية ثانية، علماً أن الأسطرة والتفكير بالمؤامرة لا يفيدان في فهم طبيعة هذا التنظيم، وتوظيفاته، وأسباب صعوده، فضلاً عن انهما جزءاً من الصنعة، أو اللعبة، التي يشترك فيها أطراف عدة. لا تحتاج محاولة فهم ما يحصل إلى تصفّح دفاتر هذا الداعية الجهادي او ذاك، لأن هذه الدفاتر موجودة من زمان، بيد أنها ظلت حبيسة الأدراج والغرف والعقول المغلقة، فضلاً عن ان البيئات الشعبية، وضمنها البيئات المتدينة «السنّية»، أثبتت باستمرار عدم تقبّلها للادّعاءات التكفيرية المتطرّفة، مع ملاحظة عدم قابلية «السنّة» تاريخياً للتحول إلى طائفة متمحورة على ذاتها. فوق ذلك فقد بيّنت تجربة السنوات القليلة الماضية أن البيئات المحسوبة على «السنّة» لم تكن طوع تيارات الإسلام السياسي، بكل تلاوينها، على ما بينت حوادث مصر وتونس، ثم سورية والعراق، إذ أن هذه البيئات بدت المتضرر الأكبر من تنظيم «داعش»، فهي قتلت منهم أكثر من أي بيئة اخرى، كما أنهم تحديداً هم من أخذ على عاتقه مقاتلة هذا التنظيم. الفكرة أن ثمة ظروفاً أدت، ومكّنت، تنظيم «داعش»، من البروز والصعود، في هذه المرحلة، لأننا هنا نتحدث عن تنظيم مسلح، ما يعني أنه يحتاج إلى موارد مالية، وتسليح كبير، وإمدادات منتظمة، ونوع من تسهيلات في الحركة، وكلها تحتاج إلى موافقة أطراف دولية وإقليمية متعددة، مع وجود توظيفات سياسية متباينة. طبعاً ليس القصد أن «داعش» مجرد تنظيم عميل لهذه الدولة او تلك، وإنما القصد فهم الواقع الذي سمح له بالبروز والتصدر، وفهم الاستخدامات المتعددة له، والديناميات التي يتحرك ويتوسع على أساسها. بمعنى ان لدينا شقين في فهم «داعش»، اولهما، يتأتى من العوامل الدولية والاقليمية التي تتيح، أو تقيد، حركتها. وثانيهما، يتأتى من محاولتها استثمار التناقضات الدولية والإقليمية، والفراغات الأمنية والسياسية في المشهدين العراقي والسوري.

في العراق، مثلاً، تصدرت «داعش» المشهد بعد تطوّر الحراكات الشعبية، التي نهضت ضد سياسات الإقصاء والفساد والاتباع (لإيران)، التي انتهجها نوري المالكي بإصرار مكشوف ومريب، إبان رئاسته الحكومة (2006-2014)، علماً انه يحتل اليوم منصب نائب الرئيس. وللتذكير فإن هذه الحراكات، التي كانت تطالب بإنهاء سياسة التهميش والإقصاء، وتعديل الدستور، وتعزيز الشراكة في الحكم، بالوسائل السلمية، ووجهت بالرفض المطلق، والغطرسة، والعنف، إذ تم فضّ الاعتصام السلمي في ساحة الرمادي، الذي كان يضم احياناً مئات الألوف، واستمر نحو عام كامل، بهدم خيام المعتصمين وتفريقهم بقوة السلاح، (30/12/ 2013).

بعد ذلك، بالضبط، ظهر «داعش»، أو تم تسهيل ظهورها كبديل، في رسالة توخّي منها نزع شرعية الحراكات الشعبية، ووصمها بالإرهاب، وتبرير السياسات الطائفية الاقصائية، وأيضاً ابتزاز البيئات الشعبية «السنّية»، وحصر تمثيلها بتنظيم «داعش». هكذا احتل «داعش» (حزيران/يونيو 2014)، أي قبل عام، فجأة محافظة نينوى وعاصمتها الموصل، في ما يشبه الاستلام والتسليم، إذ استلم البلد كاملة مع العفش (السلاح والمال)، بعد تهريب الجيوش التي صرف على تدريبها وتسليحها البلايين. وهو ما تكرر مؤخراً في سيطرة «داعش» على محافظة الأنبار وعاصمتها الرمادي، ما دفع وزير الدفاع الاميركي، والبنتاغون، لإبداء الغضب واعتبار ان ما جرى يثير الشبهة والتصريح بأن الجيش العراقي يفتقد لإرادة القتال.

