الرئيسية / صفحات مميزة / عن تطورات الموقف الروسي من الثورة السورية –مجموعة مقالات-

عن تطورات الموقف الروسي من الثورة السورية –مجموعة مقالات-

 

 

الغباء الروسي واللعب الأميركي/ عمار ديوب

تكمن السياسة الروسية في وهم استعادة دور الاتحاد السوفييتي العالمي، وأن تلعب دوراً مركزياً في العالم، والانطلاق من نتائج الحرب العالمية الثانية في دعم سيادة الدول، والتدخل عبر ممثلي هذه الدول، كما في سورية. وفي حال تعذر ذلك، هناك الغزو التقليدي، كما حصل في أبخازيا والقرم. روسيا لم تفهم السياسة الأميركية جيداً؛ فالانسحاب في مرحلة أوباما كان لأسبابٍ متعدّدةٍ، وكذلك لجذب روسيا إلى التحالف معها في استراتيجيتها ضد الصين، والتي لا تزال قائمة في زمن دونالد ترامب. روسيا رفضت ذلك، وتقدمت بسياسةٍ توازي السياسة الأميركية عالميّاً وفي منطقتنا، وهي إعطاء إيران دوراً في المنطقة، وكذلك تركيا وإسرائيل، وتهميش العرب واللعب على الأكراد، والضغط على هذه الدول، حينما تتضرّر المصالح الروسية. الخلاف هنا أن أميركا تسمح بتقدم إيران من موقع توريطها بحروبٍ مع العرب، وجذبها ما أمكن إلى صالح التحالف ضد الصين، وتغليب الاتجاه الإصلاحي على الاتجاه المحافظ فيها. الضعف الروسي عالمياً تُدركه إيران وتركيا وإسرائيل. ولهذا، نجد نديّة معينة في التعاطي معها، بخصوص السياسة في منطقتنا والعالم، فتركيا تختلف مع روسيا بمسائل معينة، ولا سيما بخصوص مجمل الوضع السوري، وكذلك نجد اختلافاتٍ تتصاعد بين روسيا وإيران، بخصوص الوضع في سورية. وأيضاً لإسرائيل حساباتها في كل المنطقة، والتي قد تتوافق أو تتباين مع روسيا، ولا سيما إزاء الموقف من إيران أو حزب الله وغيرهما.

ما لم تفهمه روسيا، وهي بصدد احتلال سورية، وبطلبٍ من نظامها ومن إيران، أنّ عليها أن تحسم العلاقة مع النظام وإيران ذاتهما. ربما سبب تأخُرُ ذلك عدم رغبة روسيا في التورط

“أخطأت روسيا كثيراً في فهم السياسة الأميركية والآن بدأت تُحاصر في سورية وربما غداً في أوكرانيا” بالمعارك بريّاً، وهي التي خسرت في أفغانستان، ولا تنسى خسارة أميركا في فيتنام، لكن ذلك يشلّ يدها، ويُعطي لإيران الأحقية في دور أكبر للسيطرة على سورية مستقبلاً، وليس الآن فقط. تم التدخل الروسي بموافقة أميركية، وكان يمكن لروسيا أن تسيطر بشكل كامل على سورية، لو قرأت جيداً السياسة الأميركية تلك، لكن التردّد الروسي، بل والغباء، هو ما فعلته في السياسة بخصوص سورية، وهذا ما استفادت منه تركيا وإيران وإسرائيل، وعزّزت جميعها مواقعها في سورية. الخلافات بين روسيا وتركيا والتوافقات لاحقاً بينهما لا تعني بأي حالٍ أن هناك تحالفاً قويّاً بينهما، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال التغيرات الجديدة التي رافقت وصول ترامب، وإعلانه عن مناطق آمنة في سورية أو تحرير الرقة؛ حيث استدارت تركيا فوراً نحو الخليج، وساهمت بدورٍ ما في فتح جبهة الجنوب السوري، وخفضت من التمثيل في أستانة 2. إذاً روسيا أخطأت في التردّد إزاء حسم تحالفاتها مع إيران، وضرورة تحجيمها بشكل كبير، وأخطأت بتبني خطاب النظام إزاء المعارضة والفصائل، وحتى حينما اتفقت مع تركيا والفصائل، وعقدت لقاءات أنقرة وأستانة، لم تفرض توافقاتها تلك على إيران، وبقيت الأخيرة تُعطّل التوافقات، وتضعف بنودها كذلك، وظلت روسيا تقلّل من شأن الانتقادات التركية أو المعارضة، بخصوص رفض أن تكون إيران ضامنةً لوقف إطلاق النار، وكذلك بخصوص إجلاء المليشيات الطائفية التابعة لها من سورية.

السياسة الأميركية الجديدة، وعلى الرغم من إشارات ترامب إلى علاقة وثيقة مع بوتين، فإنها لن تختلف كثيراً عن سياسة أوباما، لكنها ستستعيد بعضاً من سياسات بوش وكلينتون، أي العودة إلى لعبِ دورٍ مركزيّ في المنطقة، وإن ظلت استراتيجيتها الأساسية تتمركز في مواجهة الصين؛ وبرز بشكل واضح رفضها الوجود الإيراني في العراق، والتنديد بوجودها في كامل المنطقة العربية، وفي التصريحات الرافضة حل الدولتين، ودعم إسرائيل في دولة واحدة وضد العرب. وأخيراً رفض التهميش الذي فرضته روسيا وإيران ضدها في اجتماعات أستانة بخصوص الوضع السوري.

فتحت أميركا عملياً جبهة الجنوب، وقطعت الطريق على تنسيقٍ أكبر بين الأردن والنظام،

“روسيا جاءت لمواجهة ثورةٍ شعبيةٍ، وستزول بحربٍ وطنية قادمة” وكذلك لإحكام إغلاق المعابر بين الدولتين، بدلاً من فتحها، كما كان مأمولاً للنظام السوري، وقالت بمناطق آمنة، كان أوباما يرفضها من قبل، ولصالح تركيا وربما الأكراد، وكذلك في الجنوب، وأعادت العلاقات القوية مع السعودية تحديدا. وبالتالي، انتهى جنيف 4 قبل أن يبدأ؛ النظام لم يفعل شيئاً لنجاحه طبعاً، فهناك التنديد بتركيا، وتقديم شكوى لمجلس الأمن الدولي، باعتبارها محتلة لأراضي سورية، وعدم إيقاف إطلاق النار والاستهزاء بوفد هيئة التفاوض إلى جنيف 4، واشتراط أن يتضمن المنصات التابعة لروسيا.

كل ما تقدم، ولم تُعلن بعد أميركا سياسةً واضحةً ودقيقة إزاء تركيا وسورية والأكراد والوجود الروسي في سورية؛ إذاً أخطأت روسيا كثيراً في فهم السياسة الأميركية، والآن بدأت تُحاصر في سورية، وربما غداً في أوكرانيا، لا سيما أن المواقف الأميركية إزاء أوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) لم تستقر بعد، لكنها كذلك قد لا تبتعد كثيراً عمّا كان في زمن أوباما، مع تشدّدٍ أكبر بخصوص تمويل الحلف الأطلسي، فلا يمكن لأميركا دفع أوروبا نحو سياسات تقاربٍ مع الصين أو روسيا.

الآن، تُقدم الخطط لتحرير الرقة، وهناك خطة روسية أيضاً، وليس فقط خطط تركيا أو خطة قوات سورية الديموقراطية. وهذا يدلّ على أن روسيا بدأت تتراجع مواقعها في سورية؛ تحصين روسيا لنفسها بمعاهداتٍ عسكرية، ومحاولتها السيطرة على السلطة السورية والمطارات العسكرية، وإرساء قواعد عسكرية واتفاقيات اقتصادية وسوى ذلك، لا يحصّنها في حال اعتُمدت سياسة أميركية متمايزة عنها إزاء الوضع السوري؛ فروسيا وعلى الرغم من ثقلها العسكري في سورية، ظلّت بحاجة إلى إيران وتركيا، والآن تُراقب كما العالم التغيرات في السياسة الأميركية إزاء سورية والعالم.

قصدت أن روسيا لم تخطئ فقط بتأخرها حسم التناقض مع إيران وإرساء تحالف قوي مع تركيا. وبالتالي، فرض حل سياسي في الفترة الانتقالية لانتقال السلطة في أميركا، بل وتكمل الخطأ بقصفٍ همجيٍّ لكل المدن السورية، تجدّد مع فتح جبهة درعا، وكذلك تحاول التضييق على تركيا في مدينة الباب، وتقترح خطة لتحرير الرّقة، عبر قوات النظام.

روسيا احتلالٌ زائلٌ من سورية لما ذكرناه، وهي ككل احتلال تتوهم السحق الكامل للشعب الأصلي؛ روسيا جاءت لمواجهة ثورةٍ شعبيةٍ، وستزول بحربٍ وطنية قادمة.

العربي الجديد

 

 

 

 

نظام مابعد الغرب/ علي العبدالله

أثارت دعوة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال مشاركته في مؤتمر الأمن في ميونيخ/ألمانيا يوم السبت 18/2/2017، الى قيام نظام عالمي جديد وصفه بـ ” ديمقراطي وعادل”، واعتبره “نظام ما بعد الغرب”، أثارت أسئلة حول دلالة الدعوة وتوقيتها ومدى منطقيتها في ضوء واقع التوازنات الدولية والعلاقات الراهنة بين القوى الكبرى التي تتسم بالتوتر والجمود؟.

ربطت بعض التعليقات بين الدعوة والتطورات الدولية والإقليمية التي ترتبت على السياسة الخارجية الأميركية في ظل الإدارة السابقة وما حققته روسيا من انجازات ميدانية في كل من أوكرانيا وسوريا، وسعيها الى تثبيت هذه المكتسبات عبر طرح برامج وخطط “برغماتية” تتراوح بين “التصعيد” و “التحدي” و “الدعوة الى التعاون والشراكة في التعاطي مع الملفات والأزمات الدولية الساخنة”، على أمل استدراج الإدارة الأميركية الجديدة الى القبول بدور روسي دولي موازي ومساوي للدور الأميركي، وعقد صفقة شاملة بين الدولتين كبديل من الانزلاق الى مواجهات وحرب باردة جديدة. وربطتها تعليقات أخرى بالهزة التي لحقت بالاتحاد الأوروبي نتيجة التصويت على خروج المملكة المتحدة منه، وبتداعيات انتخاب الرئيس الأميركي الجديد وما ترتب على مواقفه وتصريحاته من ردود أفعال عالمية، أوروبية بشكل خاص، في ضوء تعارضها مع المنطلقات التقليدية للسياسة الغربية والأميركية من جهة وتعارضها مع احتياجات التحالف الغربي للتصدي لطموحات الرئيس الروسي وسعيه لاختراق التحاف الغربي وزعزعة استقرار القارة الأوروبية من جهة ثانية.

غير أن الدعوة/الخطة تفتقر الى الواقعية والعملية ذلك لان التوازن الدولي مازال مختلا لصالح الولايات المتحدة الأميركية، وان ما حققته روسيا خلال الأعوام الأخيرة لا يعكس حقيقة توازن القوى بينها وبين الولايات المتحدة ولا يسمح لها بتحقيق مكاسب أخرى بحيث تدفع الإدارة الأميركية الجديدة الى القبول بالمساومة والتوجه نحو التفاهم تلافيا لخسارة أميركية جديدة في الملفات العالقة بينهما.

قرأت روسيا، والصين وبعض القوى الإقليمية، توجه الإدارة الأميركية السابقة لإجراء تعديلات على قواعد عمل العلاقات الدولية وعملها على الاتفاق على قواعد جديدة قائمة على الشراكة والتعاون وإقامة تفاهمات دولية وإقليمية تقود الى التهدئة وتقليص اللجوء الى القوة، باعتباره  دليل ضعف، إن لم يكن دليل عجز، وعملت على تحقيق مكاسب سياسية وجيوسياسية خلال فترتي حكم هذه الإدارة عبر تطوير سياسة هجومية في أوكرانيا بداية وفي سوريا تاليا، هناك مؤشرات على تحرك مماثل قريب في ليبيا، مصحوبة بدعوات متتالية لإجراء مفاوضات حول النظام الدولي الأحادي القطبية، الذي قام بُعيد سقوط جدار برلين، من أجل العودة الى نظام ثنائي القطبية يتم فيه تقاسم النفوذ بين الدولتين العظميين، ناهيك عن قراءتها الخاطئة لحقيقة السجال الأوروبي الأميركي الذي أثارته تصريحات الرئيس الأميركي ضد الاتحاد الأوروبي، وتشجيعه لظاهرة “البريكسيت”، وضد حلف الناتو(تصريحات لاستعادة حصة واشنطن في الاقتصاد الدولي عبر ضبط التحالف وإعادة علاقة الهيمنة الأميركية وسيطرتها على توجهات الحلفاء الأوروبيين وتحميلهم جزءا كبيرا من فاتورة الدفاع) باعتبارها إياه بداية انفراط التحالف الغربي، ما يفتح لها المجال لتسجيل نقاط في صراعها الجيوسياسي المفتوح مع الاتحاد الأوروبي.

لم تكتف روسيا، بالرغم من تجاهل الإدارة الأميركية السابقة للدعوات الروسية في ضوء تقديرها لتوازن القوى، استهزأ الرئيس الأميركي السابق من هذه الدعوات بوصفه روسيا بـ “قوة إقليمية”، بهذه الدعوات بل أطلق الرئيس الروسي شروطه للمصالحة وتطبيع العلاقات، شروط تعكس سوء تقدير فاضح، لخصها بـ: الاعتراف بضم جزيرة القرم، رفع العقوبات وتعويض روسيا عن الخسائر التي لحقت بها بسببها، وقف تمدد حلف الناتو شرقا، التخلي عن نصب الدرع الصاروخية. وهذا قاد الى تدهور العلاقات بين الدولتين الى درجة غير مسبوقة.

لا يمكن لروسيا وضع نفسها على قدم المساواة مع الولايات المتحدة. صحيح أن الولايات المتحدة قد خسرت جزءا من قدرتها بسبب تراجعها في مجال الاقتصاد، وأنها مالت الى المهادنة والاستعداد للتخلي عن لعب دور الشرطي العالمي والتوجه لإشراك قوى أخرى في إدارة الملفات الساخنة وحل الصراعات الدولية والإقليمية لتقليص الفاتورة التي تدفعها ثمنا للقيادة العالمية، وان لدى روسيا قوة عسكرية ضخمة، خاصة في المجال النووي، إلا أنها لا تمتلك القدرة اللازمة للانخراط في تنافس شامل مع الولايات المتحدة فالأخيرة تمتلك تراكما علميا وتقنيا وإداريا يتيح لها التكيف مع المتغيرات والتحرك لاحتواء الأخطار والأضرار، وانه لا يكفي أن يكون لدى روسيا قوة عسكرية لتدخل في صراع وتنافس مع الولايات المتحدة، فالصراع بين الدول لا تحكمه ” القوة” وإنما “القدرة”، و”القوة” غير “القدرة”، فـ “القوة” جزئية بينما “القدرة” شاملة وهي محصلة مجموع “قوى” الدولة في النواحي الثلاث التي تقوم عليها: القوة السياسية، القوة الاقتصادية، القوة العسكرية، وهي (روسيا) صورة طبق الأصل عن الاتحاد السوفياتي الذي وصف آنذاك بـ “عملاق” بساقين واحدة جبارة(العسكرية)والثانية هزيلة(الاقتصادية)، علما أن الاقتصاد هو مركز الثقل في الدول الحديثة عامة والعظمى خاصة، لان استمرار القوة العسكرية مرتبط بقدرة الاقتصاد على تمويلها، فاقتصادها مازال يعتمد على تصدير المواد الطبيعية(النفط والغاز) وهي عرضة لاهتزازات السوق نتيجة تقلبات العرض والطلب، وقد شهد على ذلك تنامي الموارد عندما ارتفعت أسعار النفط وتراجعها القاسي عندما انهارت الأسعار.

