الرئيسية / صفحات العالم / عن “تقسيم سورية” –مجموعة مقالات-

عن “تقسيم سورية” –مجموعة مقالات-

الأقاليم السورية/ غسان شربل

يعيش اللبنانيون على وقع الأخبار الواردة من سورية. القلق واضح وعميق. غابت الأحاديث التي كانت رائجة قبل حفنة شهور. في السابق كان باستطاعة الزائر أن يسمع أن النظام يتقدم في الشمال والجنوب. وأنه سيسترجع حلب «ولن يترك للتكفيريين غير جزر غير قابلة للحياة». الكلام اليوم مختلف. تسمع مثلاً من يسأل عن مصير لبنان في حال تقسيم سورية؟ أو كيف سيتعايش لبنان مع انقسام سوري طويل الأمد؟ تسمع أيضاً أن عودة سورية إلى ما كانت عليه قبل اندلاع الأحداث باتت مستحيلة. وأن سورية تتجه نحو الفيديرالية ونظام الأقاليم. وأن الأراضي السورية ستتوزع على الأقل لسنوات في صورة مناطق نفوذ للقوى المتحاربة ومعها القوى الإقليمية والدولية.

أدت التطورات التي تسارعت في محافظة إدلب إلى تغيير في المناخ والتوقعات. أصدقاء النظام السوري يتحدثون اليوم عن توجهه إلى إعادة نشر قواته في مناطق يمكن الدفاع عنها لوقت طويل. يقولون إن الاستنزاف البشري كان وراء سلوك النظام هذا الطريق. يؤكدون في الوقت نفسه أن إيران لن تسمح في أي صورة من الصور بانهيار كامل للنظام خصوصاً في المناطق الحيوية التي تشمل دمشق وحمص والساحل. وأن طهران لن تتردد في القيام بتدخل مباشر وواسع إذا ما استلزم الأمر ذلك. وأن روسيا أيضاً لن تسمح بانهيار من هذا النوع حتى ولو كانت لديها في الآونة الأخيرة ملاحظات بسبب عدم تجاوب النظام مع بعض نصائحها.

تستغرب مصادر في بيروت ما ردده ديبلوماسيون أميركيون في الأسابيع الماضية عن أن «كل المفاجآت واردة في سورية». ويقولون إن واشنطن وصلت في تكهناتها إلى حد مفاتحة الروس بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع «داعش» و»النصرة» من السيطرة على دمشق في حال حصول «انهيار مفاجئ» لوحدات من الجيش السوري. لكن المصادر نفسها تعترف أن الوضع اليوم ليس كما كان عليه قبل شهور وتتوقع أن تحاول المعارضة المسلحة تسديد ضربات جديدة إلى النظام خلال شهر رمضان المقترب. وعلى رغم التطورات الأخيرة تستبعد المصادر أن يكون الوضع السوري مفتوحاً على لعبة «الضربة القاضية». يعتقدون أن أميركا وأوروبا والدول الإقليمية المؤثرة لا تزال تتمسك بضرورة منع ما تبقى من مؤسسات الدولة السورية من الانهيار الكامل لكي يمكن الانطلاق منها في استعادة الأمن لدى تبلور حل سياسي. ويقولون إن فكرة المجلس العسكري الضامن للمرحلة الانتقالية عادت إلى سوق التداول في بعض الاتصالات الديبلوماسية على رغم استمرار اصطدامها بعقبات كثيرة.

يغرق اللبنانيون في التكهنات عن علاقة الحل في سورية بالحل في اليمن والمفاوضات النووية. لكن الزائر يسمع أن الحل في النهاية لا يمكن أن يكون إلا قيام دولة مركزية ضعيفة تعطي المكونات، تحت هذه التسمية أو تلك، حق إدارة جزء غير يسير من شؤونها. يلفتون إلى أن المكون الكردي الذي ربطته علاقات بالنظام ويخوض حرباً طاحنة ضد «داعش» أوضح أنه لن يرضى هو الآخر بأي حل يعيده إلى ما كان عليه قبل اندلاع الأحداث. ويدعم هؤلاء حججهم بما يجري على الأرض من «تنظيف وترتيب» في المناطق الكردية.

