الرئيسية / صفحات مميزة / عن “جنيف 5” مقالات مختارة

عن “جنيف 5” مقالات مختارة

 

 

 

 

هدف “جنيف 5″/ برهان غليون

بدأت يوم الجمعة 24 مارس/ آذار 2017 أعمال مؤتمر جنيف 5 الذي “اخترع” منذ ست سنوات، للبحث عن حل سياسي للحرب السورية التي أعلنها بشار الأسد، الرئيس المفترض للدولة السورية وللسوريين، ردا على الانتفاضة الشعبية التي تحولت إلى ثورة عارمة في مواجهة ما كانت تسميه الدبلوماسية الدولية الاستخدام المفرط للقوة. ولم يكن هذا الاصطلاح يعني سوى إخفاء حقيقة ما يجري بالفعل، وهو عملية سحق كامل للثورة ونشطائها، باستخدام جميع وسائل العنف الممكنة، من الرصاص الحي لردع السوريين ومنعهم من التظاهر إلى قتل نشطاء الثورة وشبابها تحت التعذيب في أقبية الموت، مرورا باستخدام أسلحة الدمار الشامل، الكيميائية وغير الكيميائية.

وتؤكد تصريحات وفد الأسد إلى المفاوضات التي تفيد بأنه، حتى لو تم الاتفاق على جدول أعمال، وهذا لم يتحقق بالفعل، فإن التفاصيل الكثيرة التي تطرحها أي سلةٍ من سلال مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، الأربع تحتاج كل منها لجدول أعمال قائم بذاته، قبل أن تبدأ، ربما بعد سنوات المفاوضات الفعلية، حول مضمون هذه السلال العجيبة، لكن مكتوب المفاوضات يتجلى بشكل أكبر من عنوان تصريحات وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي تكاد حكومته تنتزع الاعتراف الدولي برعايتها، بمعزل عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، لمفاوضات الحل السياسي في سورية. وهي تصريحاتٌ تقوّض هذه الجولة من المفاوضات قبل أن تبدأ.

ينتقد لافروف المعارضة على هجماتها الأخيرة، لأنها تهدد وقف النار الهش، في وقتٍ لا تزال فيه قواته تقف وراء النظام السوري، وتدعمه بكل الوسائل العسكرية في قتاله لانتزاع ما تبقى من أراضٍ تسيطر عليها المعارضة، كما فعل في حلب ووادي بردى، والآن في الغوطة الشرقية وغيرها. وهذا ما عبر عنه أيضا قائد الوحدات العسكرية التي تمركزت بالقرب من عفرين، أندريه فولكوف الذي لم يتردّد في التأكيد على أهمية الوجود العسكري المباشر في المنطقة “كي يكون العلم الروسي مرئياً. لأن الحدود التركية قريبة، وكي يفهم الجميع أننا ندعم الحكومة السورية وقواتها المسلحة، وأن وجودنا في هذه المنطقة هو لضمان السلام والأمن في المنطقة الحدودية”.

وأكثر دلالة من ذلك هو التمهيد الذي يقوم به لافروف، بقصف مكثف للمعارضة بكل الوسائل

“لا يزال الروس مصرّين على أن الحل الصحيح هو ما يرونه هم” ومن كل الجهات، فهو لا يزال مصرا على رفض شرعية “الهيئة العليا للمفاوضات” التي يتهمها بـ ”احتكار تمثيل المعارضة”، وقيادة المفاوضات إلى “طريق مسدود”. ولا يقبل أن يقتصر الأمر على إشراك مجموعتي موسكو والقاهرة، لكنه يريد مشاركة مجموعتي أستانة وحميميم اللتين هما من اختراع موسكو المباشر، بالإضافة إلى ما أسماه إشراك الأكراد، والمقصود طبعا جماعة صالح مسلم الحليفة لإيران والنظام معا.

يتصرّف الروس كقوة انتداب شرعية أو قانونية، ويعتقدون أن من حقهم أن يعيدوا تشكيل سورية على حسب أفكارهم ومصالحهم ومصالح حلفائهم، وفي مقدمهم إسرائيل. وهم يستفيدون من غض نظر الأطراف الدولية عن سياستهم في المنطقة، بعضها لافتقارها أي رؤية أو مصلحة في إيجاد مخرج من المحرقة السورية، وبعضها الآخر اعتقادا بأن روسيا هي الوحيدة التي تستطيع التخفيف من الوجود العسكري الإيراني في سورية. وهذا هو هدف إسرائيل الرئيسي، بعد أن أنجزت طهران المهمة التي أوكلت إليها بتدمير سورية، وتفجير حرب طائفية إقليمية كفيلة باستنزاف المنطقة، سياسيا واقتصاديا ودينيا، عقوداً طويلة مقبلة، من دون تمييز بين عرب وإيرانيين وأتراك وأكراد. وهي لا تخفي أنها تمتلك مخططا لإعادة بناء سورية، حسب ما تعتقد أنه الأمثل لضمان نفوذها وسيطرتها ومصالح حلفائها الإيرانيين والإسرائيليين معا. ويكاد كل عنصر من هذا المخطط يكون جاهزا، فهي صاغت دستور البلاد سلفا، وفي طريقها إلى إنشاء الفرق العسكرية الكفيلة بتحويل مليشيات النظام إلى جيش نظامي، وتريد أن تصوغ علاقات سورية الإقليمية والدولية وسياساتها، وتتحكّم بتوزيع مناطق النفوذ على الدول الصديقة، ولا تكف عن التأكيد على تشجيعها مخطط التقسيم باسم الفيدرالية، ومناطق الحكم الذاتي التي تريد أن تقدمها هدية لما تسميها الأقليات التي لم تعلن أي منها عن رغبتها بحكومة ذاتية، بمن في ذلك الكرد السوريون الذين ليسوا بالضرورة، ولا يمكن أن يختصروا، بأتباع لحزب الاتحاد الديمقراطي، أو لقوات الحماية الشعبية.

على ضوء تصريحات روسيا، وانفرادها في التدخل بشكل علني ومكشوف لصالح النظام، لا توجد أي فرصة لتحقيق خرق، أو تقدّم، ولو طفيفا في التوصل إلى حل. لا يزال الروس

“على ضوء تصريحات روسيا، وانفرادها في التدخل بشكل علني ومكشوف لصالح النظام، لا توجد أي فرصة لتحقيق خرق، أو تقدّم، ولو طفيفا في التوصل إلى حل” مصرّين على أن الحل الصحيح هو ما يرونه هم، لا ما يريده الشعب السوري الذي قدّم نصف مليون شهيد، لنزع نير الاستبداد والفساد وتغيير نظام الحكم الذي قاد إلى الخراب. وهذا الموقف يعلن بحد ذاته عن نتائج المفاوضات. والهدف الوحيد الذي يجب تحديده من المعارضة لهذه الجنيف 5، والذي ستتبعه جنيفات لا حصر لها، هو درء الضرر، لا تحقيق مكاسب وإنجازات من أي نوع. فقد أصبح من الواضح الآن أن لدى الروس خطة لإضعاف سورية وتفكيكها، بفرض أقاليم ذاتية مرتبطة بالهويات الطائفية والإثنية، وحاملة لمشروع إعادة بناء العصبيات الأهلية، ومن ورائها تشكيل النخب الجديدة على أساس الوجاهات والانتماءات القبلية والعنصرية والمذهبية، وقطع الطريق على أي مشروع لاستعادة مسار بناء المواطنة والوطنية وبسط الأمن والسلام في البلاد. والهدف إبقاء البلاد في نزاعاتٍ دائمةٍ وحرمانها من ثقلها النوعي القومي والثقافي والاجتماعي، وتقويض أي أسس لاستعادة سورية عافيتها في المستقبل، بدل لبنان واحدة سوف يتحول المشرق إلى لبنانات كثيرة، تتنازعها التناقضات والاختلافات في داخلها وبينها، وهذا ما يطمئن إسرائيل، ويضمن الأمن والسلام المديد لها على حساب خراب محيطها ودماره واقتتاله الدائم.

وإذا كان هناك فائدة للمشاركة في مؤتمرات جنيف، فهي لن تكون لتحقيق أي تقدم محتمل في الحل، وإنما لتفكيك المؤامرة الروسية، ووضع جميع الأطراف أمام الحقائق ومواجهة مشاريعهم والوقوف بحزم ضدها.