أمام قبول الدعوة الروسية الى قيام نظام دولي جديد عقبات كبيرة أولها عدم استعداد الغرب للمساومة على دوره وموقعه في المعادلة الدولية، وهذا ما أكده الرئيس الأميركي الجديد بإعلاناته المتواترة عن استعادة مكانة الولايات المتحدة وتعزيز ترسانتها النووية وتحسينها وزيادة موازنة وزارة الدفاع. وثانيها عدم وجود اتفاق على شكل النظام الدولي البديل، فروسيا التي تطالب بنظام بديل لنظام الغرب تعمل من اجل عودة النظام ثنائي القطبية، وهذا يضعها على الضد من توجهات دول كبرى أخرى تشاركها في رفض استمرار هيمنة الغرب على النظام الدولي، من بينها شركاؤها في مجموعة البريكس، لكنها تدعو وتعمل من أجل قيام نظام متعدد الأقطاب، وهذا يضعف الموقف الروسي في مواجهة الغرب بعامة والولايات المتحدة بخاصة، ويحد من فرص نجاح دعوتها.

لن يبكي أحد النظام الدولي الذي يهيمن عليه الغرب ويسيطر من خلاله على التوجهات الدولية والإقليمية وعلى الاقتصاد الدولي لكن المعضلة إن النظم التي تدعو لاستبداله لا تشكل بديلا مناسبا، فعدا عن كونها نظما سلطوية وقمعية في أوطانها فإنها وقفت ضد تطلعات الشعوب في الحرية والكرامة، وفق إعلان وزير الدفاع الروسي عن دور روسيا في القضاء على الثورات الملونة في الربيع العربي، ما جعل مطالبة لافروف بنظام دولي “ديمقراطي وعادل” مفارقة عجيبة وبغيضة.

 

 

 

كيف أفشلت روسيا استراتيجيتها المنفردة في سورية؟/ عبدالوهاب بدرخان

أين الولايات المتحدة؟… هكذا تساءل المبعوث الأممي الخاص بالأزمة السورية أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في سياق حديثه عن التحضير للمفاوضات بين المعارضة والنظام. وبعد شروعه في إدارة «جنيف 4» قد يكون ستيفان دي ميستورا تساءل أيضاً: أين روسيا؟… فغياب الدولتين الكبريين مؤشرٌ، لديه ولدى كثيرين، لمراوحة التفاوض في انتظار تدخلهما، الذي ينتظر بدوره توافقهما، كما يتطلّب استعادتهما الاتصال والتواصل لإنتاج تفاهمات جديدة، اذ لم يبقِ من السابقة سوى القليل الذي يمكن الإبقاء عليه. ثم أن روسيا غيّرت الكثير من معطيات الأزمة ووقائعها، بعدم ممانعة أو بشبه تفويض أميركيين، لكن من دون أن يعني ذلك أن واشنطن باصمة مسبقاً على كل ما تفعله موسكو أو مستعدة للقبول بكل أمر واقع تقيمه. على العكس، قد تكون أميركا، بدورها، في صدد إحداث تغييرات لجعل المناطق الآمنة أمراً واقعاً آخر، ولذا تجب مراقبة الحراك في جبهة درعا والمراجعة الأميركية لقواعد التنسيق مع تركيا في شأنَي الشمال السوري و «الحرب على داعش».

شعرت دول «مجموعة أصدقاء سورية» ببعض من الارتياح، خلال اجتماعها في برلين، عندما أكد وزير الخارجية الأميركي دعم واشنطن مفاوضات جنيف، إذ كان نظراؤه يتخوّفون من موقف مفاجئ وصادم على الطريقة الترامبية، خصوصاً أنهم تلقّوا إشارات عدّة تفيد بأن الإدارة الجديدة لم تعد مقتنعة بأن مسار جنيف يمكن أن يفضي الى حل سياسي. لكن وحدة الموقف ومظهر التماسك اللذين خرج بهما اجتماع «أصدقاء سورية» ليسا الكلمة الأخيرة لإدارة ترامب، كونها لا تزال تدرس خياراتها وليس معروفاً من توجّهاتها المقبلة سوى تركيزها على ضرب «داعش»، وكونها في كل الأحوال تريد تعاوناً مع روسيا. لذلك فإن «الدعم» الذي أعلنه ريكس تيليرسون لـ «جنيف 4» لا يحمل ملامح الرعاية السابقة للمفاوضات وأهدافها، ولا يوضح مَن تدعم إدارة ترامب حالياً في سورية، فهي جمّدت تسليحها لفصائل مقاتلة وحضّتها على توحيد صفوفها لمقاتلة «داعش»، وليست لها اتصالات معروفة مع أي فريق معارض، فيما تُتداوَل على نطاق ضيّق معلومات عن اتصالات لها مع أجهزة تابعة للنظام في إطار التخطيط للحرب على الإرهاب وربما تتناول ايضاً مسألة «المناطق الآمنة».

كما ينتظر الحلفاء والأصدقاء، كذلك ينتظر «قيصر» الكرملين، فالتسرّع في اتخاذ قرارات والتعثّر في اختيار الأشخاص والتقلّب في تحديد الأهداف تؤخّر إقلاع إدارة ترامب بسياسة خارجية جديدة على رغم وجود ملفّات ساخنة. كما أن التأرجح بين الاندفاع والتراجع أكّد صعوبة أن تحسم واشنطن موقفها من روسيا، فأجواء المغازلات بين ترامب وفلاديمير بوتين تبدّدت ولم يبقَ سوى منها تكرار بروتوكولي للرغبة في تقاربٍ وتعاونٍ ليس واضحاً متى يبدآن، ولا في أفق استراتيجي يمكن تطبيقهما. ولا شك أن قضية التدخّل الروسي في الحملة الانتخابية وتداعياتها وصولاً الى استقالة مايكل فلين المستشار السابق للأمن القومي أبطأت التقارب وأجّلته. وإذا أُضيف الجدل على تصنيف روسيا صديقاً أو عدوّاً، وتأكيد استمرار العقوبات على خلفية الضمّ الروسي لشبه جزيرة القرم، كذلك تجديد نائب الرئيس ووزير الدفاع الالتزام الأميركي بحلف «الناتو»، كعوامل مفرملة للتعاون، فإن هذه تمسّ مباشرة عصب سياسات بوتين وثوابتها والتنازلات التي يتوقّعها من إدارة ترامب.

غير أن الملف السوري يبقى محكّاً مهمّاً بين روسيا وأميركا، وقد استغلّ بوتين الغياب الأميركي لإعادة هندسة معالم الأزمة، بدءاً بحسم عسكري لمعركة حلب ثم بمحاولة انهاء الصراع المسلّح واقامة تفاهمٍ وضمانٍ ثلاثيين (مع تركيا وإيران) لرعاية وقف شامل لإطلاق النار والتمهيد لمفاوضات على الحل السياسي. وبمواكبة ذلك أعلنت موسكو توسيع قاعدتها في طرطوس للمكوث فيها 49 سنة مقبلة وأبرمت مع حكومة نظام بشار الأسد اتفاقات تمنحها تحكّماً لاحقاً بالاقتصاد وإعادة الإعمار، فيما كانت أنجزت خطوات متقدّمة في إعادة تنظيم الجيش الحكومي وتهيئته لاستيعاب الميليشيات التي انبثقت من صفوفه أو فرّختها إيران الى جانبه بقصد تهميشه، فضلاً عن استعادة العسكريين المنشقّين أو دمج عناصر الفصائل المسلحة المعارضة. كل ذلك أعطى انطباعاً عاماً بأن روسيا امتلكت الكلمة العليا والأخيرة في الشأن السوري، سواء بوجودها على الأرض وعملها المباشر مع النظام، أو بتفاهمٍ مع تركيا مكّنها من ضبط ايقاع الفصائل وبتّ تصنيفها معتدلةً أو متطرّفةً.

أوحت الوتيرة السريعة لتحرّك موسكو بأن روسيا تسعى من جهة الى التطهّر من وصمة جرائم حلب وتدميرها، أي أنها – أخيراً! – تغيّرت وتريد أن تقنّن «النصر» الذي أهدته الى حليفيها نظامَي دمشق وطهران في مسارٍ «سلمي» – سياسي. وكان يمكن أن يولّد ذلك دينامية لإنهاء الصراع، لو أن هذه هي الارادة الحقيقية لموسكو، ولو أن ادارتها لهذا المسار لم تكن على هذا القدر من اللامهنية التعيسة، كما أن «التغيّر» الروسي المفترض لم ينعكس على نظام الأسد وإيران. من ذلك مثلاً، أن موسكو استبقت إعلان وقف النار باجتماع ثلاثي لوزراء الخارجية وآخر لوزراء الدفاع لتأكيد «ضمان» الدول الثلاث لتنفيذه، لكن تبيّن أن الضمان الوحيد سرى على الفصائل المعارضة وقد التزمته تركيا، فيما لا يزال ضمان روسيا للنظام، وإيران لميليشياتها، بلا أي تأثير حتى الآن. وكان يُفترض أن تكسب روسيا في مؤتمر «آستانة 1» صدقيةً مفتقدة، إلا أن كلّ ما فعلته قبله وخلاله وبعده كان عبارة عن خطوات مبتسرة ومنقوصة، وقد تأكّد الآن أنها إمّا فشلت في إلزام النظام وإيران باحترام الهدنة، أو أنها لم ترد ذلك اصلاً، بدليل أنها شاركت في انتهاكات لوقف النار في مناطق لا وجود فيها للمجموعات المصنّفة إرهابية. بل استعادت أخيراً نهج التوحّش عندما استخدمت قنابل النابالم في قصف حمص وإدلب.

ثم كان ذلك الأداء البائس الذي تمثّل بتمرير نسخة دستور جديد لسورية أعدّها «خبراء» روس. فعدا أن فكرة الدستور المعلّب مستهجنة كلياً، كانت طريقة تقديمه مسخرة موصوفة. وإذ قيل إن هذه المساهمة الدستورية استهدفت تفعيل المفاوضات وتسريع الخطى نحو الحل السياسي، فإنها كشفت أمرين: الأول أن موسكو تعمل على مسار موازٍ لـ «جنيف» أو بديل منه، والآخر أنها أرادت اقحام الفصائل المسلحة في ما لم تعدّ نفسها له. وحينما حاولت موسكو، قبيل «آستانة 2»، الدفع أكثر في اتجاه «تسييس» جدول الاعمال العسكري، جازفت بزعزعة تفاهماتها مع تركيا، ووُجهت من جانب الفصائل بأنها لم تلتزم تعهداتها في شأن الهدنة. ثمة مفارقة غريبة في «آستانة 1»، فهو كان فرصة صنعتها موسكو ثم فوّتتها مع سابق تعمّد وتصميم، وكان بإمكانها أن تقصره على وفدَين عسكريين للتداول في تثبيت وقف النار إلا أن طبيعة وفد النظام كشفت أن المقاصد الروسية من المؤتمر كانت سياسية وهو ما شاءت ترسيخه في «آستانة 2» لكنها أخفقت، ما أدّى أيضاً الى اجهاض جدّية الآلية الثلاثية لوقف النار.

كانت موسكو تخلّت عن تصنيف جميع الفصائل بأنها «ارهابية» أرادت من جهة استمالة الفصائل «المعتدلة» واحتواءها فجاءت بممثّليها الى آستانة باعتبارهم «متمرّدين» مهزومين في حلب لمواجهة «وفد الحكومة» الذي واصل اعتبارهم «ارهابيين». بل أرادت من جهة اخرى فرض مسار آستانة لنسف مسار جنيف أو افراغه من أي مضمون، فالأزمة في نظرها هي بين النظام ومتمرّدين مسلّحين وليست بينه وبين معارضة سياسية، أما معارضو المنصّات (موسكو والقاهرة وآستانة وحميميم و…) غير المرتبطين بأي فصائل ولا بأي حراك شعبي، فيمكن استخدامهم لتسليط الضوء على تشتّت المعارضة في مقابل تماسك النظام، وبالتالي للتحكّم بوجهة أي حل وضمان أنه لا يعني انتقالاً بل استمراراً سياسياً. وهكذا أفشلت روسيا مسار جنيف كما أفشلت مسار آستانة، مفضّلة العودة الى الضغط العسكري لاستدعاء إدارة ترامب الى مساومة لم تفلح في فرضها على إدارة أوباما.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

موسم الصفقات بين واشنطن وموسكو من سورية إلى أوكرانيا/ راغدة درغام

آفاق التفاهمات الأميركية – الروسية ما زالت مفتوحة على رغم تراجع الاندفاع لها في الآونة الأخيرة بسبب انحسار الثقة. جولة على الأجواء الروسية أثناء انعقاد مؤتمر «نادي فالدي» Valdai club هذا الأسبوع في موسكو أفادت بأن المقايضات واردة والرغبة في الصفقة الكبرى موجودة وإن سيناريوات الأخذ والعطاء تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط. إنما لا أحد يهرول إلى التنازلات في موسكو. إنها مرحلة الإعداد للاستعداد والتلميح إلى مواقع الأخذ ومحطات العطاء مع رسم الخطوط الحمر وتحديد سقف التوقعات. وهنا جردة عن جغرافيا التفاهمات والتنازلات والصفقات، بناءً على أحاديث عدة مع مختلف المطلعين والمقربين من صنع القرار.

الصين فائقة الأهمية في التجاذبات الأميركية – الروسية. فلا موسكو جاهزة لفتح صفحة المساومات مع واشنطن، إذا كان في ذهن الولايات المتحدة خلق شرخ في العلاقات الروسية – الصينية الإستراتيجية في أكثر من مكان. ولا واشنطن مستعدة للعداء مع موسكو لدرجة دفعها كلياً وحصراً نحو بكين، تعزيزاً للتحالف الصيني – الروسي في محور ضد المصالح الأميركية. الرسالة التي يحرص الروس على إيصالها إلى الأميركيين هي أن الصين غير قابلة للأخذ والعطاء. وما يقوله الروس هو أنهم غير مستعدين للكشف عن مواقع المساومات مسبقاً، أو للإعراب عن جاهزية التنازلات خوفاً من «أن يطالبونا اليوم بإيران وغداً بالصين» في إشارة إلى نماذج المفاوضات الأميركية على التفاهمات. فالصين فوق الاعتبارات العادية في العلاقات الأميركية – الروسية.