ينكفئ اللبنانيون سريعاً إلى حساباتهم الداخلية. ليس هناك في سورية حل يمكن أن يضمن لـ»حزب الله» ما كان يتمتع به في سورية قبل اندلاع الأحداث. يتساءلون إن كان ذلك يعني أن الحزب وإيران يفضلان بقاء النظام السوري على جزء من أراضي سورية أي استمرار صيغة مناطق النفوذ بانتظار تحولها إلى أقاليم دائمة. يتساءلون أيضاً عن التعويضات التي سيسعى إليها الحزب إذا تأكد من خسارة «العمق السوري».

لن تكون رحلة سورية في اتجاه الأقاليم سهلة. الاستسلام للأمر الواقع الحالي يعني فوز «داعش» بإقليم مفروض و»النصرة» بإقليم آخر وثالث لـ»الجيش الحر» فضلاً عن إقليمي النظام والأكراد. لكن هذه الصيغة شديدة الخطورة على الدول المحيطة بسورية وعلى أمن المنطقة والعالم. لهذا هناك من يتوقع تصاعد الضغوط الميدانية لإرغام الأطراف على التوجه نحو «جنيف 3» لبلورة فترة انتقالية تطمئن المكونات السورية بشيء من روح الأقاليم وتطلق الحرب على التكفيريين بمظلة دولية وإقليمية.

الحياة

 

 

 

الخرائط المتحركة في سورية/ وليد شقير

يتصرف بعض المتابعين لمجريات المعارك في سورية على أنها متجهة نحو التقسيم، تارة إلى خمسة أقاليم، أو «دويلات»، تشمل الأكراد في الشمال الشرقي، ومناطق «داعش»، والساحل السوري موصولاً بمدينة حمص ودمشق تحت سيطرة النظام وحلفائه، ومناطق أخرى تحت سيطرة جيش «الفتح» في الشمال والوسط، وخامسة في الجنوب، وتارة أخرى إلى 3 مناطق نفوذ بين النظام و «داعش» و «الجيش السوري الحر» بالاشتراك مع «جبهة النصرة»…

يحتار قارئو الخرائط في تحديد مناطق ما يجزمون بأنه «تقسيم» لسورية لا مناص من أن تصل إليه في المرحلة المقبلة. بعضهم يرى أنه «الحل» للأزمة السورية بحجة أن «سورية القديمة التي نعرفها لن تعود كما كانت قبل 15 آذار (مارس) 2011»، وبعضهم الآخر يعتبر أن ثمة مناطق نفوذ موقتة، نشأت أو آخذة في التبلور تمهيداً للتفاوض على سورية فيديرالية، شبيهة بالعراق الذي تتوزع أراضيه بين كردستان، والجنوب ذي الأكثرية الشيعية، وبين مناطق الشمال والغرب ذات الأكثرية السنّية.

إلا أن نظريات توزيع المناطق في سورية بين هذا وذاك سرعان ما تضعف حججها أمام الأسئلة عن العوائق الكثيرة التي لا أجوبة منطقية أو حاسمة عند قارئي الخرائط عنها: هل تقبل تركيا ومعها إيران المتعارضتي المصالح في سورية بنشوء إقليم كردي فيها؟ ماذا عن مصير دمشق وضواحيها كعاصمة شبيهة بالمناطق المختلطة طائفياً وسياسياً في الأرياف والمدن الأخرى وضواحيها؟ هل يتطلب تثبيت الخرائط المزيد من التطهير الطائفي والعرقي فيها، في وقت تبدلت ديموغرافيا مناطق عدة بفعل نزوح فئات كثيرة إما طوعاً أو قسراً طلباً للأمان؟ (بات السنّة أكثر من العلويين في بعض تجمعات الساحل السوري السكنية نتيجة التهجير…).

