الرئيسية / صفحات مميزة / عن “مجزرة خان شيخون” والضربة الأميركية التي تلتها مقالات محتارة

عن “مجزرة خان شيخون” والضربة الأميركية التي تلتها مقالات محتارة

-عن المجزرة-

 

العالم يقصف السوريين بالكيماوي/ غازي دحمان

هذه المرّة ثابتة، الأسد هو اليد التي تطرق الزناد الكيماوي، فيما هي كثيرةٌ الأيادي التي تحشو وتلقّم وجباته، ولعلها منظومة متكاملة متشابكة، وإن اختلفت وسائلها وطرق عملها وحجم الموارد المستخدمة في العملية، من أميركا صاحبة رسالة حقوق الإنسان، فأوروبا صانعة الحرية، إلى روسيا رمز القوى الصاعدة، ومروراً بعصابات حكم عربية، هذا الطيف المتنوع ليس سوى منظومة خطّطت ونفذت مجزرة الكيماوي بحق أطفال خان شيخون.

الرسالة واضحة، على قوى الثورة في المنطقة أن تدرك أنه لا مكان لأحلام الشعوب، ولا لأوجاعهم، حينما يتم تثبيت الإتجاهات على بوصلة المصالح الكبرى. في تلك اللحظة، كل شيء يجب أن يخرس، وعلى الجميع أن ينتظروا روشيتة الموازين الجديدة المفصّلة على مقاسات تلك المصالح، وعلى الجميع أن ينتظروا توصيفاتهم الجديدة ومواقعهم، والأدوار التي سيناط بهم العمل عليها.

في السياسة، كل الأمور تقاس بميزانٍ من ذهب، هوامش الخطأ معدومة، وخصوصا إذا تعلّق الأمر بتقييم سياساتٍ جارية، وليست محتملة، تماماً مثل السياسات التي يطبقها بشار الأسد على جسد السوريين بالحديد والنار، وبما أن لكل تصريح أو موقف سياسي تداعيات مقابلة، فإن

“لم يحصل في الحروب أن تّم إصدار رخصة لطرفٍ في قلب المعركة تتيح له حرية الحركة والفعل، مثل الذي تم منحه للأسد” أميركا التي أعلنت أن إسقاط الأسد لم يعد أولوية، وأوروبا التي شجعت واعتبرت ذلك تطوراً مهماً في السياسة الأميركية لصالح الواقعية، والأنظمة العربية التي تباكت على عدم حضور بشار الأسد قمة البحر الميت، هؤلاء جميعاً بعثوا رسالة واضحة لأخير فحواها: مسحنا كل جرائم الماضي، كما أنك في حل من المسؤولية عن كل شيء يمكن ارتكابه في المستقبل.

لم يحصل في تاريخ الحروب أن تّم إصدار رخصة لطرفٍ في قلب المعركة، تتيح له حرية الحركة والفعل، مثل الذي تم منحه لبشار الأسد. وبالتأكيد من منحوه هذا الترخيص ليسوا هواة وسذجا في عالم السياسة وسياسات التفاوض. وبالتأكيد يقدّرون أنه سيكون لمواقفهم ترجمات موازية في ميدان الصراع، والمنطقي إذا كان هؤلاء، أو جزء منهم، يعتبر نفسه خصماً لنظام الأسد والأطراف الإقليمية والدولية التي تقف خلفه، ألا يفرّطوا بورقة مساومة بهذه الأهمية، والطبيعي أن يستثمروها في المواجهة.

وما حصل أنّ تلك الأطراف لم تفرّط بورقة تفاوضية، تتعلق بمصير بشار الأسد، بل أنها وضعت جميع أوراقها التفاوضية في مهب الريح، إذ على ماذا سيجري التفاوض، ما دام القول إن مصير النظام ليس أولوية، وأن يجري تصوير الأمر وكأنه تصويبٌ لخطأ إستراتيجي، تراكم حتى أصبح خطيئة، وبدل أن يقوم النظام وحلفاؤه بتغيير سلوكهم، يصبح الآخرون مطالبين بإصلاح الخطأ، عبر تثبيت استقرار نظام الأسد، ما جعله يتحكّم بمصير السوريين، ويقرّر من يموت ومن يبقى حياً فيهم.

حسناً، ربما يحاجج بعضهم أنه في السياسة الدولية، وحينما تتأزم القضايا، وتصل إلى حد الانسداد، فإن الأطراف العاقلة أو الواعية تلجأ إلى مقارباتٍ مختلفة، بهدف تحقيق اختراقاتٍ معينة في جدران الأزمة السميكة، وخصوصا في ظل وجود أطرافٍ غير عقلانية في الطرف المقابل. وفي هذا الإطار، يتم التلويح ببعض الحوافز، لدفع الطرف الآخر إلى تحريك مواقفه، أو ربما لاختراق المنظومة الكلية وجر أحد أطرافها إلى هذا الطرح، يحصل مثل ذلك في محاولة صناعة الحل.

لكن، في مقابل هذا التكتيك، تبقي الأطراف الساعية إلى مقاربات جديدة على شيء من نظام

“ثمّة قضايا في الملف السوري خرجت من إطار التسويات، وأصبحت قوانين دولية، لا يصح أن تندرج في إطار الحوافز المقدمة لنظام الأسد” الردع في المواجهة، كما تبقي أوراقها التفاوضية على الطاولة، وجاهزة للتفعيل في أي لحظة، ولو من باب أن الطرف الآخر قد يتوسّع في فهمه الحوافز إلى درجةٍ تجعل المساومة معه معدومة الفائدة. من جهة أخرى، ثمّة قضايا في الملف السوري خرجت من إطار التسويات، وأصبحت قوانين دولية، لا يصح أن تندرج في إطار الحوافز المقدمة لنظام الأسد، مثل حق الشعب السوري ألا يتم قتله بالأسلحة الكيماوية.

في قرار مجلس الأمن 2118 الصادر عن مجلس الأمن في 27 سبتمبر/ أيلول فقرة 21 ، والقرار 2209 الصادر أيضا عن مجلس الأمن في 8 مارس/ آذار 2015، فقرة 7، وردت نصوص صريحة تقول حرفياً “أي استخدام لنظام الأسد للكيماوي سيستدعي تدابير بموجب الفصل السابع”. ولا يحتاج هذا الأمر إلى شروحات وتفسيرات زائدة، إذ لن يكون لعدم تنفيذ هذا التهديد الوارد في قرارات مجلس الأمن سوى واحد من معنيين، الاستهتار والعبث في الأمن والسلم الدوليين، أو أن مجلس الأمن الدولي فقد صفته وصلاحياته بشكل نهائي، ولم يعد يشكّل مرجعيةً في ضبط الأمن العالمي.

لكن، وفي الغالب، ليس ثمّة طموح بأن تذهب الأطراف إلى حد الانتصار للحقيقة، بعد أن ساهمت جميعها بصياغة رسالةٍ لنظام الأسد، تسمح له بزيادة جرعة القتل، وإنجاز مهمة ترميد السوريين الثائرين عليه، بعد أن بات ينظر لهم بمثابة مشاغبين على إستراتيجيات الكبار، وخطر محتمل على توابعهم الإقليمية. الحسابات أكبر بكثير من موت أطفال خان شيخون بالكيماوي. في الميزان، يقع في كفة مصالح الدول، وأمن تابعيهم وسلامة الأقليات، في مقابل السوريين المعارضين للأسد، ومن سمح بقتل الملايين من هؤلاء وجرحهم وتهجيرهم لن يغص بمئات يموتون بالكيماوي هنا وهناك في سورية.

العربي الجديدة

 

 

 

 

خان شيخون… لحظة التحول/ ميشيل كيلو

يستطيع الروس تبني ما يروق لهم من أكاذيب، لتبرئة أنفسهم ونظام الأسد من جريمة استخدام غاز السارين المحرّم دوليا ضد أهالي خان شيخون، معقل ثورة الحرية في ريف إدلب، الذي قدم مئات الشهداء والمصابين صبيحة يوم 4 إبريل/ نيسان الحالي، في جريمةٍ راهنةٍ تذكر بسابقة، ارتكبها الأسد بالسلاح نفسه ضد أهالي الغوطة الشرقية الذين باغتهم وهم نيام أيضا، ورماهم بقنابل مدافعه وطيرانه، ليرغمهم على النزول إلى أقبية منازلهم أو طوابقها الأرضية، قبل أن ينقض عليهم بغاز السارين، الأثقل من الهواء، ويقتل ألفا وخمسمائة منهم.

تنفرد روسيا بين جميع دول العالم بتبرئة القاتل من جريمة قصف خان شيخون بغاز السارين، أحد أشد أسلحة الإبادة الجماعية فتكا بالبشر. وتحاول آلة الكذب الروسية، بما تمتلكه من خبرة فريدة في تزوير الحقائق، كانت قد طوّرتها خلال زمنها الستاليني، اختلاق قصة لا علاقة لها بما حدث، استفزّت الرأي العام الدولي الرسمي والشعبي، بينما كان ترامب يعتبر الفعلة الأسدية “إهانة للإنسانية لا بد من الرد عليها”.

لماذا قصف الأسد خان شيخون بالسارين؟ هناك أسباب وتفسيرات مختلفة يوردها المهتمون، تجمع على أن ما أقدم الأسد عليه يعد مخاطرةً بوجود نظامه، وأن الاعتبارات التي وضعها في حسبانه لا بد أن تكون من الأهمية بحيث تجاهل، كما يبدو، ما هو محتمل من ردود أفعال إقليمية ودولية على فعلته التي تظل أسبابها رهينة التخمين والتقدير، بيد أنها ترتبط، مع ذلك، بأوضاع نظامه الذاتية وبالأوضاع العامة التي يمكننا المجازفة بتقدير أسبابها الداخلية والخارجية وتشابكاتها.

بدايةً، هناك ما هو جديد عند النظام أو بعض قياداته، ومن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي

“هل سيغيّر الكيماوي العلاقة العكسية بين قدرة النظام على الحكم وحربه ضد الشعب؟” الخاصة بالحرس الجمهوري، أو القريبة منه، يلاحظ لهجة يأس تمليها أوضاع تتحقق فيها “انتصارات”، لكنها لا تفضي إلى تقليص أعداد قتلى السلطة وحاضنتها الاجتماعية/ السياسية، أو تكبح تزايد أعداد فئاتهم الشابة والمتوسطة الأعمار التي تلاشت إلى درجةٍ تهدّد باختفائها التام الذي لم تنجح إيران وروسيا في الحد منه. هذا الوضع المفارق الذي يثير هلعا متعاظما في صفوف أهل السلطة وحاضنتها، وطرح عليهم سؤالا مخيفا هو التالي: إذا استمر موت الأجيال الشابة، بمن سنحكم سورية في حال انتصر النظام، أو وافق العالم على بقاء الأسد في السلطة؟ هل سنحكمها بأشخاص أغلبهم من حزب الله وحركة النجباء والإيرانيين، وما فائدة انتصارٍ نضيع معه السلطة التي نخوض الحرب من أجل المحافظة عليها، لكنها لن تبقى في أيدينا على كل حال؟ وكذلك: ما نفع انتصارات جغرافية تأكل الخزين البشري، وتقضمه بصور لا تني تتسارع، تفضي إلى افتقارنا المتزايد في العنصر البشري الضروري، لتجديد كياننا المجتمعي والإمساك ببلادٍ مدمرة، ليس بين مواطنيها من لا يرغب في الثأر منا، اليوم وبعد توقف الحرب الراهنة؟ وكيف نوقف استنزافنا الكياني الذي يجعل من انتصارنا العسكري موتنا السياسي، ومن سقوط سورية بأيدي “المهزومين” حتميةً تمليها الطبيعة، وما يتصل منها بالأعداد والولادات، بينما يكذب بشار علينا بحديثه عن “تحسّن النسيج الاجتماعي” السوري الذي كلفتنا أيام قليلة من القتال ضده، في دمشق وحماه، حوالي ألف شاب، فهل تحسن هذا النسيج بالفعل، وهل نستطيع تحسينه حقا من دون إبادة الطرف الآخر بأسلحة الدمار الشامل، بعد أن فشلت الأسلحة التقليدية ستة أعوام في تغيير معادلات الطبيعة بينه وبيننا؟ وهل هناك من سلاح إبادة شاملة أفضل من الكيماوي، ما دمنا لا نمتلك سلاحا نوويا؟

بهذه الحسابات التي تقول لأهل السلطة: أنتم تخسرون الحرب، وأنتم تربحون المعارك المتفرقة. والآن: هل اتخذ النظام قرار الضرب بالكيماوي، أم هو قرار اتخذه الحرس الجمهوري الذي خسر خمسمائة من ضباطه وجنوده في معركة دمشق الأخيرة وحدها، وعبّر بجريمته عن رؤيته للتخلص من مأزقٍ لا حل له بوسائل الحرب التقليدية وأسلحتها، والدليل: الأرقام التي نشرها أحد مواقع الدفاع عن الجريمة، ورأى فيها ثأرا لـ”أكثر من مائتي ألف قتيل علوي، وثلاثين ألف قتيل شيعي، وتسعة آلاف قتيل من حزب الله”، ولمح إلى أن “القضاء على بني أمية” بالكيماوي سيكون، من الآن فصاعدا، نهج الأسدية اليومي؟ هناك سؤال آخر: هل سيغيّر الكيماوي معادلة الصراع التي تتلخص في وجود علاقةٍ عكسيةٍ بين قدرة النظام على حكم سورية، واستمرار حربه ضد شعبها. وبالتالي، تزايد “انتصاراته العسكرية”؟ وما العمل إن كانت إطالة الحرب تعني تناقص قدرته على استثمار عائد الانتصار بالنسبة لسلطته، التي تكتسب طابعا أشد وهميةً مع كل انتصار أرضي تحرزه، بسبب ما تتكبّده من خسائر بشرية متفاقمة؟ هذه المعادلة تمكننا من القول: حتى لو توقفت الحرب ذات يوم بانتصارٍ أسدي، فإن إرجاع سورية إلى ما كانت عليه قبل عام 2011 سيكون من المحال، لأن معظم من يفترض بهم تولي السلطة وخدمتها سيكونون في عداد الأموات.

هذا العامل الداخلي، العملي إلى أبعد حد، والباعث على يأس أهل السلطة وهلعهم، يمكن أن

“حتى لو توقفت الحرب ذات يوم بانتصارٍ أسدي، فإن إرجاع سورية إلى ما كانت عليه قبل عام 2011 سيكون من المحال” يدفع هؤلاء إلى حماقاتٍ يمليها مزاج انتحاري، بينها استخدام الإبادة الشاملة، ردا على انهيار التوازن السكاني، وعجزهم عن الإمساك من جديد بالمجتمع والدولة، وهو يحظى، على الأغلب، بتشجيع قوى لها مصلحة في ما جرى، أولها وأهمها روسيا التي تريد كشف أولويات إدارة ترامب، واختبار ما لديه من خياراتٍ محتملة، ومعرفة جدية تصميمه على مواجهتها في سورية، والأسلوب المحتمل لهذه المواجهة، وهز العصا في وجهه، وتلمس الحد الذي يمكن أن يذهب إليه قبل ضبط أوضاع إدارته، وإخراجها من المشكلات المعقدة التي واكبت انتخابه، وإلى أي حد ستتفاعل العسكرية الأميركية وأجهزتها الأمنية بإيجابية معه كرئيس طارئ على السياسة وطبقتها المكرسة، في حال قرّر تطبيق رؤيته لدور أميركا الذي يريده تدخليا في العالم؟ وماذا يمكن أن يترتب على ضربةٍ كيمياويةٍ في سورية، إن قبل بها كانت هزيمة خطيرة لإدارته وشخصه على الصعيد الدولي، وتفاعلت سلبيا مع هزيمتيه الداخليتين في موضوع الهجرة، وقوّضت تماما فرصه، وربما أسهمت في إطاحته، باعتباره رئيساً يسوق بلاده من فشل إلى آخر؟ هل أرادت روسيا اختبار ترامب عبر ضربة خان شيخون الكيماوية، بعد أن غطى سياساته، طوال الاشهر الثلاثة الماضية، بتصريحاتٍ متناقضة، لم يفهم منها إن كان ذاهبا إلى حالٍ من التفاهم والتناغم معها، يستمر خلالها تفويضها الأوبامي بعمل ما يحلو لها في سورية، أم أن البلدين ذاهبان إلى فترة صراع محتدم، سترهق روسيا المتعبة بالعقوبات والعزلة الدولية وحماقات بوتين الإمبراطورية؟

أعلن ترامب مراتٍ مواقف فهم الإيرانيون منها أن زمن إلقاء غيرهم إلى النار من أجل تحقيق مصالحهم قد انقضى، وأن نجاتهم بجلودهم تتطلب ابتعادهم عن النظام الذي صار لهم مصلحة في دفعه إلى ارتكاب جريمة الكيماوي، لتكون رسالة إلى واشنطن، تؤكد عزمهم على مقاومة ما يخطّطه عدوهم ترامب لهم، بجميع ما في حوزتهم أو تحت تصرفهم من وسائل؟ أليس من المعقول أن تقدم إيران على هذا، لتستبق المعركة وتخوضها في شروط تحسّبت لها؟

العربي الجديدة

 

 

 

أية صفقة «كيماوي» جديدة في سورية؟/ عمر قدور

تشبه الأجواء الدولية التي أعقبت هجوم النظام الكيماوي على خان شيخون، صبيحة الرابع من هذا الشهر، تلك التي تابعها السوريون عقب مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق (21 آب- أغسطس 2013). هذه ليست بشارة سارة، حتى مع المراهنة على إتيان ترامب بما هو غير متوقع، لأن مفاجآته لا يُرجح وصولها إلى انقلاب دراماتيكي في سياسته في سورية وعموم المنطقة.

من هنا يظهر أن المخاطرة بقرار استخدام الكيماوي مرة أخرى ليست كبيرة، طالما أن أسوأ التوقعات لا يشي بانقلاب أميركي على نظام بشار. ذلك لا يعني أن الأمور ستكون على ما يرام، ولا أن الإدارة الأميركية لن تحاول الخروج بمكسب ما بناء على هذه «الغلطة». لهجة ترامب الغاضبة بعد الهجوم في جزء منها شخصية، وحديثه عن تغير موقفه بالأحرى يثير السخرية لأن المجزرة الجديدة استئناف لمجازر أخرى بأسلحة محرمة دولياً أيضاً، ولأن حديثه عن تجاوز المجزرة العديدَ من الخطوط الحمراء قد ينتهي بما آلت إليه خطوط أوباما.

ميدانياً، موقف إدارة ترامب اليوم أفضل من موقف إدارة أوباما، وقت تنفيذ الهجوم الكيماوي على الغوطة، فالطيران الأميركي موجود في السماء السورية ضمن الحرب على داعش، وكان في وسع المقاتلات الأميركية توجيه إنذار فوري عبر قصف مواقع لقوات الأسد، ولو تحت ذريعة قصفها بالخطأ كما حدث سابقاً. إسرائيل فعلت ذلك، عندما بادرت في اليوم التالي للمجزرة إلى قصف مواقع في درعا تابعة للنظام والميليشيات الشيعية الحليفة، وهذا لن يكون الاستثمار الأخير من قبلها.

الطريف أن وزير خارجية بشار سيصرح بعد يومين بأن «الأحداث في خان شيخون تصب في مصلحة إسرائيل قبل كل شــيء». طبــعاً تصريحه يأتي ضمن الابتذال الإعلامي حول وجود مؤامرة إسرائيلية على نظامه، مع أن ميدفيديف، رئيس الوزراء الروسي، صرح للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي عشية زيارته الحالية لتل أبيب، بأن الأخيرة تفضّل بقاء بشار الأسد. خارج الابتذال الإعلامي الممانع، تجدر الإشارة إلى مسارعة نتانياهو شخصياً إلى التنديد بالمجزرة، وهذه الرسالة لا تجب قراءتها كنوع من تعزيز المقارنة بين سلوك قواته وقوات الأسد (لمصلحته طبعاً). فاكتساب السمعة الحسنة عبر نظام بشار ليس امتيازاً، هي رسالة تنطوي على عدم السكوت على خرق النظام تعهداته بموجب صفقة الكيماوي عام 2013.

نعم، كانت إسرائيل المستفيد الأوحد من صفقة الكيماوي آنذاك، فهي حصلت على مطلب قديم هو انضمام النظام السوري إلى اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، وهو ما كان يربطه بانضمام إسرائيل إلى اتفاقية حظر الأسلحة النووية. غير أن استفادة إسرائيل لا تمنح النظام صك براءة من جرائمه التي يستغلها الآخرون على أفضل وجه، ولا تصلح حجة لمنحه البراءة بسبب غبائه السياسي، أو أولويته في قتل السوريين فوق أي اعتبار آخر.

لذا يستحسن الانتباه إلى أن رد الفعل الأميركي الغاضب أتى بعد الرسالة الإسرائيلية، وقراءة هذا الترتيب من دون الابتذال الإعلامي الممانع الذي يروّج الأساطير عن السيطرة الإسرائيلية على القرار الأميركي. إسرائيل هي الحليف الوثيق لأميركا، وهي شريك في الملف الكيماوي السوري تحديداً لأن صفقة التخلص منه تخصها، وإثبات النظام حيازته كميات لم تتلف من مخزونه يعني خرقه الصفقة الماضية، وأيضاً خرقه قرار مجلس الأمن المتعلق بها. أما من يرون المكاسب الإسرائيلية شهادة حسن سلوك للنظام، ففي جعبتهم تاريخ من هزائم النظام أمام إسرائيل للإضافة فوقه.

ذلك لا يعني حصد المكاسب إسرائيلياً فحسب، إذ ربما تجدها إدارة ترامب فرصة لتقوية موقعها التفاوضي مع روسيا. لإسرائيل وإدارة ترامب هم مشترك يتعلق بتقليل النفوذ الإيراني على نظام بشار، والمقايضة التي كان يطرحها ترامب مواربةً هي قيام موسكو بالحد من نفوذ طهران مقابل الإبقاء على بشار. هذا قد يكون واحداً من الملفات التي سيبحثها وزير الخارجية الأميركي مع نظيره الروسي يومي الثلثاء والأربعاء المقبلين، وهو قد يكون أحد العوامل الشديدة التأثير في اتخاذ قرار استخدام الكيماوي، في ما لو كان القرار إيرانياً، فطهران تسعى إلى منع أي تقارب روسي- أميركي، وتوجيه ضربة قبيل أول اتصال على هذا المستوى قد يدفع الجانبين إلى مزيد من التصلب. لكن، مرة أخرى، قد لا تكون الحسابات الإيرانية صائبة بما يكفي إذا لم تنزلق إدارة ترامب (وهذا هو الغالب) إلى مواجهة كبرى مع موسكو.

يبدو خطأ الظن بأن إدارة ترامب لن تفعل شيئاً مساوياً لخطأ الظن بأنها ستقوم بانعطافة كبرى، ترامب الذي لا يريد أن يُشبَّه بأوباما لا يشبه جورج بوش في المقابل، ولا حدث الآن يمس الأمن القومي الأميركي على غرار أحداث 11 أيلول. ربما أنسب السيناريوات لمصلحة الإدارة الأميركية هو ترك الملف مفتوحاً واستخدامه لابتزاز موسكو وطهران، لولا أن هذا لا يتفق مع طبيعة ترامب الذي يسعى إلى إحداث ضجيج إعلامي، ولو كان مبنياً على إنجاز صغير.

في كل الأحوال، لن تكون هناك صفقة تُبنى على حماية السوريين، وإذا تحصلت أية فائدة لهم فستكون من الثمار الهامشية ليس إلا. في المقابل، يستحيل عقد أية صفقة جديدة لا تنص على بقاء بشار، لأنها غير مقبولة إطلاقاً من بشار وطهران، هذا الاستحقاق لا يمكن تمريره إلا بواسطة عمل عسكري ضخم يقرر الروس عدم مواجهته، أو عمل عسكري يتلافى المواجهة باستخدام صواريخ مثل كروز ولا يؤدي إلى إسقاطه، وكما هو معلوم لا معنى لبقاء بشار سوى استمرار القتل بطرق أخرى، بما في ذلك استخدام أسلحة محرمة دولياً غير الكيماوي.

المنطق الذي تسير به التطورات السورية حتى الآن هو منطق الصفقات الصغيرة بين اللاعبين الكبار، وربما يقع العبء الأكبر على لافروف كي يعدّ السيناريو المقبول قبل لقائه نظيره الأميركي في الحادي عشر من الشهر الجاري. بوتين سبقه واتصل بنتانياهو لائماً إياه على اتهام النظام بارتكاب المجزرة. إذاً، ستتحرك الديبلوماسية الروسية لعرض صفقة جديدة على أطراف صفقة الكيماوي القديمة، ودائماً هناك لجان تحقيق أممية جاهزة لتمرير الوقت وتبريد الملفات الساخنة.

الحياة

 

 

 

مجزرة بعد أخرى/ سلامة كيلة

لم أستطع أن أتجاوز الكتابة عن سورية هذا الأسبوع، على الرغم من محاولتي البحث عن موضوع آخر، فالعالم يعيش مرحلةً تتسم بسرعة الأحداث التي توحي بأن تغيرات كبيرة ستحصل، فمجزرة خان شيخون تعيد مسك كل مكنونات الوضع السوري، حيث يظهر واضحاً أن النظام ما زال يمتلك أسلحة كيماوية (ربما سُمح له بها لكي يلقيها على الشعب)، وأنه جريء إلى حد أن يقوم بذلك الآن، ربما بعد أن ركن إلى الدعم الروسي القوي، والميل الأميركي إلى إظهار ما كان يبدو احتمالياً، أي الحديث بوضوح أكبر عن بقاء بشار الأسد والتحالف معه لضرب “الإرهاب” (بات يجب أن توضع هذه الكلمة بين ألف قوس).

 

وأيضاً ظهر بفجاجة تلاشي أي قيمةٍ أخلاقية لدى الممانعة التي لا تزال تكرّر أن ما يحدث في الواقع هو “صور مفبركة”، هذه الكذبة التي اخترعها النظام، منذ البدء، للتغطية على كل الجرائم التي اقترفها، وأتت لكي تكون “غشاء البكارة” الذي يغطي كل سفالات الممانعين، حيث لا بدّ من التغطية على دعمهم لنظام مجرم. وبالتالي، لا بدّ من نفي كل جريمة يقوم بها، واعتبار أنها من صنع “المؤامرة” الإمبريالية السعودية القطرية. هؤلاء مجرمون، مثل النظام الذي يقوم بأقذر “مهمة تاريخية” خدمة للإمبرياليتين، الروسية والأميركية، وكل الإمبرياليات التي تريد تدمير مسار الثورة الذي اشتعل هنا والآن.

وروسيا التي تقصف وتقتل وتدمر يومياً، لا تزال تغطي جرائم ضد الإنسانية، بل وتكملها بجرائم أخرى باستخدامها أحدث أسلحتها التي باتت سورية هي “ساحة التدريب” التي توضّح قدرات تلك الأسلحة، و”تفوقها”. لهذا، هي مجرمة، وتغطي جرائم إبادة ضد الإنسانية، فهي كذلك تخاف الثورة التي ستطل من موسكو، وربما يمارس الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ما مارسه في الشيشان، حين دمّر غروزني وقتل مئات الآلاف، وما يتدرب على ممارسته الآن في سورية.

والنظم العربية كلها ليست معنية بما يجري، ربما على العكس كذلك، فهي معنيةٌ بتدمير المسار الثوري الذي بدأ في البلدان العربية ولن يتوقف. وهذا موقف أميركا منذ البدء، حيث أرادت من يطفئ هذا الحريق الذي بدأ بالشكل الأشد دموية، وكانت تعرف أن النظام السوري هو القادر على هذه “المهمة التاريخية”. لهذا ظلت تناور لمصلحته، وظلت تكبح تطوّر الثورة، ولعبت بورقة “داعش” وقوات سورية الديمقراطية، لكي تحوّل الصراع إلى منازعات بين قوى محلية، ودعمت كل الدول الخليجية التي لعبت على وتر أسلمة الثورة ودعم الأصولية.

لهذا، ليس هؤلاء كلهم معنيين بالمجزرة، لا الحالية في خان شيخون والقتل في سلقين، ولا كل المجازر السابقة، بل ربما على العكس هم الأكثر حاجة لها لكي ينطفئ الحريق الثوري الذي أخافها، بل أرعبها. هذا ما يعطي بشار الأسد الضوء الأخضر، لكي يستمرّ في القتل والتدمير، وباستخدام كل الأسلحة الممكنة، بما في ذلك الأسلحة الكيماوية، فهو يريد سورية بعدد قليل من السكان، بحجم مطامحه الضيقة، ومن ثم لا يتراجع عن قتل أغلبية السوريين، أو تهجيرهم، أو سجنهم وقتلهم في السجون.

هذه هي صورة الوضع التي تفرض اعتبار الروس مجرمين وأعداء، واعتبار أن المطلوب هو الشغل على تحويل أركان النظام وروسيا وإيران إلى المحاكم الجنائية. لكن كذلك إنهاء لعبة التفاوض التي باتت تكرّر المفاوضات الفلسطينية التي ظلت بلا جدوى. ورفض اعتبار الروس وسيطاً بل قوة احتلال، والتعامل معها باعتبارها قوة احتلال. فلولاها لما بقي النظام، ولا مارس كل هذه المجازر، وكذلك الأمر فيما يخص إيران وحزب الله، وكل “الهلمّ” الطائفي الذي تجمع في الميلين من المصدر نفسه. فهؤلاء هم من أوجد القوى الطائفية “الشيعية”، وكذلك “السنية”، أقصد “داعش” وجبهة النصرة وعصابات أخرى زُرعت باسم الثورة.

ليس العالم من سيحاسب، فهو مرتاح لما يجري، بل نحن من يجب أن يحاسَب.

