الرئيسية / صفحات سورية / عن ضرورة الحوار!

عن ضرورة الحوار!


ميشيل كيلو

… والحوار المقصود هنا هو حوار المعارضة بعضها مع بعض ومع الشارع، وحوار المثقفين بعضهم مع بعض ومع الساسة والشباب، وحوار الشباب بعضهم مع بعض ومع الآخرين، وحوار هؤلاء جميعهم مع المجتمع الأهلي: حامل التمرد، والجهة التي تقدم التضحيات وتتحمل القسم الأكبر من أعباء العمل العام الجسيمة، وتتجمل بالصبر وتتمسك بالسلمية والوحدة الوطنية وسط حملات عنف شرسة تتعرض لها، تنتمي إلى ما لا يمكن تصديقه.

– أما حوار المعارضة الحزبية بعضها مع بعض، فقد أكدته جهود ذهبت عبثا، بذلت من أجل توحيدها أو التنسيق بينها داخل سوريا وخارجها، كان أخطر تجلياتها اعتراض بعض الأخوة الأكراد على صفة العربية في اسم بلادهم الرسمي: الجمهورية العربية السورية، وانسحاب بعض هذا البعض من مؤتمر اسطنبول، احتجاجا على هذا الاسم. ومع أنني لا أعترض على حق أي مواطن سوري في الاعتراض على كل ما لا يوافق عليه، فإن ما أقلقني كان التناقض بين الحديث عن ضرورة تشكيل حكومة بديلة للنظام القائم، وبين الاختلاف حتى على أسم سوريا؛ تناقض نجم على الأرجح عن نزعة تستوطننا، تتجلى في أن نصطنع الاتفاق أو نتظاهر بأنه قائم حول أشياء لا نناقشها، أو نتحدث عنها صراحة وعلانية.

نحن مثلا نظن أنه يكفي لمنع اختلافنا على نمط الدولة المدنية الديموقراطية مجرد إحجامنا عن الحديث عنها، ومع أننا قد لا نرى فيها مسألة واضحة بذاتها، فإننا نلفلف الأمر خشية أن نختلف عليها، كما نكتشف دوما، حين نقترب من مشكلاتنا ونعالجها عن كثب وندقق فيها، وكما حدث في مؤتمر اسطنبول مع قوم أرادوا الاتفاق على النظام البديل، فإذا بهم يكتشفون أنهم لا يتفقون حتى على أسم دولتهم.

حدث شيء مماثل مع محاولة بعض المثقفين دعوة «التجمع الوطني الديموقراطي «و»إعلان دمشق» إلى تأسيس هيئة تنسيق بينهما، فاكتشفوا بعد أشهر من التعب الضائع أن الحل السلمي الحواري لمشكلة سوريا الراهنة، الذي كان أحد الطرفين قد اقترحه في وثيقة رسمية صدرت عنه، لا يتسع للطرف الآخر. هكذا، استنتجت مؤخرا أنه يجب، أن يتحاور المعارضون الحزبيون مع غيرهم، أن يتحاوروا مع بعضهم البعض، ليتفقوا على الأوليات الأولى، أقله كي لا نصل إلى المستقبل ونحن مختلفون حتى على اسم دولتنا، وكي لا نغطي بالصمت اختلافاتنا التي يمكن حلها أو تلطيفها بالحوار الودي والصريح.

– بالنظر إلى دورهم الكبير وثقلهم المعنوي الحقيقي في الشارع، من الضروري أن يدخل المثقفون أيضا في حوار مفتوح وصريح بعضهم مع بعض ومع الشارع والمعارضة الحزبية، ليس فقط من أجل أن يقدموا رؤيتهم حول المشكلات المطروحة، التي تزداد تعقيدا، بل لأنهم مطالبون بلعب دور جديد، يختلف في الظرف الراهن عن أي دور لعبوه في الماضــي البعــيد والقريب. ماذا سيفعل المثقفون بصدد مسألة الأحزاب، التي صدر قانون بالسماح بتأسيسها تحت إشراف ورعاية السلطة؟ وهل سيبادرون اليوم إلى تأسيس أحزاب سياسية كان بعضهم قد بادر إلى تأسيسها بالأمس القريب، مع أن تأسيــسها كان ممنــوعا قانونيا وواقعيا؟ أين موقعهم من الحوار الوطني المطروح، وهل لديهم موقف موحد أو متقارب منه، وماذا سيفعلون إذا حاولت السلطة اللعب بفرقتهم وخلافــاتهم، أو سعت إلى استخدامهم ضد الأحزاب والشارع والمجتمع الأهلي؟

مع التمرد المجتمعي، تبدلت شروط عمل المثقفين وتغير دورهم، وصار من الضروري إعادة تعريف وظيفتهم في الواقع المتغير، الذي لم يعد يسمح لهم بالوقوف جانبا، ويطالبهم بدور يجعلهم مسؤولين أيضا عن إيجاد حل لمشكلات الشعب، يتفق وخصوصيتهم المهمة في تاريخ سوريا الحديث، وما قدموه من زاد فكري ومعرفي أسهم في تنشئة وعي جديد لدى قطاعات واسعة من المجتمعين المدني والأهلي، يراه المرء كامنا وراء مطالبتهما بالمواطنة والحرية والدولة المدنية وحقوق الإنسان وحكم القانون وفصل السلطات والنظام البرلماني التمثيلي. لا مفر من أن يفتح المثقفون حوارا فيما بينهم، على أن يكون حوارا مع المجتمع أيضا ويتفق مع وضع يضمر جوانب جديدة تتطلب تجديد وتوسيع وعيهم ودورهم.

– بدورهم يحتاج الشباب إلى حوار فيما بينهم ومع غيرهم، بعد أن تبين لهم أن الواقع أكثر تعقيدا وتشعبا من صورته التي كانت لديهم قبل الأحداث، التي تبين أنها يمكن أن تنفجر بصورة عفوية، لكنها لا تستمر أو تبلغ غايتها إن بقيت تلقائية، وأن العلاقة مع مكونات المجتمعين السياسي والأهلي لا يجوز أن تقتصر، عند ترجمتها إلى الواقع، على التفاهم حول أسس ومطالب وشعارات عريضة، وأن الواقع يلعب دورا مقررا في الوعي، الذي له دور مهم في تحديد الخيارات الممكنة النجاح، فلا بد إذن من توفر درجة رفيعة من الوعي تضمر ردودا مسبقة على احتمالات الواقع، ولا مفر من التقاط وربط مفردات الواقع بوصفها مصدر وعي متجدد واستباقي. ولعله ليس سرا أن من ينخرط في صراع واقعي متشعب، ويواجه سلطة كلية الحضور، يحتاج إلى درجة خاصة من تنظيم وعيه وممارساته، على مستواه الخاص وعند القاع الاجتماعي.

من المعروف أن الحوار داخل جماعة ما يسهم في ترقية وعي وممارسة جميع أطرافها، وفي بلورة رؤيتها المشتركة للخطوات التالية التي عليها القيام بها، بينما يصحح الحوار مع الآخر مسار التطور ويثريه، ويفتح آفاقا كانت تبدو مسدودة، ويمنح العمل هامش مناورة تزداد حاجته إليه باطّراد، يعرض الافتقار إليه جهده الرئيس لانتكاسات متعاقبة وربما للفشل، فلا يجوز بأي حال أن يتخلى المنخرط في عمل تغييري عام عن أية ورقة يمكن أن تخدم جهده، مهما بدت قليلة الأهمية للوهلة الأولى، ما دام يمكنها أن تصير حاسمة في أي وقت، وإلا أغلق باب الواقع وقوض احتمالاته، ووجد نفسه أسير ممارسة واحدة ورؤية فقيرة، وخسر وهزم في النهاية.

كان لينين يرى أن السياسة احتمالات، وأن من يغلق باب الاحتمالات، مهما كانت قليلة الأهمية في اللحظة الراهنة، يكون كمن يسد باب نجاحه في المستقبل، بما أن تجاهل الاحتمالات يضعه خارج الواقع، الذي قد ينبثق عنها، ويخدم الخصم، الذي يأخذ الاحتمالات المختلفة بالحسبان ويعرف كيف يفيد منها. يبدو لي من مراقبة ما يجري أن وعي هذه النقطة ليس واضحا بعد لدى الشباب، وأن بينهم من يتبنون رؤية تقيد أيديهم في مسائل مهمة.

– لا بد من أن تحاور هذه الأطراف جميعها المجتمع الأهلي، وأن تعمل على إطلاق حوار مفتوح داخله وبين مكوناته، مراعاة لحقيقة مهمة هي أنه ينادي بشعارات ويرفع مطالب يدعو إليها ويرفعها عادة المجتمع المدني، الذي يعطي الأولوية في نظرته وممارسته للفرد بوصفه ذاتا حرة، بينما يعطي هو، أي المجتمع الأهلي، هذه الأولوية للجماعة.

من نعم الله على سوريا أن مجتمعها الأهلي يرفع مطالب المجتمع المدني، الضعيف نسبيا. وسواء وقع تغيير في النظام أم تحول الطور الراهن من التمرد إلى اقتتال تقوده جهات مذهبية، لا ضمانة لبلادنا وشعبنا غير تمسك المجتمع الأهلي بالجانب المدني من مطالبه، وبقاؤه على خط واحد مع المعارضة الحزبية / السياسية والثقافية والشبابية، عن طريق إقناع واقتناع قطاعات واسعة ومقررة منه بأن مصلحتها تكمن في أن تبقى مجتمعا مدنيا بالنيابة، ليس فقط على الصعيد السياسي كما هي حالها الآن، بل كذلك الواقعي/ المجتمعي: حيث تكون مجتمع مواطنين أحرار ومنتجين، يوفق بين المواطن والجماعة، التي يرى فيها حاصل جمع وتفاعل أفراد أحرار ومنتجين. في هذه النقطة الخاصة بالمجتمعين الأهلي والمدني، تمس حاجتنا إلى وعي مغاير: ابتكاري وجديد، بما أننا لا نعرف تجربة سابقة أنجزت هذه المهمة، التي تبدو مفردتها متناقضة: حيث لعب مجتمع أهلي دور مجتمع مدني، انطلاقا من وعيه وفي ظروف مواجهة عنيفة ومكلفة إلى أقصى حد هو موضوعها، تراهن على انفراطه، وقصور وتقليدية وعيه وقياداته، وبيئته المحافظة.

لا بد من حوار مفتوح وطليق داخل هذه الأطراف وبينها، يزيد من حاجتنا إلى ضرورته واقعة أنه سيدور وسط بيئة تفرض التعامل معه من دون أحكام مسبقة، وخوضه بصراحة ووضوح، وتحديد موضوعاته من دون تحفظ، ومناقشتها بلا مجاملة، وتنفيذ ما تخلص إليه الحوارات من دون إبطاء، على أن يسهم الجميع فيها باعتبارها مهمة استراتيجية، ولا ينجزوا بنصف عقل أو قلب، وإنما يذهبوا في وعيها إلى أقصى درجة تتطلبها العقلانية الديموقراطية والثورية.

أظهرت الأشهر القليلة الماضية ما في وعينا وممارساتنا من نقاط ضعف ونواقص وعيوب. فلا بد أن تظهر الأشهر القادمة قدرتنا على التعلم من واقعنا الجديد، وعلى مواءمة وعينا معه، باعتباره وعياً نفتقر إليه وتتوقف حريتنا على امتلاكه: عبر حوار موضوعه واقع نريد تغييره وتحسينه سلمياً وبأقل قدر ممكن من الأخطاء والخسائر.

ربما قال قائل: ليس الوقت للحوار. هذا صحيح، لو كان الواقع أكد عدم حاجتنا إليه وإلى جسر الهوة بين وعينا وبينه، وامتلاك رؤية تقريبية لما يمكن أن تؤول إليه أحوالنا، تحدد سبل إخراج بلادنا من مأزقها الراهن. لو كان لدينا هذا، لما كنا بحاجة حقا إلى حوار، ولما خشينا أن تصل عجلة الأحداث إلى الدوران في فراغ، وأن نجد أنفسنا كمن تبتلعه بحيرة من طين، رغم أنه لا يتوقف عن الاستغاثة والصراخ!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

5 + 2 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...