وإذا كانت واشنطن جاهرت بمشروع نائب الرئيس جوزف بايدن لتقسيم العراق، لماذا يصر الأميركيون على وحدة سورية في بحثهم عن الحلول، وترفض الدول المتحاربة في الميدان السوري، أي الدول العربية الرئيسية، وخصمها في الإقليم أي إيران، تقسيم سورية؟

كل الأجوبة لا تأتي لمصلحة تكريس الخرائط المتداولة، في شكل يدل على أن التعاطي مع توزع مناطق النفوذ في سورية يختار الأجوبة السهلة عن الغموض الذي يكتنف مصير الحرب التي يزيد من تعقيدها أنها داخلية وإقليمية ودولية، تدور على أرضها.

وعندما تبدو الخرائط التي يجري الحديث عنها متحركة – متغيّرة، فلأنه يصعب التسليم بثباتها لأسباب كثيرة، أبرزها أن أياً من «الدويلات» السورية التي يبشر بها البعض غير قابلة للحياة والصمود لأن كلاً منها تنقصه مقومات البقاء الاقتصادي والأمني. لذلك، فإنها خرائط قد يصلح عليها وصف مناطق النفوذ بين قوى متحاربة. إنها وصفة لإدامة الحرب داخل سورية أكثر مما هي وصفة للحل. وفي أفضل الحالات هي وسيلة لضمان استمرار الرئيس بشار الأسد في السلطة، تحت عنوان تفادي انتصار فئة على أخرى، أو تجنب انهيار الدولة السورية. وإذا كانت مقولة «سورية لن تعود كما كانت» صحيحة، فإن اعتبار هذا قاعدة لتكريس توزع مناطق النفوذ الواقعي الحالي على حمايات إقليمية ودولية، وليس في سياق السعي إلى حل الأزمة، لا يستقيم. وبالنسبة إلى إيران يعني التغيير في سورية أنها ممسكة بالقرار في دمشق في أفضل الحالات، وبـ «الشرعية» المفترضة للأسد في أسوأ الأحوال إذا اضطر للانكفاء إلى الساحل السوري…

استمرار الحرب الدائرة والتعديلات الحاصلة في ميزان القوى الميداني قد يسمح بإطلاق إعادة رسم خطوط مناطق النفوذ الداخلي والإقليمي والدولي، تمهيداً للتفاوض على الحل في سورية، وفق ما يتوقعه كثر عن أن القتال الشرس الدائر حالياً في الشمال والشمال الشرقي وفي ريف دمشق يستبق البحث في الأزمة السورية بعد الانتهاء من الاتفاق مع طهران على ملفها النووي.

المعضلة تبقى، طالما أن مناطق النفوذ هذه تشمل «إقليماً» لـ «داعش»، في أن ذريعة محاربة الأخيرة من جانب إيران (و»حزب الله») في كل من العراق وسورية، تقابلها حقيقة أن تنظيم «الدولة الإسلامية» يحارب «الجيش الحر» و «النصرة» وليس النظام.

فهل رسم خطوط مناطق النفوذ يعني تعايشاً من جانب إيران مع «داعش» في سورية والحرب ضده في العراق، لأن هدفها بقاء الأسد في السلطة مهما كان الثمن؟

في القلمون تقتصر معارك «حزب الله» على مهاجمة مواقع «النصرة» و «الجيش الحر» من دون «داعش» الذي يقاتل أيضاً هذين التشكيلين أثناء حربهما مع النظام.