العربي الجديد

 

 

 

 

في تهافت «الديبلوماسية الكيماوية» الدولية/ طارق عزيزة

الهجوم الكيماوي على بلدة خان شيخون السورية والمشاهد المروّعة الواردة منها شكّلت إحراجاً، في ما يبدو، لقادة «المجتمع الدولي» دفعهم إلى عقد اجتماع لمجلس الأمن لبحث الموقف. وكما في غيرها من جلساته الخاصّة بالمقتلة السورية، انقسم المجلس على نفسه وخيّمت أجواء مشحونة على الجلسة، زاد منها حدّة الخطابات وشيء من تبادل الاتّهامات بين مندوبي الدول الأعضاء.

ثلاث دول دائمة العضوية، هي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، فشلت في عرض مشروع قرار للتصويت في المجلس، يدين الهجوم ويلمح بقوّة إلى مسؤولية النظام السوري عنه، بعد رفض روسيا وتلويحها باستخدام الفيتو (حق النقض)، إلى جانب اعتبار الصين، وهي من أُولي الفيتو وحماة الأسد أيضاً، أنّ مشروع القرار «غير صالح وليس في مصلحة الشعب السوري». في النهاية لم يسفر الاجتماع «الطارئ» عن شيء سوى إرجاء التصويت، الذي قيل إنّه بغرض المزيد من التفاوض والمشاورات لا سيما بين الخمسة الكبار، وهو ما وصفته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بـ «الفضيحة».

كالعادة نفى النظام مسؤوليته عن الهجوم، وقدّم رعاته الروس تفسيراً متهافتاً يحمّل المعارضة المسؤولية عنه، وتقدّموا بمشروع قرار قالوا إنه «مقتضب ويهدف إلى إجراء تحقيق فعلي وليس تحديد المسؤولين قبل معرفة الحقائق»، ليكون بديلاً عن مشروع القرار الفرنسي – البريطاني – الأميركي المشترك، الذي تقول مسودته إن مجلس الأمن «يدين بأشد العبارات استخدام أسلحة كيماوية» في سورية، لا سيما في الهجوم الأخير ويطلب من لجنة التحقيق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية العمل لتحديد المسؤولين عنه. كما يطالب مشروع القرار النظام السوري بتسليم المحققين كافة المعلومات المتعلقة بخطط الطيران وأسماء الطيارين والعمليات العسكرية التي كان يقوم بها حين وقع الهجوم، فضلاً عن فتح القواعد العسكرية التي يمكن أن تكون استخدمت لشن الهجوم أمام المحققين، وهدّد مشروع القرار بفرض عقوبات تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

استبق وزير خارجية النظام وليد المعلم ما قد تحمله الأيام المقبلة من إمكانية فتح تحقيق في شأن الهجوم، وشرع بسفسطته المعهودة يماطل ويسوّف. ففي مؤتمر صحافي عقده في دمشق، شدد على «عدم تسييس التحقيق» مطالباً بانطلاقه من دمشق لا من تركيا، وأن دمشق لديها «أسئلة لا تحصى في شأن هذا الموضوع وعندما تتأكد من حصولها على إجابات مقنعة فسترسل الرد على هذا المقترح».

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ما الحاجة إلى كل هذا الجدل والتسويف والتجاذب الديبلوماسي في أروقة مجلس الأمن، طالما أنّه يوجد بالفعل قرار سابق صادر عن المجلس نفسه بالإجماع، تشمل ولايته كل ما له صلة بالأسلحة والمواد والهجمات الكيماوية في سورية. والهجوم الكيماوي الأخير على خان شيخون يفترض أنّه يخضع لأحكام هذا القرار، ولو توافرت الإرادة الدولية الجدّية لذلك، يمكن استناداً إليه الشروع في اتخاذ الإجراءات المناسبة، بدءاً من التحقيق وانتهاءً بمعاقبة الفاعل، الذي تقطع المعطيات والوقائع بأنه طيران الأسد ولا أحد سواه.

القرار رقم 2118، أصدره مجلس الأمن الدولي بالإجماع، في 27 أيلول (سبتمبر) 2013، على خلفية التسوية الكيماوية التي تم التوصل إليها في جنيف يوم 14 أيلول 2013 بين روسيا والولايات المتحدة بهدف ضمان القضاء على برنامج الأسلحة الكيماوية السوري، وذلك في أعقاب الهجمات الكيماوية الأشدّ، التي نفّذتها قوّات الأسد ضدّ غوطتي دمشق الشرقية والغربية، يوم 21 آب (أغسطس) 2013، وراح ضحيتها ما يزيد عن ألف مدني، معظمهم نساء وأطفال.

أيّد القرار 2118 قرارَ المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية التابعة للأمم المتحدة، المؤرخ في 27 أيلول 2013، والذي يضع إجراءات خاصة للإسراع بالقضاء على برنامج سورية الكيماوي وإخضاعه لتحقيق صارم، فدعا الحكومة السورية إلى التعاون في شكل كامل مـع منظمـة حظـر الأسلحة الكيماوية والأمم المتحدة، بما في ذلك إفـساح الـسبل أمامهم للوصول فوراً ومن دون قيد إلى أي موقع وإلى كل المواقع ومنحهم الحق في تفتيـشها، في سـياق اضـطلاعهم بمهمـاتهم، وإتاحـة سـبل الوصـول فـوراً ومن دون قيـد إلى الأفـراد الـذين لـدى المنظمة أسباب تدعوها إلى الاعتقاد بأنهم مهمّون لأغراض عملها (المادة 7 من القرار 2118). ولعلّ أهمّ ما تضمّنه القرار ويكسبه فعالية يمكن البناء عليها أنه «في حالة عدم الامتثال سيتم فرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة» (المادة 21 من القرار 2118).

تفاصيل كهذه تضمنّها مشروع القرار الفرنسي – البريطاني – الأميركي المشترك الذي أغضب موسكو، فكيف وافقت عليها في القرار 2118 وترفضها اليوم؟ ثم ما الذي يدفع بوزير الخارجية الفرنسي، مثلاً، إلى التأكيد أنّ «فرنسا تريد التوصّل إلى قرار» على رغم إقراره بصعوبة الموقف، بدلاً من العمل على تفعيل القرار السابق. وهل بات التقيد بقرار أممي موجود وتنفيذ مضمونه في حاجة إلى قرار جديد يكرّره ويذكّر به، أمّ أنّها إحدى تداولات بورصة المصالح الدولية في سوق الموت السوري، حيث يُدار الوقت وتوظّف المعطيات بهدف الضغط والابتزاز لا أكثر، ضمن جولة جديدة من الكباش السياسي بين روسيا والغرب؟

صحيح أنّ ترامب وإدارته صعّدوا من لهجتهم أخيراً، ومنهم من لم يستبعد «احتمال العمل العسكري»، لكنّ من غير الحكمة أخذ هذا الكلام على محمل الجد، فخبرتنا السابقة كسوريين مع «الديبلوماسية الكيماوية» الدولية، وكيفية تعاطيها مع جرائم نظام البراميل الكيماوي محبطة ولا تبشّر بخير.

لم ننس بعد الخطابات النارية الفرنسية والأميركية، صيف 2013، وكيف تبخّرت كل العنتريّات وشُطبت «الضربة العسكرية» عن جدول الأعمال، ما إن توصّلت موسكو وواشنطن إلى الصفقة الكيماوية في جنيف، منتصف أيلول 2013. ليس ثمّة ما يمنع من عقد صفقات مماثلة في مقبل الأيام، وزيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى موسكو المقررة الأسبوع المقبل، ربما تضع إطاراً ما لذلك.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

داخل خان شيخون… صمت القبور/ عمار الحلبي

داخل مدينة خان شيخون المنكوبة، شارك وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقّتة محمد فراس الجندي، في إسعاف مصابي مجزرة الكيمياوي في مشفى ميداني يقع شمال المدينة، عقب هجوم راح ضحيته 87 من أبناء المدينة الأصليين والنازحين إليها، من بينهم 29 طفلاً و21 امرأة، فيما أصيب 560 آخرون بأعراض تسمّم بالغاز، بحسب ما وثق الطبيب محمد الجندي، والذي تفقد مكان سقوط أحد الصواريخ التي يعتقد أنها كانت محملة بمواد كيمياوية بالقرب من مركز حبوب المدينة، الواقع إلى جوار دوار المشعل.

استقبلت كل المشافي العامة والخاصة وحتى الميدانية ونقاط الإسعاف والمستوصفات في عموم محافظة إدلب، مصابي المجزرة، بحسب الجندي الذي عاين حالات الاختناق المتكدسة في ممرّات المشفى الميداني وفي أرجائه المختلفة، فيما تم نقل الحالات الحرجة إلى تركيا عبر معبر باب الهوى الحدودي.

وتعد محافظة إدلب التي تتبعها مدينة خان شيخون الأكثر استهدافاً بالأسلحة الكيمياوية من قبل النظام بعد قرار مجلس الأمن 2118 وتوقيع النظام السوري على اتفاقية نزع الأسلحة الكيمياوية، بحسب ما يؤكد لـ”العربي الجديد” فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إذ تعرضت المحافظة إلى 41 هجمة، وتليها محافظة ريف دمشق وشهدت 33 هجمة، ثم محافظة حماة التي تعرضت لـ 27 هجمة، ومحافظة حلب 24 هجمة، وتليها محافظة دمشق 22 هجمة، وكان نصيب محافظتي حمص ودرعا 4 هجمات لكل منهما، و3 هجمات في محافظة دير الزور (شرق)، وفق بيانات موثقة جاءت في 22 تقريراً حقوقياً أصدرتها “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” حول الهجمات الكيمياوية للنظام.

وأحصت الشبكة 200 هجوم بالأسلحة الكيمائية منذ بدء الثورة السورية وحتى صدور أحدث تقاريرها في فبراير/شباط الماضي، تنقسم إلى 191 هجمة حتى نهاية عام 2016 و9 هجمات منذ بداية عام 2017، أدت جميعها إلى مقتل 1405 سوري وسورية وفق ما قالته لـ”العربي الجديد”، براء الآغا مديرة التقارير في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، والتي لفتت إلى تداول رقم خاطئ حول عدد تلك الهجمات، إذ قدرتها مصادر صحافية بـ 333 هجمة عبر تكرار احتساب عمليات التوثيق بعد قرارات الأمم المتحدة الثلاثة 2218، 2209، 2235 (المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية وتحديد المسؤولين عن ذلك)، وقبل صدورها. بينما أحصت الجمعية الطبية السورية الأميركية استخدام الأسلحة الكيمياوية 161 مرة في سورية خلال السنوات الخمس السابقة، ما تسبب في مقتل أكثر من 1500 شخص وإصابة أكثر من 14 ألفاً، بحسب ما ذكرته في تقرير أصدرته بتاريخ 14 مارس/آذار 2016.

وتعد حادثة استهداف حيي البياضة ودير بعلبة في حمص، أولى وقائع استخدام السلاح الكيمياوي في سورية، والتي أدت إلى مقتل ستة مدنيين وإصابة 60 آخرين، بينما يعد ما جرى في الغوطة شرقي دمشق، في 21 أغسطس/آب 2013، الهجوم الكيمياوي الأضخم لقوات النظام، إذ راح ضحيته 355 قتلوا نتيجة تسمم عصبي من بين نحو 3600 حالة تم نقلها إلى المستشفيات، بحسب ما ذكرت منظمة أطباء بلا حدود في 24 آب/أغسطس، بينما قالت المعارضة إن عدد القتلى ارتفع إلى 1466 فيما ذكر تقرير للمخابرات الأميركية أن 1429 شخصا قد قتلوا، وعلى الرغم من توقيع النظام السوري في 26 تشرين الأول/أكتوبر، على القرار رقم 2118 الخاص بمعاهدة نزع الأسلحة الكيمياوية، إلّا أنه قام بخرقه 167 مرة منذ التوقيع، ومن بين تلك الخروقات 9 هجمات جرت منذ مطلع عام 2017 وحتى مجزرة خان شيخون في 4 أبريل/نيسان 2017.

ويمتلك النظام سبع منشآت وستة مخابر لتصنيع السلاح الكيمياوي، وفق توثيق أجراه مركز توثيق الانتهاكات الكيمياوية في سورية، ووثق المركز 2376 حالة وفاة و12 ألف إصابة جراء الأسلحة الكيميائية التي أقدمت القوات النظامية على استخدامها.

مدينة الأشباح

تقع مدينة خان شيخون في الريف الجنوبي لمحافظة إدلب وعلى الرغم من أنها تتبع إداريا محافظة إدلب إلا أنها أقرب إلى مدينة حماة، إذ تبعد عنها 37 كيلومتراً، منها إلى مدينة إدلب التي تبعد عنها 70 كيلومتراً، وتُعتبر نقطةً استراتيجية، كونها تصل محافظة إدلب بريف حماة الشمالي وتقع على الطريق الدولي “حلب-دمشق”، وعقب يومين من مجزرة الكيمياوي في خان شيخون أضحت شوارع المدينة وبيوتها فارغة من أهلها، إلا قليلا من المارة ممن يركبون دراجات نارية أو سيارات نقل صغيرة وأخرى خاصة، يحملون عليها أغراضهم وأقاربهم الذين نزحوا إلى قرى سراقب ومعرة النعمان ومدينة إدلب وغيرها من قرة ريف إدلب الشمالي، خوفا من إعادة استهداف قوات النظام المدينة بالغازات السامة، وفق ما وثقه معد التحقيق بالفيديو خلال جولة في البلدة المنكوبة.

غادر 80% من أهالي المدينة الأصليين والنازحين المدينة المنكوبة، وصارت أشبه بمدينة للأشباح خاصة في الليل، إذ تم إغلاق المحال والأسواق والمطاعم جميعها بحسب ما وثقه معد التحقيق في جولته، وبدا الحي الشمالي فارغا بشكل تام، بسبب تركز القصف الكيمياوي عليه، ما أدى إلى خروج الأهالي منه للابتعاد عن مكان الغاز السام، بالإضافة إلى مرافقة المصابين، وفق شهادة أنس دياب، أحد أبناء مدينة خان شيخون.

يبلغ عدد سكان مدينة خان شيخون 52.972 نسمة، وفق آخر بيان إحصائي، تم إجراؤه عام 2004، بحسب ما يظهر على موقع المكتب المركزي للإحصاء في سورية، ويناهز عدد سكان المدينة 80 ألف نسمة في الوقت الحالي، وفق الناشط الإعلامي جابر أبو محمد، إذ استضافت المدينة نازحين من مناطق ريف حماة الشمالي، نتيجة المعارك بين النظام والمعارضة، لا سيما معردس وصوران، ويقوم اقتصاد المدينة على الزراعة والتجارة.

وخلفت الصواريخ الأربعة التي أطلقتها الطائرة الحربية التي قصفت خان شيخون حفراً فيها شظايا حديدية من جسم المقذوفات، ووضع ناشطون فيها وإلى جوارها لافتات حمراء وبرتقالية كُتب عليها خطر أسلحة غير متفجرة، حتى لا يقترب الأهالي منها، وفق شهادة الميكانيكي بكر السماني الذي يعمل ويقيم في حارة بيت يوسف التي تعرضت لإحدى الضربات.

عقب الضربة التي وقعت في السادسة والنصف صباحاً، توجّه بكر وأهالي الحارة إلى منطقة الضربة التي تقع في الحي الشمالي الذي تقصفه طائرات النظام بشكل شبه يومي، غير أن المشهد صار مرعباً، إذ بدأ الأهالي في السقوط كلما اقتربوا من مكان الانفجار، ويقول بكر لـ”العربي الجديد”: “صرخ أحدنا مواد سامة، كل ما يحاول أحدنا إسعاف العالم يقع فوقهم، حتى الآن يخرج الدفاع المدني أهالي مخنوقين في بيوتهم”.

توفى العديد من الضحايا من النساء والأطفال النائمين في منازلهم، بسبب وقوع الضربة في الصباح الباكر، بالإضافة إلى غياب التجهيزات الطبية الملائمة لاستقبال مئات الحالات، في الوقت الذي عمد النظام، منذ الثلاثاء، إلى استهداف مشفى خان شيخون، ومشفى الرحمه، ومركز الدفاع المدني في المدينة، والتي يبعدون قرابة 5 كيلومترات عن المكان المستهدف بالسلاح الكيمياوي، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة، وفق ما وثق الناشط الإعلامي خالد الأحمد في شهادته التي أدلى بها لـ”العربي الجديد”.

وأظهرت صور بثّها ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي قيام الأهالي بدفن الجثث في مقابر جماعية، بينما ما زالت بعض الجثث في برادات المستشفيات الميدانية والنقاط الطبية.

اتهام قائد سرب بارتكاب المجزرة

تتسارع وتيرة التطورات السياسية والعسكرية بعد مجزرة خان شيخون في ريف إدلب، إذ ردّت الولايات المتحدة الأميركية بتدمير مطار الشعيرات الذي انطلقت منه الطائرة التي قصفت المدينة بغاز السارين، وفق ما يرجح اللواء المنشق عدنان سلو، مدير إدارة الحرب الكيمياوية السابق في إفادته عبر الهاتف لـ”العربي الجديد”، موضحاً أن الأعراض التي عانى منها الضحايا قبل وفاتهم والمصابين تؤكد ذلك، إذ ظهر على بعضهم خروج زبد من الفم وتشنج ووجع في العيون وفقدان التوازن وتشنجات عضلية متكررة، إضافة إلى إفرازات من الجهاز التنفسي، سعال وضيق في التنفس واختلاجات وتضيّق في الحدقات (حدقات دبوسية) وتعرّق وإسهال.

وعبر رصد ميداني توصل ناشطون في مرصد محلي يتنصت على محادثات قوات الأسد، إلى خروج طائرة من طراز سوخوي 22 تحمل اسم “قدس 1″، أقلعت فجراً من مطار الشعيرات يقودها العقيد الطيار محمد يوسف حاصولي المنحدر من مدينة تلكلخ غرب حمص، وورد اسم حاصولي في لائحة اتهام أصدرها القاضي المنشق عن نظام الأسد ومؤسس مجلس القضاء السوري الحر، خالد شهاب الدين، ضمن قائمة للمتهمين بارتكاب جرائم حرب في سورية، لافتاً في اللائحة التي أصدرها في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2012 إلى أن حاصولي يتبع للسرب 685 سوخوي.

الوقاية وتوثيق المجزرة

عقب وقوع هجوم كيمياوي، يجب خروج جميع الأشخاص من المنطقة الملوّثة بعكس اتجاه الريح، وفي حال كانت كان لديهم كمّامات عليهم ارتداؤها فوراً، وغسيل أجسادهم بمياه ساخنة وصابون، وفق ما ينصح به اللواء عدنان سلو.

وأوضح سلو أن غاز السارين لا لون له ولا رائحة ولكن تأثيره يبقى على سطح الأرض بنحو ارتفاع مترين، لافتاً إلى أن القصف بالسارين لديه عدّة شروط، أبرزها أن تكون سرعة الرياح 3 أمتار بالثانية، وأن تكون درجة الحرارة ما بين 22 إلى 25 درجة، وهو ما يفسّر الهجوم فجراً، مشيراً إلى أنه لو كانت درجة الحرارة 40 مثلاً فإن الغاز سيتبخّر بسرعة، ولن يقتل هذا العدد من المدنيين.

ويؤكد اللواء المنشق ضرورة جمع عينة من الصواريخ والتربة والمأكولات الموجودة في مكان القصف، إضافةً إلى عينات من أجسام المصابين، مثل الشعر أو البول أو حتى الأنسجة، لافتاً إلى أنها تُوضع من قبل مختصين مخبريين في أكياس وقوارير وتوضع في مكانٍ بارد ليتم تحليلها واستخراج النتائج التي تثبت القصف.

ودعا إلى الإسراع في هذه العملية “لأنه إذا مرّت فترة طويلة عقب الهجوم من الممكن أن يتبخّر الغاز ويختفي دليل”، مشيراً إلى “أن جهات تابعة للمعارضة دخلت بعد الضربة إلى مسرح الجريمة وقامت بعملية التوثيق لتعتمدها دليلاً تقدمه أمام المحاكم أو الجهات الدولية”.

غياب الإرادة الدولية

بعد الهجوم بالكيمياوي على الغوطة الشرقية، أجبر مجلس الأمن النظام السوري على التوقيع على اتفاق نزع الأسلحة الكيمياوية، عبر إصدار القرار 2118، والذي نص على أن يُعاقب النظام في حال استخدم الأسلحة الكيمياوية مجدّداً باستخدام القوة ضده تحت البند السابع من ميثاق مجلس الأمن، بموجب المادة رقم 21 من القرار، وفق ما أكد المحامي والناشط القانوني سامر طلاس.

ويؤكد طلاس لـ “العربي الجديد”: “إن القرار رقم 2118 كان من المفترض أن يردع النظام عن استخدام الأسلحة الكيمياوية، لكن لم يحدث ذلك، ما أدى إلى تكرار الخروقات من قبل النظام، بسبب عدم وجود إرادة دولية لاستخدام القوة خارج مجلس الأمن تحت الفصل السابع، الأمر الذي كان يمكن أن يؤدي إلى منع النظام عن تكرار جرائمه في حق السوريين”.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

أوهام الحل السياسي في سورية/ خالد الدخيل

يستغرب البعض إقدام الرئيس السوري بشار الأسد مرة أخرى على استخدام السلاح الكيماوي في بلدة خان شيخون في منطقة إدلب. يرى هؤلاء أن توجيه أبشع ضربة بهذا السلاح منذ صيف 2013 ضد مدنيين أكثرهم من الأطفال، جاء بعد أيام على إعلان الإدارة الأميركية أن إزاحة الأسد لم تعد أولوية لها، وأن تقرير مستقبله يعود للشعب السوري. وهو ما يعني استمرار الانكفاء الأميركي، وقبول الإدارة ببقاء الأسد في أي حل سياسي للأزمة السورية. كل ذلك مع بقاء الدعم الإيراني، وغض النظر عن الميليشيات الداعمة له، وتراجع الدعم للمعارضة. تمكن الأسد بفضل ذلك من تفادي هزيمته وإسقاطه. كان في إمكانه استثمار هذه التحولات لمصلحته بتبني التهدئة، وفرز القوى الإرهابية عن المعارضة المعتدلة، وتعزيز خيار الحل السياسي. لكنه لم يفعل.

الدهشة من هذا السلوك قد تكون مفهومة، لكنها ليست مبررة. الأسد لم ولن يفعل ما يتوقعه منه البعض. بالنسبة إليه الموقف الأميركي قبل الضربة الأخيرة مع الدعم الروسي يعطيه ضوءاً أخضر دولياً مفتوحاً للإمعان في ارتكاب المزيد من جرائم الحرب لترويع المدنيين وإخضاع المعارضين لفرض نصر عسكري يحلم به، وبالتالي فرض الحل السياسي كما يرتئيه هو.

حقيقة الأمر أن بشار الأسد لا يستطيع القبول بحل سياسي بعد انفجار الثورة وتداعياتها. كان هذا ممكناً إلى حد ما قبل ست سنوات. حينها لم تكن هناك ثورة بقدر ما كانت احتجاجات جماهيرية تطالب بإصلاحات، وليس بإسقاط النظام. تحولت الاحتجاجات في شكل مطرد إلى ثورة أمام تصاعد القمع الدموي لها. عندها أدرك الأسد أن الحل السياسي المطلوب سيقود في نهاية المطاف إلى نهاية حكمه كأول وآخر وريث لمشروع حكم السلالة – الطائفة. لا يستطيع الاعتراف بأنه المسؤول الأول عن هذا المآل الذي انتهت إليه الأمور، ووضعه في قلب المأزق. لا يملك التراجع، ولا يمكنه قبول الخيارات المطروحة. لديه دائماً شيء مضمر في سلطته وحكمه وسلوكياته وخطاباته. يلجأ كثيراً للمطولات والسفسطة والكذب المباشر. يقول الشيء، وهو يضمر عكسه تماماً. يقول إنه مع الحل السياسي، ومع خيار الشعب، والديموقراطية، وهو يفعل العكس تماماً. هذه معادلة سياسية لا يستطيع الأسد البقاء من دونها. كان في إمكانه، وقبله كان بإمكان والده فرضها على السوريين قبل الثورة من خلال أكثر من 17 مؤسسة أمنية. جاءت الثورة وعنجهية التعامل الدموي البشع معها لتنسف المعادلة وتجعلها من مخلفات ماضٍ انقضى. مأزق الأسد الآن أنه يصر على إمكان ترميم ما لم يعد بالإمكان ترميمه ولا حتى بالسلاح الكيماوي. أربعة عوامل تحول دون ذلك. الأول أن الأسد لم يعد سيد المشهد في سورية كما كان قبل الثورة. جيشه في حال إنهاك بعد ست سنوات من الحرب. وفوق ذلك تحول إلى ميليشيات أخرى هدفها حماية الرئيس وطائفته، قبل أي شيء آخر. العامل الثاني أن الذي يبقي الأسد في مكانه قوى وميليشيات أجنبية، وليس الجيش السوري أو الشعب السوري. ثالثاً أن السلوك العسكري لقوات الأسد في الحرب، وتحالفاته المحلية والإقليمية أظهرا على السطح حقيقة النهج الطائفي للنظام الذي يتربع على سدته. وهو ما يتضح من سياسة التهجير والتغيير الديموغرافي لمكونات المجتمع السوري، وأن الطائفة السنية هي الهدف الرئيس لهذه السياسة، ولعمليات القتل والتدمير التي ينتهجها الأسد وحلفاؤه الإيرانيون. أمام هذا الواقع لم يعد أي حل سياسي ممكن من دون قبول غالبية الشعب السوري بذلك طوعياً. وهذا ما يؤرق الرئيس. المفارقة أن هذه الغالبية كانت قابلة لرئاسته ورئاسة والده لما يقرب من نصف قرن. وها هو يكافئهم بالقتل والتهجير وتدمير مدنهم على رؤوسهم، واستهدافهم بالسلاح الكيماوي. رابعاً أن تدويل الأزمة ربط حلها بمصالح إقليمية ودولية، ولم يعد في إمكان الرئيس فرض حل على الداخل والخارج معاً كما كان في إمكانه أن يفعل قبل الثورة.

هنا تبدو أوهام الحل السياسي مع الأسد. الرجل وريث تقليد لا يعترف بالسياسة أصلاً، ولا بالحلول السياسية خارج حدود القمع والإكراه والاستهتار بحياة وحقوق شعبه. الحل الوحيد الممكن بالنسبة إليه يقتضي العودة للمعادلة القديمة. يعتبر أن أي حل آخر إنما يعبر عن موقف عدواني تجاهه، ومتعاطف مع «الإرهابيين». الحل بالنسبة الى الأسد معادلة صفرية: إما أن يبقى هو، أو أن تذهب سورية كلها للجحيم. وهذا تماماً ما يعبر عنه قولاً وفعلاً منذ ما قبل الثورة وحتى هذه اللحظة. ينظر البعض إلى استخدام رئيس السلاح الكيماوي ضد شعبه من زاوية أخلاقية، أو سياسية مع شيء من العقلانية. يغيب عن هؤلاء أن استخدام الأسد الأسلحة التقليدية ضد شعبه لا يقل فتكاً وبشاعة ولا أخلاقية من استخدامه السلاح المدمر. وأغلب ضحايا الأسد قضوا أو هجروا بالسلاح التقليدي. الرئيس ينظر إلى الموضوع بحسابات سياسية باردة. الأمور بالنسبة إليه تقاس بنتائجها وليس بأدواتها. لا فرق لديه بين سلاح تقليدي أو مدمر. إما أن يبقى هو أو تذهب معه سورية. وهذا ما قاله في شكل مباشر في آخر حديث له قبيل ضربة خان شيخون. كان يتحدث لصحيفة «فيسيرنجي ليست» الكرواتية. وكما نقلته صحيفة «تشرين» السورية الخميس الماضي كان حديثه منصباً في أغلبه على شجب الأميركيين والأوروبيين، وكل الدول التي تدعم «الإرهابيين». لم يستثنِ من ذلك كما هي عادته إلا روسيا وإيران. عبر في هذا الحديث عن شعور عميق بالعزلة، وأنه مستهدف ليس فقط من معارضيه، بل من أغلب العالم. لكن أهم وأخطر ما قاله، كما نقلته الصحيفة السورية، بالنص هو أنه «لا يوجد لدينا خيار سوى أن ننتصر… إن لم ننتصر في هذه الحرب فهذا يعني أن تُمحى سورية من الخريطة. لا يوجد خيار آخر في مواجهة هذه الحرب، لذلك نحن واثقون ونحن مستمرون ونحن مصممون». ومعنى أنه «لا يوجد لدينا خيار سوى أن ننتصر» هو أن جولات المفاوضات في جنيف وآستانة بالنسبة الى الرئيس السوري ليست أكثر من لعبة لكسب الوقت. وهو يعبر بذلك بكل دقة عن حقيقة موقفه الرافض للحلول المطروحة. والأخطر قوله إنه «إنْ لم ننتصر في هذه الحرب، فهذا يعني أن تمحى سورية من الخريطة». ومعنى هذا من دون مداورة أنه إذا لم يسمح للأسد بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ومعها إعادة العمل بالمعادلة السياسية القديمة، فإنه ذاهب إلى خيار تقسيم سورية، وبالتالي قبول محوها من الخريطة.

