الرئيسية / صفحات العالم / عن “داعش” مقالات مختارة

عن “داعش” مقالات مختارة

 

نحن في الصحراء وحدنا … هذه هي “الدولة الإسلاميّة”/ حازم الامين

حتى الآن لم تلحق بـ «داعش» هزيمة واحدة في المدن الرئيسية التي تمدد إليها في العراق وفي سورية. هزيمة كوباني هو بصدد تعويضها الآن، وهزيمة تكريت لا قيمة لها باستثناء مساعي الحكومة العراقية لتصويرها فاتحة هزائم التنظيم على يد «الحشد».

لا إرادة دولية صارمة تهدف إلى تقويض التنظيم الإرهابي، والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركي غير منخرط على نحو فعال في الحرب على «الخلافة». ويبدو واضحاً أن الحساسية الأميركية تشتغل عندما يقترب «داعش» من الحدود مع إسرائيل، وأي شيء سوى ذلك سيكون قابلاً لمنطق الانكفاء، والاكتفاء بحدود لعبة الحرب الجوية الرتيبة.

بهذا المعنى، تقول واشنطن لحكومات المنطقة: «داعش» مرضكم فعالجوه. تقول ذلك لحلفائها قبل خصومها. وهي إذ تطلق تحذيراً تلو الآخر من خطورة التنظيم تُمعن في التأمل بتمدده إلى حدود كيانات لطالما شكلت ضمانات لنفوذها. الأمر أشبه بمغامرة غير محسوبة النتائج. الخليج مهدد بـ «داعش»، والأردن وتركيا أيضاً، ولبنان يترنح لمجرد ذكرها، ووحدها إسرائيل من يبدو محصناً. إنه فعلاً اللعب على حافة الهاوية.

«داعش» لا يقاتل على الثغور على ما فعلت «القاعدة» في العقدين الفائتين، إنما في المتون، وهذا ليس تحديداً جغرافياً فقط، إنما سياسي وسوسيولوجي. لا يقتصر تحديها للكيانات على استهدافاتها الميدانية، إنما يشمل فكرة هذه الكيانات وجوهر نشأتها الهشة. إنها «الخلافة» التي كشف إعلانها أن الدول كلها تمت بقرابة لفكرتها. وهي «الدولة» المتمكنة والمتسلطة، وضابطة العنف ومؤطرته ودافعته إلى حدوده القصوى، وهي بذلك تتحدى الدول والكيانات التي يشتغل العنف والتسلط ببطء في علاقاتها مع جماعاتها. «داعش» صورة المنطقة كلها وقد دُفعت عناصرها إلى أقصاها، وأضيف إليها إغواء جاهلي جعلها في مصفاة الحداثة وأمراضها. عيادة هائلة لأمراض الزمن الراهن ولتفريغ مكبوتاته.

لا يتمدد «داعش» وفق خريطة نزاع عسكري واضح. فجأة تسقط تدمر في يده. انسحاب خاطف لجيش النظام السوري يُمكنه من احتلال المدينة. مدينة الرمادي العراقية ابتلعها التنظيم في لحظة مشابهة لا تمت بصلة إلى الحسابات العسكرية. كانت الأنظار تترقب هزائم بدأت في تكريت، وإذا به ينقض على الرمادي. كوباني باشر العودة إليها قبل أيام في لحظة صعود نشوة نصر كردية.

في تدمر أصبح «داعش» على حدود الأردن وفي كوباني على حدود تركيا وفي الرمادي اقترب من الجوف. وهو لم يجعل لهذا التمدد مركزاً، ذاك أن فراغات هائلة تفصل بين نفوذه في هذه المناطق. نحن هنا أمام دولة من فراغ، وهي إذ تتدفق على نحو ما يتدفق السيل، تُخلي النفوذ وتعود إليه في لعبة شديدة الغرابة. بهذا المعنى، لا يشتغل التنظيم وفق منطق الخطط العسكرية، إنما وفق منطق تعبيد الفراغ ثم إعادة إنتاجه وتحويله منصة الوثبة المقبلة. في تدمر أفسح له النظام السوري أن يقترب من الحدود مع الأردن، وفي الرمادي لوحت إيران لدول الخليج به، وفي كوباني صار الجنود الأتراك على مرمى أنظار «مجاهديه».

تصح كل هذه المقولات، ذاك أن ثقافة «المؤامرة» صارت اليوم حقيقة. ولا يُمكن أن نفسر سهولة السقوط الغامض للمدن بيد التنظيم من دون العودة إلى «مؤامرة». لكن، لـ «المؤامرة» هذه المرة ركيزة ثقافية، هي ما يتيح للتنظيم أن يتدفق من صحراء إلى صحراء، ومن كوباني إلى تدمر ومن الموصل إلى الرمادي. والركيزة هي ما كشفته الحروب في العراق وفي سورية من فراغات هائلة لم يملأها أحد طوال تجربة نشوء الدولة الحديثة في معظم كيانات المنطقة.

علينا هنا أن نستعيد ما في ذاكرتنا القريبة عن هذه المناطق التي يتجول «داعش» في مُدنها. بر الشام الهائل المساحات لم تربط أهله بدولتهم سوى مراكز الجيش والأمن. ومدن صحراء الأنبار على جانبي الأوتوستراد الذي يخترقها تبدو للعابر براً من بغداد إلى الحدود مُدناً غبارية بعيدة ولا تتصل بغير هذه الرمال الكثبية، وأنت إذ تكتشف أن أصول صديق لك منها، تباشر في التأمل به محاولاً رد شيء من وجهه إليها، فلا تنجح، إذ إنك لا تعرف شيئاً عن هذه المدن التي كانت مضارب. مدينة الزرقاء الأردنية تصلح أيضاً لضمها إلى هذا الفراغ. الزرقاء غير البعيدة عن عمان، تُقيم أيضاً في الصحراء وحدها منفصلة عن العاصمة وقيمها وعمارتها. والزرقاء الأشد كثافة واكتظاظاً من عمان تنبسط في هذا الفراغ الغباري مولية وجهها إلى الحدود التي عبرها مئات من شبان المدينة للالتحاق بـ «داعش».

عندما أخلت السلطة الدموية في دمشق وفي بغداد نفوذها، انكشف هذا الفراغ. لا شيء يُمسك بهذه المدن سوى غبار الدولة المترنحة والنظام الفاسد. حتى العشائر التي خلفتها الدولة كانت منهكة ومترنحة ومتنازعة. «داعش» يعرف ذلك تماماً، وواشنطن كانت اختبرته في سنوات احتلالها الأولى للعراق. إذاً، القرار بالانكفاء ينطوي على معرفة بالنتائج، وما يجري ليس درساً تُلقنه الولايات المتحدة لحلفائها وخصومها، إنما هو اختبار لما قد تُنتجه المنطقة من تلقائها، في ظل الحد الأدنى من التأثير الخارجي.

هنا تماماً، تكمن خطورة «داعش» وقوته، أي في أنه الصورة الحقيقية لفراغ يضرب جذوره في عقود طويلة من انعدام الدولة. وفي أنه الحقيقة المتولدة عن فساد العلاقة بين دولة متسلطة وجماعاتها المتروكة في غبار مدنها. وأضيف إلى هذه القوة عناصر من خارجها. إنها ديناميّة أمراض المدن الحديثة، أي تلك التي تُرشح أي غربي لأن يكون «داعشياً». فمن منا غير مصاب بالاكتئاب؟ ومن منا لم تُغره حوريات الخليفة بترك عيادات الطب النفسي الكئيبة، والمجيء إلى المصحات الجماعية التي أنشأها الخليفة على ثغور دولته، والتي يُعالَج فيها المكتئبون والفصاميون، ويُعاد إدماجهم في وجدان جماعي أصلي ودموي؟

واشنطن قررت أن تُعاين ما يمكن أن نُنجبه في ظل الحد الأدنى من تدخلها. الأرجح أنها تفعل ذلك، والأرجح أنه ينطوي على سذاجة ثانية تشبه سذاجتها الأولى عندما قررت أن تمنح العراق «ديموقراطية» على نحو ما يمنح أبٌ ابنَه هديةً في عيد ميلاده، فكان الخراب الكبير.

الحياة

 

 

عام على إعلانها: خلافة «داعش» النقّالة/ عمر قدور

قبل نهاية حزيران (يونيو) 2014 لم يكن الكثيرون ليصدقوا أن ينصّب أبو بكر البغدادي نفسه خليفة للمسلمين، وفي أسوأ الأحوال لم يكن متوقعاً أن تبقى دولة «داعش» وتتمدد على طرفيها العراقي والسوري، على رغم عمليات التحالف الدولي الذي يُفترض أنه يضم أربعين دولة على رأسها الولايات المتحدة.

اليوم أيضاً، وإن بدرجة أقل، يأتي إعلان «داعش» عن طرح نقود «دولة الخلافة» للتداول كأنه استكمال لما لا يزال غير قابل للتصديق، فالعملة من أهم رموز السيادة الفعلية، وأهم ما يفعله التنظيم للتحكم في المناطق الخاضعة لسيطرته والقول بأنه لم يعد فقط في وضع العصابة الخارجة على القانون الدولي.

لكن، كما نعلم أيضاً، الأخبار طوال الخط لم تكن سارة لأمراء التنظيم ومشايعيه، فـ «داعش» خسر أراضي في العراق وسورية في مقابل تلك التي كسبها، بل أصبحت العاصمة ذاتها مهددة بعد سيطرة الوحدات الكردية بالتعاون مع فصائل من الجيش الحر على تل أبيض المجاورة. إلا أن خسارة الرقة إذا حدثت، وعلى رغم ما لها من أهمية معنوية، قد لا تعدو كونها جولة من جولات الكر والفر التي يتأقلم معها التنظيم، ومن المرجح أن تصبح حلب وريفها الشمالي هدفاً لتعويض الخسائر في الشمال الشرقي طالما لم تضرب المعارك البنية الفاعلة فيه.

بالطبع لا يستقيم طرح العملة الداعشية في التداول مع كيان غير ثابت أصلاً، وأغلب الظن أن موضوع العملة سيُستخدم كرسالة إعلامية تجاه الخارج، وسيُستخدم داخلياً لمزيد من إرهاب السكان والسطو على ما تبقى من مقدراتهم الاقتصادية. الأهم على هذا الصعيد أن عدم ثبات حدود الخلافة لا يطعن فيها من وجهة النظر الداعشية. فـ «داعش» عندما أزال الحدود بين سورية والعراق وصفها بالصنم، ولئن كان لا يريد أصناماً تعيق تمدده فهو لن يكون خاضعاً لمنطق الدول التي ترسم حدوداً حالية أو حدوداً مبتغاة.

إذاً، لا يعيب «داعش» من وجهة نظر الداعشيين أن تتمدد دولتهم هنا وتتقلص هناك. الأهم هو بقاؤها، ومن شروط بقائها تلك المرونة التي لا تجعلها أسيرة حدود ومناطق يُعتبر الدفاع عنها مسألة كرامة عليا أو مسألة حياة أو موت. بمراجعة سجل «داعش» العسكري تسهل ملاحظة الاعتماد على عنصر المباغتة، المدعوم بسمعة وحشية قصوى، وباستثناء معركة كوباني من السهل ملاحظة تحسب داعش لميزان القوى وانسحابه من العديد من المناطق من دون قتال جدي، ثم توجيه مقاتليه إلى مناطق أخرى بعضها لم يكن في حسبان الخصوم.

أن تكون الخلافة متنقلة شأن تدرب عليه أعضاء التنظيم قبل إعلانها، ويزيد عليه عدم تعلق النسبة الأكبر منهم بموضوعة الأرض، لا بسبب الأيديولوجيا العابرة للحدود فحسب وإنما لقدوم نسبة كبيرة منهم من دول بعيدة من أرض الخلافة الحالية، مع ما يصاحب ذلك من نقمة على أوطانها الأصلية وعدم توطنها بعد، أو استحالة توطنها حالياً، في أرض الخلافة الموعودة.

هذه الخلافة النقالة ليست ملائمة لاعتبارات الحرب عليها فحسب، هي ملائمة بدرجة أكبر ربما للاعتبارات الجيوسياسية في المنطقة، إذ يبدو «داعش» جاهزاً لملء الفراغات التي تتيحها أنظمة أو منظمات عاجزة عن التجذر والاستقرار أيضاً. في الحالتين، السورية والعراقية، ملأ «داعش» الفراغ المتأتي من غياب أو ضعف السلطة المركزية. في الحالة السورية تحديداً، معركة «داعش» الأهم، كما أعلنها أحد قادته، أبو همام النجدي، منذ مستهل تشرين الأول (أكتوبر) 2013، هي الضغط على جميع فصائل المعارضة في المناطق المحررة ووضعها بين حجري رحى قوات النظام و»داعش» لدفعها إلى الانضواء ضمن الأخير، لكن تلك المهمة لم تكن متاحة لو تمتعت فصائل المعارضة بسيطرة على مناطقها من الأرض والجو، أي لو كان التحرير ناجزاً فعلاً. في المحصلة أثبتت رؤية النجدي صوابها النسبي بدعم حثيث من طائرات النظام.

الفراغ في الحالة العراقية معروفة أسبابه الطائفية، وهو ليس على غرار الحالة السورية، وإذا التقت أهداف النظام السوري مع «داعش» في القضاء على فصائل المعارضة فذلك لم يمنع التصادم بينهما بخاصة في المواقع ذات الجدوى الاقتصادية كحقل الشاعر النفطي. في كل الأحوال، التكهنات والوقائع التي تشير إلى مستوى ما من التنسيق بين النظام وداعش، أو حصول الأخير على تسهيلات مختلفة من دول إقليمية تبدو متناقضة المصالح كتركيا وإيران، فضلاً عن الشكوك القوية في حصوله على تمويل عربي، هذه كلها تدلل على مدى ضلوع «داعش» في الحرب الحالية وعلى أنه بات لاعباً أساسياً يؤدي وظائف مطلوبة من جهات عدة، من دون التخلي عن مشروعه الأساسي بل داعماً له.

إننا أمام معطيات عملية ساهمت فيها أكثرية القوى الفاعلة في المنطقة، الأكثرية التي إما تواطأت مع بروز «داعش» أو نسقت معه ودعمته في مرحلة ما، وعلى عكس ما كان شائعاً تظهر بنية التنظيم وخلافته منسجمتين تماماً مع تناقضات الحرب الحالية ومتغيراتها. بهذا المعنى، اختزال «داعش» إلى الصورة الأيديولوجية التي يروجها عن نفسه قد يصبح مساهمة أخرى في التضليل عن تكتيكاته السياسية وانخراطه الفعلي في المستوى المتدني والقذر الذي يميز العديد من السياسات في المنطقة.

وإعادة «الاعتبار» إلى المستوى السياسي الذي يمارسه داعشه ليست ضرورية لفهم آليات تمدده وانكماشه الحالية فحسب، إنه ضروري أيضاً للتمييز بين البعدين السياسي والثقافي للتنظيم، إذ يتغلب الأخير في الإعلام بينما يتغلب الأول في الميدان.

بالتأكيد، لا يصح وصفها بـ «خلافة تحت الطلب»، غير أن الأيام الماضية والآتية قد تثبت أن الجمع بين منطق الخلافة ومنطق التنظيم أكثر مرونة وحيوية من مبايعة تنظيم «القاعدة» للملا عمر أميراً للمؤمنين. فخلافة «طالبان» كانت محكومة بحدودها الجغرافية ونسيجها الاجتماعي، أما خلافة البغدادي فأقرب إلى فكر تنظيم «القاعدة» الذي لا يعترف بالحدود. ربما تكون المفارقة هنا أن يرث «داعشُ» «القاعدةَ» بعد خروجه على التنظيم الأم، بينما تتمسك «جبهة النصرة» بولائها لـ «القاعدة» بينما تستلهم فعلياً تجربة «طالبان».

الحياة

 

 

 

داعش بين دمشق وبغداد/ محمد رمضان

بدأ تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) اتباع استراتيجية جديدة في توسيع دولته المعلنة على حساب جغرافية سورية والعراق معاً، بعد سيطرته على مدينة تدمر الأثرية والرمادي العراقية، ورفع الحدود بين البلدين، حيث بات يفكر جدياً في الدخول إلى عاصمتين، هما دمشق وبغداد، معتمداً على الحديقة الخلفية من حكومتيهما، عبر تنسيق وتعاون بينهما في صفقات تسليم واستلام المواقع العسكرية مع أسلحتها إلى تنظيم الدولة، كما حصل سابقاً في الموصل، إحدى أكبر المدن العراقية، وكذلك في سورية، ما حدث في الفرقة 17 في مدينة الرقة (شرق) بما فيها مطار الطبقة العسكري واللواء 93 مدرعات في بلدة عين عيسى شمالي الرقة، وآخرها مدينة تدمر.

كانت الخطة واضحةً من النظام السوري في تسليم مدينة مع سجنها الذي يعد من أسوأ السجون في المنطقة العربية، بهدف طمس معالم الاستبداد التي قام بها النظام السوري على مر أربعة عقود بحق معتقلي الرأي. وعلى ما يبدو، غيّر تنظيم الدولة من تكتيكه في تجنب ضربات التحالف الدولي، كما حصل في مدينة كوباني الكردية في شمال البلاد، بانسحابه من عدة مناطق في محافظة الحسكة، منها جبل عبد العزيز من دون مقاومة تذكر. وما يحصل الآن في مدينة تل أبيض في شمال البلاد أيضاً، في ظل انسحابه من معظم المناطق الحدودية، حيث خسر تنظيم الدولة أهم منطقة استراتيجية، بما فيها بوابة تل أبيض الحدودية مع تركيا الجارة.

هنا السؤال الذي يطرح نفسه: هل بدأ العد التنازلي حيال تقلص دور تنظيم الدولة في الجزء الشمالي من سورية، بعدما فقد عدة مواقع وبوابات حدودية تشد الخناق على ولاية الرقة الواقعة تحت سيطرته، أم أن تنظيم الدولة سيتجه نحو المدن الداخلية، ليصل إلى مناطق العلويين في الساحل السوري، وإنشاء منفذ البحري ليكمل أركان دولته المعلنة تحت راية الإسلام؟ وبالتالي، الحديث عن القضاء على تنظيم الدولة مرهون بمصالح الدول الإقليمية، وعندما تطرح الولايات المتحدة الأميركية بنوداً عن برنامج تدريب عناصرٍ من مقاتلي المعارضة السورية المعتدلة، لمواجهة خطر تنظيم الدولة من دون التطرق إلى تنحي بشار الأسد، وغض النظر عن جرائمه اليومية بحق السوريين من البراميل المتفجرة فوق رؤوس الأطفال والنساء وكبار السن وتدمير المدن والبلدات السورية.

تضعنا كل هذه الأمور أمام سيناريوهات عدّة، منها أن المنطقة مقبلة على تغيرات جديدة، لا تقف عند حدود سورية، وإنما ستدخل إلى العمق اللبناني، عبر حزب الله اللبناني. وفي المحصلة، نجد أن كل الدول التي تدعي محاربة تنظيم الدولة والقضاء علية تندرج في خانة المصالح الاقتصادية على توسيع رقعة الحرب في سورية والعراق. وبالتالي، لن يتم القضاء على تنظيم الدولة إلا بقطع رأس الأفعى، المتمثل بهرم النظام السوري، بشار الأسد، وكذلك أقطاب من الحكومة العراقية التي تدعم تنظيم الدولة بطريقة عير مباشرة. وعلى سبيل المثال، حوّلت الحكومة العراقية الأموال إلى مدينة الموصل، وهي تحت سيطرة تنظيم الدولة.

وقد يعني ما سبق أنه لا بد من إسقاط الحكومة العراقية وبشار الأسد لتكون نهاية “داعش” مع سقوطهما، قبل أن تصبح كل من دمشق وبغداد عاصمةً للخلافة الداعشية! وتشير كل تقييمات الخبراء العسكريين والاستراتيجيين إلى اعتماد تنظيم الدولة أسلوب فتح جبهات جديدة في كل الاتجاهات من دون الاعتراف بالحدود بين الدول، وبات قربياً جداً من تحقيق أهدافه في بلاد الشام والعراق، وإعلان عاصمة له في نهاية الأمر، سيكون المفاجأة الأكبر، وجلاء الصورة متروك للأيام المقبلة.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

ساحة الحرب مع «داعش» تتسع/ الياس حرفوش

انشغلت الجهات السياسية والأمنية الغربية أمس بالبحث في الرابط بين الاعتداءات الثلاثة التي وقعت في الكويت وسوسة التونسية وليون الفرنسية، وفي احتمال أن يكون أمر العمليات قد صدر من جهة واحدة لتنفيذ هذه الاعتداءات في اليوم نفسه وفي وقت واحد تقريباً، في حدود صلاة الظهر من الجمعة الثانية من شهر رمضان.

لم يكن صعباً أن يتجه الاتهام إلى تنظيم «داعش» الذي صار اليوم ماركة عالمية للأعمال الإرهابية. فالاعتداءات الثلاثة حصلت ضد أهداف يعتبرها التنظيم بين خطط نشاطه المشروعة. في الكويت كان الاعتداء على الشيعة، وهم في لغة «داعش» يعتبرون من «الروافض». وفي تونس تم الاعتداء على سياح أجانب، يجمع بين «مشروعية» استهدافهم كونهم فاسدين وفاسقين، تتمدد أجسادهم شبه العارية على الشواطئ التونسية، إضافة إلى أن معظمهم من المسيحيين «الكفار»، ما يضاعف في استحقاق عقوبة الموت التي نالوها. أما في ليون، فيكفي أن يكون المصنع المستهدف أميركياً، وأن يتم قطع رأس الضحية، وهو مدير المعمل، ثم تعليقه على السياج الخارجي وبقربه رايتان تحملان شعارات «داعش»، للإيحاء بأن الجريمة مستوحاة من عمليات التنظيم، وإن لم تكن الأوامر قد جاءت مباشرة منه.

سبق لأبو محمد العدناني، المتحدث باسم «داعش» أن توعد «الكفار» في بداية شهر رمضان هذا العام بأن هذا الشهر سيكون «شهر الكوارث» التي ستحل بهم، كما دعا أتباع التنظيم ورافعي رايته إلى القتال، حيثما كانوا وبأي طريقة استطاعوا. وهو ما يجعل السؤال منطقياً عن مسؤولية «داعش» المباشرة عن هذه العمليات، مع أن الجواب لن يغير شيئاً في الواقع، فحتى لو ثبتت المسؤولية، يستبعد أن نشهد قادة هذا التنظيم يمثلون أمام محاكم جنائية في تونس أو الكويت أو فرنسا ليلقوا جزاءهم، كما أن مرتكبي هذه الاعتداءات هم انتحاريون أساساً، ولن ينتظروا موعد المحاكمات ليعرفوا طبيعة الأحكام التي ستصدر بحقهم.

وهكذا ففي الوقت الذي يفكر العالم المسلم والغربي في الطرق المناسبة للقضاء على «داعش» وإنقاذ المنطقة من جرائمه، وكذلك إنقاذ الدين الإسلامي من الإساءة البالغة التي تلحقها به جرائم هذا التنظيم، نجد أن ساحة المواجهة تتسع ولم تعد تقتصر على الرقة وعين العرب والموصل وتدمر وسواها من المناطق والمدن التي يسيطر عليها، ما يجعلنا نتذكر تهديد العدناني نفسه في مناسبة سابقة توعّد فيها بالوصول «إلى باريس قبل روما».

ومع اتساع ساحة المواجهة تزيد الصعوبات أمام تحقيق انتصار. فلا تستطيع أي دولة في العالم أن تحمي منشآتها السياحية ومصانعها ومساجدها وكنائسها أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، وحتى عندما تفعل ذلك، فإن النتيجة ستنعكس سلباً على طبيعة الحياة اليومية في البلدان الغربية التي اعتاد أهلها أن يتمتعوا بحياتهم في شكل طبيعي، بعيداً عن العوائق الأمنية. كما أن تنظيم «داعش» سوف يعتبر هذا الوضع مكسباً لأنه سوف يرى أنه انتصر على الغربيين وتمكن من تعطيل أسلوب حياتهم، وعزز الانشقاقات بين المواطنين من أهل البلد والوافدين إليهم، وأكثريتهم من المسلمين. أما بالنسبة إلى استهداف الحركة السياحية في عدد من الدول العربية، وهي مصدر أساسي للدخل القومي في هذه الدول، مثل مصر وتونس، فإن القضاء عليها هو أيضاً هدف لـ «داعش» لأنه يضرب هذا المرفق الذي يعتبره التنظيم من المحرمات، كما يؤذي في الوقت ذاته اقتصاد دول ينظر إليها على أنها معادية له ولمشروعه المتطرف والتخريبي.

أمام سهولة التواصل القائمة بين دعاية «داعش» وأشرطته على الوسائل المسماة «اجتماعية» وبين جمهوره العريض من المتطرفين والسذّج والمغالين أو السطحيين في فهمهم أصولَ الدين، لم يعد ممكناً لبلد واحد أو لكيان سياسي بمفرده أن ينتصر. المعركة العريضة المفتوحة مع العالم تحتاج إلى جبهة عريضة أيضاً. ومن هنا ضرورة تعاون الجميع، عرباً ومسلمين وغربيين، ضد هذه الآفة التي تهدد الإسلام والمسلمين وحضارتهم قبل أي طرف آخر.

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...