الحياة

 

 

 

مصائر سورية/ د. بشير موسى نافع

لم يعد ثمة شك أن نظام دمشق، وبعد أربع سنوات من الثورة، يعاني انكساراً عسكرياً حقيقياً. دفع النظام، باستخدامه أقصى درجات القمع والعنف الدموي، ثورة الشعب السوري إلى العسكرة، ظاناً أن المواجهة العسكرية ستنتهي لصالحه وإلى تلقين الشعب درساً يفوق درس مطلع الثمانينات. ما غاب عن النظام أن ثورة الشعب السوري هذه المرة شأن مختلف، وأنها جزء من حركة تحول تاريخي، يطال المجال العربي كله. الدور الكبير الذي لعبه الدعم الإيراني والروسي، والتدخل واسع النطاق الذي قام به حزب الله، وما تعهده من حشد طائفي، عراقي وأفغاني وباكستاني، لدعم النظام، ما كان له أن يغير من نتيجة المعركة. ما فعله الدعم والتدخل الخارجيان كان أن أطال زمن المعركة وفاقم من حجم الدمار والمعاناة. الصراع على سوريا ومستقبلها، كما الصراع على مصر وليبيا واليمن وتونس والعراق، ومهما بلغت الآلام والدمار، لا يمكن له أن ينتهي إلا إلى نتيجة واحدة، طال زمن المعركة أو قصر. وهذا ما أصبح واضحاً في سوريا اليوم. ولكن هذا لا يعني أن ثمة طريقاً واحداً للوصول إلى هذه النتيجة. وربما كان هذه هو التحدي الأكبر أمام أطراف الصراع اليوم.

خسارة النظام وتراجعه الحثيث في جبهتي الشمال والجنوب، وأمام تنظيم الدولة في الشرق، لم تعرفها مجريات المواجهة منذ أربع سنوات. تتخلى قوات النظام، وبصورة غير مخططة، عن بعض من أهم مواقعها، بعد خسائر فادحة في المعارك مع الثوار السوريين. وليس ثمة من مؤشر أن بإمكان قوات النظام استرداد هذه المواقع، بالرغم من ادعاءات أنصار النظام بأن ما يجري ليس سوى حرب طويلة من الكر والفر، وأن التراجعات ليست سوى إعادة انتشار تكتيكي. هناك من يرى أن القوة الرئيسية خلف هذا المتغير في الوضع يعود إلى الدعم المتزايد التي تقدمه دول مؤيدة للثورة، مثل تركيا والسعودية وقطر، وإلى الضغوط التي مارستها هذه الدول على الثوار لتوحيد جهودهم في ساحة الحرب. وهناك من يرى أن السبب يعود إلى الإنهاك المستمر للقوات الموالية للنظام، بشرياً ومعنوياً، وتراجع قدرة النظام على الحشد، سيما بعد الخسائر الفادحة التي أوقعت بالمناطق العلوية، الخزان البشري لجيش النظام وأجهزته الأمنية. آخرون يرون أن أربع سنوات من الحرب تسببت في استنزاف فادح لمقدرات إيران المالية والعسكرية، واستزاف بشري مؤلم لحزب الله، وأن الأخير بصورة خاصة لم تعد لدية القدرة على الدفع بقوات كبيرة لمساندة النظام في جبهات القتال المختلفة.

مهما كان الأمر، والأرجح أن متغيرات الحرب تعود إلى كل هذه الأسباب مجتمعة، فالواضح أن النظام لم يعد قادراً على الحفاظ على مواقعه، وأن قواته في حالة انسحاب بطيء، ولكنه مستمر. فأي طريق يمكن أن تنتهجه سوريا في المرحلة المقبلة؟