هذا كله واضح من تاريخ النظام السوري قبل وبعد الثورة. ما ليس واضحاً هو الموقف الروسي. هل يعقل أن موسكو مغيبة عن سياسة الأسد في استخدام السلاح الكيماوي، وهو استخدام تكرر كثيراً منذ ما قبل صيف 2013، هي عراب ما سمي صفقة تسليم السلاح الكيماوي للأسد. واستمر استخدامه بعد الصفقة، ما يعني أن موسكو تعرف أنه لم يتم تسليم هذا السلاح بالكامل. ثم إنها تستهدف بطائراتها المدنيين بنفس بشاعة استهداف النظام. إصرار موسكو على حماية الأسد والدفاع عن ممارساته، وتهديدها بالصدام مع واشنطن في سبيل ذلك يوحي بأن روسيا تعرف مسبقاً باستخدام النظام السلاح الكيماوي، وأنها بسبب ذلك لا تدافع عن الأسد فقط، بل تدافع عن سياساتها ومكاسبها في سورية. وما ليس واضحاً أيضاً هو موقف إدارة ترامب. هل ضربتها الصاروخية الأخيرة قاعدة الشعيرات مجرد رسالة لوقف استخدام الكيماوي؟ أم بداية لانعطافة في اتجاه استراتيجية تختلف عن السياسة التي ورثتها من إدارة باراك أوباما؟ الأمر الثالث الذي ليس واضحاً يخص الدول العربية وموقفها مما يحدث لسورية والمنطقة. صحيح أن الأسد حوّل بلده إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية فقد فيها شرعيته وتحول إلى ورقة تفاوضية في يد الروس. لكن الدول العربية تراجع دورها أيضاً في هذه الساحة أمام أدوار الروس والأميركيين والإسرائيليين والأتراك والإيرانيين. بلد عربي أصبح بفعل رعونة ووحشية قيادته مسرحاً لنفوذ ومصالح دول غير عربية. للدول العربية رأي في ذلك، وتعرف أكثر مما هو على السطح.

والمدهش في هذا السياق ليس استخدام الرئيس السوري السلاح الكيماوي ضد شعبه. الأكثر إثارة للدهشة أن بعض الدول العربية تؤيد بقاء الأسد، وتتمسك بوهم أنه لا حل سياسياً من دون ذلك. لكنها لا تتجرأ على إعلان هذا الموقف. وهذا علامة على الضعف وفقدان رؤية بحجم الدولة كخيار والمنطقة كملاذ. وبقدر ما أن هذا مدهش، إلا أنه مخيف، لأن ما بدأ في سورية قد لا يتوقف وينتهي هناك.

* كاتب وأكاديمي سعودي

الحياة

 

 

 

مجزرة خان شيخون ولعبة الرسائل القذرة/ حسن شامي

قبل عشرة أيام تقريباً نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تحقيقاً يبدو غريباً في توقيته وموضوعه. فهو يتعلق بتعاون استخباري فرنسي – إسرائيلي استهدف طوال سنوات البرنامج السوري لتصنيع الأسلحة الكيماوية وتطويرها. العنوان العريض لهذا التعاون الذي بدأ، وفق الجريدة الفرنسية، قبل الحرب الأهلية الراهنة وأثناءها، هو مكافحة انتشار السلاح الكيماوي واستخدامه. تسنى للجريدة الحصول على تفاصيل عملية سرية للغاية خاضها جهازا الاستخبارات السرية الفرنسية والموساد الإسرائيلي. وحملت اسم «راتافيا» وتمت في فرنسا وأتاحت الحصول على معلومات دقيقة من ترسانة النظام.

وتجزم الجريدة بأن العناصر التي حصلت عليها من مصادر قضائية واستخبارية تكشف عن درجة عالية من اطّلاع القوى الغربية في 2010 على البرنامج السري السوري. يغرق التحقيق في استعراض الجانب الهوليوودي المتعلق باستمالة أحد العاملين في البرنامج التسليحي الكيماوي واستدراجه إلى فرنسا وربطه برجل أعمال إيطالي مزيف يعمل في الموساد. كل هذا بعد دراسة طبائع هذا الشخص «الحالم والرومنطيقي» والتقاط نقاط ضعفه، خصوصاً أنه مغرم بابنة أحد أركان النظام الأسدي. ومن دون أن يشعر هذا العاشق الطموح بأنه يفعل شيئاً يضر ببلده وبوطنيته. وعندما انتابته الشكوك في الهوية الحقيقية لرجل الأعمال الإيطالي كان الأوان قد فات بسبب المبالغ المالية التي تلقاها وبسبب حصول الموساد على ما يكفي من المعلومات الضرورية.

يمكننا أن نضع جانباً وجه الإثارة والتشويق المألوفين في روايات وأفلام الجاسوسية والأدب البوليسي، بما في ذلك لعبة الاختراقات المتبادلة بين أجهزة استخبارات تتعاون بمقدار ما تتوتر علاقاتها. فنحن نعلم أن الاستغراق في مثل هذه الوجوه يهدف إلى تعزيز سردية عن بطولة الأخيار وبراعتهم مقابل خبث الأشرار ولؤمهم. ومع أن التحقيق يؤكد التزامه التكتّم على أشياء لم يحن وقت الكشف عنها فإنه يمكن استخدام بعض العناصر لتقديم سردية أخرى. فالتحقيق يؤكد مثلاً أن مراقبة النظام السوري تشكّل منذ وقت طويل أولوية لدى الدولة العبرية وأن البرنامج السوري الذي يستخدم قرابة العشرة آلاف موظّف يقع ضمن أولويات الموساد. وينسب التحقيق إلى مصدر دبلوماسي فرنسي قوله إن الشبهات القوية حول ضلوع الاستخبارات الإسرائيلية في حادث خطير وقع عام 2007 في موقع سوري دفع بالنظام إلى المزيد من السرية والتشدد في التدابير الأمنية.

إذن في 2011 كان الموساد يمتلك معلومات كافية لتقديمها إلى الأميركيين المترددين، في عهد أوباما، في التدخل العسكري في الشرق الأوسط. ويؤكد التحقيق أن فرنسا والولايات المتحدة المزودتين، بالمهارة الاستخبارية الإسرائيلية، كانت قد أعدتا لعملية عسكرية في سورية بعد انتهاك «الخط الأحمر» العتيد الذي تحدث عنه باراك أوباما، أي قصف الغوطة بالسلاح الكيماوي في صيف 2013. إلا أن هذه العملية تمّ تجميدها في اللحظة الأخيرة.

ليس التحقيق الصحافي الغارق في الدعائية هو موضوعنا. بل المجزرة الرهيبة التي حصلت في خان شيخون ويدور حولها سجال ساخن في مجلس الأمن قد لا يفضي إلى قرار بسبب فيتو روسي متوقع. والحال أن التحقيق المذكور عينة عن المناخ الدعوي الذي يلف لعبة المناورات والتلاعبات الساعية إلى التحكم بمسار الفظاعة المستفحلة في سورية. موضوعنا يتعلق بالتساؤل عن إمكان الصراخ ضد تجارة العواطف المزدهرة لدى كل أطراف النزاع ورعاته. وسط الفظاعة السورية وتكاثر أوحالها وحبال الدموع التي نختنق بها، هل يمكننا بعد أن نسأل عن صلاحية الحق في معارضة نظام شرس من دون القبول بلعبة الرسائل القذرة؟ هل أصبح صعباً إلى هذا الحد أن ينتفض المقهورون والمسحوقون وأن يرفضوا في الوقت ذاته تسويغ الكذب والتلفيقات وتحويل البشر إلى بيادق وأكياس رمل وذرائع للنفوذ والتدخل؟

إن المقولة المرفوعة علماً على ماهية السياسة أي «الغاية تبرر الوسيلة» قد تصل في الكثير من الأحيان إلى عكسها بحيث تصبح الوسيلة غاية في حد ذاتها.

ها هي مجزرة خان شيخون تتحول مثل مجازر أخرى سابقة وربما لاحقة إلى مسرح اتهامات تكاد تتساوى فيه كل القراءات والتشخيصات. وعندما تصل الأمور إلى هذا الحد من العبث نكون قد دخلنا في متاهة العدمية السياسية. الحكومة السورية تنفي نفياً قاطعاً استخدامها أسلحة كيماوية والحليف الروسي قدّم تفسيراً يقول إن طائرات النظام استهدفت مستودعاً لجبهة النصرة يحتوي على مواد كيماوية، فيما القوى الغربية المناوئة للنظام تبدو متأكدة من هوية المنفذ حتى قبل أن يرتكب جريمته. وبما أن من المفترض أن يكون النظام السوري قد سلّم للمفتشين الدوليين كل أسلحته الكيماوية بمقتضى تفاهم روسي – أميركي بعد مجزرة الغوطة، فقد وجد مسؤولون أميركيون الجواب في الاعتقاد بأن النظام لم يسلّم كل ترسانته علماً بأن هيئة التفتيش الدولية أكدت آنذاك حصول هذا التسليم. ويسعهم أن يضيفوا بأن تصنيع السلاح الكيماوي ليس أمراً صعباً. وتنطبق المعادلة على لاعبين آخرين. ولن نعرف الحقيقة. إذا كان السؤال هو هل يمكن نظام الأسد أن يرتكب مثل هذه المجزرة فالجواب هو بالتأكيد نعم وأكثر من نعم. المشكلة هي أن هذا النوع من الأسئلة يمكن أن يطاول أيضاً العديد من الدول الكبرى والمتوسطة والزاعمة التزام فلسفات القانون وحقوق الإنسان مع فارق كبير هو استحالة محاكمتها ومحاسبتها ناهيك عن معاقبتها. لائحة الشواهد والأمثلة طويلة وليست بعيدة زمنياً وفي مقدمها حرب العراق واستخدام أسلحة محظورة في الفلوجة، وحرب غزة التي صدر في شأنها تقرير دولي يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب ولكن من دون تبعات.

السؤال الفعلي يتعلق بمصلحة النظام في إرباك حليفيه الروسي والإيراني، ودفع ترامب إلى تغيير موقفه بعد أيام قليلة على تصريحات أميركية غير معادية للأسد، وذلك من خلال ارتكــاب مجزرة كيماوية يصعب التعامل معها كما لو أنها لم تحصل. فالمجزرة عززت داخل الإدارة الأميـــركية وإدارات أخرى الاتجاه المؤيد للتدخل العســـكري المباشر وتنحية الأسد. وهذا ما يعرفه النظام. التفسير الوحيد في هذه الحالة لا يتعلق بقسوة النظام أو تعففه المزعوم بل بجنون أقرب إلى الانتحار وهذا لا ينطبق على سينيكية النظام الأسدي، وإن كان يهوى لعبة الرسائل القذرة.

الحياة

 

 

 

بالكيماوي وحده تموت سوريا/ ساطع نور الدين

كذِب الروس، وتواطوأ الاميركيون، وصدق العالم. سوريا ليست دولة خالية من السلاح الكيميائي، وقرار مجلس الامن الدولي الرقم 2118 الصادر في ايلول سبتمبر العام  2013 في أعقاب مجزرة الغوطة الشهيرة، لم ينفذ ، او بتعبير أدق نُفِذ بشكل مواربٍ او متساهلٍ يسمح للجيش السوري بأن يحتفظ بجزء من مخزون غاز السارين لكي يستخدمه عند الحاجة.

لم تعلن أي دولة حتى ا لان  أن مجزرة خان شيحون المروعة، تعني ان القرار  2118 قد إنتهك، وان ثمة ما يفرض البحث في معاقبة او محاسبة  النظام السوري، او في مراجعة الاجهزة الدولية التي تولت الاشراف طوال أكثر من عامين على سحب مستوعبات غاز السارين من سوريا ورميها في البحر على ما قيل يومها. لم يعترف أحد بأي خطأ او خللٍ في ذلك الاتفاق الروسي الاميركي الشهير الذي جرى الاحتفال به في حينه بوصفه إنجازاً عالمياً يخدم البشرية جمعاء.

وهو ما يعني ضمناً ، ان موسكو وواشنطن ومعها عواصم العالم كافة تسلّم بوجود سلاح كيميائي لدى النظام السوري، يمكن ان يستخدم بين الحين والاخر ،  فتحال كل مجزرة ناجمة عنه، للتحقيق ثم الادانة، قبل الانتقال الى عنوان آخر من عناوين الحرب السورية. ولعل الاشتباه، بل الجزم من قبل مصادر المعارضة نفسها، بان تنظيم “داعش” هو الاخر يمتلك ويستخدم أسلحة كيميائية يساهم في ترسيخ هذه المعادلة المخيفة.

تلك هي الخلاصة الأهم والأخطر لمجزرة خان شيحون. وكل ما عداها تفاصيل، يمكن ان يشتغل عليها مجلس الامن الدولي ويفتح مرة أخرى الجدل حول آليات التحقق والرقابة والعقاب، ليواجه في نهاية المطاف الفيتو الروسي والصيني وبعض الاعتراض العربي(المصري خاصة) على أي لوم يمكن ان يوجه الى النظام السوري الذي لم يتورع يوماً عن إستخدام  مختلف أسلحة الابادة والدمار الشامل.

ثمة تفصيل بسيط لن يتوقف عنده أحد، لكنه قد يكون حاسماً في توضيح وجهة الحرب المقبلة في سوريا: يجزم الخبراء العسكريون أن الاجواء السورية تخضع للاشراف الكامل من جانب الروس، ولا يمكن لأي طائرة عسكرية سورية، نفاثة او مروحية، ان تقلع من أي قاعدة وأن تحلق في أي منطقة وأن تنفذ غارة ضد أي هدف، من دون إذن أو بلاغ من قيادة قاعدة حميميم الروسية التي تدير العمليات الجوية في السماء السورية.

الطائرة التي ألقت الصاروخ المحمل بغاز السارين، على خان شيحون لم تكن تتمرد على ذلك الأمر العسكري الصارم، الذي يلتزم به الاميركيون وحلفاؤهم بين الحين والاخر عندما يبلغون مسبقاً قاعدة حميميم بأن لديهم مهمة جوية في إحدى المناطق السورية، لكي لا يحصل إحتكاك بين الطائرات الروسية وتلك الاميركية او الفرنسية او البريطانية او الاسترالية.. التي تغير على مواقع “داعش” وتلاحق قادة  ذلك التنظيم في كل مكان وتصيب منهم مقتلاً. والادلة موجودة بالاسماء والصور والبيانات الرسمية العلنية.

أيضا، الطيار الذي ألقى الصاروخ لا يمكن ان يحسب من “العناصر غير المنضبطة”. الارجح أنه شديد الانضباط والالتزام بالأوامر : ثمة من سمع عن الهجوم الانتحاري في مترو سان بطرسبورغ، في اليوم السابق، وشاهد الفيديوهات والصور، ودقق في نتائج وآثار تلك العملية المرعبة على الروس، فقرر الانتقام في خان شيحون بالذات.. لكنه مجرد زعمٍ حتى الان، وقد لا يتحول الى حقيقة مثبتة، على الرغم من أن معظم وقائع الحرب السورية تدعم فرضية الثأر المتبادل الذي صار من قواعد الاشتباك في مختلف ميادين القتل في سوريا.

المعطى الجديد، الان ، هو ان غاز السارين ما زال موجوداً ومستخدماً من قبل النظام السوري. والاسوأ  أنه أمر معروف ومستور، من قبل المجتمع الدولي، الذي يدفع المحرقة السورية الى مستويات لا يمكن لأي عقل ان يتخيلها.. ولا يمكن لإي إنسانٍ سويٍ أن يتقبلها.

المدن

 

 

 

 

 

«سارين» الكرملين وترامب/ وليد شقير

مثل سلفه باراك أوباما، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتمنى لو أن المعارضة السورية لم تكن تملك تلك الوسائل الإعلامية التي تمكنها من توثيق القصف الإجرامي لطائرات النظام السوري لبلدة خان شيخون في ريف إدلب بغاز السارين، والفظاعات التي سببها هذا القصف. ففي 21 آب (أغسطس) عام 2013 أحرج إجرام النظام ظهور حقيقة المجزرة التي ارتكبها في الغوطة الشرقية وبلدة زملكا ومعضمية الشام، وأدت إلى مقتل أكثر من 1400 مواطن سوري الكثير منهم من الأطفال والنساء، فضلاً عن الآلاف الذين نقلوا إلى المستشفيات.

في حينها أصيب أوباما بالغثيان، ليس حزناً على الضحايا السوريين، بل نتيجة الحرج الذي وقع فيه بفعل تخطي بشار الأسد الخطوط الحمر التي رسمها له، والذي اضطره إلى أن يفكر بالرد على هذا الفعل بعمل عسكري، فيما كان في الاجتماعات المغلقة مع أركان إدارته يتردد في تنفيذه، كما كشف في مقابلته الشهيرة مع مجلة «ذي أتلانتيك» في نيسان (أبريل) 2016، إلى أن أنقذه فلاديمير بوتين من التخبط، عن طريق اتفاقهما على نزع السلاح الكيماوي من سورية، الذي أثبتت مجزرة خان شيخون أنه كان أشبه بمسرحية هدفت إلى إطالة عمر نظام الأسد.

ومن راقب تطور رد الفعل عند إدارة ترامب، وكيف تدرجت تعليقاتها على المجزرة الأخيرة، بدءاً من القول إنها لن تغير موقفها من مسألة بقاء الأسد بفعل «الواقعية السياسية» وإن خيار تغيير النظام ليس موجوداً، إلى قول ترامب نفسه إن الأفعال الشائنة للنظام هي «تجاوز لخطوط حمر كثيرة»، وإنه غير موقفه من الأسد، وتلويح مندوبته في الأمم المتحدة نيكي هايلي بأن بلادها ستتصرف منفردة إذا لم يصدر قرار عن مجلس الأمن يمنع «تكرار» الجرائم، يكتشف مدى تطابق سلوك الإدارتين السابقة والحالية. فترامب اضطر إلى رفع اللهجة بعدما تصاعد رد الفعل الغربي، لا سيما الأوروبي، وبعدما ذرف حليفه المدلل بنيامين نتانياهو دموع التماسيح على الأطفال المقتولين الذين جرى تكديس جثثهم في شاحنات. وفيما وجه ترامب اللوم إلى إدارة أوباما بأنها لم تفعل شيئاً بعد مجزرة عام 2013 على رغم تخطي الأسد الخط الأحمر، جاء من يذكره في الصحف الأميركية، على وقع بث صور أطفال ونساء ورجال يلفظون أنفاسهم، بأنه في ذلك الحين قال في تغريدة على «تويتر»: «الرئيس أوباما، لا تضرب سورية… ووفر ما لديك ليوم آخر». لعب الإعلام الأميركي دوراً في تعديل لهجة الرئيس الأميركي التي بنيت على ما يعتبره «حماقة السذاجة الأخلاقية التبشيرية» في التعاطي مع الوضع السوري، فالمعلقون الأميركيون (مثل توماس فريدمان في «نيويورك تايمز») تحدثوا عن «سذاجة» توجهات ترامب بإعطاء الأولوية لضرب «داعش» من دون إيلاء أهمية لدعم روسيا وإيران الأسد ودورهم جميعاً في بروز التنظيم.

هاجم ترامب أوباما ليبرر لنفسه انتهاج الأسلوب ذاته.

السلوك الروسي هو ذاته أيضاً، مقارنة بمجزرة الغوطة قبل 4 سنوات. حينها ادعت موسكو أن أقمارها الاصطناعية التقطت صوراً لإطلاق صاروخين على الغوطة من منطقة دوما، ثم ما لبثت الكذبة أن انكشفت.

فالكرملين يبث غاز «السارين» في المشهدين الإعلامي والسياسي ووسائل التواصل الاجتماعي والأروقة الديبلوماسية، لتسميم الحقائق التي تسوغ له مواصلة دعمه النظام على رغم هجومه على خان شيخون، كما أعلن بفجاجة.

هجوم الطيران السوري بغاز السارين الأخير سبقته هجمات موثقة بغاز الكلور عامي 2014 و2015 شملت حلب. واستسهال الأسد تكرارها يعود إلى تصريحات السفيرة هايلي الأسبوع الماضي ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، بأن إزاحة الأسد ليست أولوية، في وقت كان الانتقال السياسي على طاولة مفاوضات جنيف5. وهذا ما جعله يثق بنفسه أكثر. وواشنطن حملته على أن يختبرها.

هل يغير ترامب موقفه فعلاً، أم أن التعديل اللفظي لمواقفه، بالحديث عن أن «روسيا مشكلة» كما قالت هايلي، هدفه التغطية على التحقيقات التي يجريها الكونغرس الأميركي بصلاته مع الروس قبل الانتخابات الرئاسية ثم قبيل تسلمه مهماته، عبر قنابل دخانية لها مفعول جزيئيات «السارين» لإطفاء تأثير فضائح تلك الاتصالات؟

ثمة من يعتقد أن الرئيس الأميركي يحتاج إلى أكثر من الظهور بمظهر المختلف مع بوتين حول سورية، كي يتخطى أزمة التحقيقات مع فريقه، أي إلى تغيير حقيقي. وسواء صح هذا أم ذاك من الاستنتاجين، فإن السارين الحقيقي يقتل السوريين، والآخرون يتلاعبون بالنتائج، وموسكو تستفيد من ارتماء الأسد في حضنها أكثر قياساً إلى طهران.

الحياة

 

 

 

 

الأبد هو نَفَس العالَم الخانق/ روجيه عوطة

قبل مجزرة خان شيخون وبعدها، وقبل مجزرة الغوطة الشرقية وبعدها، وقبل كل مجزرة ارتكبها نظام بشار حافظ الأسد بحق السوريين وبعدها، الحقيقة جلية، وبائنة، وهي أن عالمنا، باعتباره دولة الأبد الكونية، لا يستحق الإيمان به إطلاقاً. بل يستحق، ومن فور القول والشعور، أحداثاً تطيحه. إذ إنه، ولما لا يستطيع سوى التفرج على قتل السوريين، بما يحمله التفرج من تواطؤ وتلاف للرؤية، يؤكد أن حيلولته هي الإستبداد، وأن مقبله هو الهلاك.

“الممكن، وإلا أختنق”، كتب كيركيغارد. وحين يختنق اللابثون في إدلب، وفي المدن السورية كلها، يكون هذا دليلاً قاطعاً على أن عالمنا بلا ممكن، وأن أقل ما يريده هؤلاء منه، أي ضمان عدم موتهم، لا يستطيع أن يحققه. مرة أخرى، وبلا مبالغة، الممكن الوحيد لهذا العالم هو أن يتكشف عن كون نظام “البعث” هو صميمه، ولبّه، الذي لا يرغب في التخلص منه، لأنه، عندها، يتخلص من نفسه.

تبخير السوريين، تطهير الدنيا منهم، هذه هي مهمة نظام الأبد، مهمة أوكلتها إليه دولته الكونية، وها هو يمضي فيها، وها هو لا يتوقف عن تنفيذها، وها هو يقترفها منتظراً إستنكارها، والقلق حيالها، والتنديد بها، لكي يستمر فيها. مواصلة الإبادة، تكرار المجزرة يعني، بدلاً من أن يوقفها العالم، استدخلته، غدا في داخلها، بحيث كلما ارتكبها قاتلها يصنعه من جديد، ويقوي وجوده. فنظام الأبد، وبسفحه دم السوريين، وبخنقهم، ينتج إختلاف دولته الكونية عنه، إذ يكفل لها إعلانها بأنها ليست مماثلة له. فلا مشكلة لديه في أن يكون الشر المطلق، ما دام هذا الشر المطلق هو الذي يؤلف نقيضه، ويوفر له صيغة المقارنة: أنا أقتل، وأنت تقارن ذاتك بي، لتقول بأنك مغاير لي.

ووراء كل مغايرة له، ثمة غيرة منه. نعم، كلما غاير العالم نظام أبده، تشتد غيرته منه، بحيث لا يستطيع أن يكونه، وفي الوقت نفسه، لا يستطيع أن ينتهي منه، لأنه يحدده، ويبرر وجوده. نظام الأسد هو سيد العالم، وهذا العالم هو عبده، الذي يحتاج إليه، ليشهر على الدوام أنه عكسه، وبالفعل نفسه، لكي يشرف عليه. صلة هيستيرية، صلة عليلة، لا تستقر سوى على جثث السوريين.

يعين نظام الأبد، صميم الدولة الكونية، سياسة العالم بوصفها قيادة للإبادة، إبرام لتبخير السوريين. فالخنق، وكل قتل هو من نوعه، ليس منحرفاً عن هذه السياسة، بل إنه فعلها، أقصاها، إذ إن المحكومين بها، أياً كانوا، وأينما كانوا، هم بالضرورة منقطعو الأنفاس. السوريون يجسدون الوضع المفترض، الذي لم يحن بعد، لكل محكوم بتلك السياسة، لكل مأهول بها، ولكل مصنوع في معاملها. فلما يقتل نظام الأبد السوريين، ويمنع الحياة عنهم، يشير لسكان عالمه بأن هذا هو مصيرهم في حال رغبوا في مبارحة دولته، وفي حال رغبوا في البحث عن منفذ منها: إما العدمية الديموقراطية، وجوهرها نظام بشار الأسد، وسياستها الإشتراك في جريمته، وإما الموت اختناقاً.

وكل هذا ليس “جريمة ضد الإنسانية”، بل أفظع من ذلك. إنها جريمة بحق الحياة، جريمة تكلل اعتقال عالم الأبد لها. وكل هذا أيضاً ليس جريمة بحقها في حاضرها، بل في ماضيها ومستقبلها، إنه نفي لها من كل زمن، ومن كل مكان، ونفي للإحساس بإمكانها يوماً ما، كما إنه دفع إلى الخوف والسأم والإبتئاس أو الإنتحار.

يبقى أن هؤلاء، الذين قصفهم نظام بشار حافظ الأسد في خان شيخون، أو الغوطة الشرقية، وفي غيرهما، هددوا تلك الجريمة، وأوقفوها بإيمانهم بضحيتها، بالحياة. من جهة، هناك الإيمان بالعالم العدمي والمعدوم، ومن جهة أخرى، هناك الإيمان بالحياة. من جهة، هناك خضوع للقاتل، ومن جهة، هناك عيش ضد القتل. من جهة، هناك الأموات الذين يحسبون أنهم أحياء، ومن جهة، هناك الأحياء الذين يجري خنقهم وتبخيرهم لأنهم متمسكون بوجودهم. من جهة، هناك جمهور الدولة الكونية، ومن جهة أخرى، هناك الآخرون، المتنفسون، واسمهم حاد وشديد وقاطع: السوريون.

المدن

 

 

 

 

عودة الإبادة بالغازات السامّة: الأسد يرد تحيّة ترامب!

رأي القدس

رغم أن آلة قتل النظام السوري لم تتوقّف ولا للحظة منذ اندلاع الثورة عام 2011 فإن الهجوم الكيميائيّ بغاز الأعصاب على غوطة دمشق في آب/أغسطس 2013 والذي خلّف مئات القتلى كان نقطة فاصلة في التاريخ المعاصر لسوريا لأنه كان ذروة قصوى تعبّر عن قدرة النظام على امتحان الأسس التي قام عليها العالم الحديث والمعادلات الكبرى التي تحكمه.

اختار النظام حينها توقيتاً خبيثاً تزامن مع وصول بعثة من المفتشين الدوليين إلى دمشق وكانت المجزرة، بالتالي، رسالة سياسية كبرى للعالم، ولكنها موجهة، بشكل خاص، للولايات المتحدة الأمريكية في تحدّ لرئيسها حينها، باراك أوباما، الذي كان قد صرّح سابقاً بأن استخدام الأسلحة الكيميائية «خط أحمر».

النتيجة التي تولّدت عن مجازفة النظام الخطيرة تلك انقلبت فجأة من إمكانية كونها كابوساً عالميّاً إلى حدث فاق أكثر أحلامه جسارة فقد تمخّض جبل التهديد الأمريكي المرعب عن فأر وهبطت المجزرة من كونها نقطة فاصلة توجب أن تقوم المنظومة العالمية، وعلى رأسها إدارة أوباما، بكنس نظام الأسد من تاريخ العالم، إلى مناسبة لمقايضة تعاد فيها الشرعيّة إلى النظام الوحشيّ مقابل تسليم الأسلحة الكيميائية إلى الأمم المتحدة.

تختلف أهداف مجزرة خان شيخون التي استخدم فيها النظام السوري صباح أمس الغازات الكيميائية السامّة لخنق مئات المدنيين عن مجازر الغوطة وهي ترتبط هذه المرّة بارتفاع ثقة نظام الأسد باستعادة مكانه في المنظومة العالمية الجديدة التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي وجّهت في الأيام القليلة الماضية تصريحات واضحة بأن إزاحة الأسد لم تعد أولوية لديها، وهو أمر جرى تعزيزه عربيّاً بتجاهل الملفّ السوريّ في قمة البحر الميت العربية الأخيرة، وكذلك بإشارات تنسيق وتفهّم وتعاطف لا تخفى من أكثر من بلد عربيّ كمصر والعراق ولبنان وتونس (التي اختار رئيسها الباجي قائد السبسي، هذا اليوم السوري المرعب ليقترح أن عودة العلاقات مع النظام الكيميائي ممكنة «حين تتحسّن الأوضاع»)!

أهداف المجزرة الكيميائية الجديدة لم تعد امتحان النظام الدوليّ الذي ثبّت شرعيّة التوحّش وفتح سقف الدمار الشامل كقاعدة جديدة ممكنة لتعاطي الطغاة مع شعوبها (بعد أن كان استخدمها استخداماً انتهازياً لتدمير نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين). لقد أصبح الباب مشرعاً أمام الدكتاتور الفالت من عقاله لتجريب أشكال الإبادة ما دامت مخصّصة فقط لشعبه ولا يمكن أن توجّه لإسرائيل أو للولايات المتحدة الأمريكية أو الأوروبيين، وهو أمر لخّصه أحد الكتاب بالقول: إنه دكتاتور لطيف لا يقتل إلا شعبه!

مجيء هذه الغارات بعد يوم واحد من عملية سان بطرسبرغ الإرهابية وجّه أيضاً أصابع الاتهام إلى روسيا، راعية النظام السوري وحليفته الاستراتيجية، وقد اعتبر ناشطون سوريون العملية انتقاماً يحمل بصمات فلاديمير بوتين وتابعه الأسد وهو أمر لا يمكن استبعاده تماماً فقد شهدنا أعمال انتقام سابقة تشارك مسؤوليتها النظام وروسيا كما حصل في أيلول/سبتمبر من العام الماضي حين تم قصف قوافل للأمم المتحدة من شاحنات الإغاثة كانت متوجهة إلى شرق حلب المحاصر.

النظام الذي اخترق سقوف الإمكانيات الإجرامية والصفاقة قام، على لسان مصدر «أمني» بإنكار مسؤوليته (وكذلك فعلت روسيا)، ولكنه، كالعادة، لم يستطع كبح فرح مؤيديه وأنصاره بمقتل الأطفال والنساء من «أعدائهم» خنقاً وتسمماً، وهو أمر مرعب فعلاً لأنه يفتح ثقباً أسود في معاني الإنسانية والمواطنة والانتماء ويحوّل التواطؤ مع الجريمة إلى شراكة فيها، وهذا ينطبق على دعوات إعادة العلاقات مع النظام الكيميائي والشدّ على يديه بأنه لم يعد أولوية.

يبقى القول إن الغزل المتجدد بنظام الأسد، عالميّا وعربياً، هو نتيجة للاتفاق الأمريكي ـ الإسرائيلي بعد مجزرة الغوطة الأولى لمقايضة مصير الشعب السوري بالأسلحة الكيميائية… والتي ما زالت فاعلة في جسد السوريين حتى الآن.

القدس العربي

 

 

 

 

تيلرسون ليتك لم تنطق!/ موناليزا فريحة

رهيب مشهد جثث الأطفال في مجزرة خان شيخون. عيون جامدة وأفواه فاغرة وأياد كأنها تومئ متسائلة عن ذنب أو جرم لم تقترفه.

لا شيء يبرر هذا الحجم من الاجرام في سوريا. لا دولة مارقة أو عظمى أو سفلى قادرة على تحمل وزر مأساة كهذه. هذه ليست حرباً على الارهاب. إنها إرهاب حقيقي يمارس ضد أطفال ومدنيين بغطاء دولي وتحت ستار محاربة الارهاب.

لا يغير نوع السلاح حجم الجريمة. سلاح كيميائي أو تقليدي، غاز سارين أو غاز منزلي. الضحايا هي هي والمأساة هي هي، ومجتمع دولي على حاله عاجز ومتواطئ يكتفي بتعداد القتلى ونبش القبور لمزيد من الجثث.

بعد ست سنوات من الحرب ونحو نصف مليون قتيل، لم تعد جثث أطفال خان شيخون وأطفال سوريا كلها تهز العالم. ولم يعد مصير السوريين جمعياً أولوية. لواشنطن، صار القضاء على الجماعات الارهابية التي أفرزتها هذه الحرب هي الهدف الاول والاخير، لا خوفاً على سوريا وأطفالها، وإنما تطبيقاً لشعار “أميركا أولاً”، ومن بعدها الطوفان. وللأوروبيين، صار إبقاء السوريين بعيدين من شواطئهم أولى الاولويات، وهم مستعدون من أجل ذلك لتحريك قوتهم الناعمة مجدداً وتخصيص المليارات لاعادة الاعمار، حتى قبل أن تهدأ الحرب وتسكت المدافع.

وفي حسابات الروس والايرانيين، كان الحفاظ على النظام، لا حماية السوريين، الاولوية الاولى والاخيرة، فهو الحليف التقليدي للكرملين في المنطقة، وهو الضمانة الاكيدة للمطامع التوسعية للجمهورية الاسلامية وبوابتها الى “حزب الله” في لبنان.

أما النظام، فلماذا يسأل عن عشرات الاطفال الذين يقضون في قصف كيميائي هنا ، وعن عشرات آخرين يقتلون ببراميل هناك، ما دام يعتبر نفسه زعيماً لحرب يخوضها على الارهاب؟ نصف مليون قتيل لم يدفعوا الاسد الى تغيير أولويته الوحيدة بالبقاء في السلطة وهو بالتأكيد لن يغير خططه الآن بعدما بات على مشارف “النصر” المهين.

الاسبوع الماضي، تسابق المسؤولون الديبلوماسيون الأميركيون لتوجيه رسائل المهادنة الى الأسد. رئيس الديبلوماسية الاميركية ريك تيلرسون الذي لم يسمع له صوت منذ تسلمه منصبه، نطق في تركيا وضم صوته الى الروس والايرانيين قائلاً إن مصير الأسد يحدده الشعب السوري! ومندوبة واشنطن في الامم المتحدة نيكي هالي طمأنته الى أن اطاحته لم تعد أولوية، علماً أن أحداً لم يكن يعتقد عكس ذلك.

تأخر الرد السوري على رسائل المهادنة الاميركية أياماً، ولكن عندما وصل كان مدوياً وعلى حساب دماء أطفال خان شيخون… تيلرسون ليتك لم تنطق!

النهار

 

 

 

مأساة إبليس السوري/ رشا الأطرش

بعد الوجع والغضب، وقلة الحيلة إلا في دموع تستدرّها صور أطفال خان شيخون، يحدث أن ننادي الله، مؤمنين كنا أو سوى ذلك. “يا الله”.. تبدو، لسبب ما، أقدر على حمل الحرقة من أي عبارة أخرى، رغم أنها أقرب الكلمات المنطوقة إلى الصمت، إذ لا إجابة لها تُسمع إلا في آذان الأنبياء والمجانين.

هكذا، تحضر خاطرتان من عالَمَين متوازيَين لا يلتقيان، لكنهما لا يغتربان بالضرورة. من السينما، فيلم مارتن سكورسيزي الأخير “صمت”. ومن الشوارع السورية، نداء هتّافي التظاهرات الأولى، والذي تحول لازمة ناشطين في مواقع التواصل: “يا الله، ما لنا غيرك يا الله”… قبل أن يُغلَّف النداء بسخرية اليأس المُرّ: “يا الله، شو صار معك يا الله؟”.

كأن سكورسيزي يزور سوريا اليوم، بالمعضلة الأمّ. المؤمن بوجود الله يسأل: أين يذهب حين نكون في أمسّ الحاجة إليه؟ وصولاً إلى الملحد الذي قد يصوغ السؤال نفسه، مستبدلاً الله، بقوانين الطبيعة، الطاقة، الكارما، حتمية العدالة، حقوق الإنسان، الصواب السياسي، شروط انتظام الحياة واستمراريتها، وفلسفة الأخلاق…

وإذا كان الكلّ يعترف بالشرّ، وبقوّته، بمساحته التي يحفظها له الخير نفسه ليبقى خيراً، فإن الخلاص يظل الأمل العابر للمعتقدات.

اقتبس سكورسيزي فيلمه عن رواية الياباني شوساكو إيندو، وتدور أحداثه في القرن السابع عشر، حول كاهنَين برتغاليَين من الآباء اليسوعيين، يرتحلان إلى اليابان بحثاً عن معلّمهما المفقود منذ أعوام. والمعلّم هو الأب فيريرا، الذي تنكَّبَ نشر الدعوة المسيحية بين اليابانيين، ونجح في ذلك لفترة، لكنه ما لبث أن اختفى وسَرَت أنباء بأنه ارتدّ عن الديانة المسيحية، واتخذ لنفسه زوجة يابانية، واندمج في المجتمع البوذي. وتطول رحلة الكاهنين. أحدهما يُقتل، كما آلاف اليابانيين الذين اعتنقوا الديانة ولم يشفع لهم نكرانها علناً والدَّوس على صُور المسيح ووالدته العذراء. النخبة الإقطاعية الحاكمة تمعن في تعذيبهم حتى الموت، وبأبطأ الوسائل الممكنة. الأب رودريغز يبقى حياً، ومِن سجنه يشهد فنون التعذيب، فيساوره الشك تكراراً: لماذا يصمت الله؟ لماذا لا يتدخل لإنقاذ مريديه المخلصين؟ هل يسمع؟ بل هل هو موجود؟!

يتماهى رودريغز مع المسيح، فهو أيضاً تعذّب وتركه “أبوه” يكابد حتى النهاية، فداءً للبشر الخطّائين. لكن مَن ذا الذي يفتديه هؤلاء البشر مقطّعو الأطراف والرؤوس، المشنوقون من أقدامهم، والمصلوبون على الشاطئ يجلِدُهُم المَدّ؟ وإن كان هناك مَن يجب أن يفدي، فهل هو الأب رودريغز أيضاً؟ وكيف؟ بالتمسك بالمعتقد، فيسقط المزيد من الأبرياء؟ أم بالارتداد عنه، لإنقاذهم؟ رودريغز إنسان. والمسيح إله حَلّ في جسد، كما يؤمن الأب اليسوعي. فبأي طبيعة من الطبيعتين يتمثّل؟

كان سكورسيزي قد ناكف المسيح، في هذا المضمار بالذات. في فيلم “الإغواء الأخير للمسيح” (1988، عن رواية نيكوس كازانتزاكيس، مؤلف “زوربا اليوناني” أيضاً)، يحظى مسيح سكورسيزي، وهو معلّق على صليبه، بفرصة النجاة من هذا المصير المبرح. تأتيه طفلة تقول إنها “ملاكه الحارس”. تؤكد له أن الله يفتديه، كما افتدى اسحق ابن ابراهيم، إذ لا يرضيه عذاب “ابنه الوحيد” بعدما امتحنه بما فيه الكفاية، وفي ذلك منطق أقنع يسوع. تُنزله عن الصليب في غفلة من الشاهدين الذي “يُشبّه لهم” استكمال الصَّلب، تُزوِّجه، وترعى أولاده، وصولاً إلى لحظات موته عجوزاً في سريره. لكنه، قبل اللحظات الأخيرة، يكتشف أن تلاميذه ينشرون قصة صلبه وقيامته كأن نجاته لم تكن. واجههم بـ”الكذبة”، وهدد بفضحهم، لكن بلا جدوى. إذ يكفي أن يصدّق الناس حكاية ما، كي تصبح حقيقة، حقيقتهم. ولما رأى أنه بات بطلاً مُغيباً عن أسطورته، مُخترَعاً، لما اكتشف أن نزوعه إلى طبيعته الإنسانية بدلاً من الإلهية، حرَمه مجده، وأن “ملاكه الحارس” ليس سوى “إبليس” الذي لطالما تربّص به ليسلبه بنوَّة الربّ، دعا أباه الذي في السماوات أن يجعله “ابنه” مجدداً. فاستجاب الربّ، وأعاده إلى لحظة الصَّلب، ليصحّح خياره، فيتعذّب ويموت ويقوم من موته، كما يليق بالإله المؤنسن، وحكايته.

وإذا كانت الغواية الأخيرة التي قاومها المسيح في فيلم 1988، هي فطرة الحياة الإنسانية وغريزة البقاء، فإن الغواية التي قاومها الأب رودريغز في فيلم 2016 هي الاقتداء بالله، بصَمتِهِ إزاء موت المؤمنين به، وببذل الدماء من أجل الروح الأسمى والجنّة التي “لا عمل فيها، ولا تعب، ولا ضرائب” كما قالت مسيحية يابانية بدت على استعداد للموت هرباً من شقائها. قاوم رودريغز. وفي النهاية، أعلن رِدَّته عن المسيحية. وبعذابه الداخلي كمؤمن، لا بدمه ولا بدماء المؤمنين، افتدى أرواحاً مكثت في الأجساد. إذ اكتشف، متأخراً، أن هؤلاء الفلاحين المسيحيين لا يموتون من أجل المسيح وإيمانهم، بل من أجله هو، رودريغز، الكاهن “الأصيل” الذي وصلهم أخيراً كتجسيد بشري طقوسي لمسيحيتهم. يقيم القداديس، ويهديهم الصلبان الخشبية الصغيرة، ويُدلون أمامه باعترافاتهم فيغفر لهم. هم الذين هجروا بوذا وهو “الإنسان الأفضل الذي يمكنهم أن يرتقوا فيكونونه” كما يقول أحد النبلاء اليابانيين في الفيلم، ليتّبعوا الربّ الأعلى، الهيولي، المجرّد، كُلّي القدرة، الآب الذي لن يجاوروه أبداً إلا بموتهم أو بالصلاة خلف الكاهن البرتغالي. هكذا، مِن قَبل رِدَّة رورديغز، ومِن بعدها، انتصر سكورسيزي لابن آدم… بل لعله تصالح مع “إبليس”.

ذلك أن “إبليس” ليس ذا وجه مُطلَق واحد. وكان المُنظّر السوري الراحل، صادق جلال العظم، واحداً من أبرز مُعيدي الاعتبار إلى المَلاك المتمرد في “نقد الفكر الديني – مأساة إبليس”. ففرّق العظم بين الأمر الإلهي لمخلوقه الناريّ (بالسجود لآدم)، والمشيئة الإلهية (أن لا يُسجَد لأحد سواه وهو الله الأحد). فلما عصى “إبليس” الأمر، كان فعلياً ينفّذ المشيئة. ليس في إصراره على التوحيد فحسب، بل أيضاً لعِلمه بأن الله أراده عاصياً، وأراده مغوياً لآدم وذريّته ليمتحن من خلاله تمسكهم بطاعته. وبطريقة عجائبية في النهاية، قرر رودريغز مماثلة سلوك “إبليس”. فعصى الأمر الإلهي بنشر الديانة، ونفّذ المشيئة الإلهية بخلاص البشر. افتداهم بروحه الملوّعة كيسوعيّ مرتدّ، بدلاً من جسده.

اليوم، في زمن صعود الهويات الدينية وحروبها الجماعاتية والدولتية، يبدو “صمت” سكورسيزي كونيّاً، ولعله سوريّ أكثر من أي شيء آخر. ها هو ذا حلول الله في البشر، في أكثر هيئاته إنسانية. فكما يرونه يكونون، وكما يكونون تكون مشيئته. في الشرق كما في الغرب. في مناطق نفوذ النظام السوري، كما في مناطق المعارضة الإسلامية المعتدلة، وصولاً إلى مناطق “داعش”.

كثيرون يبسّطون الموقف من انزلاق الثورة السورية إلى حرب أهلية ذات وجه طائفي، ودولية ذات طابع تقسيمي. ليس أسهل من القول بأن أسلمة الصراع (أو بالأحرى سُنِّيته)، مع النظام الأسدي (العلوي/الشيعي/الأقلوي)، أخرجتهم كعلمانيين مدنيين وديموقراطيين وليبراليين من صفوف ما بدأ كثورة. ورغم وجاهةٍ ما في النظرة هذه، فإنها مشوبة بقصور في الرؤية، وتجاهل لتهديد الوجود كمسألة مركزية، تهديد الوجود الإنساني المحض لجماعة (طائفية أو سياسية) ما عادت تملك سوى هويتها المحضة، إذ لم تحظ يوماً بصفتها الإنسانية، فلجأت إلى الألوهة تُسكنها في القلوب والأجساد المنحورة والمنتحرة. وها هو الله معتصم بصمته، والبشر يفنون، وإبليس لا يُقنع أحداً.

المدن

 

 

بوتين ضالع في مذبحة خان شيخون/ حسان حيدر

من المفروغ منه أن روسيا تبنت نظام الأسد وتدافع عنه في «السراء والضراء»، أي سواء قتل مواطنيه بالسلاح الكيماوي أو بالبراميل المتفجرة أو في أقبية التعذيب، وتسانده في معاركه المتنقلة لاستعادة مناطق من أيدي المعارضة، ليس آخرها حلب. لكنها هذه المرة ضالعة بقوة في مذبحة خان شيخون التي ارتُكبت بغاز السارين المحظور أول من أمس، لأن «الرسائل» التي يوجهها الاعتداء روسية بالكامل.

تجمع المعلومات على أنه لم يكن يحصل في هذه المدينة البعيدة من خط التماس مع القوات النظامية، ما يستدعي الغارة الكيماوية، فلا وجود عسكرياً استثنائياً للمعارضة، ولا حشد لقواتها أو استعدادات لعملية عسكرية ما. فقط مدنيون ومستشفى. فما الذي استدعى قصفها بسلاح كيماوي لا يمكن إخفاء نتائجه ولا تمويه مصدره؟

منذ قرار بوتين نشر قواته في سورية وإنشاء قاعدة جوية أضيفت إلى القاعدة البحرية، صارت غرفة العمليات الروسية مسؤولة عن «حماية» الأجواء السورية، ينسق معها التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وكذلك إسرائيل، لتجنب أي صدام عرضي. أما تنسيق سلاح الجو السوري غاراته معها فيدخل في تحصيل الحاصل، حتى في ما يتعلق بنشاط المروحيات العسكرية الرائجة الاستخدام.

ويعني هذا أن الروس على علم مسبق بالغارة على خان شيخون. لكن، هل كانوا على علم بنوعية القنابل الكيماوية المستخدمة؟

الجواب هو «نعم» كبيرة: فأي غارة «عادية» كانت ستقتل حتماً، لكنها لن تترك التأثير والضجة المطلوب إحداثهما واستخدامهما في توجيه رسائل روسية تحديداً إلى الولايات المتحدة والعالم.

أولى هذه الرسائل اختبار الفصل الذي اعتمدته واشنطن بين «الحربين» الدائرتين على الأرض السورية: حرب النظام بدعم روسي وإيراني ضد المعارضة والمدنيين، والحرب الأميركية القائمة أو المزمعة على تنظيم «داعش». فكلام الديبلوماسية الأميركية عن أن إطاحة الأسد لم تعد مدرجة على جدول أعمال الولايات المتحدة، يعني أن واشنطن لم تعد معنية بما يحصل على الجبهة المفتوحة مع المعارضة. لكن الكلام وحده لا يكفي بوتين، ولا بد من إثباته عملياً.

ولا بأس بالنسبة إلى موسكو في بيانات شجب للاعتداء يصدرها ترامب أو رجال إدارته، طالما أن الهدف استخدامها في معركته الداخلية المستمرة. المهم أن لا يعاود الأميركيون الخلط بين المسارين، وهذا ما حصل عندما اعتبر ترامب أن أوباما هو من قيّد أيادي الولايات المتحدة ، وأنه مجرد وارث لهذا العجز عن التدخل، ولا يستطيع أن يغير فيه كثيراً طالما يعارض الكونغرس خططه للانقضاض على إرث الرئيس السابق.

الرسالة الثانية التي تحملها مجزرة خان شيخون في طياتها، هي تبرّم موسكو من تباطؤ واشنطن في إعادة تطبيع العلاقات الثنائية، والتنسيق معها في سورية. فحملة التشكيك والفضح التي يواجهها ترامب في شأن علاقة فريقه الانتخابي بروسيا ومساعدتها في فوزه، جعلته يتريث، موقتاً على الأقل، في تطبيق سياسة التقارب مع موسكو التي طالما دافع عنها. ولا بد من إيجاد مبرر له لتخطي هذه العقبة، لأن مناقشة التصعيد الخطير في مجلس الأمن يتطلب التحدث إلى الروس لمحاولة تبديد تحفظهم عن إدانة نظام الأسد والحيلولة دون استخدامهم المرجح للفيتو، ما قد يسهل لترامب مهمته مستقبلاً.

أما إذا تمنع ترامب عن مسايرة التوجه الأوروبي لأدانة نظام الأسد، وهذا وارد بذرائع مختلفة، تكون روسيا قد عمقت الشرخ البادئ في العلاقات عبر ضفتي الأطلسي، والريبة التي تطبع ترقب العواصم الأوروبية لمواقف إدارة ترامب من القضايا الدولية. ويشكل ترك أوروبا وحيدة وضعيفة في مجلس الأمن الرسالة الروسية الثالثة.

بكلام آخر، يقول بوتين للعالم كله أن الأسد يستطيع أن يفعل ما يشاء في سورية طالما هو في حمايته. وبالفعل لا يختلف القتل بالغاز عن القتل بالقصف أو بالحصار والتجويع أو تحت التعذيب.

الحياة

 

 

 

الإرباك الدولي من مجزرة إدلب لا يبدل شيئاً!/ روزانا بومنصف

استبقت موسكو الجلسة الطارئة لمجلس الامن للبحث في الاعتداء بالسلاح الكيميائي في سوريا والتي اتهمت دول غربية النظام السوري بالقيام به باعلان الكرملين ان روسيا ستواصل عملياتها العسكرية دعما للرئيس السوري بشار الاسد، على رغم الهجوم على ادلب، مما يعني امرين في رأي مراقبين ديبلوماسيين: الاول ان روسيا ستستمر بحماية النظام في مجلس الامن كما فعلت في كل المحطات السابقة من استخدامها الفيتو سبع مرات دفاعا عن النظام. والامر الثاني أن الوسيلة الافضل للدفاع لدى روسيا هي الهجوم، حتى لو كان العذر الذي قدمته او تبنته لتبرير القصف الذي قام به النظام واستهدافه مستودعا للاسلحة الكيميائية في مناطق المعارضة هو في الواقع عذر أقبح من ذنب. والواقع أن افتراض صحة هذه الذريعة لا يبرر استهداف المنطقة للتسبب بقتلى مدنيين بهذا الحجم، خصوصا أن الحروب تلحظ استثناءات ومنع قصف أماكن قد يتبين أنها ستسبب سقوط مدنيين وليس محاربين، فكيف الحال مع استخدام اسلحة محظرة دوليا، في الوقت الذي لم تتحمل ايران التزام الصمت لكونها عانت هجوما مماثلا أيام صدام حسين ووظفته طويلا سياسيا وديبلوماسيا، فدانت الاعتداء مبرئة نفسها في الوقت نفسه من تبعاته. لكن هذا لا ينفي واقع الارباك الذي مني به الجميع من حلفاء الرئيس السوري، أي روسيا وايران وخصومه ايضا، وفي مقدمهم الادارة الاميركية الجديدة بادارة دونالد ترامب. فالبيت الابيض دان الهجوم ووصفه بأنه “مشين ولا يمكن العالم المتحضر ان يتجاهله”. وقال الناطق باسم البيت الابيض ان “ترامب قلق جدا من هذا العمل الذي لا يمكن تحمله”. وإذ حمل ترامب مسؤولية تصرفات نظام الاسد الى ضعف إدارة سلفه وعجزها عن اتخاذ قرار في شأن سوريا، فإن كل هذه التعابير تحفز جملة تساؤلات اذا كانت ادارة ترامب ستستمر في التسليم بموقفها من الازمة السورية ومن التساهل ازاء بقاء بشار الاسد في حال كان لا يمكن العالم المتحضر ان يتحمل قصف الشعب السوري بالكيميائي. فمع أن وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون حمل المسؤولية المعنية لكل من حليفي الاسد، أي روسيا وايران، فإن هذا لا يغني عن حتمية اضطرار الادارة الاميركية الى مقاربة الحرب السورية بغير ما اعتمدته حتى الآن تحت وطأة تحمل واشنطن مسؤولية اتاحة المجال امام النظام السوري وتغطية ما يقوم به تحت عنوان ان المسؤولية هي مسؤولية روسيا او ان الاولوية الاميركية ليست البحث في مصير الاسد. فالانتقاد الذي ساقه ترامب لسلفه في شأن الصمت على أعمال النظام وبسبب ضعف الادارة السابقة وعدم قدرتها على اتخاذ القرارات كما وصفها، سرعان ما سيجد نفسه في خضمه مع مقاربة مماثلة لاسلوب اوباما. وفيما عانى الاخير انتقادات لضعف ادائه السوري في ولايته الثانية، فإن ترامب في بدء ولايته وسيثقل عليه تحمل وزر السكوت عن انتقادات تبدأ بملاحقته من الان في الشأن السوري.

من المرجح في المقابل ان يعطي هذا التطور الدرامي قوة للمنطق الاوروبي في مواجهة واشنطن في الدرجة الاولى لجهة الموقف المتساهل للادارة الاميركية ازاء الرئيس السوري واحتمال بقائه. اذ ان القصف بالكيميائي انما يحصل للمرة الاولى مع مسؤولين جدد اكان في الولايات المتحدة أم على رأس منظمة الامم المتحدة، حيث كان متعذرا على المسؤولين السابقين التعامل مع رأس للنظام بعدما اتهم اكثر من مرة على ألسنة المسؤولين الدوليين بارتكابه جرائم حرب او بمسؤوليته عن ارتكابها. في حين ان اعادة تكرار العبارة على ألسنة المسؤولين الجدد انما يحشر الجميع في الزاوية ازاء القدرة على ابداء اللامبالاة حيال اتهامات من هذا النوع والتغاضي عنها. ومعلوم انه تم التغاضي سابقا عن الموضوع وتمييعه عبر لجان تحقيق تحدثت عن مسؤولية النظام، لكن المجموعة الدولية عجزت عن فرض عقوبات بسبب الفيتو الروسي، مما يعني عدم استبعاد التغاضي عنه مجددا. ولذلك ابعد من موقف تنديدي من مجلس الامن قد ينقذ ماء وجه الجميع، ثمة ضغط على ترامب من جانب حلفائه الاوروبيين الذين لم يبلعوا اصلا الموقف الاميركي المتساهل ازاء اهمال الانتقال السياسي في سوريا، وطالبوا واشنطن بتوضيحات حول موقفها علما ان التأثير الاوروبي قد لا يكون كبيرا، وثمة ضغط من الداخل الاميركي ايضا. والسؤال هو: هل يمكن ان يتجاهل الرئيس الاميركي التطور المأسوي الذي قال هو بنفسه انه لا يمكن تجاهله ويواصل تنفيذ ارادته في العمل مع روسيا من اجل اطاحة تنظيم “الدولة الاسلامية” فحسب والصمت على اعمال النظام؟

يقول المراقبون الديبلوماسيون ان القصف بالكيميائي الذي تجدد في سوريا يطرح تحديا لجهة إخلال النظام بالتزام تسليمه كل مخزونه وفق ما كانت اتفقت الولايات المتحدة وروسيا سابقا كما لجهة احتمال تمرير ما حصل من دون موقف حازم ان لم يكن ازاء النظام نظرا الى استمرار حمايته من روسيا كما اعلنت انما في اتجاه اعادة موضوع الانتقال السياسي الى طاولة البحث مجددا بدلا من التغاضي عنه. والحرج لا يطاول الولايات المتحدة بل جميع الدول التي تجري مقارنة افضلية بين النظام وتنظيم الدولة الاسلامية بمحاولة تسويق استمرار النظام على رغم ان المقارنة سترجح مجددا النظام ما يشجعه على الاستمرار في اعماله من دون معاقبة. لكن الخشية ان البحث عن المصالح المباشرة وفق ما ترتسم تجعل من السهل تجاوز مثل هذا التطور الدرامي وعدم تغيير الروزنامة الاولية التي بدأت تسير عليها ادارة ترامب فتبقى الامور على ما هي عليه باستثناء بعض المواقف العلنية من دون الجوهر.

النهار

 

 

 

أطفال السارين/ سهيل كيوان

كان ممكنًا أن يموتوا بمتفجرات عادية مثل تلك التي قتلت مئات الآلاف من السوريين والعراقيين واليمنيين والغزيين والليبيين وتحت أنقاض بيوتهم، كان ممكنًا أن يقضوا غرقًا في بحر أو نهر، أو بردًا أو أن تغرقهم الوحول والسيول في غابة، كان ممكنًا أن يموتوا حصارًا وجوعًا ومرضًا، فقد أصبح كل هذا عاديًا، فلماذا اختاروا لهم الموت خنقا بالسّارين.

حتى طريقة موتهم صارت لعبة، ادعى النظام أولا أن عصابات المعارضة فعلتها لأنها خسرت المعركة على الأرض وهذه ورقتها الأخيرة كي تورط النظام بجرائم حرب ضد الإنسانية، ثم رأوا أن الفكرة ضعيفة فادعوا أن مخزنا لقوى الإرهاب انفجر من تلقاء نفسه، أي أنها كانت إصابة عمل، ثم وجدوا كذبة رأوا أنها أكثر قبولا للتصديق، وذلك أن طائرات النظام قصفت فأصابت مخزنا في مصنع للسارين فأدت إلى ما أدت إليه، ولم يحكوا بعد كل ما في جعبتهم من الكذب والتلفيق، فقد اثبتوا أنهم عباقرة في هذا المجال، ولديهم مستودع اسمه جهاد النكاح، فقد يزعمون أن خبيرة كيماوية عملت لصالح «داعش» في مصنع سري للسارين، وأنها تدربت في شمال إسرائيل، ولكنها قررت الانتحار والانتقام من مشغليها الذين اغتصبوها.

يا أطفال سوريا لستم أبناء الأمريكيين ولا الروس ولا الفرنسيين والإنكليز والأوروبيين، لستم من سلالة شعب الله المختار، لستم من أبناء الأسر الحاكمة في وطن العرب المنكوب، ليس لأهليكم دموع ولا مشاعر ولا قلوب كي ينتفض العالم لأرواحكم التي سالت بدون دماء، فلستم سوى أرقام أضيفت لأرقام سبقتها. هل عرف أحد ما هي أسماؤكم وما هي هواياتكم وأحلامكم، هل عرف أحد من هن أمهاتكم ومن هم آباؤكم؟

في خنقكم بالسارين درس يجب أن تتعلمه الأجيال، عندما يحلم العربي بالحرية يصبح من حق أي واحدة أن تقتله بكل الوسائل، من مسمار حذاء ممثلة أمريكا في هيئة الأمم حتى غاز السارين، ومن حق أي نصاب صاحب لقب عسكري لم يواجه في معاركه سوى شعبه أن يقتلكم ويسجنكم ويعذبكم ويمثل بجثثكم باسم محاربة الإرهاب.

قال ترامب إن قتلكم بالغاز غير مقبول، وهذا يعني أن قتلكم ببراميل المتفجرات وبالقصف المدفعي وبالجرافات وبالسلاح الأبيض والحصار والتجويع مقبول فلماذا قتلوكم بالسّارين؟

كان بإمكان طائرات النظام والطائرات الحليفة أن تقصفكم وتقتلكم بمتفجرات عادية، وسيكون الخبر عابرًا، مثل مئات الأخبار التي سبقته عن مصرع عشرات المدنيين مثلما كان على مدار السنين الست في الرقة والموصل وحلب وحمص ودرعا وغيرها، بالإمكان الاعتراف كما فعلت أمريكا في الموصل، ثم مواصلة حصد الناس كأن شيئا لم يحدث، ولكنهم ضربوا بالسارين وهم مطمئنون بأن ترامب لن يحاسب، بل هذا مكسب له، فهي جريمة تغطي على جريمة الموصل التي راح ضحيتها المئات، وتسقطها من المشهد، غارة السارين تعني أن رأس النظام يتفق تماما مع ترامب وبوتين في ضرورة اقتلاع الإرهاب الإسلامي من جذوره، وهذا ممكن أن يتم بالكيماويات أيضا كما تعالج النباتات الضارة.