أوروبا هي موقع المساومات حول أوكرانيا وحول حلف شمال الأطلسي (ناتو). القيادة الروسية رسمت خطاً أحمر اسمه القرم، وهي أوعزت إلى كل من يتحدّث عن شبه جزيرة القرم بأن لا عودة ولا تراجع عن ضمها إلى روسيا – أو استعادتها من أوكرانيا، كما يصر الروس – تحت أي ظرف كان، ومهما كان الثمن أو المكافأة. موسكو تصر في الوقت ذاته، على أن أي صفقة مع الولايات المتحدة يجب أن تنطوي على رفع العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا منذ أن قامت بضم القرم.

ما يلمح إليه الروس هو أن فسحة المساومة هي دانباس Donbass شرق أوكرانيا. هناك يمكن لموسكو أن تستغني عن نفوذها العميق جداً، والذي سبّب لها مضاعفة العقوبات ضدها، بتهمة توغلها عسكرياً في الأراضي الأوكرانية، في أعقاب غزوها وضمها القرم – كما تؤكد الدول الغربية وبالذات تلك التي أرادت لأوكرانيا أن تصبح عضواً في حلف شمال الأطلسي.

الرأي الروسي هو أن أكثرية العقوبات فُرضت بسبب دانباس وأن الاستغناء الروسي عن دانباس يجب أن يؤدي إلى رفع العقوبات الأميركية عن روسيا. الروس يريدون أيضاً ضمانات بألا تُستخدم الدول التي التحقت حديثاً بحلف «الناتو» من أجل نشر الأسلحة الغربية على الحدود مع روسيا في البلقان أو غيره. يريدون تحييد كييف عن «الناتو»، كي لا تكون هذه العاصمة الأوكرانية وكراً لحلف شمال الأطلسي.

لماذا يقتنع الروس بأن هذه الصفقة التي تبدو مختلّة ستكون مقبولة لدى الولايات المتحدة؟ «لأن أوكرانيا مكلفة جداً «مادياً»، يقول أحد المراقبين، ولأن مردود الكلفة الباهظة لا يستحق مثل ذلك الاستثمار، وفق التفكير الروسي. إنما هناك عوامل أخرى يريد الروس الترغيب فيها، بحيث يكون الأخذ أوروبياً والعطاء شرق أوسطياً. والكلام هو عن إيران.

تفهم القيادة الروسية حاجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن يكون حازماً وقاسياً مع إيران. لذلك تركت لنفسها أكثر من هامش للتأثير في طهران بالذات في سورية، إنما مع الإسراع إلى القول إنّ النفوذ الروسي مع إيران محدود.

مشهد العلاقات الروسية – الإيرانية معقّد وله تراكمات ميدانية وعسكرية وتطلعات إستراتيجية واقتصادية. أولاً، يرى الروس أنه لولا الطائرات الروسية في الأجواء السورية لتقديم الغطاء الجوي للمقاتلين التابعين لإيران، لكانت إيران وميليشياتها خسرت الحرب في سورية ودفعت ثمناً كبيراً. إذاً، يشعر الروس بالتفوق العسكري الذي حصد الانتصارات الميدانية وضمن محطات مصيرية في الحرب السورية مثل معركة حلب. وهم يشعرون أيضاً بأن سحب الغطاء الروسي الجوي للميليشيات الإيرانية في سورية سيعرّيها ويجعلهاعرضة للسحق في حال تم اتخاذ قرار سحقها أميركياً. وعليه إن لروسيا أدوات نفوذ حادة في إيران، إذا ارتأت استخدامها في إطار المساومات مع الولايات المتحدة.

إنما، مهلاً. هذا لا يعني أن روسيا جاهزة للاستغناء عن علاقتها التحالفية مع إيران أو لاستخدام ذلك النفوذ الكبير فيها، لإحداث تغيير جذري في مشروع إيران الإقليمي الممتد من العراق إلى سورية إلى لبنان وكذلك في اليمن. لذلك الكلام أن «للنفوذ حدوداً».

ففي سورية هناك شبه تنافس روسي – إيراني على اقتسامها إما ككل، أو كسورية مجزّأة عبر التقسيم. موسكو لن تتخلى عن إنجازاتها الشرق أوسطية عبر الحرب السورية وهي عازمة على توسيع قاعدة طرطوس وإنشاء قاعدة حميميم. موسكو تريد ضمانات لتواجد روسي دائم في سورية بلا قيود أو شروط، وهي بالتأكيد تريد أن تكون لها حصة كبرى في الاستثمارات وإعادة البناء في سورية. إنما موسكو تدرك أيضاً أن إيران التي حاربت في سورية وخسرت قادة عسكريين كباراً وليس فقط رجال الميليشيات غير الإيرانية، لن ترضى بالخروج من سورية بلا مقابل. بالعكس، إنها باقية، وروسيا راضية.

ما ذكرته التقارير عن اتفاقات أبرمتها الحكومة الإيرانية مع حكومة بشار الأسد مطلع هذه السنة لم تنحصر في الاستفادة الاقتصادية، إنما شملت ما سمي «استعمالات زراعية» في ضواحي دمشق. بكلام آخر، إنها لغة التغيير الديموغرافي والتقسيم عبر لغة «زراعية» على 50 مليون متر مربع في ضواحي العاصمة السورية. هذا بالطبع إلى جانب نحو 50 مليون متر مربع لإقامة ميناء نفطي في الساحل السوري الغربي، إضافةً إلى اتفاقات حول امتلاك إيران شركات الاتصالات والفوسفات في تدمر.

ظاهرياً، تبدو مسألة سحب الميليشيات التابعة لطهران من سورية في أعقاب الاتفاق على سحب جميع القوات الأجنبية موضع خلاف بين موسكو وطهران. عملياً، إن الفرز الديموغرافي والتواجد «الزراعي» يجعلان مسألة سحب القوى العسكرية التابعة لطهران واردة وسهلة، بعد ضمان الحصة الإيرانية في سورية الواحدة، أو سورية المتعددة والمجزّأة. أين التنازلات إذاً؟ إنها في ترتيب الدار بعد الدمار وفي ترتيبات الاستقرار القائم على اقتسام الكعكة السورية بين روسيا وإيران وتركيا. وماذا للولايات المتحدة، في الرأي الروسي؟ الجواب هو: القضاء على «داعش» والراديكالية الإسلامية (السنّية) أولاً، تحجيم إيران داخل سورية، بما لا يسمح لها بالامتداد إلى الحدود مع إسرائيل، ثانياً، نصب روسيا الضامن الأقوى والشريك للولايات المتحدة في سورية، بدلاً من ترك سورية بين المخالب الإيرانية وميليشياتها. وأخيراً، إذا رغبت الولايات المتحدة وأوروبا في الاستفادة من مشاريع إعادة بناء سورية، فهناك ما يكفي للجميع، وروسيا جاهزة لفتح الأبواب أمامها.

عنصر الكرد في الساحة السورية ما زال رهن المساومات والمقايضات بالذات مع تركيا وليس فقط مع الولايات المتحدة. واضح أن الأولوية التركية هي تنظيف حدودها من الكرد ومنع قيام دولة كردية مستقلة في سورية، لا سيما أن الدولة الكردية المستقلة في العراق باتت حتمية. هنا تتوافق المواقف التركية الرافضة تقسيم سورية – خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى دولة كردية – مع مزاعم روسيا بأنها هي أيضاً ضد التقسيم. إنما للواقع على الأرض قصة أخرى، ذلك أن إيران قد تكون الضامن وراء منع تواجد دولة كردية في سورية، بغض النظر عن التقاسم والاقتسام والتقسيم. فمن بين ما تقايض عليه الدول، منع دولة كردية مستقلة في غير العراق – لا في سورية ولا في تركيا ولا في إيران.

الكرد يقولون إنهم كانوا دائماً في الخط الأمامي للحرب على «داعش» والانتصار على التنظيم. إنهم «الأقدام على الأرض» التي دفعت الثمن واستحقت المكافأة. الدول العربية، لا سيما الخليجية، لم ترسل الجيوش لتكون «الأقدام على الأرض»، في العراق أو سورية، وبالتالي، خسرت المبادرة والزخم ووجدت نفسها خلف موازين المقايضات والصفقات واقتسام النفوذ والثروات.

إنها تأتي الآن إلى العراق كعنصر نفوذ مع السُنّة هناك، دعماً للمسعى الأميركي بألاّ تسقط المناطق المحررة من «داعش» في قبضة النفوذ الإيراني، أو في أيدي «الحشد الشعبي» العراقي وقيادة «فيلق القدس» وقائده قاسم سليماني في الموصل في العراق أو الرقة في سورية.

ماذا عن الرئيس السوري بشار الأسد في موازين المقايضات؟ البعض يقول إنه باقٍ لفترة ليست طويلة. آخرون يتحدثون عن ترتيبات بدأت لما بعد «تقاعده». وهناك كلام عن أسماء ومناصب وتفاهمات رهن إتمام الصفقات. وهناك من يقول إن كل الكلام عن مصير بشار الأسد من صنع المخيلات، لأن الصفقة الكبرى بعيدة، ولأن لا داعي لروسيا للاستغناء عن الأسد قبل أن تقتضي الصفقات ذلك – والمؤشرات في الولايات المتحدة لا تفيد بأن هناك استعجالاً إلى التخلص من الأسد، بل إن هناك استعداداً للقبول به كأمر واقع، مع اتخاذ إجراءات عزله عملياً.

الغائب عن صنع الصفقات بمعنى أن لا حديث عن ضغوط عليه في المعادلات الأميركية – الروسية هو إسرائيل إذ إن كلتيهما تريد إبعادها عن المساومات. فلسطين باتت في مرتبة ثانية وثالثة لكثير من العرب، لا سيما بعدما تربّعت إيران على صدارة قائمة الأولويات لدى الدول الخليجية، وبعدما بات اليمن أهم الأولويات.

أما في اليمن فروسيا ليست جاهزة لاستخدام أية أدوات ضغط ضد إيران، لتفرض عليها الكف عن التدخل هناك على الحدود مع السعودية، فهذه ليست أولوية روسية. هذه مسألة ربما تكون لاحقاً ضمن موازين الصفقة الكبرى التي لم يحن وقتها بعد. فهناك احتمال لتوتر في العلاقات الأميركية – الروسية وصعود محاور مضادة. فإذا كانت روسيا في محور مع إيران مقابل محور يضم الولايات المتحدة والسعودية، لن تتحمس موسكو مسبقاً وقبل الأوان إلى سحب الورقة الإيرانية المهمة من اليمن. فلا استعجال في الأمر بل إن الدول الخليجية تقدّر لروسيا مجرد عدم تعطيل مهماتها في اليمن.

«نادي فالداي» نظّم مؤتمراً مهماً تحت عنوان: أي غدٍ آتٍ إلى الشرق الأوسط؟ كان واضحاً أن روسيا تتموضع في ذلك الغد، وهي تضع الإستراتيجيات العملية لأي من السيناريوات إن كانت في ظل التفاهمات الأميركية – الروسية، أو في حال بروز تصادم المحاور. ما لم تكشف عنه جولة استنباض الأجواء هو تلك الأوراق الخفية الجاهزة للمقايضات السرية عشية الصفقة الكبرى. فهذا مبكر، ولم يحن الأوان.

الحياة

 

 

حماية روسيا للأسد الكيميائي هي الحلّ السياسي لسوريا!

رأي القدس

قامت روسيا اليوم باستخدام حقّ النقض «الفيتو» للمرة السابعة لحماية نظام الرئيس السوري بشار الأسد من سلّة عقوبات محتملة ضد شخصيات أمنية وعسكرية وعشرة كيانات ومؤسسات متهمة باستخدام الأسلحة الكيميائية ثلاث مرات خلال عامي 2014 و2015، كما يشمل حظر استيراد وتزويد الجيش السوري بالمروحيات والمعدات المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية.

في تبريرها لاستخدام «الفيتو» قال رئيسها فلاديمير بوتين إن القرار «غير ملائم على الإطلاق»، وقال ممثلها في مجلس الأمن إنه «لا يستند إلى أدلة كافية»، فيما اعتبر نائب وزير خارجيتها أن القرار «سيكون له أثر سلبي على محادثات السلام في جنيف».

أهمية هذا المشروع، بحسب سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة، أنه يضع مصداقية مجلس الأمن الدولي على المحك لأنه «إذا لم يتمكن مجلس الأمن من التوحد بشأن منع انتشار واستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد المدنيين فماذا إذن؟».

كان يمكن للمنطق السياسي الروسي في تخريج المسألة أن يكون أكثر إقناعاً، وخصوصاً في وضعها الراهن حيث تقوم حاليّاً برعاية المفاوضات بين النظام والمعارضة في مؤتمر «جنيف 4»، لولا أن أدلّة كثيرة، كما يقول السفير الفرنسي، تشير إلى أن تلك الأسلحة الكيميائية ما تزال تستخدم، وبالتالي، كما يقول، فإنه «بالنسبة لمدى التهديدات التي يشكلها (استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين) على السلم والأمن فإن الأمر وصل للحد الأقصى».

يعيد مشروع القرار تذكير السوريين بمأساتهم الطويلة الأمد وبانقفال آفاق تسوية تزيح كاهل إرهاب الدولة المنظّم ضدهم وتعيد ذاكرتهم، خصوصاً، إلى تخاذل المجتمع الدولي الكبير، بدءاً من البرلمان البريطاني الذي رفض معاقبة نظام الأسد بعد مجزرته الكيميائية الشنيعة ضد أطفال الغوطة ومدنييها في آب/أغسطس 2013 وذلك بعد ثلاثة أيام من وصول بعثة المفتشين الدوليين إلى دمشق في مفارقة فظيعة في معناها الذي يهين المنظومة الدولية والأمم المتحدة، ولكنه وافق بحماس بعد ذلك على شنّ حرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في كانون الأول/ديسمبر 2015، ولكن الخذلان الأكبر للسوريين كان من قبل إدارة الرئيس باراك أوباما في أيلول/سبتمبر من العام 2013، وكانت تلك، عمليّاً، بداية تراجع الثورة السورية وصعود تنظيم «الدولة» وتسليم المنظومة الدولية لروسيا وإيران بافتراس سوريا وإنهاء الانتفاضة السورية بكل الطرق الممكنة.