إحدى الطرق أن تدرك الأطراف المعنية، التي وقفت ولم تزل إلى جانب النظام، سيما روسيا وإيران، أن ميزان القوى على أرض المعركة قد تغير، وأن نهاية نظام دمشق، وشيكة كانت أو لا، أصبحت مؤكدة. بعد سنوات من الموت والدمار واسع النطاق للمدن والبلدات السورية، بات من الضروري بدء مفاوضات جادة وذات معنى، تضع نهاية للصراع، وتنقل السلطة بأسرع صورة ممكنة من المجموعة الحاكمة، التي ارتكبت كل هذه الجرائم الفادحة بحق سورية والسوريين، ولم يعد ثمة شك في خسارتها المعركة، إلى ممثلين لكافة طوائف وفئات الشعب السوري، بما في ذلك البعثيون غير الملوثين والعلويون. هذا طريق تقليل الخسائر، والحفاظ على ما تبقى من الآلة البيروقراطية للدولة السورية، ومساعدة السوريين على الانتقال من مناخ الحرب الأهلية إلى مناخ إعادة بناء اللحمة الوطنية، ومواجهة تحديات الحرية، سواء على مستوى انقسام الوطن والشعب، مساعدة ملايين المهجرين السوريين على بناء حياتهم من جديد، ومواجهة التهديد الذي تمثله القوى المسلحة المتطرفة. في سياق هذا الانتقال التفاوضي، يمكن بالتأكيد التعامل مع متطلبات الإقليم من سوريا الجديدة، كما مع متطلبات سوريا من الإقليم، ومقابلة التوازنات الاستراتيجية لكافة الأطراف مع ما يمكن أن تقدمه هذه الأطراف لمساعدة السوريين على استئناف حياتهم ومعالجة جراحهم.

الطريق الثاني، أن يستمر النظام في عناده وحربه على شعبه، وأن يستمر داعموه في مساعدته على استمرار الحرب. المآل المحتمل لهذا الخيار هو تدمير ما تبقى من سوريا، بما في ذلك عاصمتها، بذات الصورة الانتقامية التي دمرت بها حمص وحلب ومدن درعا وإدلب، في تعبير أقصى لما قاله أحد أركان النظام في بداية الثورة: «إن اضطررنا إلى ترك الحكم والسلطة، فسنترك سوريا خلفنا بدون أن يتبقى فيها حجر على حجر.» لن يغير هذا الخيار من مصير النظام النهائي، وإن كان سيطيل مدى سقوطه واقتلاعه؛ وفي هذه الأثناء، ستتراكم الأحقاد الطائفية والمذهبية بين فئات الشعب، وتتسع الفجوة الدموية بين السوريين وكل من ساعد النظام في حربه على شعبه، وتتعمق حالة الانقسام السياسي والجهوي داخل البلاد، وتصبح عملية إعادة بناء سوريا مسألة بالغة التعقيد والتكاليف. ولن ينعكس هذا الوضع على سوريا والسوريين وحسب، ولكنه أيضاً سيطال الأقليم في كافة الاتجاهات، سيما إن تعززت قدرة تنظيم الدولة على السيطرة على المناطق التي تقع الآن تحت سيطرته، وقدرة القوى الكردية على السيطرة على ما تسيطر عليه، وأصبح من الصعب التحكم في حدود سوريا الطويلة مع جوارها.

أما الطريق الثالث، وهو ما باتت تدندن به بعض الدوائر القريبة من النظام وحلفائه، فهو التحصن في دمشق بصورة ثانوية، ومناطق الساحل ذات الأغلبية العلوية بصورة أساسية، والمراهنة على بروز ظروف إقليمية ودولية مواتية لتقسيم البلاد وولادة دولة علوية. وسيكون للخط الواصل بين حمص والحدود مع لبنان، عبر القلمون، المحدد الرئيسي لما إن كان النظام سيستطيع الصمود في دمشق طويلاً والحفاظ على الاتصال الجغرافي بين دمشق والساحل. مشروع تقسيم سوريا إلى كيانات مذهبية ليس جديداً، ويعود إلى بداية الانتداب الفرنسي. وبالرغم من أن الحركة الوطنية السورية نجحت في هزيمة المشروع خلال الأربعينات، فليس من المستبعد، على الأقل في ضوء الصعود القومي الكردي، وتعبيرات القلق الغربية على مصير الأقليات، أن يتصور البعض اليوم أن الدولة العلوية خيار ممكن للتخلص مما يطلق عليه أحياناً بالهيمنة السنية في المشرق. وإن أخذ العامل الطائفي في الحشد الذي اصطف خلف النظام خلال السنوات الأربع الماضية في الاعتبار، فالأرجح أن هناك في بعض الدوائر الطائفية الإقليمية من يرى أن دولة علوية أفضل بكثير من سوريا موحدة، تسيطر عليها الأغلبية السنية.