أراد النظام إخراج المحادثة التي جرت بعد تفجير سان بطرسبورغ بين ترامب وبوتين إلى حيز التنفيذ، ويعلن أنه الشريك المنفذ وبحماس كبير لما جاء فيها بأنه يجب التعاون والعمل المشترك حتى استئصال الإرهاب الإسلامي من جذوره، وأنتم الإرهاب الإسلامي يا أطفال سوريا، وأنتم جذوره، وأنتم الذين تدفعون ثمن أي عمل إرهابي، سواء جرى في مترو بطرسبورغ أو بار في باريس أو اعتداء على مرتادة ماخور ما في ولاية ما في أمريكا، لأنه سيتم الفحص أولا إذا كان الاعتداء على خلفية إرهابية، وقبل التوصل لأي نتيجة ستدفعون الثمن.

أرادوا القول لكل مقاوم بأنه لا نصير ولا مغيث له، حتى لو استخدمنا الكيماوي مرة واثنتين وثلاث مرات، وأن النظام حصل على حرية التصرف المطلقة بأرواح السوريين، أرادوا القول لذويكم بأنهم يقاتلون عبثا، وبأن النظام مستعد لما هو أفظع من هذا بكثير، والعالم سيدعمه وسيغلق عينيه وراداراته عن أفعاله، وليس أمام ذويكم سوى الاستسلام.

لا تصدقوا استنكار أمريكا ولا ألم باريس ولندن ولا عهر نتنياهو ولا غضب السعودية والخليج وأسف الأردن، ولا انزعاج مصر ولا صدمة السودان وموريتانيا وجيبوتي، ولا اشمئزاز المغرب العربي، ولا قلق الصين واليابان والهند وأمريكا اللاتينية ولا تضامن فلسطين، العالم فقد الحياء منذ حقب بعيدة، فلا تنتظروا إنصافكم من عالم أساسه الخساسة والوضاعة وسحق الضعفاء، لا تصدقوا عالمًا لا يرى الدماء والأرواح إلا من زاوية المصالح، لا تنتظروا شيئا من جامعة الخُشُب المسنّدة العربية، فلا همّ لهم إلا تبادل الخبرات في أنجع السبل لقمع الشعوب ومواصلة إخضاعها والتفنن بالتهرب من مسؤولياتهم، بعضهم يتواصل سرًا مع النظام، وبعضهم يلتمس له الأعذار، وبعضهم يتّبع بوصلة ترامب ليحدد موقفه منكم ومن النظام، وبعضهم ينتقده علنا ويهنئة سرًا وبعضهم ينتقده بقوة، ولكن إذا رفع الناس عنده رؤوسهم صار مثله.

لا تنتظروا مجلس الذئاب الدولي، فنحن نعرف جيدًا أن قراراته تمسي بلا أنياب وتصبح هلامية وتفسّر على مئة وجه ووجه عندما يتعلق الأمر بأطفال العرب وحقوق وأرواح وأرض وبلاد العرب.

فيا أطفال سوريا لماذا جئتم إلى عالم تحكمه عصابات وقضاته حثالات وجيوشه وإعلامه ومثقفوه وحتى فلاسفته إمّعات، لا مبادئ ولا قيم ولا دين ولا مشاعر كأنهم ولدوا من أرحام البواليع وليس من أرحام الأمهات.

كاتب فلسطيني

القدس العربي

 

 

 

المجازر ضد الإنسانية وسقوط الحياد

رأي القدس

لا يستطيع الإنسان، أكان مواطنا بسيطاً أو سياسياً أو إعلاميّاً، أن يكون حياديّاً أمام الشرّ. لا يمكننا ـ فقط لكوننا بشراً – أن نقوم بانتقاء المجازر وفرزها لتتناسب مع قناعاتنا وأيديولوجياتنا فنذمّ بعض القتلة ثم نصفح عن الآخرين.

الأخلاق، بهذا المعنى، هي الغاية الأعلى للسياسة لأنها أساس العدالة وبدونها يفقد الجنس البشريّ (والدول والقوانين والأديان) طريقه الذي اختطّه لنفسه وينحطّ بالتالي إلى مرتبة المجرمين والقتلة الذين يبنون عروشهم وعصاباتهم وثرواتهم بسفك الدماء وحرق المدن وقهر الرجال واغتصاب النساء وذبح الأطفال.

لقد اضطرت المجزرة الكيميائية الجديدة للنظام السوري في إدلب الكثير من السياسيين والإعلاميين والدول إلى اتخاذ مواقف، بدءاً من البيت الأبيض، الذي حاول تجاهل الأمر مدة 12 ساعة، ثم أطلق تصريحاً يلوم إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ثم أعلن عن توجّه وزير خارجيته ريكس تيلرسون إلى موسكو… لإجراء مباحثات.

الموقف الحقيقي لإدارة ترامب، برغم قنابل التصريحات الدخانية، هو نقل مقاولة إدارة أوباما الباطنية لروسيا وإيران في سوريا، لتغدو عملياً مقاولة صريحة لموسكو ثمنها الحفاظ على رأس النظام السوري (والقبول بالتالي بالمجازر التي يرتكبها) ومحاولة إبعاد إيران عن المشهد.

أما روسيا، فباعتبارها وصيّة على النظام السوري (ولظنّها ربما أنها أكثر قدرة منه على التلفيق)، فقد ناقضت رواية جيش بشار الأسد، الذي نفى «نفياً مطلقاً» قصف البلدة، وقالت إنه قصفها فعلاً ولكنّه أصاب ترسانة كيميائية للمعارضة، غير أن مخرجي القصة الروس لم يوضحوا لماذا قام النظام أيضاً بقصف المستشفيات التي نُقل إليها المدنيون للعلاج من الإصابات الكيميائية ثم لاحقت سيارات الإسعاف التي نقلت الجرحى وقتلتهم على معبر باب الهوى على الحدود التركية.

تتكشف المواقف الأكثر هبوطاً أخلاقياً (فروسيا وأمريكا بلدان ينظران إلى العرب نظرتهما إلى عدو) حين نقرأ تصريحات بعض الدول العربية، وعلى رأسها مصر، التي «أدانت القصف العشوائي في إدلب السورية»، وهي إدانة لا معنى لها لأنها لا تدين أحداً بعينه، وتحوّل حدث الإبادة الجماعية بالسلاح الكيميائي إلى «قصف عشوائي» ربما كان سكان المريخ مسؤولين عنه.

وفيما كان فلسطينيون في غزة ومتظاهرون في تركيا يعبرون عن تعاطفهم مع مدنيي خان شيخون، كان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري يحاضر دول العالم عن الأعباء الهائلة التي يمثلها اللاجئون السوريون إلى بلاده.

وفي الوقت نفسه كانت فصائل «اليسار» وبعض الأحزاب «القومية» في العالم العربي وإعلاميون محسوبون عليها تتوحّد مع فصائل الميليشيات الشيعية التابعة لإيران، ليس في تجاهل المجزرة فحسب، أو في تمويهها، كما فعلت أنظمة عربية، وليس في مساعدة الجاني على النجاة بجريمته، بل أيضاً بالتبرير له، بدعاوى من قبيل «لا يمكننا تبرئة أحد»، أو «نقف مع النظام العلماني الممانع»، بل إن بعضهم اعتبر قتل الأطفال والنساء مساهمة في «القضاء على الدواعش»، وكان عنوان إحدى هذه الصحف أكبر من خيال نظام الأسد نفسه حيث قالت: «الجيش السوري يصفّي عشرات الإرهابيين في مصنع كيميائي»، ولم تسأل الصحيفة نفسها كيف تواجد أكثر من عشرين طفلا في مصنع كيميائي للإرهابيين!

رغم أشكال التقنّع والتمويه، ورغم رفع البعض رايات العلمانية والمقاومة والممانعة، ورفع البعض الآخر رايات الحسين، مضافاً إليها طرق التهرّب والتعمية وخلط الأوراق، فإن ما يجمع هؤلاء جميعاً، أنهم مناصرون للاستبداد بطريقة أو بأخرى رغم ادعاءاتهم الكاذبة وتناقضاتهم الشكلية مع الاستبداد والاحتلال والاستعمار، وأن لديهم احتقاراً شديداً للبشر.

لا يمكن، بهذا المعنى، التلطّي وراء التنديد بمجازر إسرائيل في غزة، ومجازر ميانمار ضد المسلمين، وروسيا ضد الشيشان، وصربيا ضد البوسنة، ومجازر رواندا وجنوب السودان، إذا قبلت مجزرة رابعة العدوية، أو مجزرة خان شيخون، فكلّها جرائم ضد الإنسانية، والخيط الواصل بينها واضح.

القدس العربي

 

 

 

 

هل يضرب ترامب الأسد؟/ حسين عبد الحسين

تسارعت التطورات في العاصمة الاميركية بشكل جعل من الصعب على المتابعين تكهن الخطوات المقبلة للادارة الاميركية في ردة فعلها على مجزرة الهجوم الكيماوي في خان شيخون السورية يوم الثلاثاء. على ان ما توفر من معطيات يشير الى ان الرئيس السوري بشار الأسد ارتكب خطأ فادحاً، سيؤدي في الحد الأدنى الى ابقائه في العزلة الدولية، بعدما سعى اصدقاؤه العرب والاسرائيليين لفك أسره على مدى الاسابيع الماضية. اما في الحد الاقصى، فقد تفضي ضربة محتملة الى اخراج الأسد من الحكم تحت الضغط العسكري الأميركي.

الاوضاع السياسية في العاصمة الاميركية تشير الى ان الرئيس دونالد ترامب في حالة يأس يسعى بسببها الى تسجيل أي إنجاز ممكن، فكل وعود ترامب وخطواته باءت بفشل ذريع، من حظر سفر المسلمين الى الولايات المتحدة، الذي نسفته المحاكم، الى محاولة ابطال قانون الرعاية الصحية الذي أقره سلفه باراك أوباما، وهي محاولة إنهارت تحت وطأة تشتت الحزب الجمهوري وفشل ترامب في قيادته.

ويعاني ترامب من شبح التحقيقات حول تورط عاملين في حملته الانتخابية في التنسيق مع موسكو من اجل شن هجمات الكترونية ضد حسابات اميركية تابعة لخصومه الديموقراطيين، ويعاني ترامب من إنهيار وعوده بالخروج من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، في وقت استأنفت الشركات الاميركية نقل مصانعها الى المكسيك ودول اخرى، ما يشكل طعنة في صميم وعود ترامب الانتخابية.

ولا يبدو اداء ترامب في السياسة الخارجية أفضل منه في الداخلية، فترامب رد على تهديد كوريا الشمالية باختبار صاروخ نووي بتغريدة كتب فيها: “لن يحصل”. لكن الكوريين الشماليين اطلقوا صاروخا واكثر منذ ذاك الحين، وسط إرتباك اميركي وصمت. كذلك، هددت واشنطن طهران بعواقب في حال قيام الاخيرة بتجارب صاروخية، فجربت طهران صواريخها، وجاء الرد الاميركي عديم الاهمية.

في سوريا، اثبتت اجهزة الاستخبارات العالمية ان الهجوم الكيماوي قامت به مقاتلة تابعة للأسد. هذه المرة، كان الاثبات أسهل من هجوم الغوطة الكيماوي في صيف 2013، والذي استخدم فيه الأسد المدفعية، نظرا لأن خمس رادارات دولية على الأقل رصدت ان مقاتلة الأسد كانت وحدها في الجو اثناء الهجوم الكيماوي.

ولأن ترامب، والجمهوريين عموما، سبق ان سخروا من أوباما لتهديده الأسد بخطوط حمراء ما لبث أن تراجع عنها، ولأن ضرب الأسد اسهل للأميركيين بكثير من ضرب كوريا الشمالية او ايران، ولأن ترامب يسعى الى اظهار أنه حازم على عكس سلفه، ولأن ترامب يحتاج  لانتصار سريع، ولأن الديموقرطيين — كما الجمهوريين — أهالتهم صور الاطفال السوريين من الضحايا والسائل الابيض يخرج مع لعابهم، يصبح توجيه ترامب ضربة للأسد خطوة لا تحتاج الى الكثير من التبحر او التفكير.

هذه هي اجواء واشنطن التي دفعت موفدتها الى الأمم المتحدة نيكي هايلي للانقلاب، في أقل من اسبوع، من قائلة بأن أميركا لا يعنيها مصير الأسد الى إطلاقها تهديدات بأن أميركا ستلجأ الى معاقبة الأسد مع او من دون موافقة مجلس الأمن. ويقف خلف هايلي نائب الرئيس مايك بنس، الذي كان قال في مناظرته الانتخابية ان أميركا ستضرب الأسد في عهد ترامب وان روسيا لا تفهم الا لغة القوة، ليناقضه ترامب بعد ايام ويقول أنهما لم يتناقشا في الأمر بعد.

وتزامن صعود الصقور بنس وهايلي مع اجماع في الكونغرس، عند الجمهوريين والديموقراطيين، بضرورة ضرب الأسد، مع ما يعني ذلك من منح ترامب تخويلا لم يمنحه المشرعون لأوباما عندما طلبه منهم في العام 2013. ووسط هذه الاجواء، طرد ترامب مستشاره للشؤون الاستراتيجية ستيفن بانون، اليميني المتطرف صاحب نظريات تحالف الاقليات في سوريا ضد مسلمي العالم، من “مجلس الأمن القومي”، مع ما يعني ذلك من تصاعد في حظوظ الضربة الاميركية للأسد وقواته.

روسيا، بدورها، تتراجع كلما رأت أميركا غاضبة، كما سحبت اسطولها صيف 2013 من المتوسط عندما اطلت السفن الحربية الاميركية. هذه المرة روسيا، لم تتبجح بالفيتو في مجلس الأمن، بل دعت لنقاش بين الدول الدائمة العضوية، والأرجح ان موسكو تحاول تحديد كمية غضب أميركا لتعرف ان كان يمكنها امتصاصها، او ان كان عليها التراجع وانتظار الفورة الاميركية لتضرب الأسد وتهدأ بعد ذلك.

ختاما، تبقى مشكلة ترامب الرئيسية في عدم اهليته القيادية، وهو ما أفشل معظم خطواته حتى اليوم، بما فيها إنزال عسكري للقوات الخاصة في اليمن. لكن الارجح ان المؤسسة العسكرية ستمنح ترامب خيارات، وهذه المؤسسة لطالما قالت ان على أي ضربة للأسد ان يسبقها حل جاهز لما بعد ضرب الأسد. هذا يعني انه في إستمرار غياب الحل في سوريا، قد يضرب ترامب الأسد كفاية لجعله مشلولاً واقناعه ان لا خيار غير الخروج من الحكم، ولكن في الوقت نفسه، من المستبعد ان يضرب ترامب الأسد الى درجة تدفع الاخير للانهيار التام.

المدن

 

 

هجوم الغوطة كان مخرج أميركا، هجوم خان شيخون سيكون مدخلا لعودتها/ أحمد أبو دوح

الهجوم بالأسلحة الكيماوية الذي وقع في مدينة خان شيخون وأوقع نساء وأطفالا هو انفجار تحت المياه الراكدة في الأزمة السورية. جسد المريض الذي كانوا يذهبون به من وقت إلى آخر إلى جنيف كي يتلقى المسكنات ثم يعود إلى سوريا وكأن شيئا لم يكن أصابته صدمة كهربائية هائلة، قد تقلب حاله البائس رأسا على عقب.

هذا هجوم من نوع الهجمات “الحيوانية” التي لا تكترث لعدد الضحايا من الآدميين، أو نوعهم. نساء وأطفال وشيوخ ماتوا في فراشهم في لمحة بصر بعد أن استنشقوا غاز السارين.

لكن هؤلاء الضحايا قد يكونوا الثمن الحاسم في تغيّر مصير بلادهم تماما. كما كان الهجوم الكيماوي على غوطة دمشق في أغسطس 2013 مقدمة لانسحاب الولايات المتحدة من الأزمة السورية برمتها، قد يكون هجوم خان شيخون في أبريل 2017 بابا لعودتها مرة أخرى.

لا أحد يستطيع تجاهل التحركات الأميركية البطيئة لدفع النفوذ الروسي وحليفته إيران في سوريا إلى الوراء. الحضور العسكري التدريجي الذي يتسرب شيئا فشيئا إلى سوريا يخصم تلقائيا من التأثير الإيراني والتركي والخليجي، ويقتسم النفوذ مع روسيا هناك. هذه عملية تحتاج إلى وقت طويل عادة. هجوم خان شيخون قد يكون انعطافة مختصرة للوصول بشكل أسرع إلى الهدف.

الأميركيون يعلمون أن ليس من مصلحة الأسد الإقدام على ارتكاب هذه الحماقة في وقت لم تعد فيه إزاحته عن الحكم “أولوية أميركية”. لكن إيران هي من لا يريد أي تسوية قريبة للأزمة.

الإيرانيون يدركون جيدا أن خروجهم من سوريا سيكون ثمن هذه التسوية. إبقاء المعارك مشتعلة هو أولوية قصوى في طهران، التي تنظر إلى القتلى السوريين كثمن لابد منه في سبيل تمسكها بمصالحها التي استثمرت فيها طويلا في سوريا. هذه الاستراتيجية الإيرانية لا تروق لا للروس ولا للأميركيين.

الولايات المتحدة، التي يتولى زمام الأمور فيها عسكريون أكثر من أي وقت مضى، ترى أن الكثير قد فاتها في سوريا منذ تراجع أوباما عن معاقبة الرئيس بشار الأسد بعد هجوم الغوطة. بالنسبة إلى ترامب، هذا الموقف “أثبت ضعف أوباما”.

الإدارة الجديدة ليست مرتاحة لتمدد الروس والإيرانيين. هذا شيء طبيعي، حتى في أيام الضعف والأيدي المرتعشة لإدارة أوباما. لكن جديد ترامب هو أن إدارته لا تريد نفوذا لحلفائها أيضا.

حصار النفوذ التركي في شمال سوريا كان قرارا حاسما. خلال زيارة ريكس تيلرسون وزير الخارجية الأميركي، لم يكن أمام تركيا من خيار سوى الإعلان عن انهاء عملياتها العسكرية في سوريا قبل أن يغادر تيلرسون أنقرة، بطلب (يصل إلى حد الأمر) من الإدارة.

نحن أمام رئيس يتصرف بعقلية تقليدية غابت عن واشنطن لأكثر من عقدين. قبل ذلك كان الرئيس الأميركي يملك نفوذا يسمح له بإجبار الحلفاء والخصوم على اتباع سياسات معينة، أو اتخاذ مواقف تصبّ في صالح الولايات المتحدة.

في تسعينات القرن الماضي كان في استطاعة كلينتون أن يستخدم نفوذه كي يذهب الفلسطينيون والإسرائيليون إلى أوسلو لتوقيع المعاهدة التي مهدت الطريق لقتل القضية الفلسطينية، وأسست لموازين القوى التي مازالت قائمة إلى الآن. بعد ذلك بعام واحد تدخل الرئيس الأميركي لإنهاء حرب البوسنة وإجبار كل أطراف الحرب على توقيع معاهدة دايتون.

كلينتون آخر الرؤساء الأميركيين الذين كان لهم كلمة مسموعة عند حلفائهم وخصومهم على حد سواء. منذ ذلك الحين أفلتت الكثير من خيوط الصراعات في كل أرجاء العالم من أيدي الأميركيين.

ترامب يريد استعادة هذه الهيمنة. احتدام الصراعات كان سببا في خسارتها أول مرة، واشتعال نفس الصراعات سيؤدي بالولايات المتحدة إلى استعادة دورها التقليدي مجددا.

اليوم صرنا أمام رئيس يستطيع أن يجبر كل الأطراف العتيدة على تغيير مواقفها في صراع تاريخي. لم يستغرق الأمر وقتها طويلا ولا جهدا مضنيا. كل التكلفة لم تتعد تغير طفيف في لهجة الإدارة، جعلت الأتراك ودول خليجية تنسى إسقاط الأسد، وتتبنى بحماس محاربة تنظيم داعش كأولوية مطلقة. الروس يخشون المقاربة الأميركية الجديدة. رد الفعل الهستيري من موسكو للدفاع عن النظام السوري بعد هجوم خان شيخون عكس توترا روسيا غير مسبوق. منبع التوتر هو الصمت الأميركي المريب. الأميركيون يبيعون مواقف مجانية ومطمئنة لروسيا، ثم يرسلون قوات على الأرض بحجة قتال داعش. هذه الاستراتيجية أربكت حسابات الروس، وضربت خطط الإيرانيين في مقتل.

السؤال الأن: هل تغامر إدارة ترامب بتفاهماتها الهشة مع روسيا، عبر استغلال هجوم خان شيخون لتعزيز حضورها في سوريا؟

الإجابة عن هذا التساؤل تتوقف على نتيجة الصراع الدائر اليوم في واشنطن. المؤسسة التقليدية بدعم جمهوري تريد مسك زمام المبادرة. النشطاء اليمينيون وبعض مستشاري ترامب، الذين يملكون علاقات عميقة بموسكو، يقفون حائلا أمام هذا التوجه.

داعش والهجوم بالأسلحة الكيماوية هما فرصتان نادرتان تلوحان أمام الإدارة الجديدة قد تمكناها من تحويل مسار الصراع بشكل حاسم. ما بات مؤكدا اليوم هو أن مرحلة ما بعد انتهاء “أزمة خان شيخون” ستكون عاكسة أخيرا لنوايا هذه “الإدارة الصامتة”، وسترسم ملامح ما تبقى من هذا الصراع الذي لا يريد أن ينتهي.

كاتب مصري

العرب

 

 

 

 

خان شيخون.. المجتمع الدولي هو القاتل/ حمود أبو طالب

عندما أرادت أمريكا أن تقضي على حكم صدام حسين وتحتل العراق وتسرح جيشه وتدمر مؤسساته فعلت ذلك تحت طائلة تهمة رئيسية هي وجود أسلحة نووية وكيماوية لم تثبت أدلة مادية عليها حينذاك، واعترف لاحقاً كثير من المسؤولين الذين خططوا ونفذوا اجتياح العراق أنه لا وجود لتلك الأسلحة، أي أنها تهمة مختلقة وذريعة وهمية أصرت عليها أمريكا لإنهاء حكم صدام وإعدامه وتشكيل مستقبل العراق الجديد.

الآن في سورية نحن إزاء حقيقة وواقع وليست اتهامات، نظام بشار الأسد منذ بداية الثورة السورية وهو يقصف المواطنين عشوائيا بالبراميل المتفجرة التي تحتوي خلطات من أسلحة الدمار الفتاكة، توجها قبل يومين بقصف بلدة خان شيخون ببراميل السلاح الكيماوي التي قتلت ١٠٠ شخص بينهم ١١ طفلا وأصابت ٤٠٠ شخص، وبعد هذه الغارة الإجرامية امتلأت وسائل الإعلام العالمية بصور الضحايا وعبارات التنديد، ولكن ماذا فعل ما يسمى بالمجتمع الدولي، وزعيمة هذا المجتمع أمريكا؟

طوال فترة إدارة أوباما كانت تعطي الوقت لبشار لممارسة ما يشاء، وتناور بمواقفها المائعة المخزية تجاه كارثة إنسانية تأريخية، ما أتاح لروسيا القفز إلى صدارة المشهد لدعم حليفها بشار والمشاركة في جرائمه المتواصلة. وقبل أيام فاجأنا دونالد ترمب بأن بشار الأسد ليس أولوية في معالجة الأزمة السورية، وها هو بشار يعبر عن شعوره بالثقة في الاستمرار نتيجة موقف ترمب ويعطي إشارة على ما يمكن أن يفعله، حين قصف خان شيخون بكل وحشية ولؤم.

المجتمع الدولي يشجب ويتباكى على هذه المجزرة بدموع التماسيح، وكل ما فعله هو المطالبة بتحقيق أممي واجتماع لمجلس الأمن، ونتيجة ذلك لن تكون أكثر من القول لبشار: أبشر بطول سلامة يا مربع. هذا المجتمع الدولي الفاسد إذا أراد أن يفعل شيئاً فبإمكانه اختلاق ذرائع غير حقيقية، وإذا لم يرد فإنه لا يفعل حتى لو كانت الأدلة دامغة يراها كل البشر. إن المجتمع الدولي هو المسؤول الأول عن استمرار العذاب الذي يتجرعه الشعب السوري لأنه يقف متفرجا متخاذلا وخائنا لكل القيم الإنسانية.

عكاظ

 

 

 

الإيرانيون ينددون بمجزرة خان شيخون!/ ممدوح المهيني

لملايين البشر الذين صدمتهم مناظر جثث الأطفال القتلى في مجزرة خان شيخون في إدلب، ننقل لهم الخبر السيئ بأنها لن تكون المجزرة الكيماوية الأخيرة.

وهذا ما حدث سابقاً مرات عدة عندما نصْحو على مناظر مفزعة ومن ثم تعود الحياة لطبيعتها حتى مجزرة أخرى. هز منظر الطفل الغريق إيلان كردي ضمير العالم ولم يحدث شيء. رأينا بعده الطفل عمران وهو يمسح الدماء عن وجهه ولم يحدث شيء. ولن يحدث شيء للأسف هذه المرة. من المخجل إنسانيا وأخلاقيا أن نعايش هذه الأوضاع ونرى الإنسانية تنتهك على مرأى العالم أجمعه.

ولكن لماذا نقول إن هذه المأساة ستتكرر حتماً وربما قريباً جداً. لأن العالم يعيش في حالة فوضى ولا توجد قوة قادرة على إيقاف هذه المآسي الإنسانية. المجرمون لا يزجهم بالسجون أمنيات أو مطالبات الضحايا بل قبضات رجال الأمن، ولكن العالم اليوم بلا شرطي. سيطلق الأسد غازاته السامة كما فعل سابقا وسيقوم بوتين والنظام الإيراني وحزب الله الشركاء بحمايته، ولن توجد قوة في العالم قادرة على معاقبته.

لكي نعرف كيف وصلنا لهذه الحالة الدولية والأخلاقية المتردية التي تحدث فيها الجرائم علانية، علينا أن نعود قليلا للوراء.

يحفل التاريخ دائما بزعماء قتلة يرتكبون المجازر الفظيعة، ولكن كانت هناك قوة خير قادرة في النهاية على ردعهم وقتلهم والحفاظ على النظام الدولي بأقل قدر من الفظائع. هتلر ارتكب مجازر مروعة ولكن بسبب القوة الأميركية والزعيم البريطاني الشهير تشرشل هزم وانتحر وانتهى نظامه الشرير للأبد. موسوليني ارتكب جرائم مريعة ولكنه علق في النهاية كخروف مذبوح. قوة الحلفاء كانت هي السبب وراء سقوطه. القذافي كتب اسمه في السجل الأسود وكان سيستمر في الحكم لعقود قادمة مرتكبا فظائع جديدة لولا تدخل الناتو الذي كتب نهاية حقبته المظلمة. الرئيس العراقي صدام حسين انتهى في حفرة والرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش ارتكب جرائم حرب وانتهى ميتاً في زنزانة في لاهاي.

كل هؤلاء وغيرهم من المجرمين كانوا سيستمرون للأبد لو لم تصعد قوة في الوقت المناسب وتقضي عليهم.

مع بشار الأسد اختلف الأمر لأكثر من سبب أهمها تراجع القوة الأميركية في عهد الرئيس أوباما الذي تعهد بعقابه ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة. وعلى الرغم من أن أعضاء في إدارته أبرزهم وزير خارجيته هيلاري كلينتون وبعدها جون كيري طالبوه بالتدخل ووقف المأساة السورية إلا أنه رفض أن يلعب دور قوة الخير الضرورية في الوقت المناسب.

وعلى الرغم من أن أوباما كان يردد الحجة بأنه لا يريد توريط جنود بلاده كما حدث في العراق، إلا أن المسألة في الحقيقة أكبر وهي الحفاظ على النظام الدولي الذي فقد عقله وتوازنه بسبب هذه الجرائم التي يدفع ثمنها الأبرياء. لهذا شهدنا مجازر متكررة بدون عقاب وليس من الغريب أن نرى جثث الأطفال الزرقاء تعرض قريبا على الشاشات.

 

الأسوأ من كل ذلك أن الإيرانيين والروس يريدون عملياً تدمير هذا النظام الدولي وتأسيس نظام آخر مختلف بمعايير وشروط مختلفة ترتكب فيه الأنظمة المارقة جرائمها بدون حساب، الأمر الذي يعني تحطيما كاملا للعالم الذي نعيش فيه اليوم، وظننا أنه تحضر كثيرا لدرجة لن يسمح لرؤية هذا النوع من المجازر ترتكب علانية.

لكن عهد أوباما انتهى لذا سلط الجميع أنظاره على ردود فعل إدارة الرئيس ترمب التي أدانت هذه المجازر وقال ترمب بلغة-أكثر شجاعة من معاونيه- “إنه لا يمكن أن تقبل في هذا العالم المتحضر” ولكن بالطبع فإن الأفعال أهم من الأقوال. ويدور الحديث الآن عن نهج السياسة الخارجية الذي سيتخذه الرئيس ترمب في التعامل مع هذه الأزمة وما بعدها.

هل يكمل الانعزال كسلفه أو يكون مطالباً بحقوق الإنسان كالرئيس كارتر أو داعياً للديمقراطية كبوش الابن، أو واقعياً كبوش الأب.

ولكن كل هذه التصنيفات السياسية غير مهمة في ظل هذا الكم من الفوضى والمجازر المروّعة التي لم يسبق لها مثيل. السوريون لا يريدون الدفاع عن حقوقهم ولكن يريدون أن يبقوا فقط على قيد الحياة، وهذا أقل ما يمكن أن تفعله القوة الأميركية الوحيدة القادرة على مواجهة تحالف قوى الشر.

الجانب الساخر في هذه المأساة أن الإيرانيين نددوا بالجريمة وأعلنوا أنهم يريدون مساعدة الضحايا الأطفال، الأطفال نفسهم الذين شاركوا في قتلهم بالغازات والبراميل المتفجرة.

 

 

 

 

أين المجزرة؟/ علي الرز

لم تحصل مجزرة الكيماوي في خان شيخون، تماماً كما لم تحصل مجزرة الغوطة … وكل مَن يقول عكْس هذا الكلام، يشارك بطريقةٍ او بأخرى في دعْم إرهابيي “داعش” و”القاعدة”.

لم تحصل المجزرة، وكلّ دموعنا وكتاباتنا وغَضَبِنا هو إثمٌ نرتكبه لتعطيل الحلّ السياسي في سورية القائم على بقاء “بشار الكيماوي والبراميل” على رأسِ السلطة والتفرّغ لملاحقةِ كل مَن طالب بالحرية بيتاً بيتاً وحارةً حارةً وزنقة زنقة.

لم يحصل شيء، كلّه فوتوشوب. الأطفال العراة كومبارس في مسرحِ العار العالمي، والرجال والنساء المُمَدَّدون أرضاً قبضوا مسبقاً ثمن تنسُّمهم هواء غير غاز السارين، ورجال الإغاثة مخابرات أميركية وإلا لما أعطتْهم هوليوود أوسكار “الخوذ البيض”، والمُنَدِّدون مجموعةٌ حاقدة مستاءة من البيئة الدولية الآمنة التي أُعطيت للنظام السوري الفريد من نوعه في العالم.

ليست مجزرة بل هي حربٌ مفتعلة لاستنفار حواسه. سئم سيّد العالم من الدعوات التي تطالبه بسماع صوت السوريين … صمّ أذنيه، وانزعج من الدعوات التي تطالبه برؤية المقبرة الأكبر في العالم التي تعمل 24 ساعة من دون توقف، وأغلق عينيْه. تَدخَّل ميدانياً بعد طول تَردُّدٍ في جبهةٍ معينة رافضاً ردْع النظام أو إقامة منطقة آمنة، لم يلمس مكان جرح السوريين بل لمَس مكان جرح الضحايا الأبرياء الذين سقطوا بعملياتٍ إرهابية في العالم. فَقَدَ ثلاثاً من حواسه الخمس، وها هو اليوم يشمّ رائحة المكتوين بغاز السارين فيغلق أنفه ويَفْقد الحاسة الرابعة … أما الأخيرة وهي الذوق، فلا يُسأل مَن لا أخلاق ولا ضمير ولا إحساس لديه عن الذوق.

وأين المجزرة؟ مَن لم يمتْ تحت التعذيب في سجون بشار، مات ذبْحاً على حواجز شبّيحته، ومَن لم يمتْ بالرصاص مات بالقذائف، ومَن لم يمتْ تحت الأنقاض التَهَمَتْه البحار، ومَن لم يمتْ بالبراميل مات بالكيماوي. صمْتُ هذا العالم الحقير يمدّ ذاك المتسلّط الأحقر بكل ذخائر الوحشية ويفتح شهيّته على الدم والإبادة. ثم مَن قال إن بشار يفكّر فقط بطريقةٍ أنانية في ترسيخ حكمه وإنهاء الثورة ضدّه؟ لو كان كذلك لاكتفى بقتْل الرجال والنساء، لكنه بقتْل الأطفال يفكّر أيضاً بترسيخ حكم ابنه حافظ من بعده ويمهّد له بيئةً حاضنة عبر جيلٍ جديد يجترّ المخاوف.

ويا ايتها الطفلة الراحلة عنا مرفوعة اليديْن، يا من تشبهين طفلتي وحاضري وخيْبتي وقهري وعجزي، ارجعي الى ربّك راضيةً مرضية، فالعدل هناك والسلم هناك. اتركي لنا وداعتك وطهارتك وصفاءك وجمالك لنغتسل بها كل يوم علّها تمحو بعضاً من عجْزنا، من قهْرنا، من جُرْحنا، من يَأْسنا. المجزرة الحقيقية تكمن في صمتِ كل مَن صمت عنها، وفي فرحة كل مَن فرح بها، وفي التنديد الشكلي بها تحت سقف الإحراج، وفي محاولاتِ لاعقي أحذيةِ “الممانعة” تبريرها او اتّهام آخرين بارتكابها … المجزرة تكمن في مَن لا يزال يعتبر وجوده في زمن بشار “منّة من الله”.

 

 

———————————————

 

 

الرد الأميركي على مجزرة “خان شيخون” مقالات مختارة

 

 

 

 

 

 

 

سورية: صواريخ واشنطن تكسر “لعبة الفيتو”/ بشير البكر

لن تكون المسألة السورية بعد السابع من أبريل/ نيسان كما كانت عليه خلال السنوات الست الماضية. ويمكن القول بلا حرج أو مبالغة إن سورية دخلت، مع الضربة العسكرية الأميركية لمطار الشعيرات العسكري، مرحلة جديدة، عنوانها الانخراط الأميركي المباشر.

ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها النظام السوري الأسلحة الكيماوية بعد جريمة الغوطة في أغسطس/ آب 2013، فقد سبق له أن استعملها عدة مرات خلال العامين الماضيين. ولكن جريمة خان شيخون كانت بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، خصوصا أن توقيتها بدا نافرا بعد يومين من تصريحات أميركية رسمية على لسان وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، والمندوبة الأميركية في مجلس الأمن، نيكي هالي، والمتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، تلخصت بأن سياسة الولايات المتحدة في سورية لم تعد تركز على إزاحة الأسد، وقالت هالي حرفيا: “أولويتنا لم تعد الجلوس والتركيز على طرد الأسد… أولويتنا هي كيفية إنجاز الأمور، ونحن نحتاج للعمل معه لإحداث تغيير حقيقي للناس في سورية”، ووضعت الحرب على “داعش” في المرتبة الأولى.

قد تكون مصادفة أن النظام السوري استخدم الأسلحة الكيماوية في خان شيخون بعد يومين من التصريحات الأميركية، وقد يكون العكس، ولكن لا يستطيع أي مراقب أن يمنع نفسه من الاستنتاج بأن الأسد قرأ الرسالة الأميركية بطريقة خاطئة، وأراد أن يمتحن رد فعل الإدارة فذهب إلى أقصى حد ممكن من خلال استخدام الأسلحة الكيماوية، الأمر الذي وضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في حال حرج كبير، ذلك أن كافة القراءات التي تناولت جريمة خان شيخون ربطتها بالتصريحات الأميركية، وبالتالي كان ترامب أمام واحد من موقفين، فإما أن يسكت وحينها سيصبح سلوك الأسد من الآن فصاعدا محسوبا عليه، وإما أن يرد لكي يستعيد مصداقيته وهيبة إدارته، ولذلك جاء أول رد فعل له مشوبا بالمرارة، حين قال: “جميع المحاولات لإصلاح الأسد باءت بالفشل”، وحمّل الإدارة السابقة مسؤولية استمرار النظام السوري في قتل الأبرياء.

كانت اللهجة الأميركية مساء أمس توحي بقرب توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، ولكن الأمر الأكثر بلاغة هو عدم انتظار واشنطن مداولات مجلس الأمن والتعديلات التي أدخلتها روسيا على مشروع القرار الفرنسي الأميركي البريطاني، من أجل تشكيل لجنة تحقيق دولية، وظهر وزير الخارجية الأميركي ليعلن أنه لا يوجد أدنى شك في أن النظام السوري استخدم الأسلحة الكيماوية في خان شيخون، وبالتالي لا حاجة للتحقيق وإضاعة الوقت.

إن عدم انتظار مداولات مجلس الأمن هو رسالة إلى روسيا والصين بأن قواعد اللعبة القديمة التي قامت على استخدام الفيتو في مجلس الأمن لحماية النظام السوري انتهت، وصار واضحا أن الإدارة الأميركية فتحت أفقا جديدا للقضية السورية ظل مغلقا طيلة السنوات الماضية، وبات من الممكن أن تتصرف لوحدها ومن خارج مجلس الأمن كما حصل سابقا في عام 2003، حين ذهب الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش، من خلال تحالف دولي برعاية أميركية إلى احتلال العراق بدون قرار من مجلس الأمن، وذلك بالاستناد إلى خطورة النظام العراقي.

قد يكون مبالغا فيه القياس الميكانيكي بين مصير نظام الأسد ونظام الرئيس السابق صدام حسين، ولكن لا يمكن لأي قراءة أن تستبعد هذا الربط، أو أن ترى في الضربة الأميركية مسارا مختلفا عن كل الدوامة السابقة في أروقة مجلس الأمن، ومن هنا يمكن أن نعتبر أن أهم رد فعل على الضربة الأميركية هو الذي جاء على لسان رئيس مجلس الدوما، الذي قال إنه “من الآن وصاعدا بوسع المعارضة السورية أن لا تحضر مفاوضات جنيف”.

رئيس مجلس النواب الأميركي، بول راين، وصف الضربة بأنها تكتيكية، وهذا يعني أنها مدروسة، ليس من حيث تأثيرها العسكري فقط، وإنما السياسي. أرادتها واشنطن أن تكون محدودة من الناحية العسكرية، وأن لا تتجاوز تدمير القاعدة التي انطلقت منها الجريمة، وهذا يبدو أنه السيناريو المناسب أكثر من غيره لتوجيه جملة من الرسائل السياسية، تتلخص في أن زمن التسامح مع بشار الأسد انتهى على حد قول رئيس “سي آي إيه”، مايك بومبيو، ولكن مع ذلك فإن توجيه 60 صاروخ توماهوك ليس بالرسالة السياسية المحدودة، بل المدوية التي بدأت تعطي مفعولها بعد ساعات من خلال ردود الفعل التي يلوح منها سعي واشنطن إلى تشكيل حلف دولي لمواجهة روسيا وإيران في سورية، يبدأ بتأسيس منطقة حظر للطيران، والعمل على إحالة الأسد وأركان نظامه إلى محكمة الجنايات الدولية، وإلا فلا معنى للضربة الأميركية.

العربي الجديد

 

 

 

 

سورية بين أوباما وترامب/ بشير البكر

كان قطاع واسع من السوريين يراهن على أن تُقدم إدارة الرئيس، دونالد ترامب، مقاربة مختلفة للقضية السورية عن تلك التي اعتمدتها إدارة سلفه الرئيس باراك أوباما الذي خدّر الشعب السوري بتصريحاته ووعوده، لكنه، من الناحية العملية، تركه فريسةً لمنظومة مكونة من عتاة مجرمي الحرب الذين لم يتورّعوا عن ارتكاب أبشع الجرائم بحق شعب أعزل.

لم يطل الرهان على إدارة ترامب التي بادرت، في مطلع العام الجاري، إلى إعلان أول موقف صريح منذ مباشرتها مهامها قبل شهرين، وجاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، والمندوبة الأميركية في مجلس الأمن، نيكي هالي، والمتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، لكي تضع النقاط على الحروف. تحدث الوزير الأميركي علانية خلال زيارة رسمية إلى أنقرة، بحضور نظيره التركي مولود تشاويش أوغلو، عن أن مصير الأسد يقرّره الشعب السوري، ولكن هالي كانت أكثر وضوحاً، حين قالت، خلال لقاء مجموعة من الصحافيين، إن سياسة الولايات المتحدة في سورية لم تعد تركز على إزاحة الرئيس بشار الأسد، وأضافت “أولويتنا لم تعد الجلوس والتركيز على طرد الأسد… أولويتنا هي كيفية إنجاز الأمور، ونحن نحتاج للعمل معه لإحداث تغيير حقيقي للناس في سورية”، ووضعت الحرب على “داعش” في المرتبة الأولى.

والأمر الذي يثير الاستغراب في كلام المسؤولة الأميركية قولها “لا يمكننا بالضرورة التركيز على الأسد بالطريقة التي فعلتها الإدارة السابقة”! وإذا أخذنا هذا الكلام بحذافيره، فإننا نصل إلى استنتاج واحد، يتمثل في أن السوريين، ربما، سوف يتحسّرون قريباً على موقف إدارة أوباما الذي بقي عند عدم الاعتراف بشرعية الأسد.

والجديد المنتظر من إدارة ترامب أن الأسد ليس أولوية، وعلى الرغم من القول إن مصيره يقرّره الشعب السوري، فإن الأمر يعتمد على تفاهمات واشنطن مع كل من أنقرة وموسكو. وقد تراعي الولايات المتحدة بعض الاعتبارات التركية، في ما يخص دور الأسد في المرحلة المقبلة، ولكن الصفقة الأساسية ستكون بين الولايات المتحدة وروسيا التي تعتبر الأسد خطاً أحمر، وتتشارك مع إيران في هذا الموقف، غير القابل للاهتزاز في المدى المنظور.

لم يكن رهان السوريين على موقف أميركي جديد أبعد من انتظار الغريق الذي يتعلق بقشة وسط تيار جارف. ولذا تبدو صيغة “الشعب السوري هو الذي يقرّر مصير الأسد” نكتةً من العيار الثقيل، فقد سبق للأسد أن قرّر مصير الشعب خلال ست سنوات من القتل والتهجير.

في خضم هذه المأساة، هناك مسألة تبدو غامضةً بالنسبة لقطاع واسع من السوريين، وهي عدم نجدة الولايات المتحدة الشعب الأعزل. وهذا سؤال مشروع، انطلاقاً من المسؤولية الأخلاقية والسياسية لأميركا كقوة كونية عظمى.

هناك عدة تفسيرات دارجة حتى الآن، تدور في فلك الحسابات الأميركية القائمة على الخشية من التورّط المباشر في سورية، وهذا أمر لا يخلو من الوجاهة، ولكنه لا يفسر الموقف الذي يصل إلى حد التخاذل، في وقت تستطيع واشنطن فعل الكثير من دون أن ترسل قوات عسكرية من أجل إسقاط الأسد، وقد سبق أن ردعته، في أكثر من مناسبة، من خلال توجيه تهديدات لفظية فقط.

هناك نقطة مهمة تتعلق بموقف واشنطن من الفصائل السورية المسلحة التي جرّبت، خلال السنوات الماضية، أن تتعاطى معها، سواء في صورة مباشرة، أو من خلال أطراف إقليمية، وتفيد أوساط سورية تابعت هذا الملف بأن الولايات المتحدة تعتبر هذه التجربة فاشلة، وتلقي بمسؤولية الفشل على الفصائل السورية التي لم تتمكّن من بناء قوة تشكل بديلا لنظام الأسد، وتقف في وجه الفصائل الإسلامية التي تعارضها، ولذلك غيرت تحالفاتها لتتخذ من الأكراد طرفاً رئيسياً.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

7 مفاتيح لفهم الضربة الأميركية على قاعدة الشعيرات/ بشير البكر

تفتح العملية العسكرية الأميركية ضد قاعدة الشعيرات الجوية قرب مدينة حمص فجر السابع من أبريل/نيسان، مجالاً واسعاً للقراءات المختلفة، كما تطرح العديد من السيناريوهات حول مستقبل الوضع في سورية، والتي تتقاطع جميعها عند نقطة القطيعة الأميركية مع الوضع الذي ساد طيلة السنوات الست الماضية، وهنا يمكن تسجيل سبع نقاط تشكل مفاتيح أساسية للتعامل مع الوضع الجديد.

إذا أرادت الولايات المتحدة من الضربة العسكرية اللجوء إلى الخيار العسكري من أجل القيام بتغيير الوضع في سورية، فهي سوف تواصل الضربات قريبا، ولن تتوقف هنا، بل ستتابع عملياتها في نفس السياق، وعلى نحو واع ومدروس.

إذا كان هدف الضربة هو الرد، فقط، على عملية قصف خان شيخون بغاز السارين الفتاك من طرف جيش النظام السوري، فإن أي استخدام جديد لهذا السلاح من طرف بشار الأسد سوف يعرضه لرد أميركي يتجاوز حدود عملية فجر السابع من أبريل/ نيسان، التي استهدفت تدمير القاعدة الجوية التي انطلقت منها الجريمة.

إذا لم تقم الولايات المتحدة بالضغط من أجل إطلاق عملية سياسية جدية في سورية من أجل حل شامل، سواء من خلال تفعيل مفاوضات جنيف أوغيرها، فإن العملية العسكرية ستبقى مجرد رد على جريمة الأسد، وسينتهي مفعولها هنا.

تشير بعض التحركات الدولية والإقليمية إلى إمكانية حدوث سيناريوهات في المستقبل القريب تذهب إلى حد إسقاط النظام السوري من خلال القوة العسكرية، ومن هذه الإشارات الاجتماعات أمس، ذات الطابع العسكري الرفيع في فرنسا وبريطانيا، وصدور مواقف دولية وإقليمية تدعو إلى الذهاب بالخيار العسكري إلى مدى بعيد من خلال تشكيل تحالف دولي لإسقاط الأسد، على غرار ذلك الذي نشأ لمحاربة الإرهاب، وفتح الباب لمشاركة إقليمية، تركية وعربية من أجل إسناد الفصائل العسكرية السورية لحسم المعركة، وتسليحها بسلاح فعال ضد الطيران.

أظهرت العملية العسكرية عجزاً روسياً كبيراً، وضعفاً غير محدود للنظام السوري. وكما هو معروف فإن واشنطن أبلغت موسكو بالعملية قبل 10 ساعات كي تخلي قواتها من القاعدة، وهذا ما حصل فعلا، وهذا أمر أثار الكثير من الأسئلة: لماذا انسحبت روسيا من قاعدة الشعيرات ولم تواجه الأميركيين؟ لماذا تركتهم يضربون الحليف الذي تحميه، وهي تدرك الكلفة المعنوية الكبيرة لهذا العجز؟

أما ضعف النظام السوري فقد تجلى بعدم رده على الصواريخ، وهو الذي أعلن في 17 مارس/ آذار الماضي أنه رد على الغارات الإسرائيلية التي استهدفت تدمر والقلمون، وقال إعلامه في حينها إنه يمتلك أسلحة تغير قواعد الاشتباك في الأجواء السورية، وتحدثت، في حينه، تسريبات عن وقوف إيران وراء قرار الرد.

أشارت وزارة الدفاع الأميركية مساء أمس الى أنها تحقق في احتمال تورط روسيا في استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي، وتسربت معلومات أن إحدى الطائرتين اللتين شاركتا في العملية على خان شيخون كان على متنها طيار روسي إلى جانب طيارين سوريين. وبالإضافة إلى ذلك سجلت واشنطن ضد موسكو تواطؤها مع النظام السوري على عدم تسليم كل مخزونه من الأسلحة الكيميائية، بناء على الاتفاق الذي تم حول ذلك برعاية الأمم المتحدة بعد جريمة الغوطة في أغسطس/ آب 2013.

كل التصريحات الأميركية تركزت حول ضرورة تحمل روسيا لمسؤوليتها، سواء على صعيد التزام النظام بوقف إطلاق النار، أو ارتكاب جرائم حرب باستخدام الاسلحة الكيميائية، وهذا الأمر سيكون على جدول زيارة وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، إلى موسكو في 11 و12 من الشهر الحالي، حيث من المقرر أن يلتقي الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ووزير خارجيته، سيرغي لافروف. وفي حين أكدت المصادر الأميركية أن الزيارة لا تزال قائمة في موعدها المحدد، صدرت في ثاني يوم للغارة عدة إشارات من موسكو على إلغاء الزيارة، وهذا دليل ضعف روسي وعدم القدرة على المواجهة، واعتراف ضمني بالتورط في جريمة خان شيخون، مما يعرض العلاقات الروسية الدولية لهزة كبيرة.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

أوهام المعارضة السورية والضربة الأميركيّة/ عمار ديوب

ستةُ أعوامٍ مضت، ولم يتحقق حلمُ المعارضة السورية المُشتهى بقصف مواقع النظام وإسقاطه. لم يمت الحلم كما يبدو، وهو ينبعثُ كلما لَوّحت أميركا أو دولةٍ أوروبيّة بمعاقبة النظام. في مقابل ذلك، أشاحت المعارضة النظر عن السياسة الأميركيّة والأوروبيّة الحقيقيّة، وهي الصمت عن تدمير سورية؛ كثورة أولاً وثانياً كقوى عسكريّة وبنيةٌ تحتيّةٌ وكبشر؛ وهذا يتمُ بيد النظام وحلفِه وبمراقبة “الحلف الداعم للثورة”.

تأتي الضربة الأميركيّة، ليلة السابع من إبريل/ نيسان الجاري، في سياقٍ واحد، حيث هناك اتفاقٌ دوليٌّ ينص على تسليم النظام السوري كل أسلحته الكيماويّة، وعبرَ توافقٍ أميركيٍّ روسيٍّ، وبالتالي تؤكد مقتلة خان شيخون وجود أسلحةٍ لم تُسلم بعد، ولا بد من تسليمها، ومنع النظام من امتلاكها بشكل كامل؛ وكذلك تُحققُ الضربة هدفاً للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يتعلق بهيبة أميركا العالمية، وأن تستعيد عالميتها هذه بعد أن فَرّطَ سلفه باراك أوباما فيها كثيراً، وربما تُوقفُ الملاحقات القانونية لفريقه الحكومي بما يخص علاقته في روسيا.

محدوديّة الضربة وهُزال نتيجتها يقولان إنّها رسالة سياسيّة إلى روسيا وإيران، وتفيد بأن الدور الأميركي أصبح حقيقة في سورية، ويجب وضع حدٍّ لمشاريعهم بإعادة هيكلة النظام كما هو، أو الاستفراد بسورية، وأن الحل السياسي هو الوحيد القادر على إنهاء الصراع في سورية، وبالتالي، دفع التفاوض ليكون حقيقيّاً وربما لعقد اتفاقيات دولية تخص مناطق النزاع، كأوكرانيا والدرع الصاروخي في أوروبا وتحجيم إيران ومسائل كثيرة.

المعارضة التي رحبت كثيراً بالضربة الأميركية، وبدءاً من الائتلاف الوطني لقوى المعارضة وليس انتهاءً بالفصائل العسكرية، لم تقرأ أبداً أسباب حدوثها، ولم تتذكّر مرور ست سنواتٍ

“المعارضة السوريّة معنيّة بالتخلص من أوهامها عن التدخل الخارجي المفترض” على المراقبة الأميركيّة لكيفية إفشال الثورة وتدمير سورية بلدة بلدة؛ فيكفي المعارضة أن تُوجهَ بعض الصفعات إلى النظام، أي الضربة. لم تفهم المعارضة بعد أن الدول العظمى تُوظف المسألة السوريّة من أجل قضاياها، ومعنيّةً بتدمير سورية، وهو ما يحقق لها مصالح تلك الدول وليس العكس. وبالتالي، كان يجب قراءة تلك الضربة ضمن سياق مصلحةٍ أميركيّة محضة.

لم يُوقف النظام ضرباته الجويّة للمدن السورية، بل زادها، وفي يوم الضربة نفسه. أي لم تُشكل له أيّ رادعٍ لاستخدام الطيران في معركته ضد الشعب. وبالتالي، إن كان للضربة هدفٌ يخص سورية، فهو وغير ما ذكرنا أعلاه، فهو التأكيد أن لا حل في سورية إلا الحل السياسي، ووفقاً لمصالح الدولتين العظميين.

لم تتوقف المعارضة السورية عن الأوهام، ولم تنشغل بالتواصل مع الحركات السياسيّة العالميّة لإيجاد تأييدٍ واسعٍ للثورة، واكتفت بالعمل في الإطار الرسمي للدول، والذي مهمته إبقاء الوضع الدولي على حاله، وعدم إحداث أيّ تغييرٍ في أيّة دولة إلا عبر التوافقات الدولية والإقليمية، إضافة إلى أهدافها الكاملة في إثارة كل ما يمنع التطور عن البلاد المتخلفة. هذا يعني أن المعارضة من جنس النظام، فكما هو استعان بالروس، هم حاولوا الاستعانة بالأميركان، ولكن الأخيرين تدخلوا وفقاً لمصالحهم منذ العام 2011، وكأنّ كل الدور الأميركي السابق لم يكن موجوداً! وهو ما لم تفهمه المعارضة. وبالتالي، لم تتجه إلى الدفاع عن الثورة، واعتبارها قضيةً تخصّ كل السوريين، ويجب تطوير رؤية الثورة في هذا الاإطار بالتحديد، ومع الحركات الثورية والشعبية والنقابية عالمياً؛ هذا هو المكان الذي من مصلحته دعم الثورات.

محدوديّة الضربةِ والتأييد الكبير لها في أوساط السياسيين السوريين لها، يوضحان هشاشة فكرية كبيرة تتملك عقول السوريين. وللأمر طبعا سبب انفعالي بالكامل، هو الرغبة العارمة بالتخلص من نظامٍ أذاقهم الأمرّين، ولكن هذا، وبعد ست سنوات، يعني شيئاً واحداً أنّنا لا نريد رؤية كل التراكم الذي حصل في سورية، وأن المأمول به فقط تغييرٌ طفيفٌ في رأس النظام؛ هذا يعني أنّ السوريين، ولو نجحوا، لن يكون مصيرهم أكثر من تونس أو مصر؟

الضربة، وإضافةً إلى ما ذُكر أعلاه، تضع لروسيا حدوداً، وأن أميركا هي من تسمح باحتلال سورية أو لا تقبل ذلك. هذه رسالة ترامب إلى روسيا، ورسالته إلى إيران إن في استطاعتنا أن نُجهز على ميلشياتك في سورية، وهو ما ستفعله لاحقاً.

المعارضة وقد أفلست نهائياً، وأصبحت جزءاً من ممثلي الثورة، وهناك جزء عسكري، وهناك

“لم تفهم المعارضة بعد أن الدول العظمى تُوظف المسألة السوريّة من أجل قضاياها” المنصات التابعة لروسيا، وستفرض عليها. أعتقد أن عليها أن تحلّ نفسها، أو أن تنسحب بشكل كامل من التمثيل السياسي، وتتقدم بذلك إلى كل الدول، وتوضح أسباب ذلك، والتفرّغ لتأمين حاجات السوريين في الداخل. قيامها بذلك ربما سيَفرضُ على العالم بأكمله تغيير حساباته نحوها ونحو سوريّة. ربما سيغير هذا الموقف قواعد اللعبة في سورية، أي الدخول الفوري في مفاوضات المرحلة الانتقالية، وحينها يُمكن للمعارضة أن تتقدّم بوفدٍ يُمثلها.

هناك تحليلات كثيرة تُفسر الضربة الأميركية على مطار الشعيرات العسكري في ريف حمص، وتُفيد بأن الولايات المتحدة عازمة على جلب النظام إلى الحل السياسي أخيراً، وإنه من غير المسموح بعد الآن استخدام السلاح الكيميائي “ترامب يقول: سورية من مسؤوليتي الآن”. قبل الضربة، كانت الاستراتيجيّة في سورية، هي تحرير الرّقة والضغط على إيران واستمرار التفاوض مع روسيا وصولاً إلى الحل. بعدها ربما تكون كل المسارات مطروحة، أي أنّ أميركا ستفرض الحل السياسي، وسيشمل هيئة انتقالية تمتلك كامل الصلاحيات ووفقاً لبيان جنيف 1؛ ذاك الذي لم يكن فيه لا النظام ولا المعارضة متمثلين.

سيزور وزير الخارجية الأميركية، ريكس تيلرسون، الأسبوع الجاري روسيا، ويبدو أن أميركا أصبحت، وبعد كل وجودها الكبير في سورية، كقواعد عسكرية وجنود والآن قصفت مطاراً عسكرية، تريد حلاً لا يعطي سورية لروسيا منفردة، أو تكون هناك تفاهمات كاملة بينهما، كأن تُعطى سورية لروسيا والعراق لأميركا، وضمن تفاهمات تشمل كل المنطقة، ويُهمش كل من تركيا وإيران، وربما الاتفاق على أوكرانيا وبقية المناطق العالمية العالقة من زمن أوباما.

المعارضة السوريّة معنيّة بالتخلص من أوهامها عن التدخل الخارجي المفترض، فهو حاصلٌ ومنذ العام 2011، وأن تعود إلى العمل على مشروعٍ وطنيٍّ، يُحاصر كل المشاريع الطائفية والقبلية والإثنية والمناطقية. سوريّة مفتّتة الآن، ويجب إعادة الوصل بها، وخياطة نسيجها القديم من جديد، بما يتيح المجال للاجئين والمُهجرين العودة إلى ديارهم.

احتمالات الحل السياسي المتقدمة هذه الأيام يجعل المهمة السابقة أكثر من ضروريّة، فهي تقدم المعارضة مُمثلةً عن سورية كلّها، وليس المفيدة أو غير المفيدة منها.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

الضربة الأمريكية والعوامل الثلاثة/ إياد الجعفري

بعيد فوز الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية منذ أربعة أشهر، كتبنا في هذه الزاوية مقالاً بعنوان “سورياً: ترامب يساوي أوباما”، سُقنا خلاله أمثلة تاريخية عديدة تؤكد أن التحديات المستجدة خارجياً، هي التي تفرض على الرئيس الأمريكي، شكل السياسة التي سيعتمدها حيال تلك التحديات، وليس العكس.

وفيما يركّز الكثير من المحللين اليوم على دور شخصية ترامب في تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية حيال الملف السوري، تثبت المراجعة المعمقة للتاريخ، بأن تأثير شخصية الرئيس محدود للغاية، وأن معظم الرؤساء الأمريكيين انقلبوا على مواقفهم الشخصية حيال ملفات محددة، بعيد تطور التحديات التي تطال مصالح بلادهم الخارجية.

وهو ما أكده دونالد ترامب حينما قال بأن الضربة العسكرية التي أمر بها، لمطار الشعيرات قرب حمص، هي في مصلحة الأمن القومي الأمريكي. قد يقول البعض، وكيف هدد الأسد الأمن القومي الأمريكي في ضربة كيماوية لبلدة سورية تسيطر عليها المعارضة؟، الجواب ببساطة، هي أن استخدام الأسد للسلاح الكيماوي على نطاق واسع، ينال من عوامل ثابتة تحكم السياسة الأمريكية حيال الملف السوري منذ ست سنوات، وحتى الآن.

تلك الحيثية، أشارت إليها مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية في جلسة مجلس الأمن الطارئة التي دعت إليها روسيا بعيد الضربة الأمريكية.  نيكي هايلي، أشارت في كلمتها إلى أن استخدام الأسد للسلاح الكيماوي يعني أن روسيا لم تكن ذات مصداقية في اتفاق نزع سلاح الأسد الكيماوي عام 2013، الذي عقده الأمريكيون معهم يومها. أو أن الأسد، حسب هايلي، خدع الروس، مما يعني أن الروس ليسوا مؤهلين لضبط الأسد وإدارة النزاع.

تلك الحيثية بالذات، هي العامل الرئيس الذي دفع النخبة الأمريكية لإقرار توجيه الضربة العسكرية المحدودة للأسد، وإن كان ذلك لا ينفي دور عوامل أخرى في الدفع باتجاه هذا القرار، من بينها، رغبة ترامب في الاستفادة من الظرف لتعزيز موقفه الداخلي في مواجهة التحقيقات الجارية حيال تعاون أفراد من طاقمه الانتخابي مع الروس خلال الانتخابات الرئاسية.

لكن العوامل الأخرى تبقى عوامل ثانوية. فحتى لو لم يكن ترامب يواجه أي إشكالية داخلية، كانت النخبة من التكنوقراط والعسكريين سيدفعونه باتجاه اتخاذ القرار ذاته، لأن استخدام الأسد للسلاح الكيماوي أحرج تلك النخبة، وأوحى لها بأن الأسد يكاد يخرج عن السيطرة، ولا بد من القيام بعملية تأديبية حياله.

لكن، لماذا يرى الأمريكيون في استخدام الأسد للسلاح الكيماوي على نطاق واسع، خروجاً عن السيطرة؟، الجواب يكون بالعودة إلى أجواء ضربة الكيماوي في الغوطة عام 2013. يومها كانت هناك ثلاثة عوامل تحكم سياسة واشنطن حيال تلك القضية بالذات. الأول، تعزيز أمن إسرائيل عبر التأكد من أن نظام الأسد لا يملك أي سلاح قادر على تهديدها، مهما كانت الظروف. وهذا العامل، يتعلق بخشية إسرائيل من استخدام الأسد أو حلفائه الإيرانيين، لأمنها، كورقة ابتزاز، إن تهددت مصالحهم في سوريا بصورة وجودية مباشرة.

أما العامل الثاني الذي حكم سياسة الأمريكيين حيال “كيماوي الأسد”، تجلى مراراً في تحذيرات الأمريكيين، والإعلام الغربي، التي وُجّهت عملياً على شكل نصيحة للأسد، بألا يُقدم على مذبحة كبرى، من قبيل “سربرنيتشا”، بصورة تضطرهم، تحت ضغط الرأي العام العالمي، إلى تغيير موقفهم حياله.

أما العامل الثالث، وهو موضع جدل ونقاش بين الكثير من المراقبين، ويتمثل برغبة الأمريكيين في إطالة النزاع في سوريا، وتحويله إلى وسيلة لاستنزاف كل الأطراف، بما فيها الأسد وحليفاه الإيراني والروسي. وبالتالي، لا يرغب الأمريكيون في أن يستخدم الأسد سلاحاً يُتيح له تحقيق نصر كاسح على خصومه الميدانيين، بسرعة.

تلك العوامل الثلاثة، ما تزال تحكم السياسة الأمريكية حيال كيماوي الأسد، اليوم أيضاً. وهي العوامل ذاته التي كادت تدفع بأوباما لشن ضربات عسكرية ضد الأسد، لولا أن الروس نجحوا في تقديم صفقة مُجزية للأمريكيين، تستجيب لعواملهم الثلاثة، وهي نزع سلاح الأسد الكيماوي.

هذه العوامل، استجدت في هجوم الأسد الكيماوي الأخير في خان شيخون. الأمر الذي اضطر ترامب لأن يحذو حذو أوباما، مع فارق، هو أن الروس لم يستطيعوا تغيير الموقف الأمريكي، لأن وعدهم بنزع سلاح الأسد الكيماوي في المرة الماضية، لن يكون له أي معنى في هذه المرة.

كل ما سبق يوصلنا إلى نتيجة واحدة مفادها، أن السياسة الأمريكية حيال الملف السوري لم تتغير. ما تغير هو فقط شكل التحديات التي تواجه تلك السياسة، الأمر الذي يتطلب منها استجابات مختلفة. وما دامت الضربة التأديبية الأمريكية للأسد، آتت ثمارها، في جعله يمتنع عن أي استخدام جديد للكيماوي على نطاق واسع، لن يكون لتلك الضربة أي تبعات على صعيد إحداث تغير نوعي في المشهد السوري، على المدى القريب.

المدن

 

 

 

 

نكزات بالتوماهوك/ أحمد عمر

عزيزي سيادة الأمل بعد مقتل باسل المثل: كنت تقتل، وتبيد بالبراميل التي أدمن العالم على دخانها، فلمَ الكيماوي؟

سنعود يومين إلى الوراء في ” كلاش باك”.

أشدُّ التصريحات التي أتت من لدن “أعضوات” العشيرة الدولية، يشبه تنديدات الزعماء العرب بإسرائيل سابقاً، أيام الزمن الجميل. بعضها عتاب يا حبيبي، بعضها لوم، إنّ اللّوْمَ إغْرَاءُ. بعضها برقيات تأييد مثل تصريحات البيت الأبيض، بشرى ولتطمئن قلوبكم.. وخالية من كولسترول الخط الأحمر، كان أبو حسين أوباما قد رسمه بقلم أحمر شفاه على الرمال، لكن الأمريكي لا يؤتمن.

أوباما كان “هملت” البيت الأبيض، وترامب ليس متردداً مثله، إنه مقدام ومتهور،  ويقول إنه غاضب ، هو يحبُّ الألوان كلها على “قدم” المساواة وهي تنتعل “الجزمة”. أوباما هو الخصم وليس الأسد الذي يرتع ويلعب في حديقة الحيوانات السورية، التي لم يبقَ فيها سوى بعض الديناصورات، الشعب السوري ينقرض.

الأمريكان يحبون التشويق والاكشن. هذا يذكّر بمقولة تكافؤ الفرص في الشعارات البعثية، التي كان غرضها تمكين الأقلية، فهل من مدّكر. تكافؤ الفرص في مسابقات التوظيف، هو أن تسأل التوتسي عن بلد المليون شهيد، والهوتو السوري عن أسمائهم الثلاثية مع ذكر المواليد، والعلامات الفارقة، وأسماء خالاتهم، وعماتهم،  وبنات الأخ، وبنات الأخت ، واتجاهاتهم السياسية!

بدأت المواقف الدولية تترى، وهي تترصد هلال رمضان النار، الذي سيصوم فيه الشعب السوري عن الحرية حقبة أخرى. أعضوات القبيلة الدولية، يعرفون النظام كما يعرفون أولادهم، لقد صُنع على أعينهم، أكبر طغاتنا متخرجون من جامعات الغرب العسكرية والعلمية!

المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة قال هذه الموعظة، ولكن ليس في يوم الأحد، إنما في ليلة الثلاثاء: إن استخدام الكيماوي يهدد السلم والأمن الدوليين! ينصح بتجنيبه الرطوبة والشمس.

التحقيق سيطول إن أقرّه مجلس الأمن. قد يدعو لتشكيل لجنة، وفيتو “الرصّة المزدوجة” الروسية الصينية بالمرصاد. والنظام الجريندايزر سيرفض حرصاً على شرف السيادة. ومفهوم السيادة يشبه العزل في الطرفة التي جاء فيها رجل يستفتي الشيخ قائلاً: زنيت، والمرأة حامل مني، فما هي كفارة الذنب؟ فقال له الشيخ: ثكلتك أمك، لمَ جعلت الإثم إثمين، لمَ لمَ تعزل. فقال الآثم: بلغني أن العزل حرام.

كان حريصاً على السيادة.

النظام يغار على عرض نسائه المستورات بورق توت أكله الدود، ولم يبق منه سوى خيوط الحرير من أجل الإثارة، لم يسمح للمجتمع الدولي بتفتيش سجونه، وهي سجون خمس نجوم: تحطيم عظام، شبح على الدواليب، صهر اللحم بمنافخ النار ولحم الحديد..، أما أخو المنهج دي مستورا، فقد نهج منهج الشك الديكارتي، ودعا مجلس الأمن لتحديد المسؤول، ويا مسهر النوم في عيني أم كلثوم. منسقة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوربي فيدريكا موغريني الرقيقة كالفراشة تركت هذا الأثر الناعم: إن الإفلات من العقاب ليس خياراً.

ألقى الرئيس الفرنسي بالمسؤولية على قوات الحكومة السورية في هجوم “يشتبه” بأنه شنّ بسلاح كيماوي، وقال: إن حلفاء الرئيس بشار الأسد يمنحونه الجرأة للتصرف دون خوف من عقاب. إعلام فرنسا استمر في موالاة النظام بالاقتباس من المرصد السوري لحقوق الإنسان، خدٌّ وعين.

قال وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت، في ثلاثاء خان شيخون الأصفر، إن المجزرة التي ارتكبها النظام السوري اليوم في إدلب تعد بمثابة اختبار للإدارة الأمريكية. يا مسيو جان الإدارة الأمريكية هي التي تضع أسئلة الاختبارات.

ومثله وزير الخارجية الألمانية زيغمار غابرييل فكانت مقولته كمقولة حسني البورظان: إنه “إذا ثبت استخدام الأسد للغازات السامة مرة أخرى فهذه جريمة حرب”. الرجل على المذهب الديكارتي، هو “يشكُّ، إذاً الأسد موجود”.

ذكرت فضائيات إيران الناطقة بالعربية البرهان على “أكذوبة” خان شيخون، وهو: إن الجيش السوري ينفي أكاذيب المعارضة. أنصاب الجيش السوري الذي يبحث عن طريق القدس بالسراج والفتيلة، كانت بوطاً، جزمة، وكان من الأَولى أن تكون شحاطة، إذا قالت ناتاشا فصدقوها ..

الأطرف، هو أن تيساً مستعاراً، قال: إنَّ المعارضة فجّرتْ بعض جرار الغاز حتى تستدر العطف الدولي! وهذا تطور مهم، “فالفبركة” للمرة الأولى غير مصوّرة في قطر، هذه المرّة هي إنتاج محلي. نتنياهو ندّد بالجريمة. الغرب يحبُّ لعبة التطهير الأرسطية. إنهم مثل الإسبان يحبون العنف على مسرح كبير، ها هو الثور ينطح شعباً بأكمله بقرون السارين.

المندوب البريطاني في مجلس الأمن الدولي ماثيو رايكرفت قال: إنه أصيب بالفزع من هول الصدمة. هذا الرجل يحتاج إلى طاسة الرعبة.

قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون: إنّ الهجوم الكيميائي في سوريا يـُظهر كيف يتصرف الأسد بوحشية ومن دون خجل. الذي يخجل من ابنة عمه لن ينجب أولاداً، سينجب وحوشاً من محبي السيادة وعدم العزل لأنه حرام.

مشروع قرار يدين جريمة السلاح الكيماوي اليوم على منضدة مجلس الأمن. المشاريع كانت في سوريا ذريعة للسرقة، أخشى أن يمنعوا التسخين بالغاز في سوريا، كما حظروا أقلام الرصاص في العراق.

إسرائيل خائفة من عظام كيماوية في بيت الأسد.

” العالم المتحضر”، وهو وصف ورد على لسان ترامب، لن يتجاهل الجريمة، فضائية “العربية”، صديقة الثورة السورية فرحت بقول موسكو إنها بريئة، وأن النظام قصف مستودعاً للأسلحة سرقتها المعارضة من العراق، كانت  سعيدة جداً بهذه الحبكة، من جنرال يرتدي ثياباً عسكرية، كانت تعرض أغنية وحياة قلبي وأفراحه لعبد الحليم حافظ.. الأسد.

نحن أيضا، بعد نوم طويل بدأنا بمنهج الشك الديكارتي، ونشك في غارة ترامب ، لأنها جاءت بعد تحذير، وبطاقة صفراء، وجاءت قبلات التوماهاك، نظنّها قبّلات عاطفية: ضرب الحبيب زبيب، لأنها على الشعيرات، وليس على القلوبات. المجتمع الدولي لا يحبُّ عزل الأسد، العزلُ حرام، ابن الحرام حلال.

هذا ما نشكُّ فيه حسب المنهج الديكارتي.

” 59 نكزة في الشعيرات أحسن من عشرة لايكات على الشجرة”.  لم يتخد ترامب قرار “البلوك “، حطمت  النكزة  بعض طائرات الهوب الهوب. أوباما صادر الأداة، وترامب ضرب بعضها. نسأل : قمحة أم شعيرة؟

يُخشى أن تكون زيواناً.

المدن

 

 

 

 

حرب التنافي المتبادل/ ميشيل كيلو

لا آتي بجديد، إذا كتبت إن القضاء على شعب سورية هو هدف الحرب الأسدية. يعرف السوريون، بالفطرة والغريزة، أن بشار ورث خطة الحرب ضد الشعب كما الرئاسة عن أبيه، الذي كان قد أجرى تدريبات عديدة عليها أهمها في حماة عام 1982، وأن “جيشه العقائدي” جدّدها بلا انقطاع، ليكون مستعداً دوماً لمواجهة العدو الداخلي الذي يسمونه الشعب، فلا عجب إن كان انقلابه على رفاقه عام 1970 لحظةً مفصليةً في نشر وحدات من الجيش في جميع أنحاء سورية، وخصوصاً في دمشق التي أحاط بها وببقية مدن سورية الكبيرة إحاطة سوار بمعصم.

… وكان من يخدمون من أصدقائنا في المعسكرات القريبة من دمشق لا يصدّقون ما يجري خلال التدريبات، وكنا لا نصدق بدورنا ما يروونه عن هدفيها: مبنى الأركان والجامع الأموي: الأول لإحباط انقلاب عسكري، والثاني لسحق تمرد مجتمعي. عندما كنا نسأل: والعدو الصهيوني، ألا تتدربون على أهدافه، كانوا يردّون مستنكرين سذاجتنا: أي عدو صهيوني، أيها الدراويش؟ ليس الصهاينة عدواً إلا في أكاذيب السلطة أما أعداؤها الحقيقيون فهم اثنان: شعب”ها” في الداخل، والعراق في الخارج. الأول لأنه ضد النظام، والثاني لأن تحالفه مع الأول واستخدام قوة الردع التي يمتلكها من شأنهما إطاحة الأسدية. ليس للنظام أي عدو غيرهما.

بتطييف الجيش وإحكام قبضة المخابرات على الحياة العامة، وإمساك الأسد بأقدار “أبنائه” المواطنين، إناثاً وذكوراً، وبدوره موزّع أرزاق يحدّد مراتب السوريين الاجتماعية، ومداخيلهم، وأنماط عيشهم، وما يأمرهم به وينهاهم عنهم، وباستسلامه خلال هذه الفترة أمام إسرائيل، وقيامه بحراسة المشرق وتغييب العراق بمساعدة إيران، وبخضوعه ومنطقة نفوذه لهيمنة الغرب الاستراتيجية، لم يعد هناك أي خطر على الأسد ونظامه “الوطني/ التقدمي” غير شعب سورية الذي أمر أمنه بكتم أنفاسه، ودرّب جيشه على سحقه، أن يحاول القيام بتمرّدٍ ما، رأت قيادته جذوره الكامنة في أوساط مثقفة ومعارضة، ولدى بعض رجال الأعمال والوسط الديني، وكتل المحرومين والمهمشين الكبيرة.

وكان الأسد الأب قد بنى نظامه على معادلة صفرية، أقامها عن سابق عمد وتصميم على تنافٍ وجودي متبادل بين نظامه والشعب، جعل حضور الأول يشترط عبودية الثاني، وحضور الثاني سقوط الأول. قامت هذه المعادلة على رفض أي مبدأ يمتّ بصلة إلى الدولة الحديثة، وخصوصاً مبدأ تخلي مواطنيها عن حقهم في العنف مقابل إخراجه من المجال العام، وتعويضهم عنه بضمانات قانونيةٍ ملزمةٍ ومتبادلة. جرّد حافظ الأسد المواطن السوري من حقه في العنف، وبدل أن يخرجه من الحياة العامة أقامها على ديمومة استخدامه ضد شعبه، إناثاً وذكوراً، وطبّق سياسةً جوهرها استخدام العنف، صلباً ورخواً، ضدّه باعتباره عدو سلطته اللدود الذي يجب إبقاؤه خاضعاً، وأسير مشكلات مستعصية تغمره غمراً، يبقى معها سجين حاجات لا تلبى، ورعب يسكنه، ويحيق به، ويعطله كمواطن وإنسان. بهذا القدر من “الحنكة والحكمة”، احتجز الأسد نسبة مئوية كبيرة من السوريين في السجون، أبرياء كانوا أو مذنبين، بما أن الهدف من سجنهم كان إقناع من هم خارجها بأنهم ليسوا أبرياء، وأن دورهم يمكن أن يأتي في أي وقت، وأن شرط نجاتهم استسلامهم له من دون قيد أو شرط بصفته “عظيم الأمة”، الذي ليس هناك قانون يحميهم من بطشه، وطنياً كان أم دولياً، وأن أجهزة قمعه لا تميز بين مسلح وأعزل، ولن تعاملهم إلا كأعداء سيشنون الحرب على نظامه، بمجرد أن يتراخى معهم، فما أهمية أن يكونوا عزلا، ولم تكون ثمة حماية قانونية تلزمه باحترام حياتهم؟

في ظل عقيدة التنافي المتبادل، صار كل سوري عدواً تتربص السلطة به، وتعرض لحرب استباقية دائمة، لا أسباب لها في تصرّفاته وأفكاره، ولم يعتبر نفسه طرفاً في معادلة “إما نحن أو هم” السلطوية التي جعلته تطبيقاتها يكره حياته، بعد أن صارت ساحة حربٍ تطاول جميع مقومات وجوده، لا سبيل إلى تحاشي أذاها من دون حربٍ يخوضها ضد النظام، لكن حكمته تمنعه من خوضها، لاقتناعه أنه ما أن يتحرّك، حتى يواجهه جيش لن يتردّد في اقتلاعه من الوجود!

أبعد هذا يتساءل العالم إن كان جيش الأسد قد قتل حقاً مواطني خان شيخون بالكيماوي؟

العربي الجديد

 

 

غَضِب ترامب… فهل دقت ساعة الأسد؟/ إبراهيم العلبي

ليس سهلاً على المرء أن يفرح لنبأ قصف بقعة في بلاده من قبل دولة هيمنت على العالم وفق قواعد الاستعمار الجديد، وتتمتع بتاريخ حافل من المجازر والانتهاكات والغزو غير المبرر، لكن من قال إن بشار الأسد ينتمي إلى سورية؟ ومن يستطيع أن يتجاهل حقيقة أن العمود الفقري للقوات البرية التي تقاتل لأجل كرسيه واستمرار جرائمه ومجازره هو من المرتزقة الأجانب الطائفيين، من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان وباكستان وعشرات الدول الأخرى؟

مع ساعات قبيل فجر أمس صبحت صواريخ توماهوك الأميركية مطار شعيرات في حمص، أحد أهم وأقوى المطارات العسكرية التابعة لقوات الأسد، وذلك بعد ساعات من حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تأثره بمجزرة خان شيخون الكيمياوية وتغييره موقفه من الأسد وسورية بشكل عام، ليدخل بذلك القضية السورية منعطفاً تاريخياً يوازي بأهميته انطلاق شرارة المظاهرات في شهر مارس/ آذار عام 2011.

في ذلك العام، ومع تنقل قطار التظاهرات العارمة بين العديد من الدول العربية المنهكة باستبداد أنظمتها القمعية وفسادها، استبعد السوريون أنفسهم قبل غيرهم أن يحط هذا القطار في ديارهم، وأن تشهد هذه البلاد أية مظاهرة تطالب بالإصلاحات السياسية، بعدما أخضعها الأسد الأب بالحديد والنار والمجازر التي حصدت عشرات الآلاف من المعارضين وحاضنتهم الشعبية في ثمانينيات القرن الماضي، لكن ما استبعده الجميع حصل وحطم السوريون حاجز الخوف ونزلوا إلى الشوارع وواجهوا الموت بصدور عارية ولم يردعهم سيل الرصاص المتوحش عن مواصلة انتفاضهم وتصاعدها.

وبعد 6 سنوات ارتكب فيها بشار الأسد كل المحرمات والموبقات ولم يدع طريقة ينفذ بها وعده الشهير “الأسد أو نحرق البلد” إلا واقترفها، ولم يترك مرتزقة في العالم من أفراد وجهات ودول إلا واستجلبهم أو عرض عليهم انتهاك سيادته وبيعهم الوطن أو بعضه إن أحسنا الظن، لم يعد المشهد بالغ التعقيد في أذهان السوريين، القضية باتت بالنسبة لهم التخلص من الأسد أو لا أحد، فالتخلص من الأسد يعني توقف معاناتهم التي توصف بالكارثة الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

قوات الأسد وليست الجيش السوري، مؤسسات الطاغية وليست مؤسسات الدولة، سلاح المجرم الخائن الذي باع الوطن بعدما حوله إلى ركام وجلس على تلته يطلب المساعدة على البقاء، وليس سلاح الشعب الذي لا يعرف من علاقته بهذا السلاح سوى أنه الآلة التي تذبحه وتنفيه في أقاصي الأرض، ومن ثم من مِن السوريين الثائرين مستعد لتناسي الخلافات مع المجرم الأول والتوحد معه مقابل الهجمة الأميركية “الغاشمة” وهل ما بينهم مجرد خلافات أم دماء مهدورة وحقوق منتهكة وكرامة مغتصبة؟ وهل استهدفت هذه الهجمة مدنيين أبرياء أم جنود المجرم وشيئاً يسيراً من أدوات جريمته؟

الأسد في العقل السوري الحديث ليس مجرد طاغية جلاد، ولا مجرم حرب، ولا خائناً بائعاً للوطن، هو في الحقيقة كل ذلك بما يجعله العدو رقم واحد للشعب السوري والهدف الذي لا يتقدم عليه أي هدف.

وماذا عن أهداف ترامب ومآربه وسجل الولايات المتحدة في الغزو والقتل؟ يتحدث المتحدثون ويتمهل المتمهلون ويتحمس البعض لتذكير السوريين بأن واشنطن ليست جمعية خيرية وأن معاقبة الأسد على يديها ليست كرمى لعيون الشعب السوري، ورغم أننا نوافق على كل ذلك، بل نذهب إلى أبعد منه، ونعلم تماماً أن للضربة أبعاداً داخلية أميركية أكثر مما لها من الأبعاد الإقليمية المتعلقة بإسرائيل وإيران، ولكن مهلاً، ألم نكن طيلة السنوات الماضية نتذاكر الخذلان الأميركي للثورة السورية والتواطؤ مع الأسد لنستنتج من كل ذلك أنها رأس النفاق الدولي، لماذا لا نرحب بخرق هذا التواطؤ ولو ظاهرياً؟

الحقيقة الساطعة بعيداً عن كل التحليلات، هي أن معاقبة الأسد الفورية على مجزرة ارتكبها باستخدام السلاح الكيمياوي الذي ما زال يمتلكه رغم إقرار المجتمع الدولي بأنه تعاون في نزع كامل سلاحه الكيمياوي سابقاً يعني أن حالة التواطؤ الدولي الذي لا يعكره شيء مع جرائم الأسد ولت تماماً، ودخلنا في مرحلة من التقييد، صحيح أن من المخزي أن تكون رسالة العالم للأسد بهذه الضربة أنه ليس بإمكانك أن تقتل شعبك إلا بالسلاح المسموح به دولياً، بيد أن هذا التقييد، رغم استخفافه بدمائنا، عندما يكون جدياً فإنه يفعل فعله في إعادة ضبط معادلة الصراع، وتضع الأسد وحلفاءه أمام حسابات جديدة، وفي العموم كانت الضربة كافية لخلق انطباع لدى الجميع بأن بقاء الأسد لم يعد حتمية، وأن الدلال الدولي الذي تمتع به على مدى سنوات ليس مفتوحاً إلى الأبد، وأن الغزل المتصاعد بحقه من قبل ترامب وغيره لا قيمة له على أرض الواقع، فهل يتلقى الأسد الرسالة ويستبق نهاية المسار برحيل مرتب مضمون النتيجة، أم يفضل مواصلة لعبة حافة الهاوية التي ستبتلعه عاجلاً أم

جيل

 

 

 

بعد الضربة الأميركية: السيادة في أطوارها المتغيرة/ حسام عيتاني

تعيد الضربة الصاروخية الأميركية على مطار الشعيرات السوري مستوى القتل الأسدي إلى الحيز المقبول دولياً، أي باستخدام الأسلحة التقليدية والبراميل المتفجرة، وصولاً إلى غاز الكلورين، الأخف عبئاً على ضمير المجتمع الدولي الذي أزعجه استخدام السارين في خان شيخون. ولا تغيير في المشهد العام ما لم تتبن إدارة دونالد ترامب استراتيجية سياسية وعسكرية لاحداث انعطافة حادة في مسار الصراع في سورية.

الصواريخ التي انهمرت قرب حمص لن تجنب إدلب وريفها المصير المرسوم لهما كحلقة مكملة لحلب ما لم يقتنع العالم بأن بشار الأسد، المحكوم بتوازنات إيرانية – روسية، ليس قادراً على إنجاز حل سياسي من أي نوع، وأن المفاوضات مع موسكو في هذا الشأن غير ذات مغزى ما دام فلاديمير بوتين هو من يحدد إيقاعها ووتيرة تقدمها والأفق البعيد الذي ستصل إليه.

هذا المصير الذي انتهى إليه حكم آل الأسد كمندوب لاحتلالين خارجيين، والمناقض تماماً للصورة التي بذل حافظ الأسد وأجهزته الأمنية والدعائية جهوداً مضنية في رسمها كقوة إقليمية كبرى تتحكم بقرارات الحرب والسلم في منطقة تفوق حجم سورية بمراحل، يكشف بين أمور أخرى الخواء الفظيع الذي صنعته سلطة البعث والعائلة منذ أكثر من خمسة عقود.

أخيراً ظهرت «عبقرية» الأسدين على حقيقتها بعد احتكاكها بمعارضة المواطن السوري أولاً وبضرورات القوى الكبرى ثانياً. الامتناع الدائم عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، والاستشراس في قتل المعارضين سواء السوريين أو اللبنانيين أو الفلسطينيين، يتمّ اليوم على مقياس أكبر كثيراً. أدرك حافظ وبشار الأسد خطر اللعب مع قوة متمكنة من أساليب الحرب والسياسة في العالم المعاصر كإسرائيل وتفرغا لتأديب من يشبههما من السياسيين في سورية ومحيطها، ناهيك باعتماد الوحشية العارية في التعامل مع شعوب المنطقة.

تطور همجية نظام الأسد وارتقائها بين أحداث أواخر السبعينات وعقد الثمانينات وبين اندلاع الثورة في 2011، وانتقال الهمجية تلك من حملات «المماليك الجدد» (والتشبيه لميشال سورا) المتضمنة أعمال النهب والاغتصاب والتدمير، إلى تصنيع القتل و «منهجته» على ما بيّن تقرير منظمة العفو الدولية في شباط (فبراير) الماضي عن مسلخ صيدنايا البشري، وحصد الأرواح جماعياً كما فعل في هجومه الكيماوي على الغوطة في آب (أغسطس) 2013، يستحقان دراسة مفصلة عما يعكسان من تبدلات في آليات السيطرة السياسة والاجتماعية للطغمة الحاكمة في دمشق.

بيد أن ذلك ينبغي أن يسير مع دراسة ترصد تصاعد دموية النظام مع تقلص قدرته التفاوضية مع رعاته الخارجيين وتحوله إلى مجرد جلاد للمعارضين العزل ومن يدفعه سوء حظه إلى الوقوع بين يدي أجهزة أمن الأسد مقابل فقدانه القدرة على الدفاع عن نفسه أمام أي تهديد عسكري جدي، على ما بدا في مراحل مختلفة من الثورة السورية، حيث كان يلجأ إلى إيران وميليشياته ثم إلى روسيا وطيرانها، كلما بدا أن وضعه الميداني ميؤوس منه كما حصل في أواخر 2012 ثم في 2015 بعد سقوط إدلب وجسر الشغور وانتقال القتال إلى جبل الزاوية والمناطق المتاخمة للساحل.

قايض بشار الأسد همجيته نحو الداخل بخضوعه الكامل لموازين القوى الخارجية، ليس حيال الرعاة فحسب، بل أيضاً حيال كل من يبدي قدرة على إلحاق الأذى الجدي به وبنظامه. عشرات الغارات الإسرائيلية منذ 2011، لم يرد سوى على آخر واحدة منها لأسباب تتعلق بإيران وليس بالنظام. الأمر ذاته أمام التهديدات الأميركية بتوجيه ضربات جوية بعد جريمة الغوطة في 2013، حيث ظهر ضيق هامش المناورة عند الاسد واقترابه من الانهيار لولا الصفقة التي رتبتها موسكو مع واشنطن لتسليم الترسانة الكيماوية إلى المفتشين الدوليين.

آفة التذاكي التي زرعها ورعاها حافظ الأسد لا بد أنها وسوست إلى المحيطين ببشار لإعادة إنتاج السارين الذي قصف به خان شيخون، بعد نشوة الانتصارات في حلب والاستعدادات الدولية لطرد «داعش» من الرقة، ما فسره النظام بأنه فوز آخر له، وبأن حملات إبعاد المقاتلين من وادي بردى وداريا وتشديد الحصار على الغوطة والتلويح باقتحامها مسألة أيام. جمّل التذاكي هذا فكرة التلاعب بحقيقة تسليم السلاح الكيماوي السوري. وبعد عشرات الهجمات بالكلورين الذي قال بشار الأسد في إحدى مقابلاته إن مكوناته موجودة في «كل بيت سوري»، انتقل إلى السارين الذي لا توجد مكوناته إلا في مستودعات النظام.

