الرئيسية / صفحات مميزة / عن خطاب “الأسد” الأخير في مجلس الشعب –مقالات مختارة-

عن خطاب “الأسد” الأخير في مجلس الشعب –مقالات مختارة-

 

بشار الحاقد على أردوغان والسعودية/ عمر قدور

على رغم الإهانات السوقية التي وجهها بشار الأسد للمعارضة، في خطابه الذي افتتح به مجلس «شعبه»، تبقى الإشارات الخارجية أهم، إذ يُتوقع منه كما كان حال أبيه توجيه الإهانات للداخل دائماً، أما توجيه الشتائم للخارج فأمر يخضع لحسابات أكثر انضباطاً.

بشار خصّ أردوغان بالشتائم الشخصية، وحمل على المملكة العربية السعودية، ونال في المجلس تصفيقاً حاداً يعكس الضخ الإعلامي الذي واظب عليه النظام بقوة منذ انطلاق الثورة، ولم يتخلَّ عنه ضمنياً في أي وقت.

ولا مفاجأة في شتائم بشار ونعوته، لا بسبب الاصطفافات الحالية فحسب، بل لأنه يستأنف إرثاً لم ينقطع من الخطاب الأسدي الدائم. إذاً، صفق الحاضرون في قاعة المجلس لما اعتادت آذانهم على سماعه والطرب له، والذي يتلخص بالتجريح بدول الخليج، وهذه معزوفة الممانعة التي لم تتغير منذ اصطفافات الحرب الباردة. لكن الارتكاز على المعسكر السوفياتي كان شأناً ثانوياً، على العكس من العداء الضمني للعروبة كشأن جوهري، بدلالة عدم تغير المعزوفة مع انهيار عالم القطبين.

إننا إزاء نظام جاهر طوال الوقت بأيديولوجيا بعثية عروبية، بينما عملت ماكينته الإعلامية والتربوية في الوقت ذاته على نقض فكرة العروبة، تحديداً العروبة المشرقية بصفتها تمثيلاً أشدّ بروزاً من نظيرتها المغاربية. الاستثناء المصري ليس بذلك الصفاء، إذ طالما نُظر إلى العمق الفرعوني المصري كمؤثر ينال من عروبته، بخاصة مع الانقضاء السريع للخطاب الناصري، ومن ثم توقيع اتفاقات كامب ديفيد.

لحل التناقض كان إعلام النظام، الظاهر تارة والمبطن أحياناً، لا يتوقف عن إذكاء العنصرية ضمن العروبة ذاتها، بتقسيمها إلى عروبة متقدمة وعروبة متخلفة. تالياً، لم تتوقف محاولة تنشئة السوريين على الولاء لعروبة غير متعينة سوى بهم، وببعضهم أخيراً، والعداء النفسي لعروبة أوسع امتداداً، وأكبر من حيث الثقل الجيوسياسي، مع حصر العامل الأخير بالنفط الذي يُصوّر كورقة يانصيب رابحة عُثر عليها في الطريق.

طوال عهدَي الأسدية، لم تنشأ علاقة مستقرة مع الأردن، الذي يُنظر إليه بازدراء كجزء مُقتطع من سورية الكبرى، ولا علاقة مستقرة مع دول الخليج. العداء والتوتر المستمر كانا السمة الأبرز في العلاقة مع العراق، وهذا ما لم يتغير إلا مع «تنقل» قاسم سليماني لقيادة المعارك وتنظيم النفوذ الإيراني على الجانبين، أي أن العلاقة لم تكن جيدة حتى في ظل النفوذ الإيراني المشترك قبل الثورة، ربما على أرضية المنافسة لكسب حظوة أكبر لدى السيد الكبير.

جدير بالانتباه أن الكيان الأسدي كان دائماً على علاقة سيئة بالجوار العربي المشـــرقي، وسعـــى إلى التعويض بتحالفــــات مع ليبيا أو الجزائر البعيدتين عن مفاهيم العروبة المشرقية، بينما لم تُبدِ بقيــــة دول المغرب اكتراثاً بالتطورات الإقليمــــية المشرقية. الأهم أن الثقافة التي كان يروّجــها داخلياً هي ثقافة عنصرية تجاه ذلك المحيط: فالخليج هو تماماً كما تختزله أشد الصور الغربية نمطية وعنصرية، والعراق نصفه خليجي ونصفه الآخر بعثي يميني منحرف، أيضاً اليمين وفق التصنيفات يحيل إلى الخليج «اليميني». أما لبنان، المُقتطَع من سورية أيضاً، فهو مجموعة من الطوائف التي لا تستطيع العيش معاً من دون الوصاية السورية.

أيضاً، العداء لتركيا له صفة الاستدامة، باستثناء فترة قصيرة من علاقة بشار الجيدة بأردوغان. العداء كان أولاً بذريعة ضم تركيا لواء اسكندرون، وتعين بدعم حزب العمال الكردستاني في حربه على الحكم التركي منذ 1980، مع أن النظام لا يتبع سياسة أفضل من نظيره التركي إزاء أكراد سورية. يُسجل هنا أن حكومات تركية متعاقبة اتبعت سياسة ضبط النفس إزاء الأسد، على رغم امتلاكها جيشاً هو الثاني من حيث الضخامة في حلف «الناتو»، وكان يكفي التلويح به لتسليم عبد الله أوجلان كما حدث عام 1998.

ولم تنجُ صورة التركي من التنميط. فهو، مرفـــق الرواية الأسدية المدرسية، ذلك العثماني المتخلف الذي قدم للتو من آسيا الوسطى، واستفاد من أبناء حضارة المنطــــقة فـــــي تشييد إمبراطوريته ناسباً إنــــجازاتهم لنفسه. رواية مختزلة، تتقـــــــاطع بعنصريتها مع النظرة إلى الــــعرب، وتتغــافل بالطبع عن التاريخ المتــــشابه للإمبراطوريات وفتوحاتها التي استـــثمــرت في حضارات سابقة. سيستدرك النظام بعضاً من النقص السابق، إذ ستعمد آلته الإعلامية منذ بدء الثورة إلى القول إن الحضارة السورية شذّبت أولئك العرب الذين أتوا إليها بالإسلام من موطنه الأول. المقولة نفسها يتبناها غلاة الشوفينية الإيرانية إذ يعتبرون أن الحضارة الفارسية هي التي جعلت الإسلام متحضراً.

وفق أدبيات الممانعة، الكيان الإسرائيلي موجود على الضد من نسيج المنطقة، مستلهماً في انعزاله عنها العنصرية المستمدة من القول إن اليهود شعب الله المختار. هذه الأدبيات تنفي صفة الدولة عن إسرائيل، لأن وصف الكيان يوحي بتغربه وحتمية زواله. وإذا كانت رحلة إسرائيل القصيرة هي حقاً من الكيان إلى الدولة، يمكن وصف الرحلة الأسدية بالقول إنها من الدولة السورية الناشئة إلى الكيان، بمعنى العمل على تأسيس «غيتو» لا يعيش علاقات جوار طبيعية مع محيطه، وبمعنى أنه يعتاش على العنصرية إزاء المحيط، وعلى البارانويا المعممة التي لا سند لها سوى الخوف من الذوبان في المحيط.