لا تملك موسكو أي صك انتداب قانوني على سورية، ولا يحق لها أن تتصرّف باعتبارها دولة منتدبة ذات صلاحيات وواجبات موكلة لها بالقانون الدولي، ولا يحق لها أن تقترح ما يدفع إلى تغيير الوقائع الوطنية الأساسية للدولة وللمجتمع، لا في بنياته السياسية ونظام حكمه، ولا في بنياته الاجتماعية. وما تقوم به هو التلاعب بالمفاوضين والمفاوضات والوثائق المرجعية، لكي تصادر نتائج المفاوضات، وتفرض مخططاتها التي لا يمكن أن يكون لها صفة أخرى غير الاستعمارية . ومن واجب الوفد المفاوض باسم المعارضة أن يدافع عن حق السوريين في تقرير مصيرهم بحرية، ويرفض أي استغلالٍ للوضع الصعب الذي يعيشه الشعب السوري، للمساس بسيادته وحقوقه الجوهرية. وعليه أن يواجه أي محاولةٍ تهدف إلى المساس بالحقوق الأساسية الدستورية، وتغيير البنية الجيوسياسية للدولة السورية.

لا ينبغي على وفد المعارضة القبول بالتنازل عن حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه في انتخاباتٍ عامةٍ ونزيهةٍ تحت إشراف دولي، ورفض أي محاولة لتقرير مصيره في مفاوضات ينبغي أن يكون هدفها تصفية آثار الحرب العدوانية عليه، وليس مكافأة الجناة ومجرمي الحرب وأبطال الإبادة الجماعية. مهمة المفاوضات هي التوصل إلى اتفاق يضمن

“سورية ليست إحدى جمهوريات الاتحاد الروسي، ولن تكون” إعداد شروط تقرير المصير للشعب. وهذا هو مضمون المرحلة الانتقالية بالضبط. ولذلك، لا يمكن وضع دستور في هذه المرحلة، والحلول محل الشعب، وإنما يمكن التفاهم حول وثيقة مبادئ دستورية بانتظار الانتخابات لجمعية تأسيسية. وبالمثل، الشعب السوري وحده صاحب الحق في أن يقرّر شكل الدولة القادمة، ويفاوض من يريد من المكونات على حكم ذاتي أو إدارة لامركزية. وهذا لا يمنع من تشكيل حكم انتقالي، يضم المعارضة وأطرافاً في النظام، لكن ليس كصيغة ثابتة ونهائية للحكم، أي كأساس لحكومة المحاصصة الطائفية أو الإثنية، ولكن كمدخل لإعداد الشعب ليحكم نفسه بانتخابات عامة، وبغاية الانتقال نحو منظومة حكم ديمقراطية حقيقية. لا يمكن القبول بأقل من ذلك بعد ست سنوات من التضحيات وملايين المشردين والمنكوبين.

وأي وعود تقدّم من المتفاوضين السوريين، الموالين والمعارضين معا، في جنيف، أو أي التزامات يتخذونها، مع أطراف داخلية أو خارجية، بهدف فرضها منذ الآن أمرا واقعا على الشعب هي خيانة لدورهم، واعتداء على سيادة الشعب، وحقوقه الأساسية.

سورية ليست إحدى جمهوريات الاتحاد الروسي، ولن تكون. وليس لدى الروس صك انتداب قانوني دولي على سورية، يخولها أن تتصرف بحقوق السوريين، كما تتصرف قوات الانتداب والاحتلال.

العربي الجديد

 

 

 

 

عودة إلى جنيف: لماذا لا توحّد موسكو منصّاتها «المعارضة»؟/ عبدالوهاب بدرخان

مع استئناف المفاوضات السورية في جنيف، يُحتمَل أن تُطرح مجدّداً مسألة تعديل وفد المعارضة. إذا لم تعاود موسكو إثارتها فقد تكلّف المبعوث الأممي بذلك، وإذا لم يفعلا فإن وفد النظام سيستغلّ الأمر للتشكيك في تمثيل الوفد الآخر للمعارضة، من قبيل إضاعة الوقت أو كسبه، وبالأخصّ للهرب من استحقاق التفاوض نفسه حتى بعدما بذل ستيفان دي ميستورا أقصى جهده لتمييع هدف «الانتقال السياسي»، وكأن مهمته ليست تنفيذ القرار 2254 بل إرضاء الروس والنظام، الذين لا يعترفون فعلياً بأي انتقال سياسي، وعملوا على تفريخ «المنصات» لئلا يعترفوا بوجود معارضة. والسؤال هنا لماذا لا تسعى موسكو إلى توحيد منصّات موسكو والقاهرة وآستانة وحميميم طالما أنها تحرص على تمثيلها، ولماذا ترفض ممثلين عن منصّتَي موسكو والقاهرة ضمّتهم «الهيئة العليا للمفاوضات» ويشكّلون ثلث وفدها المفاوض وربع بعثتها، لتصرّ على إقحام أشخاص محدّدين؟ أما الجواب فأصبح مكشوفاً، وهو أن موسكو (والنظام) كانت تريد إبقاء المعارضة كيانات مفتتة يسهل التلاعب بها، وبعدما وحّدت صفوفها استعداداً للتفاوض يُراد اختراق وفدها وتلغيمه.

في أي حال، كما لم يفلح نظام بشار الأسد وحلفاؤه الإيرانيون في إلغاء المعارضة، كذلك لم تتوصل ضغوط روسيا على رغم استشراسها في تغيير المعادلة العسكرية إلى شطب المعارضة من المعادلة السياسية، فلا حل سياسياً من دونها. وثمّة مفارقة غريبة تكمن في أن الروس يريدون هذا الحـــل ويريدونه سريعاً، لكنهم يبادرون إليه بتكتيكات مستندة فقط إلى القوة، مظـــهرين بوضوح أن ليست لديهم رؤية سياسية، وإذا كانوا يعتقدون أن «مسودة الدستور» التي طرحوها يمكن أن تشكل تلك الرؤية فلا شك أنهم أخطأوا شكلاً وموضوعاً ومضموناً. وفيما لم يُبدوا أي اهتمـــام بالخطة المتكاملة التي عـــرضتها المعارضة للانتقال السياسي وفقاً للقرارات الدولية، ولم يطلبوا من حليفهم نظام الأسد أي خطة مشابهة بل يستخدمون ثقلـــهــم الدولي لترويج أفكار سبق للأسد أن طرحها في خطبه منذ 2011 ولم تُكسبه أي صدقية «إصلاحية»، بالتالي لم يكن لها أي تأثير في مجرى الأحداث. ولو لم يكن هناك «بيان جنيف» والقرار 2118 لما أمكن الأمم المتحدة أن تدعو إلى مفاوضات جنيف التي أخفقت في 2014، ولو لم يكن التدخل الروســـي ومشاورات «مجموعة الدعم الدولي لسورية» ثم القرار 2254 لما استطــــاعت الأمم المتحدة أن تدعو إلى جولة جديدة من التفاوض أخفقت العام الماضي وتُبذل محاولات لإنجاحها هذه السنة.

كانت جولة «جنيف 4» الأخيرة هي الأولى التي تُجرى في غياب أميركي يريد أن يؤكّد أن واشنطن لم تعد «راعية» للمفاوضات، وأنها تعتبر العملية الحالية «شأناً روسياً»، تراقبه ولا تتدخّل فيه. لذلك ضغطت موسكو عبر موفدها إلى جنيف، نائب وزير الخارجية غينادي غاتيلوف، لئلا تنتهي تلك الجولة بفشل معلن. وقد استند دي ميستورا إلى مسعى غاتيلوف ليعلن إضافة مسار رابع (أو سلة رابعة) وافقت فيه المعارضة على مناقشة قضية الإرهاب من كل جوانبها، في مقابل موافقة مبهمة على البحث في «الانتقال السياسي» لم يعلنها وفد النظام رسمياً، لكن كان غاتيلوف مَن لمّح إليها.

وهكذا أُغلقت جولة «جنيف 4» على خدعة مكشوفة، لتبدأ الجولة التالية في حقل ألغام، فكلّ مسار فيها قابل للتفجّر سريعاً. إذ تُقبل المعارضة على التفاوض انطلاقاً من المفاهيم التي تعتقد أن القرارات الدولية كرّستها نظرياً وأن المطلوب إيجاد آليات لتنفيذها، وهي وفقاً لهذا المنظور ترى أن التوافق على مبدأ «الانتقال السياسي» خطوة مفتاحية لأي اتفاق محتمل. لكن ما تكرّر في مواقف معلنة لرئيس النظام ووزير خارجية النظام ونائبه ورئيس وفده يؤكّد المؤكّد وهو أن الأسد لم يعترف بـ «بيان جنيف» (2012) ولا بأيٍّ من القرارات الدولية لكنه يتعامل معها شكلياً، بالتنسيق مع روسيا (وإيران)، بغية الالتفاف على الأهداف التي تتوخّاها وإدخال المفاوضات في متاهة التفاصيل ليتعذّر الاتفاق في أي مسار، وهو ما دعمه دي ميستورا بقوله «لا اتفاق على شيء قبل الاتفاق على كل شيء» عملاً بشرط فرضه الإسرائيليون على المفاوضات مع الفلسطينيين. وبديهي أنه يستحيل التقدّم في مسارات الدستور والانتخابات ومحاربة الإرهاب من دون اتفاق واضح في مسار «الانتقال السياسي».