الحقيقة، أن هذا خيار وهمي، وهو مثل سابقه، لن يؤدي إلا إلى المزيد من الخسائر والآلام، ويؤول في النهاية إلى الفشل. لم يكن ثمة ركيزة جغرافية أو سياسية – اقتصادية واحدة لبروز دولة علوية في سوريا، لا في عهد الانتداب، ولا اليوم. إن كان نظام ما بعد الحرب العالمية الأولى جعل من سوريا نفسها كياناً إشكالياً، فكيف إن قسمت سوريا إلى كيانات أصغر؟ الدول الإقليمية الرئيسية، مثل السعودية وتركيا، وحتى الأردن، لن تقبل بتقسيم سوريا. من جهة أخرى، لن يستطيع العراق، الذي يعاني من انهيار داخلي، ولا حزب الله، الذي يواجه معارضة جمة داخل لبنان، توفير دعم كاف لبقاء الدويلة العلوية. إن سقط النظام في دمشق وواصل التحصن في منطقة الساحل ذات الأغلبية العلوية، فسينتهي إلى جر كارثة تاريخية كبرى على وجود العلويين في سوريا ومصيرهم. مهما كانت الأوهام المؤسسة لمثل هكذا خيار، فإن الحقيقة المجردة أن ليس ثمة حصن علوية في سوريا.

تفاوض سريع لانتقال السلطة هو الخيار الأفضل لكل الأطراف، وهو الخيار الذي تفرضه حسابات العقل والقيم الإنسانية، على السواء.

كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

القدس العربي

 

 

 

 

سوريا الصغرى/ مأمون فندي

حلم القوميون السوريون مع أنطون سعادة منذ 1932 بسوريا الكبرى، أي سوريا الحالية مضافًا إليها لبنان والأردن والعراق وفلسطين ولواء الإسكندرون، الذي وضع تحت السيطرة التركية بموجب معاهدة لوزان، حتى الكويت. أي ببساطة سوريا الكبرى هي ما كان يعرف بالهلال الخصيب أو بلاد الشام. هذا هو الحلم. أما ما تحقق في الواقع، وبعد أكثر من نصف قرن من الضجيج والصخب الآيديولوجي، فهو سوريا الأصغر فالأصغر، والتي نراها مقسمة ميدانيًا على الأرض، بين ما يسيطر عليه الجيش السوري والأراضي التي يسيطر عليها تنظيم «داعش» و«جبهة النصرة» والجماعات الأخرى المختلفة، وكذلك سوريا المقسمة طائفيًا.

خريطة طائفية وخريطة ميدانية تقولان إن سوريا التي يعرفها النظام، وكذلك سوريا التي تعرفها المعارضة، ليست سوريا الواقع. واستمرارًا للهوس الآيديولوجي ما زلنا بعد أربع سنوات من حرب أهلية في سوريا لا نتحدث عن مستقبل سوريا كوحدة جيوسياسية ودولة، فقد انحرف الحديث إلى تسطيح مخل: سوريا بالأسد أو من دون الأسد.. رغم أن سوريا ككيان، والتي تحوي الأسد ومعارضيه، كلها في مهب الريح. فكيف الخروج من سجن المغالطات إلى هدف معقول قابل للتحقيق؟ وما هي طبيعة نظام الحكم ما بعد التغيير.. هل سيكون الشيء نفسه بوجوه أخرى، أم رؤية جديدة؟

