الرئيسية / صفحات مميزة / عن مؤتمر بروكسل وبيان «المجتمع المدني السوري» -مقالات مختارة-متجدد

عن مؤتمر بروكسل وبيان «المجتمع المدني السوري» -مقالات مختارة-متجدد

بؤس مجتمعنا المدني/ عمر قدور
واحدة من الوثائق التي اعتُمدت ضمن وثائق مؤتمر بروكسل الذي عُقد الثلاثاء الماضي للهيئات المانحة كانت رسالة باسم “المجتمع المدني السوري”، وأدى انكشاف هذه الرسالة إلى لغط شديد على وسائل التواصل الاجتماعي، لما تحمله من فهم “خاص” للصراع السوري يفترق عما هو موضع اتفاق بين غالبية معارضي الأسد. في التوضيحات التي تلت نشر الرسالة يتبين صدورها عن “غرفة المجتمع المدني” التابعة للمبعوث الدولي ديمستورا، إلا أن كواليس صياغة الرسالة على هذا النحو بقيت غامضة، مثلما بقي غامضاً دور المنظمات التي تساهم في تلك الغرفة عادة.
على سبيل المثال تشير الرسالة مرات عديدة إلى أطراف الصراع أو جميع الأطراف، فيما يبدو أنها لغة حيادية ترفض الانتهاكات من أية جهة أتت. ولا ذكر حتى لمرة واحدة لتنظيم الأسد، على الأقل لأنه الطرف الوحيد الذي يتمتع بشرعية دولية تامة من خلال تمثيله سوريا في الأمم المتحدة، وما يترتب على هذا التمثيل من مسؤولية إزاء الاتفاقيات الدولية الذي وقع عليها بصفته هذه. هنا مثلاً لا يستقيم تحت ادعاء الحيادية اعتبار تنظيم الأسد طرفاً مساوياً لداعش أو النصرة، فالتنظيمين الأخيرين مصنفين بقرارات دولية على لائحة الإرهاب، والتعاطي معهما أكثر جذرية من انتهاكات يرتكبانها في حق السوريين.
ضمن اللغة الحيادية المخادعة دائماً هناك مساحة للتنصل من هدفها الأساسي، إذ يسهل على واضعيها التساؤل: ألم ترتكب فصائل معارضة أخرى انتهاكات موصوفة في حق المدنيين أو في حق الأسرى؟ ولعدم إمكانية إنكار هذه الوقائع سنبدو كأننا أمام أطراف متساوية حقاً، لا يعني شيئاً ضمن تساويها المعيار الكمّي الذي يمتاز به تنظيم الأسد، مثلما لا تعني أي شيء أسبقية الأخير في ارتكاب الانتهاكات خلال عقود. بل على العكس تأتي الإشارة المضمرة الوحيدة إلى تنظيم الأسد من بوابة المطالبة برفع العقوبات الدولية، بدعوى إضرارها بـ”الاقتصاد الوطني السوري” وبخاصة قطاعي الصحة والتعليم كنوع من الابتزاز العاطفي. أيضاً تأتي الإشارة من بوابة المطالبة بإعادة العلاقات القنصلية مع تنظيم الأسد، تحت زعم تلبية حاجات السوريين في بلدان اللجوء، مع معرفة واضعي الوثيقة بأن إعادة العلاقات القنصلية هي شأن سياسي لا يمكن فصله عن إعادة تدوير الأسد.
أيضاً يبدي واضعو الوثيقة حرصهم على وقف “الهندسة الديمغرافية” من جميع الأطراف، وهكذا يَحِل تعبير “الهندسة” الملطّف بدل الحديث عن تهجير قسري، ولا شك في أنهم يعلمون الفرق جيداً، فاستخدام الوصف الواقعي الصحيح “التهجير القسري” يترتب عليه المطالبة بمحاكمة مرتكبيه على جريمة تُعد في القانون الدولي جريمة حرب وإبادة. بدلاً من ذلك يطالب واضعو الوثيقة بما يسمونه “عدالة انتقالية وطنية غير انتقامية وغير مسيّسة”، عطفاً على مطالبتهم بسلام مستدام عبر حوار سوري-سوري! هنا يجب ألا ننسى مواظبة تنظيم الأسد على المطالبة بحوار سوري-سوري، غايته الأساسية التملص من الضغوط الدولية والتملص أخيراً من أي حوار أو مساءلة جديين. ومن المستغرب لمن يدعو إلى عدالة انتقالية ألا يلحظ ربطها بعملية انتقال سياسي كاملة، مثلما من المستغرب لمن يطالب بعدالة غير انتقامية وغير مُسيّسة ألا يطالب بمحكمة دولية خاصة بالملف السوري من شأنها أن تضمن عدم تسييسها وعدم ثأريتها.
القول بأن غرفة ديمستورا للمجتمع المدني السوري مفصّلة على مزاج المبعوث الدولي وداعميه صائب، بقدر عدم مغادرتنا الصواب إذا تحدثنا عن سوريين يقبلون بذلك المزاج لاعتبارات شتى، لا يُستبعد أن تكون السياسة في ذيلها بالنسبة لبعضهم. غرفة ديمستورا “من حيث الشكل” تضم من يُفترض أنهم ممثلو المجتمع المدني في مناطق سيطرة الأسد، ومن يُفترض أنهم ممثلو المجتمع المدني في المناطق الخارجة عن سيطرته أو في مناطق النزوح الخارجي، وهذه القسمة تعني “شكلياً أيضاً” فتح قنوات تواصل وتفاهم بين الطرفين خارج السياسة المباشرة، أما في أصل تشكيل الغرفة فيفترض بالطرفين العمل على عدم تهميش قضايا المجتمع السوري في أية تسوية قادمة يتوسط فيها المبعوث الدولي.
إذا غادرنا ما هو شكلاني، نعلم جميعاً استحالة وجود منظمات مجتمع مدني لا تخضع مباشرة لسلطة تنظيم الأسد، ومعروف على نطاق واسع أن القسم المعوَّم منها يخضع لإشراف أسماء الأسد تحديداً. أما منظمات المجتمع المدني السوري التي أنشئت بعد الثورة فهي تثير التباساً من نوع آخر، إذ أن قسماً كبيراً منها يتموّل من جهات حكومية غربية، وهذا التمويل يأتي غالباً ضمن سياسات خارجية ومن وزارات الخارجية أيضاً، وتأسيس قسم كبير من المنظمات أتى بمبادرات فردية لم تتمأسس في ما بعد، وبقيت هذه المنظمات أقرب إلى إقطاعات شخصية حتى إذا لعب بعضها دوراً إغاثياً أو تنموياً بسيطاً هنا أو هناك.
أصلاً لا يعترف تنظيم الأسد بالمجتمع السوري، ولا تسمح بنيته القمعية بتوزيع السلطة، كي يسمح بمؤسسات مجتمع مدني حقيقية. وفي الشتات نجافي الواقع إذا تحدثنا عن مجتمعات سورية تنتظم وتشكل مؤسساتها الخاصة، وكما نعلم فإن منظمات المجتمع المدني في لبنان والأردن وتركيا هي عملياً خارج المخيمات، وهي بمثابة زائر غير مقيم للأخيرة، بصرف النظر عن تقييم الخدمات التي تقدّمها. العلة الأساسية في الحالتين، قمع المجتمع في الحالة الأولى، وعدم وجود مجتمع في الحالة الثانية، إذ سيكون من التجني وصف تجمعات النزوح القسري بالمجتمع.
لفهم أفضل ينبغي ربط “غرفة ديمستورا للمجتمع المدني” وما يشبهها بالنظرة التي تنص على أن ما يحدث في سوريا حرب أهلية، ضمن هذه النظرة يصبح التحدث عن “جميع الأطراف” بالتساوي منطقياً. وإذا غادرنا وصف كل ثورة بأنها حرب أهلية فإن العيب الأساسي في التوصيف الدولي المشار إليه عدم ملاحظة وجود طرف واحد يستولي على مقدرات الدولة السورية ويستخدمها لإبادة الطرف الآخر أو التضييق الشديد عليه، ويحظى بشرعية تمثيل سوريا في المحافل الدولية، بل إن المجتمع الدولي لم يقترب يوماً من القول بأن استجلابه الميليشيات ودول الاحتلال للمشاركة في قتل سوريين آخرين هو سلوك غير شرعي. هذه الوضعية القانونية لا تستقيم مع اعتبار تنظيم الأسد طرفاً في الصراع فحسب، ولاعتباره طرفاً يتوجب على منظمات المجتمع المدني الحقوقية خوض معركة من نوع آخر، هي معركة تجريده من الشرعية الدولية.
ليست القضية في رسالة ينسب أصحابها إلى أنفسهم تمثيل المجتمع المدني السوري بغير حق، هي في اندراج الرسالة نفسها في عملية تدليس أكبر وأوسع. وإذ لا ينسى أصحابها اختتامها بإنشاء بليد وسخيف، من نوع الإشارة إلى سبعة آلاف سنة من الحضارة السورية، لا يتورعون خلف الإنشاء عن اعتبار أبناء تلك الحضارة غير جديرين سوى بفتات الحقوق التي يمنّ بها عليهم صاحب مفتاح غرفتهم؛ السيد ديمستورا.
المدن

 

 

الشيطان في التفاصيل/ سلام الكواكبي
أثار النص “الوفاقي” الذي نُسِبَ “خطأ” إلى (الـ)مجتمع المدني السوري، و “المُسَرَّبْ” أولاً، ثم المعتمد من مؤتمر بروكسل للمانحين الى سوريا بشكل مؤقت ثانياً، أثار لغطاً كبيراً ونقاشاً مريراً بين السوريات والسوريين، وخصوصاً العاملين والناشطين في جُلِّ منظمات المجتمع المدني التي غُيّبَت بإرادة ديمستورية عن اللقاء. وإلى جانب النقد القاسي حتى الإدانة، المستند إلى شكل ومضمون هذه الوثيقة، والمُدعّم بالحقائق والمعطيات التي برزت من خلال تحليل النص ومقاربة تفاصيله، برزت أشكالٌ مختلفة للهجوم والتجريح مستعينة بمفردات لغة انتشرت بكثافة نتيجة فسحة التعبير التواصلية. وقد خرجت مجمل الانتقادات العنيفة عن سياق النقد المُجَرَّدْ مهما جاز له أن يكون قاسياً للوصول الى الشتم والتجريح والتخوين بحق من شارك في الوقوع في هذا الفخ المُحْكَمُ الإِعداد من قبل حاشية المبعوث الدولي وصغار موظفي الاتحاد الأوروبي المستندين إلى علاقات منفعة متبادلة مع بعض وسطاء التوافق.
إنه نصٌ يمكن أن يعتبر “مدرسة” في سوء الأداء التعبيري ويحمل عديداً من الجمل المفخخة والتي هي في مضامينها “حمّالة أوجه” دون تعداد. ويمكن حتى لأكثر المراقبين موضوعية بأن يلاحظ أن من حرر هذا النص عمل على إقحام الصالح بالطالح للتوافق على ما لا معنى له حتى في أدبيات “التربية القومية الاشتراكية” المبسترة. هذا النص الذي ألّفته مجموعة من أصحاب النوايا الطيبة إلى جانب مجموعة أخرى من أصحاب الخوف المتجذّر أو التبعية الأيديولوجية / الأمنية أو المصلحة الشخصية، أو كل هذه العناصر مجتمعة، والذي تُليَ على الاجتماع الوزاري مسجّلاً انتصاراً وهمياً للمبعوث الدولي المتبجّح دائماً بقدرته على الالتفاف اللولبي حول عنق السياسيين من جهة المعارضة مع محاباته، أو جبنه، في التعامل مع السياسيين ـ إن وجدوا ـ على طرف السلطات الحاكمة.
وبمعزلٍ عن المحتوى الهلامي للنص، وبمعزل عن مقارباته المفاهيمية المتعرّجة والعرجاء، والتي أُشّبِعَت تحليلاً وتمحيصاً، والتي حظيت بتفكيك واعٍ لمفخخاتها العنقودية والانشطارية، فلقد أبت أقلام وأصوات البعض من الممتعضين أن تكتفي بما هو شديد البنية من النقد وقوي الغضب من الاعتراض، فقامت باستنباط السيناريوهات المركّبة لتوضّح مدى معرفتها بما لا تعرفه بخصوص العمل المدني.
فانبرى البعض الى كيل الاتهامات من كل حدبٍ وصوب بحق من شارك من ممثلين لمنظمات مدنية سورية غير محسوبة على الأجهزة الأمنية. فبدءاً من اتهامهم بالخضوع لرغبات مشبوهة، ومروراً بنعتهم بالخبث، ووصولاً إلى اتهامهم بالميل للاستسلام الطوعي تماشياً مع مرحلة “إدارة الهزيمة”. وتجاوزت الاتهامات حدود الأشخاص لكي تصبّ أيضاً في حدود الحوكمة “الفاسدة” للمنظمات إياها. وعلى الرغم من الجهل العام بالمجتمع المدني ومقوماته، وتناسباً مع حجم الأمية العملية بأسس العمل المدني، خصوصاً في دول الأزمات أو في حالات الكوارث، إلا أن جُلَّ الاهتمام في أغلب الشتائم تركّز على قضية التمويل.
وكأن بمن يتطرق صعوداً ونزولاً، الى مسألة تمويل المنظمات المشاركة، قد أخرج الأرنب من قبعة الساحر. وكما وكأن من تبنّى التلويح بشمّاعة التمويل كان طوال حياته المهنية والمدنية والتطوعية ، مانعاً نفسه من البحث عن تمويلٍ مناسب لمشاريعه إن وجدت. ويكاد المرء يقول لهم: “من كان منكم بلا تمويل فليرمهم بحجر التمويل”. ففي مجتمعات انعدم فيها مفهوم “المسؤولية الاجتماعية” وانحصر الأمر بالتبرّع على أسس دينية إرادية أو مفروضة، ارتبط تمويل العمل المدني دائماً ـ وفي أذهان الأغلبية ـ بالارتهان إلى “أجندات” مفروضة وإلى انعدام في الاستقلالية. وعلى الرغم من إمكانية وقوع هذا الارتهان وقابلية الطرفين، المُمَوِّل والمُمَوَّل، للوقوع ضحايا أجندات تبادلية وتفاعلية عدّة، إلا أن القاعدة في العمل المدني في كل أصقاع الأرض هي في أن تقوم المنظمة غير الحكومية بالسعي لتحصيل دعمٍ ماديٍ يتناسب مع حجمها ومدى طموحاتها على الأرض، ويستند أساساً إلى مشاريعها المبنية على دراسة دقيقة ومسبقة.
شمّاعة التمويل هي المفضلة لدى الأنظمة المستبدة للتنديد بمجمل العمل المدني ومنعه والتشكيك بوطنية القائمين عليه، فهل جاء دور المعترضين لتبني خطاباً استبدادياً بامتياز؟
انتقاد ما ورد في نص بروكسل المهلهل واجبٌ وطني وضرورة منهجية. وإن تفنيد ما انتجه موقعوه من الردود او التبريرات التي جاءت لتفسر الماء بعد جهدٍ بالماءِ، أمرٌ أساسي. كما أن القيام بمطالبة من خانه الحظ وحادت عنه الرؤية وضعفت لديه الحنكة ووقع على هكذا نص في أن يتراجع ويعتذر، فلا شك أن في هذا الحاحّ. بالمقابل، يُخشى الوقوع في فخ التشكيك والتخوين والتمويل وأخواتها، لأن هذا ما يُريد فعلاً أن يوصل اليه الاستبداد رامياً الشك بمجمل الحَراك المدني. وإن لم يكن لدى المجتمع المدني السوري الذي يحبو، بتشعباته وتلويناته، القدرة، بعد سبع سنوات على المقتلة، أن يصل إلى درجة من الوعي الخطابي تسمح له بأن ينتقد الكبائر من الأخطاء دون أن يزل لسانه في مستنقع أسنٍ أُريد له أن يغمر مختلف جوانب حياته العامة منذ القديم، فعلى مستقبل هذا الأمل الوحيد الباقي السلام.
تلفزيون سوريا