يعكس مشروع القرار، بوضوح، الهزالة التي وصل إليها تعاطي المنظومة الدولية مع الشأن السوري، فعلى الأرض نجد صانعي القرار الأمريكيين يقدّمون الأسلحة الثقيلة لوحدات الحماية الكردية، ذراع حزب العمال الكردستاني التركي في سوريا، فيما تستعد هذه القوّات لإخلاء مدينة منبج لتستولي عليها قوّات الأسد وميليشيات إيران، في تدوير أشبه بالكوميديا السوداء لسرديّة مكافحة «داعش» التي استبدلت سرديّة حل ديمقراطي للمسألة السورية ينهي النظام المرعب الذي حصد، خلال رحلته السوداء ضد كفاح الشعب السوري لتغييره، مئات آلاف الأرواح وهجر الملايين وساهم عمليّاً في تأجيج التطرّف والإرهاب في كل أنحاء العالم.

التسوية السياسية السورية، بهذا المعنى، هي استمرار لحماية الأسد الكيميائي من عقاب المجتمع الدولي، وإخضاع للشعب السوري بالقوّة لإنهاء أمله بالتغيير.

القدس العربي

 

 

موسكو تبرز الدعم الروسي لاستعادة تدمر وإيران والحزب تم تغييبهما حتى من النظام/ روزانا بومنصف

أول الأنباء عن إعادة تحرير تدمر السورية من يد “تنظيم الدولة الاسلامية” مجددا يوم الخميس الماضي ورد على لسان وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الذي ابلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ان القوات السورية استعادت تدمر بدعم من القوات الجوية الروسية، وذلك قبل ساعات من إصدار الحكومة السورية بيانا اعلنت فيه استعادة المدينة، شاكرة الروس على دعمهم. الطرفان الروسي والسوري أهملا ذكر أي مساعدة حصرية من الجانب الايراني او من جانب “حزب الله” في هذا الاطار. ولاحقا، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن مستشارين روساً هم الذين خططوا وأشرفوا على استعادة تدمر على نحو لافت يوجه رسائل في اتجاهات عدة، بالتزامن مع الاعلان عن ان الطيران الروسي دمّر قرابة 2300 هدف للإرهابيين. ولم يكن هذا الإنجاز محتملا من دون الدعم الروسي وتخطيطه في استعادة مدينة سبق أن أعادها الى النظام قبل ان يفقدها. وفي هذا ايضا اعادة للهيبة الروسية التي اهتزت آنذاك داخل روسيا قبل الخارج، وانتقام شخصي لها بالنسبة الى تدمر حيث أعاد تنظيم الدولة الاسلامية السيطرة عليها بعد تحريرها من روسيا. وللامر دلالاته على صعد أخرى لا يمكن تجاهلها. إذ يبدو وفقا لمتابعين ديبلوماسيين أن الامر يشبه الى حد ما عدم إبراز إيران في الواجهة، على غرار القرار الذي قدم الى مجلس الامن عن اتفاق لوقف النار ترعاه روسيا وتركيا في نهاية كانون الاول الماضي، من دون إبراز الشريك الثالث الذي هو إيران، باعتبار أن ضامني اتفاق وقف النار هما تركيا وايران الى جانب روسيا، في الوقت الذي تم التعاطي في مجلس الامن على اساس انه اتفاق ترعاه روسيا وتركيا. جملة نقاط يتوقف عندها المتابعون الديبلوماسيون في سياق الانباء عن تحرير تدمر مجددا، من بينها أولا التوقيت غداة إحباط روسيا، ومعها الصين، قرارا لمجلس الامن يطالب بعقوبات على النظام السوري لاستخدامه السلاح الكيميائي ثلاث مرات ضد شعبه، وبالتزامن مع مفاوضات قائمة في جنيف بين النظام والمعارضة لا تقدم ملموسا فيها، لكن النظام لا يزال يصر على بند الارهاب كأولوية. وطرد “داعش” مجددا من تدمر هو عنوان تبرزه موسكو على أنه نجاح في حربها ضد الارهاب ومساعدة النظام في ذلك، مما يبرر تعطيل قرار مجلس الامن في الوقت الذي لا يستطيع احد الاعتراض على اندفاع النظام وروسيا معه في خطوة تنقذ مدينة اثرية لها وقعها عند المجتمع الدولي. والحرب على الارهاب في اعين المتحفظين من شأنها ان توفر شرعية لنظام يفتقدها بقوة، على أساس أنه يحميها من التخريب الذي ارتكبه “تنظيم الدولة الاسلامية”، وهو أكثر ائتمانا عليها. ولا يجوز التقليل من هذا الدفع في تقوية ورقة النظام، ولو عبر التأكيد من أن تقدمه هو رهن الدعم الروسي، مما يفترض انه يمكن ان يكون متجاوبا معها في كل المراحل التالية وليس رهن أي تقدم آخر.

أما الشق المتعلق بحصر روسيا الدعم بها من دون ايران ومعها “حزب الله” في اعادة تأمين سيطرة النظام على تدمر، فإن المتابعين الديبلوماسيين لا يرون الامر مستغربا لكون روسيا هي اللاعب الاساسي، وقد أقرّ لها المجتمع الدولي بدورها في سوريا على صعيد الحل والربط فيها، وتم التسليم حتى على طاولة مجلس الامن بأن مفاوضات جنيف الاخيرة انما تم الوصول اليها من خارج الرعاية الاممية وعبر اتفاق روسي مع تركيا وايران أدى الى مفاوضات في أستانا، ومنها الى جنيف. ولا يعدّ أمرا عابرا ان تكون روسيا توجت مفاوضات جنيف هذا الاسبوع بين النظام ومعارضيه بأنها ضغطت عليه من اجل قبوله البحث في ملف الانتقال السياسي على طاولة المفاوضات، مما أكسبها بعض الصدقية حتى لدى وفد المعارضة السورية. لكن المتابعين الديبلوماسيين ينتظرون اذا كان سيثير حصر روسيا استعادة السيطرة على تدمر بها، ردة فعل لدى ايران التي انتقدت مؤسسات رسمية عدة فيها قبل أشهر قليلة حصر الرعاية لاتفاق وقف النار بروسيا وتركيا من دون ايران، على رغم انها شريكة فيه من حيث المبدأ، مع الاشارة الى ان تلفزيون “المنار” التابع لـ”حزب الله” بث مشاهد لمقاتليه على انلمرتفعات القريبة من تدمر، كجزء من التقدم الذي اعلن النظام عن تحقيقه في الوقت الذي لم يشر الاخير الى المسألة او لم يسم الحزب من ضمن الاصدقاء الذين ساعدوه باستثناء روسيا. يسأل المتابعون اذا كان ذلك معبرا عن تباين روسي – ايراني اضافي على خلفية استئثار روسيا بالمشهد السوري في ظل تباينات كثيرة يتم تداولها، ام ان ذلك من ضمن استراتيجية لتحسين صورة النظام وجعله اكثر قبولا من الدول العربية من خلال بيعه للدول العربية على انه مدين لروسيا وفي احضانها، وليس في احضان ايران، كجزء من المساعي التي يقوم بها البعض من اجل اعادته الى مقعد سوريا في الجامعة العربية خلال القمة المقبلة على اساس استيعابه وتخفيف النفوذ الايراني عليه. وفي رأي المتابعين أنفسهم أن هذا مستبعد لاعتبارات متعددة، أقله في المرحلة الراهنة وما لم تتوضح على الاقل مؤشرات المرحلة المقبلة وضماناتها، باعتبار ان هذه الورقة لا تباع بسهولة انما لقاء اثمان باهظة. لكن مرة اخرى يظهر التأكيد الروسي حجم الضمانات التي تنخرط فيها من اجل انجاح المسار الذي تراه مناسبا كحل في سوريا.

النهار

 

 

 

 

حرس الثورة الروسي!/ عاموس هرئيل

يبدو أن الجنرال الكسندر جوربليوف لم يحصل بعد على التقدير والاهتمام الذي يستحقه في وسائل الاعلام العبرية، أو وسائل الاعلام الدولية بشكل عام. في تموز من العام الماضي استبدل جوربليوف شخص آخر باسم دفورنيكوف كقائد اعلى للقوات الروسية في سوريا. الحديث يدور عن بضعة آلاف من الجنود المرافقين في ثلاثة اسراب تابعة لسلاح الجو الروسي، ومضادات ضد الطائرات وعدد من السفن، عملت على تغيير توجه الحرب في سوريا وأنقذت نظام الاسد.

الجنرال جوربليوف بصفته قائدا لهذه القوة هو عمليا قائد التحالف العسكري الذي يبقي على النظام السوري القمعي على قيد الحياة. وبالتدريج يساعده على اعادة السيطرة في مناطق قليلة من اراضي الدولة.

فيما يتعلق بدور روسيا كجهة غيرت كليا ميزان القوى في سوريا، كتب الكثير من الاشهر الاخيرة. وما لم يكتب تقريبا هو أن روسيا التفت على ايران، الراعية السابقة للرئيس بشار الاسد، كجهة ناجعة تفرض خطوات المعسكر الذي تبلور لانقاذه.

الجنرال قاسم سليماني، قائد “قوة القدس″ في حرس الثورة الايراني، الذي يركز النشاطات خارج حدود ايران هو شخصية معروفة. وقد حظي سليماني قبل بضع سنوات على مقال شخصي واسع في صحيفة “نيويوركر”. جوربليوف في المقابل هو شخص غير معروف بالنسبة للقراء في الغرب. ولكن ليس الجنرال الايراني، بل نظيره الروسي، مبعوث الرئيس بوتين، هو الذي يقرر الآن الى أين سيتجه الخط المحيط بالاسد.

وهذا يحدث بعد نجاحه الكبير: خضوع مدينة حلب في كانون الاول، في نهاية حملة قصف بلا رأفة قام بها سلاح الجو الروسي. وما يريد بوتين وجوربليوف هو الذي يكون. أول أمس، بمناسبة يوم الجيش الاحمر، منح رئيس روسيا لمبعوثه في سوريا رتبة جنرال بنجمتين.

قبل اسبوعين تحدثت صحيفة “هآرتس″ عن الخطوات الاخيرة للنظام في عمق هضبة الجولان. على مسافة قريبة من الحدود في الشمال، تستعيد قوات الاسد بالتدريج السيطرة على بعض المناطق. وبعد حملة من الحصار والتجويع والقصف، استسلم عدد من القرى وأعلنت ولاءها مجددا للرئيس. وهناك مفاوضات مشابهة تجري مع ثلاث قرى اخرى في مزرعة بيت جن.

في المنطقة بين القنيطرة والعاصمة دمشق يطرد النظام بالتدريج بقايا المتمردين. ولكن جبهة الجولان بقيت ثانوية. يركز الروس والاسد جهودهم في توسيع السيطرة في المدن الكبيرة في سوريا، في المركز والشمال. وقد تبينت في الاسابيع الاخيرة خطوة جديدة لاحتلال النصف المتبقي من درعا، معقل التمرد في جنوب الدولة وقريبا من الحدود مع الاردن.

جاء في صحيفة “وول ستريت جورنال” في بداية الشهر أن ادارة ترامب تريد دق اسفين في التحالف بين روسيا وايران. هذه الخطوة لم تنجح حتى الآن. هناك تقسيم عمل في سوريا يشمل غرف عمليات مشتركة وتقييمات من قبل روسيا وايران ونظام الاسد وحزب الله. في ايران نفسها هناك جدل داخلي شديد حول حجم التمويل لنشاطات حزب الله. الرئيس حسن روحاني يسعى الى تقييد ذلك، ومنح جزء من الاموال للاحتياجات الداخلية. المعسكر المحافظ وحرس الثورة يعارضان ذلك.

رئيس الاركان آيزنكوت قال أول أمس في لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست إن حزب الله يمر بأزمة في المعنويات بسبب خسائره الكثيرة – 1700 قتيل واكثر من 6 آلاف مصاب – في الحرب السورية. وحسب ما نشره معهد واشنطن لبحوث الشرق الاوسط فان مقاتلي حزب الله خاب أملهم من الجنرال سليماني الذي يعتبرهم لحم للقذائف من اجل تحقيق اهداف ايران في المنطقة.

الحراك في ايران يزيد من وزن روسيا في التحالف المحيط بالاسد. فهل هذا سيء لاسرائيل؟ في الاجهزة الامنية هناك جدل حول ذلك. هناك من يخشون من ازدياد قوة روسيا والتنسيق المتزايد مع الولايات المتحدة بسبب قرب الرئيس دونالد ترامب من موسكو. إنهم يخافون من أن القوى العظمى قد تتوصل الى اتفاق تقاسم القوى، الامر الذي سيخلد مكانة ايران وحزب الله في سوريا، ويُمكن ايران من الحصول على موقع استراتيجي في هضبة الجولان السورية بعد أن يعيد النظام سيطرته عليها بالكامل.

وهناك من يرون أن ذلك له افضلية. الخطر الحقيقي للحرب في الشمال، الذي سيجعل اسرائيل تتدخل، يترتبط بسيناريو عدم وجود الاتصال. عدد من النشاطات وسوء الفهم المتبادل بين الاطراف قد يؤدي الى تدهور الوضع ونشوب الحرب دون أن يقصدوا ذلك. هذا ما حدث تقريبا بين اسرائيل وحزب الله في كانون الثاني 2015 بعد التعرض لحياة جهاد مغنية وجنرال ايراني كان معه قرب القنيطرة (الامر الذي نسب لاسرائيل). الطرفان يوجدان بشكل دائم على بعد خطأين من الحرب.

لكن الآن هناك عنوان للوساطة. روسيا لا ترغب بنشوب حرب بين اسرائيل وحزب الله. حزب الله هو مثابة ذخر لروسيا، بشكل مباشر على الأقل، وجزء من تحالف موسكو. ايضا نظام الاسد قد يتضرر اذا انجر لمساعدة حزب الله في حالة اندلاع الحرب مع اسرائيل.

التنسيق الكامل بين اسرائيل وروسيا والذي يسعى الى منع التصادم الجوي بين الطرفين، أكثر نجاعة في الوقت الحالي. يبدو أن روسيا تتصرف ببراغماتية ومرونة. وقبل بضعة اشهر كتب هنا عن نشر اجهزة الدفاع الروسية المتقدمة في موقع حميميم في شمال غرب سوريا. ورادارات هذه الاجهزة تغطي أي حركة جوية في اسرائيل، وحتى موقع سلاح الجو في شمال النقب. يبدو أنهم في اسرائيل كانوا قلقين من أن تعزيز تواجد روسيا سيقلص مجال عمل سلاح الجو في المنطقة الشمالية.

حسب ما نشر في وسائل الاعلام العربية، فان قصف اسرائيل لقوافل السلاح ومخازن السلاح لحزب الله في وسريا يستمر بدون ازعاج. وقد قيل في التقارير إن الطائرات تقوم بالقصف عن بعد وهو في سماء لبنان أو فوق البحر المتوسط. هذه المناطق ايضا توجد في مجال الرادارات الروسية، لكن يبدو أن موسكو لا تهتم كثيرا بهذا الامر. واذا كان جزء من السلاح الذي يتم تدميره من صنع روسيا، فهذا قد يعني عقد صفقات اقتصادية جديدة مع حزب الله وايران، اللتان تقدمان الشيكات.

وراء الاتفاق

نجاعة روسيا في المنطقة ترتبط بشكل مباشر بالضعف الدراماتيكي في مكانة الولايات المتحدة. ادارة اوباما قامت بالتخلي عن الملف السوري، وتراجعت عن معاقبته في اعقاب استخدامه للسلاح الكيميائي في صيف 2013. وبعد ذلك بذل الرئيس السابق ورجاله قصارى جهودهم من اجل عدم التدخل من اجل وقف الكارثة الانسانية التي تسبب بها الاسد. وتم التركيز على الحرب ضد داعش. وقد وصلت الامور الى درجة اعتراف الاستخبارات الامريكية بشكل علني أمام النظراء الاسرائيليين بأنهم لا يعرفون سياسة الرئيس في المنطقة، باستثناء أوامر الامتناع عن التورط الذي قد يسيء لصورة الادارة الامريكية.

في نظرة الى الوراء، يصعب تجاهل الصلة بين تقليص تدخل ادارة اوباما في سوريا ووقف الجهود لاستبدال الرئيس الاسد وبين التقدم في المحادثات مع ايران، الامر الذي أدى الى التوقيع على الاتفاق النووي في فيينا في تموز 2015. موقع ايراني للاخبار اقتبس في هذا الاسبوع اقوال رئيس مجلس الخارجية التابعة للبرلمان في طهران، الذي حذر الرئيس ترامب من الكشف عن جميع التفاهمات المتعلقة باتفاق فيينا. وقد جاءت هذه الاقوال في اعقاب تبادل الاتهامات والتهديدات بين واشنطن وطهران بعد اجراء التجربة الايرانية على الصاروخ البالستي في كانون الثاني. وقد اختارت ادارة اوباما تجاهل التجربة السابقة في أيار الماضي، أي بعد أقل من سنة على توقيع الاتفاق النووي.

في موقع الانترنت الاسرائيلي “نمري” جاء، بناء على تصريحات كثيرة لقادة حرس الثورة الايراني، أنه توجد لطهران اسباب تجعلها تعتقد أن الادارة الامريكية السابقة لن تقوم بالانتقام منها بسبب اجراء التجارب الصاروخية في المدى الذي لا يزيد عن 2000 كم، أي أن هذا يهدد اسرائيل نظريا، لكنه لا يهدد دول اوروبا الغربية. الاتفاق النووي لا يشمل الحديث عن صواريخ ايران، لكن قرارات مجلس الامن تمنع هذه التجارب.

الاستخبارات الاسرائيلية تجمع تقريبا على أن اتفاق فيينا مليء بالثقوب لكنه ايجابي وحيوي. هناك فرصة لأن يوقف الاتفاق تقدم ايران نحو القنبلة النووية مدة عقد. لقد كان براك اوباما صديقا حقيقيا لاسرائيل، اهتم بمنح المساعدات الامنية بمستوى غير مسبوق. هذا لا يجب أن يمنع النقاش حول اخطاء الادارة السابقة في سوريا وايران الى حد ما، وايضا تعاطيه العدائي مع القيادة المصرية.

بطل الادارة الامريكية

الجنرال هربارد ريموند مكماستر الذي اختاره ترامب لمنصب مستشار الامن القومي، بعد الجنرال مايكل فلين، كان طوال سنوات زائرا معروفا ومرغوبا فيه في الاجهزة الامنية الاسرائيلية. ولأن جزء من مهماته في الجيش الامريكي اختص في بلورة نظرية الحرب والارشاد، فقد عمق مكماستر علاقاته مع ضباط رفيعي المستوى في الجيش الاسرائيلي ومع اكاديميين اسرائيليين. الاسرائيليون الذين التقوا معه يتحدثون عن ضابط له ماض عسكري لامع وقدرة ذهنية لافتة، وعن أنه لم يقم باخفاء الاهمية التي يوليها للعلاقة الامنية بين الدولتين.

لقد كتب مكماستر مقدمة النسخة الانجليزية لكتاب د. ايتان شمير بعنوان “قيادة مهمة”، الذي يقارن بين تقاليد القيادة في الجيش، مع الجيش الامريكي والجيش البريطاني. شمير الذي هو عضو رفيع في مركز بيغن – السادات في جامعة بار ايلان كان ضيفا لبضعة ايام على الجنرال الامريكي عندما كان مسؤولا عن القاعدة الكبيرة “بورت بنينغ” في جورجيا. وهو يتحدث عن ضابط هام وشخصية مؤثرة مرؤوسيه يحترمونه جدا، وهذا لا ينبع فقط مع حكمته، بل لكونه بطلا للحرب. فقد رأى العدو عن قرب.

حارب مكماستر كقائد للواء مدرعات في حرب الخليج في 1991. في المعركة الهامة الوحيدة في تلك الحرب امام الحرس الجمهوري العراقي. وفي الحرب العراقية الثانية في 2003 كان قائدا لكتيبة واعتبر فيما بعد أحد الضباط الاوائل الذين أدركوا ضرورة الصلة المباشرة مع السكان المدنيين وتجنيد المتعاونين من بينهم.

يقول شمير “من يتابع محاضراته الكثيرة يلاحظ أن مكماستر يشدد دائما على العنصر الانساني في الحرب بشكل يفوق التكنولوجيا. وفي المؤسسة الامنية الامريكية هذه نظرة نادرة نسبيا”. في السنوات التي تلت ذلك لم يتم ترفيع مكماستر بسبب الانتقادات التي وجهها لأداء الجيش الامريكي في العراق. وقد خصص مكماستر رسالة الدكتوراة للهجمة الشديدة من قبل قادة الجيش على البنتاغون في حرب فيتنام. حيث قال إن على المسؤولين وضع خط مستقيم وضعضعة الفرضيات التي تبناها الرئيس لندن جونسون عند اتخاذ القرار المصيري حول تعزيز القوات الامريكية في فيتنام.

المديح الاسرائيلي يتداخل جيدا مع الاجماع الاستثنائي في عهد ترامب، حول تعيين مكماستر. ومن بين منتقدي الرئيس هناك من هم اكثر تفاؤلا، حيث يعتبرون أن هناك قطبان داخل الادارة الامريكية، القطب الايديولوجي الراديكالي برئاسة المستشار الاستراتيجي ستيف بنون، وقطب الجنرالات المهنيين ومنهم وزير الدفاع جيمس ماتس ووزير الخارجية ريكس تلرسون والمستشار الجديد مكماستر. هذان المعسكران سيتحاربان من اجل التأثير على الرئيس. وقد ينجح أحدهما في اقناع ترامب للسير في سياسة خارجية صقورية احيانا، لكن تبقى مدروسة ومسؤولة.

لكن مثل امور كثيرة متعلقة بالرئيس الامريكي، يبدو أن هذا التقدير سابق لأوانه. ادارة ترامب أثبتت أنها مثلث برمودا، وهو المكان الذي تُدفن فيه التوقعات الواحد تلو الاخرى مثل السفن المفقودة والغارقة.

* عاموس هرئيل محلل عسكري إسرائيلي.

هآرتس العبرية – ترجمة المصدر السياسي

 

 

 

 

من ورّط من في سوريا… سؤال تجاوزه الزمن/ خيرالله خيرالله

يضحك النظام السوري حاليا ملء شدقيه. ورّط روسيا في الأزمة السورية إلى أبعد حدود بما يجعلها عاجزة عن التراجع. أنْ تتراجع روسيا في سوريا يعني خسارة الرهان على استعادة موقع لموسكو على الصعيد الدولي. بكلام أوضح، إن تراجع روسيا في سوريا صار بمثابة عودة إلى السنوات التي تلت مباشرة انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع العام 1992، حين أصبحت روسيا مجرّد دولة هامشية على كلّ صعيد.

بلغ التورط الروسي في سوريا درجة لم تعد فيها موسكو تعرف ماذا تريد، خصوصا أنّ ليس هناك من يريد أن يشتري من بضاعتها. والبضاعة الروسية تتمثّل في الوقت الراهن برأس بشّار الأسد الذي يعرف قبل غيره أنّ روسيا ضحية لعبة عاجزة عن الخروج رابحة منها. لا تستطيع حتّى الخروج منها بطريقة مشرّفة من نوع البقاء إلى ما لا نهاية على الشاطئ السوري.

الأهمّ من ذلك كلّه أن ليس هناك من يريد شراء رأس النظام.

بماذا يقدّم وجود هذا الرأس، وبماذا يؤخّر، في وقت صار النظام كلّه في مزبلة التاريخ؟

يُفترض أن يكون التورّط الروسي وأبعاده ودور النظام في الاستفادة إلى أبعد حدود منه، موضوع نقاش في المؤتمر الذي يعقده حاليا في موسكو مركز الأبحاث التابع للكرملين المعروف بـ”فالداي”.

كلّما زاد التورّط الروسي، زاد فرح النظام بقدرته على الصمود، أي زاد رهانه على وهم ليس بعده وهم، علما أنّ هذا النظام لا يدرك أنّه انتهى عمليا وأنّ رهانه على التنافس الروسي – الإيراني لا يعني شيئا في المدى الطويل. عفوا، يمكن لهذا التنافس أن يعني شيئا واحدا هو أنّه لا يمكن لسوريا البقاء موحّدة، وأنّ لا بدّ في نهاية المطاف أن تقبل أي قيادة جديدة فيها، تسيطر على جزء من أراضيها، قيام منطقة عازلة بينها وبين إسرائيل…

من ورّط من في سوريا؟ هل النظام ورّط روسيا، أم روسيا نفسها ورّطت نفسها عبر مشروع غير قابل للتحقيق في بلد يصعب إعادة تركيبه بعدما تبيّن أنّ كلّ مؤسساته كانت مبنية على المذهبية ولا شيء آخر غير المذهبية، تحت عنوان سيطرة الأقلّية العلوية على كلّ مفاصل السلطة، بالتحالف مع أقلّيات أخرى وإبقاء الفتات للسنّة الذين يشكّلون ستة وسبعين في المئة من عدد السكّان.

يعرف النظام السوري أنّ المشروع الروسي ليس قابلا للحياة. لذلك يمارس كلّ أنواع الابتزاز مع روسيا التي اعتقد فلاديمير بوتين أن في استطاعته استخدام سوريا كي تكون رافعة لبلده الساعي إلى وراثة وضع القوّة العظمى التي سقطت مع سقوط الاتحاد السوفياتي.

يعود انهيار المشروع الروسي في سوريا، وهو مشروع لا يشجّع على استمراره سوى النظام، إلى أنّ الكرملين لم يفهم منذ البداية أن ليس في الإمكان إعادة بناء الدولة السورية. هذه الدولة انتهت في اليوم الذي اندلعت فيه الثورة الشعبية قبل ست سنوات إلا أسبوعين. في ذلك اليوم من شهر آذار – مارس 2011، قرّر السوريون أن يقولوا للنظام العلوي، الذي تحوّل إلى نظام عائلي بعد خلافة بشار الأسد لوالده، إن كفى تعني كفى وأنّ لا عودة إلى الماضي. لا عودة إلى نظام العبودية الذي تستخدم فيه أقلّية شعارات حزب البعث للتحكّم بالأكثرية.

ليس معروفا كيف يمكن لدولة مثل روسيا الدخول في لعبة إنقاذ نظام ميّت أصلا. هل دفعها إلى ذلك الرهان على إمكان إعادة بناء الجيش السوري عن طريق ضبّاط مرّوا في المعاهد العسكرية السوفياتية ثمّ الروسية، ومعظم هؤلاء من الضباط العلويين؟ هل دفعها إلى ذلك الاعتقاد الخاطئ بأنّ إيران قادرة على ضخ آلاف العناصر التابعة لميليشيات مذهبية لبنانية وعراقية وأفغانية تعوّض النقص في العناصر البشرية الذي يعاني منه النظام السوري؟

حسنا، ضخّت إيران آلاف العناصر التابعة لميليشيات مذهبية تعمل بإمرتها، ولكن ماذا بعد ذلك؟ دخلت هذه الميليشيات حلب، لكن روسيا تعرف قبل غيرها أن الانتصار الذي تحقّق على حلب لم يكن ممكنا من دون التواطؤ التركي الذي تترتب عليه أمور كثيرة.

من بين هذه الأمور الإقرار بأن مناطق معيّنة في سوريا يجب أن تكون تحت النفوذ التركي لا أكثر ولا أقلّ. في كلّ الأحوال، تورّطت روسيا في سوريا. سيصفّق النظام السوري والإيرانيون لهذا التورّط طويلا. كلّما مرّ يوم سيزداد هذا التورّط الذي لا أفق له، لا لشيء سوى لأنّ المشروع الروسي في سوريا لا أفق له من جهة، ولأنّ التراجع سيعني الكثير لفلاديمير بوتين. قد يتجاوز هذا الكثير مجرّد أن يكون الأمر نكسة سياسية قابلة للعلاج.

ما يؤكّد أن المشروع الروسي سقط نهائيا طبيعة الحوارات الدائرة في مؤتمر جنيف الذي دعت إليه منظمة الأمم المتحدة. تحوّل هذا المؤتمر إلى طبخة بحص ليس إلّا. جاء هذا المؤتمر بعد لقاءين في أستانا، عاصمة كازاخستان، شارك فيهما الروسي والإيراني والنظام والمعارضة. كانت الولايات المتحدة حاضرة عبر بعثتها الدبلوماسية في العاصمة الكازاخية. كانت النتيجة الاضطرار للعودة إلى جنيف حيث يدور بحث جديد عن جنس الملائكة.

إذا وضعنا جانبا الفشل الذي لحق بمؤتمر جنيف، لا مفرّ من الاعتراف بأنّ التورط الروسي في سوريا لن يعفي الكرملين من الإجابة عن أسئلة محدّدة في الأسابيع القليلة المقبلة.

في مقدّم هذه الأسئلة هل ستلجأ روسيا إلى “الفيتو” مرّة سابعة في مجلس الأمن لمنع صدور قرار جديد يتضمن أسماء مسؤولين سوريين في قضية مرتبطة باستخدام أسلحة كيميائية في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري؟

هناك سؤال آخر في غاية الأهمّية مرتبط بنية الولايات المتحدة إرسال قوات إلى المنطقة لضمان قيام مناطق آمنة في سوريا، خصوصا في منطقة الحدود مع الأردن. ما الموقف الذي ستعتمده موسكو من هذه المسألة؟

أدّى التورط الروسي في سوريا إلى إطالة عمر نظام منته. هذه خلاصة الأمر. تبيّن مع اندلاع الثورة السورية أنّ هذا النظام لا يستطيع البقاء، ولو شكلا، من دون تدخّل خارجي. تدخّلت إيران مباشرة ثم عبر ميليشياتها ذات التسميات المختلفة. بعد 2015، كان لا بدّ من اللجوء إلى روسيا التي أرسلت طائراتها إلى منطقة الساحل السوري، وحالت دون سقوط المنطقة العلوية أوّلا. لم تستطع روسيا بدورها استكمال مهمّتها المرتبطة بمشروع محدّد يقوم على إعادة بناء الجيش السوري، من دون تركيا.

من يُخرج روسيا من ورطتها السورية التي يبدو أن النظام شجّعها على السقوط فيها. هل الخلاص الروسي بالتعلّق بالحبال الأميركية التي يسعى النظام بدوره إلى الاستعانة بها بعدما أرسل المرّة تلو الأخرى إشارات إلى إسرائيل فحواها أنّه مستعد لدفع أي ثمن تطلبه في حال كان ذلك يؤمن له البقاء في دمشق…

من ورّط من في سوريا صار سؤالا تجاوزه الزمن والأحداث في وقت لم يبق في الساحة سوى الأميركي والإسرائيلي اللذين يقفان على استعداد ليوم الحصاد.

هل يبقى شيء من سوريا وشعبها في مثل هذا اليوم؟

إعلامي لبناني

العرب

 

 

 

 

حدود القوة الروسية/ حسن شاهين

بعد بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، سبتمبر/أيلول 2015، تناقلت وسائل إعلام عربية وعالمية تحليلاتٍ بشأن احتمال تطور الموقف في سورية إلى مواجهة روسية -غربية مباشرة، ووصل الأمر إلى الحديث عن حربٍ عالميةٍ ثالثة، تلوح في الأفق. تردّد تعبير “حرب عالمية ثالثة” على لسان متحدثين رسميين ومقربين من دوائر صنع القرار، في روسيا والغرب، وكذلك في المنطقة العربية، وأعادت وسائل إعلام عالمية نبش تصريحاتٍ قديمة لوزير الخارجية الأميركي السابق، هنري كيسنجر، أطلقها عام 2011، عن حرب عظمى وشيكة قائلًا: “من لم يسمع طبول الحرب تدق فهو واهم… عندما تتحرك الصين وروسيا من غفوتهما سيكون الانفجار الكبير”.

لم يأت الحديث عن صعود روسيا، وتحولها إلى قوة إمبريالية عالمية من فراغ، فالعالم اليوم يمر بمرحلةٍ انتقالية، بعد حقبةٍ خاطفة من هيمنة القطب الواحد، استمرت أقل من عقدين، وجاءت أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، 2007، ثم الأزمة المالية العالمية، 2008، التي لم يتعاف منها الاقتصاد العالمي بعد، لتظهر أن النظام الأحادي غير قابل للاستمرار، فتلك الأزمة، بقدر ما هي عميقة وهيكلية؛ بيّنت أن الاقتصاد الأميركي لم يعد قادراً على تمويل الهيمنة الأميركية على العالم ودعمها. لذا؛ اتجهت إدارة أوباما، خصوصاً في ولايته الثانية، نحو كبح التدخل الإيجابي الأميركي المباشر في ملفاتٍ كثيرة، والانسحاب التدريجي المنظم من مناطق عدة في العالم، منها منطقتنا، والتركيز على أخرى أكثر حيويةً للولايات المتحدة، وهو اتجاه يُعبر عن إرادة الدولة وفكرها بمؤسساتها، وفي الغالب سيستمر على الرغم من كل جعجعة ترامب، وصقور إدارته.

في ظل هذا الواقع، كان طبيعيًا أن تتقدّم بعض القوى، وفي مقدمتها روسيا، لشغل الفراغ الذي

“يمر العالم بمرحلةٍ انتقالية، بعد حقبةٍ خاطفة من هيمنة القطب الواحد، استمرت أقل من عقدين”

خلفه أو من المتوقع أن يخلّفه الانسحاب الأميركي. لكن هل هذا يعبر عن بروز قوة بديلة أو منافسة للولايات المتحدة على الهيمنة العالمية؟ هل روسيا اليوم قوة عظمى عالمية؟ وإن لم تكن؛ هل تسعى إلى ذلك؟

كان وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم إيذانًا بانتهاء الفترة الانتقالية المؤلمة والقاسية التي عاشتها روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، والتي تدهور اقتصادها خلالها إلى أن أوشكت على إعلان الإفلاس، كما باتت وحدة أراضيها مهدّدة، خصوصاً بعد فشل حملتها العسكرية الأولى على الشيشان. كما فقدت الكثير من نفوذها في المحيط الحيوي لنظرية أمنها القومي، مع توغّل حلف شمال الأطلسي (الناتو) فيه، الذي لم يكتف بضم دول أوروبا الشرقية التي كانت جزءًا من المنظومة الاشتراكية وحلف وارسو، بل تعدّى ذلك إلى ضم دول البلطيق التي كانت جزءًا من الاتحاد السوفييتي، ووصل نفوذه إلى القفقاز وأوكرانيا.

في ظل ذلك الوضع؛ كان هدف بوتين ونظامه، في البدء، محصوراً في تجاوز مرحلة بوريس يلتسين الكارثية، والعمل على ترميم جدران الدولة الروسية المتصدّعة الآيلة للانهيار، وفق نظام اقتصادي يعتمد إلى حد بعيد على مبادئ “رأسمالية الدولة” على حساب “السوق الحر”، ونظرية أمن قومي ترى العمق الروسي في نطاق “أوراسيا” أو القسم السوفييتي من “أوراسيا”، بحيث تكون روسيا مركزًا لمزيج حضاري، يجمع الروس السلاف المسيحيين الأرثوذوكس بالأقليات القومية المسلمة من سكان روسيا ودول الجوار، كما نظّر، في تسعينات القرن الماضي، الفيلسوف ألكسندر دوغين ملهم النظام الروسي الحالي، لا بل حتى غالبية معارضيه، بمن فيهم الشيوعيون.

أزمات ومشكلات

وعلى الرغم من أن روسيا بوتين نجحت في تجاوز مرحلة الخطر التي كادت أن تعصف بها نهاية التسعينات، إلا أن تحدياتٍ مصيرية مازالت تواجهها، والفشل في أي منها سيكون كارثيًا على مستقبلها، وفي مقدمها الأزمة الديموغرافية، والنزعات الاستقلالية في ظل تعدّد قومي وعرقي وديني، وسعي الغرب إلى عزلها عن محيطها الحيوي غربًا، والخلل في هيكل الاقتصاد، المعتمد إلى حد كبير على الصناعات الاستخراجية، والقدرة على بناء جيش عصري قوي قادر على تحقيق توازن قوى مع الغرب.

أولاً- الأزمة الديموغرافية: تعاني روسيا من أزمة ديموغرافية مركبة، فمن جهة؛ تعداد السكان بشكل عام يتأرجح بين التناقص والثبات. وفي العام الماضي، كان معدل نمو السكان قريباً من الصفر (0.06%). وعلى الرغم من أن عدد سكانها يبلغ 144 مليون نسمة، إلا أنه يعتبر

“أظهر البيانات الرسمية حجم التراجع في مؤشرات الاقتصاد الروسي منذ فرض العقوبات الغربية”

ضئيلًا، قياسًا إلى جغرافيتها الشاسعة التي تمتد على أكثر من 17 مليون كيلو متر مربع، بكثافة سكانية تزيد قليلًا على ثمانية أفراد في الكيلو متر المربع، وهي من بين أقل الدول من حيث الكثافة السكانية في العالم، فعلى سبيل المثال تبلغ الكثافة السكانية لجارتها الصين نحو 144 فردًا في الكيلو متر المربع، وفي الهند 395، والولايات المتحدة الأميركية 34، وجميعها دول تمتد أقاليمها على مساحةٍ جغرافية شاسعة. ومن جهة ثانية؛ هناك تزايد في نسبة الأقليات القومية المسلمة على حساب الغالبية السلافية.

ثانياً- الخلل الهيكلي في الاقتصاد، والأزمة الاقتصادية بفعل العقوبات الغربية، وتراجع أسعار النفط: تظهر البيانات الرسمية حجم التراجع في مؤشرات الاقتصاد الروسي منذ فرض العقوبات الغربية، والتي ترافقت مع التراجع الكبير في أسعار النفط العالمية، حيث بلغ الناتج المحلي الروسي 15.390 مليار دولار عام 2014، ليتراجع نهاية العام التالي إلى 8.18 مليارات دولار فقط، كما سجلت نسبة النمو الاقتصادي تراجعًا ملفتًا من 4.3% عام 2011 إلى 0.7% فقط عام 2014، لتهبط بشكل حاد بعد عام، وتصل إلى -3.4، وكان معدل الاستهلاك 7.4% عام 2012، ليتراجع بعد هبوط أسعار النفط والعقوبات الغربية على روسيا إلى -9.6%، كما تراجع معدل الاستثمار من 10.2% عام 2011 إلى -7.6% عام 2015، وانخفض النمو في الانتاج الصناعي إلى -4.3% عام 2015 بعد أن كان 5.1% عام 2011. ووصلت نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي عام 2015 إلى 13.6% بعدما كانت 9.5% فقط عام 2011، وارتفع معدل التضخم من 6.1% عام 2011 إلى 12.9% نهاية عام 2015. وشهد عام 2015 انهيارًا كبيرًا في سعر صرف الروبل، حيث بلغ بالمتوسط 72.8 روبلاً مقابل الدولار الأميركي الواحد، بعد أن كان الدولار يعادل 32 روبلاً عام 2011.

ومن مراجعة الأرقام السابقة، يمكن القول إن الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، لم يجانبه الصواب، حين اعتبر الاقتصاد الروسي في حالةٍ يُرثى لها، في خطاب حالة الاتحاد عام 2015.

صحيح أن اقتصاد روسيا لم ينهرْ كما توقعت دوائر غربية، وصمد حتى الآن في وجه العقوبات الغربية وأزمة أسعار النفط، إلا أنه ما زال بعيدًا عن التعافي.

ثالثاً- بناء جيش عصري يحقق التوازن مع الغرب: أطلقت الحكومة الروسية، مطلع عام 2011، خطة التطوير الشاملة للقوات المسلحة 2011-2020، بعد الأداء المخيب للجيش الروسي في حرب جورجيا، 2008، بميزانية إجمالية 20 ترليون روبل، أي ما يعادل 656 مليار دولار بأسعار ذلك الوقت، بحيث يتم إنفاق 80% من ميزانية الخطة على شراء أسلحة حديثة، و10% على البحوث العسكرية، ومن المفترض، وفق ما هو مخطط، أن تصل نسبة المعدات والعتاد الحديث لدى كل أفرع الجيش الروسي إلى 70%، نهاية عام 2020.

الجيش وتحديثه

أكد الرئيس بوتين، في حديث له مع وكالة أسوشييتد بريس نهاية العام المنصرم؛ أنه لن يتم خفض موازنة خطة تحديث الجيش تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، لكن هناك مؤشرات تقول العكس، منها أنه تم الإعلان عن خفض ميزانية وزارة الدفاع بنسبة 5% للعام الحالي، كما ألمح بوتين إلى احتمالية تمديد الموعد النهائي لخطة التحديث، حين قال، في الحديث نفسه، إن من المتوقع انتهاء الخطة بعد خمسة أعوام، ما يُفهم منه أنها ستمتد حتى نهاية عام 2021، أي بعد عام من الموعد المقرّر.

لم يكن إطلاق روسيا خطة التحديث الشامل للجيش بهدف تحقيق تفوق عسكري على الغرب، بل هي محاولة لمعالجة أوجه القصور الكبيرة التي كشفتها حرب جورجيا على الرغم من النصر الروسي فيها، وستبقى هناك فجوة كبيرة بين الإمكانات التقليدية للجيش الروسي وقوات بلدان “الناتو” الغربية، وفي مقدمتها بالطبع الولايات المتحدة، انعكاساً، في المقام الأول، للفجوة الاقتصادية الهائلة بين القوتين. فحين تم إطلاق خطة التحديث الشامل للجيش؛ كانت فقط

“الهدف المركزي للسياسة الروسية الخارجية هو الحفاظ على المحيط الحيوي الذي يحقق نظرية أمن روسيا القومي في إقليمها”

10% من أسلحة القوات التقليدية الروسية حديثة، و20% من أسلحة القوات النووية. وعلى الرغم من أن الرئيس الروسي أوضح أن التحديث سيشمل الأسلحة الذكية الدقيقة، وأنظمة الاتصال، والاستطلاع، والتحكم والسيطرة، والحرب الإلكترونية؛ إلا أن مفهوم التحديث غير واضح، هل المقصود به أسلحة حديثة كليًا أم تطوير للتي في الخدمة؟ وعلى كل حال، إطلاق التصريحات المبهمة، والتي تحمل أكثر من معنى، وإعطاء أكثر من رقم حول الشيء نفسه، أمر مألوف في السياسة الروسية.

فعلى سبيل المثال؛ عندما عرضت روسيا المنصة القتالية المدرعة، أرماتا، التي من أبرز نماذجها الدبابة تي 14 وعربة القتال المدرعة تي 15، منتصف عام 2015، أعلنت أنه سيتم تزويد الجيش بـ2300 قطعة بحلول عام 2021، ثم تم تمديد الموعد إلى 2025. بعد ذلك، أُعلن عن تعاقد الجيش الروسي على شراء 100 دبابة للتجربة، في سبتمبر/ أيلول 2016، من دون تحديد عدد الوحدات التي تم تسليمها بالفعل.

وما زاد من الشكوك بشأن إمكانية إحلال “أرماتا” مكان الأجيال السابقة من المدرعات الروسية التي تعود إلى العهد السوفييتي، وما زالت في الخدمة؛ الإعلان قبل أشهر عن برنامج لتطوير 400 دبابة من طراز تي 90 إيه أس، إلى النسخة الأحدث تي 90 أم، وذلك بتزويدها بمزايا عديدة في “أرماتا”، ومن بينها المدفع الجديد، ونظام أفغانيت للحماية النشطة، كما جرى قبل سنوات إطلاق برنامج لتحديث الدبابة تي 72 التي تشكل اليوم نحو 70% من أسطول الدبابات الروسي، بينما خرجت فيه مجايلتها الأميركية أم 60 من الخدمة تمامًا قبل 12 عامًا.

ويبدو أن التوقعات الطموحة التي رافقت الإعلان عن “أرماتا” حول أنها ستكون الدبابة الرئيسية في الجيش الروسي خلال السنوات القريبة المقبلة غير واقعية، في ظل تكلفة إنتاجها العالية نسبيًا، وسينتظر الجيش الروسي طويلاً قبل استلام الـ2300 نسخة التي يحتاجها. وحتى ذلك الحين، سيتم تطوير الأجيال القديمة من الدبابات في الخدمة، واعتبار نتاج عملية التطوير تلك التحديث المخطط بنسبة 70%.