وفق هذه الترسيمة، لا بد أن تكون علاقة النظام بجواره محكومة بالضرورة القصوى، بخلاف علاقته بإيران، فالتحالف مع المشروع الإيراني استكمال لمسيرة العداء تجاه العروبة المشرقية. لنلاحظ أن أكبر إهانة وجّهها بشار إلى المعارضين في خطابه، تلخّصت في اتهامهم بالتبعية للسعودية وتركيا، ومن المؤكد ألا تغيب عن باله تبعيته لإيران. الأمر أنه، أمام جمهور متفهم، يفاضل بين تبعيتين، ويمنح ضمناً القيمة الأعلى لإيران التي لم تصورها أدبياته يوماً كعدو أو كعنصر حضاري أدنى.

تلا بشار خطابه قارئاً جيداً لأبيه في الوقت نفسه، أما تواري الإنشاء الممانع المعتاد تجاه إسرائيل، فربما يجد مبرراً له في ذلك التلاقي الموقت الذي قد يحدث بين خارج من الغيتو وذاهب إليه.

الحياة

 

 

 

 

 

التفاوض بين «الفخاخ» والمصداقيّة/ سمير العيطة

تحدّث بشار الأسد في خطابه الأخير عن «فساد وخيانة» يضربان «بعض زوايا» البيت الداخليّ، وصلبه وقوّته. فمن قصد في ذلك؟ كان يقف أمام مجلس شعب يحثّ أعضاءه على العمل بصدق وإخلاص للغير أوّلاً، وليس للذات من أجل إزالة العقبات التي ولّدها الفساد وسوء الإدارة، وكي يظهر المقصّر والفاسد ناتئاً شاذّاً، كما قال. المقصود بالتأكيد ليس مناطق المعارضة بل بيته الداخليّ.

وماذا قصد بالشراكة التي يرفضها الغرب من أيّ دولة أو تجمّع دوليّ؟ ثمّ حمّل هذا الرفض مسؤوليّة الصراعات الإقليميّة التي انعكست حرباً في سوريا. والشراكة التي يتحدّث عنها على الصعيد الدوليّ الكبير هي بين مَن ومَن؟ في الوقت الذي تنسّق فيه روسيا والولايات المتحدة أصلاً عمليّاتهما على الأرض إلى حدٍّ كبير.

وهل حقّاً أنّ الهدف الأساس للمخطّطات التآمريّة على سوريا كان الدستور، بغية استبداله بدستورٍ طائفيّ؟ هذا خاصّة بعدما تمّ تثبيت علمانيّة الدولة السورية بقرارٍ من مجلس الأمن على يد مجموعة العمل الدوليّة في فيينا. وكان ذلك حدثاً لا يُستهان به.

ولماذا كلّ هذا الإسهاب في الحديث عمّا يجري في جنيف إذا لم يكن هناك تفاوضٌ أصلاً؟ وإذا لم يكن هناك «أطراف أخرى» لهذا التفاوض، إلاّ «لضرورات الشعر»؟

ثمّ لماذا كلّ هذه الإطالة والإصرار على «ورقة المبادئ» التي تمّ طرحها من طرفه لتشكّل «أساساً للمحادثات»؟ خاصّة أنّ هذه الورقة لم يتمّ نشرها وربّما لم يطّلع عليها أغلب النوّاب قبل الخطاب. ولماذا لا يتمّ طرح هذه «المبادئ» بشفافيّة على الرأي العام السوريّ؟

وأيضاً لماذا يتحدّث عن ضرورة «الاتفاق حول هذه المبادئ التي طرحتها سوريا»، ثمّ يضيف «أو أيّ مبادئ بشكل عام» قبل الانتقال لمناقشة المواضيع الأخرى؟ أهو يشكّك فيها أم يتفاوض حولها، ومع مَن؟ خاصّة أنّه يقول إنّ ورقة المبادئ هذه هي الحلّ السياسيّ.

ولماذا مزج في خطابه بين أسئلة الوسيط الدوليّ وبين قواسمه المشتركة التي قدّمها في تقريره إلى مجلس الأمن؟ عنوان الأسئلة كان لتمكين الوسيط من فهم وجهة نظر الأطراف لجملة «حكم ذي مصداقيّة يشمل الجميع ولا يقوم على الطائفيّة» الواردة في قرار مجلس الأمن 2254. أمّا القواسم المشتركة فهي جزء من خلاصة الوسيط إلى مجلس الأمن، وتضمّنت التأكيد على ما هو مشترك من خلال إسهامات الجانبين بأنّ «أيّ عمليّة انتقال سياسيّ ستتمّ تحت إشراف حكم انتقالي جديد وجامع وذي مصداقيّة، يحلّ محلّ ترتيبات الحكم الحالي».

وماذا قصده أنّ الأسئلة كانت «عبارة عن فخاخ» وضعها هواة ومبتدئون في علم السياسة؟ أفخاخٌ لمَن؟ الحكومة السوريّة لم تكذّب ما ورد في تقرير الوسيط إلى مجلس الأمن. بالتالي، يُفترَض أنّ ما جاء كقواسم مشتركة قد ورد بشكلٍ أو بآخر ضمن إجابات الحكومة على الأسئلة العتيدة.

ثمّ لماذا تؤرِّق قضيّة «مصداقيّة الحكم» رئيس السلطة بهذا القدر؟ بالطبع لا يهمّ رأي الإرهابيين والعملاء بدلالة هذا التعبير، ولكن كيف تكفل «المبادئ» المزعومة تفسيراً «للمصداقيّة» يأتي بحلّ سياسيّ؟

في المصداقيّة بالتحديد يكمُن نزع فتيل نار الحرب وليس تسعيرها. المصداقيّة في الهدنة. إذ عندما تنتهك السلطة مصالحة عقدتها، ووقفاً لقصف تعهّدت به، فإنّها تؤجّج واقعيّاً نيران الحرب المدمّرة الدائرة. والمصداقيّة أيضاً في التفاوض. والمصداقيّة أوّلاً وأساساً في الحكم، باعتباره مسؤوليّة أمام جميع السوريين.

السفير

 

 

تهديدات الأسد بقوة غيره/ وليد شقير

لا حرج عند الرئيس السوري بشار الأسد في القول إن «حمام الدم لن يتوقف»… كأنه يتحدث عن «حمام الهنا» الذي تشتهر به الأحياء الدمشقية والحلبية… طبعاً هو برر ذلك بأنه لن يتوقف عن محاربة الإرهاب.

لم يختلف خطاب الأسد الأخير عن خطاباته السابقة. إنكار كامل للواقع واسترسال في تجاهل وجود معارضين لنظامه المستبد، عبر وصمهم جميعاً من دون استثناء بـ «الإرهاب» الذي يريد «اقتلاع جذوره»، فضلاً عن مساواته الرافضين حكمه العائلي وبطشه، بـ «داعش» وسائر التنظيمات الإرهابية. الإنكار يبلغ درجة تجاهل وجود الخصوم الفعليين في الداخل عندما يقول «لم نرَ أطرافاً أخرى … لا يوجد أطراف أخرى»، في حديثه عن وفد المعارضة في مفاوضات جنيف – 3 التي أفشلتها براميله المتفجرة ومحاولة جيشه مع الإيرانيين السيطرة على حلب منذ سريان الهدنة أواخر شباط (فبراير) الماضي.