 

 

 

خلافات المجتمع المدني السوري/ عمار ديوب
تسرّب إلى الإعلام، قبل بضعة أيام، بيان لمنظمات المجتمع المدني، وضمن أسطره إشارة إلى أنه سيُقرأ في اجتماع للدول المانحة في بروكسل. سُرّب البيان، وكأنُه يعبّر عن كل منظمات المجتمع المدني السوري، أي الموجودة في مناطق النظام والخارجة عنه وفي الخارج، حيث دول التهجير. أوضح تمحيصٌ قليل في الأمر أنّ تسريبه كان مقصوداً، ويُراد من خلاله تدجين ما تبقى من هذه المنظمات ضمن رؤية مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، لدور هذه المنظمات، حيث هي تمثل الطرف الثالث (الثلث) في أي مؤتمر سياسي في جنيف أو سواه، ويخص المرحلة الانتقالية للحكم. وتلقى البيان مدافعين شرسين عنه، ومعارضين له، وصامتين عنه، وهناك من قلل من شأنه. الإشكال أن البيان المسرّب قُرئ في اجتماع الدول المانحة، واعتمد ضمن أوراقهم.
إشكالية البيان أنّه يعبّر عن منظماتٍ فقط، ومضمونه أقرب إلى رؤية النظام لكل ما حصل في سورية، ويستخدم مصطلحاتٍ مقصودة، بحجة الحيادية والمراقبة، كالآتية “أطراف الصراع، الهندسة الديموغرافية، تفعيل القنصليات، رفع العقوبات الاقتصادية”. الإشكالية الأسوأ أنّه لا يشترط ذلك كله ببدء المرحلة الانتقالية، أي انتقالية إلى مجلس حكم له كامل الصلاحيات، وأيضاً لا ينص على أن مرجعيته بيان جنيف1، وبذلك يستقي جلَّ أفكاره من رؤيةٍ سياسةٍ محدّدة، يتحرك من خلالها دي ميستورا والروس خصوصاً. وأصدر لاحقاً بعض الذين صاغوا البيان المسرّب توضيحاتٍ كانت مجرد صدٍ للهجمة التي اشتدت عليهم في وسائل التواصل الاجتماعي والمندّدة بالبيان، وبالعقلية التي تقف خلفه، والتي مرجعيتها التصالح مع النظام والإقرار بالواقع الراهن.
لستُ ممن يقلّل من شأن اجتماع الدول المانحة، ولا من بياناتٍ كهذه؛ الإشكالية أنّها تُعتمد لدى الاتحاد الأوروبي باعتبارها تمثل المجتمع المدني السوري، وأن ما يحصل في سورية تتحمّل
“هناك ضرورة للاهتمام الدقيق بأعمال منظمات المجتمع المدني”
مسؤوليته الأطراف التي يقاتلها النظام، وليس العكس. وتأخذ الفكرة السابقة جدارتها من تداول المنظمات التي خرجت من مناطق النظام البيان المشؤوم، وكأنهم اكتشفوا ترياق الخلود.
يمتنع البيان عن تعميم أية أرقام “بشرية” ساهمت تلك المنظمات في إعالتها، سيما أنهم أكّدوا أن وظيفتهم “غير سياسية”، ولحماية التعليم والصحة والإغاثة والحماية. فهل استطاعت تلك المنظمات المساهمة الفاعلة في تأمين تلك الاحتياجات؟ هل يمكن أن ننسى أوضاع الأطفال أو النساء في مخيمات تركيا والأردن ولبنان، ولن أتكلم عن أوضاع غير الموجودين فيها. أيضاً لم نعرف من استفاد من المساعدات فعلياً، ولا سيما في مناطق النظام، وهناك تقارير عن فساد كبير في ذلك، وأن المساعدات كانت تذهب إلى غير المحتاجين.
الوضع السوري بعد الثورة، ورفض النظام تقديم أية إصلاحات أو الرحيل، أدخل سورية في مأزقٍ شديدٍ، وتَعمقَ بشكل كارثيِّ مع التدخلين، الإقليمي والدولي. وبذلك تحوّلت سورية إلى أرضٍ لحروب الآخرين عليها. يتطلب هذا الوضع حتماً مساهمة كبيرة لمنظمات المجتمع المدني، ودعماً كبيراً لإيفاء الحاجات. هنا لا أقلل من أهمية عملهم وضرورته، وليس صحيحاً توجيه الاتهامات لها، لأنها تقوم بالمساعدة فعلاً. الاشكالية هنا، في عدم حياديتهم وانحياز المُسرّب أو المصحح له لرؤية سياسية محدّدة، وهنا لا يكفي القول: هل يمكن النقاش بشأن دور النظام في كوارث سورية، وإنّه معروف. لا، فحينما تُعتمد البيانات وثائقَ في أدراج الدول، ويتم تمييع المسؤولية عبر ذلك فهنا يوجد تلاعب سياسي واضح، ولا علاقة له أبداً بالحيادية، بل وتسقط المصداقية عن كل العمل الذي أشدت به من قبل.
إضافة إلى ما سبق: أي مرجعيات تعتمد عليها منظماتنا هذه؟ أليس من الضرورة وجود تنسيق عام لأعمالها يوضح ما فعلته، والأماكن التي عملت فيها وإنجازاتها الواقعية؟ حافظت هذه المنظمات على عملها الفوضوي، ونادراً ما حصلت توافقات على أماكن العمل أو نوعيته، باستثناء المخطط لدى الممولين. الإشكالية هنا في قيادات المنظمات وفي الجهات الممولة؛ فأغلبية القيادات قادمة من أوساط سياسية فاشلة وباحثة عن مصالحها، والتمويل ذاته تقدّمه الدول المتقدمة، أو المنظمات التي تعمل تحت هيمنة دول معينة، وتريد من خلاله اختراق المجتمعات المحلية المتخلفة، وتشويه نشاطاتها وأعمالها المدنية والسياسية والثقافية، أي تريد تخريب المجتمعات. أقول التخريب، لأن مجتمعاتنا، والسورية منها تحديداً، كانت بحالة ثورة، أي أظهرت قيادات ثورية وشجاعة وكان يجب تدجينها، وهذا ممكن عبر المال والسفر واللجوء لاحقاً. المال أساسيّ في المنظمات هذه، وبدونه لا يمكن أصلاً القيام بأية أعمال لإيفاء الحاجات. وهنا يبدأ الفساد، وتبدأ التبعية للجهات الممولة، وتبدأ الأكاذيب في التقارير المُقدمة. وبالتالي تختفي الوقائع الحقيقية من أجل السرقة والفساد. إضافة إلى كل ما تقدم، هناك منظمات متخصصة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة، ولا أحد يعلم عن نشاطاتها أبداً، وهنا الفساد الأكبر.
يستند مفهوم منظمات المجتمع المدني إلى مجتمع مستقر أو في حالة ثورة، ويعبر عن بعض
“لا حيادية في أعمال
منظمات المجتمع
المدني”
أشكال العلاقات بين المجتمعين، الأهلي والسياسي، وهو يعبر كذلك عن حالة الحياة الاقتصادية والاجتماعية للناس؛ أي من السخف بمكان اعتباره لا يمتلك رؤية سياسية، بل هو كذلك، وعليه تحديد الحقوق الأساسية للناس، ووجودها من عدمها. والكلام عن الحقوق هو كلام عن الدستور وعن القوانين، أي عما ينظم حياة كل المجتمع بكل مستوياته، ومنها السياسية بالتأكيد. لهذا، ليس من الصحيح أبداً اعتبار موضوعية هذه المنظمات في انعدام الرؤية السياسية لها وفي أعمالها.
في كل الأحوال، تعبّر هذه المنظمات عن أفرادٍ بحثوا عن تمويل، وتلقوه وهم يواظبون على إرسال تقارير دورية عن أعمالهم للممولين، وهم بذلك يصبحون موظفين عالميين!. الإشكالية أن كل هذا التمويل يذهب إلى المكان المنخفض، حيث الفساد، أو تكمن فائدته في أعمال هامشية، وربما تساهم في التخفيف الأولي من حاجات الناس المذكورة أعلاه.
الوظيفة الحقيقية لمنظمات المجتمع المدني تكمن في تقوية الأوضاع المستقلة عن الدولة، وتحديداً الشمولية، وعن المجتمع الأهلي، أي تقوية أوضاع الطبقة الرأسمالية الخاصة، والدفاع عنها، وإيجاد أعمال خاصة بهم، وأن يصبحوا جزءاً منها، بفسادها ونشاطاتها، وهو ما كان يتم قبل الثورة وإلى الآن. عكس ذلك هو ما يُقدّم، أي أنّهم يدافعون عن المغلوب على أمرهم، والذي يظلّ أمرهم مغلوباً!.
إذاً لا حيادية في أعمال منظمات المجتمع. ونقاشنا هنا، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر البيانات المتضاربة كله يؤكد ذلك. وبالتالي هناك ضرورة للاهتمام الدقيق بأعمال هذه المنظمات وبتحديد المسؤولية عما حدث في سورية بكل وضوح وأناة، وهذا ليس عملاً سياسياً مباشراً، بل ضمن خانة علم الحقوق والمسؤوليات، وهذا ليس بعيداً عن علم السياسة أيضاً.
العربي الجديد

 

 

 

ليس مجتمعاً مدنياً وليست دولاً حديثة!/ خالد منصور
تسافر المفاهيم الفلسفية والمنطقية بسهولة أكبر عبر التاريخ، مقارنة بالمفاهيم الأكثر تاريخانية أي تلك النابعة، ربما كليةً، من قلب تطور اجتماعي واقتصادي في ظروف تاريخية معينة. هذا ما يخطر للواحد منا وهو يقرأ مقالة بعد أخرى وكتاباً بعد آخر عن الدولة أو المجتمع المدني في المنطقة العربية، أو يتابع صراعاً محتدماً بين نخب تقود نظام حكم في بلد عربي ما، وبين منظمات المجتمع المدني فيه، أو بين هذه المنظمات وأخرى.
وكان آخر هذه الصراعات ما حدث خلال مؤتمر في بروكسيل الأسبوع الماضي، عندما صدر بيان عن اجتماع حضرته منظمات من المجتمع المدني في سوريا (سمّاه مكتب الأمم المتحدة المعني “بيان المجتمع المدني” بالف ولام التعريف” فصب زيتاً لغوياً رديئاً على نار كان سوريون كثر معنيين بالشأن العام المنكوب في غنى عنها). وانتقدت منظمات كثيرة، عن حق غالباً، ما ورد في البيان بصفته لا يعبر عنها بل يميل ربما تجاه سردية النظام الحاكم. ومن ناحية أخرى، احتج مشاركون من منظمات معارضة وقالوا إنهم لو لم يشاركوا لتركوا الساحة وهذا الاجتماع، غير المؤثر كثيراً في الحقيقة، لتسودها ما يُسمى بالمنظمات الحكومية غير الحكومية – أي منظمات مجتمع مدني موالية أو داعمة نظام الحكم القائم في دمشق، والقائم، هو ذاته، على تدمير المجتمع السوري أو تمزيقه منذ عقود، قمعاً، ومنذ سنوات قصفاً وقتلاً وتشريداً.
هذا جدل يستحق النظر والتفكير المتمعن. من يمثل من؟ ومن يتحدث باسم من؟ وما دور منظمات احترافية مهنية غير قائمة على العضوية في الصراع والتسوية السياسية، بخاصة لو كان معظمها منظمات تُعني أساساً بمسائل اجتماعية أو ما فوق سياسية (مثل زيادة الوعي بالمواطنة أو سبل الحوكمة الرشيدة… إلخ)؟ وما الفارق بين منظمات مجتمع مدني معنية بقضايا مثل الدفع باتجاه سياسات عادلة أو منصفة في مجالات الضرائب والخدمات مثلاً وتلك التي تقدم خدمات حيوية للفقراء أو في ظروف كارثة إنسانية مديدة وعميقة؟
هناك حاجة حقاً إلى ضبط المفاهيم وتجذيرها في بلادنا، ولكن أيضاً التعامل معها على أنها ابنة زمنها وقابلة للتغيير.
من المفيد أن نعرف كيف تطور مفهوما المجتمع المدني والدولة الحديثة في الغرب منذ القرن السابع عشر مع الانفصال المتزايد للدولة عن المجتمع وتمايز وظائفها، بل وانفصالها تدريجياً عن طبيعة النظام الحاكم (لم يعد هناك من لويس رابع عشر يصرخ قائلاً: “الدولة هي أنا”). ومقالة ياسمين إبراهيم في درج مثال جيد. من المفيد أن نعرف هذا التاريخ ولكن الأفيّد أن نعي حدود واشكاليات ما صار أسمه المجتمع المدني ومنظماته في بلادنا.
ولكن لنضع العربة أمام الحصان (فهذا وضعها السائد في بلدان عديدة في منطقتنا) أولاً ونتحدث عن الدولة. الدول العربية، في معظمها، متماهية مع النظم التي تحكمها ويضعف فيها أو يختفي دور مؤسسات الدولة الحديثة ومبادئها، مثل احتكار العنف تحت حكم قانون يتساوى أمامه الجميع صورياً، وأهمية أن يتمحور دور الدولة حول خدمة مصلحة عامة وأهداف وطنية عليا (حقيقية أو مدعاة ولكن متفق عليها بشكل ما). هذه المصلحة العامة والأهداف الوطنية تقررها– نظرياً- مؤسسات السلطة والنخب الحاكمة مع أقل استخدام ممكن للعنف وداخل إطار القانون. هذا هو الوضع المثالي.
ولكن دولنا العجيبة في منطقتنا المنكوبة هي من عينة دول صدام والأسد وناصر والقذافي والبشير، ومن خلف بعضهم، وأسلافهم من أمثال محمد علي والأمير فيصل والشريف حسين وآل سعود. كل هؤلاء خلقوا أو قادوا دولاً تمثل نمطاً آخر تحتكر فيه الدولة العنف المشروع، ولكن ممارسة هذا العنف لا تخضع حقاً لقانون– ولا حتى أحياناً على سبيل الحفاظ على مظاهر الحداثة. وتتضعضع الأيدولوجيات المهيمنة (ولكن المتداعية والمتهاوية سريعاً في العقدين الأخيرين مثل الوهابية والقومية العربية والإسلامية) وتفقد سيطرتها بل وتفشل تدريجياً في خدمة نخب حاكمة صارت في حقيقة الأمر تجمعات نهب عصابية تسيطر على مقاليد الأمور على رغم تبنيها، هنا أو هناك، خططاً طموحة مذهلة تعبر عن مصلحة عامة مفترضة، تتغير بزئبقية غير مفهومة من طريق عمليات ومفاوضات تدور في أروقة معتمة.
قبل قيام دولنا “الحديثة” هذه خلال الغزو الاستعماري وعقبه، كانت– وما زالت هناك– تجمعات أهلية تعمل للمصلحة العامة (لا تستهدف ربحاً في السوق ولا تريد ان تسيطر على السلطة، ولكنها إما أن تقدم خدمات أو تمثل عامل ضغط على السلطات الحاكمة من أجل تغيير توجهاتها). وما زالت هذه الجمعيات قائمة وعلى رغم أن معظمها ذو أساس ديني، إلا أنها ليست جماعات إسلاموية أو مسيحية تبشيرية. وكانت نظمنا بعد الاستقلال ولسنوات قليلة ربما تسعى إلى خدمة صالح عام متفق عليه بصورة ما (طبعاً هناك تعميم واسع هنا حيث يختلف المغرب عن تونس عن مصر عن العراق عن السعودية وأحياناً بصورة درامية).
وكذلك منظمات المجتمع المدني الحديثة في بلادنا، فميلادها ونشأتها يشبهان ما حدث في بقية العالم الحديث مع تفكك حركة الحقوق المدنية في السبعينات وانحسار اليسار السياسي بقسوة مع انهيار الاتحاد السوفياتي في الثمانينات. ولكن تطوراتها اللاحقة تختلف. ففي الحالتين برزت منظمات المجتمع المدني متمايزة عن الأحزاب السياسية ويعتمد معظمها على توافق عدد قليل من الأعضاء أو المؤسسين وتمويل عدد محدود من الهيئات أو المؤسسات أو حتى الحكومات من داخل البلاد أو خارجها. ولكن المؤسسات الوسيطة ظلت قائمة وفاعلة في الدول الحديثة، بينما ضمرت واضمحلت بل واختفت في معظم دول المنطقة.
وتلعب هذه المنظمات دوراً مهماً للغاية في تقديم الخدمات الاجتماعية، وفي توثيق التطورات الاجتماعية (أو الانتهاكات القانونية)، وفي المدافعة عن تغيير السياسات وتسليط الضوء على أداء الحكومة، وفي الضغط على الحكومات. ولكن مطالبتها المضمرة بأن يحل دورها محل الأحزاب السياسية أو النقابات العمالية أو المهنية أو جماعات العضوية الضخمة القائمة على مصالح أعضائها (أمازيغ أو نوبة أو عرقيات وأقليات مختلفة أو سكان ريف أو من المزارعين، إلخ) هي مطالبة عجيبة حقاً وتنطوي على سوء فهم عميق لعمليات التغيّر الاجتماعي في بلداننا وغيرها.
جمعية أنصار السنة المحمدية (تأسست عام ١٩٢٦) والجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة المحمدية (تأسست عام ١٩١٢)، والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية (تأسست عام ١٩٥٠) مثلاً، كلها جمعيات مصرية تقوم بنشاط حيوي يخدم ملايين الأشخاص منذ عشرات السنين، إضافة إلى عدد كبير من الجمعيات، تم تدشينها في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، على خلفية انسحاب الدولة من أداء أدوارها الاجتماعية، في مجالات الصحة والتعليم، وكفالة الفقراء والعاجزين، والأطفال والمسنين والعاطلين. لدى الجمعية الشرعية، مثلاً، ألف حضانة لرعاية الأطفال المبتسرين، و34 مركزاً طبيّاً مختصاً، بينما توجد جمعية أنصار السنة في 18 محافظة ولديها 30 مركزاً طبياً. وفي تونس، حققت جمعيات المناصرة والدفاع عن سياسات اجتماعية وحقوق الإنسان، مثل جمعية النساء الديموقراطيات أو الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أو “أنا يقظ” مزيداً من الحماية الدستورية والقانونية والفعلية للنساء ومختلفي الميول الجنسية وشفافية أكبر في عمل الجهاز الحكومي. وفي بلدان الصراعات، فإن المخفف الرئيسي لآلام ومعاناة ملايين الناجين هي روابط أهلية وجمعيات محترفين تعمل من داخل البلاد أو دول الجوار في سوريا وليبيا واليمن.
هذه منظمات مسؤولة في أغلبها أمام من أسسوها (وأمام ضمائرهم ونزاهتهم المهنية) وأمام من يمنحوها الأموال، ولكن مسؤوليتهم تجاه الفئات التي يخدمونها ويدافعون عنها، ضعيفة وغير مفروضة بشكل منهجي. وعلى رغم أن معظم تمويل هذه المنظمات محلي وبخاصة ما يعمل منها في مجال الخدمات المادية، فإن فقر المجتمعات أو قمع النخب الحاكمة هو الحائل الرئيسي في ألا تكون هذه المنظمات وبخاصة تلك التي تعمل في مجال رصد ومحاولة تغيير السياسات مدعومة وممكننة من جانب الشعوب أو النخب الإصلاحية.
وإذا نحينا جانباً المنظمات المزيفة أو العاملة بشكل زبائني لدى حكومات محلية أو خارجية، فإن المنظمات الأهلية المحلية تفتقر إلى ما تتمتع به المنظمات المناظرة في الدول الحديثة وهو حق تنظيم مستقر والعمل كرديف في بعض الأحوال للمؤسسات الوسيطة مثل الأحزاب والنقابات العمالية والمهنية من أجل دفع سياسات معينة إلى الأمام أو إجراء تغييرات محددة. فلا حق التنظيم مستقر ومحمي في المنطقة العربية (باستثناء تونس وإلى حد ما لبنان والمغرب) ولا مؤسسات وسيطة قوية يمكن العمل من خلالها مثلما هو الحال في مثل تلك البلدان.
سنضيع وقتنا (كتّاباً وقراء) إذا حاولنا أن نطبق مفاهيم وصفية أو نقدية للدولة أو المجتمع المدني، نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية اقتصادية مختلفة على بلادنا. ولكن لو أصر البعض على هذا وانتهى إلى نقد حاد لمنظمات المجتمع المدني بصفتها تعبّر عن ممولين في غرب ما، أو مسؤولة عن الفراغ السياسي في بلداننا المتصحرة سياسياً، أو عاجزة عن جلب الديموقراطية أو، يا لحماقة التوقع، فاشلة في التوصل إلى حل سياسي للانهيار المدوي في دول عدة في المنطقة، أو أنها مجرد مسكنات اجتماعية تضعف دور الدولة حيناً أو تحجب فشل الدولة وتخليها عن وظائفها الاجتماعية حيناً آخر، يتعين أن يكون الجواب برد الحوار إلى أرض الواقع. فتلك المنظمات والأفراد الفاعلون في الفضاء العام الخراب والمقيد والمأزوم في مجتمعاتنا، هي منظمات فاعلة ومهمة للغاية ولكنها ليست مجتمعاً مدنياً حقاً (بالمفهوم الغربي) ولا تعمل في دول حقيقية (بالمفهوم الحديث) وهي لم تخنق السياسة أو تحل محل حركات التحرر والحقوق المدنية (مثلما حدث في أوروبا والولايات المتحدة). لسنا منطقة فريدة ولكن بعضاً من الاحترام لاختلاف التاريخ والتطورات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية سيمكّننا من فهم وتحليل أفضل لأحوالنا، وربما في هذا الطريق نتمكن أيضاً من بداية سجال جدي، وليس تراشقاً لفظياً لا ينتهي ولا يثمر.
درج

 

 

 