لا تجهل موسكو ولا سواها أن ألف باء التفاوض على إنهاء أزمة، أصلها سياسي وتحولت صراعاً مسلّحاً، تقتضي أولاً هدنة أو تجميداً للعمليات العسكرية للمساعدة في بناء أجواء ثقة بين المتفاوضين، وبالأخص لاختبار جدية الأطراف في السعي إلى حلول سلمية وسياسية. غير أن سلوك روسيا منذ أنجزت تفاهمها مع تركيا، وبنت عليه وقف إطلاق النار، لم يُظهر في أي يوم أنها ألزمت النظام وإيران احترام الهدنة، أو أوقفت دعم خطط سابقة لهما لمواصلة توسيع سيطرتهما، بل إن طيرانها ارتكب مجازر عدة خلال مؤازرته هجمات قواتهما، كما أشرف الروس أكثر من مرّة على عمليات تهجير جديدة في وادي بردى وحي الوعر (حمص) ويضغطون لإجراء مزيد منها في الغوطة الشرقية… وبعدما فقدت اجتماعات آستانة مبرر انعقادها، إذ فشلت في تثبيت وقف النار، ظلت موسكو مصرّة على تلك الاجتماعات، متجاهلة اعتراضات تركيا على تحويلها إلى مسار تفاوضي موازٍ لمناقشة «مسودة الدستور». وبالنسبة إلى فصائل المعارضة انتهت عملياً المراهنة على أي تعهدات روسية بدعم وقف النار كوسيلة لتفعيل المفاوضات السياسية.

يقول سوريون غير منضوين في المعارضة ومواكبون للاتصالات الروسية أو مشاركون فيها، إن موسكو بلورت منذ معركة حلب مجموعة كبيرة من الفرص التي أوحت لهم بأنها تعتزم وقف الحرب وتحضير بيئة مناسبة للتفاوض، بل وجدوها في مرحلة ما مصممة ومندفعة، لكنهم فوجئوا أخيراً بتراجع وتغيير ما لبثا أن فوّتا تلك الفرص، وأهمها بحث متقدّم في إنشاء مجلس عسكري بهدف إعادة دمج عسكريين منشقّين والتهيئة لإصلاح هيكلية مؤسستَي الجيش والأمن. ويشير هؤلاء أيضاً إلى فرص أخرى قد تكون بدّدت، ومنها وقف النار الذي عُرف دولياً بأنه «مشروع روسي» أولاً وأخيراً لكن فشله دلّ إلى أن للهيبة الروسية حدوداً، ثم أنه حال دون انطلاقة جدّية لمفاوضات جنيف. ولا شك أن فرصة أخرى كبيرة ضاعت أيضاً وتمثّلت بانكشاف التناقضات الروسية – الإيرانية وضرورة البدء بتحجيم النفوذ الإيراني كوسيلة حتميّة لإنهاء الصراع في سورية. إذ يبدو أن مقاربة موسكو لمآلات الأزمة عادت بها إلى المربع الأول، فبعدما تأكد لها أن التقارب مع إدارة دونالد ترامب قد تأجّل، رأت أن تتعايش مجدّداً مع الدور الإيراني لأنها ستحتاج إليه في أي مساومة لاحقة مع أميركا.

نتيجةً لذلك استعادت التغطية الجوّية الروسية لعمليات النظام وإيران نشاطها، وبعد الاشتعال الخطير للجبهات على أطراف دمشق لا بد أن يمضي الحلفاء الثلاثة إلى ما يشبه «سيناريو حلب» لانتزاع السيطرة على الغوطة الشرقية، مع إدراكهم أنه أصعب وسيكون بالتأكيد أكثر كلفةً بشريةً. وعلى رغم أن روسيا صارت معنية بترتيب مكوثها المديد في سورية فإنها ترى ضرورة الآن لتجميد غير معلن لخطط إنهاء الصراع ريثما تتضح أمامها معالم الاستراتيجية الأميركية. وفي الانتظار تدخّل موسكو في ضبط التنافس التركي – الأسدي – الإيراني على مناطق الشمال، سواء تلك التي تستعاد من تنظيم «داعش» أو تلك التي يُفترض أن يخليها الكرد. لكنها تدعم في الوقت نفسه إخلاء مدن الغوطة الشرقية من أي وجود مسلّح للمعارضة، منسجمةً مع أطروحات الأسد بأن مَن ينتصر عسكرياً هو مَن يملي شروطه السياسية.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

جنيف 5 بلا آمال كبيرة/ محمد أمين

تنطلق جولة جديدة من مسار جنيف التفاوضي، بين المعارضة السورية والنظام غداً الجمعة، بعدما كانت مقررة اليوم، على قاعدة السلال الأربع التي تم الاتفاق عليها في جولة المفاوضات السابقة، وهي قضايا الحكم، والانتخابات، والدستور، والإرهاب، في وقت لا تبدي فيه المعارضة تفاؤلاً كبيراً قبل انطلاق المفاوضات، فيما ترى روسيا أن التسوية السورية تمر في “لحظة حاسمة”. وتأتي هذه الجولة على وقع معارك محتدمة في العاصمة دمشق، وفي ريف حماة الشمالي، من المتوقع أن تلقي بظلالها على جولة جنيف، إذ قد يحاول وفد النظام إلصاق تهم نسف اتفاق التهدئة بالمعارضة، فيما ترى الأخيرة أن الخروقات الجوهرية من قبل قوات النظام والمليشيات الموالية له، هي ما دفعتها للرد. وتؤكد المعارضة أن سلاحها الرئيسي القرارات الدولية التي تدعو إلى حل سياسي يقوم على انتقال سياسي ذي مصداقية، مجددة التأكيد أن هذا الحل خيارها الاستراتيجي، وهو المفتاح للقضاء على الإرهاب، وتهيئة البلاد لمسار ديمقراطي حقيقي.

من جهته، لا يزال الموفد الأممي ستيفان دي ميستورا يسعى لحشد تأييد دولي وإقليمي لتحقيق تقدّم في جنيف 5، إذ يقوم بزيارات متلاحقة لعواصم لها تأثير مباشر في القضية السورية، وينوب عنه نائبه رمزي عز الدين رمزي في افتتاح الجولة الجديدة، على أن يكون دي ميستورا الجمعة في جنيف، إثر عودته من جولة قادته أولاً إلى الرياض، ثم موسكو وانقرة. كما من المقرر أن يطلع المبعوث الأممي القادة العرب على نتائج المفاوضات، أثناء اجتماعهم في عمان أواخر الشهر الحالي. وبعدما كان من المقرر أن تنطلق المفاوضات اليوم الخميس، أعلن نائب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق، أنها ستبدأ الجمعة.

والتقى المبعوث الأممي أمس وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في موسكو، الذي شدد على ضرورة تحقيق تقدّم في الجولة الحالية. ووصف لافروف الوضع الحالي في التسوية السورية بأنه “لحظة حاسمة”، داعياً إلى تثبيت التقدّم “الهش” الذي تحقق في الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف. وشدد على ضرورة تضافر الجهود لتحقيق تقدّم حول المسارات الأربعة المحددة للتفاوض، وهي مسائل صياغة الدستور السوري الجديد وإجراء الانتخابات وإطلاق المرحلة الانتقالية ومحاربة الإرهاب. وأضاف: “تعد هذه السلال من المطالب الضرورية الواردة في القرار رقم 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي”، مشدداً على أهمية المساهمة في تطبيق بنود القرار رقم 2254.

بدوره أعرب دي ميستورا عن قلقه من تصعيد الأوضاع الميدانية في سورية خلال الأيام القليلة الماضية، لكنه أمل في وصول كافة الوفود المدعوة إلى جنيف للمشاركة في المفاوضات، معتبراً أن المشاركة في المفاوضات تؤكد عزم الأطراف على تحقيق تقدّم في التسوية السياسية. وأكد أن السلال الأربع التي تحدث عنها لافروف ستكون في صلب المناقشات في جنيف في سياق تنفيذ بنود القرار 2254 وبيان جنيف. وأعلن دي ميستورا أنه سيغيب عن انطلاق المفاوضات، وربط تأخره بانشغاله بالمشاورات في موسكو وأنقرة، في سياق المساعي لتحقيق تقدّم في العملية السياسية.

وفي مؤتمر صحافي آخر مع نظيره من الكونغو الديمقراطية ليونار شي أوكيتوندو، أعلن لافروف أن موسكو ستواصل الحوار مع تركيا حول ضرورة إشراك الأكراد في مفاوضات جنيف. وقال إنه بحث مع دي ميستورا التحضير لجولة جنيف و”ضرورة تأمين تمثيل واسع للمعارضة السورية في هذه المفاوضات”، مضيفاً: “من الضروري تأمين مشاركة ليس فقط مجموعتي موسكو والقاهرة، بل وكذلك مجموعتي أستانة وحميميم. ومن المهم جداً إيجاد حل لإشراك الأكراد في مفاوضات جنيف”.

وأعلن لافروف أن موسكو تحترم موقف النظام السوري الذي قرر عدم استقبال المبعوث الأممي، إلا أنه أشار إلى ضرورة الحوار. واعتبر أنه يمكن إيجاد عيوب في عمل أي مسؤول دولي مكلف بتسوية أزمة معقدة جداً، مؤكداً أن موسكو تدعم جهود دي ميستورا الذي يسعى إلى إقامة حوار مباشر بين أطراف النزاع السوري، وقال إنه لا يمكن الاستغناء عن ذلك الحوار. وأعرب عن أمله في أن ما توصلت إليه مفاوضات أستانة، بما في ذلك موضوع الدستور، سيساعد على تحريك المفاوضات في جنيف. واعتبر الوزير الروسي أن “محاولات المسلحين توسيع نطاق أنشطتهم في سورية تهدف إلى تقويض مفاوضات السلام في جنيف”، مشيراً إلى أن “مشرفين خارجيين للمعارضة السورية المسلحة بذلوا عشية الاجتماع الأخير في كازاخستان قصارى جهدهم للحيلولة دون قدومها إلى أستانة”.

من جهته، قال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، في تصريحات صحافية أمس، إن أحداً لا ينتظر حدوث “معجزة” خلال مفاوضات جنيف، “لأن المسألة معقدة جداً وصعبة، ولهذا السبب بالتحديد علينا أن نكون أكثر تصميماً وأن نتحلى بالإرادة السياسية لكي نكون على الطريق الصحيح”.

مقابل ذلك، أكد أحد أعضاء وفد المعارضة المفاوض لـ”العربي الجديد” أن سلاح المعارضة في المعركة السياسية هو القرارات الدولية ذات الصلة، وأن الحل السياسي “خيارنا الاستراتيجي الذي لا نحيد عنه”، مضيفاً أن “المجتمع الدولي بات يدرك هذه الحقيقة”.

ويفتح دي ميستورا أمام المعارضة السورية والنظام، سلاله الأربع التي اتفق عليها الطرفان في الجولة السابقة، في تقدّم إجرائي مهم يوضح حرص الأمم المتحدة والقوى الفاعلة في الملف السوري، على إنجاز تقدّم جاد في قضايا الحكم، والانتخابات، والدستور، والإرهاب، وهي القضايا الأهم والأبرز، التي تشكل مفاتيح الحل في سورية. وأبدت المعارضة “مرونة كبيرة” في الجولة السابقة من خلال الموافقة على إضافة سلة تفاوضية جديدة طلبها النظام، وهي سلة الإرهاب بشرط القيام بتفاوض تراتبي يحتل الانتقال السياسي مكان الصدارة فيه، كما نصّت القرارات الدولية. ولكن النظام، ومن خلفه الموفد الأممي، يريد تفاوضاً متزامناً، من خلال فرق فنية، تعمل في الوقت نفسه على هذه الملفات، في محاولة من النظام للتهرّب من جوهر التفاوض، وهو الانتقال السياسي القائم على تشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات وفق بيان جنيف 1، والقرار الدولي 2218 الذي صدر في أكتوبر/تشرين الأول 2013.

وذكر أحد أعضاء مستشاري وفد المعارضة لـ”العربي الجديد” قبيل توجّه الوفد إلى جنيف، أن دي ميستورا “يحاول ممارسة خبث سياسي من خلال التأكيد أمام المعارضة على أولوية الانتقال السياسي، فيما يتكلم مع الروس حلفاء النظام كلاماً مغايراً”، مضيفاً: “يصب المبعوث الأممي جهده لإرضاء الروس في ظل غياب الدور الأميركي”، وفق المصدر.

ويذهب وفد المعارضة إلى جنيف، بسقف آمال منخفض، فهو يدرك أن مهمته شاقة، في ظل إصرار النظام على تغيير مجرى التفاوض برمته، من خلال التركيز على موضوعة الإرهاب، محاولاً إظهار المعارضة بمظهر غير الراغب في الحد مما يُسمّيه النظام إرهاباً. وأفادت مصادر من وفد المعارضة التفاوضي، لـ”العربي الجديد”، بأن “الهيئة العليا للمفاوضات والوفد التفاوضي قاموا خلال اجتماعاتهم الأخيرة بالإعداد لمباحثات جنيف 5″، مشيرة إلى أنه “لا يوجد تصور واضح عن استراتيجية إدارة الفريق الأممي للمباحثات، التي ستتبين عقب انتهاء لقاءات اليوم الخميس”، معربة عن “عدم تفاؤلها بجولة المباحثات الجديدة”.

من جهته، قال يحيى العريضي، أحد الاستشاريين المرافقين لوفد المعارضة إلى جنيف، لوكالة “فرانس برس”، إن “الآمال محدودة بحكم تعنت الفريق الأخر وعدم رغبته بالانخراط الجدي في إيجاد حل”. وعن التطورات الميدانية شرقي دمشق، رأى العريضي أن ما يجري هو “دفاع عن النفس، فالناس في حالة حصار وتجويع ويتعرضون للقصف يومياً” مضيفاً “الفعل بحد ذاته رسالة بأنه لن تستتب الأمور للنظام ولا يمكن للناس أن تستكين له”.

ويواجه دي ميستورا، تشكيكاً مزدوجاً من قبل النظام والمعارضة، إذ تتهمه الأخيرة بعدم الالتزام الواضح بالمسار التفاوضي، ومحاولة القفز فوق قرارات دولية لا لبس فيها، تدعو إلى انتقال سياسي يقوم على تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، وهو المدخل الواسع إلى القضايا الأخرى المتعلقة بإعادة هيكلة مؤسسة الجيش والمؤسسات الأمنية، واجراء انتخابات نزيهة. فيما يتهم النظام المبعوث الدولي بعدم الحياد، وبالتعاطف مع المعارضة.

واستطاع المبعوث الأممي في الجولة الرابعة من جنيف انتزاع موافقة المعارضة والنظام على جدول أعمال التفاوض في تطور إجرائي يسهم في عدم نسف عملية التفاوض. لكن التراتبية التي تصر عليها المعارضة، والتزامن الذي يدفع باتجاهه النظام، قد يعوّق جهود المبعوث، خصوصاً في ظل تباين كبير في الرؤى بين الطرفين حيال السلال الأربع.

فالمعارضة ترى أن الانتقال السياسي لا يمكن أن يتم من دون قيام هيئة حكم كاملة الصلاحيات تجمع النظام والمعارضة ولكن من دون بشار الأسد وأركان حكمه، وأنه لا حل سياسياً في سورية طالما هو موجود في السلطة. أما النظام فيرى أن حكومة وحدة وطنية من المعارضة والنظام، تكون بمثابة هيئة حكم انتقالي تشرف على كتابة دستور يتيح للأسد الترشح مرة أخرى لمنصب الرئيس، ويرفض بالمطلق استبعاد الأسد في المرحلة الانتقالية، ويعتبره “فوق التفاوض”، وأي طرح آخر لن يوافق عليه. وترفض المعارضة إجراء أي انتخابات قبل الانتقال السياسي الحقيقي القائم على القرارات الدولية، فيما يدعو النظام إلى انتخابات في ظل وجوده، تدخلها المعارضة التي يحصرها النظام بالتيارات التي تتماهى مع رؤيته في حق الأسد بالترشح مرة أخرى.

العربي الجديد

 

 

 

في انتظار جنيف 5/ ماجد كيالي

أهمية الجولة المقبلة

أربعة بنود للمفاوضات

إشكاليات التفاوض

تشخص الأنظار نحو الجولة الخامسة من مفاوضات جنيف السورية/السورية، والتي أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا عقدها الخميس القادم، في محاولة منه لتلافي الإخفاق الحاصل في الجولة التفاوضية السابقة التي عُقدت أواخر فبراير/شباط الماضي.

وكانت مفاوضات جنيف 4 -التي استمرت حوالي عشرة أيام- انتهت دون نتائج تذكر بشأن إمكان تحقيق نقلة في الصراع السوري الدامي والمدمر، إذ ما زال النظام يصرّ على عدم التقدم ولو خطوة واحدة باتجاه التفاوض على التغيير السياسي، أو المرحلة الانتقالية، بحسب مضمون بيان جنيف 1 (2012)، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وخاصة القرارين 2218 و2254 اللذين رسما “خريطة طريق” لوقف الصراع السوري.

وذلك رغم أن المعارضة قدمت قبل ذلك التنازل المطلوب منها، وهو القبول بما يسمى حكومة مشتركة مع النظام، التي قد يفهم منها القبول بوجود بشار الأسد في المرحلة الانتقالية بصلاحيات بروتوكولية.

