صفحات العالم

عن علاج الجرحى السوريين في إسرائيل/ حسن شامي

 

 

هناك مطبوعة يومية في فرنسا اسمها «لوبينيون»، أي الرأي، وهي ذات توجه ليبرالي دعوي، في معنى أنها تتطلع إلى جعل الليبرالية عقيدة إيديولوجية تستحق أن تكون قضية وطنية مركزية. هي إذاً مطبوعة تتراوح شخصيتها الإعلامية بين البيان أو المنشور الدعوي وبين الصحيفة المتوسطة الحجم، وباثنتي عشرة صفحة معظمها مخصص لتحليلات إخبارية عن النشاطات الاقتصادية في فرنسا. لا تعتبر هذه الصحيفة من بين الصحف المعروفة والواسعة الانتشار، علماً أنها حاضرة دائماً بكميات كبيرة ومجاناً في الجامعات، خصوصاً في كليات التجارة والهندسة والاتصالات.

هذا التوصيف للجريدة يجيز التقريب مع مقولة «يأتيك بالأخبار من لم تزوّد». ففي عددها الصادر الثلثاء الفائت نشرت تحقيقاً يزعم الغرائبية إذ يتحدث عنوانه عن «التفاهم الغريب، في الجولان، بين الجيش الإسرائيلي والمتمرّدين السوريين». الموضوع هو استقبال المستشفيات الإسرائيلية في منطقة صفد، المتاخمة للجولان السوري، لأكثر من ألفين من الجرحى والمرضى السوريين الآتين للعلاج، ولاعتبارات إنسانية تقود أحياناً إلى توافقات مصلحية غريبة، وفق مستهل المقال.

ينقل التحقيق عن ضابط إسرائيلي ذي رتبة عالية أن ألفين ومئتي سوري تلقوا العلاج «في بلدنا» منذ ثلاث سنوات. وهناك 5 مستشفيات استقبلت الجرحى وهم بنسبة تسعين في المئة من الرجال وفي أعمار مناسبة لخوض المعارك. ثمة بالطبع بضع حالات لنساء وأطفال «يستفيدون من الطب الإسرائيلي» للعلاج أحياناً من أمراض خطيرة. لكن أكثر من نصف الجرحى هم من المقاتلين، وفق شهادة طبيب إسرائيلي. يبقى الجرحى السوريون في غرف يحرسها بخفر رجال الشرطة العسكرية، وعندما تتحسن حالهم تنقلهم سيارة عسكرية إلى الحدود مع سورية عند هضبة الجولان ليعودوا من حيث أتوا. ويرفض الجيش الإسرائيلي إعطاء أي معلومات عن نقاط العبور. وفي التحقيق يشرح ضابط إسرائيلي الوضع الميداني قائلاً إن الشريط الحدودي الممتد على ثمانين كيلومتراً يتوزع على ثلاث مناطق. في الشمال يتواجد جيش النظام السوري مع حليفيه الإيراني و «حزب الله»، وفي الجنوب يتواجد لواء «شهداء اليرموك» الذي أعلن ولاءه لـ «داعش»، وفي الوسط الذي يضم قرابة ثمانين في المئة من المنطقة الحدودية يتواجد مقاتلو «جبهة النصرة» إضافة إلى بعض المجموعات الصغيرة. من هذا القطاع الذي تسيطر عليه «جبهة النصرة» يحصل العبور، ويضيف الضابط الإسرائيلي أن هناك أكثر من خمسين مجموعة مقاتلة لكن الطرف الأكبر والأقوى هو «جبهة النصرة» أي تنظيم «القاعدة» في سورية، أما الآخرون فهم عبارة عن مجموعات محلية للدفاع الذاتي عن القرى والبلدات، لكنهم «كلهم متديّنون، وليس هناك علمانيون».

في التحقيق يشير أحد الأطباء إلى أن الذين يرسلون الجرحى يعقدون صلات جيدة مع الجيش الإسرائيلي وينبغي تقديم مواصفات مناسبة. لذلك يقال رسمياً إن الجرحى هم من «الجيش السوري الحر» الذي يدعمه الغربيون، لا من «جبهة النصرة». وهذا ما يقوله الجرحى أيضاً. فهم يقاتلون النظام و «داعش» ويقرون بتحالفهم وتنسيق قتالهم الميداني مع «جبهة النصرة». ولا يستبعد التحقيق أن يكون للأميركيين المتواجدين في الأردن دور في نقل الجرحى. ينتهي التحقيق بشهادة ضابط إسرائيلي يتحدث عن التأثير الإيجابي لهذه العلاقة الطبية. ذلك أن هؤلاء الجرحى، يقول الضابط «كانوا يعتبروننا دائماً أعداء وإذا بهم يرون بشراً يقدمون لهم العلاج ويبتسمون لهم».