عن مؤتمر بروكسل وبيان «المجتمع المدني»
عُقِدَ في العاصمة البلجيكية بروكسل بين يومي 24 و25 من نيسان الجاري مؤتمر «دعم مستقبل سورية والمنطقة»، الذي تَرأّسه الاتحاد الأوروبي بمشاركة الأمم المتحدة. وعلى هامش المؤتمر، عَقدَ فريقُ ديمستورا لقاءً مع عدد من منظمات المجتمع المدني السوريّة، خرج عنه بيانٌ أثار سجالات بسبب عدم تضمينه أي إشارة إلى مسؤولية النظام عن الأوضاع في البلاد، وعبّرت بعض منظمات المجتمع المدني السوريّة عن عدم معرفتها بمضمونه مسبقاً، وعن رفضها القاطع له.
هذا المؤتمر هو النسخة الثانية من مؤتمر للمانحين والمنظمات الدولية العاملة في سوريا جرى العام الماضي في المدينة ذاتها، وقد ركَّزَ على ضرورة تأمين الدعم للنازحين واللاجئين السوريين، الذين قُدِّرَت أعدادهم حسب التصريحات الرسمية في المؤتمر بنحو 6.1 مليون نازح داخل سوريا، وأكثر من خمسة ملايين لاجئ خارجها.
سَعَت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية للحصول على وعود بأكثر من 8 مليارات دولار، فيما قدمت الدول الحاضرة وعوداً لم تتجاوز 4.4 مليار دولار للعام 2018، حسب ما قاله مارك لوفتشوك مسؤول مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في مؤتمر صحفي، عقده بمشاركة كلّ من فدريكا موغريني المفوضة الأوروبية للشؤون الخارجية وستيفان ديمستورا المبعوث الدولي إلى سوريا.
وفي حين نقل موقع الخارجية الفرنسية عن سكرتير الدولة لدى وزير أوروبا والشؤون الخارجية، جان باتيست لوموان، التزامَ بلاده بالمساهمة بأكثر من مليار يورو في الفترة بين عامي 2018-2020، لم تتعهد الولايات المتحدة، أكبرُ المانحين، بأي مبلغ خلال المؤتمر. وكانت النتيجة أن الوعود خلال هذا العام قد تكون غير كافية لاستمرار بعض برامج الأمم المتحدة المرتبطة باللاجئين، حسب ما قال مسؤول مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية مارك لوفتشوك.
تمّت دعوة كل من روسيا وإيران لحضور المؤتمر، الذي اعتبره الممثل الروسي غير مكتمل نتيجة عدم دعوة أي طرف سوري. وكانت موسكو وطهران قد شدَّدَتا على ضرورة إشراك النظام السوري في هذا المؤتمر، كما أن حكومتي البلدين اتفقتا على المطالبة بضرورة عدم ربط تمويل إعادة الإعمار في سوريا بعملية الانتقال السياسي، وهو الأمر الذي وجده ممثلو الدول الأوروبية مرفوضاً، داعينَ إلى عودة المسار السياسي في سوريا، بهدف الوصول إلى حلّ دبلوماسي للأوضاع فيها.
على هامش المؤتمر، عُقِدت عدة لقاءات طوال الأسبوع الماضي، تركزت حول أوضاع اللاجئين، بالإضافة إلى مناقشة مواضيع المسائلة والمحاسبة، وكان من بينها اللقاء الذي عقده فريق ديمستورا مع بعض منظمات المجتمع المدني، وخرج عنه البيان المشار إليه أعلاه، الذي اعتبرت عددٌ من منظمات المجتمع المدني السوري أنه لا يمثّلها، خاصةً أنه بدأ بترويسة «رسالة المجتمع المدني السوري في بروكسل» بألف ولام التعريف، التي أعطت انطباعاً عن تمثيله لكل المجتمع المدني السوري.
هذه الرسالة التي تحوّلت إلى بيان رسمي بعد نشر الاتحاد الأوروبي لنصها على موقعه، «كانت عبارة عن كلمة موجهة من المنظمات التي شاركت في غرفة المجتمع المدني على هامش مؤتمر بروكسل، إلى الاجتماع الوزاري في اليوم الثاني من المؤتمر» حسبَ أسعد العشي مدير مؤسسة بيتنا سوريا التي شاركت في هذا اللقاء. وأضافَ العشي «ربما لا يعبّر البيان عن رأيي واتجاهي السياسي بالكامل، لكن هذا ما استطعنا الوصول إليه في ظل وجود أطراف تحمل أجندات واضحة لدعم النظام في الاجتماع»، كما اعتبرَ العشي أن استخدام كلمة «المجتمع المدني السوري» بألف ولام التعريف كان خطأً كبيراً غير مقصود.
كانت الورقة التي تم نشر صور لها على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن ينشرها الموقع الرسمي للاتحاد الأوروبي، قد أثارت استياء عدد كبير من السوريين، باعتبارها لا تسمّي النظام بشكل واضح باعتباره مجرم الحرب الأول في سوريا، مُستعيضة عن ذلك بعبارة «كل الأطراف». بالإضافة إلى ضمّها بنوداً تُعَدُّ من مطالب النظام السياسية، إذ جاء في نص الرسالة: «نرى من الضروري إعادة النظر في العقوبات التي تؤثر سلباً على قطاعات التعليم والصحة وسُبل العيش».
من جهته، قال عصام الخطيب المدير التنفيذي لمنظمة كش ملك للجمهورية: «موقفنا رافضٌ كليّاً للبيان وللطريقة التي طُرِحَ بها كممثل لمنظمات المجتمع المدني السورية، كما أن الورقة لا تمثّل أي من وجهات نظرنا حول الموضوعات التي تم تناولها فيها، ولم تُعرَض علينا ولم يشارك أحدٌ منّا في صياغتها أو الموافقة والتوقيع عليها، وهي لا تنتمي إلى لغتنا التي نستخدمها ولا تمثّل مقاربتنا للقضايا الحقوقية والاجتماعية ومحددات الحلّ السياسي في بلادنا».
وقد أصدرت مجموعةٌ من منظمات المجتمع المدني السوريّة اليوم، بياناً قالت فيه إن الرسالة لا تمثلها، وإنها تأتي نتيجة «استمرار اتباع نهج غير متوازن في التعامل مع دور المجتمع المدني في مباحثات السلام السورية ومستقبل سوريا».
كان قد جرى تداول قائمة بأسماء عدة منظمات، قِيلَ إنها شاركت في هذا اللقاء، ليتضح أن القائمة مأخوذة من صفحة تحالف يضمّ هذه المنظمات التي لم يحضر معظمها اللقاء في بروكسل. وقد أصدر مركز توثيق الانتهاكات في سوريا بياناً يوضح فيه عدم مشاركته في الاجتماع أو صياغة البيان، وقال حسام القطلبي مدير المركز للجمهورية: «فوجئنا نحن وعددٌ من المنظمات بتداول أسمائنا كمشاركين في اللقاء، في حين لم نحضر أيّاً من جلساته، واقتصر حضورنا في بروكسل على المشاركة في فاعلية حول المحاسبة والعدالة في سوريا على هامش المؤتمر»، ورجّحَ القطلبي أن صيغة الرسالة أتت نتيجة الطريقة التي يدير بها فريق المبعوث الدولي ستيفان ديمستورا مثل هذه اللقاءات الخاصة بالمجتمع المدني، حيث تغيب أي قواعد واضحة لتوجيه الدعوات، والتي يترتب عليها دعوة أطراف تعبّر عن رأي النظام السوري بشكل «فاضح»، إضافة إلى عدم وجود أجندات محددة تماماً قبلها، مشيراً إلى أن المركز وعدد من المنظمات كانوا قد أصدروا بياناً في شهر تشرين الثاني الماضي يرفضون فيه الطريقة التي يدير بها فريق المبعوث الدولي لقاءات المجتمع المدني، التي وصفها القطلبي بغير المفيدة، و«التي يبدو أن الغرض منها هو إظهار وجود لقاءات مع المجتمع المدني فقط، دون أي اعتبار لنتائج النقاشات التي تتضمنها».
يبدو البيان المُفرغ من أي إشارة إلى النظام السوري باعتباره المرتكب الأكبر لجرائم الحرب في سوريا، حتى مع ذكر دعم عملية الانتقال السياسي والقرار 2254، غير قادر بأي شكل من الأشكال عن التعبير عن تطلعات فئة واسعة من السوريين. وهو يُظهِرُ أن دفع فريق ديمستورا إلى شكل من أشكال «التوافق» بين منظمات أتت من دمشق وتدافع عن موقف النظام السوري بشكل واضح تماماً، وبين منظمات المجتمع المدني السورية المعارضة للنظام، هو خطوة أخرى يتخذها هذا الفريق للدلالة على توجهاته السياسية الفعلية. إذ يبدو واضحاً أن الانتقال السياسي ليس هو ما يشغله حقاً، بل استمرارُ عملية فارغة من المضمون، وتلعب دوراً كبيراً في استعادة النظام السوري لقدرته على العمل ضمن المجتمع الدولي.
كذلك يُظهِرُ هذا البيان انجرار بعض منظمات المجتمع المدني السوري إلى صياغات لا تعبِّرُ عنها، تحت تأثير ضغوطات غير مباشرة من فريق ديمستورا، في حين أنها كانت قادرة ببساطة على عدم الاشتراك في مثل هذا النص، الذي لا يمكن الدفاع عنه تحت أي اعتبار، كونه يشير إلى مسائل يمكن تصوّرُ نقاشاتها في المفاوضات مع النظام، لكنها لا يمكن أن تكون بأي حالٍ نقاطاً يتمّ التوافق عليها مع أطراف تمثّل رأي النظام السوري، دون أن يتحمل الأخير أيّ مسؤولية عن كلامها.

موقع الجمهورية

 

 

 

بيان المجتمع المدني السوري”: اللغط ما زال قائماً
عُقِدَ في العاصمة البلجيكية بروكسل بين 24 و25 نيسان/إبريل، مؤتمر “دعم مستقبل سوريا والمنطقة”، بقيادة الاتحاد الأوروبي ومشاركة الأمم المتحدة. وعلى هامش المؤتمر، عقد فريق المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان ديمستورا، لقاءً مع عدد من ممثلي منظمات المجتمع المدني السوريّة، خرج عنه بيانٌ إشكالي. وفي حين هاجم بعض نشطاء وممثلي منظمات غير حكومية سورية، البيان، لجهة عدم تضمنّه إشارة إلى مسؤولية النظام عن الأوضاع، قالت منظمات أخرى بأنها لم تعرف مضمون البيان مسبقاً.
والمؤتمر هو النسخة الثانية من مؤتمر للمانحين والمنظمات الدولية العاملة في سوريا، وقد ركَّزَ على ضرورة تأمين الدعم للنازحين واللاجئين السوريين، الذين قُدِّرَت أعدادهم حسب التصريحات الرسمية في المؤتمر بنحو 6.1 مليون نازح داخل سوريا، وأكثر من خمسة ملايين لاجئ خارجها.
وما زال اللغط قائماً، إذ صدرت مجموعة من بيانات الإدانة، وبيانات التوضيح، من قبل ممثلي منظمات غير حكومية سورية، كان آخرها، الإثنين، بعنوان “توضيح حول مشاركة منظمات مدنية سورية في مؤتمر بروكسل للمانحين”، ووقع عليه كل من: أسامة الشربجي، وأسعد العشي، وبهجت الحجار، وجمانة محمد خير، وعزام خانجي، وعلاء الزيات، وعلي الزير، وعلي المفعلاني، وفاروق حجي مصطفى، وفؤاد أبو حطب، وماجد داوي، ومازن درويش، ومريم شمدين، وهوزان إبراهيم.
وجاء في البيان التوضيحي: “بداية لا بُدّ لنا من الاعتذار عن الطريقة التي ظهرت فيها الرسالة، وكأنّها موجّهة من (المجتمع المدني السوري)، وهذا خطأ غير مقصود نتحمل مسؤوليّته بشكلٍ كامل.. ونؤكّد أنّ هذا الخطأ لا يوجد له ايّ أثر سياسيٍّ او قانونيّ، نتيجة لأنّ:
الدعوة لحضور الفعاليّة تمّت من قبل الاتحاد الآوروبي، وبمشاورة مكتب المبعوث الأُمّمي إلى الأفراد والمنظمات بصفتهم الشخصية، دون ايّ صفة تمثيليّة، وهذا واضحٌ بشكل تام في نص الدعوة.
قبل قراءة الرسالة في الاجتماع الرسمي تمّ التنويه من خلال التقديم أنّ هذه الرسالة هي من ممثلي الأفراد والمنظمات ال 36 المُجتَمِعة في بروكسل على هامش المؤتمر، وهذا مُثبت في فيديو افتتاح الجلسة.
ورقة الرسالة الرسمية المُعتمدة تنصّ مُقدِمتها بشكلٍ واضح أنّ هذه الرسالة هي نتيجة لتوافق المُمثلين ال 36 المجتمعين في بروكسل على خلفيّة (مؤتمر المانحين).
تمّ ارسال رسالة الكترونية من قبل مكتب المبعوث الدولي بعد الاجتماع فيها تأكيد واضح على أنّ الرسالة تعبّر عن توافق ممثلي الافراد والمنظمات الـ36 المدعوة فقط، وليس المجتمع المدني السوري.
تركيبة المنظمات المدعوّة، وبعض المدعوين كأفراد، تحمل الكثير من التنوّع والاختلاف والحساسيات، فمنها منظمات تعمل داخل سورية في مناطق سيطرة المعارضة، وكذلك منظمات عاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وأخرى تعمل في مناطق سيطرة قسد، بالإضافة إلى منظمات عاملة في دول الجوار، الامر الذي يجعل الخروج بورقة توافقيّة ليس بالأمر اليسير.
ولقد كان خيار رفض التوافق والانسحاب وارداً، وتمّت مناقشته من قبل مجموعة من المنظمات، لكن عدم امكانيّة تحشيد عدد كبير من المنظمات خلف هذا الخيار كان سينتج عنه مُجرّد حالة استعراضيّة ربما تحصد الكثير من القبول والرضى على وسائل التواصل الاجتماعي، إلاّ أنّها كانت ستخلّف آثاراً سيئة، ليس أقلّها تحويل منبر المؤتمر الذي يضمّ (85) دولة الى رسالة دعم لمطالب النظام وشركائه، وتثبيت ادعاءاته بشكلٍ تام وكُلّيّ، عبر ترك المجال لصوت واحد.
وعليه كان قرارنا الواعي ان نخوض في مفاوضات طويلة، وشاقة، لتخفيف خسائر الانسحاب قدر الامكان، دون التفريط بأيٍّ من حقوق السوريين جميعاً.
لغة الرسالة لغة حقوقية- ديبلوماسية. ونعم، صحيح انّه تمّ تكيّيف اللغة بحيث تناسب منطق التوافقات، ومُتطلّبات المنبر الدبلوماسي الذي ستتلى فيه، إلاّ أنّ ذلك لم يؤدِ بأيّ شكلٍ من الاشكال الى المساس بأيّ حقٍّ من الحقوق، وخصوصاً لجهة استخدام مصطلحات دقيقة ولا لبس فيها مثل:
الهندسة الديموغرافية: هي صيغة مُتشدّدة في ما يخص التهجير القسري، وتشير إلى أنّ التهجير القسري الذي يحصل في سوريا ليس ناتجاً عن الاعمال الحربية او بسبب هروب المدنيين من تنظيم “داعش”، او لظروف اقتصاديّة كما يدّعي النظام، وإنّما هو عملية منهجيّة مُخطّط لها بشكل مُسبق تهدف الى اجراء تغيّير ديموغرافي في سوريا ليست فقط على خلفيات اثنية أو طائفية أو عرقية بل على خلفيات سياسية ايضا، وبهذه الحالة يرفع مصطلح الهندسة الديمغرافية عمليات التهجير القسري التي تتّم من كونها جريمة حرب ليصبح جريمة ضدّ الانسانيّة وهي أشد وأخطر. من النافل ذكره انه حسب تقارير لجنة التحقيق الدولية، نظام الأسد هو من يقوم بمعظم هذه الجرائم.
اعادة النظر في العقوبات: هي عملية فنيّة تتم بشكل دوري من قبل وكالات مُختصّة في الاتحاد الآوروبي لزيادة او تخفيف بعض بنود هذه العقوبات، ولم تطالب الرسالة بأيّ شكلٍ من الأشكال برفع العقوبات، وإنّما طالبت أن يتم تخصيص عملية اعادة النظر بالاثر الإنساني لهذه العقوبات وتفعيل الاستثناء الإنساني الوارد في نص كل برامج العقوبات على أن تتم فقط في القضايا التي تمس قطاعات الصحة والتعليم وسبل العيش . وقد كان موقفنا واضح ضد رفع العقوبات عن النظام وضد أي شكل من التطبيع أو إعادة العلاقات الديبلوماسية إلا بعد الانتقال السياسي.
تفعيل عمل القنصليات: أمر منفصل تماماً عن قضيّة السفارات والعلاقات الديبلوماسيّة، ولم تطالب الرسالة بأيّ شكلٍ من الأشكال بإعادة العلاقات الدبلوماسيّة مع النظام، وإنّما أكّدت على حق السوريين اللاجئين بالحصول على كامل احتياجاتهم من الاوراق والوثائق الرسميّة بشكل محترم، دون معاقبتهم على مواقفهم السياسية من خلال عدم قيام القنصليات باجراء الكثير من المعاملات التي يحتاجها المواطنين السوريين، وتحويل القنصليات الى ماكينة تحصيل اموال لخدمة النظام من خلال قصر جلّ عملها على اصدار جوازات السفر و بمبالغ خرافيّة.
العدالة الانتقاليّة: مطلب حق لا مساومة او مواربة فيه. ومن دونه لن يكون هناك ايّ امكانيّة لقيام سلام حقيقي ومُستدام في سوريا. وأحد اهم اركان هذه العدالة هي المُساءلة والمُحاسبة على الجرائم المُرتكبة، ولا تستوي من دونهما. وهنا لا نجد أيّ مضاضة في ان تكون هذه العدالة الانتقاليّة ضمن مسار وطني يُحقق العدل دون انتقام، وعلى اسس قانونيّة اخلاقيّة غير مُسيّسة.
أسلحة الدمار الشامل: تشمل الأسلحة الكيماوية، البيولوجية والنووية. لا يمتلك ترسانة أسلحة كيماوية في سوريا الا نظام الأسد وحسب تقارير لجنة التحقيق المشتركة للأمم المتحدة ووكالة حظر الأسلحة الكيماوية تم تأكيد استخدام السلاح الكيماوي 5 مرات في سوريا. ثلاث مرات من قبل نظام الأسد ومرتين من قبل داعش.
حل سياسي وفقاً لمسار جنيف والقرار 2254: قراءتنا للقرار 2254 المبني على اتفاق جنيف 1 تؤكد على ضرورة انتقال سياسي يفكك نظام الاستبداد وينقل البلاد الى نظام ديموقراطي تعددي وتشميلي.
هذه الدعوة ليست جزءاً من آليّة عمل (غرف المجتمع المدني) التي يقودها مكتب المبعوث الدولي، ولكن هذا لا ينفي بأيّ شكلٍ من الاشكال وجود تنسيق وتعاون بين مكتب المبعوث والاتحاد الآوروبي صاحب الدعوة والوكالة الألمانية للتنمية GIZ التي قامت بتغطية تكاليف حضور المشاركين والاجراءات اللوجستية المرتبطة بهذا الحضور. مّما يؤكد ضرورة طرح مشاكل (غرف المجتمع المدني) وطريقة ادارة مكتب المبعوث الدولي لها، وضرورة أن يكون هناك آليّات واضحة وشفافة للدعوات، ولجدول الاعمال، وللمُخرجات، وقوننة الدور الوظيفي للمجتمع المدني فيها. ونُدرك تماماً ضرورة طرح بدائل عمليّة في هذا الخصوص وهو أمر نعمل عليه مع العديد من المنظمات السورية المدنيّة منذ وقت طويل.
نؤكد التزامنا التام بمبادئ الشرعة الدولية لحقوق الانسان والقانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الانسان الدولي ورفضنا التام تسييس هذه المبادئ والتفاوض عليها فمهمتنا الرئيسية هي صون الحقوق لجميع السوريين وتحصيلها والدفاع عنها وليس التفاوض عليها.
نُؤكّد مجدداً على استعدادنا لتحمّل مسؤوليّاتنا الاخلاقيّة والوطنيّة كاملةً تجاه ما قُمنا به، انطلاقاً من ادراكنا الواعي لأهميّة الدور الذي على المؤسسات المدنيّة السورية القيام به في بناء مستقبل سوريا لكل السوريين. مستقبل نعمل معاً على أن يكون قائماً على أهداف ثورتنا في الكرامة والعدالة والحرية والمواطنة”.
من جهة أخرى، أصدرت مجموعةٌ من منظمات المجتمع المدني السوريّة، الجمعة 27 نيسان/أبريل، بياناً قالت فيه إن الرسالة لا تمثلها، وإنها تأتي نتيجة “استمرار اتباع نهج غير متوازن في التعامل مع دور المجتمع المدني في مباحثات السلام السورية ومستقبل سوريا”.
وجاء في البيان: “صدرت بتاريخ 25 نيسان أبريل ورقة معنونة باسم (رسالة المجتمع المدني السوري في بروكسل – نيسان 2018). وتم تقديمها في نفس اليوم في الجلسة الختامية لمؤتمر بروكسل على أنها الصيغة التي تم التوافق عليها باسم المجتمع المدني السوري.
يهم المنظمات الموقعة على هذه الرسالة بيان أن هذه الورقة (1) لا تمثل أيا من وجهات نظرنا حول الموضوعات التي تم تناولها فيها. (2) لم تعرض على أي منا ولم يشارك أحد منا في صياغتها أو الموافقة أو التوقيع عليها. (3) لا تنتمي إلى لغتنا التي نستخدمها ولا تمثل مقاربتنا للقضايا الحقوقية والاجتماعية ومحددات الحل السياسي في بلادنا.
إننا نعتقد أن الدور المهم الذي يتصدى له المجتمع المدني السوري على كل المستويات الحقوقية والإنسانية والثقافية والتعليمية والطبية والرعاية الصحية وغيرها، ساهم بشكل كبير في إنقاذ مصائر ملايين السوريين وتخفيف معاناتهم وإيصال صوتهم وحفظ حقوق ضحاياهم والمطالبة بالعدالة لهم. كان ذلك في أصعب الظروف وأكثر خطورة وأشدها تعقيداً داخل صراع ضخم يحطم كل المقدرات والإمكانيات من حوله. ويهمنا أن نوضح هنا أن مبادئ المجتمع المدني الأساسية المرتكزة على مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان هي ليست مادة للتفاوض وإيجاد التوافقات بين طرفين أو أكثر. وأننا نرى دور المجتمع المدني هو في الحرص على عدم المس بهذه المبادئ وليس بالتفاوض حولها لإيجاد صيغ جديدة مشوهة لها.
إننا نؤكد على إيماننا بالحل السياسي وفق مسار جنيف المحدد بقرار مجلس الأمن 2254/2015 والقرارات ذات الصلة، بما يضمن المحاسبة على كافة الجرائم المرتكبة ضد الشعب السوري. كما نؤكد على أهمية الاستمرار بدعم البرامج الإنسانية والتنموية في سوريا ودول الجوار المستضيفة للاجئين السوريين، وعلى ضرورة توضيح مفهومي إعادة الإعمار والتعافي المبكر بحيث لا يسمح بوضع هذه البرامج تحت تصرف الحكومة السورية المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا بغية توظيفها سياسياً أو إتاحة استخدامها كسلاح حرب آخر ضد الشعب السوري.
إننا نرى بأن ما حصل بخصوص إصدار هذه الورقة في مؤتمر بروكسل 2 كان نتيجة استمرار اتباع نهج غير متوازن في التعامل مع دور المجتمع المدني في مباحثات السلام السورية ومستقبل سوريا. هذا النهج الذي بدأ وما زال مستمراً حتى الآن في مباحثات جنيف. والذي نعيد اليوم الإشارة إليه مجدداً وتوضيح محدداته في:
1- أن لا آلية واضحة تحدد عمليات التشاور المسبقة مع المنظمات المعنية بالموضوعات التي يتم طرحها وتناولها.
2- اختيار موضوعات الاجتماعات وجدول الأعمال بطريقة غير ممنهجة وغير مدروسة بما يوحي بأن عقد الاجتماع هو هدف بحد ذاته وليس بمضمونه ومحتواه.
3- افتقاد هذه الاجتماعات للبناء على اجتماعات سابقة حول الموضوعات نفسها التي يتم تناولها. بحيث يتم البدء في كل مرة من نقطة الصفر.
4- افتقاد هذه الاجتماعات للشفافية المطلوبة التي تعرض للسوريين ما تم بحثه، وما تم التوصل له، أو طرحه وصياغته، أو من قام بذلك من المنظمات والأفراد.
5- خضوع نظام الدعوات والمشاركة في الاجتماعات في جميع الأحيان لمعايير غامضة وخيارات شخصية يفضلها أعضاء فريق المبعوث الخاص السيد ستيفان ديمستورا دون أي تشاور أو تنسيق مع المؤسسات والمنظمات المعنية”.
ووقع على البيان كل من “المعهد السوري للعدالة” و”الرابطة السورية لحقوق الإنسان والمحاسبة”، و”‏منظمة حلم الياسمين” و”منظمة حقوق الأنسان في سوريا- ماف” و”اللوبي النسوي السوري” و”مجموعة سنبلة للتعليم والتنمية” و”رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا” و”جذور للتنمية” و”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”تجمع المحامين السوريين” و”مركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان” و”شبكة عدالة لنساء سوريا” و”المركز السوري للدراسات وحقوق الإنسان” و”هيئة سوريا الفتاة” و”المركز السوري للعدالة والمساءلة” و”المركز السوري للإحصاء والبحوث” و”جيل البناء” و”مجلس القضاء السوري” و”مؤسسة (إنسان أو لا)” و”مبادرة تعافي” و”دولتي” و”مركز توثيق الانتهاكات VDC” و”مؤسسة اليوم التالي” و”حماة حقوق الانسان” و”منظمة بردى” و”رابطة المستقلين الكرد السوريين” و”تجمع ثوار سوريا” و”منظمة حرية للأعمال الإنسانية” و”رابطة الصحافيين السوريين” و”منظمة كش ملك”.
المدن