أهمية الجولة المقبلة

تنبع أهمية جولة جنيف الخامسة من أنها تأتي عقب تطورات يكمن أهمها في الآتي:

– أولاً، دخول الولايات المتحدة الأميركية على خط الصراع في سوريا بصورة مباشرة، ولو من باب مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن باب معركة إخراجها من مدينة الرقة، الأمر الذي عبرت عنه بتدعيم قواتها العسكرية في شمالي الأراضي السورية.

– ثانياً، تبلور تنسيق ميداني بين الولايات المتحدة وروسيا وتركيا، تمثل في اجتماع رؤساء أركان هذه الدول في مدينة أنطاليا التركية، في الأسبوع الثاني من مارس/الجاري.

– ثالثاً، ظهور نوع من التوافق الدولي والإقليمي على تحجيم نفوذ إيران على مستوى الإقليم، وهو الأمر الذي تبلور مع مجيء دونالد ترمب إلى رئاسة البيت الأبيض الأميركي، ومع تباين الأولويات والمصالح بين روسيا وإيران بشأن من يملك تقرير مصير سوريا.

وهذا ما عبر عنه المبعوث الدولي دي ميستورا بتصريحه أمام مجلس الأمن الدولي (يوم 9/3) قائلا إن مفاوضات جنيف القادمة ستتناول في بند مكافحة الإرهاب وضع المليشيات الأجنبية في سوريا، بل إن سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي تحدثت عن إخراج إيران ووكلائها من سوريا على قدم المساواة مع إخراج الإرهابيين منها.

– رابعاً، هذه الجولة تأتي بعد اجتماعات القمة في موسكو -التي جمعت الرئيس بوتين برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كل على حدة (يومي 9 و10/3)، وفيه تمت مناقشة الوضع السوري والنفوذ الإيراني في سوريا.

والمعنى من ذلك أن الجولة التفاوضية القادمة ستكون جد مهمة ليس لأنها ستحل المشكلة، ولكن باعتبارها ستشكّل المفتاح لإيجاد حل للصراع السوري الذي دخل الآن عامه السابع.

أربعة بنود للمفاوضات

فوق كل ما تقدم؛ فإن أهمية هذا الجولة الخامسة تنبع من كونها ستناقش وبشكل محدد قضايا التغيير السياسي في سوريا، إذ إن دي ميستورا أكد -في تصريحاته خلال المؤتمر الصحفي الختامي للجولة الرابعة- أن المفاوضات ستجري وفقاً للخطوط العامة التي وردت في قرار مجلس الأمن الدولي (2254).

وأن الهدف المتوخّى يضمن إقامة حكومة شاملة وغير طائفية خلال ستة أشهر، وصياغة الدستور خلال ستة أشهر أخرى، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في نهاية العملية التي تستغرق 18 شهراً.

وعلى هذا الأساس؛ فإن دي ميستورا استطاع -وبمساعدة الأطراف الدولية- حصر جدول أعمال المفاوضات القادمة في أربعة بنود، هي: الانتقال السياسي (مما يعني إنشاء حكومة مشتركة)، وصوغ الدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب.

وفيما يخص البند الأخير؛ ثمة تصريحات لدي ميستورا تفيد بأن هذا البند سيتضمن أيضاً قضية وجود الميلشيات الأجنبية في سوريا (كما ذكرنا)، وأن القضايا المذكورة ستبحث بالتوازي وليس بالتوالي، وستتم مناقشة كل قضية على حدة في مفاوضات خاصة، بحيث تكون ثمة أربعة مسارات للجولة المقبلة من المفاوضات.

ولعله من المفيد هنا التذكير بأن المبعوث الدولي رفض مناقشة القضايا المتعلقة بوقف القتال، وحل المسائل الإنسانية ومكافحة الإرهاب (من الناحية الإجرائية) في مفاوضات جنيف، تاركاً ذلك لمسار مفاوضات أستانا، وأنه أعد نوعاً من اتفاق الإطار -أو “لا ورقة”- من 12 بنداً، قدمها إلى الطرفين المتفاوضين لمناقشتها وإقرارها في الجولة المقبلة.

وقد تضمنت تلك البنود صيغاً من قبيل: “احترام سيادة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية ووحدتها أرضاً وشعباً”، و”تمتّع سوريا بالمساواة التامة من حيث السيادة الوطنية”، و”يقرر الشعب السوري وحده مستقبل بلده بالوسائل الديمقراطية عن طريق صندوق الاقتراع”، و”سوريا دولة ديمقراطية وغير طائفية، تقوم على المواطنة والتعددية السياسية”.

والتأكيد على “الوحدة الوطنية والتمثيل العادل بإدارة المحليات في الدولة والإدارة المحلية”، و”استمرارية عمل الدولة ومؤسساتها العامة، وتحسين أدائهما مع إجراء إصلاحات”، و”احترام حقوق الإنسان والحريات”، و”إسناد قيمة عالية للهوية الوطنية لسوريا”، و”ضمان السلامة والمأوى للمشردين واللاجئين، بما في ذلك حقهم في العودة إلى ديارهم إذا رغبوا، وصون وحماية التراث الوطني والبيئة الطبيعية”.

بيد أن ما يجدر الانتباه إليه -بخصوص هذه “اللا ورقة”- هو:

– أولاً، أن النقاط المطروحة هي من النوع العمومي غير المختلف عليه، وهذا يحسب لها. وهو ما يفسّر ترحيب الطرفين بها من حيث المبدأ، وهذا تطور مهم وإيجابي يفترض البناء عليه في الجولة القادمة من المفاوضات.

– ثانياً، أن تركيز تلك النقاط على العموميات، وعدم خوضها في المسائل المتعلقة بتحقيق الانتقال السياسي -ومنها مصير بشار الأسد- يجعلها من دون معنى سياسي ملموس، ويترك الأمر مفتوحاً لتفسيرات الجانبين، وخاصة لتطورات الوضع الميداني على الأرض، والتغيرات المحتملة في سياسات الفاعلين الدوليين والإقليميين في الملف السوري؛ ولا سيما منها الإستراتيجية المقبلة للإدارة الأميركية الجديدة بخصوص الصراع السوري.

– ثالثاً، إن هذا التقييم لـ”لا ورقة” دي ميستورا لا يغفل بعض النقاط المهمة الواردة فيها، والتي تفيد في التغيير السياسي، وفي صوغ إجماع حول شكل سوريا المستقبل، مما يفترض البناء عليه.

وأيضاً النقطة السابعة التي تحصر مهمة القوات المسلحة في “حماية الحدود الوطنية، وحفظ شعبها من التهديدات الخارجية، وفقاً للدستور. وعلى أجهزة المخابرات والأمن أن تركز على صيانة الأمن الوطني، وتتصرف وفقاً للقانون”.

إشكاليات التفاوض

الجدير ذكره أن العملية التفاوضية السورية/السورية تكتنفها تعقيدات وإشكاليات كثيرة، يكمن أهمها في:

– أولاً، أن السوريين (أي النظام والمعارضة) ليسا من يحدّد طبيعة المفاوضات، إذ بيّنت مفاوضات جنيف وأستانا أن الأطراف الخارجية (أي الولايات المتحدة وروسيا وتركيا وإيران) هي التي تحدد مسار المفاوضات وموضوعاتها وأولوياتها، وحتى أطرافها، مع غياب ملحوظ للدور العربي، على رغم تبايناته.

– ثانياً، هذه المفاوضات استمرت وفقاً لقاعدة دولية وإقليمية مفادها عدم تمكين أي من الطرفين (النظام ولا المعارضة) من التغلّب على الآخر، لا بالوسائل السياسية ولا بالعسكرية.

ويستنتج من ذلك أن الأطراف الخارجية -سواء اعتبرت مساندة للنظام أو داعمة للمعارضة- ظلت تشتغل على أساس المحافظة على ديمومة الصراع الدامي والمدمر في سوريا، والذي استنزفها، وهجّر شعبها، وقوّض إجماعاتها الداخلية، وأطاح بسيادتها، وأضعف بُنى الدولة فيها، بدل الاشتغال على إنهائه.

وطبعاً هذا يستثني إيران التي عملت وفقاً لأجندتها الرامية إلى تعزيز نفوذها وهيمنتها في المشرق العربي، من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا. وهذا يفيد أيضاً بأن التدخل الروسي -على وحشيته وبشاعته- جرى في إطار التفاهم الدولي والإقليمي، لا سيما بعد انكشاف التباعد في الأجندة بين إيران وروسيا.

– ثالثاً، لم تَجْرِ العملية التفاوضية -في أي وقت- وفقاً لمعطيات الثورة بمعانيها وأهدافها المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، وإنما جرت وتجري وفقاً لسياسة الأمر الواقع، أي موازين القوى، والمعطيات الدولية والإقليمية المتعلقة بالصراع على سوريا (وليس الصراع في سوريا).

– رابعاً، في حين يبدو النظام موحّداً في خطاباته وأجندته وحتى في تشكيلته التفاوضية، كما لاحظنا؛ فإن المعارضة -في المقابل- تبدو غير ثابتة أو موحدة، لا في خطاباتها ولا في أجندتها ولا في تشكيلتها التفاوضية، وهو ما يضعف صدقيتها وفاعليتها.