تشككي في مستقبل سوريا ونظام الحكم القادم فيها تكشفه ثلاث أحداث صغيرة تضع الفجوة بين القول والفعل من قبل المعارضة والنظام معا على المحك. الحادثة الأولى تخص موت زعيم الحزب الشيوعي السوري خالد بكداش وتعيين زوجته وصال بكداش وابنه عمار في منصب الأمانة العامة. توريث في الحزب الطوباوي القائل بالمساواة والاشتراكية لا يختلف عن توريث حافظ الأسد الحكم لابنه. الحادثة الثانية بعد وفاة أحمد الأسعد الأمين العام للحزب الوحدوي الاشتراكي الديمقراطي، حيث انتخب ابنه فراس الأسعد أمينًا عامًا (أيضا توريث).. وعندما توفي عبد العزيز عثمان، أمين عام حركة الاشتراكيين العرب، خلفه ابنه غسان عثمان. إذا كان هذا هو ما يحدث في أحزاب تدعي التقدمية، فماذا سيحدث لو انتصر تنظيم «داعش» أو «جبهة النصرة»؟

المشكلة إذن لا تخص الأسد وحده، لكنها مشكلة ثقافة. واضح أن الأسد أو حتى مبارك في مصر لم يسقطا على مجتمعاتهما بالباراشوت، بل هما نبت طبيعي لهذه المجتمعات.. ألم يبق فؤاد سراج الدين في مصر زعيمًا لحزب الوفد مدى الحياة؟ وألم يبق خالد محيي الدين زعيمًا لحزب التجمع حتى أصابه الخرف؟ الحكم مدى الحياة والتوريث ليسا ظاهرتين فرديتين، بل هما عَرَضَان لأمراض متملكة في الحشا العربي عمومًا والسوري خصوصًا. إذن، ما الضامن أن ما بعد بشار لن يكون مثل عهد بشار وأسوأ عندما تصبح سوريا مجموعة طوائف وقبائل متناحرة؟

بداية الحديث الراشد عن سوريا تبدأ من الدروس المستفادة من تجربة العراق، حيث تم اقتلاع جذور ديكتاتور بشع في العراق عام 2003، ومع ذلك بعد 12 عامًا يبدو العراق أسوأ حالاً من عراق صدام. كيف حول زعيم بعثي مثل صدام العراق الغني بالبترول والثروات الطبيعية إلى أفقر شعوب الأرض؟ سؤال تجب مناقشته في الحديث عن سوريا الأفقر من العراق.

صدام والأسد يشتركان في الجرائم وفي آيديولوجية حزب البعث الحاكم، ويختلفان في قضايا كثيرة أخرى، فهل يعني هذا أن حزب البعث كان ولا يزال كارثة عربية يجب التخلص منها قبل الحديث عن مستقبل الأسد؟

طبعًا سوريا اليوم ليست في يد السوريين نظامًا كانوا أو معارضة، سوريا الآن حكمًا ومعارضة إما بيد الكفيل الروسي – الإيراني في حالة النظام، أو الكفيل الأميركي – الإقليمي في حالة المعارضة. إذن شكل علاقات الكفيل الدولي للنظام مع الكفيل الإقليمي للمعارضة يحدد ملامح النظام القادم، لكنني لست متفائلاً بهذا المستقبل.

لنفترض أن النظام تغير غدًا، فما البديل الجاهز للحكم؟ وهل ستستمر سوريا كما العراق 12 عامًا أخرى كي تشبه عراق اليوم أو تنزلق لتصبح الصومال؟ وماذا يعني ذلك لآكلات الجيف الإقليمية ممثلة في الجوار غير العربي لسوريا مثل إسرائيل وإيران وتركيا؟

أسئلة سوريا أعقد بكثير من محاولة تسطيحها وتحويلها إلى بشار أو لا بشار، بينما الوعاء ذاته الذي يسبح فيه بشار ومعارضوه هو وعاء مهدد بأن يتهشم.

وهل تفتيت الدولة السورية هو بداية تفكيك جغرافيا «سايكس – بيكو» في سوريا وخارجها؟ أي أن انهيار سوريا فيه انهيار للإقليم برمته؟ الأسئلة كثيرة لكنها تتطلب عقولاً باردة في التحليل، وجرأة في مواجهة الغوغاء، والقول بما لا يعتبر رشوة للجمهور.