 

 

 

رسالة حول مؤتمر بروكسل II
السيدة مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي٬ فريدريكا موغريني
السيدات والسادة وزراء الخارجية وممثلي الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي
أصحاب السعادة والسمو٬ ممثلي الدول الأعضاء في مؤتمر دعم مستقبل سوريا والمنطقة – بروكسل 24/25 نيسان (أبريل) 2018
صدرت بتاريخ 25 نيسان أبريل ورقة معنونة باسم (رسالة المجتمع المدني السوري في بروكسل – نيسان 2018). وتم تقديمها في نفس اليوم في الجلسة الختامية لمؤتمر بروكسل على أنها الصيغة التي تم التوافق عليها باسم المجتمع المدني السوري.
يهم المنظمات الموقعة على هذه الرسالة بيان أن هذه الورقة (1) لا تمثل أي من وجهات نظرنا حول الموضوعات التي تم تناولها فيها. (2) لم تعرض على أي منا ولم يشارك أحد منا في صياغتها أو الموافقة أو التوقيع عليها. (3) لا تنتمي إلى لغتنا التي نستخدمها ولا تمثل مقاربتنا للقضايا الحقوقية والاجتماعية ومحددات الحل السياسي في بلادنا.
السيدات والسادة٬
إننا نعتقد أن الدور الهام الذي يتصدى له المجتمع المدني السوري على كل المستويات الحقوقية والإنسانية والثقافية والتعليمية والطبية والرعاية الصحية وغيرها٬ ساهم بشكل كبير في إنقاذ مصائر ملايين السوريين وتخفيف معاناتهم وإيصال صوتهم وحفظ حقوق ضحاياهم والمطالبة بالعدالة لهم. كان ذلك في أصعب الظروف وأكثر خطورة وأشدها تعقيداً داخل صراع ضخم يحطم كل المقدرات والإمكانيات من حوله. ويهمنا أن نوضح هنا أن مبادئ المجتمع المدني الأساسية المرتكزة على مفاهيم ومبادئ حقوق الإنسان هي ليست مادة للتفاوض وإيجاد التوافقات بين طرفين أو أكثر. وأننا نرى دور المجتمع المدني هو في الحرص على عدم المس بهذه المبادئ وليس بالتفاوض حولها لإيجاد صيغ جديدة مشوهة لها.
إننا نؤكد على إيماننا بالحل السياسي وفق مسار جنيف المحدد بقرار مجلس الأمن 2254/2015 والقرارات ذات الصلة٬ بما يضمن المحاسبة على كافة الجرائم المرتكبة ضد الشعب السوري. كما نؤكد على أهمية الاستمرار بدعم البرامج الإنسانية والتنموية في سوريا و دول الجوار المستضيفة للاجئين السوريين، وعلى ضرورة توضيح مفهومي إعادة الإعمار والتعافي المبكر بحيث لا يسمح بوضع هذه البرامج تحت تصرف الحكومة السورية المتهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا بغية توظيفها سياسياً أو إتاحة استخدامها كسلاح حرب آخر ضد الشعب السوري.
إننا نرى بأن ما حصل بخصوص إصدار هذه الورقة في مؤتمر بروكسل II٬ كان نتيجة استمرار اتباع نهج غير متوازن في التعامل مع دور المجتمع المدني في مباحثات السلام السورية ومستقبل سوريا. هذا النهج الذي بدأ وما زال مستمراً حتى الآن في مباحثات جنيف. والذي نعيد اليوم الإشارة إليه مجدداً وتوضيح محدداته في:
1- أن لا آلية واضحة تحدد عمليات التشاور المسبقة مع المنظمات المعنية بالموضوعات التي يتم طرحها وتناولها.
2- اختيار موضوعات الاجتماعات وجدول الأعمال بطريقة غير ممنهجة وغير مدروسة بما يوحي بأن عقد الاجتماع هو هدف بحد ذاته وليس بمضمونه ومحتواه.
2- افتقاد هذه الاجتماعات للبناء على اجتماعات سابقة حول نفس الموضوعات التي يتم تناولها. بحيث يتم البدء في كل مرة من نقطة الصفر.
3- افتقاد هذه الاجتماعات للشفافية المطلوبة التي تعرض للسوريين ما تم بحثه٬ وما تم التوصل له٬ أو طرحه وصياغته٬ أو من قام بذلك من المنظمات والأفراد.
4- خضوع نظام الدعوات والمشاركة في الاجتماعات في جميع الأحيان لمعايير غامضة وخيارات شخصية يفضلها أعضاء فريق المبعوث الخاص السيد ستيفان ديمستورا دون أي تشاور أو تنسيق مع المؤسسات والمنظمات المعنية.
الموقعون:
المعهد السوري للعدالة
الرابطة السورية لحقوق الإنسان والمحاسبة
‏منظمة حلم الياسمين
منظمة حقوق الأنسان في سوريا- ماف
اللوبي النسوي السوري
مجموعة سنبلة للتعليم والتنمية
رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا
جذور للتنمية
الشبكة السورية لحقوق الإنسان
تجمع المحامين السوريين
مركز الكواكبي للعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان
شبكة عدالة لنساء سوريا
المركز السوري للدراسات وحقوق الإنسان
هيئة سوريه الفتاة
المركز السوري للعدالة والمساءلة
المركز السوري للإحصاء والبحوث
جيل البناء
مجلس القضاء السوري
مؤسسة (إنسان أو لا)
مبادرة تعافي
دولتي
مركز توثيق الانتهاكات VDC
مؤسسة اليوم التالي
حماة حقوق الانسان
منظمة بردى
رابطة المستقلين الكرد السوريين
تجمع ثوار سوريا
منظمة حرية للأعمال الإنسانية
رابطة الصحفيين السوريين
منظمة كش ملك

 

 

 

 

مؤتمر بروكسل يعتمد كلمة المجتمع المدني السوري كوثيقة رسمية
ممثلون عن المجتمع المدني السوري طالبوا بإعادة النظر بالعقوبات الاقتصادية على بلدهم وشددوا على مساري الحوار والعدالة الانتقالية الوطنية غير المسيسة وغير الانتقامية لبناء سلام مستدام في سوريا.
دعا ممثلون عن المجتمع المدني السوري في كلمتهم أمام مؤتمر بروكسل الثاني حول دعم مسقبل سوريا إلى إعادة النظر بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا لأنها تتسبب بمعاناة الشعب السوري وتلحق آثاراً إنسانية سيئة.
كما أكدوا على تشبثهم بوحدة الأراضي السورية ومواجهة كل أنواع الاحتلال وعلى رأسه الاحتلال الإسرائيلي، إضافة لتمسكهم بخروج كافة المليشيات الأجنبية من سوريا.
المؤتمر الذي يحضره عدد كبير من ممثلي الدول الأوروبية ودول الجوار السوري، ألقيت فيه كلمة من خمس دقائق تضمنت أيضاً التركيز على أن عملية السلام المستدام في سوريا تمر عبر مساري الحوار الوطني السوري السوري، والعدالة الانتقالية الوطنية غير الانتقامية وغير المسيسة.
ممثلو المجتمع المدني السوري دعوا الدول المانحة لاستثمار الدعم المقدم لدول الجوار في تفعيل وتطوير خدماتها تجاه السوريين وإعطاء مساحة أكبر لعمل المجتمع المدني السوري فيها، إلى جانب مراعاة الدعم المتوازن لكافة مناطق العمل المدني السوري في الداخل والخارج وإزالة كافة معوقات وصول هذا الدعم.
كما قالوا إن مواجهة خطاب الكراهية وتفكيك بنية العنف سيساهمان في خلق فرص أفضل لبناء السلام على المستويين المحلي والوطني.
وحول الحل في سوريا فقد دعموا خلال كلمتهم مسار الحل السياسي في جنيف وفق القرار 2254، وأبدو تخوفهم على مصير محافظة إدلب.
كلمة المجتمع المدني رأت أن هناك حاجة لإعادة تفعيل عمل القنصليات السورية في دول اللجوء، إضافة لتضمين الحل السياسي حق العودة الآمنة والطوعية للاجئين والنازحين مع ضمان كافة حقوقهم المدنية والسياسية وحقوق الملكية.
وحذرت كلمة المجتمع المدني السوري التي اعتمدت كوثيقة رسمية في المؤتمر من مخاطر انتشار الإرهاب ليصبح شأناً مهدداً للأمن والسلم الدوليين.