وبناءً على ما تقدم، ربما تطلب هذا الوضع من وفد المعارضة السورية التصرّف على أساس إدراك مسألتين:

الأولى، أن النظام الذي فعل كل ما فعله بشعب سوريا وعمرانها -طوال السنوات الست الماضية- لا يمكن أن يرضخ بالحوار، أو أن يقتنع بحجج المفاوضين المعارضين ومطالبهم، مهما كانت بليغة ومحقّة. أي أن الحوار أو المفاوضة هنا لا تجرى مع النظام تحديداً، حتى وهو يقف في المقابل مباشرة أو مداورة عبر الوسيط الدولي.

والثانية، تتمثل في ضرورة اعتبار الصراع التفاوضي -الحاصل في جنيف- جزءاً من الصراع على الرواية والصورة، وعلى مكانة المعارضة أمام شعبها وفي العالم، لا أكثر ومن دون أية أوهام.

يُستنتج من ذلك أن معطيات تفاوضية على هذا النحو لا تضع المعارضة السورية -على ضعف بُناها السياسية والعسكرية والمدنية- سوى أمام خيار واحد، ينبغي أن ينبني على أساس تحجيم الخسائر والأخطار إلى أقصى حد، بإنهاء حال التقتيل والتدمير والتهجير في البلد؛ أولاً.

وثانياً، السعي للبناء على الوضع الدولي، والمتغيرات الحاصلة في الصراع على سوريا، لإيجاد التقاطعات المناسبة التي تمكّن المعارضة من التعويض عن الخلل في موازين القوى، وتالياً إيجاد حل للمسألة السورية يتأسس على رحيل نظام الأسد، كمرحلة لا بد منها لإنهاء الاستعصاء الحاصل في هذا الصراع الدامي.

وفي انتظار جنيف 5؛ لا يوجد حتى الآن ما يفيد بعدم الوصول إلى جنيف 10 أو ربما أكثر، مع كل التداعيات الكارثية التي ستظل تنجم عن بقاء نظام الأسد واستمرار الصراع السوري، لكن لنأمل خيراً لكل السوريين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة

2017

 

 

جوبر وحماه أبعد من جنيف/ سميح صعب

ليس التوقيت وحده الذي يثير التساؤلات عن مغزى الهجمات الاخيرة لفصائل المعارضة السورية وخصوصاً في حي جوبر وفي ريف حماه الشمالي. فالمسألة لا تنحصر فقط بانعقاد الجولة الخامسة من محادثات جنيف، إنما تتعداها الى مجمل الوضع السوري.

فالمعارضة السورية ومن يقفون خلفها اقليمياً لا يعتبرون أن الحرب انتهت بسيطرة الجيش السوري على كامل حلب. ولا يمكن بالنسبة اليهم البدء بتفاوض جدي اذا بقيت للنظام اليد العليا في الميدان والتي ستترجم في السياسة عاجلاً أم آجلاً.

ومن دول الخليج العربية الى تركيا لم يحصل تبدل جوهري في الموقف من الحرب في سوريا. والدعوات الى الحل السياسي لا تعني أن هذه الدول قد اتجهت الى تبني وجهة نظر مختلفة من حرب ترى أنها لم تحقق أهدافها بعد. واذا كان “داعش” في حال تراجع مستمر، فهذه هي “جبهة فتح الشام” (“النصرة” سابقاً) تقود فصائل جهادية وغير جهادية الى معركة استنزاف جديدة مع النظام.

وليست تركيا المنزعجة من التقارب الروسي مع أكراد سوريا، ببعيدة عن هجمات المعارضة في دمشق وحماه. وكذلك هو حال دول الخليج العربية التي لا يعني تأييدها للحل السياسي في سوريا أن يشمل هذا الحل بقاء النظام بأي شكل من الأشكال.

وليست الولايات المتحدة خارج الصورة. فواشنطن التي تحشد في الرقة يهمها ألا يتاح لدمشق أو لحليفها الروسي أو الايراني لعب أي دور في تحرير الرقة من “داعش”. وفي هذا السياق سبقت القوات الاميركية الجيش السوري وروسيا الى منطقة الطبقة في الرقة. وربما لو حافظت القوات النظامية على اندفاعها في ريف حلب الشرقي ضد “داعش” لكانت شقت طريقها بعد ذلك داخل الحدود الادارية للرقة. ولذلك وجب إشغال الجيش السوري في خطوطه الخلفية من العاصمة الى حماه.

ولا يمكن قراءة التطورات العسكرية المتزامنة من الانزال الاميركي في الرقة الى فتح المعارضة بكل فصائلها الجهادية وغير الجهادية النقطة الاقرب الى العاصمة ومن ثم التوسع في ريف حماه، إلا في سياق التمهيد لمعادلة عسكرية جديدة في سوريا مغايرة لتلك التي نشأت بعد خسارة المعارضة أحياء حلب الشرقية.

وعليه تصير محادثات جنيف تدور في حلقة مفرغة وخاضعة لتقلبات الميدان أكثر مما هي محكومة باحراز تقدم في حل سياسي يوقف النزف على الارض. وكل شيء يوحي حتى الآن بأن ظروف هذا الحل ليست ناضجة ما يكفي كي توقف الإندفاعات على الارض.

النهار

 

 

 

الأزمة السورية وفرص الحل السياسي/ ارشد هورموزلو

في عام 2011 عندما بدأت حدة الأمور تتضح في سورية وباءت جميع المحاولات لإقناع الرئيس السوري بسلوك طريق الإصلاح والتصالح مع القوى الشعبية بالفشل، كان لي لقاء في برنامج تلفزيوني حذرت فيه من تداعيات هذه الأزمة التي لم تكن تشبه ما حصل في تلك الحقبة في مصر وليبيا واليمن.

نقلت عني وكالة «رويترز» أنني قلت أن أمام الرئيس بشار الأسد أسبوعاً فقط للبدء بالإصلاح وبعكس ذلك فسوف تتداعى الأمور ليواجه تدخلاً خارجياً يحمل في طياته الكثير من الأهوال. استغربت هذه التغطية حيث إنني لم أكن في وارد تحديد مدد معينة لأمر لا نستطيع التحكم به. أدليت بتصريح لوكالة أنباء الأناضول قلت فيه إن مهلة الأسبوع أقحمت في تصريحي حول الأوضاع. قمنا باستقصاء مصدر الخبر، إنه منقول من ملف «ديبكا» الموالي للحكومة الإسرائيلية.

نتذكر جميعاً أن الفورة الشعبية التي عمت العديد من بلدان المنطقة كانت ترفع شعار «الشعب يريد إسقاط النظام». ولكن الأمر كان مختلفاً في سورية حيث كانت المناداة على شكل «الشعب يريد إصلاح النظام». من هذا المنطلق، أجريت محاولات كثيرة من جانب الدول المعنية بالأمر ومن الجامعة العربية، وكان لتركيا دور بارز في هذا الموضوع فقد استقبلت انقرة ممثلين عن الرئاسة والحكومة السورية وتم تقديم الكثير من الملفات حول أفضل السبل لإجراء إصلاحات تلبي مطالب الشعب من قانون الانتخابات إلى قانون الأحزاب السياسية وتوالت الزيارات إلى دمشق من جانب الكثير من المسؤولين.

أذكر بألم محاولة الفرصة الأخيرة، إذ كتب الرئيس الحادي عشر للجمهورية التركية خطاباً مفصلاً إلى الرئيس السوري، وبما أني كنت أتولى مهمة كبير مستشاريه لشؤون الشرق الأوسط فقد قمت بتحرير الخطاب باللغة العربية، وكان المفروض أن أنقل هذه الرسالة شخصياً، ولكن وزير الخارجية آنذاك فضل أن يكون هو من يحمل الرسالة لتضاف زيارته الى العديد منها والتي بلغت العشرات.

لا أذيع هنا سراً، فقد تناولت الأخبار نبأ هذه الزيارة ثم محتوياتها، وكان الرئيس يقول فيها بخطاب أخوي أن الإصلاحات إذا لم تتم على الوجه المطلوب وفي زمن قريب فسيأتي الزمن الذي سيرى النظام فيه أن ما قدمه كان قليلاً جداً ومتأخراً جداً، وأن رياح التغيير ستجرفه لا محالة.

كم كنا نتمنى أن تلقى هذه المناشدات أذناً صاغية لكي لا نرى نزيف دم مؤلماً في هذه البقعة العزيزة علينا، ولكن العناد غير المبرر وتدخلات من يهمهم بقاء النظام السوري على هذه الشاكلة ومحاولة البعض أن تكون سورية حديقة خلفية لهم وأدت جميع المحاولات المبشرة بالخير وانتهى الصراع ليكون شاملاً وتبدأ عسكرة الموضوع وسحب البساط من تحت أقدام النظام السوري ليقرر الآخرون سواء في نيويورك أو في آستانة أو في جنيف كيف يضعون خريطة طريق للمستقبل السوري.