اللافت أن النتيجة التي توصل إليها النظام العراقي هي الدعوة على انشاء ما يسمى «الحشد الشعبي»، أي استبدال الجيش بوصفه موسسة للدولة، بنوع من ميليشيا طائفية مسلحة، في تعميم لظاهرة «حزب الله» في لبنان، التي يجري فرضها، أيضاً، في سورية باسم قوات «الدفاع الوطني»، وفي اليمن باسم «انصار الله». قد يجدر هنا التذكير بحيثيتين، أولاهما، أن «داعش»، وهي النسخة «القاعدية» للعراق كما ظهرت مع أبو مصعب الزرقاوي في إطاري «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، و «هيئة شورى المجاهدين»، وجدت ملاذاً لها في إيران بعد الغزو الأميركي لأفغانستان (2002)، ما يعني أن ثمة تبادل خدمات بين إيران و «القاعدة».

الثانية، أن عديداً من قادة نظام صدام السابق كانوا لجأوا إلى سورية، وهو امر مستغرب في ظل العداء التاريخي الذي ظل مستعراً لعقود بين النظامين، وهذا يلقي الضوء على الدور السوري في تسهيل العمليات «الجهادية» في العراق ضد الغزو الاميركي، وقيام نوع من التوظيف المتبادل بين بقايا النظام العراقي السابق والنظام السوري. هذا يذكر باستخدام أنظمة صدام والأسد والقذافي لتنظيم «فتح المجلس الثوري» (جماعة ابو نضال)، وتفريخ النظام السوري لتنظيم «فتح الاسلام» في طرابلس، وعديد من الجماعات الإسلامية المتطرفة، ناهيك عن قصة ميشال سماحة، الذي كلف من هذا النظام بتنظيم تفجيرات في لبنان. فقط يجدر التمييز هنا بين الجماعات التي تشتغل كمجرد اداة، وبين الجماعات المسلحة التي تشتغل في اطار الاستثمار او التواطؤ المتبادل، هذا ما ينطبق على «داعش». طبعاً توظيف «داعش»، شمل تركيا، أيضاً، بعد أن باتت في قلب الصراع على الشرق الأوسط، ولصد تزايد نفوذ إيران، وهذا ما يمكن فهمه من غض النظر عن نشاط هذا التنظيم عبر الحدود التركية، باعتبار ان ذلك قد يخدم مشروعها للحد من الطموحات القومية الكردية، وايضاً دفع الأوضاع نحو الانفلاش، والخروج من حدود قدرة إيران على التحكم، والاستثمار، وهو ما يتمثل بتوسع «داعش»، في المجالين العراقي والسوري، كما ظهر مؤخراً. وربما ان ذلك ينطبق على الولايات المتحدة، فهي أيضاً يمكنها ان تضع حداً لنمو نفوذ «داعش»، لكنها لا تفعل ذلك، بقدر ما تريد مرمطة كل من روسيا وإيران في المشهدين العراقي والسوري، وجرهما الى الاملاءات الاميركية، في مختلف الملفات المطروحة، مع الأخذ في الاعتبار ان هذه السياسة تتلاقى مع المصلحة الإسرائيلية في إضعاف المشرق العربي، ما يفسر الاستنكاف الدولي والاميركي عن وضع حد للمأساة السورية والعراقية.

هكذا فما جرى في العراق يضيء على ما يجري في سورية، فالنظام السوري لم يستهدف «داعش» قط، ولا سيما بالقصف بالبراميل المتفجرة، منذ استيلائها على الرقة (2014)، وهي التي سلمت تسليماً قبل ذلك بأشهر لـ «جبهة النصرة»، قبل انفكاكها عن «داعش». ومعلوم أن هذا الأمر تكرر في تسليم تدمر، مؤخراً، علماً ان قوافل «داعش» السيارة كانت انتقلت مسافة أكثر من 250 كلم من الرقة إلى تدمر، في فضاء صحراوي مكشوف، من دون ان تطلق عليها رصاصة واحدة، في حين أن البراميل المتفجرة كانت تلقى على كفر عويد وعندان وحلب، وفي حين المعارك على أشدها مع الجيش الحر او الجماعات الاخرى المسلحة في ادلب والقلمون ودرعا. وعملياً فإن، النظام وحلفاءه، مثل «حزب الله»، لم يخوضوا معركة واحدة على اية جبهة مع «داعش»، فهم من الناحية العملية كانوا يقاتلون معها، كل في جبهته، «الجيش الحر» و «جيش الفتح». وأكثر ما يثير الاستغراب هنا ان نصر الله، زعيم «حزب الله»، يطالب الولايات المتحدة ان تقاتل «داعش»، فيما حزبه لم يفعل ذلك، البتة، وفيما النظامان السوري والعراقي، يسلمان المناطق تلو الأخرى لهذا التنظيم، لابتزاز السوريين والعراقيين، وابتزاز العالم، وإظهار ان ليس ثمة بديل في سورية والعراق، عن الموجود، سوى «داعش»! هذه هي اللعبة حتى الآن، وهذه هي قواعد الصراع، لكن لا شيء يقيني بشأن قادم الأيام، فالانفجارات يمكن تدبيرها، لكن يصعب السيطرة عليها او التحكم بمآلاتها.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...