الرئيسية / صفحات الثقافة / “عن انتحال عبد الرحمن منيف”

“عن انتحال عبد الرحمن منيف”

“انتحال” عبد الرحمن منيف/ أمجد ناصر

نقاش السيري والتخييلي على أشدّه في الثقافة العربية الراهنة، مع توافد روافد جديدة إلى نهر الرواية العربية، لم تكن حياتنا الأدبية تأخذها في الحسبان. وبوضوح أكثر أقصد: الرافد الذي يشقّه الشعراء العرب، في أيامنا الحاضرة. ومع هذا الرافد، صار التساؤل عن ماهية “مادة” هذه الرواية: هل هي مادة روائية، تخييلية، أم مادة سيرية “متسلّلة” إلى الرواية التي لا يدخلها إلا التخييلي الذي ليس له نصيب من حياة كاتبها.

كَتَبْتُ عن هذا الموضوع ،غير مرة، من واقع تجربتي الشخصية بين الشعر والرواية، والكتابة السردية عموماً، وما طرحته عليَّ من أسئلة وأفكار. لكن ليس هذه المرة التي يعيدني فيها إلى هذا الموضوع، أو ما هو قريبٌ منه، مقال الصديق الكاتب العراقي فالح عبد الجبار عن “انتحال” عبد الرحمن منيف مادة روايته “الآن هنا” من تجربة المناضل الشيوعي العراقي، حيدر الشيخ علي، التي رواها لفالح شخصياً. حدَّثنا فالح عما تمكن تسميته المادة الخام، لهذه الرواية (“الحياة” 1 إبريل/ نيسان الحالي). نحن أمام قصة ورواية. القصة هي التي يرويها فالح، ويكشف فيها “المسرح الخلفي” لرواية منيف المذكورة، والرواية هي التي “انتحلها” منيف مما رواه حيدر الشيخ علي إلى فالح عن اعتقاله في سجن نيفين الإيراني (باعتباره جاسوساً عراقياً، وهو الفار إلى إيران من ملاحقة النظام العراقي له )!! سجَّل فالح، مع حيدر، نحو ثلاثين ساعة على أشرطة (كاسيتات) استعارها منه عبد الرحمن منيف. بعد عام على استعارة تلك الأشرطة، يصدر منيف روايته “الآن هنا” (1991) وإذا بها تعتمد “اعتماداً شبه كامل على ذكريات حيدر. كان الاهتمام بتعرية القمع مسّرة لكل من له ضمير، ومبعث اعتزاز لنا أن تجد تجربة حيدر طريقها إلى الانتشار”. الكلمات التي بين أقواس هي من مقال فالح عبد الجبار. فأين المشكلة، ما دامت ذكريات المناضل العراقي حيدر الشيخ علي وجدت طريقها إلى قلم أحد أبرز الروائيين العرب؟ لا مشكلة. ولا إثارة لمشكلة، من أي نوع، طوال سبعة وعشرين عاماً، هي الفترة الفاصلة بين “استعارة” منيف أشرطة فالح عبد الجبار (وعدم إعادتها إليه) ومقالة الأخير قبل يومين.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فقد خطرت في بالي الآن تجربة الطاهر بنجلون مع السجين المغربي عزيز بنبين في معتقل تزمامارت سيىء الصيت. السجين يقبل أن يروي الروائي الشهير تجربته، لتكون مطروحةً على نطاق واسع من القراء. هناك رغبةٌ دفينةٌ بالشهرة عند السجين تريد أن تتسلل إلى شهرة الروائي المكرّسة، ورغبة في الروي والقص والسرد لا تعرف كيف تتبلور إلا على يد كاتب ضليع بالمهنة! هذا تفسيري المقتضب، وربما غير العادل، للعلاقة بين “الحياة” و”التخييل”، بين السرد الخام وتقنيات القصّ. ولكن، عندما تصبح الرواية (تلك العتمة الباهرة) شهيرةً على نحو كاسح (بفضل تقنيات القص وخبراته، وربما تقمص الروائي مادة السجين) تثور قضايا بين بطل الرواية، الناجي من مقبرة الأحياء والأموات في سجن تزمامارت، تتعلق بالمادة المروية، ويتبادل طرفا الرواية الكلام والاتهامات. ولكن هذا لم يحصل مع رواية “الآن هنا”. فلم يجلس منيف مع حيدر الشيخ علي ليسجل شهادته الخام، بغية استخدامها في عمله، بل أخذ الأشرطة – الذكريات، للاطلاع عليها فقط، من صاحب الأشرطة والتسجيلات: فالح.

لستُ في معرض التشكيك بقصة فالح عبد الجبار، فالرجل صاحب القصة (حيدر الشيخ علي) لا يزال حياً يرزق، لكنه يتكلم عبر فالح، كما فهمت من المقالة، ويمكن له أن يدلي برأيه لتعضيد مرافعة فالح على نحوٍ حاسم. بيد أن هذا لا يبدّد أسئلةً ترد إلى الذهن فور قراءة المقال من طراز: لماذا الآن؟ لماذا لم تثر هذه القضية عندما كان الروائي، “المنتحل”، على قيد الحياة. فهناك طرفٌ غائبٌ في المعادلة. لدينا قصة يرويها طرفٌ فيما لا يستطيع الطرف الآخر (المتوفى) الرد، أو التصحيح، أو التعديل. يعي فالح عبد الجبار هذه النقطة: غياب شاهد آخر على الواقعة، فيطلب ممن يعرف شيئاً عنها الإدلاء بشهادته أمام لحظةٍ تكتب تاريخا آخر لرواية “الآن هنا”. يقع هذا كله في باب الواقعة، وليس في باب الرواية التي قد تستخدم الواقعة، ولكنها تنتج واقعةً أخرى هي الواقعة الروائية. فمن المستحيل أن تتطابق الحياة، تمام التطابق، مع الكتابة، إلا إذا كان منيف، بن جلون، وإلياس خوري، قد العربي الجديد

 

 

 

فالح عبد الجبار يتّهم عبد الرحمن منيف.. لماذا الآن؟!/ محمد حجيري

قال إن منيف انتحل مذكرات السجين العراقي حيدر الشيخ علي

قرأتُ شهادة لافتة للباحث العراقي، فالح عبد الجبار عنوانها “مذكرات السجين العراقي حيدر الشيخ علي ينتحلها عبد الرحمن منيف ويُسقط الاسم”.. وأكثر من نصف الشهادة يأتي على تجربة حيدر الشيخ علي، السياسية والنقابية والنضالية، وهو كردي ينتمي الى الحزب الشيوعي العراقي، وكان وزيراً للنقل في اقليم كردستان، وفي اواخر السبعينات حرّض على الاضراب العمالي ضد صدّام حسين والحزب الواحد(البعثي)، قبل أن يلجأ الى إيران ويدخل سجن الملالي بتهمة “الجاسوسية” للعراق، ثم يدخل في دوامة “عبث” سياسة الأنظمة الشرق أوسطية…

والنقطة الأبرز والمثيرة للانتباه، عدا عن سيرة حيدر الشيخ علي السجنية، بين الفاشية العلمانية والملالية، أن فالح عبد الجبار كان قد سجّل حكايا حيدر، واستنطقه، على مدى أيام، ويقول فالح: “أودعني حيدر ذكرياته لأصوغها كتاب وقائع، بلا تزويقات، بلا رتوش: الحقيقة العارية… في مصادفة (سيئة أم حسنة؟) التقيت الروائي الراحل عبد الرحمن منيف وتجاذبنا الحديث (…) التمس منيف ان يطّلع على مضمون تسجيلات السجن. كان هذا خريف العام 1988.. لم يُعِدْ منيف الأشرطة كما وعد، على رغم تكرار مطالبتي (…)، بعد عام أو نحوه، صدرت رواية منيف “الآن، هنا”… وخلت من أي إشارة الى صاحبها، (…) حيدر، شأني أنا، أصيب بما يشبه الصدمة بسبب إغفال ذكر مصدر القصة”. يضيف فالح: “لقد رحل منيف ولن نعرف جليّة الأمر. لعله أودع مكنونه لشخص ما، سنظل بانتظاره حتى لو كان غودو بيكيت! لكن الثابت أن حق الملكية الفكرية غائب”.

لا أتحمس لأدب عبد الرحمن منيف، ولا لمواقفه السياسية والنضالية، لكن من بديهيات القول والسؤال لماذا الكلام الآن عن رواية “الآن هنا”؟ لماذا السكوت طوال أكثر من ربع قرن على صدور الرواية؟ لماذا لم تُثَر هذه القضية حين كان عبد الرحمن منيف ما زال على قيد الحياة؟ القول “لقد رحل منيف ولن نعرف جليّة الأمر” لا يفيد بشيء، فالروائي لم يرحل مباشرة بعد إصدار الرواية في العام 1991، بل رحل في العام 2004…

لماذا التطنيش؟ هل كان صاحب المذكرات ومسجلها وكاتب الرواية متفقين في امور ما وحصل الخلاف لاحقا؟ مهما كان كلام فالح عبد الجبار حقيقياً وصادقاً. فالشك يحضر في ذهن القارئ في هذه المسألة. هي قضية ملتبسة وربما واضحة، وتفتح النقاش حول الكتابة وطرقها وجوهرها؟ فإذا كان عبد الرحمن منيف “شبّح” الجهد التسجيلي لفالح عبد الجبار، فالسؤال هنا كيف سيكون وقعها لو صدرت كمذكرات؟ وهل الرواية مجرد تسجيلات ووقائع أم هي أسلوب قبل كل شيء؟ وهل يخبرنا حيدر الشيخ علي عن نقاط التطابق بين مذكراته التي “انتُحلت” ورواية منيف التي صنفت ضمن قائمة “أدب السجون”… وهل مقالة فالح عبد الجبار هي تمهيد لصدور مذكرات حيدر الشيخ علي؟

ثمة إشارة خجولة في أحد المقالات تفيد بأنه، للاطلاع على سيرة حيدر الشيخ علي، ينبغي قراءة رواية “الآن هنا”. يبرر عبد الجبار كتابة شهادته قائلاً: “قبل أيام (25 آذار/مارس2017) اتصل بي هاتفياً من أربيل متذكراً محنته في السجن ومحنته في سلب هويته وتجربته. وها أنا ذا أدوّن شهادتي”. وما أفصح عنه عبد الجبار، بخصوص عبدالرحمن منيف والتسجيلات، هو اتهام بالتشبيح إذا جاز التعبير، لكن منيف ليس بيننا لتكون الحقيقة مكتملة، فمهما قيل في هذا الشأن تبقى الأمور ناقصة من دونه…