الآن وبعد مرور ست سنوات على هذا الموضوع، نرى أن جميع القوى المؤثرة في العالم تتجاذب الملف السوري ولا يحتل موقف النظام السوري في هذا الأمر إلا النذر القليل، وكأن الموضوع يهم العالم شرقاً وغرباً ولا يهم الشعب السوري المنكوب نفسه.

نحن الآن على مشارف الاقتناع بضرورة الحل السياسي من جانب جميع الأطراف، أي أننا عدنا الى المربع الأول الذي كنا ننادي فيه بعدم عسكرة الحل في سورية وتغليب الحكمة والحل السياسي لإطفاء هذه النار المشتعلة في جنبات هذه المنطقة.

الاجتماعات المتكررة في آستانة، العاصمة الجديدة لجمهورية كازخستان أظهرت للعالم أجمع أن الحل يمكن أن يكون عملياً اذا كانت هناك أطراف ضامنة لأي اتفاق يجمع عليه كل الفرقاء وفق قرار مجلس الأمن 2254. لقد أكدت الأطراف المشاركة في اجتماع آستانة الأول أن الحل لهذا الصراع المضني يمكن تحقيقه من خلال عملية سياسية.

ما أفرزه هذا الاجتماع هو تحول روسيا من قوة مساندة لأحد الأطراف عسكرياً وهجومياً الى طرف ضامن لوقف إطلاق النار، كما أدى الى تحجيم دور ايران والميليشيات المساندة لها ورجوعها الى حجمها الطبيعي الذي أرادت توسيعه في شكل أثار الريبة والشك ليس في سورية وحدها بل في عموم المنطقة.

اجتماع آستانة لم يكن إطلاقاً بديلاً لمؤتمر جنيف الذي عقد وسيتوالى عقده، ما دام الأمر لم يصل إلى النتيجة المرجوة. والمفروض أن يُجمع العالم ممثلاً بالأمم المتحدة التي يشارك ممثلها في الاجتماع على ضرورة وقف نزيف الدم والانتقال الى عملية سياسية يخرج منها السوريون بدولة مدنية قائمة على الالتزام بسيادة واستقلالية ووحدة أراضي الجمهورية العربية السورية باعتبارها دولة حضارية لا طائفية فيها.

كم يا ترى ستعقد اجتماعات لاحقة في جنيف وحبذا لو وجد العقل والتعقل طريقه لإنهاء الأزمة الطاحنة بعد كل هذه المصائب، وإلا فإن الذئاب جاهزة لافتراس الجسد السوري ونهش ما تبقى من مقوماته. المطلوب مشروع وطني سوري وحقيقي لا يجهز على مقومات الدولة وينبع من ضمير الأمة ويا حبذا لو تفهم النظام السوري أن للحقيقة وجهاً واحداً.

ألم يكن ما تم تقديمه قليلاً جداً ومتأخراً جداً؟

* كاتب تركي

الحياة

 

 

 

 

أفرقاء الأزمة السورية في انتظار الأميركيين/ روزانا بومنصف

من شأن التطورات السورية الاخيرة التي تمثلت في مفاجأة فصائل معارضة للنظام السوري قواته في مناطق قريبة من العاصمة او ايضاً في اتجاه حماه، ان تثير حماوة وحماسة في لبنان في ظروف مختلفة لولا ان لبنان انتقل الى مكان آخر وكذلك الامر بالنسبة الى سوريا. بدا لبنان وكأنه بات عصيّاً على موجات الحرب في جواره صعوداً ونزولاً او مداً وجزراً في تحوّل دراماتيكي نحو شؤونه الداخلية لإنقاذ وضع آيل الى الانهيار ما لم تتم معالجته. الا ان هذا لا يعني ان لبنان لا يتابع عن كثب ما يجري هناك والمفاجآت التي يمكن ان يحملها الوضع هناك تبعاً لتطورات مجهولة او غير متوقعة على غرار الحملة العسكرية التي فاجأت بها الفصائل النظام وحتى حلفائه ايضاً. الا ّان مطلعين متابعين للوضع بدوا حذرين في استخلاص امور اكثر من المتوقع انطلاقاً من ان النظام الذي انقذته روسيا في 2015 بقرار علني منها، من المرجح ان تنخرط اكثر اذا اضطر الامر من اجل استكمال عملية الانقاذ مجدداً، وكذلك الامر بالنسبة الى ايران بعدما باتت الرهانات كبيرة من حليفي الرئيس السوري على بقائه في هذه المرحلة. فالحملة العسكرية التي نجحت في انتزاع مناطق يسيطر عليها الجيش التابع للنظام، اظهرت على الاقل جملة عناصر من بينها ان الفصائل اكانت وحدها او مدعومة لا تزال قادرة على خوض معارك شرسة تستطيع من خلالها تحقيق مكاسب، في وقت لا تملك القوات السورية لا القدرة على المحافظة على الاراضي التي اعادتها الى سيطرتها ولا على شنّ هجوم معاكس ما لم تكن هذه القوات مدعومة ميدانياً او جوياً. فالعنصر اللافت في هذا الاطار، ان الامور لم تستتب كما اريد لها ان تكون على قاعدة ان المبادرة تبقى في يد الرئيس السوري لقصف ما يراه مناسباً من مناطق، في حين ان الاطراف الاخرى فقدت اي مبادرة تذكر. وثمّة من رسم علامات استفهام عما اذا كانت موسكو غضّت النظر في مكان ما من اجل ارغام الرئيس السوري على التجاوب مع المفاوضات التي تتولى روسيا لوحدها الدفع بها راهناً، ان في استانا او في جنيف، باعتبارها العملية السياسية التي تضع موضع التنفيذ رغبة روسيا في تثبيت وقف النار وفق الستاتيكو القائم راهناً. لكنّ عنصراً آخر يؤخذ في الاعتبار ويتصل بالصراع من ضمن الفصائل المعارضة نفسها والتي نجحت روسيا الى حد بعيد في تقسيمها عشية انعقاد مؤتمر جنيف 5، فيما يتذرّع النظام مدعوماً من حلفائه، بوجوب وجود محاور واحد في مقابله. وبينما يعتبر آخرون ان تصدر متشددين اسلاميين الحملة العسكرية الاخيرة فيما انضمت اليهم فصائل اخرى، انما يحمل رسالة واضحة الى روسيا تحديداً، باعتبارها راعية المفاوضات السلمية، بوجوب احترام تثبيت وقف النار وليس تركه مفتوحاً امام النظام للتصرف بحرية في مقابل فرضه على الآخرين.

وليس غائباً في الوقت نفسه عن اذهان متابعين كثر يدرجون التطورات الاخيرة في اطار التحركات التكتيّة في انتظار الخطوة الاميركية المقبلة في اتجاه الرقة من جهة وفي انتظار المقاربة الاميركية ككل للوضع في سوريا، خصوصاً مع اعلان وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون السعي الى “مناطق آمنة” في سوريا في موازاة السعي الى هزيمة تنظيم الدولة الاسلامية. فغياب المؤشرات عما ستكون عليه المقاربة الاميركية يترك جميع الافرقاء الآخرين يتحركون في فضاء معدوم التوازنات في انتظار ما ستكون عليه السياسة الخارجية الاميركية في المنطقة وتحديداً في سوريا.

النهار

 

 

 

غموض وارتباك عشية المفاوضات السورية في جنيف 5/ محمد مشارقة

بعثت المعارك الأخيرة في دمشق والقلمون الشرقي وريف حماة برسائل سياسية إلى القوى المتحالفة ونظام الأسد بأن المعارضة السورية تستعيد وزنها الميداني رغم خسارتها في معركة حلب، غير أن التباينات والاختلافات بين كتلها يعُوق تقدمها السياسي في مفاوضات جنيف5 أمام عجر المعارضة على استيعاب الغام دي ميستورا وغموض دور واشنطن والتناقضات الدولية والإقليمية التي تلقي بآثارها الثقيلة في العملية السياسية الانتقالية.

الطريق نحو التسوية مازال طويل الأمد

لم يكن مستغربا أن تنفجر الخلافات في كتلة المعارضة السورية الرئيسية على خلفية التنافس على الظهور الإعلامي؛ فقد أعلن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بعد اجتماعه في إسطنبول في السادس من الشهر الجاري إقالة كل من سالم المسلط ومنذر ماخوس من وفدها في الهيئة العليا للمفاوضات، وهدد بإعادة انتخاب ممثليه التسعة في الهيئة بمن فيهم رياض حجاب.