مسك الختام هو لمراسل جريدة «لوبينيون» إذ يعزز تفاؤل الضابط الإسرائيلي بالتذكير بأن مستشفى صفد مثله مثل المؤسسات الأخرى يضم فرقاً طبية ومرضى مختلطين من اليهود والعرب.

توسعنا بعض الشيء في عرض تحقيق صحافي فرنسي فاقع الدعوية المدروسة، لاعتبارات تتعدى الزجل الخطابي بين معارضي النظام السوري، على تباين قراءاتهم وتطلعاتهم، وموالين لا يعدمون أيضاً التباين والخوف من المجهول والأسوأ. بل حتى يمكننا تجاوز المناظرة الشائعة، في ما يخص وضعية الجولان المحتل وموقعه في أجندات قوى النزاع السوري، بين أهل الممانعة المزعومة للنظام وأهل المصانعة المنسوبة إلى العديد من القوى المقابلة.

ما يعنينا أكثر هو إلقاء الضوء على عينة إعلامية دعوية فرنسية تتغذّى من قراءة صورية وإجمالية للصراع بين العرب وإسرائيل، وهي تتغذى بقدر ما تغذّي هذه القراءة. فهذه الأخيرة تسعى إلى تثبيت صورة مفادها أن الصراع هو أصلاً وفصلاً بين مرضى مزمنين وأطباء يمتلكون وصفات العلاج. في خلفية هذا التشخيص نجد عصارة التجربة الكولونيالية الغربية. وإذا كان المقال لا يستخدم كلمة «احتلال» أو استيلاء لتوصيف السيطرة الإسرائيلية على هضبة الجولان، بل كلمة أكثر لباقة اعتدنا على تعريبها بكلمة «فتح» وفتوحات، فذلك لأنه بالضبط يصدر عن رؤية تختصر التاريخ الكولونيالي وصفحاته السود بالعلاقة بين جماعات مريضة والطبيب الأبيض المداوي.

ليست الحرب السورية وأهوالها ومآسيها هي موضوع التحقيق، بل صورة إســـرائيل المــفرطة في «إنســـانيتها». معلوم أن العــلاقة بين الطبيب والمريض، خصوصاً إذا كانت خارج اعتبارات السوق والمنفعة الاقتصــادية والانتماء الوطني أو القومي، هي أكبر وأكثر بكثير من العلاقة السريرية. إنها مدار دَيْن أخلاقي ومعنوي، بحيث أن عدم الانصياع لـــتسديده وتســديد فوائده هو ضرب من الجحود ونكران الجميل. والغريب أن هذه الرؤية تبقي الآخر في آخرية مطـــلقة. فـــقارئ التــحقيق لا يشعر في أي لحظة بوجود مشترك إنساني يمكن ان نقيس عليه، كــما الحـــال في الـــعديد من النــشاطات الإنــسانية والأدبيات الأنتروبولوجية في الغرب. هناك سوريون مرضى كلهم، معارضين وموالين وضحايا للــطرفين، وهنـــاك دولة راقـــية تحمي نفسها بطريقة وقائية وتمتلك مستلزمات صفتها «الإنسانية» كما تمتلك وصفات التعاطي مع ما يهددها حتى عن طريق الصدمة.

قد يكون محض مصادفة أن هذا التحقيق صدر قبل أيام قليلة على انعقاد مؤتمر لوزراء خارجية أكثر من دزينتين من الدول في باريس الجمعة، من أجل عقد مؤتمر دولي يهدف إلى إنقاذ حل الدولتين وتجديد المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولا نعلم كيف يمكن هذه المبادرة أن تحقق شيئاً عدا تلميع موقع فرنسا في هذا الملف. فالحملة التي يشنها أركان الحكومة الاشتراكية ضد أي ضغط على الدولة العبرية هي من طراز التحقيق الموصوف أعلاه.

الحياة

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى