الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أكرم البني / عن سلمية الانتفاضة السورية!

عن سلمية الانتفاضة السورية!


أكرم البني

لأول مرة، منذ انطلاق التظاهرات الشعبية في سوريا، بت تسمع أصواتا وإن قليلة، تشجع على استخدام السلاح والخروج عن سلمية الاحتجاجات لمواجهة ما يجري من شدة قمع وتنكيل، ولسان حالها يقول، إن الصبر قد نفد ولم يبق من خيار سوى اللجوء إلى القوة والعنف للرد على ما نراه من ممارسات دموية ظالمة وصور مروعة لضحايا الاجتياحات الأمنية والعسكرية في عدد من المدن والمناطق، خاصة مدينة حماه!

ومع تفهم دوافع هذه الأصوات التي يصح ردها إلى ضغط وجداني ورهافة في المشاعر المتعاطفة مع آلام الناس وإلى نيات صادقة تحدوها الرغبة في رد الظلم والاقتصاص من الفاعلين، إلا أن الطريق إلى الجحيم مرصوف كما يقال بالنوايا الحسنة، ويفترض بهؤلاء أن يعرفوا قبل غيرهم أنهم بدعوتهم هذه إنما يذهبون بأقدامهم إلى فخ نصبه أصحاب الخيار الأمني للإيقاع بالاحتجاجات الشعبية ودفعها إلى دوامة العنف، مما يسهل عزلها وتسويغ أشنع أنواع القهر والتنكيل ضدها، وتاليا أن يدركوا أن اللجوء إلى العنف قد يشفي غليل البعض لكنه الطريق الأقصر للهزيمة، وانجرار إلى منطق القوة والغلبة ذاته الذي يناهضونه، مما يهدد بتدمير التراكمات الإيجابية التي حققتها التظاهرات السلمية طيلة شهور وإضعاف شرعية المطالب التي نهضت من أجلها، والأهم إفقاد الحراك الشعبي فئات متعاطفة معه لكنها مترددة، تنفر من العنف والعسكرة بينما نزلت على قلوبها بردا وسلاما الآية الكريمة «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ» حين رفعها المتظاهرون شعارا في غير منطقة ومكان!

ثمة قوى تعمل ليل نهار لتحويل الاحتجاجات من مسارها السلمي والسياسي إلى مسار عنفي وأهلي، تراهن على دور القمع المفرط والبشع في شحن الغرائز والانفعالات وتأجيج ردود الأفعال الثأرية لدفع الناس للتخلي عن توجههم السلمي وتبني أساليب المقاومة العنيفة، وهي لا تضيع فرصة لتغذية ما يمكن من صراعات متخلفة، ولاستيلاد القوى المتطرفة وسربلتها بسربال السلفية أو ربطها بتنظيم القاعدة، كي تخفف ردود الأفعال المحتملة وتشرعن العنف بذريعة مواجهة الإرهاب وعصاباته المسلحة وبدعوى الحفاظ على الأمن والمنشآت العامة وحماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم. والنتيجة إخضاع المجتمع ككل لقواعد لعبة تتقنها جيدا وتمكنها من إطلاق يدها كي تتوغل أكثر في القهر والتنكيل مدعومة بما تملكه من خبرات أمنية ومن توازن قوى يميل على نحو كاسح لمصلحتها!

فالمسألة ليست رد فعل أو مسألة انتقام وثأر بل مسألة سياسية وأخلاقية في آن، سياسيا تتعلق بدراسة جدوى التحولات التي يحدثها هذا الأسلوب النضالي أو ذاك في تعديل توازنات القوى، وأخلاقيا تتعلق بالحفاظ على سلامة بنيتنا الإنسانية ونبل الأهداف التي نتطلع إليها، فكيف تستقيم قيم الحرية والخير والعدالة إذا لجأنا إلى طرائق ووسائل لا تنسجم مع رقيها، ولم ننأ بأرواحنا عن تشويهات العنف والتعصب والثأر والحقد؟!

إن الإصرار على خيار السلمية ليس بسبب صعوبة حصول الناس على السلاح، أو لغرض خبيث هو تمسكن المحتجين حتى يتمكنوا، أو لشعور الناس بأنهم من سيرث هذه الأرض وتتفق جهودهم عفويا على منع أصحاب الخيار الأمني والعسكري من تحويلها إلى أرض محروقة، بل لأن الشعب السوري المتعدد الإثنيات والأديان والطوائف والمرتبط بإرث تاريخي وحضاري عريق وبمرارة الحروب الأهلية في بلدان الجوار، متحمس كي يثبت للعالم بأن انتفاضته هي انتفاضة للبناء والمواطنة والتسامح، تلتقي على نبذ العنف والتفرقة وعلى الاحتكام لدولة القانون والمؤسسات، وتحاول على النقيض من الماضي أن تستمد شرعيتها ليس من منطق القوة والإرهاب بل مما تقدمه للناس من ضمانات للمساواة واحترام حرياتهم وعيشهم الكريم. وربما لأنه بخياره السلمي يريد إحياء قيمة أخلاقية كبيرة عن العلاقة الصحيحة الواجب بناؤها بين هدف الحرية النبيل الذي ينادي به وبين الوسائل الشريفة المفترض أن تفضي إليه، والتي تستدعي بداهة احترام حياة الناس وأمنهم وحقوقهم على تنوع منابتهم ومواقفهم ومصالحهم.

من الخطورة بمكان أن يقودنا ضيق النفس وقلة الصبر والجلد إلى تشجيع الرد على الاندفاعات العنيفة والعدوانية بعنف مضاد وباستعراض ما تيسر من عبارات التهديد والوعيد التي عادة ما يستخدمها رجال السلطة وأصحاب الأمر والنهي، ونتناسى ما يخلفه العنف من آثار مدمرة على الكيانات البشرية في حال استحوذ على فضائها السياسي والمجتمعي، فعدا عن الخسائر الهائلة في الأرواح والممتلكات، يمزق أواصرها، ويعمق شروخها، ويفضي إلى عسكرة الحياة وتحويل فئات المجتمع إلى ما يشبه جيوشا معبأة ومتخندقة، خالقا حواجز نفسية حادة بين أبنائها، ومسهلا انتهاك أبسط حقوقهم، ومجهزا بالتالي على مشروع التغيير الديمقراطي من أساسه.

صحيح أنه يصعب تطويق وضبط ردود أفعال الناس ضد شدة ما يتعرضون له من قهر وتنكيل، وصحيح أن التمسك بالنضال السلمي واللاعنفي هو خيار صعب يتطلب تحصينا أخلاقيا رفيعا وقدرة عالية على تحمل الأذى والضرر، ولنقل تدريب الذات على مزيد من الصبر وضبط النفس وعدم الانجرار للرد على الاستفزاز بالاستفزاز وعلى العنف بالعنف، والأهم الارتقاء بروح الإيثار بما في ذلك التضحية بالذات مثلما اختار محمد البوعزيزي والشبان الأبطال في درعا وبانياس ودير الزور وحماه، الذين وقفوا عراة الصدور يطلبون الموت في مواجهة الرصاص الحي وتقدم الدبابات والمدرعات! لكن الصحيح أيضا أن هذا الخيار، ومع تثمين كل صرخة ألم وكل قطرة دم تراق، هو شرط لازم وضرورة حيوية للانتفاضة السورية، أولا، لهزم العنف المفرط ذاته ومحاسبة مرتكبيه، وثانيا، لأنه الطريق الوحيدة لربح المعركة ليس فقط سياسيا وميدانيا وإنما أخلاقيا أيضا، وبداية للنجاح في كسب التعاطف الإنساني وتعديل موازين القوى والتوصل إلى لحظة حرجة يجبر الجميع فيها على إجراء تغييرات جذرية تنتصر للأساليب السياسية السليمة في إدارة الصراع وتاليا للقيم الديمقراطية التي يتوق الناس لتمثلها!

* كاتب سوري

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...