 

 

 

حيادية المجتمع المدني؟/ حسام ميرو
خلال السنوات الماضية من عمر الصراع السوري، روّج ناشطون فاعلون في مؤسسات المجتمع المدني السورية لفكرة حيادية عمل مؤسسات المجتمع المدني عن السياسة، كما آثر بعض النشطاء السياسيين، ممن لهم تجربة لا بأس بها في العمل السياسي، قبل الثورة، الانسحاب من العمل السياسي، والانخراط في بناء منظمات مجتمع مدني، انطلاقاً من قناعة لديهم بأن العمل السياسي خلال الحرب محكوم بشرط الحرب نفسه، وبالتالي فإنه لا جدوى فعلياً من العمل السياسي، خصوصاً بعد انخراط القوى الإقليمية والدولية في المسألة السورية، وتحوّلها من مسألة وطنية صرفة، هدفها التغيير الديمقراطي، إلى لعبة أمم، اتخذت من الأرض السورية مسرحاً لها، وحوّلت السوريين إلى مجرد بيادق محلية.

انضم إلى مؤسسات المجتمع المدني السورية نشطاء كانوا قد عملوا في التنسيقيات خلال الأعوام الثلاث الأولى من عمر الثورة، وهم من الذين تركوا الساحة السورية، بفعل قمع النظام، واعتقاله لأعداد كبيرة من نشطاء التنسيقيات، وقد استقر الناشطون الخارجون من سوريا في دول الجوار (لبنان، الأردن، تركيا)، ووجدوا في مؤسسات المجتمع المدني الناشئة حديثاً تعويضاً عن نضالهم السابق داخل البلاد، خصوصاً في ظل الاحتياجات الكبيرة على المستوى المدني، من مثل مؤسسات الإغاثة، والتوثيق، وتمكين المرأة، والقضايا الحقوقية، والتعليم، وغيرها من القضايا المرتبطة بأزمنة الحرب.

وليس خافياً على أحد من العاملين في الشأن العام السوري أن تمويل منظمات المجتمع المدني السورية هو من جهات أممية وأوروبية وأمريكية، لكل جهة منها تصور خاص بالقضية السورية، وبعيداً عن الدخول في تفاصيل شروط التمويل التي تفرضها الجهات المانحة، إلا أنَّ فكرة التمويل الخارجي، تفنّد بشكل أو بآخر مسألة الحياد الكلي لمنظمات المجتمع المدني، مع عدم إغفال نقطة موضوعية في هذا السياق، وهي أن المجتمع الدولي لديه مسؤولية كبرى عما يجري في سوريا، لكن هذه النقطة هي الأخرى لا تصب في دعم رأي من يعتبرون منظمات المجتمع المدني حيادية، إذ لا يمكن من حيث المبدأ القول بأن المجتمع الدولي الذي يغذي عبر تناقضاته استمرار الكارثة السورية هو ذاته من يسعى إلى تخفيف آلامها، إلا إذا اتسمنا بنوع من السذاجة التي يمكن أن تقنعنا بالفصل بين الأجندات لدى أصحاب القرار في الدول الكبرى، أو إمكانية الفصل بين الشقين السياسي والإنساني فصلاً مطلقاً.

إنَّ الخلط المتعمد بين المجتمع المدني وبين مؤسسات المجتمع المدني لمصلحة المؤسسات هو خلط هدفه الرئيس تأكيد حيادية تلك المؤسسات، لكن من الناحية النظرية/ المعرفية فيه تقزيم كبير للمجتمع المدني بوصفه جزءاً لا يتجزأ من الفضاء العام، أي فضاء نقاش القضايا الأساسية لأي مجتمع، فالأساس هو الفضاء العام المؤسس للحياة العامة بشقها السياسي والمدني في آن، والمؤسسات ما هي إلا تعبير من تعبيرات مستوى الجدل الفكري والسياسي والقانوني للمجتمع المدني.

وإذا عدنا للتاريخ السوري القريب جداً، وواحدة من لحظاته المفصلية، المتمثلة بالتوريث، وقدوم بشار الأسد إلى سدّة الحكم، وإطلاق خطاب، سُمي إصلاحياً وقتها، تضمن إشارة إلى الحوار والديمقراطية وضرورة التغيير، فإن تلك اللحظة شهدت انخراطاً واسعاً من قبل سياسيين وناشطين ليبراليين وأكاديميين من أجل نقاش القضايا الأساسية في حقل الشأن العام السوري، وقد أتت المنتديات لتكون الصيغة الأبرز لذلك النشاط، والتي شهدت حوارات جدية حول ضرورات التغيير وآلياته، والعلاقة بين السلطة والمعارضة، وكيفية الانتقال المتدرج من نظام قائم على حكم الحزب الواحد إلى نظام ديمقراطي تعددي.

على الرغم من كون تلك المنتديات هي إحدى صيغ المجتمع المدني، بل يمكن اعتبار بعضها مؤسسات، بعد أن شهدت نوعاً من الهيكلة، كما في منتديي “رياض سيف” و”الأتاسي”، إلا أنها لم تكن منتديات حيادية، بل كانت ذات أهداف واضحة، بل يمكن القول من دون أية مبالغة، أنها كانت منحازة لطرف دون طرف، فقد وقفت بشكل واضح مع مطالب واستحقاقات التغيير، والتي ناضلت من أجلها الأحزاب المعارضة، منذ سبعينيات القرن الماضي.

كان الحراك المدني لناشطي “ربيع دمشق” بداية تأسيسية جديدة للمجتمع المدني، والذي هيمنت السلطة على نقاباته واتحاداته وجمعياته، وعرقلة نموه، وحوّلته إلى تابع من توابع السلطة التنفيذية، وخادماً للنخبة الحاكمة، وللبيروقراطية السورية، وجاء “ربيع دمشق” ليحدث خرقاً في الفضاء العام، وليطرح من جديد أهمية بناء المجتمع المدني، ليكون مقدمة للتغيير السياسي، وهو ما أخاف السلطة السياسية، وجعلها تتخذ خطوات سريعة لوأد المجتمع المدني الناشئ، وزج بعض قياداته في السجون.

إذن، هل الدعوات التي تظهر بين حين وآخر، والداعية لحيادية المجتمع المدني، هي دعوات بريئة، أم يراد من خلالها الاعتراف بضرورة تبني نوع من أنواع الواقعية السياسية، التي يمكن أن تتعامل مع استمرار السلطة السياسية في الحكم؟

إن منظمات المجتمع المدني السورية، وهي منظمات غير حكومية، لكنها أيضاً ليست طوعية، بل إنَّ معظم أعضائها يتقاضون رواتب منتظمة، بوصفهم موظفين فيها، وليس بوصفهم متطوعين، إذن كيف يمكن لتلك المؤسسات أن ترفض ميلاً سياسياً دولياً، قد يتبنى في لحظة من لحظات التوافق الدولي، بقاء السلطة السياسية في الحكم؟

إن حيادية منظمات المجتمع المدني هي مقولة ساذجة، وتعبّر بشكل من الأشكال عن ميل انتهازي، خصوصاً في ظرف معقد كما الظرف السوري، حيث أصبح السوريون، من أحزاب وهيئات ومؤسسات وغيرها من هياكل، مجرد أدوات وظيفية لقوى إقليمية ودولية، لكن هذا لا ينفي وجود تراكمات حدثت في بعض مؤسسات المجتمع المدني السورية يمكن البناء عليها، كما لا يجب أن يفهم من مناقشة حيادية مؤسسات المجتمع المدني ميلاً نحو التخوين، بل على العكس من ذلك، هي دعوة لإعادة طرح المفاهيم، وإعادة فرز العمل في الفضاء العام، وإعادة الاعتبار للسياسة وقضاياها العامة الكبرى، والتي سرقت لمصلحة الحرب والعسكرة والمجتمع المدني، فالسلطة السياسية الحاكمة في سوريا، كما كل السلطات الاستبدادية، لا تعادي أي شيء قدر معاداتها للسياسة.

تلفزيون سوريا

 

 

 

خطاب “المجتمع المدني السوري”: غرفة ديمستورا المُظلمة/ منهل باريش
بعيداً عن حفلة الشتائم والتخوين التي طالت نشطاء وناشطات مُحددين من “المجتمع المدني السوري”، بخصوص خطاب/بيان وضع مسودته فريق المبعوث الدولي الخاص بسوريا ستيفان ديمستورا، فإن إمكانية النقاش الهادئ حول الموضوع تحتاج وقتاً تهدأ فيه نفوس الغاضبين والغاضبات.

المبعوث الدولي دي ميستورا كان قد ألقى خطاباً، الأربعاء، في مؤتمر بروكسل الثاني، باسم منظمات المجتمع المدني، وقال إنه قد تمت صياغته بموافقة 20 منظمة مدنية سورية، عشرة منها فاعلة في مناطق النظام، والأخرى في مناطق المعارضة السورية.

لكن نظرة سريعة للخطاب، وهو ليس بياناً كما قال من دافع عنه، يجعلنا ندرك الخطأ الذين وقع فيه من صاغوه. فمن غير المعقول أن تُخرجَ 20 منظمة سورية نصفها على الأقل محسوب على المعارضة بياناً تحتكر فيه تمثيل المجتمع المدني السوري كله، وتُصدر خطابها باسم “رسالة المجتمع السوري في بروكسل”. في ذلك، مخالفة لأبسط قواعد المجتمع المدني التي تعمل من أجل حماية الحق وتغليب القانون. فان فعل هذا حماة المجتمع المدني أنفسهم، فحينها لا عتب على الفصائل العسكرية المعارضة ولا حرج.

ويضاف الى ذلك الغموض الحاصل حول قضية الحضور، فحتى تاريخ كتابة هذه السطور ورغم كل اللغط الحاصل، لم يتجرأ حماة المجتمع المدني، على إصدار توضيح أو بيان يشرح وجهة نظرهم في ما حصل ورأيهم في “الخطاب” الذي صاغه فريق ديمستورا. وتُرِكَ الأمر للتخمين والتقصي لمعرفة المنظمات العشرين التي حضرت في “غرفة ديمستورا” للمجتمع المدني.

الصمت المطبق لهؤلاء، خلق احراجاً كبيراً لعشرات المنظمات الأخرى التي دعيت عبر “مكتب العلاقات الخارجية للاتحاد الأوربي” إلى فعاليات متعلقة بالمرأة واللاجئين والتعليم والحماية على هامش المؤتمر. ولم يراعِ حضور “غرفة ديمستورا” حجم الأذى الذي لحق بزملائهم، مفضلين أن يتحمل الجميع المسؤولية والاتهامات، ليضيع دم “الخطاب” بين كل منظمات “المجتمع المدني السوري” التي حضرت إلى بروكسل، وعقدت اجتماعات على مدى أيام ثلاث. تصرفٌ أقل ما يوصف به بأنه لا يليق بالعاملين في حقل المجتمع المدني.

في صلب البيان، يبدو أن النشطاء إستُدرِجوا إلى رغبة ديمستورا، الذي تحدث مطولاً عن “عقدة الانتقال السياسي” وحض المعارضة السورية على تجاوزها، من خلال حديثه عن أعضاء “المجتمع المدني السوري”، ما يعرف “غرفة ديمستورا”. الأمر الذي انعكس على البيان/الخطاب، الذي لم يذكر “الانتقال السياسي” أو “بيان جنيف”، العبارتان اللتان تؤرقان المبعوث الدولي، فلا يطيق سماعهما. الخطاب أدرج عبارة “إلا أننا كمجتمع مدني سوري ما زلنا مؤمنين بالحل السياسي، وفقاً لمسار جنيف والقرار 2254”.

وبرر الخطاب جريمة التهجير القسري والتي صنفت جريمة حرب حسب القانون الدولي، واعتبرها “هندسة ديموغرافية”، في عملية تضليل وكذب ممنهجة، تبرر قيام النظام السوري بعشرات جرائم التهجير القسري الجماعي ابتداء من حمص القديمة وصولاً إلى الغوطة الشرقية. الهندسة الديموغرافية مصطلح تنموي، يقوم على سياسات الحكومات في التطوير الاقتصادي والاجتماعي، في بلدان محددة، بهدف تكثيف الاستثمارات الاقتصادية وتشجيع المواطنين للانتقال إلى تلك المناطق. “الهندسة الديموغرافية” لا تنطبق على التهجير القسري عبر حصار الناس وتجويعهم، لسنوات، وقصفهم بالبراميل المتفجرة، واخراجهم بعدها بالباصات الخضراء.