تكشف هذه الأزمة عن أحد جوانب مفاوضات جنيف التي تستأنف في الخامس والعشرين من مارس الجاري، والتي تحوّلت الى مسرح استعراض إعلامي لا يتوقع منها اختراقات جدية في ملف الحرب الدموية السورية والتي تحوّلت الى ساحة صراع إقليمي ودولي متشابك ومعقد، اكتفى منها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي ميستورا بإنجاز وحيد تمثل في التجديد لمهمته سنة أخرى من مجلس الأمن.

مع فشل الجولة الأخيرة في أستانة في إقناع المعارضة المسلحة بالمشاركة، وإصرار موسكو على وضع ايران كقوة ضامنة رئيسية لوقف إطلاق النار رغم مشاركتها في الحرب السورية بما يزيد على سبعة فصيلا طائفيا مسلحا، باتت منصة جنيف المنصة الضرورية لاستمرار الوهم بوجود عملية سياسية واعدة، رغم قناعة كل الأطراف أن الأمل مازال بعيدا للدخول في عملية سياسية جدية تفضي إلى انتقال سلمي للسلطة في البلاد، فقد نجح بشار الجعفري رئيس وفد النظام في جنيف4 في فرض بند مكافحة الاٍرهاب على جدول الأعمال مستغلا تفجير مبنى الأمن السياسي في حمص، ولم يكن أمام وفد المعارضة إلا أن يبتلع الطعم، رغم أن الاٍرهاب ووقف العمليات الحربية واليات المراقبة هو من اختصاص اجتماعات أستانة، واكتفى نصر الحريري رئيس وفد المعارضة في جنيف بالقول “إننا نتمسك بالمسارات الثلاث المتلازمة والمتوازية التي تقدم بها دي ميستورا وبالقرار الأممي 2254، بما يعني بحث هيئة الحكم والانتخابات والدستور”.

ألغام دي ميستورا

وتحت ضغط ومخاوف التهميش والاستبعاد والاستبدال، لم يتمكن وفد المعارضة من مواجهة الفخاخ والألغام التي تحتويها ورقة دي ميستورا، فالقرار الأممي الناظم للعملية التفاوضية، لا يقول بهذه الآليات الجديدة بتلازم المسارات أو السلال التفاوضية (بحسب تعبير ورقة الدعوة) والتي قد تدخل المفاوضات في عملية طويلة ولسنوات قادمة، هذا عدا الغموض المتعمد في النص الخاص بالحكم الانتقالي، الذي تارة يأتي بصيغة هيئة للحكم وأخرى بحكومة انتقالية تقترب من تصور النظام لإقامة حكومة وحدة تشارك فيها المعارضة. ما يعني اختراع مرجعية جديدة للمفاوضات، وهو الفخ الذي وقع به أشقاؤهم الفلسطينيون في مفاوضاتهم المتعثرة مع إسرائيل والمستمرة منذ عشرين عاما.

اللغم الآخر الذي أبقاه دي ميستورا سيفا مسلطا على رقبة المعارضة يتمثل في دعوة منصتي القاهرة وموسكو اللتين تحولتا إلى تجمع لشخصيات سياسية لا تمثيل ولا وزن لها، بعد انسحاب أبرز الشخصيات المعارضة من المنصتين، وخاصة تيار الغد السوري بقيادة أحمد الجربا الرئيس السابق للائتلاف، والذي يشارك بفصيل عسكري كبير “قوات النخبة” في عملية تحرير الرقة، كما يصرّ دي ميستورا على دعوة عدد كبير من منظمات المجتمع المدني السورية بصفة مستشارين، وهو ما اعتبره وفد الائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات “محاولة خبيثة لإفراغ تمثيل المعارضة الحقيقية من مضمونها، وتقديم شخصيات هامشية لا وزن شعبي وسياسي لها في سوريا كبديل”.

غموض موقف واشنطن في الملف السوري يضفي المزيد من الشكوك حول إمكانية حصول اختراق جدي في جنيف5

وخارج أروقة التفاوض ثمة ما يدعو للقلق في أوساط الاتلاف وهيئة التفاوض، فالفصائل المصنفة على قوائم الاٍرهاب (داعش والنصرة باسمها الجديد هيئة تحرير الشام) مارست في الفترة الأخيرة عملية ترهيب وتصفية لغالبية القوى المعتدلة المشاركة في العملية التفاوضية بشقيها، أستانة وجنيف.

 

وبالفعل يعيد مراقبون للشأن السوري امتناع الفصائل المسلحة عن حضور اجتماع الأستانة الأخير إلى أن الأذرع السياسية للفصائل باتت مفصولة عن قواعدها العسكرية وتقيم خارج الميدان؛ فيما يخشى ما تبقى من هذه الفصائل من تهديد التصفية على يد داعش والنصرة، ما اضطرها إلى طلب الحماية التركية والانضمام إلى قوات درع الفرات، أو مغادرة الساحة السورية في انتظار تحوّلات قادمة.

رغم أهمية العوامل السابقة والتي تخفض التوقعات من الجولة الجديدة لمفاوضات جنيف، إلا أن التناقضات الإقليمية والدولية تلقي بآثارها الثقيلة أيضا على كامل العملية السياسية الانتقالية وجدواها. فقد بات واضحا أن هناك تواطؤا أميركيا روسيا على تحجيم الدور التركي وطموحاته في منطقة آمنة، وبمساحة خمسة آلاف كلم مربع، من جرابلس الى أعزاز وصولا إلى منبج والباب. فالاقتراحات الأميركية الجديدة بشأن وضع مدينة منبج، يستثني كل القوى المسلحة الحليفة لتركيا، ويصر على تسليم المدينة لقوى خضعت لبرنامج التدريب والتسليح الأميركي (لواء المعتصم واللواء51)

وفِي الجانب الآخر من الصورة ثمة تباينات خفية بين أطراف الحلف الثلاثة، النظام والإيراني والروسي، بين تصورات تغلب استراتيجية الحسم العسكري او اعتماد سياسة العصا والجزرة وتفكيك القوى المسلحة المعرضة واستعادة حواضنها الشعبية عبر مصالحات وهدن مناطقية، ما يشترط إخراج القوى الأجنبية الطائفية وفِي مقدمتها حزب الله والفصائل الطائفية الباكستانية والأفغانية والعراقية، والتي يتسبب وجودها في تسعير الصراع الديني والمذهبي في المنطقة ويعطي المشروعية لتواجد الأجانب “الغرباء” في صفوف المعارضة السورية المسلحة.

غموض الإدارة الأميركية

لعل الغموض المربك في موقف الإدارة الأميركية الجديدة في الملف السوري يظل أحد العوامل الأساسية التي تضفي المزيد من الشكوك حول إمكانية حصول اختراق جدي في جنيف5 . فالإشارات الصادرة من واشنطن تبدو أنها غير معنية لا بالأستانة ولا بجنيف، وأنها تكتفي بالمراقبة من بعيد، كما أن الممارسة الميدانية على الأرض تضفي على المشهد المزيد من الارتباك والتشويش، فالبنتاغون يدعم لوجستيا وماديا قوات سوريا الديمقراطية ذراع الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الذي تعتبره تركيا حركة إرهابية، في الوقت الذي تدعم المخابرات المركزية أطرافا معتدلة في المعارضة السورية التي تقاتل قوات سوريا الديمقراطية وتصفها بالحركة الانفصالية، أما الخارجية الأميركية فتكتفي بالرد بأنها “في صدد مراجعة الموقف في سوريا وتشكيل طاقمها الجديد، وسنكتفي في الوقت الراهن بالدور الذي يلعبه ممثل الخارجية الدبلوماسي المحترف مايكل راتني”.

أمام هذا المشهد المرتبك والمتشابك والتريث والانتظار الذي يسم كل الأطراف المعنية بالوضع السوري، اندفعت قوى المعارضة المسلحة لفتح جبهات جوبر دمشق لفك الحصار عن القابون وكذلك جبهة ريف حماة الشمالي والغربي، في محاولة لفك الحصار ومنع التهجير وكسر الخطوط الحمراء واستنزاف قوات النظام وحلفائه، الأمر الذي أربك كل الاطراف، بعد سنوات من لجم المعارضة ومنعها من الاقتراب من مناطق الأقليات المسيحية والعلوية والإسماعيلية.

وبقدر ما بعثت المعارك في دمشق والقلمون الشرقي وريف حماة برسائل إلى جمهور المعارضة وحواضنها الشعبية بعد أشهر من التقاتل والتصفيات الداخلية، إلا أنها قدّمت عشية جنيف5 رسائل سياسية في غاية الأهمية للنظام والقوى الدولية أن الحل للأزمة السورية العميقة، لا يمكن أن يكون عسكريا وتدميريا شاملا وأن مقولة “الأسد او لا أحد” لم تفض إلى نتيجة ولم توقف الحرب المدمرة التي دخلت عامها السابع، بل هي وصفة لإطالة أمد الحرب لعقود طويلة تتجاوز بآثارها المدمرة حدود سوريا نحو الإقليم وأمنه واستقراره.

كاتب فلسطيني

العرب

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...