يمكننا القول انه مهما قيل الآن عن رواية “الآن هنا”، لن تتبدل معادلة أنها رواية، ولن يغير كثيراً في نظرة القارئ إليها. فثمة روايات عالمية اتُّهم أصحابها بالانتحال (“لوليتا” فلاديمر ناباكوف نموذجاً)، ولم يتبدل في الأمر أي شيء. ماركيز استند في روايته “ذاكرة غانياتي الحزينات” إلى رواية “الجميلات النائمات” لياسوناري كواباتا، وفي الواقع كل رواية لها وقعها المختلف وأسلوبها الخاص. وكان يمكن لحيدر الشيخ علي إعادة كتابة مذكراته، فربما ستكون أكثر وقعاً وواقعية من أدب عبد الرحمن منيف.

المدن

 

 

 

 

مذكرات السجين العراقي حيدر الشيخ علي ينتحلها عبد الرحمن منيف ويُسقط الاسم/ فالح عبد الجبار

حتـى تعرف بطل رواية «الآن، هنا» لعبد الرحمن منيف (الطبعة الأولى ١٩٩١) يجب ان تعرف بطلها العراقي. وحتى تعرف بطلها العراقي يجب ان تعرف ديرسو اوزالا بطل المخرج الياباني كيرو ساوا . والعراقي هو حيدر الشيخ علي. كنت اسميه «ابن الأرض»، نقابي، مفعم حيوية، وذكاءً فطرياً، لا تصنعه أطنان من الكتـب، سرعة بديهة وروح مراح، تلتقط مفارقات الحياة. كلما شاهدت فيلم كيرو ساوا « ديرسو اوزالا» تذكرت حيدر. ذاك صياد ماهر، ابن البراري، العارف بخبايا الطبيعة، نذر العواصف وآثار النمور، والضواري، في اقاصي سيبيريا. هو الناجي في وسط صحارى الثلج والغابات، المستأنس بزئير المفترسات، وحفيف أشجار الغاب، يعجز عن العيش في المدينة، ويقتل فيها في اول لحظة غفلة. حيدر، شارك مع عبد جاسم وآخرين في اشعال اول اضراب عمالي (عمال الزيوت) بوجه نظام الحزب الواحد البعثي. كان المتفاوض عن السلطة صلاح عمر العلي، عضو مجلس قيادة الثورة آنذاك الذي أمر بالهجوم أخيراً. يتذكر العمال حيدر الشيخ في عمله مع د.عبد جاسم (رئيس لجنة الإضراب والتفاوض) في التفاوض الجريء الواضح. حملة التصفيات التي بدأها نظام الحزب الواحد البعثي بزعامة صدام حسين، عام ١٩٧٨، حملت حيدر الى الجارة إيران، في تنظيم سري وسط المهجرين العراقيين.

يوم زرت إيران صحبة زهير الجزائري وحكمت داود في جولة بحث ميداني ربيع ١٩٨١، التقيت حيدر مراراً. خشينا عليه من تكرار اللقاء. رسمياً، كنا نحمل جوازات يمنية وبضيافة سفارة فلسطين لا كعراقيين. ودعنا بذكريات مرحة، فرحة، كعهده دوماً في التقاط كل ضروب الفكاهة من واقع الحياة. لا أحد يجاريه فيما يسميه الفرنسيون: سرعة البديهة. فهو تجسيدها الحيّ. صدمت يوم عرفت، بعد زيارة شهر كامل لإيران، وعودتنا، زهير وحكمت وأنا، الى دمشق «قلب العروبة النابض» بالكراهية، ان جهاز المخابرات الإيراني ألقى القبض عليه بتهمة التجسس للعراق. حصل ذلك أواخر عام ١٩٨١.

لسبــــب ما شعرت اننا كنا السبب في انكــشافه. لعل رغبته العارمة في مرافقتنا، (والقيام بدور المضيّف السخي) أنسته بعض ضرورات التـــكــتم في أجواء الريبة التي ترافق الأنظـــمة الجديدة، خصوصاً إذا كـــانت تخوض حرباً داخلية وخـــارجية. عاماً بعد عام كنت انتظر اخباره، أجهزة المخابرات لم تكتف بالسعي الى «قنص» اليساريين العراقـــيــين، بل فتحت ابوب الجحيم على اليسار الإيراني: توده، فدائي خلق. انقلبت الثورة على اليسار الذي دعا اليها وساهم فيها، وأخلص لها.

يوم خرج حيدر، بوساطات من سوريا (الأسد –الأب) وساطات اثبتت ان لا صلة له بالجاسوسية المزعومة، كان أشد نحافة مما كان عليه. فآثار الأصفاد، والتعليق من السقف، والفلقة والجلد بحبل (كيبل) معدني، لاتزال تحكي ملحمة العذاب. استمعت إليه، يروي الحكاية تلو الأخرى، بأسلوبه القصصي، العفوي، الشيق. في هذه القدرة على السرد الجذاب لا يجاريه أحد من كتاب القصة، سوى عربي واحد: يوسف ادريس، تشيخوف العرب (برأيي اللامتواضع).

كانت كلماته الحارة، المفعمة بالحياة تتحول في مخيلتي الى صور حية، أولجتني الزنزانة الانفرادية التي تركوه فيها قرابة ثلاثة اعوام او نحوها، كيما يتفكك، وينهار، فيركع عند اقدام جلاديه، او يصاب بلوثة جنون. اكتشف الجلادون (أصحاب عمائم) انه من معدن آخر، لا ينكسر، ولا ينثلم، مثل معدن كوكب السوبرمان: كريبتون.

حكايته في سجن ايفين هي حكاية جيل كامل من اليساريين الذين قضوا، او تحطموا، او شنقوا، في سجون الفاشية العلمانية والدينية سواء بسواء. سجلت حكاياه، واستنطقته، لحظة لحظة على مدى أيام، وتجمعت الذكريات في أكثر من عشرة شرائط (كاسيت)، بثلاث ساعات لكل شريط. اودعني حيدر ذكرياته لأصوغها كتاب وقائع، بلا تزويقات، بلا رتوش: الحقيقة العارية.

في مصادفة (سيئة او حسنة؟) التقيت الروائي الراحل عبد الرحمن منيف وتجاذبنا الحديث على وقعة «سمك مسقوف» أعدّتها شلة مثقفين عراقيين جاؤوا مثله الى المنفى الدمشقي. حدثته عن ديرسو اوزالا العراقي، حيدر الشيخ علي. التمس منيف ان يطّلع على مضمون تسجيلات السجن. كان هذا خريف عام ١٩٨٨.

لم يُعِدْ منيف الأشرطة كما وعد، على رغم تكرار مطالبتي. ثم حدث أنْ توجهت، مع كثرة، الى المنفى الجديد، لندن.

بعد عام او نحوه، صدرت رواية منيف: «الآن، هنا». وصلت ٣ نسخ هدية من المؤلف الى بطل الرواية حيدر الشيخ علي (نقلها له الصديق انتشال هادي)، وهي تحمل اهداء بخط يد منيف: «ربَّ أخ لك لم تلده أمك». ووصلت نسخة أخرى لي، هذه النسخة تحمل مقدمة بقلم المسرحي الراحل سعدالله ونوس، الضمير الثقافي الحيّ. تقع الرواية في ٣ اقسام: الأول، الدهليز، مقدمة متخيلة عن لقاء يساريين في براغ. الثاني، حرائق الحضور والغياب، والثالث، هوامش أيامنا الحزينة. مضمون قسم حرائق الحضور والغياب منقول نصاً عن مذكرات حيدر المسجلة صوتياً، كما ان هناك موتيفات منها في القسم الثالث. وبهذا اعتمدت الرواية اعتماداً شبه كامل على ذكريات حيدر. كان الاهتمام بتعرية القمع مسّرة لكل من له ضمير، ومبعث اعتزاز لنا ان تجد تجربة حيدر طريقها الى الانتشار.

لكن الرواية كما مقدمة ونوس خلت من أي إشارة الى صاحبها، صحيح ان مكان وزمان الحوادث ألغيا تماماً، في إطار ترميز فني او تهرب من الواقع، الا أن حيدر، شأني انا، أصيب بما يشبه الصدمة بسبب اغفال ذكر مصدر القصة الذي اخذ في شكل نصيّ. ما السبب في إلباس هوية البطل طاقية إخفاء او اغفال المصدر؟ هل هو الاعتقاد بأن من حق الروائي أخذ كل ما يصادفه، نوع من الاعتقاد بامتلاك الأشياء بمجرد ان يقع بصر المرء عليها؟ ام الاعتقاد بأن تحرير المادة فنياً يلغي حق انتسابها إلى لآخر؟ أم هو إغفال غير مقصود؟ ام هو إقصاء لهوية الشيوعي بدافع تحزّب أيديولوجي؟ لقد رحل منيف ولن نعرف جليّة الأمر. لعله اودع مكنونه لشخص ما، سنظل بانتظاره حتى لو كان غودو بيكيت! لكن الثابت ان حق الملكية الفكرية غائب.

منذ نحو عقد من السنوات، ترك حيدر منصبه الوزاري (وزير النقل) في حكومة إقليم كردستان العراق. وتخلى مؤخراً عن موقعه في اعلى هيئة قيادية للحزب الشيوعي العراقي طواعية، فاسحاً الطريق، بملء إرادته للجيل الشاب. ومنذ عقد أيضاً وهو يقاتل مرضاً عضالاً بهدوء نادر. قبل أيام (٢٥ آذار- مارس )٢٠١٧ اتصل بي هاتفياً من أربيل متذكراً محنته في السجن ومحنته في سلب هويته وتجربته. ها أنذا أدون شهادتي.

الحياة

 

 

 

لسنا التفاحة التي نأكلها/ ممدوح عزام

كتب الباحث العراقي فالح عبد الجبار مقالة يتهم فيها عبد الرحمن منيف بانتحال مذكرات سجين عراقي اسمه حيدر الشيخ علي، دون الإشارة إلى هذا المصدر في روايته ” الآن… هنا”. وسبق أن واجه روائيون كثر مثل هذه التهمة، منهم إيان ماك إيوان الذي اتهم أنه انتحل أجزاء من روايته “الكفارة” من كتاب “لا وقت للحب” لـ لوسيلا أندروز. وكذلك حدث مع دان براون ويوسف زيدان والعشرات غيرهما.

ما الذي يحدث حين يستند الروائي في كتابة روايته إلى مراجع خارجية؟ من يعرف كيف تكتب الرواية، يعلم أنها تتم من خلال عمليات القص، والإلغاء، والحذف، والإضافة، إذ لا يمكن أن يكون بين أيدينا عمل جدير باسم الرواية دون هذه الإجراءات التقنية التي تلغي النص الأصلي تقريباً، كما تلغي المرجع الواقعي، أو تعيد خلقه من جديد، لا في الزمن وحده، أو في المكان، بل في طبيعة الشخصيات، وفي حوارها البيني، أو في المونولوغات التي يمكن أن تحاور بها ذاتها في مواجهة العالم الخارجي.

هذه أمور يبتكرها الروائي. وهي التي تمنح روايته فرادتها، وصوتها، أو خصوصيّتها التي تختلف، أو تتباين، مع طبيعة المذكرات من خلال بنية النص. وفي هذه البنية بالذات يمكن نقض اتهامات الانتحال، حيث تختلف الرسالة. ومن الراجح أن تكون لدى كاتب المذكّرات رؤيا أخرى مختلفة بالضرورة، بسبب اختلاف الأفكار، والزمن، والتجربة.

والأمر نفسه تقريباً يتعلّق بانتقال الحكايات إلى الروايات، ومن النادر أن نجد روائياً كتب رواية استناداً إلى الخيال وحده بالمطلق، هذا مستحيل من الناحية الإبداعية والإجرائية، ويعرف من قرأ “الأحمر والأسود” لـ ستندال أن الروائي قد اقتبس فكرتها، من “حادثة مأساوية واقعية حدثت بالفعل في إحدى المقاطعات الفرنسية، وأضاف إليها ستندال (الإضافة هي أيضاً أحد مستلزمات الكتابة الروائية) ما رآه لازماً لشخوصه” حسب ما تقول مقدمة الترجمة العربية. وما “رآه لازماً لشخوصه” هو ما يشير إلى فرادة النص الروائي، وأصالته، واختلافه عن النص الآخر الذي يُتهم الروائي أنه اقتبسه، أو سرقه.

ما يمكن أن يقال عن المصادر المكتوبة، يصلح للقول عن أحداث الواقع التي يجري الروائي عليها عملية تمثيل ضوئي، أو هضم، أو إعادة تدوير، كي تشكل بنية فنية جديدة، تسير فيها الشخصيات في حقل نصيّ آخر سوف يطلق عليه القرّاء والنقّاد اسم: رواية. وهي عمل مستقل تماماً عن أي مصدر من المصادر التي يمكن أن يكون قد استقى منها بعض الشخصيات، أو الأحداث. بل إن الشخصيات نفسها تتعرّض في النص الروائي، لإعادة خلق تجعلها مختلفة عن الشخصية الأصل.

وإذا ما نشرت مذكرات السجين العراقي التي تشير إليها المقالة ذات يوم، فإن المقارنة بين النص الروائي ونص المذكرات سيكون عاملاً من عوامل إثراء التجربة الروائية بوجه عام. وهذا الأمر يتطلّب، بالضرورة، إجراء مقارنة بين العملين في أكثر من منحى: اللغة مثلاً، والتقنيات الكتابية، والفحص الداخلي لعالم الشخصية، أو لعالم الشخصيات الأخرى. فنحن أنفسنا، كما يقال، لسنا التفاحة التي نأكلها.

العربي الجديد

 

 

 

حول اتهام عبد الرحمن منيف بالسرقة: حرقُ الثقافة أم ثقافةُ الحَرق!/ مروان ياسين الدليمي

ما يدعو للرثاء أنْ ينعدم الضمــــــير وتعمى البصيرة لـــــدى طيــــــف واسع من أصــــوات باتت محســـوبة على الثقافة العراقية، كانت لعقود طويلة يسارية الهوى، فإذا بها تنحرف 180 درجـــــة من اليسار إلى اليمين بعد 9/ 4/ 2003.

ليست العلة في المحتل الأمريكي، ولا العلة في الأحزاب التي جاءت معه، إنما العلة تكمن في وسط ثقافي باتت أبوابه مشرعة لينفذ من خلالها خليط غريب من الكائنات لها معاييرها الخاصة في التقييم والحكم القسري على الأشياء، لا صلة لها بما ترسخ من تقاليد وضوابط أفرزتها ماكنة الثقافة الإنسانية عبر عقود طويلة من العمل والإنتاج، وأقل ما يقال عن تلك المعايير ألا صلة تجمعها بالجانب الأخلاقي من العمل الثقافي، بقدر صلتها بغرائز ومشاعر بدائية، وهذا ما يستدعي من علماء النفس والاجتماع دراسة هذه الظاهرة الغريبة، بعد أن كشفت لنا حقيقة التوحش الطائفي، الذي كان يختبئ خلف أقنعة تحمل صورة جيفارا وماركس وباسترناك.