وينسف خطاب المجتمع المدني، عملية الانتقال السياسي ويتجنبها، مع تأكيده على أن “عملية السلام المستدامة تمر عبر مساري الحوار الوطني السوري السوري، والعدالة الانتقالية الوطنية غير الانتقامية وغير المسيسة”. وهي العبارة التي كررها مندوب النظام السوري في الأمم المتحدة ورئيس وفده التفاوضي في جنيف بشار الجعفري، مئات المرات: “حوار سوري-سوري، لا حل ولا انتقال”.

وكذلك، حوّل خطاب أعضاء غرفة ديمستورا، عشرات آلاف المعتقلين والمغيبين قسرياً لدى أجهزة النظام إلى مجرد مختفين “قسرياً عند كافة الأطراف”.

وأشار أعضاء “غرفة ديمستورا” الى “معاناة الشعب السوري من الأثر السلبي للعقوبات المفروضة على الاقتصاد الوطني”، وطالبوا بإعادة النظر في “العقوبات التي تؤثر سلباً على التعليم والصحة وسبل العيش”. وهي العبارة المخففة والوسطية لطلب أعضاء الغرفة القادمين من دمشق، “عدم ربط الدول المانحة لملف اعادة الاعمار بقضية الانتقال السياسي”. وفد المجتمع المدني القادم من دمشق طالب بـ”رفع كامل العقوبات عن سوريا بما فيها العقوبات التي طالت القطاعين النفطي والعسكري”.

حجم مصائب الخطاب، تُشير الى ضعف مناعة، وهشاشة “المجتمع المدني السوري”، الذي حضر في غرفة ديمستورا المظلمة. تحسن مناعة هؤلاء النشطاء لن يستقيم إلا بالخروج من تلك الغرفة المظلمة العفنة.

ومن المثير للاهتمام أن النظام السوري أصبح راعي المجتمع المدني السوري، وفكرته، إذ فرّخت في مناطق سيطرة النظام عشرات المنظمات المرتبطة بفروع المخابرات والمليشيات المسلحة الرديفة له. وذلك بعدما كانت كلمة “ناشط في المجتمع المدني” تهمة وشبهة، لطالما زج بعشرات النشطاء والأصدقاء بسجون بشار الأسد، بذريعتها، منذ انطلاق ربيع دمشق وحتى بداية الثورة السورية.

ومن الصواب أيضاً، الاعتراف بأن انهيار المعارضة السياسية منذ تشكيل “هيئة الرياض-2″، ودخول “منصة موسكو” الى عضويتها، وما سبقه من هزائم عسكرية مستمرة مع بدء التدخل الروسي نهاية 2015 و توقيع اتفاقات استانة، حتى آخر الهزائم في الغوطة والقلمون، ساهم في حالة الإنحدار العام والشعور بالخيبة لدى “المجتمع المدني السوري”. لكن الهزيمة السياسية لا تبرر في حال من الأحوال الهزيمة الأخلاقية التي كُتب “بدموعها” ذلك الخطاب.

المدن

 

 

لماذا كانت رسالة المجتمع المدني السوري في بروكسل سيئة؟/ المعتصم السيوفي
أثارت الرسالة التي تليت في مؤتمر بروكسل الأخير على أنها صادرة عن “المجتمع المدني السوري” ردود فعل سلبية جداً بين قطاعات واسعة من السوريين لا لأنهم محدودي التفكير لم يحسنوا فهم تفاصيلها، بل لأنهم بخبرتهم المتراكمة عبر سنوات الثورة وبما يشاهدونه اليوم من تدهور على مستوى التعاطي الأممي والدولي مع قضيتهم، باتوا يدركون سياقات رسائل كهذه والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها.
سأركز في مقالتي هذه على نقاش نص الرسالة المنشور علناً والذي تلي في مؤتمر بروكسل ونشر لاحقاً على الموقع الرسمي للاتحاد الأوربي قبل أن يرفع عنه، محاولاً الإجابة عن السؤال التالي: لماذا كانت الرسالة سيئة؟
عنون أصحاب الرسالة رسالتهم بـ “رسالة المجتمع المدني السوري في بروكسل” وأرسلوها إلى رئاسة المؤتمر وتلوها في جلسته الختامية وثبّتت في محاضر اجتماعاته على أنها صادرة عن المجتمع المدني السوري بألف لام التعريف ذات القصص الشهيرة في تاريخ العرب وتاريخ الثورة السورية، ورغم التبريرات والاعتذارات اللاحقة، إلا أن الأرجح أن أصحاب الرسالة قد قرؤوا عنوانها ولم يعترض عليه أحد قبل إرسالها إلى رئاسة المؤتمر.
حقيقة الأمر أن الرسالة صدرت عن عدد محدود من ممثلي المؤسسات السورية التي شاركت في اجتماعات غرفة المجتمع المدني التي أنشأها المبعوث الخاص السيد ديمستورا والتي انعقدت هذه المرة على هامش مؤتمر بروكسل. لم يطلع على الرسالة قبل إرسالها، ولم يشارك في جلسات “التفاوض” حولها -بحسب وصف أحد أصحاب الرسالة لنقاشات إعدادها- باقي المنظمات السورية التي كانت مشاركة في عدد من الأنشطة الجانبية المنعقدة على هامش المؤتمر، مما زاد البلبلة في صفوف هذه المنظمات ودفع العديد منها إلى إصدار مواقف علنية تنأى بنفسها عن الرسالة وتنتقد مضمونها في العديد من الحالات. وبالرغم من التسريبات التي تناثرت هنا وهناك ما تزال القائمة الكاملة للذين صاغوا الرسالة ووافقوا عليها غير معلنة بشكل رسمي ووحدهم من خرجوا على الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي مفسرين أو مبررين أو
مدافعين عن مضمون الرسالة أفصحوا عن حقيقة علاقتهم بالموضوع. زاد الطين بلة حضور السيد أنس جودة وهو رئيس تيار سياسي سوري مرخص في دمشق لاجتماعات هذه الغرفة، ولعب داخل الغرفة دوراً محورياً في صياغة نص الرسالة وترتيب فقراتها وموضوعاتها ومواقفها. والسؤال المحق هنا هو كيف يستوي أن يحضر قيادي في تيار سياسي مرخص اجتماعاً لغرفة منظمات مجتمع مدني ويشارك في صياغة رسالتها وأين هي تلك المقولات التي صدع بها رؤوسنا فريق السيد ديمستورا حول عدم تسييس الغرفة وعدم تسييس المجتمع المدني وحياديته!إذا وضعنا كل ذلك جانباً، لا يمكن تجاهل أن خطأ علمياً وسياسياً وأخلاقياً قد حصل بنسب الرسالة إلى عموم المجتمع المدني السوري، فكيف يمكن لرسالة ما مهما عظم شأنها وشأن موقعيها أن تعكس آراء كامل المجتمع المدني في بلد ما. يمكن لذلك أن يحدث فقط في بلد يحكمه نظام شمولي استبدادي كنظام الأسد.
إذا تجاوزنا عنوان الرسالة إلى نصها، نجد أنه قد غاب عنها تحميل أي مسؤولية خاصة للنظام السوري الذي ما يزال إلى يومنا هذا يحمل صفة الحكومة الشرعية للجمهورية العربية السورية في الأمم المتحدة ويحضر مندوبه حصراً كممثل عن سوريا في جلسات مجلس الأمن الدولي وسائر الاجتماعات الأممية ذات الصلة بسوريا. بوصفه كذلك، يتحمل النظام السوري المسؤولية القانونية وفق أحكام القانون الدولي والمعاهدات التي وقعتها سوريا تجاه حماية المواطنين السوريين بدل سجنهم وقتلهم تحت التعذيب في السجون وقصف مدنهم وقراهم بشتى أنواع الأسلحة واستخدام السلاح الكيماوي وأسلحة أخرى محرمة دولياً وتشريدهم وحصارهم وحرمانهم من الخدمات الأساسية والتحالف مع قوى الشر في مواجهة مطالبهم المشروعة. فضلاً عن ذلك، حملت تقارير دولية عديدة المسؤولية الأساسية والكبرى عن انتهاكات حقوق الانسان في سوريا للنظام السوري وطالبته قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة بتنفيذ قائمة طويلة جداً من الالتزامات لم يف بأي منها بدءا من خطة كوفي عنان الشهيرة ذات النقاط الست وانتهاءً بالقرار 2254.
لقد ضربت الرسالة بعرض الحائط كل ذلك و”عومت” المسؤولية وتحدثت بالعموم عن “صراع” وأطراف متصارعة” فدعم ذلك الرواية التي يراد تسويقها زوراً وبهتاناً أن السوريين جميعاً يتشاركون القدر ذاته من المسؤولية تجاه ما جرى من جرائم في سوريا، وذلك عين الخطأ والخطيئة.
تكرر تعويم المسؤولية عندما أبدى أصحاب الرسالة حرصهم على “وقف إجراءات الهندسة الديمغرافية من قبل جميع الأطراف”. لن أقف كثيراً عند سبب استخدام مصطلح الهندسة الديمغرافية بدلاً من التهجير القسري والتغيير الديمغرافي، ولكن مرة أخرى وبالرغم من إقراري بأن آخرين غير النظام السوري قاموا بتهجير مواطنين سوريين عن بيوتهم ومدنهم قسراً وهو انتهاك خطير لحقوق الإنسان تجب محاكمة مرتكبيه كائناً من كانوا، إلا أن النظام وبصفته القانونية سالفة الذكر يتحمل مسؤولية خاصة لا تضاهيها أية مسؤولية أخرى، وهو الطرف الذي قام بالحجم الأكبر من عمليات التهجير القسري، الأمر الذي أضاعته الرسالة.
انتقل أصحاب الرسالة ليعبروا عما توافقوا عليه حول عدد من القضايا المتعلقة بالحل السياسي فقالوا “إن عملية السلام المستدام تمر عبر مساري الحوار الوطني السوري السوري والعدالة الانتقالية غير الانتقامية وغير المسيسة”
كنت لأوافق هذه العبارة لو أنها استبقت عملية الحوار بحصول الانتقال السياسي وتطبيق قرارات مجلس الأمن الصادرة منذ العام 2011، لكن هذه الصياغة وبالنظر إلى الظروف السياسية الراهنة تحيلنا إلى مسار سوتشي سيئ الذكر والذي رحب به السيد ديمستورا وطالب مؤخراً باستمراره كمسار رسمي مثل مساري جنيف وأستانة، والمتابع للشأن السوري يدرك مدى بؤس وسوء مسار سوتشي في المقدمات والمجريات والمآلات، وأنه شوه مفهوم الحوار الوطني السوري الحقيقي الذي تحتاجه سوريا منذ زمن طويل وليس الآن فقط. فضلاً عن ذلك نقل عن السيد ديمستورا قوله في بروكسل للقادمين من دمشق أن يبلغوا النظام رسالته بأن تطبيق القرار 2254 لا يعني رحيله وأنه يمكن إيجاد تفسيرات تناسب بقاءه في السلطة. لقد اتسق هذا الموقف مع الجهود الحثيثة التي يتم بذلها لتشويه وتزييف العملية السياسية.
ما أثار استغرابا شديداً أيضاً المطالبة بعدالة انتقالية غير مسيسة، بينما هو مفهوم مرتبط عضوياً بحدوث انتقال سياسي وترتيبات سياسية في بلد يعاني نزاعاً داخلياً، وتتسع آلياته لتشمل المحاسبة والمصالحة وكشف الحقيقة والتعويض وجبر الضرر والحوار الوطني وإصلاح المؤسسات. وبالنظر إلى ما صرح به القادمون من دمشق حول رفضهم للعدالة بحسب ما نقل، يستنتج القارئ أن الانطلاق من هذه العبارة في نفس المسار سيقود إلى مسخ مفهوم العدالة الانتقالية على حساب الضحايا ومحاسبة منتهكي حقوق الانسان، بينما الأصل هو المطالبة بآليات عدالة انتقالية غير تمييزية بين الضحايا أو بين الجناة وترتكز إلى مبادئ المساواة والشمولية.
تطرقت الرسالة بعد ذلك للحديث عن العقوبات المفروضة على كيانات وأفراد سوريين، والتي طالما كان رفعها وإعادة النظر بها مطلباً ثابتاً ودائماً للنظام السوري والمؤسسات المدنية المرتبطة به فقالت “لقد عانى الشعب السوري من الأثر الإنساني السلبي للعقوبات المفروضة على الاقتصاد الوطني، لذلك نرى من الضرورة إعادة النظر في العقوبات التي تؤثر سلباً على قطاعات الصحة والتعليم وسبل العيش”
في الحقيقة ومن معرفتنا الدقيقة بالواقع في دمشق، فإن هذه القطاعات بالذات تلقى دعماً من وكالات الأمم المتحدة المختلفة في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، ولم يسجل وجود نقص حاد أو ضرر لحق بالمواطنين السوريين العاديين جراء نقص في هذه القطاعات نتيجة العقوبات التي فُرضت كما أسلفت على كيانات وأفراد متورطين بانتهاكات لحقوق الانسان، ومكاتب تحويل الأموال في دمشق وغيرها من المدن السورية لا تزال مزدحمة بالناس الذين يستقبلون تحويلات مالية من أقاربهم لمساعدتهم على العيش في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة.
لم يعان السوريون في معاشهم وصحتهم وتعليم أطفالهم من العقوبات، بل عانوا نتيجة الحرب التي شنها النظام عليهم، ونتيجة الحصار الذي فرضه على كثير من المدن والبلدات وقصف المشافي والمدارس، ونتيجة حرمانهم من حقوقهم الأساسية في الحصول على وثائق رسمية، ونتيجة انهيار البنية الخدمية للدولية في هذه المناطق، بل حصل ذلك لأن النظام رفض الاستماع لمطالب الناس المشروعة وقرر شن حرب عليهم لا بد من وقفها اليوم والدخول في عملية انتقال سياسي تنقل سوريا من جحيم النظام إلى مرحلة ديمقراطية تديرها حكومة شرعية منتخبة لا مجرمي حرب ومنتهكي حقوق إنسان، وملف العقوبات يجب أن يعالج في هذا السياق فقط وليس في أي سياق آخر يخدم مطالب النظام وتعويمه.
وفيما بدا حرصاً على أوضاع اللاجئين السوريين قالت الرسالة إن “في الوقت ذاته هناك حاجة لإعادة تفعيل القنصليات السورية في دول اللجوء من أجل تقديم كافة الخدمات القنصلية للسوريين وإتاحة وصولهم إليها بكرامة من دون أي تبعات في الدولة المضيفة”
تخالف هذه العبارة بشكل مطلق واقع الحال الذي يقول بأن القنصليات السورية تعمل منذ فترة طويلة بشكل رسمي في تركيا ولبنان والأردن ومصر وعدد من دول الخليج والدول الأوربية، لكن ما يعاني منه الناس هو الرسوم المرتفعة التي فرضها النظام من أجل الحصول على وثائق رسمية -بلغت على سبيل المثال 800 دولار أمريكي للحصول على جواز سفر صالح لمدة سنتين- ومن الرشاوي والسمسرات التي يجب على المواطن السوري أن يدفعها للحصول على موعد رسمي في القنصلية، ومن التعامل المهين على باب القنصلية، ومن الموافقات الأمنية التي تشترط من أجل طلبات التوكيل والتي لم يتم منحها للعديد من المعارضين السوريين من أجل توكيل أقاربهم. هذا الواقع يثبت فساد الطلب بإعادة تفعيل القنصليات السورية، وأنه بهذه الصيغة يعفي النظام من مسؤولياته مرة أخرى عبر الإيحاء أن المشكلة في الحضور الدبلوماسي والقنصلي المنخفض للنظام دولياً وأن الوصول بكرامة لخدمات هذه القنصليات مرهون بفتح المزيد منها، وليس في سياسة النظام الانتقامية في التعامل مع السورين وفساد موظفيه، ويصب ماءً في طاحونة الجهود التي ترمي لإعادة تعويمه من جديد دبلوماسياً ودولياً، الأمر الذي كان مطلباً دائماً وثابتاً للنظام السوري.
لقد خدمت الرسالة بنصها هذا مساعي دبلوماسية دولية ينظر إليها كثير من السوريين بعين الريبة وبسلبية شديدة لأنها بنظرهم تريد تزييف العملية السياسية وإعادة تعويم النظام السوري والخضوع لشروطه وطلباته، كما حصل ذلك سابقاً معه عقب خروجه من لبنان، وكما حصل مع غيره من المستبدين مستذكرين صورة شهيرة لرئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلسكوني وهو يقبل يد الدكتاتور الليبي معمر القذافي.
أثارت الرسالة أيضاً شعوراً عارماً بالغضب في صفوف العديد من فعاليات المجتمع المدني السوري الناشئ بفعل الثورة، والتي ما أزال أنظر إلى حراكها السلمي على أنه التعبير الأكثر جذرية وارتباطاً بمفهوم المجتمع المدني الذي تطور عبر التاريخ كجزء من تطور الدول نحو الديمقراطية والحداثة بوصفه مجمل المبادرات الحرة للبشر للانتظام في أنشطة وهياكل غير عنفية في سبيل الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم وآرائهم باستقلال عن السلطات الدينية والزمنية وفي مواجهتها عند استبدادها وظلمها، وليس بالاستتباع لها وأداء دور وظيفي في خدمة أباطرتها.
لقد أضعفت الرسالة ثقة قطاعاتٍ واسعة من السوريين المنخرطين بالشأن العام بالمنظمات غير الحكومية السورية الناشئة بفعل الثورة وكنتيجة لها، وهي التي كان يؤمل منها أن تكون صاحبة الصوت الأعلى والأكثر جذرية في مواجهة الظلم والدفاع عن الحق، ومقاومة محاولات تزييف الحل السياسي الحقيقي والمطلوب للقضية السورية.
برر بعضٌ من أصحاب الرسالة ما قاموا به بالحاجة إلى الوصول إلى توافق مع المنظمات العاملة تحت سيطرة النظام وبشروطه المعروفة جيداً، مما يطرح أسئلةً أساسيةً طالما كررناها: أي قرارٍ أممي نص على ضرورة التوافق الكامل مع ممثلي هذه المؤسسات؟ وما الفائدة المرجوة من هكذا توافق يتطلب تنازلاتٍ وصياغاتٍ ملتبسة تشوه مفهوم الوفاق الوطني الحقيقي المطلوب في بلادنا؟ وما هي المكتسبات التي جنتها قضية الحرية والكرامة والعدالة جراء هذه التسويات؟ وما هي الخطوات المستقبلية التي ستبنى عليها؟
تكتسب هذه الأسئلة مشروعيتها من أن هذه الرسالة جرت في إطار عملية سياسية أصبح يقودها السيد ديمستورا فيما يتجاوز الوساطة الدبلوماسية، ولأنها وُجهت رسمياً باسم المجتمع المدني السوري إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي، ولأن الوصول إلى اتفاق سياسي حول القضية السورية مهمة منوطة بأطراف التفاوض، بينما مهمة المجتمع المدني هو تقديم الأفكار وممارسة الضغوط والمناصرة كي تنصف نتيجة التفاوض السياسي الضحايا وتحفظ حقوق وأحلام سائر السوريين وتطوي إلى الأبد صفحة النظام الاستبدادي في سوريا، وتدفع باتجاه التحول الديمقراطي والسلام العادل المستدام واستعادة الدولة السورية من يد مرتكبي جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان.
وجه العديد من المؤسسات المدنية السورية التي احتكت لهذه الدرجة أو تلك بغرفة المجتمع المدني دون طائل الكثير من المطالبات إلى القائمين عليها -والذين آن أوان استبدالهم- بأن يكفوا عن العبث بمسار هذه الغرفة بدءا من الغموض في معايير توجيه الدعوات، والالتباس في برامج عمل هذه الغرفة، وتوظيف ما يناسبهم من حوارات تجري ضمنها بشكل انتقائي، وصولاً إلى الضغط على المشاركين للدخول في بازار الصياغات من أجل الخروج بتوافقات مزيفة بدلاً من ترك المشاركين أحراراً في أن يفصحوا للعلن عما اتفقوا عليه من جهة وما اختلفوا عليه من جهة أخرى. كان من الواجب على أصحاب الرسالة -وبعضهم كان مشاركاً في هذه المطالبات- أن يقاوموا هذه الضغوط وأن يخرجوا بدلاً عن هذه الرسالة السيئة بوثيقة علنية توضح ما هي نقاط التوافق ونقاط الاختلاف بين المشاركين في هذه الاجتماعات بشكل صادق وصريح، وإلا أن ينسحبوا من الاجتماع غير مأسوف عليه.
ولعل من الأجدى للموقعين على الرسالة ممن انخرطوا في ثورة الشعب السوري بكل صدقٍ وإخلاص، وبذلوا التضحيات الغالية والمقدرة في سبيل قضية الحرية والكرامة في سوريا إرسال رسالة أخرى بشكل علني إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي ينسحبون فيها من هذه الرسالة السيئة ويعبرون عن مواقفهم الحقيقية تجاه القضايا التي تطرقت إليها عل ذلك يرأب الصدع الذي حصل بدل الدخول في متاهة التبريرات المستندة إلى الأخطاء الإدارية والاجرائية وتفسير المصطلحات.
أما وأن الضرر قد حصل، تقع على عاتق المنظمات المدنية السورية مواجهة النتائج التي ترتبت على هذه الرسالة والاستمرار في رفع الصوت عالياً برفض اعتبارها معبرةً عن مواقفها وعن مصالح وحقوق وطموحات السوريين الذين صنعوا وما زالوا يصنعون بدمائهم وتضحياتهم وعذاباتهم عملاً مدنياً حقيقياً ينشد الحرية والكرامة والسلام وطي صفحة نظام الاستبداد، فبلادنا لن تعرف السلام والحرية والتطور الديمقراطي إلا بمجتمع مدني فاعل علينا واجب حماية نوياته التي تنشأ الآن بكل قوة.
المدير التنفيذي لمؤسسة اليوم التالي
تلفزيون سوريا