سوريا المعارضة والنظام انتهت كما انتهى حلم سوريا الكبرى. مطلوب الحديث عن سوريا جديدة، ليس سوريا الكبرى ولكن ربما سوريا الصغرى أو الأصغر.

الشرق الأوسط

 

 

 

صوملة لا تقسيم!/ امين قمورية

الناقمون على النظام السوري كثر، ولكل منهم أسباب لإعلان كراهيته. قلة من هؤلاء كظمت غيظها من النظام وأقنعت نفسها على مضض بضرورة البحث عن حلّ معه خشية البديل المجهول. لكن الغالبية لا تزال تضمر انهياره بغض النظر عن النتيجة والمصير.

التطورات الميدانية في ادلب وتدمر وبصرى الشام أوحت الى هؤلاء بأن النهاية صارت قريبة وأن صفحة حكم آل الأسد تسير نحو الطي النهائي. رهانهم واضح على تطورات ميدانية جديدة وخصوصاً في حمص وريفها من شأنها قطع التواصل بين معقلي النظام في دمشق والساحل، أو على تقدم في سهل الغاب يجعل اللاذقية في مرمى نيران خصومها، أو على حصار محكم للعاصمة من شانه افقاد الحكومة شرعيتها. الرهانات على انهيار الأسد كثيرة في مقلب الناقمين، يقابلها اسهاب في تعداد الخيارات المضادة منها الصمود في المقلب الغربي من البلاد المكتظ بشرياً والممتد من درعا الى البحر مروراً بدمشق مع تحسين الوسط الحمصي وقلبه القلموني، أملاً في تثبيت الأقدام للانطلاق مجدداً الى مناطق الفراغ السكاني في الشرق، أو أسوأ الأحوال، التخلي عن سوريا الحالية والاكتفاء بسوريا الصغرى اذا فرض التقسيم نفسه أمراً واقعاً.

خريطة توزع القوى حالياً ومن يقف وراءها اقليمياً ودولياً لا تشي بعودة سوريا الى ما كانت قبل آذار 2011، كما لا تشي بقدرة طرف على توجيه الضربة القاضية الى الطرف الآخر. إيران لن تسمح بانهيار بقايا نظام حليفها وقد لا تتردد في التدخل مباشرة حفاظاً على جسرها الأساس الى المتوسط لأن سقوطه يعني نهاية أحلامها المشرقية. وروسيا التي تتمسك بالجيش السوري وما بقي من مؤسسات الدولة أكثر من تمسكها بشخص الأسد ستكافح لمنع تحويل سوريا ليبيا أخرى. والتحالف العربي المستعجل إسقاط النظام مرتبك بأداة التنفيذ، فهو يستهيب تشجيع “الدولة الاسلامية” في زحفها لئلا تصل نحو حدوده في الخليج والأردن، ولا هو قادر على فك أسر “أصدقائه المعتدلين” في “جيش الفتح” و”الجيش السوري الحر” من كماشة “داعش” شرقاً وقوات النظام غرباً. كذلك تركيا التي تغض الطرف عن المتطرفين لكنها تبتلع السم مع كل تقدم للأكراد في الحسكة والقامشلي يكرسهم إقليماً جديداً على حدودها محمي بخط أحمر أميركي. أما واشنطن، فيربح “جائزة المليون” من يستطيع الإجابة عن السؤال: ماذا تريد في الشرق الأوسط؟

خطوط الفصل في سوريا لا تشبه تلك التي رسمت في يوغوسلافيا السابقة وكرستها جمهوريات مستقلة، ولا تشبه تلك التي ترسم في العراق وقد تكرسها إقاليم حكم ذاتي على أساس عرقي أو طائفي، بل تشبه أكثر تلك التي تكرست في الصومال وجعلتها اسم دولة في مهب القراصنة وأمراء الحرب.

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...