لا جديد في وصف الأسد معارضيه بالخونة، ورفضه «المرحلة الانتقالية» وفق جنيف 2012 ومفهومه لها. فوفق خطته للحل، يطلب استسلام المعارضة، وصولاً إلى مؤتمر وطني للحوار. الجديد أنه ينسف جنيف – 3 وكل المحاولات الروسية – الأميركية لإحيائه، ويتحدث عن أن سورية «لا ترضى الخنوع ولا تقبل الوصاية»، مقرناً ذلك بالإصرار على تحرير حلب وعلى استعادة كل شبر من سورية من الفصائل المعارضة. لكن المضحك في هذا الجديد هو رفضه «الوصاية»، في وقت تجتاح الجيوش بلاده من كل حدب وصوب، والميليشيات المتعددة الجنسيات المستقدمة من إيران، من دون أن ننسى تلك المنضوية تحت لواء «داعش»، وتحول بلاد الشام إلى ملعب عالمي للحروب بالواسطة، نتيجة تمسكه بالتفرد بالحكم، واستدعائه كل أنواع الدعم الخارجي إلى الأرض السورية، منذ تعامل مع تظاهرات الاحتجاج السلمية بالبطش والمجازر والقهر، ثم تعاظم احتلالات الدول الساعية إلى موطئ قدم في سورية، للدفاع عنه، عندما اقتربت المعارضة من دمشق.

مهزلة الاعتداد بالوطنية السورية في خطاب الأسد في ظل مسؤوليته عن استباحة بلاده من الخارج، تطرح الأسئلة عما يقف وراء توعده بتحرير كل شبر وجعل حلب «مقبرة» للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. هل أن اشتراك الجنود الأميركيين مع الميليشيات الكردية و»جيش سورية الديموقراطية»، في تحرير منبج من «داعش»، (انضم إليهم خبراء فرنسيون) والجنود البريطانيين في تأمين الحدود الشرقية مع العراق (عبر إنشاء «جيش سورية الجديدة») في مواجهة التنظيم، والدور التركي على الحدود، أخذا يشعرانه بأن ورقة محاربة الإرهاب التي يراهن على أن تبقيه في الحكم طالما لها أولوية على إزاحته عند المجتمع الدولي، باتت في يد الدول والفصائل التي تساندها؟ وهل أن الإصرار على «السيادة» ناجم عن إحساسه بأن قضم هذه الدول الأرض من «داعش» يفقده الدور الذي اصطنعته له إيران وروسيا تحت عنوان محاربة الإرهاب، لإبقائه في الحكم، فتبطل هذه الحجة بعد التخلص من «داعش»؟ والأسد والمحيطون به غضبوا لمشروع الدستور الذي وضعت روسيا مسودته، مستبقة الاتفاق مع واشنطن على وجوب التوصل إليه في آب (أغسطس) المقبل، والذي يحوي توزيعاً جديداً للسلطة، ونظاماً فيديرالياً، رفضته القيادة الأسدية؟

الوجه الآخر للسؤال عما إذا كان تبجح الأسد بقوة غيره ضد خصومه، قد يكون في مراهنته على أن يقود تصاعد الصراع الروسي – الأميركي على أوروبا الشرقية والذي أخذ بعداً جديداً مع تعزيزات حلف الناتو في دول البلطيق ومناورات القوات الأميركية مع 20 دولة في بولندا، إلى اتجاه موسكو للرد في سورية، بالتصعيد العسكري ضد المعارضة، وإمكان أن يشمل ذلك حلب. فبإسم السيادة سبق للأسد أن وقّع الصيف الماضي مع موسكو المعاهدة التي تجيز لقوات القيصر استباحة سورية لسنوات، بحيث تحوّلت قاعدة حميميم إلى مرجعية الجيش السوري، وبديلاً لدمشق في القرارات حول الهدنة ووقف النار أو استئنافه… فهو سلّم أمره لموسكو وقبلها لطهران.

إذا صح هذا التفسير لخلفية تهديدات الأسد، يقتضي انتظار مفاعيل الاجتماع التنسيقي الذي عقد أمس بين وزراء الدفاع الروسي والإيراني والسوري في طهران، ليتبين ما إذا كان الثلاثي يتجه إلى تعزيز أوراقه الإقليمية، ومنها في سورية، خلال الأشهر الفاصلة قبل قيام الإدارة الأميركية الجديدة مطلع العام المقبل.

ثمة من يعتقد بأن الأسد أخذ يطمئن إلى مصيره، ويوزع التهديدات نتيجة التقارب الروسي – الإسرائيلي الذي توّجه بنيامين نتانياهو قبل يومين، خلال زيارته موسكو، بالقول إن مسألة بقاء الأسد في السلطة «ثانوية». فلطالما كانت روسيا صلة الوصل بينه وبين تل أبيب.

الحياة

 

 

وظيفة الجولان بين الأب… والابن/ خيرالله خيرالله

كان الخطاب الذي ألقاه رئيس النظام السوري بشّار الأسد في الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري الجديد (مجلس النوّاب) في غاية الأهميّة. كان الخطاب منعطفا تاريخيا، لا لشيء سوى لأنّه جاء ليعكس جديد سوريا. يأتي هذا الجديد بعد خمس سنوات ونصف السنة على اندلاع الثورة الشعبية فيها.

جديد سوريا أنّ رئيس النظام يعتبر أنّه وجد معادلة جديدة للبقاء في دمشق، أي لاستكمال عملية تفكيك البلد وتدمير كل مدينة وبلدة وقرية فيه. تقوم المعادلة الجديدة على التخلي عن الجولان نهائيا لإسرائيل من جهة وعلى الاستعانة بالروسي والإيراني من جهة أخرى. يحدث كلّ ذلك من أجل البقاء في السلطة ولا شيء غير ذلك. إنّها السلطة العارية من أيّ شرعية من أيّ نوع، خصوصا أن الانقلابات العسكرية لم تكن يوما أساسا صالحا لأيّ شرعية في أيّ بلد من بلدان العالم.

قبض حافظ الأسد ثمن تسليم الجولان إلى إسرائيل في العام 1967 عندما كان وزيرا للدفاع. ليست معروفة، إلى اللحظة، الظروف التي أدّت إلى احتلال إسرائيل للجولان بسرعة البرق، خصوصا بعد صدور أوامر للجيش السوري بالانسحاب من الهضبة بكل الوسائل المتاحة. هذا ما حصل بالفعل وذلك قبل أن يصل الإسرائيليون إلى الهضبة.

لم تحصل وقتذاك أيّ مقاومة. ارتدى الجنود والضباط السوريون ملابس مدنية وخرجوا من الجولان بالتي هي أحسن على الرغم من أن الموقع الطبيعي للهضبة والتحصينات المقامة فيها، كانت تسمح بالمواجهة، إضافة إلى أن الاندفاع والوطنية والشجاعة والاستعداد للتضحية لم تكن تنقص العسكري السوري في تلك الأيّام.

في كلّ الأحوال، بعد تسليمه الجولان في العام 1967، صار سهلا على حافظ الأسد احتكار السلطة في العام 1970، خصوصا بعدما تبيّن أن خصومه هواة من المنتمين إلى اليسار الطفولي في حزب اسمه حزب البعث. لم يكن هذا الحزب بفكره المتخلّف سوى مطيّة لمجموعة من الانتهازيين الذين قضوا على كلّ ما هو حضاري في سوريا، بما في ذلك الحياة السياسية الطبيعية فيها.

سنبقى في الجولان بقاء بشار في دمشق

سمح تسليم الجولان لإسرائيل، بطريقة حبيّة، لحافظ الأسد بحكم سوريا بطريقة مطلقة ثلاثين عاما بالتمام والكمال. سعى إلى اكتساب شرعية لنظامه غير الشرعي في العام 1973 عندما شارك أنور السادات في شنّ “حرب تشرين” أو “حرب أكتوبر” في التعبير المصري.

في حين استطاع أنور السادات توظيف “حرب أكتوبر” في استعادة سيناء، بما في ذلك حقول النفط والغاز فيها، بقي الجولان المحتلّ الهمّ الأخير لحافظ الأسد الذي فضّل المتاجرة بالهضبة المحتلّة على أيّ شيء آخر. توصّل إلى اتفاق فكّ الارتباط مع إسرائيل في العام 1974 وانطلق من ذلك في اتجاه السيطرة على لبنان مستغلا الوجود الفلسطيني المسلّح فيه وبداية ظهور ميليشيات مسيحية معادية لهذا الوجود في ظلّ رئيس للجمهورية، هو سليمان فرنجية الجدّ، لا يعرف شيئا عن المعادلات الإقليمية وتعقيدات المنطقة.

كان الجولان المحتلّ رأسمال حافظ الأسد. كانت إسرائيل تعرف ذلك تماما لذلك لم تقدم يوما على خطوة جديّة يشتمّ منها أيّ عداء لنظامه. في المقابل، لم يبق أمام بشار الأسد من رأسمال سوى تسليم الجولان نظرا إلى أنّه لم يعد ورقة مساومة لديه في اللعبة الإقليمية التي خرج منها.

كانت بداية النهاية للنظام السوري خروجه من لبنان بالطريقة التي خرج بها في نيسان ـ أبريل من العام 2005. ضاقت أمامه كلّ الخيارات، خصوصا بعدما أكّد السوريون بأكثريتهم الساحقة أن ليس في استطاعتهم القبول بنظام لا يتقن سوى الابتزاز ولعبة الإرهاب مع الخارج ومع جيرانه من جهة وقمع شعبه في الداخل وإفقاره من جهة أخرى.

كان خطاب بشّار الأسد في مجلس الشعب بداية لمرحلة جديدة تقوم على تناسي وجود الجولان المحتل. ليس صدفة أن يلقي رئيس النظام السوري خطابه، أمام مجموعة من النوّاب المهرّجين، فيما بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يؤدي زيارة لموسكو في مناسبة مرور ربع قرن على إعادة العلاقات الديبلوماسية بين روسيا الحالية (الاتحاد السوفياتي سابقا) وإسرائيل.

ألقى الأسد الابن خطابه الذي اعتبر فيه الشعب السوري مجموعة “إرهابيين” مؤكّدا أنّه سينتصر عليهم، بينما كان فلاديمير بوتين يقدّم لـ”بيبي” ما يمكن وصفه بالرمز الجديد للعلاقات الوثيقة بين روسيا وإسرائيل على حساب كل الاعتبارات الأخرى ذات الطابع الإقليمي.

كان هذا الرمز دبابة إسرائيلية غنمتها القوات السورية في معركة بين الجانبين في بلدة السلطان يعقوب في البقاع اللبناني. كان ذلك في العام 1982 في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان الذي كشف حجم التواطؤ بين النظام السوري وإسرائيل ووجود اتفاقات كان على الجانب الإسرائيلي احترامها، بما في ذلك عدم تجاوز خطوط معيّنة. وكان أن التزمت إسرائيل تلك الخطوط بدقّة متناهية في مرحلة ما بعد معركة السلطان يعقوب التي سقط فيها قتلى إسرائيليون، بينهم ثلاثة جنود ما زالت جثثهم مفقودة. ستكون الدبابة الإسرائيلية بمثابة مزار لعائلات هؤلاء الجنود تعويضا عن فقدان العسكريين الثلاثة.

سلّم بوتين الدبابة إلى نتانياهو، علما أنّها هدية سورية كان يجب أن تبقى في متحف روسي خاص بمثل هذا النوع من الهدايا. لكنّ موسكو فضّلت إعادة الدبابة إلى أصحابها لتأكيد عمق العلاقة الجديدة بين روسيا وإسرائيل، فضلا عن طبيعة التعاون القائم بين الجانبين في سوريا.

بات هذا التعاون الجديد الروسي ـ الإسرائيلي في سوريا جديد التطورات في هذا البلد حيث يرفع النظام المتحالف مع ايران وذراعه اللبنانية ، أي “حزب الله”، شعاري “المقاومة” و”الممانعة”.

هل لا يزال في الإمكان الحديث عن “مقاومة” و”ممانعة” بعد انكشاف حقيقة العلاقة الروسية ـ الإسرائيلية وبعدما تبيّن بكلّ وضوح أن هناك وظيفة جديدة للجولان. تتمثّل هذه الوظيفة في عدم لعب إسرائيل أيّ دور في سوريا خارج التفاهم مع روسيا والتنسيق معها، ما دام مصير الهضبة صار معروفا. إلى إشعار آخر، تبدو موسكو متمسكة ببقاء بشّار الأسد في دمشق إلى أن يأتي اليوم الذي تجد فيه الصفقة المناسبة التي تسمح لها بالمقايضة على رأسه، في مقابل الثمن المناسب.

جديد سوريا كان الجولان. كشف الخطاب الأخير لبشار أن الجولان لم يعد سوى ورقة تصلح لإقناع إسرائيل بدعم النظام أو باتخاذ موقف محايد منه. الواقع أن إسرائيل حصلت على ما تريد بعدما عقد “بيبي” مجلس الوزراء في الهضبة المحتلة قبل بضعة أسابيع وبعدما اطمأنّ إلى أنه لن تقوم لسوريا قيامة في يوم من الأيّام ما دام بشّار موجودا في دمشق.

من حافظ الأسد، إلى بشّار الأسد، تغيّرت وظيفة الجولان. هل التخلي عن الهضبة كاف لبقاء النظام، ولو على جزء من الأرض السورية؟ من الصعب تصوّر ذلك. لو كان النظام الأقلّوي قادرا على الاستمرار، لما كانت إيران قبلت بأن يكون لها شريك في قصر المهاجرين. كانت تريد أن يبقى بشّار تحت وصايتها وحدها. لم تعد هذه الوصاية حكرا عليها، بل صار فلاديمير بوتين يمتلك في سوريا من النفوذ ما يجعل هديته السورية لإسرائيل حدثا أقلّ من عادي، خصوصا لدى المتشدّقين بـ”المقاومة” و”الممانعة”!

إعلامي لبناني

العرب

 

الأسد في القاعة الساحرة/ ساطع نور الدين

خطاب الرئيس السوري بشار الاسد، أمس، في افتتاح الدور التشريعي الاول لمجلس الشعب الجديد، والذي نقلته على الهواء مباشرة ثلاث محطات تلفزيونية لبنانية، أعاد الى الذاكرة جلسة ممتعة من أواخر سبعينات القرن الماضي، تخللها عرض صور جميلة عن ذلك المبنى العريق، وتلك القاعة التي كانت وستظل تعتبر بحق تحفة فنية سورية ومشرقية لا تضاهيها قاعة أي من برلمانات العالم.

كان الرئيس الراحل حافظ الاسد واقفاً في المكان الذي يقف فيه إبنه. وكان لبنان كله يتابع الخطاب التاريخي الذي جاء بعد أول محاولة إنقلاب في دمشق، وبعد آخر محاولة ثورة في بيروت. الصدفة وحدها أتت بالراحل الكبير منح الصلح الى واحدة من جلسات المشاهدة التلفزيونية المغلقة في العاصمة اللبنانية، ولم يكن قد تبقى من الخطاب سوى فقراته الاخيرة التي كانت كالعادة تختصر الموقف الأبرز وتحمل الرسالة الأهم. المجاملة فقط استدعت سؤال منح بيك عن الخطاب، الذي لم يكن يتابعه طبعاً، وكان يستغرب (أو يستهزىء) الاهتمام به الى هذا الحد.

يومها، ختم الاسد الخطاب بقبضتيه المتماسكتين المرفوعتين، ولم يكن البيك قد اختتم الجواب المستفيض. ضاع الموقف المنتظر على أحرّ من الجمر، وتبددت الرسالة الموجهة يومها الى السوريين واللبنانيين على حد سواء.  لكن محاضرة البيك، او بالاحرى مقاطعته للخطاب، لم تذهب سدى ولم تسقط من الذاكرة، بل تحولت مع الايام الى معيار أولي للحكم على الحياة البرلمانية في اي بلد كان.

كان المبنى نفسه هو عنوان المحاضرة، وكانت القاعة التي وقف فيها الاسد الاب، والابن، هي مادتها: هو واحد من أهم وأبرز مباني دمشق الرسمية القديمة التي شيدها الانتداب الفرنسي في عشرينات القرن الماضي في عهد الجمهورية السورية الاولى (وقد أدرج لاحقا على لائحة التراث العالمي). طال الشرح وامتد من الرئيس الاول للجمهورية الى الرئيس الاول للبرلمان السوري، الى القصف الفرنسي المباشر للمبنى الى الحريق المتعمد الذي أشعلته في داخله الفرقة السنغالية الفرنسية، والى الشهداء السوريين الـ32 الذين سقطوا دفاعاً عن المبنى.. وصولاً الى “البعث” الذي تولى في وقت واحد توسيع ذلك المعلَم المعماري والسياسي المهم، وإفراغه من محتواه ومن دوره التشريعي الذي نُقل الى المحافل الحزبية.

أما قاعة “القبة” التي تنعقد فيها الجلسات العامة، فقد إستحقت شرحاً مطولاً إمتد الى ما بعد وقوف اعضاء مجلس الشعب مصفقين للاسد الأب يومها. فهي ذروة الإبداع في فن الهندسة الداخلية الدمشقية، وهي ذروة الدهاء في السياسة البعثية السورية، حيث يقف الرئيس خلف منبر متواضع كأنه على منصة شهود في محكمة، خلفه قضاة، رئيس المجلس ونائبه وأكبر الاعضاء سناً، ويحيط به من كل جانب، البرلمانيون الذين وضعت مقاعدهم على مدرجات مرتفعة حتى عن منبر الرئيس نفسه، وموزعة، بحسب الفرز الدقيق لنتائج الانتخابات، بين الموالاة والمعارضة، وحتى المستقلين.

لكن العلامة المميزة والباهرة فعلاً لتلك القاعة، بحسب رواية البيك، اللامبالية في حينه بخطاب الاسد الأب، وبحسب مشاهد النقل المباشر لخطاب نجله بشار، كانت وستبقى تلك الزخرفة الخشبية التي تغطي سقف القاعة وجدرانها ومقاعدها وطاولاتها وبواباتها، والتي أنجزتها أنامل فنان دمشقي ساحر، هو محمد علي الخياط الذي وضع لمساته على معظم قصور سوريا ومبانيها الجميلة، والذي يصنف واحداً من أهم فناني الزخرفة في العالم.

… بالأمس، بدت القاعة ضيقة بعض الشيء على الرئيس والبرلمانيين الجدد، لكنها كانت مشرقة كالعادة بزخرفتها الرائعة، التي تخفف من صدى التصفيق الحاد المتكرر، لخطاب لا يختلف في لغته ولا في نبرته ولا في وجهته، عن ذاك الذي ألقاه الاسد الاب في مثل هذه الايام، قبل نحو أربعين عاماً.

المدن

 

 

 

 

“ديبلوماسية الأزعر”/ زهير قصيباتي

لم تكن موسكو في حاجة فعلية إلى إعلان حلب خطاً أحمر، لن تسمح لأنقرة ولا للفصائل السورية المعارِضة بإسقاطه. فغارات الطيران الحربي الروسي خلال الأيام الأخيرة رسالة صارخة عنوانها أن لا عودة عن دعم نظام الرئيس بشار الأسد. وإذ بدا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف واثقاً من هامش التحرك العسكري الأميركي في سورية بحيث لا يتجاوز قصف أهداف «داعش»، لم يرَ ما يحرج الأميركيين في إطلاقه وعداً بعدم السماح بانهيار ما بقي من سلطة للنظام وجيشه في حلب ومحيطها.

لا مفاجأة لواشنطن، يؤكد لافروف، ثم يلتقط الأسد الرسالة، ليصرّ بعد ساعات على «تحرير كل شبر من سورية، من الإرهاب»، وهو في قاموس النظام يعني أولاً «الخونة» المعارضين كما يعني «داعش» و «جبهة النصرة». وواضح أن الأسد في خطابه أمام برلمان انتُخِب في «مناطق النظام»، كان حريصاً على ثلاث رسائل:

– الأولى موجّهة إلى الروس مجدداً، وفحواها أن «الانتصارات» التي تحققت بمساعدتهم خصوصاً، تستكمل بسحق كل مَن يرفع السلاح، علماً أن مطلب التمييز بين فصائل معتدلة وأخرى «إرهابية»، يتقدّم ويتوارى تبعاً لإيقاع الكرملين في إدارة ملف مسار جنيف التفاوضي.

– الثانية التشديد على نفي وجود اختلافات بين النظام وحليفيه الروسي والإيراني، فيما المرجّح أن المقصود بالدرجة الأولى هو موسكو التي كانت دمشق نفت طرحها مشروع مسودة لدستور سوري جديد. ولم ينسَ الأسد في خطابه الذي نوّه بوقوف الثلاثي الروسي- الإيراني- الصيني معه «لنصرة المظلوم»، أن يخص «المقاومة الوطنية اللبنانية» بتقدير لدورها في الحرب مع «الإرهاب» ولمكافحته.

– الرسالة الثالثة ربما أراد منها الرئيس السوري الشماتة بنظيره التركي رجب طيب أردوغان الذي تهزّ بلاده التفجيرات، فيما تواجه أزمة ثقة مع الأميركيين وأزمة «استعداء» للروس، وثالثة مع الأوروبيين المرتابين إزاء نيات «السلطان» وأهدافه.

تشجَّع الأسد بوعد لافروف الذي يعني عدم السماح بإسقاط حلب في قبضة «السلطان»، وفيما الرئيس السوري مطمئن أيضاً إلى عدم تجاوز الأميركيين خط تمرين العضلات مع «داعش» وحده، تحدى «السفّاح أردوغان» أن يخوض معركة فاصلة في حلب، مستفزّاً إياه بأوصاف مثل «البلطجي الأزعر».

«ديبلوماسية» الأزعر لغة جديدة سهّلتها تعقيدات متاعب يواجهها أردوغان في الداخل والخارج، وإن كان بعضها نتيجة قراءات خاطئة لأحداث استثنائية في ذروة صراعات إقليمية، فالأكيد أن مواجهة الحلف الروسي- الإيراني- السوري- العراقي أكبر بكثير من تنافُس على النفوذ تخوضه تركيا منفردة ضد أركانه.

وبعيداً من «ديبلوماسية» الحملة على «البلطجي والإخونجي» التي استخدمها الأسد في تحدّي «السلطان» ونظامه «الفاشي»، لا يبدو حديثه عن «العملية السياسية» سوى مجرد استجابة لفظية لرغبة الروس، بينما لا يرى مفاوضاً للطرف الآخر في جنيف. فهل مبالغة القول أن قطار جنيف لن يقلع، وهو بلا عربات أصلاً؟

لا مبالغة كذلك في تلمُّس محاولات الروس صوغ نظام آخر في دمشق، يستطيعون حمايته، وإن عنى الأمر «تكييف» صلاحيات الرئيس بدستور جديد يتيح للمعارضة «المدجّنة» ادعاء شراكة في الحكم. وربما عبّر الخطاب عن رفض متجدّد لأي محاولة لتقليص صلاحيات الرئيس، غلّفه الأسد برفض مشاريع الخارج.

والكرملين في سعيه إلى «اختراع» نظام متكيّف في دمشق، ألا يسعى إلى تكرار نسخة من الوصاية الإيرانية على بغداد، ولو معدّلة؟… هجينة في العراق، مهجّنة في سورية؟

من شؤون الحلف الرباعي، أن تجدد طهران عرضها تحويل «الحشد الشعبي» الشيعي في العراق، المتهم بالتنكيل ببعض السنّة، إلى «حرس ثوري» آخر سيكون القبضة الحديد التي تستتبع حتماً مرشداً لبلاد الرافدين، يحكم في رعاية خامنئي.

تلك مجرد محطات في المسار الدموي على أرض سورية والعراق… قتل وإبادة، إرهاب ومجاعة، حشود مشرّدين و «حشود» إيرانية الهوى ما زال «داعش» يقدّم لها الهدايا المجانية.

يخطب الأسد في البرلمان مطمئناً إلى دور الروس في شطب وطنية المعارضة ودور الأميركيين في تكييف مسرح المواجهة مع «داعش». لم يحِن بعد أوان الصفقات ولا رسم الخرائط، وكلما طالت فصول التدمير والمجازر، تضخّم رهان «المستشار» الإيراني على الوصاية الناجزة بين دجلة والفرات. وأما الأطراف بالنسبة إليه، فما عليها إلا أن تتريّث، أو تدفع فاتورة مشاكسة «إمبراطورية» الحلف الرباعي الطامحة إلى رسم ملامح نظام عالمي مختلف.

ومرة أخرى، قد يجوز تفسير مآسي السوريين والعراقيين بالتقاء مصالح ديكتاتورية غبية وطموحات تكاد تكون انتحارية، لولا القرار الأميركي بإخلاء المسرح والتصفيق للضحايا.

الحياة

 

 

 

 

دبابة السلطان يعقوب ودويلة الأسد/ حسان حيدر

لم تقتصر الملفات التي تناولتها زيارة نتانياهو الى موسكو على تقييم المرحلة المتقدمة التي بلغتها العلاقات الثنائية والرغبة في تعميقها، بل تخطتها خصوصاً الى الملف السوري، حيث قدم بوتين تعهدات وضمانات لطمأنة ضيفه الى أن «سورية الأسد» التي ترعاها موسكو وتدعم استمرارها، على رغم انحسارها الى دويلة، ملتزمة تماماً أمن إسرائيل ومستعدة لشطب كل تاريخ العداء لها، بعدما كان الأسد مضطراً الى تبنيه شكلاً في ظل سورية الموحدة، ويلعب عليه لتبرير تدخلاته العنيفة في الشأنين الفلسطيني واللبناني وابتزاز باقي العرب.

وكان التعبير الرمزي عن هذه الضمانات جاء في قرار بوتين إعادة دبابة إسرائيلية غنمها جنود سوريون في معركة بمنطقة السلطان يعقوب اللبنانية خلال الأيام الأولى من الغزو الإسرائيلي في 1982، من دون أن يصدر عن دمشق أو حلفائها، وبالأخص «حزب الله» وإيران، أي تعليق أو تعقيب، وكأن الأمر يخص موسكو وحدها، بعدما نقلت إليها الدبابة لعرضها في متحف عسكري.

لكنّ في إعادة الدبابة معانيَ أخرى، بينها أن بوتين الذي حصل على اعتراف واضح من الأميركيين بشرعية «حصته» في سورية، ينظر الى هذا البلد، نظاماً وجيشاً وشعباً، نظرة استعلاء تنكر عليهم أي دور يخرج عن التبعية المطلقة، أو مجرد التفكير فيه، ساعياً الى دفن أي ذكرى مرتبطة بالحقبة السوفياتية التي يفضل القفز فوقها في إطار توقه الى إحياء روسيا القيصرية.

فهو يتصرف على أساس انه تدخل عسكرياً في سورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في مقابل تسليم كامل بقيادته للمعركة التي يشنها لأهداف ذاتية ضد باقي الأطراف جميعاً من دون تفريق. وحرص منذ «استدعائه» الاسد الى موسكو على جعل هذا المعطى واضحاً في أذهان الجميع، فهو الذي يقرر مواعيد التدخل ووسائله، ومتى يرسل طيرانه وينشر جنوده، وهو وحده الذي يملك أمر تخفيف هذه القوات أو تعزيزها، ولا يعبأ حتى شكلاً في إشراك حاكم دمشق في قراراته، لأنه يعلم أساساً أن النظام الأسدي منذ قيامه قبل 45 عاماً يفعل الشيء نفسه مع شعبه، وأن روسيا تشكل خشبة الخلاص الأخيرة التي تبقي هذا النظام على قيد الحياة.

ويعتقد بوتين أن أحد الشروط الرئيسة لاستمرار «الدويلة الأسدية» تخلصها من الحاجة الى التلطي وراء شعارات القومية ومحاربة إسرائيل، لأنها بذلك تستطيع أن تلتف على مقاطعة الأميركيين والأوروبيين وتحافظ على رضى الإسرائيليين الذين يترجمونه رفضاً قاطعاً لاستبدال النظام. وبكلام آخر عمل بوتين على تمديد اتفاق الدعم المتبادل بين إسرائيل ونظام الأسد الذي صاغته الولايات المتحدة، لكن برعاية موسكو هذه المرة.

وفي مقابل «حق التصرف» الروسي هذا، يستطيع بشار الأسد أن يواصل تحدي شعبه أولاً، والعالم كله ثانياً، وادعاء أنه لا يزال ممسكاً بالأوضاع في سورية، فيستعرض عضلاته أمام «مجلس المصفقين» الذي عينه أخيراً، ويكرر بهوراته عن «تحرير كل شبر» من سورية. لكن اللافت أنه لم يذكر إسرائيل ولو مرة واحدة في خطابه، وكأنها لا تحتل الجولان ولا تنتهك سيادة بلده تكراراً وليس بينه وبينها «صراع وجود» طالما تشدّق به. وفي ذلك ما يُسّر بوتين ونتانياهو اللذين كانا اثناء إلقائه كلمته يتبادلان الأنخاب في الكرملين.

الحياة

 

 

 

 

عن «حصة الأسد» للأسد والباقي… تقسيم/ عادل مالك

في الكتابة التحليلية عما يجري في سورية بعد ما يقرب من ست سنوات من الحروب على اختلافها، هناك من يفضل التزام الحد الأدنى من الموضوعية والحياد لكن يخشى أن يؤخذ بجريمة الفكر، على رغم هذه الأجواء البركانية السائدة من المحيط إلى المحيط ومن الخليج إلى الخليج.

ويبقى أن الأمر محاولة موضوعية مع احتمال الوقوع في الخطأ، مقابل اجتهادات أخرى تنطوي على بعض النسبية من الصحة.

بعد انقضاء هذا الوقت الطويل من اشتعال الجبهات وتعدد أطراف المشاركين أصبح بالإمكان التحدث عن «الحال السورية». ومع تقادم الزمن يتزامن طرح الكثير من علامات الاستفهام والتعجب!؟

وبعض الأمثلة والشواهد كثيرة وشديدة التعقيد: من يقاتل من؟ ومن يتحالف مع من؟ ومن يتآمر مع من؟ في السر أو العلانية أو خلف الكواليس؟

وجديد الوضع هو قديمه. آخر الوسطاء الأمميين كان قبل الوسيط الحالي ستيفان دي ميستورا الديبلوماسي الجزائري «المعتق» الأخضر الإبراهيمي، والذي أسقط في يده بعدما استنفد كل المحاولات لإحداث اختراق في جدار الحرب المستعرة. سئل الإبراهيمي أخيراً: ما تقديرك لما ستؤول إليه الأوضاع؟ أجاب: أخشى ما أخشاه «صوملة» سورية.

إننا نسوق هذا الكلام ليس من قبيل تظهير الوضع المأسوي في سورية، بقدر ما هو للتوقف عند ملامح الأوضاع الآتية على بلاد الشام ودول الجوار المشتعلة بدورها، وللحديث عن فشل جميع المحاولات التي بذلت لوقف أتون الحرب الذي لا ولن تقتصر حدود اشتعاله على جغرافيا محددة، ولبنان ليس ببعيد عن مآسي تواصل الحروب الضارية، بين بلدان أخرى يزحف إليها الصراع في مختلف أبعاده.

وسنعرض لآخر المستجدات السورية وتوابعها وفق التبويب التالي:

أولاً: كلما تزايد الكلام عن تقدم الحل السياسي ازداد القتال تأجيجاً، ما يؤكد أن لا جدوى من التوصل إلى حل سياسي بعد كل تعقيدات هذه الحرب والنتائج الممتدة لخمس سنوات ويزيد. وقد ظهر الرئيس بشار الأسد قبل أيام أمام مجلس الشعب (الجديد) طارحاً عرضه للسلام، وبدا وكأن تصوره للحل يختلف كلياً عن «الحل الدولي المقترح» لإنهاء الأزمة.

لقد ظهر الرجل وكأنه ما زال يمسك بزمام المبادرة في مسألة الحرب والسلام، وظهر بوضوح وجلاء الاختلاف البين في الطروحات السلمية المتداولة.

كذلك بدا واضحاً الاختلاف في تبويب الأولويات، فالمعارضات السورية تريد الدخول مباشرة في محادثات تسلم السلطة القادمة، فيما أجندة الأسد تدعو إلى إنهاء الإرهاب أولاً، ثم العمل على تأليف حكومة وحدة وطنية تضم سائر الأطياف. وهذا التباعد لا ينبئ بالتوصل إلى أي حل، ما يؤكد بوضوح أن الحروب في سورية مستمرة.

ثانياً: إن استمرار الاختلاف في سلم أولويات الحل يؤشر إلى المزيد في تصاعد الأعمال العسكرية، سواء من جانب الجيش السوري مدعوماً من الطائرات العسكرية الروسية، أو الأفرقاء والمعارضين من «داعش» إلى «جبهة النصرة» وما يعادلهما.

إن «توقف» مسار جنيف يمثل إشارة واضحة لتعثر المحادثات، واستناداً إلى معلومات لمصادر مواكبة للوضع السوري، فالحل ما زال بعيد المنال وسط المعطيات القائمة. وتؤكد هذه المصادر لــ»الحياة» أن المحادثات السياسية في جنيف أو في فيينا ليست إلا غطاء لاستمرار القتال والمزيد من فصول النزاع المدمر.

ثالثاً: هناك الكثير من علامات الاستفهام حول حقيقة المواقف الأميركية والروسية حيال تواصل الأزمة، ويبدو التباعد بين الموقفين واضحاً.

فالرئيس فلاديمير بوتين ماضٍ في استغلال عدم قدرة أو عدم رغبة الرئيس باراك أوباما التورط العسكري وهو يوضب حقائبه لمغادرة البيت الأبيض بعد الانتخابات الرئاسية المقرر أن تجرى في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

رابعاً: استناداً إلى المعطيات المتوافرة تبدو المشهدية السورية على الشكل التالي: النظام بقيادة الأسد لم يتمكن من استرداد المواقع التي خسرها في القتال مع كافة أنواع المعارضات والجنسيات المتعددة التي تشارك في الحرب. وفي المقابل لم تتمكن القوى الأخرى المسلحة من السيطرة على كامل أرجاء التراب السوري. وحيال إصرار كل فريق على موقفه يتجه الحل إلى الآتي:

لأن الرئيس الأسد لم ولن يتمكن من استعادة السيطرة على الجغرافية السورية فسيكتفي بالبقاء ضمن حدود جغرافية معينة محددة الأعراق والطوائف والمذاهب. أما الجواب الآخر الخطير فيتمثل في أن عديد الدراسات التي قدمت للأمم المتحدة والتي حملها دي ميستورا تؤكد أن الأقسام الخارجة عن سلطة الأسد ستكون موضع نزاع بين مختلف الأطراف المتقاتلة، ما يعني عملياً استمرار النزيف السوري الحاد، وأيضاً اتجاه سورية نحو «تقسيم ما» جغرافي وعرقي ومذهبي.

وفي سياق متصل لوحظ في الآونة الأخيرة ظهور أطراف مقاتلة كالفريق الكردي مثلاً، والذي يقاتل بشراسة مدعوماً من بعض الجهات الدولية وفي طليعتها الولايات المتحدة. وتكمن خطورة هذا التطور أن ذاك الفريق الذي يقاتل بشراسة تحت مسمى القوى الديموقراطية، يعمل بموجب مبدأ: قاتلوا… واحتلوا الأراضي التي تتمكنون من تحريرها.

وهذا يعني التوصل إلى المشهدية التالية: حصة الأسد ستقتصر على مناطق نفوذ النظام حالياً وقاعدتها العسكرية الروسية في الحميميم، وتضم إليها بعض المناطق المجاورة. لكن ماذا عن الباقي من الأراضي السورية!

وثمة من يشير إلى أن وحدة سورية لا يمكن العودة إلى ما كانت عليه، ويبقى «التقسيم» لا بوصفه الحل المفضل، بل الحل المتاح المتمثل في المعطيات القائمة حالياً.

وهذا يعني استطراداً أن «حصة الأسد» تذهب للأسد، أما الباقي من الجغرافيا السورية فموضع «تناتش» من جانب القوات المعارضة أو المعترضة على البقاء في ظل الأسد.

قد تبدو هذه الصورة غير مقنعة لبعض المراهنين على التطورات في سورية، ولكن لا يكفي نفي قيام التقسيم حتى لا يحصل. كذلك فهذا «التقسيم» ليس «الحل الأفضل»، بل على العكس هو «أبغض الحلال»، لكنه الحل المتاح حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

وهناك أمر مريب يتصل بالعلاقات الروسية – الأميركية حيال سورية. فهناك العديد من القرائن الحسية على «تفاهم ضمني» حتى لا نسمي ذلك «تواطؤاً» ينتزع فيه المكاسبَ اللاعب الروسي بوتين عبر عسكره وعبر ديبلوماسيته المتمثلة بوزير الخارجية سيرغي لافروف.

وهنا يلاحظ أن «القيصر الروسي» يلعب بمهارة على المسرح السوري الدامي وهو يعلم أن الرئيس أوباما أصبح كـ»البطة العرجاء» قبل رحيله عن البيت الأبيض بعد شهور فقط.

ويعلم بوتين أن أوباما لم يعد يريد حرق أصابعه في النار الشرق أوسطية وبخاصة بعد العراق. وعلى رغم ذلك هناك معلومات تؤكد وجود بعض «التقنيين الأميركيين» ممن يعرّف عنهم بالمستشارين الذين يقدمون الخدمات للعمليات العسكرية في سورية والعراق. وقد كشفت فرنسا خلال الساعات الماضية عن وجود قوات فرنسية في الداخل السوري يقتصر دورها على «تقديم الاستشارات» على حد تعبير مصادر باريس.

وفي المحصلة الأخيرة لا بد من التوكيد على النقاط الرئيسية التالية:

لا يكفي تطوع بعض الأصوات التي تؤكد في شكل قاطع «عدم تقسيم سورية» كي لا يقع التقسيم، وفي الرد على هذا المعطى نقول أننا لا نسوق لتقسيم سورية، أو إعطاء الانطباع بأنه الحل الأفضل، لكن استمرار الحرب والعمليات العسكرية خمس سنوات أدى إلى بروز واقع جديد لم يعد معه ممكناً تعايش سائر الأفرقاء في حدود واحدة موحدة.

والنتيجة: ما كتب لسورية قد كتب!

ومن هذا المعطى يذهب الأخضر الإبراهيمي إلى توقع سقوط سورية في «الصوملة» وفق المخطط التالي: يبقي نظام الأسد سيطرة ولو جزئية على ما تبقى لديه من واقع جغرافي محدد، وتقدم روسيا له الدعم العسكري والسياسي. أما سائر المناطق فتبقى عرضه للاقتتال بين أكثر من طرف. وحدث خلال الأيام الأخيرة أن خاضت القوى الكردية قتالاً مع «داعش» و»النصرة»، حيث تقتضي «الخطة» سيطرة الأكراد على الأراضي التي يحررونها من «العناصر الإرهابية».

لقد أظهر التباين في سلم الأولويات واقعاً تقسيمياً واضحاً: الأسد في اللاذقية ودير الزور والعاصمة دمشق، فيما سائر المناطق لمن ستكتب له الغلبة في القتال الضاري والمشتعل.

فالكلام عن فيلم أميركي روسي طويل ليس ببدعة بل هو حقيقة واقعة. وبناء على ما تقدم فأي قرار فعلي يتصل بمسار «الحال السورية» سيكون حصراً بين طهران وواشنطن وموسكو والبقية تأتي.

وهكذا فمصائر شعوب المنطقة رهن تضارب وتقاطع المصالح سواء في الإقليم أو في عواصم القرار الأخرى.

والصورة الماثلة أمامنا تقول: سيبقى الرئيس الأسد على رأس «سورية ما» فيما يستمر الصراع المصلحي على كل ما عداه، وسيتولى «تنظيم الدولة» والنصرة» ما تبقى.

لقد بدأت الأحداث في سورية بشكل محدد وتطورت إلى أشكال شديدة التعقيد، وسوف تنتهي البراكين بشكل آخر يختلف عن سائر الطروحات التي أظهرتها هذه الحرب الضروس.

ولا يمكن ختام المقال من دون التعرض إلى التداعيات الإقليمية والدولية التي أسفرت عنها النيران السورية المشتعلة، وللحديث ولو بشكل خاطف عن حروب الإحالة وحروب الوكالة. وهذا سياق متصل لا بد فيه من التوقف عند اجتماع طهران الذي ضم إيران وسورية وروسيا، وهذا موقف شديد الوضوح بتعقيداته وتداعياته المرتقبة نظراً للأدوار المحورية التي تتحكم بأزمة حل الأزمة السورية. وفي هذا المجال، قال أوباما في توصيفه للوضع: «إن ما يجري في سورية حرب أهلية في جانب وحرب بالوكالة في جانب آخر». صدق أوباما هذه المرة… وعليه يبقى أن أي تعديل أو تبديل في مسار الحرب سيكون في إيران وروسيا، وباقي التفاصيل تأتي لاحقاً.

*إعلامي لبناني

الحياة

 

 

 

أومليت الأسد وبيضة / راجح الخوري

لا بد من ان يكون فلاديمير بوتين قد استلقى على ظهره من الضحك عندما قرأ كلمات بنيامين نتنياهو في خلال لقائه مع قادة الطائفة اليهودية في روسيا، بعدما سُئل عن مستقبل الوضع في سوريا، فقال: “لست أدري اذا كان من الممكن إعادة الأومليت السوري الى البيضة، اذا كنتم تسألون ما مستقبل العلاقات مع الأسد، فأنا أسأل ما هو مستقبل الأسد، إن مصيره مسألة ثانوية”!

فعلاً كيف يمكن أعادة الأومليت السوري الى البيضة؟

الاسد أخذ نفساً مما يجري في منبج على أيدي الأميركيين، وفي الطبقة على الطريق الى الرقة على أيدي الروس، جعله في خطابه الأخير يقول إنه سيحرر سوريا شبراً شبراً، أي انه سيعيد الأومليت الى بيضة النظام، ولكن لا بوتين ولا نتنياهو ولا حتى حلفاءه الإيرانيين يظنون ان في الوسع اعادة الزمن السوري خمسة أعوام الى الوراء!

لقد صنع الأسد أكبر أومليت في التاريخ الحديث، كسر ويكسر كثيراً من البيض السوري الذي ليس من الممكن أعادته كما كان، وبوتين لا يحتاج الى رأي نتنياهو في ان الدول التي حول اسرائيل، وسوريا في مقدمها، تتفكك، وان مصير الأسد مسألة ثانوية. هو يعرف ذلك والإيرانيون بكثير من الإمتعاض والمرارة يعرفون ذلك ايضاً، ولا بد ان يكون وزير الدفاع الروسي قد تلقى سيلاً من الأسئلة التي طرحها عليه نده الإيراني يوم الخميس، والتي تتركز على قول بوتين بعد لقائه نتنياهو كلاماً يثير القشعريرة في طهران: “إن اسرائيل تحارب الإرهاب وهي وروسيا حليفان من هذا المنظور”!

لكن اسرائيل تحارب ايران كما تقول وتواصل عملياتها العدوانية ضد “حزب الله” الذي حاولت طهران دفعه الى توسيع جبهة الجنوب لتشمل الجولان، فمن أين يجد بوتين دوراً لها في محاربة الإرهاب؟

إنه الأومليت السياسي في المواقف المتناقضة جذرياً بين حلفاء الأسد، وخصوصاً عندما نتذكر أن زيارة نتنياهو الثالثة لموسكو في خريف العام الماضي جاءت بعد محاولات تحريك جبهة الجولان، حيث شنّت اسرائيل غاراتها بمعرفة موسكو وتنسيق معها، وبعد ذلك جرى تبريد الجبهة. وفي السياق يقول عاموس جلعاد إن ايران وميليشياتها والمقصود “حزب الله” انتقلت الى الحرب في جبهات الشمال، بما يوحي ان موسكو رتّبت الأمر الذي من شأنه زيادة دفع الإيرانيين الى الزاوية!

هل كان نتنياهو ليضع إصبعه في عين بوتين ويعلن بعد المحادثات بينهما ان مسألة مصير الأسد هي مسألة ثانوية وان اسرائيل لا تتدخل فيها لو لم تكن المحادثات بينهما تسمح بذلك، ولو جاء الأمر مناقضاً للإعلانات الروسية عن بقاء الأسد، الذي صنع اومليت لا يستطيع بوتين أعادتها الى البيضة!

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...