 

 

ناشطو المجتمع المدني السوري … رسائل واتهامات/ رامز أنطاكي
عُقد يومي 24 و25 نيسان (أبريل) المنصرم مؤتمر بروكسيل الثاني «لدعم مستقبل سوريا والمنطقة» من خلال تقديم المساعدات للنازحين في سورية واللاجئين خارجها، إضافة إلى دعم الدول التي تستقبل هذا اللجوء. وفي أحد النشاطات الموازية كان هناك «غرفة» ضمت أفراداً وممثلي منظمات مجتمع مدني مؤيدة ومعارضة للنظام السوري، كان لهم أن يكتبوا رسالة قُرئت في الاجتماع الرسمي للمشاركين في المؤتمر وهم سياسيون وفاعلون من بلدان مختلفة، منهم سياسيون من الصف الأول.
الرسالة التي عُنونت باسم «المجتمع المدني السوري» لاقت اعتراضات واسعة وجدلاً طال لأيام ولم يهدأ تماماً على وسائل التواصل الاجتماعي حتى الآن. وكان بيان توضيحي من بعض المعنيين بالرسالة قد صدر بتاريخ 30 من الشهر ذاته. وأعلن بعض المشاركين بعدها بأيام أن الرسالة التي تليت في المؤتمر قد رُفعت عن موقع الاتحاد الأوروبي.
الاعتراضات أتت على تجنب الرسالة ذكر النظام، واستعمال مصطلحات كالـ «هندسة الديموغرافية»، وطلب اعادة النظر في العقوبات المفروضة على سورية وتفعيل عمل قنصلياتها، ما اعتبر لغة مهادنة لا تشبه لغة ومطالب الثورة والمطالبة بما يطالب به النظام نفسه خدمة لمصالحه. البيان التوضيحي بدوره ذكر سبب اختيار صياغة هذه الرسالة والمصطلحات التي استعملت فيها، وكانت الردود على البيان في شكل عام سلبية رأت فيه تعالياً وعدم تراجع فعلي عن الخطيئة المرتكبة بحق الثورة.
عنونة الرسالة باسم المجتمع المدني السوري فُهمت على أنها اختصار لكل هذا المجتمع في شخص المجتمعين الذين لا يتمتعون بصفات تمثيلية، وهو خطأ تم الاعتراف به والاعتذار عنه.
يبدو أن المشكلة تبدأ من المفاهيم والتعاريف الخاصة بالمجتمع المدني ودوره، وهو نقاش دائم التجدد بين الشباب السوري المعارض بخاصة مع سعي تكرس في ممارسات المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية ستيفان دي ميستورا لإقحام منظمات مجتمع مدني سورية في مفاوضات سياسية سواء في جنيف أو بروكسيل أو غيرها، الأمر الذي وإن رفضه البعض، إلا أن بعضاً آخر قبله ورحب به، ما عزز الخلاف حول دور هذه المنظمات مع تعمق الخلط بين دور العمل السياسي من جهة ودور العمل المدني من جهة أخرى.
هذا النقاش يذكر على نحو ما بنقاش ما زال دائراً هو الآخر في لبنان حيث طرح «المجتمع المدني» نفسه من خلال مرشحين للانتخابات النيابية كبديل عن الأحزاب السياسية التقليدية في لبنان. هذا المجتمع كان حمل هذا الاسم بالمعنى الحالي له خلال حراك شعبي مطلبي واحتجاجي قبل سنوات، لكن المشكلة هي أن المجتمع المدني متمايز عن المجتمع السياسي كما يتمايز عن مؤسسات الدولة العامة، على رغم وجود اهتمام بقضايا مشتركة قد تجمع المجتمع المدني بهؤلاء .
بالعودة إلى النقاش السوري، تلقى اتهامات لبعض الأفراد في المجتمع المدني مفادها أن يخبئوا وراء اسم المجتمع المدني طموحاً سياسياً، فهم ينتقدون جميع الأحزاب والتيارات والتوجهات السياسية الأخرى «من دون أن تتسخ أيديهم بالسياسة والعمل السياسي»، وما أن ينتقدهم أحد يردون عليه بالقول: «نحن مجتمع مدني ولسنا أحزاباً».
وبالحديث عن المشاركة في مؤتمرات ذات طابع سياسي تفاوضي يطرح بعض المعترضين السؤال حول ما الذي لدى المجتمع المدني ليقدمه في مفاوضات سياسية؟ فهل يفاوض على حقوق الناس؟!
ولأن الحديث عن المجتمع المدني السوري المعارض لا يكون دون الخوض في أمور المانحين والتمويل، وعلى خلفية أن المعارضة «قد هزمت» وعليها أن تتعامل مع هذا الأمر من باب الواقعية، تطرح تساؤلات حول مضمون الرسالة وتوقيتها لتفسر أنها تمهيد للعودة إلى العمل في مناطق سيطرة النظام السوري وتحت إشرافه متتبعين في ذلك خطى التمويل الدولي وتوجهاته.
هذا التوجه له أنصاره وصقوره في أوساط المعارضين، ومنهم من هو معروف بالاسم، ممن يدعم كل هذه التوجهات «التصالحية» مع النظام ويسوق لها من دون المشاركة فيها مباشرة، فعندما تقع واقعة كانتشار رسالة بروكسيل ورد الفعل شديد السلبية عليها، يكون هؤلاء وراء الكواليس.
يقول موظف في منظمة سورية معارضة تعمل من بيروت: «أين سيذهب بعض هؤلاء الموقعين على الرسالة بوجههم من أفراد فرقهم العاملة سابقاً في حلب الشرقية والغوطة وريف حمص الشمالي بعد أن تهجروا وخسروا كل شيء تقريباً؟!»، بينما يقول آخر: «العمل في مناطق النظام هو- بالنسبة إلي- تعاون مع النظام الذي قد أموت لديه تحت التعذيب إن أمسك بي، الأمر شخصي إلى هذه الدرجة».
هذه الهوة/ الفخ الذي يهدد وحدة ما مفترضة للمجتمع المدني السوري المعارض كانت متوقعة، خصوصاً في مرحلة ما بعد الهزيمة واللجوء إلى خيارات صعبة للاستمرار: الاستمرار من أجل الثورة، الاستمرار من أجل المجد الشخصي، الاستمرار من أجل التمويل، الاستمرار من أجل دور سياسي… إلخ. ما لم يكن متوقعاً هو سرعة ظهور بداياته للعلن، وشكل ظهوره برسالة لم تكن لتثير نقاشاً لو لم تسرب إلى الإعلام. وكما قال أحد المتابعين: «من يدري؟ قد يكون هذا خطابهم في الاجتماعات المغلقة منذ سنوات، حين نعلم يتراجعون ويبررون، وحين لا نعلم يكملون في خطابهم».
الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...