وفي سلاح الجو، تأخرت روسيا كثيرًا في إنتاج طائرات حديثة من الجيل الخامس، وما زالت تستثمر في طائرات الجيل (4++) كسوخوي 30 و35، وميج 31 و35، لعدم قدرتها اقتصاديًا على تبني مشروع إحلال طائرات الجيل الخامس مكان الأجيال القديمة، ناهيك عن العقبات التكنولوجية، لتلحق بالولايات المتحدة التي بدأت بهذه العملية منذ 12 عامًا، فبنت حتى اليوم 345 طائرة من هذا الجيل من طرز إف 22، وإف 35 إيه، وإف 35 بي، دخلت الخدمة فعليًا في أساطيل سلاح الجو وقوات البحرية والمارينز، بالإضافة إلى 20 طائرة تحت الاختبار من طراز إف 35 سي، في إطار برنامج طموح لإحلال طائرات الجيل الخامس، بطرزها المختلفة، مكان طائرات إف 15، وإف 16، وإف 18، وهاريير، بينما لم تنتج روسيا سوى ثماني طائرات تنتمي للجيل الخامس فقط من طراز سوخوي باك فا تي 50، مازالت تحت الاختبار، ومن المتوقع دخولها الخدمة العام المقبل.

ورثت روسيا عن العهد السوفييتي قاعدة بحثية وعلمية عسكرية قادرة على الخروج بابتكارات وتطوير تكنولوجيّات عسكرية مذهلة، وتضع مكاتب التصميم المختلفة مخططاتٍ لأسلحة تضاهي، وربما تتفوق، على كثير مما لدى الغرب، لكن محدودية القدرة الاقتصادية حالت بين تصنيع تلك المخططات والنماذج، أو تصنيع كميات كبيرة منها، وإحلالها بالسرعة المناسبة مكان القديمة.

سلوك تدخلي

منذ عودة بوتين إلى الكرملين عام 2012، أخذت روسيا بقوة تنتهج سلوكًا تدخُليًّا في إقليمها القريب وخارجه، لم تمارسه من قبل، إلا في حالة جورجيا، ما دفع كتابًا وسياسيين كثيرين إلى الحديث عن طموح إمبريالي عالمي لروسيا، خصوصاً وأنه جاء مع ما يمكن وصفها حالة سيولة في النظام الدولي، في ظل تراجع الهيمنة الأميركية العالمية، وأزمة وجود تعصف بالاتحاد الأوروبي، واستمرار التحفظ الذي تنتهجه الصين في سياستها الدولية، إلا أن القراءة في أوضاع روسيا الاقتصادية والديموغرافية والعسكرية لا تدعم مثل هذا الاستنتاج.

حتى التدخل الروسي في سورية كان مدروسًا بعناية، ولتحقيق أهداف محددة، ليس من بينها بسط السيطرة الروسية التامة على سورية، كما يتضح من سعي الروس إلى تسوية تعترف فيها بنفوذ أميركي وتركي في سورية، ناهيك عن تقاسمها النفوذ مع الإيرانيين في مناطق سيطرة النظام، انعكاسًا لتقاسم المجهود الحربي، هي من الجو وهم على الأرض. تدرك روسيا ما يمكن أن يكتشفه بسرعة أي مطالع لخريطة البحر الأبيض المتوسط، أنه بحرية أطلسية، وهي تريد أن تحتفظ بموطئ قدم فيه، لتعزيز موقفها الاستراتيجي تجاه الغرب، لا كقاعدة إمبريالية توسعية داخل ملعب خصومها.

الهدف المركزي للسياسة الروسية الخارجية هو الحفاظ على المحيط الحيوي الذي يحقق نظرية أمن روسيا القومي، في إقليمها، وهي سياسةٌ دفاعية إلى حد بعيد، وإن بدت غير ذلك.

العربي الجديد

 

 

 

 

أبعد من’الفيتو’ الروسي ــ الصيني/ خيرالله خيرالله

في مثل هذا الشهر قبل ست سنوات قال الشعب السوري كلمته. انتفض على نظام أقلوي أراد استعباده إلى ما لا نهاية. كان انتقام النظام من الشعب السوري، ولا يزال، فظيعا. لم يعد سرا أن ما تشهده سوريا هو المأساة العالمية الأكبر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

قرّر النظام، بدعم إيراني وروسي، كشفه موقف موسكو الأخير في مجلس الأمن، أن المطلوب الانتهاء من الشعب السوري، ومن سوريا نفسها. هل تتمكّن الأطراف الثلاثة من ذلك؟ الثابت أنّها ستفشل في الانتهاء من الشعب السوري. لا يستطيع نظام القضاء على شعب، أيّا تكن الوسائل التي يلجأ إليها، بما في ذلك السلاح الكيميائي، وأيّا تكن القوى الخارجية التي يستعين بها. لن تتمكن الأطراف الثلاثة من القضاء على الشعب السوري، حتّى لو كان “الفيتو” الروسي الأخير في مجلس الأمن، وهو السابع منذ العام 2011، يعني تشريع استخدام السلاح الكيميائي في الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري.

على الرغم من هذا “الفيتو”، الذي كان روسيا – صينيا، الأكيد أن الشعب السوري سينتصر. لو كان الشعب السوري سيتراجع، لما كانت ثورته مستمرّة منذ ست سنوات. لكنّ سوريا التي عرفناها لن تقوم لها قيامة للأسف الشديد بعدما خلقت الحرب المستمرّة منذ آذار ـ مارس 2011 وقائع جديدة على الأرض. لا بدّ من أن تكون لهذه الوقائع، التي هي أبعد من “الفيتو” الروسي – الصيني، انعكاسات في غاية الخطورة في المدى الطويل، خصوصا على بلد مثل لبنان، إضافة إلى دول الجوار الأخرى.

هناك ما هو أبعد بكثير من “الفيتو” الذي يعطي فكرة عن عجز روسيا عن لعب دور إيجابي في مجال البحث عن مخرج في سوريا. فإذا وضعنا جانبا المشكلة الضخمة الناجمة عن تدفق هذا العدد الكبير من اللاجئين السوريين على لبنان والأردن، تأتي على رأس هذه الوقائع تمكّن إيران من إزالة الحدود الدولية بين لبنان وسوريا. جعلت إيران، بفضل ميليشيا “حزب الله” التي ليست سوى لواء في “الحرس الثوري”، الرابط المذهبي فوق كلّ ما عداه، بما في ذلك الحدود المعترف بها بين دولة وأخرى.

إنّه الواقع الأخطر الذي تركته الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري. هذا الواقع سمح في وقت لاحق بظهور “داعش” وتوسّعه في العراق وسوريا متجاوزا الحدود بين الدولتين. هذا الواقع جعل من السهل قيام “الحشد الشعبي” الذي يضمّ مجموعة من الميليشيات المذهبية العراقية التابعة لإيران بالمشاركة بالحملة على “داعش”. ليس “داعش”، في نهاية المطاف، سوى تنظيم إرهابي يوفر كل المبررات التي يحتاجها “الحشد الشعبي” لتنفيذ ما تطمح إليه إيران في العراق، بدءا بتغيير طبيعة المدن في هذا البلد المهم الذي كان إلى ما قبل فترة قصيرة بلدا عربيا فيه قوميات عدّة، لكنه كان من بين الأعضاء المؤسسين لجامعة الدول العربية.

ليس معروفا إلى أي مدى ستتغير الخرائط نتيجة ما يمارس في سوريا، وما آل إليه الوضع فيها. لكن الثابت حتّى الآن أن طبيعة المجتمعات في كل دولة من الدول العربية التي تأثّرت بما يدور في سوريا ستشهد تطورات أساسية في ضوء وقوع أراضي تلك الدولة تحت أربع وصايات وسقوط الحدود اللبنانية ـ السورية لأسباب مرتبطة بالمشروع التوسّعي الإيراني.

بعد ست سنوات على الحرب التي يتعرّض لها الشعب السوري، تكونت في البلد أربع مناطق نفوذ. هناك منطقة نفوذ إيرانية، وأخرى روسية، وثالثة تركية، ورابعة إسرائيلية. المضحك المبكي في الموضوع أن النظام مازال يتحدث بين حين وآخر عن السيادة السورية بلسان بشّار الأسد أو أحد مساعديه.

من الصعب توقع كيف سينتهي الوضع السوري في المستقبل المنظور. لكن “الفيتو” الروسي الأخير لا يشجع على التفاؤل، خصوصا أنّه يعكس رغبة في دعم نظام مستعد لكلّ شيء من أجل القضاء على شعب بكامله.

هذا لا يعني أنّ في الإمكان تجاهل أن عنصرا جديدا طرأ على الوضع السوري. يتمثّل هذا العنصر الجديد في رغبة الإدارة الأميركية في إقامة “مناطق آمنة” داخل الأراضي السورية على حدود الأردن وتركيا… وربّما لبنان الذي زاره أخيرا السناتور بوب كوركر، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي. حرص كوركر، الذي كان مرشحا لأن يكون وزيرا للخارجية مكان ركس تيلرسون، على الذهاب إلى بلدة عرسال التي يفوق عدد اللاجئين السوريين فيها عدد المواطنين اللبنانيين.

فتح تجاوز “حزب الله”، أي إيران، للحدود اللبنانية – السورية، الباب أمام كل أنواع التغييرات وصولا إلى التدخل العسكري الروسي بهدف الحؤول دون الإعلان رسميا عن سقوط النظام. ما تشهده أرض سوريا حاليا من أحداث مصيرية مرتبط، إلى حد كبير، ببداية التدخل الإيراني عبر ميليشيات لبنانية وعراقية وأفغانية لإنقاذ النظام العلوي. أسّس إلغاء الحدود اللبنانية – السورية لكل أنواع التدخلات، وصولا إلى التواطؤ التركي مع روسيا كي يَسهل إخراج مقاتلي المعارضة من حلب.

الملفت إلى الآن، أن إسرائيل تتفرّج وتكتفي بتوجيه ضربات جوية بين حين وآخر تستهدف أسلحة وصواريخ مرسلة إلى “حزب الله” عبر الأراضي السورية. لم يصدر عن أي مسؤول إسرائيلي كلام يفهم منه ماذا تريد حكومة بنيامين نتانياهو التي تبدو راضية عن وجود منطقة نفوذ لها، كما أنهّا تنسّق بالعمق مع روسيا، باستثناء رغبتها في تفتيت سوريا، ملتقية بذلك مع ما يستهدفه النظام فيها.

يصعب توقع كيف سينتهي الوضع السوري في المستقبل المنظور. لكن (الفيتو) الروسي الأخير لا يشجع على التفاؤل، خصوصا أنه يعكس رغبة في دعم نظام مستعد لكل شيء من أجل القضاء على شعب بكامله

لعل أقرب ما يكون للموقف الرسمي لإسرائيل ما صدر عن رئيس الأركان ووزير الدفاع السابق موشي يعلون الذي يحضر مؤتمرا في موسكو لمؤسسة أبحاث تابعة للكرملين اسمها “فالداي”. قال يعلون الذي استقال العام الماضي من وزارة الدفاع، لكنّه لا يزال قريبا جدا من المؤسسة الأمنية والعسكرية، “إن إسرائيل على استعداد لدعم التعاون الروسي ـ الأميركي من أجل تقسيم سوريا إلى علويستان وسنّستان وكردستان”، مضيفا “أن سوريا والعراق من الدول الاصطناعية التي لا داعي لمحاولة إعادة إحيائها”.

لم يصدر أي رد على يعلون من المشاركين في المؤتمر. فضل المشاركون الروس وغير الروس الصمت. إنه تأسيس لمرحلة جديدة في سوريا بدأت بتطور في غاية الخطورة لم يحسب كثيرون لمدى أهميته وأبعاده يتمثل في الاستهانة بالحدود اللبنانية – السورية، والاستهانة بلعب ورقة الرابط المذهبي وجعله فوق سيادة الدول ومبدأ الانتماء الوطني أولا.

ليس “الفيتو” الروسي سوى تعبير عن الرغبة في الذهاب بعيدا في المشاركة في التأسيس لهذه المرحلة الجديدة، التي صار فيها استخدام السلاح الكيميائي في الحرب على الشعب السوري وجهة نظر وغطاء لمزيد من الجرائم.

يعبّر موقف موسكو، الذي تشارك فيه الصين، والذي يشجّع على ارتكاب مزيد من الجرائم في حقّ الشعب السوري، أفضل تعبير عن الاستثمار في كلّ ما من شأنه إقامة كيانات طائفية ومذهبية في كلّ منطقة المشرق العربي وما هو أبعد منه.

إعلامي لبناني

العرب

 

روسيا أمام مفترق طرق… إيران أم أميركا ؟/ ألكسندر أتاسونتسيف

عشية الجولة الجديدة من محادثات جنيف حول سورية، يمتحن «الحلف الثلاثي»، الإيراني- التركي – الروسي، اختبار بارز قد يضطر موسكو الى خيارات صعبة. والإدارة الأميركية الجديدة تقول أنها لن تتحاور مع المتعاونين مع إيران. وأحرز «الحلف الثلاثي» بالفعل منذ ظهوره على الساحة السورية في 2016 بعض النجاح. ففي أواخر كانون الأول (ديسمبر)، تمكنت هذه الدول من ضمان وقف إطلاق نار شامل في سورية، وبدء جولة مفاوضات في آستانة مكملة لمفاوضات جنيف. لكن المفارقة في هذا التحالف، هي أن أعضاءه يعلنون رغبتهم في بلوغ أهداف متعارضة ومتباينة تكاد تستبعد نشوء تحالف حتى ظرفي بينهم.

وصرح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مراراً وتكراراً أن هدفه في سورية هو الإطاحة بالرئيس بشار الأسد. وهذا وفق الديبلوماسيين الروس والإيرانيين غير مقبول. ولكن، في الواقع، ما يبقي «التحالف الثلاثي» السوري قائماً هو وجود اتفاق ضمني غير معلن. وعلى رغم التناقضات الظاهرة، فالحلف، على الأقل، بين روسيا وتركيا بالغ القوة بسبب خيبة تركيا من حليفتها الرئيسية في الناتو، الولايات المتحدة. فواشنطن تجاهلت، منذ بداية الأزمة في سورية، مطالب أنقرة بالدخول في الصراع، وإنشاء مناطق آمنة في المناطق الحدودية مع تركيا، ثم رفضت تسليم الداعية الإسلامي، فتح الله غولن الذي تتهمه السلطات التركية، بتدبير محاولة الانقلاب العسكري في تمّوز (يوليو) من العام الماضي. وحتى الضربة العَرضية التي شنها سلاح الجو الروسي وأدّت إلى مقتل عدد من جنود الجيش التركي في 9 شباط (فبراير) (المنصرم)، لم تعكر التعاون بين روسيا وتركيا.

ولكن الأمور لا تسير بين روسيا وإيران على ما يرام. ومرد المشكلة بينهما إلى واقع الأمور: مهما كان شكل التسوية في الأزمة السورية، إيران ستكون فيها خاسرة. وأمام مساعي المجتمع الدولي إلى حلّ سياسي في سورية، مصلحة طهران هي بقاء الأمور على حالها.

صراع بلا نهاية

ويرى الخبير في شؤون الشرق الأوسط، والمحاضر في المدرسة العليا للاقتصاد، ليونيد إيساييف، أنّ الأزمة السورية تقرّب بين الأطراف، لكنه قرب على مستوى نظري وكلامي (التصريحات) فحسب. ولكن إلى وقت قريب، أجمعت روسيا وإيران على مسائل مثل الموقف من التدخل الأميركي في العراق، والحملة الدولية في ليبيا، والتدخل في اليمن. ولكن الفريقين سيجدان أنهما على جبهات مختلفة حين تناول مصلحة إيران الخاصة. ويتوقع إيساييف أن ينزلق الحليفان إلى الخصومة، إذا كان حلّ النزاع السوري يقضي بإرساء مناطق نفوذ – وهو ما تنحو إليه الأوضاع.

فحصة الأميركيين هي الأراضي التي يسيطر عليها الأكراد، والأتراك إدلب ومحافظة حلب الشمالية. أمّا حصة الروسية، وفق أساييف، فهي دمشق والأراضي التي تسيطر عليها الحكومة السورية. وعليه، إيران هي منافسة روسيا الرئيسية. ويرى رئيس مجلس إدارة صندوق تنمية ودعم نادي المناقشة الدولي في منتدى «فالداي»، أندريه بيستريتسكي، أنّ سقوط نظام الأسد يطيح جدوى التدخل الإيراني والغاية منه، في وقت لم تبدِ روسيا بعد رغبة واضحة في تسوية تخاف منها إيران. وهذا ما يشير إليه نص مسودة الدستور السوري الجديد، الذي اقترحته موسكو خلال محادثات آستانة في كانون الثاني (يناير) المنصرم. ومنح المشروع الروسي للدستور السوري الجديد الأسد فرصة البقاء في سدّة الرئاسة إلى نهاية ولايته في 2021، على أن يكون قادراً بعدها على تمديد بقائه في منصب رئيس الدولة لولايتين من سبع سنوات.

وأشار بلوغ ترامب السلطة إلى انعطاف سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وربما عودتها إلى ما كانت عليه في عهد الرئيس الجمهوري، جورج دبليو بوش. وأدرج بوش إيران والعراق وكوريا الشمالية في «محور الشر»، أي الدول الراعية الإرهاب الدولي. ويرغب الرئيس الأميركي الحالي في إلغاء «الاتفاق النووي» مع إيران، ويسعى إلى عقوبات جديدة عليها. وقرار حظر دخول عدد من مواطني دول شرق الأوسط إلى أميركا، ضم إيران – وهي من الدول القليلة المستقرة في الشرق الأوسط – إلى قائمة الدول التي تعاني من الحروب الأهلية: العراق، سورية، السودان، ليبيا واليمن. فترامب يتوجه نحو الانعزالية: الرغبة في خفض مشاركة أميركا في مشاريع خارجية، يقول بيستريتسكي. وتردد واشنطن في التورط الصراع الدائر في الشرق الأوسط يعود إلى عهد أوباما.

ويرى إيساييف أنّ الإدارة الجديدة في البيت الأبيض لم تلتزم، إلى اليوم، استراتيجية واضحة في الشرق الأوسط. ولكن بعض مبادئها البارزة تبلورت، ومنها اعتبار إيران مصدر التهديد الرئيسي في المنطقة، على خلاف إدارة أوباما التي لم تصنّف إيران عدواً، ورأت أن العدو هو تنظيم «داعش».

وفي هذا السياق، يبدو أن على روسيا حسم أمرها. فترامب يقول إنّه مستعد للتعاون مع روسيا في القضايا الأمنية. وهذه لا تقتصر على «داعش»، وتشمل أخطار نفوذ إيران، على رغم وعد ترامب خلال الحملة الانتخابية بأن التحالف مع موسكو سيقتصر على محاربة المنظمات الإرهابية.

موسكو أمام مفترق الطرق

ويعتقد بيستريتسكي أن القيادة الإيرانية قلقة. فالإدارة الأميركية تتخذ منها موقفاً متشدداً، وتعلن، في آن، دعم تركيا، الحليفة في الناتو، وروسيا. ولم ينكر أحد في الإدارة الأميركية بعد رغبته في التعاون مع روسيا. والقلق الإيراني مفهوم، فهي لن تجني سوى الخسارة السياسية والاقتصادية حين انفراط عقد التحالف مع روسيا.

وفي مقابلة أجراها أخيراً السفير الروسي في إيران، ليفان دجاغريان، حول آفاق التعاون التجاري والاقتصادي بين البلدين، أشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع نحو 5 في المئة، وبلغ حوالى 2 بليون دولار في العامين الماضيين، على رغم مساهمة هبوط أسعار النفط، واندلاع الأزمة الأوكرانية وعقوبات الدول الغربية، في خفض نسبة التبادل التجاري الروسي مع الدول الأخرى، ومنها الصين، نحو 30 إلى 40 في المئة. وأعلن رئيس مجلس الشورى الإيراني، علي لاريجاني، في مقابلة مع قناة «الميادين»، أنّ طهران تسعى إلى حلف استراتيجي مع موسكو في الشرق الأوسط. ويشير إساييف إلى أن كلام لاريجاني هو مؤشر إلى القلق الإيراني من التقارب الروسي- الأميركي. ويُتوقع أن يزور الرئيس الإيراني، حسن روحاني، موسكو في آذار (مارس). ويرجـــح الخبراء أن تتصدر الأزمة السورية لقاء روحـــاني مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. ويخلص إيساييف إلى أنّ أمام روسيا اقتراحين، واحد من واشنطن، والثـــاني من طهران. وروسيا في مواجهة خيار صعب. الخيار الأول، يقضـــي بأن تباشر بـ «إعادة إطلاق» العلاقات مع الولايات المتحدة. لكن ليس جلياً ما إذا كانت هذه العملية ستكون ناجحة في نهاية المطاف، وهل سيكون ممكنناً استغلال هذا النجاح على الساحة الأوكرانية وغيرها من بؤر التوتر. ولكنها فرصة سانحة. والخيار الآخر أن تبقي موسكو على حلفها مع طهران. وحينها لن يتعاون الأميركيون، وحتى ترامب، معها.

* صحافي روسي، عن موقع «غازيتا» الروسي، 23/2/2017، إعداد علي شرف الدين

الحياة

 

 

 

 

جيش روسي أصغر وأقوى… يغيّـر موازين القوى في أوروبا/ مايكل كوفمان

يقتضي بلوغ علاقة أكثر استقراراً مع روسيا تُرسى من «موقع قوة»، فهم موازين القوة العسكرية الجديدة في أوروبا وتطور القدرات الروسية العسكرية. وحري بالولايات المتحدة تطوير استراتيجية تعامل مع روسيا تستند الى الوقائع العسكرية «الملموسة» وليس الى التفاؤل. وشاب سياسة الإدارة السابقة (إدارة أوباما) هوة شاسعة بين الخطابة والاستراتيجية، فهي دانت روسيا سياسياً وخسرت استراتيجياً. ويتوقع أن يبقى الارتياب على حاله في العلاقات «الأطلسية»– الروسية.

وليس الجيش الروسي في 2017 ضعيف التسلح والتنسيق على ما كانت حال القوات الروسية التي اجتاحت جورجيا في آب (أغسطس) 2008. لذا، أثر الأزمة الحالية أعظم من أثر الأزمة التي واجهت إدارة أوباما في 2009. وإثر اصلاحات بدأت في تشرين الأول (أكتوبر) 2008 وبرنامج تحديث في 2011 قيمته 670 بليون دولار، صارت القوى المسلحة الروسية أبرز أداة من أدوات القوة الروسية. فموسكو فككت الجيش السوفياتي الضخم، واستبقت ما ترتجى منه فائدة وعززته، وأنشأت جيشاً أصغر حجماً ولكن قدراته أكبر. وعديد القوات المسلحة الروسية في ارتفاع متواصل، وبلغ اليوم 900 ألف جندي، وبرنامج التسلح الحكومي يواصل استبدال العتاد العسكري المتآكل و «المسن» بعتاد أحدث. وعلى رغم أن عملية الإصلاح وضخ التمويل غير شاملتين، أفلحتا في ترميم القدرات الحربية في الجيش الروسي. ولا شك في أن قدرة موسكو على انفاق مستديم على القطاع العسكري هي مدار تساؤل، في وقت انخفضت أسعار النفط وركود الاقتصاد الروسي، ومعاناته عقوبات غربية. ولكن روسيا تتمسك بالانفاق على موازنة الدفاع، وقصرت الاقتطاعات المالية على قطاعات أخرى. وعلى رغم تقليص الانفاق على المشتريات العسكرية، الانفاق على تطوير القدرات النووية والأسلحة البعيدة المدى متواصل في سعي الى الحفاظ على القدرات الحالية، في وقت خسرت موسكو مكونات بارزة درجت على شرائها من القطاع الدفاعي الأوكراني والأوروبي، وهي أبرز خسارة لحقت بعملية تحديث القدرات الدفاعية الروسية.

وارتفعت الموازنة الدفاعية الروسية وبلغت 4.2 في المئة من الناتج المحلي في 2015. ومذّاك، انخفضت نسبياً، ولكن يتوقع الا تنخفض الى ما دون 3.7 في المئة من الناتج المحلي، وأن تبقى نسبتها أعلى من نظيرها في صفوف حلفاء أميركا الأوروبيين. وفي إمكان روسيا الحفاظ على مستويات الانفاق العسكري هذه من طريق تقليصات في مجالات أخرى. ولو انهارت أسس التمويل، ليس أثر هذا المنعطف الدراماتيكي في أحوال قواتها المسلحة، أي انتقالها من الضعف الى القوة، موقتاً، ولا يسع أميركا إغفال أخطــار ما يترتب عليه. وقيادة الأركان الروسية انصرفت الى تدريب القوات وتحسين جاهزيتها من طريق مناورات وتدريبات مشتركة وتدريبــات سنوية عملانية واستراتيجية. واستعاد الجيش الروسي جاهزية عملانية غير مسبوقة منذ التسعينات. وحجم القوات الروسية هو شطر ضئيل من القوات السوفياتية الضخمة التي واجهها «الناتو» في أوروبا. ولكن قوات حلفاء أميركا في أوروبا ضمرت، وتراجعت قدراتها التقليدية. وقلصت واشنطن كذلك قوات البحرية وقوات الجيش الى مستويات لا تناسب تحديات مواجهة ما بين الدول، على رغم أن هذه التحديات متوقعة.

وروسيا قوة برية في أوراسيا. ويعود شطر راجح من قدراتها النارية الى قواتها البرية لجبه تفوق القوات الغربية في سلاح الجو. وأُنجزت سلالات من أنظمة السلاح التي طورها الاتحاد السوفياتي في الثمانينات، ووزعت على القوات الروسية، وطُورت القدرات على توجيه ضربات دقيقة طويلة الأمد، والدفاعات الجوية، وحُسنت قدرات الجنود. وفي إمكان روسيا اليوم استنفار 40 الى 50 ألف جندي، ونقلهم جواً مع القوات الخاصة والمركبات والمشاة، في وقت سريع. ولكن القوات الروسية البرية، وعديدها بين 300 الف جندي و350 الفاً، تفتقر الى احتياطي عملاني. ولا يسعها نشر غير شطر من هذه القوة، وقدراتها العسكرية عاجزة عن احتلال أراضٍ مترامية والإمساك بها، أو التعويض عن خسارة قواتها القتالية في عمليات دفاعية. وهذه خلاصة العمليات القتالية في أوكرانيا حيث ارتفعت الضغوط والتوترات على الوحدات الروسية المتناوبة في أنحاء الدونباس. والقيود العملانية تظهر أن الجيش الروسي ليس خطراً وجودياً على أوروبا ولا على أوكرانيا، ولكنه قادر على إلزام دول الجوار بما يشاء من طريق توسل القوة والتلويح بها. فالقوات العسكرية الروسية هي قوة إكراه.

والعقيدة الروسية العسكرية صيغت في عدد من المبادئ ووسمت بـ «جيل الحرب الجديد»، وهي مرآة رغبة في بسط مصالح روسيا بواسطة وسائل غير متكافئة ومقاربات شبه تقليدية subconventional. وتدرك موسكو حدود قوتها، وتستسيغ تجنب عمليات تقليدية مكلفة، وترجح كفة إحراز مكاسب استراتيجية من طريق الحرب السياسية والقوات الخاصة وغيرهما من الوسائل غير المباشرة. وثمة نازع قوي الى نظام ردع غير نووي قوامه أسلحة تقليدية طويلة الأمد ومجالات رد مباشر مثل الحرب السيبيرنيطيقية (السيبرانية) أو حرب المعلومات. وهذه الاستراتيجية تغلب كفة خفة الحركة والسرعة والاحتفاظ بخيارات التصعيد من أجل رسم وجه ميدان المعارك من طريق التوسل بما قل ودل من القوة «الصلبة».

والدروس المستخلصة من التجارب الروسية في أوكرانيا وروسيا تدمج في عقيدة الجيش الروسي، والأخير في طور التحديث والتجربة ويمتص الاصلاحات الفوضوية ووتيرة القتال العملاني السريعة في العامين المنصرمين. ولا شك في أن روسيا قطفت ثمار الاستثمارات الضخمة في قطاعات الأسلحة النووية وسلاح الجو والصواريخ الموجهة البعيدة المدى. ويشير القتال في أوكرانيا وسورية الى أن جاهزية القوات الروسية في حال أكثر من «جيدة» لتحدي أي جمهورية سوفياتية سابقة على حدودها، والدخول في مواجهة مع «الناتو» في قتال حامي الوطيس وقصير الأمد. ولا شك كذلك في أن روسيا لا يسعها احتلال دول كاملة، ولكنها قادرة على سحق جيوشها ومصادرة أراضٍ وقضمها وضمها.

ولا يخفى أن الجيش الروسي الجديد لم يحارب في حرب واسعة بعد. ومساحة روسيا هي ثُمن مساحة اليابسة في المعمورة، وجيشها اليوم هو ربما الأصغر في قرون. ويشير مكان انتشار قواتها العسكرية الى نياتها القتالية. فبين 2009 و2012، أرسلت موسكو عدداً كبيراً من الوحدات العسكرية الى الحدود الأوكرانية. وكان الجيش الروسي يهمل منطقة البلطيق. ولكن ثمة 4 ميول طارئة على المواقع العسكرية الروسية في المسرح الأوروبي: قوات كبيرة تسعى الى تطويق أوكرانيا، وتجدد القوات البرية والبحرية في القرم، وبعث العمليات العسكرية الجوية والبحرية، وتحديث عام والتوجه نحو البلطيق. ففي أواخر 2014 الى مطلع 2016، أعلنت موسكو عودة كتائبها الى الحدود الأوكرانية، وأنشأت ثلاث فرق جديدة لتطويق أوكرانيا في ما سماه وزير الدفاع، سيرغي شويغو، «الوجهة الاستراتيجية الجنوبية الغربية». وتنشئ روسيا قواعد لها حول أوكرانيا/ وتحدث سلاح الجو التكتيكي والبنى التحتية وتعد العدة لتجمع قتالي مستدام حول أوكرانيا من الشمال الى القرم.

* باحث، عن «ناشنل إنتريست» الأميركية، 2/2/2017، إعداد منال نحاس.

الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...