القضية هذه، كما يبدو، لا تنحصر في إطار مواقف فردية طارئة، إنما جزء من ظاهرة العنف التي باتت تستشري في مجمل صور الحياة، حيث انقطعت بموجبها قنوات الحوار وقبول الآخر انطلاقا من دوافع فئوية ضيقة، ولعل نتائج هذه الظاهرة في ميدان الثقافة أشد خطرا، خاصة أن شظاياها الحارقة طالت الأسوار الآمنة والحصون العالية للتراث الثقافي والإبداعي العربي، وعلى ما يبدو فإننا شهدنا المشاهد الأولى من هذا الفصل التراجيدي، كان الشاعر سعدي يوسف أول من طالته شظايا هذه الهجمة، بعد أن كان موقفه واضحا، ومنذ وقت مبكر في رفضه لعملية غزو الأمريكان للعراق، بحجة تغيير النظام، فما كان من نتائج موقفه هذا إلاّ أن بدأت عملية تسقيط (طائفي) لشخصه، ولمجمل منجزه الشعري الذي كان يتغنى به يساريو الأمس وطائفيو اليوم.

ما الذي تبقى من دفاعات حصينة يستند إليها الفعل الثقــــــافي للحفاظ على خصوصية كينونته، بعد أن ارتفعت عاليا أصوات جوقة النشاز إلى مستوى لم تعد تجد في نفسها حرجا من الإفصاح عما تدعو إليه من شطب تاريخ مشــــــرق في مسار الإبداع العربي، جوهره كان قائمـــــا على تمجيد حرية الإنسان وآدميــــته أمام ثقافة تنتجها مؤسسات رسمية ليس لها ما يماثلها في احتقار حرية الإنسان؟

يقف عبد الرحمن منيف في طليعة أسماء تحسب وبفخر على هذا التاريخ المشرِّف في النتاج الإبداعي العربي، ويكفيه شرفا وهو الخارج من بيئة منغلقة ومتزمتة فكريا وعقائديا أن يكون بتلك الصورة من التمرد على الواقع وعشق الحرية في الفكر والإبداع والممارسة، ومضى غير عابئ بالتحديات التي سيواجهها ولا بالخسائرالتي سيدفعها في طريق اختاره بإرادته، ولم يُسجل ضده تراجع أو ميل نحو هذا الاتجاه أو ذاك، على حساب قناعاته الفكرية والإبداعية، استجابة ورضوخا لما تقتضيه الظروف والأحوال كما فعل غيره من الأدباء والشعراء، ومع ذلك أقيمت لبعضهم نصب وتماثيل، ومازالت تقام باسمهم مهرجانات شعرية سنوية مع أنهم نموذج للمبدعين الذين يرتزقون الحياة المرفهة والأموال، من وراء قصائد عصماء لا يترددون في أن يكتبوها تملقا وتزلفا للملوك والزعماء، بينما دفع عبد الرحمن منيف ودونما ضجة الثمن باهظا (حيث حرم من جنسية بلده) ولم يثنه ذلك عن خياراته، وبقي محافظا على مساحة الحرية التي نالها بكفاحه وجهده الإبداعي وكتب بها أعماله، هذا إضافة إلى ما اتسم به نتاجه الإبداعي من سمات فنية رصينة يحق للثقافة العربية أن تفتخر به لما يحمله من ريادة في تعرية صور القمع والقهر التي تمارس بحق الإنسان في المنطقة العربية.

فلماذا وبعد وفاته بسنين يتعرض إلى حملة شرسة تستهدف النيل من نزاهته الشخصية ونتاجه الإبداعي؟ يحق لنا أن نطرح هذا السؤال طالما المسألة تتعلق بواحد من أبرز الأسماء التي لعبت دورا أساسيا في تشكيل وعينا وإحساسنا بالحرية والعدالة الإنسانية عبر عدد من أعماله مثل روايتي «الشرق المتوسط» و«الأشجار واغتيال مرزوق» وستبقى أعماله بمجملها محتفظة بأهميتها ومكانتها في ذاكرة الثقافة العربية.

بات من السهولة بمكان في وسط ثقافي معبّأ بأصوات مختلة عقليا ومشوَّهة وجدانيا أن يوصم عبد الرحمن منيف بالطائفية من قبل هذا وذاك (شاعر عراقي شاب وصاحب دار نشر عبر عن ذلك صراحة في صفحته على موقع الفيس بوك بعد نشر مقال فالح عبد الجبار ) ويا ليتهم قد كشفوا عن القيح الذي يخبئونه في دواخلهم عندما كان منيف على قيد الحياة، إلا أنَّ شجاعتهم خانتهم، هذا إنْ كان لهم شجاعة، فانتظروا إلى أن غادر الحياة ليمعِنوا في طعنه، فقبل عدة أعوام تمت استباحة مكتبته والعبث بما تركه من مخطوطات ومشاريع لم يسعفه الوقت في إكمالها بطريقة بشعة، كما عبرت زوجته في حينها، وامتدت بهم (شجاعتهم) أبعد من ذلك فنبشوا قبره.

وعلى ما يبدو فإنهم لم يكتفوا بذلك ولم يرتو عليلهم منه، لنجدهم اليوم يحاولون أن يحرقوا تاريخ الروائي عبد الرحمن ولا يبقون له من أثر يذكر في ذاكرة الثقافة، لمجرد أن كتب فالح عبد الجبار مقالة في صحيفة «الحياة» تعرّض فيها لآخر رواية كان قد أصدرها منيف عام 1991 حملت عنوان (الآن هنا) بدا من خلالها عبد الجبار وكأنه يحاول أن يلصق به تهمة سرقة جهود آخرين، مستندا إلى حجة واهية مفادها أن منيف لم يذكر اسم بطل الرواية في الواقع (حيدر الشيخ علي) وهو قيادي في الحزب الشيوعي العراقي، وعلى أنه لم يكن أمينا معه عندما لم يعيد إليه أشرطة تسجيل صوتية طلبها منه كان قد سجلها في بيت فالح عبد الجبار لبطل الرواية في الواقع، واعتمد عليها منيف في كتابة روايته.

لم يكن منصفا فالح عبد الجبار في مقاله، وهذا ليس من طبيعته ولا من خصائصه، باعتباره باحثا أكاديميا معروفا بموضوعيته والتزامه الدقة والأمانة في مجمل كتاباته، وقد حمل المقال جملة من الثغرات ليست في صالحه، وربما تنال من مصداقيته وتطرح أسئلة حول الدوافع التي تقف خلف كتابة هذا المقال في هذا التوقيت بالتحديد، لأنه جاء متأخرا جدا، أي بعد ربع قرن على نشر الرواية، وبعد خمسة عشرعاما على وفاة عبد الرحمن منيف. كما تجاهل قضية مهمة جدا تتلخص في أنَّ ما قدمه عبد الرحمن منيف كان عملا روائيا خالصا، اعتمد في بنائه على التخييل، حتى إنْ كان الواقع مادته الأساسية، بذلك لا يمكن ان يتهم بالسرقة تحت أي ذريعة كانت، سواء أعاد أشرطة التسجيل إلى فالح أم لمْ يعدها.

ولنفترض أنه أعادها، فهل كان عبد الجبار سيكتب هذا المقال؟ وهل سيكون عبد الرحمن منيف ليس سارقا؟ والأهم من هذا أنَّ السيدة (فيان الشيخ علي) ابنة بطل الرواية في الواقع، كشفت في بوست كتبته على الفيسبوك بعد الضجة التي أثارها المقال أن «الأشرطة وصلت إلى عبد الرحمن منيف بموافقة العائلة «، بمعنى ان جميع الأطراف (فالح وعائلة حيدر الشيخ علي) كانوا على عِلم بأن الاشرطة قد ذهبت الى (كاتب روائي) ولم تذهب إلى صاحب مقهى، فمن الطبيعي سيتعامل معها الروائي باعتبارها مادة من الواقع، وسيبني عليها بمخياله الإبداعي عملا أدبيا لا يمكن تحت أي ظرف أن تجرى عملية مقارنة ومطابقة بينهما، وإذا ما تم ذلك من قبل ناقد أو حاقد فهذا يعني أنه يجهل تماما الفرق بين الأدب والواقع، وعلى أن هنالك مسافة شاسعة تفصل بينهما، وعلى أنهما عالمان منفصلان وإنْ كان يضيء أحدهما الآخر، ولا يمكن من الناحية النقدية الحكم على أي منهما بمعايير الآخر.

للأسف جاء مقال فالح عبد الجبار في لحظة ملتبسة منحت الفرصة لمن كان ينتظـــــرها في وســــط ثقافي يعج بأصوات محتقنة بمشاعر الكراهــية لتنطلق من خلاله ــ باعتباره شخصية أكاديمية مرموقة لا غبــــار على موضوعيتها ــ في بث سمومهما لحرق الآخرين طائفيا.

مبدأياً سأفترض حسن النيّة لدى فالح عبد الجبار، على أنه لم يكن في حسبانه أن يمنحهم مثل هذه الفرصة، لكني لنْ أجد العذر لكل الأصوات التي انزلقت بإرادتها إلى حملة التسقيط الطائفي لقامة كبيرة مثل عبد الرحمن منيف، التي لم تقتصر على الرواية موضوع المقال «الآن هنا»، بل تعدت إلى التشكيك والطعن في أسباب اختيار أسماء شخصيات رواياته الأخرى، خاصة الشخصيات ذات الأبعاد السلبية، وهذا السياق يعيدنا إلى المنهج الطائفي نفسه الذي تم التعامل به مع سعدي يوسف من قبل. بطبيعة الحال هذا النهج ما هو إلاّ إعادة إنتاج في الحقل الثقافي لما يجري على أرض الواقع من عمليات قتل وتسقيط على الهوية الطائفية تمارسها كافة الأحزاب والشخصيات السياسية وأذرعها الميليشياوية. أؤكد على ما قلت: لن أجد عذرا لكل الذين انساقوا إلى هذا المستنقع، ليس لأنهم يرتزقون من اتباع الاحتلال، وليس لأنهم طائفيون، وليس لأنهم أنصاف مثقفين، وليس لأنهم بلا مواهب، وليس لأنهم ينفذون أجندة مرسومة لهم لتدمير ما تبقى من الوعي الوطني والإنساني. إنما لأنهم بلا ضمير ودونما بصيرة.

٭ شاعر عراقي

القدس العربي

 

 

 

 

عبدالرحمن منيف مرة أخرى/ أحمد الحناكي

الحقيقة أنه ليست هناك مرة أولى لمقالتي، إشارة إلى العنوان أعلاه، إنما المقصود هو الحديث حول ما كتبه فالح عبدالجبار في مقالته السبت الماضي في صحيفة «الحياة» بعنوان: «مذكرات السجين العراقي حيدر الشيخ علي ينتحلها عبدالرحمن منيف ويُسقط الاسم».

والعنوان كما هو مكتوب يتهم الروائي الكبير بالسرقة، وهو كما شرح أن عبدالرحمن منيف استعار منه أشرطة مسجلة لحيدر الشيخ علي عن تجربة سجنه في إيران أيام الخميني ثم لم يرجع هذه الأشرطة، بل إنه أخرج رواية اسمها «الآن هنا البحر المتوسط مرة أخرى»، ويقول فالح عبدالجبار إن منيف أرسل ثلاث نسخ لحيدر الشيخ علي ونسخة له، والمقدمة كتبها المسرحي سعدالله ونوس، إلا أنه يقول: «تقع الرواية في ٣ أقسام: الأول، الدهليز، مقدمة متخيلة عن لقاء يساريين في براغ. الثاني، حرائق الحضور والغياب، والثالث، هوامش أيامنا الحزينة. مضمون قسم حرائق الحضور والغياب منقول نصاً عن مذكرات حيدر المسجلة صوتياً، كما أن هناك (موتيفات) منها في القسم الثالث. وبهذا اعتمدت الرواية اعتماداً شبه كامل على ذكريات حيدر. كان الاهتمام بتعرية القمع مسرّة لكل من له ضمير، ومبعث اعتزاز لنا أن تجد تجربة حيدر طريقها إلى الانتشار. لكن الرواية كما مقدمة ونوس خلت من أي إشارة إلى صاحبها» (انتهى كلام الدكتور فالح).

لدي تساؤلات هي أقرب إلى التحفظات على تلميحات عبدالجبار وإشاراته حول عبدالرحن منيف، مع كامل احترامي وتقديري له، فهو في البداية أثنى على الأسلوب السردي لحيدر الشيخ علي، وقال إن لا أحد يوازيه في العالم العربي إلا يوسف إدريس، وأعتقد أن هذا الثناء المقصود منه التقليل من الجانب الفني لعبدالرحمن منيف بشكل مخادع، وللتأكيد أن ما ظهر في رواية منيف ليس منه بل من المصدر وهو حيدر الشيخ علي، لكن الدكتور فالح أغفل أشياء عدة ولم يوضح أشياء أخرى وتجاهل مثلها، فهو مثلاً ذكر أن اسم رواية منيف: «الآن هنا»، بينما لم يذكر الاسم كاملاً وهو: «الآن هنا الشرق المتوسط مرة أخرى»، وبتصوري أنه لم يذكر الاسم الكامل متعمداً، لأنه لا يريد للقارئ أن يتنبه إلى أن لعبدالرحمن منيف رواية أصدرها في 1975 اسمها «الشرق المتوسط»، تحكي عن التعذيب في السجون، وهي قوية لدرجة أنني أعرف أن أحد الأصدقاء لم ينم ليالي عدة متأثراً بوصف منيف المخيف، أي أن الرواية التي كتبها منيف في 1991 ويرى عبدالجبار أنه انتحلها من الكاسيتات لحيدر الشيخ هي جزء ثانٍ من رواية قديمة.

عبدالرحمن منيف من أهم روائيي القرن العشرين عربياً، والملاحظ أن فالح لم يقل كلمة واحدة إيجابية عنه في المقالة، إذ سبق أن كتب روايات عظيمة قبل هذه الرواية وبعدها، وبالتالي لا معنى ولا مفهوم لهذا الاتهام، ولا مبرر لمنيف أن يلجأ إليه، فهو كتب من قبل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الاتكاء على ما سرده حيدر الشيخ علي جائز ووارد، لكنْ هناك فرق من دون شك بين الأخير وبين منيف من الناحية الفنية، فلو كانت متوافرة لدى الشيخ علي لما لجأ إلى عبدالجبار، إنما السؤال الذي يطرح نفسه هو، لماذا لم يخرجها عبدالجبار بكتاب كما طلب منه الشيخ علي؟ ولماذا يعطيها لمنيف وهي نسخة وحيدة؟ ثم لماذا يا دكتور فالح لم تتحدث في 1991، وتنتظر 26 عاماً مات فيها منيف وكبرت أنت وكبر الشيخ علي ومات أناس ربما يعرفون تفاصيل أخرى؟

الدكتور فالح عبدالجبار باحث كبير من دون شك، ولكن ما ذكره يثير شكوكاً كثيرة لا يملك عليها برهاناً واحداً سوى شهادته، وربما حيدر الشيخ علي، وحتى هاتان الشهادتان تصبحان بلا قيمة عندما تظهران بعد 26 عاماً، خصوصاً أن عبدالرحمن منيف فضلاً عن قيمته وأهميته ليس رئيساً ديكتاتورياً نتفهم الصمت على ما ارتكبه خوفاً منه، فما بالك وهو أيضاً أحد من عانوا كثيراً من النظام البعثي لصدام حسين، وكان لاجئاً الى سورية هرباً منه؟ والمفارقة أن أحد التعليلات الضعيفة التي أوردها عبدالجبار لاتهامه هو إقصاء لهوية الشيوعي بدافع تحزب أيديولوجي. ألا يعلم الدكتور فالح أن القمع ساوى بين المسحوقين والضحايا، أياً كانت اختلافاتهم الأيديولوجية، بخاصة المثقفين ممن يرفضون العنف في الأساس؟

* كاتب سعودي

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...