لكــــن الأهم أن اعتماد بشار الأسد الكلي على إيران وروسيا للبقــــاء على كرسيه، وسماحه مقابل ذلك لهما بالتدخل حتى في التركيبة الديموغرافية والهندسة السكانية وتفاصيل القـــرارات الاقتصادية والمالية، جعل من فكرة النظام السوري عـــن السيادة والاستقلال فضيحة مجلجلة في عالم السياسة والديبلوماسية. ذلك ان السيادة لا تطبق إلا عند فرض رسوم جـــديدة لاستصدار جوازات السفر ومنع عودة اللاجئين إلى بيوتهم المنهوبة، في حين أن كل رطانة السيادة والحفاظ على الوحدة الوطنية تختفي ما أن يبرز أبسط تلويح بتهديد خارجي. ففي نهاية المطاف، لا تزيد مقولة السيادة في المصطلحات الأسدية عن أداة للهيمنة الداخلية، شأنها شأن كل الشعارات التي رفعها هذا النظام منذ نشوئه.

الحياة

 

 

هل ينفذ ترامب تهديده بمعاقبة الأسد؟/ راغدة درغام

دفع هجوم خان شيخون الكيماوي الرئيس دونالد ترامب إلى إعلان مواقف طغت على الارتباك والتناقض في تصريحات أركان إدارته نحو سورية ومصير الرئيس بشار الأسد. لم يوضح ما في ذهنه عندما قال إن الهجوم الكيماوي ضد المدنيين السوريين في إدلب يوم الثلثاء الماضي «عبر خطوطاً عدة بالنسبة إلي»، في إشارة إلى الخطوط الحمر، مؤكداً «أنها الآن مسؤوليتي عندما يتعلق الأمر بسورية». إلا أن سفيرته لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي حذرت من أن استمرار مجلس الأمن في الفشل في اتخاذ إجراءات لمنع تكرار الجرائم المرتكبة في سورية «سيجبرنا على أن نتصرف بأنفسنا»، محملة روسيا المسؤولية عن استمرار النظام السوري في استخدام الأسلحة الكيماوية. هايلي كانت أول المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا عن بشار الأسد كـ «مجرم حرب»، مشددة على ضرورة المحاسبة والعقاب، وهي التي لطّفت أيضاً ما قاله وزير الخارجية ريكس تيلرسون عن أن إزاحة الأسد ليست أولوية أميركية ومصيره عائد لما يقرره شعبه. ما فعلته في مجلس الأمن وهي تحمل صور الضحايا واقفة بقرب كرسي الرئاسة أوحى بوضوح أن هناك جديداً في سياسة إدارة ترامب نحو سورية، لا سيما عندما أنذرت بأن الولايات المتحدة ستتخذ إجراءات أحادية في سورية إذا فشل مجلس الأمن في التحقيق والمحاسبة. النقلة النوعية أتت في مواقف الرئيس ترامب الذي وضع بشار الأسد تحت الإنذار الواضح بأنه في حال ثبوت استخدامه الأسلحة الكيماوية في خان شيخون يكون عبرَ أكثر من خط أحمر في رأي الرئيس الأميركي الجديد الذي انتقد تراجع سلفه باراك أوباما عن إنذار الخط الأحمر الكيماوي في سورية، وكلّف ذلك أميركا غالياً في رأيه. كل هذا لا يعني بالضرورة أن القرار العسكري ضد بشار الأسد دخل حيز التنفيذ، كما لا يعني أن لدى إدارة ترامب سياسة متكاملة متماسكة واضحة نحو سورية. الأولوية القاطعة ما زالت بالنسبة إلى إدارة ترامب القضاء على «داعش» والاستعداد للانتصار القاطع في معركة الرقة في سورية للقضاء على «داعش». الأولوية الثانية ربما تكون الآن محاسبة الأسد إذا ثبت ضلوعه في استخدام السلاح الكيماوي الذي يزعم أنه لم يعد يملكه بعد الاتفاق الأميركي– الروسي الذي أطاح بخط أوباما الأحمر. هذا علماً أن أوباما تراجع أيضاً عن خط أحمر آخر بالأهمية ذاتها عندما تعاطى مع الأسد كرئيس دولة يوقّع الاتفاق الكيماوي في حين كان صنّفه بلا شرعية وطالبه بالرحيل. فما يعبّر عنه أركان إدارة ترامب لجهة الإقرار بوجود الأسد هو ما كانت صنعته إدارة أوباما كسياسة الأمر الواقع وما كان فعله أوباما بتراجعه عن خطين أحمرين وليس عن خطٍ واحدٍ. أما الأولوية الثالثة التي تبدو مائعة بين التصعيد الشفوي وبين غياب الإجراءات الفعلية، فإنها تتعلق بإيران وإجراءاتها في سورية بالذات، تلك التي تدخل في خانة تعزيز ممر «الهلال الفارسي» في الأراضي السورية إلى لبنان عبر المعارك وعبر عمليات التهجير الطائفي. فالتقسيم على أرض الواقع في سورية يزداد حدّة ووضوحاً وبات سلعة في المقايضات والتسويات. فإذا أدت تطورات هذا الأسبوع إلى صياغة واشنطن حقاً سياسة متماسكة نحو سورية، قد تختلف أسس عدة عما افتُرضَ قبل إنذارات دونالد ترامب المفاجئة – بما في ذلك لناحية التفاهمات التي كانت ممكنة مع روسيا، ولناحية الإجراءات الإيرانية الميدانية، كما لناحية تمسك روسيا وإيران ببشار الأسد وتقاطعه مع رفض الولايات المتحدة القبول به بعد الآن.

الرئيس الأميركي بدا غاضباً حقاً مما حدث في إدلب، إذ وصفه بأنه «فظيع» و «إهانة رهيبة للإنسانية»، مؤكداً أنه ينوي «إرسال رسالة للميليشيات الإيرانية في سورية، وسترونها قريباً». لم يكشف ترامب عن الإجراءات التي توعد بها رداً على الهجوم الكيماوي «فلا أريد أن أكشف طريقة تفكيري وتوجهاتي العسكرية في شأن سورية». إنما ما أوضحه ترامب هو أن السياسة الأميركية إزاء سورية ستتغير.

كثيرون يسألون: هل هذه عاطفة عابرة بسبب تأثر الرئيس الأميركي بمشاهدة الأطفال والرضّع ضحية هجوم كيماوي؟ وهل سينفذ ترامب توعده بالعقاب وبتغيير السياسة؟

ترامب، عموماً، ينفذ ما يعد به، إذا استطاع. في هذه الحالة، لن يكون بمفرده وهذا ليس مجرد وعد انتخابي. أركان إدارته يديرون الناحية العسكرية للأهداف الأميركية في سورية، من معركة الرقة إلى مصير الجغرافيا التي يتم تحريرها من «داعش». هذا إضافة إلى إقامة القواعد العسكرية داخل سورية، وضمان السيطرة على مطارات عدة، أبرزها مطار الطبقة العسكري الذي هو بأهمية مطار عين العرب (كوباني)، ومطار أبو حجر بقرب مدينة الرميلان، في القامشلي.

تقويض خطط إيران في سورية هو أيضاً جزء مهم من الاستراتيجية التي يضعها أركان إدارة ترامب على مستوى وزير الدفاع ومستشار الأمن القومي إلى جانب آخرين فاعلين في صنع الاستراتيجية الأميركية. هذا يتطلب، من وجهة نظرهم، تحقيق الانتصارات العسكرية الميدانية بالذات عبر القضاء على معاقل «داعش» وعبر ضمان القواعد والمطارات وكذلك السيطرة على المناطق الغنية بالموارد الطبيعية في سورية. عندئذ فقط، تبدأ إدارة ترامب بفرض شروطها في المفاوضات مع روسيا، وتبدأ أيضاً بفرض ما تريد مع كل من إيران وتركيا.

مع روسيا، تدرك إدارة ترامب أن لا مجال الآن لصفقة ثنائية تقوم على التفاهمات الودية بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين. الأجواء الداخلية لا تسمح بذلك في خضم التشكيك في العلاقة بينهما والتحقيق في ما قام به المقربون من ترامب مع روسيا. ثم إن تمسّك موسكو بحليفها الاستراتيجي في سورية (إيران) أمر لا يمكن لإدارة ترامب التعايش أو التأقلم معه، بالذات لأن مكافأة طهران ستتطلب من موسكو الموافقة على مشروع إيران الأساسي، وهو، «الهلال الفارسي» الممتد في الأراضي السورية، وهذا مرفوض أميركياً.

المسألة مهمة لأن تلبية المطالب الإيرانية في سورية تستلزم التقسيم من أجل توطيد أواصر «الهلال» المرجو. فإذا كانت روسيا جاهزة للغمز بالقبول بذلك مع أنها، كمبدأ، لا تريد التقسيم الذي يجزئ ويقوّض نفوذها القاطع في سورية، فإن الولايات المتحدة تفكّر بكيفية قطع الطريق على تقسيم كهذا. واشنطن تريد ضمان مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية في سورية وهي جاهزة للإقرار بالمصالح الروسية هناك، لكن إدارة ترامب ليست جاهزة للقبول بفرض المصالح الإيرانية في سورية.

بالأمس القريب كانت هناك أفكار تصب في خانة غض النظر عن بقاء بشار الأسد في السلطة بدلاً من اشتراط رحيله الآن، إنما مع فرض العزلة القاطعة عليه بما يؤدي عملياً إلى خروجه من السلطة. اليوم، إذا ثبت ضلوع الأسد بالهجوم الكيماوي في إدلب، فلن يكون استمراره مقبولاً لدى واشنطن. بل إن محاكمته هي الأمر الذي تريده إدارة ترامب، وربما أكثر. ولذلك، لم تعد الموافقة الأميركية على الشراكة الروسية– الإيرانية في ضمان استمرار الأسد في السلطة معادلة قائمة.

ما قد تطمح إليه إدارة ترامب هو إقناع حكومة بوتين بأن الوقت حان لفصل مصالح روسيا عن المصالح الإيرانية في سورية. وهذا يتطلب أمرين: فك الارتباط الاستراتيجي الروسي– الإيراني في سورية، والتوافق على ترحيل الأسد من السلطة بصورة أو بأخرى. هكذا يمكن تجنب تقسيم سورية.

تجنيب سورية التقسيم الذي يحدث بالذات خلال هذين الأسبوعين أمر يتطلب التوافق الأميركي– الروسي على أعلى المستويات والمقايضات الاستراتيجية على أدق التفاصيل. إيران لن تكون راضية إطلاقاً، وكذلك تركيا. فكلاهما لعب أدواراً عسكرية داخل سورية لمصالح ومشاريع إيرانية وتركية قد لا تتلاقى اليوم مع المصالح الروسية، لا سيما إذا تفاهمت أميركا وروسيا على اقتسام النفوذ والموارد وإعادة البناء.

تركيا لن تتمكن من الابتزاز عبر القاعدة العسكرية في أنجرليك لأن القواعد العسكرية بعد معركة الرقة ستؤمن البديل للولايات المتحدة. تركيا ليست سعيدة أبداً بالدعم الأميركي لـ «قوات سورية الديموقراطية» ذات الأكثرية الكردية. فهي قايضت مساعدة روسيا في الانتصار في معركة حلب «بتنظيف» حدودها من القوى الكردية بموافقة روسية، وأصبحت شريكاً «ضامناً» لوقف النار مع روسيا وإيران. لكنها لن تحصل على أكثر.

إيران تزداد قلقاً وهي تراقب التغيير في المواقف الأميركية في عهد ترامب عما كانت عليه في زمن أوباما. لذلك تهرول إلى فرض نفسها عبر ميليشياتها على أرض الواقع في رهان على أن الولايات المتحدة لن تتجرأ على خوض حرب تتطلب منها جيوشاً أميركية في الميدان، وهي لن تتمكن من إيجاد بديل ميداني قادر على محاربة إيران وميليشياتها. لكن في ذهن أقطاب إدارة ترامب أكثر من تصميم ومفاجأة.

المفاجأة الكبرى أتت على لسان دونالد ترامب. سورية باتت «مسؤوليتي»، قال الرئيس الأميركي الجديد الذي لام سلفه على الفشل في تنفيذ إنذاراته وتوعداته وتبنى «القيادة من الخلف» فأضعف أميركا. لعل دونالد ترامب كان يفكر بالتعايش مع بقاء بشار الأسد في السلطة لفترة ما. خان شيخون فرضت عليه وضعاً آخر. أطفال ورُضَّع ضحايا الهجوم الكيماوي هم الذين قد يسجل لهم التاريخ أنهم كانوا حافز التغيير الأساسي في السياسة الأميركية نحو سورية. فسنرى.

الحياة

 

 

 

القصف الأميركي لقاعدة الشعيرات: ​أهداف سياسية بالدرجة الأولى/ أرنست خوري

من يتابع ردود الفعل الغاضبة لمعسكر داعمي النظام السوري، المغلّفة بشعار “كنا نتوقّعها”، أي الضربة العسكرية لقاعدة الشعيرات الجويّة في حمص فجر اليوم الجمعة؛ يدرك أن شيئاً كبيراً قد حصل بالفعل، وأن الآتي قد يكون أعظم. ليس المقصود تغييراً في الميزان العسكري طبعاً، من دون التقليل من أهمية الشعيرات كمنصة هي أكبر من مطار عسكري لانطلاق حاملات الموت على المناطق السورية الخارجة عن سيطرة النظام. التغيير الذي ربما تمهد له الضربة المحدودة بـ59 صاروخ “توماهوك”، هو سياسي لا بد أن يترك أثراً عسكرياً سيكون حاسماً في تحديد وجهة وشكل إقفال الملف السوري يوماً ما.

أغلب الظنّ أن الكلام عن إخطار أميركي مسبق للقيادة الروسية بشأن الضربة صحيح، فلا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ولا غيره في الإدارة اليوم يفكر بحرب شاملة ضد روسيا مباشرة. كان لا بدّ من إيصال رسالة للروس مفادها أن زمن باراك أوباما قد تغير، ليصبح الطلب الأميركي لروسيا بإخلاء القاعدة المخطّط استهدافها في حمص، بمثابة جرس إنذار أميركي لروسيا لا يحتمل تلاعباً على الكلام: دعمُكم لنظام بشار الأسد سيتسبب لكم بمشاكل كبيرة معنا، فادرسوا وقف رعايتكم المقدسة له. ويمكن أن تكون للرسالة تتمّة؛ اليوم أمكن تفادي إصابة أهداف روسية في قصف قاعدة الشعيرات، لكن ربما لا يحصل ذلك في المرات المقبلة، خصوصاً في حال لم يفهم النظام السوري الرسالة، أو في حال لم توصل موسكو لحكام دمشق وطهران عناوين واضحة للمرحلة المقبلة: زمن باراك أوباما في سياسة “دع روسيا تفعل ما تشاء لعلّها تغرق في المستنقع السوري”، قد ولّى بالفعل.

لقد ظهر، منذ تأجيل التصويت في مجلس الأمن الدولي، الذي كان مقرراً عند الثانية من فجر الجمعة بتوقيت القدس المحتلة، على مشروع القرار الأميركي البريطاني الفرنسي حول إدانة نظام الأسد بجريمة خان شيخون، أن الليل سيشهد ضربة عسكرية أميركية محدودة مع تسريب الإعلام الأميركي عشرات الأخبار العاجلة، كلها تذهب بهذا الاتجاه، مع الطلب عند الثانية والنصف فجراً، من مراسلي “البنتاغون”، عدم مغادرة الوزارة. حتى إن النظام السوري نفسه أُعطي الوقت الكافي لإجلاء طائراته من القاعدة المراد استهدافها، ذلك أن الضربة العسكرية ليست ذات أهداف عسكرية، بل سياسية. هي نوع من الضربات التي ينحصر الهدف منها بالقول إن أميركا جاهزة للحرب ولا تخشاها كحال أوباما في الأمس القريب.

لم يكن ترامب متحمساً لإسقاط النظام السوري، وهو ما لم يتغير اليوم، في ظل نظرته المسطحة للعالم، والتي تفيد بأن البديل لنظام الأسد اليوم هو “الإرهاب الداعشي”. رؤية مسطحة جاهلة لم تفهم بعد الرابط بين نظام الأسد ونموّ الحالات العدمية التي تتخذ من “داعش” وأشباهه عنواناً لها، ولم تدرك بعد أن أكبر ضحايا “داعش” هي الفصائل السورية التي تحارب الأسد من الشرق؛ فيضربها “داعش” من الغرب. صحيح أن ترامب ليس في وارد هذا الفهم ولا الربط اليوم، لكنه كان بحاجة ماسة لفعل عسكري ــ سياسي يوقف نزيفه الداخلي، ومغادرة أركان من إدارته سفينة الحكم باكراً جداً، بسبب روسيا تحديداً. كان الرجل بحاجة ليقول أنا الرئيس في السياسة الخارجية على الأقل، بعدما عجز لمرتين عن فرض قراراته في الداخل، من بوابة تنفيذ حظر دخول رعايا دول يعتبرها مصدراً محتملاً لإرهابيين.

ثرثرة بيانات وكالة “سانا” حول عدم تأثير الضربة الأميركية على نظرة دمشق لخيار الحسم العسكري، صارت ممجوجة إلى درجة أن المعركة الكلامية تولتها روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين مباشرة، ووكالات أنبائها، فظهرت منذ الفجر توصيفات “العدوان الأميركي” الذي استوجب تعليق العمل بالاتفاقية الأميركية ــ الروسية حول سلامة الطيران الجوي، مع تنديد لم يصل، حتى الآن، إلى مستوى التهديد، ما خلا الوعيد الروسي بأن الضربة الأميركية ستؤثر على مستقبل العلاقات الأميركية ــ الروسية التي تشكل ثقلاً يرغب ترامب ربما بالتخفيف من حمله.

أغلب الظن أن نظام الأسد دخل في طور انتحاري تعمّقه الأوامر الإيرانية خصوصاً. من هنا، لا يُتوقع أن يكون للضربة المحدودة على الشعيرات أثر سريع في إقناعه بالموافقة على تسليم السلطة لهيئة حكم انتقالية، بحسب الدعوة السريعة التي وصلت من وزير الخارجية التركية، مولود جاووش أوغلو، صبيحة الغارات، وهو ما يفتح، على الأرجح، احتمالات تصعيد أميركي إضافي ألزم ترامب نفسه به بمجرد أنه أمر بتنفيذ غارات حمص فجر السابع من إبريل/نيسان، لأن التراجع سيُعتبر نقيصة عند رئيس أميركي يقوم جزء كبير من مشروعيته على ذكوريّة “أنا رجل وأنفذ ما أتعهد به”.

الضربة الأميركية العسكرية الأولى منفصلة عن التصور الشامل الذي طلب ترامب من وزاراته وأجهزته تقديمه إليه حول سورية، فهي مجرد ضربة ــ إنذار ربما تليها خطوات لا تتوقف التسريبات الأميركية حولها، من نوع تحييد المطارات العسكرية للنظام، وصولاً إلى فرض حظر جوي فوق سورية، مروراً بإعادة منح الثقة للفصائل السورية المسلحة، التي لا يجمعها مع تنظيمي “داعش” و”النصرة” سوى العداء والحرب، انتهاءً ربما بإقامة مناطق آمنة من الإرهابَين الداعشي والأسدي معاً. قرارات مجلس الأمن الدولي صارت بلا قيمة بعد قصف الشعيرات، فصار لزاماً على روسيا أن تقتنع بضرورة الاختيار بين إيران وأميركا كحليف ــ شريك حول سورية، وتتخذ قرارات مصيرية بناءً على هذا الخيار.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

 

بفضل بشار الأسد/ الياس حرفوش

في أقل من أسبوع نجح بشار الأسد في تحويل دونالد ترامب من رئيس انعزالي لا يعير اهتماماً لما يجري في العالم إلا بالقدر الذي يفيد أميركا ومصالحها، ويدعو الى ترك مصير الرئيس السوري في يد السوريين، الى رئيس مستعد لاستخدام القوة لمواجهة الجريمة التي ارتكبها النظام السوري ضد أطفال خان شيخون ونسائها وشيوخها بقصفهم بالأسلحة الكيماوية.

نجح الأسد في تغيير الصورة التي كوّنها العالم عن ترامب. صار المشككون بقدرات الرئيس الأميركي مضطرين للدفاع عن قراره. بفضل الأسد صار ترامب نقيضاً لباراك أوباما. لا يطلق التهديدات الجوفاء. لا يقف متفرجاً أمام مشاهد الأطفال الذين يختنقون نتيجة تنشق السموم التي أنعم بها رئيسهم عليهم. لا يضع علاقته مع موسكو في موقع الأولوية التي تسبق مسؤولية الولايات المتحدة كدولة عظمى عن حماية الأمن العالمي. بفضل بشار الأسد استيقظ دونالد ترامب على حقيقة ما يجري في العالم من حوله، خارج الحدود الأميركية، وخصوصاً على حقيقة دور روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين في البلطجة الدولية التي يمارسها، والتي انتهت بالرئيس الروسي الى التحالف مع اسوأ الأنظمة في العالم ومع أسوأ السياسيين العنصريين والشعبويين.

في قراءته الحمقاء لمواقف دونالد ترمب، اعتبر بشار الأسد أن كلام الرئيس الأميركي وأركان إدارته عن أولوية الحرب على تنظيم «داعش»، وترك مصير الأسد للسوريين ليقرروه، بمثابة ضوء أخضر يسمح للنظام السوري أن يفعل بالسوريين ما يشاء. لا بد أن الأسد قرأ ايضاً أن ترامب اعترض أيام باراك أوباما على التدخل الأميركي في سورية، بحجة أن هذا التدخل لا يخدم المصلحة الأميركية. لا بد أنه اعتبر ايضاً أن التصريحات الايجابية التي اطلقها ترامب عن بوتين، حليف الرئيس السوري، تشكل غطاء كافياً يحمي الأسد ويوفر له المظلة الدولية التي تمدّ بعمر نظامه وتقطع الطريق على مطالب المعارضة بإزاحته عن السلطة. ولا شك في أن هذا الاستقواء هو الذي دفع بشار الجعفري، ممثل النظام في مفاوضات جنيف الأخيرة، الى شن هجماته على ممثلي المعارضة، معتبراً انهم إرهابيون، لا يستحقون الجلوس الى مقاعد التفاوض حول مستقبل سورية.

قد يسأل البعض، من المدافعين عن بشار الأسد ونظامه: لماذا يقدم الأسد على «خطأ» مثل الذي ارتكبه في خان شيخون، فيما هو يدرك أن الظرف الأميركي والدولي مواتٍ له الآن؟ ويتجاهل هؤلاء أن هذه الحماقة ليست الأولى التي يرتكبها رأس النظام السوري خلال السنوات الست الماضية. كما ينسون أن جريمة خان شيخون ليست أولى جرائمه الكيماوية في حق السوريين. واذا كان 80 شخصاً ماتوا في خان شيخون، فقد قتل الأسد 1300 في غوطة دمشق، التي حماه بوتين بعدها من «الخط الأحمر» الذي رسمه أوباما، ليتبيّن الآن أن إخراج الأسلحة الكيماوية من سورية كان التزاماً كاذباً لم ينفذه النظام، بدليل استخدامها مرة جديدة في خان شيخون.

منذ بداية التظاهرات في درعا كان في وسع بشار الأسد استيعابها بطريقة لا تصل الى تهديد النظام وتدمير سورية. وعلى امتداد هذه السنوات كان في وسع الأسد أن يواجه المعارضين بسلوك مختلف عن ارتكاب المجازر، ما دفع التيارات المعتدلة في المعارضة الى الاصطفاف مع المتطرفين، بعدما لم يترك لها النظام خياراً آخر. غير أن الأسد اختار أن يصنف الجميع في خانة الإرهابيين، معتقداً أن هذه الطريقة تحميه وتدفع العالم الى الوقوف الى جانبه.

من أسوأ أقدار السوريين أنهم باتوا مضطرين للرهان على حماية رئيس مزاجي مثل دونالد ترامب، لإنقاذهم من جرائم «رئيسهم». من أسوأ أقدارهم أيضاً أن قصف مطار الشعيرات يمكن أن يكون بداية مسلسل حربي لا يد لهم فيه ولا حيلة. إذ لا أحد يستطيع أن يحدد منذ الآن مصير العلاقات الأميركية الروسية بعد هذه الضربة، ولا المدى الذي يمكن أن يصل اليه التدخل الأميركي، وما اذا كان سيبقى في حدود قصف محدود يشكل درساً للنظام، أم يتدهور هذا التدخل الى مقدمة لحملة واسعة تعيد الى الأذهان سيناريو غزو العراق، بعد أن فتح العالم عيونه على جرائم صدام حسين، بعد قصف أكراد حلبجة بالسلاح الكيماوي.

الحياة

 

 

 

إدارة ترامب لا تملك استراتيجية واضحة في سوريا… والكونغرس لا يعلم ماذا تريد الولايات المتحدة هناك

هزيمة تنظيم «الدولة» أم اسقاط نظام الأسد؟

رائد صالحة

واشنطن ـ «القدس العربي»: غادر أعضاء مجلس الشيوخ اجتماعا مغلقا وهم على قناعة بان إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليست لديها خطة شاملة في سوريا، حيث اجتمع العديد من المشرعين مع الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة، إلا انهم قالوا ان الاجتماع ركز فقط على الغارة الجوية التي نفذتها القوات الأمريكية، الخميس الماضي، ولم يتطرق إلى سياسة الإدارة تجاه سوريا.

وقال مارك وارنرمن من لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ «من الواضح ان هناك الكثير من الاسئلة التي لم يكن الجنرال مستعدا للرد عليها». وأكد السناتور غورين كورنيين (جمهوري من تكساس) ان الإدارة يمكن ان تقدم جلسات احاطة إضافية ولكنها لم تضع استراتيجية أبعد، وقال ردا على سؤال حول ما يعلمه عن استراتيجية الإدارة «نحن لا نملك استراتيجية أكبر، والسبب في ذلك ان الإدارة نفسها تواجه صعوبة في التوصل إلى استراتيجية لان الأمور معقدة للغاية».

وأضاف كورنيين ان هناك «مناقشات» حول السلطة القانونية المستخدمة في سوريا، وما إذا كان الهدف الرئيسي للإدارة هو حكومة الرئيس بشار الأسد أو تنظيم «الدولة» وتابع: «نحن بحاجة إلى استراتيجية لمعرفة أهدافنا في سوريا، هل هدفنا هو فقط هزيمة «داعش» ام ان هدفنا هو تغيير النظام، وإذا كانت هناك سياسة لتغيير النظام، ماذا سيأتى بعد ذلك؟».

وقال السناتور كريس مورفي (ديمقراطي من كناتيكت) الذي أيد مشروع قانون يحظر استخدام القوات البرية الأمريكية في مهمات قتالية ان رئيس هيئة الأركان المشتركة لم يكن قادرا على الاجابة على أسئلة حول السلطة القانونية أو تناسب الضربات الجوية مع سياسة إدارة ترامب بشكل واسع، وأضاف «هناك أسئلة كبيرة حول شرعية الضربات، وكيفية فهمها ضمن سياسة أوسع في سوريا، ومن الواضح انه لا يمكن الرد على أي من هذه الاسئلة في الاحاطات».

وشنت الولايات المتحدة ضربات صاروخية استهدفت قاعدة جوية تابعة للنظام السوري بالقرب من مدينة حمص انتقاما من هجوم كيميائي قاتل، ووفقا لتصريحات نسبتها الصحف الأمريكية إلى مسؤولين أمريكيين وغربيين فان الضربة الأمريكية قتلت تسعة، وأوضح السناتور ميرفي ان الضربات كانت «بداية ونهاية» لعمل عسكري ردا على هذا الهجوم الكيميائي المحدد، في حين قال السناتور بوب كوركر (جمهوري من تينسي) انه لن تكون هناك مشاركة أوسع للقوات الأمريكية في هذا الوقت.

وأيد معظم المشرعين الضربات الصاروخية، وقالوا انها جاءت في سياق الرد على الهجوم الكيميائي ولكنهم طالبوا ترامب بالتشاور مع الكونغرس قبل اتخاذا اجراء اضافي في المستقبل، وأشار السناتور بات توميي بانه يتعين على ترامب تقديم خطة شاملة لمعرفة رؤية الإدارة وكيفية المضي قدما، في حين قال السناتور رون جيف فليك (جمهوري من اريزونا) الذي عرض مشروع قانون الحرب ضد «داعش» انهم لم يناقشوا تفاصيل السياسة خارج الغارة الجوية بما في ذلك الحاجة إلى مناطق آمنة محتملة في سوريا، وقال السناتور رون جونسون (جمهوري من ويسكانسون) ان إدارة ترامب تراقب ردة فعل نظام الأسد على الغارات الجوية قبل ان يرسم استراتيجية نهائية ولكنه أكد على ضرورة هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية» على المدى القصير وضرورة قيام الإدارة الأمريكية بوضع استراتيجية شاملة بالتشاور مع الكونغرس.

عقوبات ضد الأسد وبوتين

وتستعد الولايات المتحدة لفرض عقوبات اقتصادية جديدة ضد النظام السوري بهدف كبح استخدام الحكومة للأسلحة الكيميائية، إذ قال وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوشين، ان الإدارة الأمريكية تعتقد ان العقوبات أداة مهمة جدا، ولكنه لم يقدم تفاصيل محددة باستثناء التصريح بان العقوبات ستأتي «في المستقبل القريب». ويعتبر هذا الإعلان اشارة إلى ان إدارة ترامب ترغب في تصعيد جهودها ضد الرئيس السوري بشار الأسد ردا على هجوم الغاز.

وكشف مشرعون أمريكيون عن نيتهم توسيع مشروع قانون العقوبات ضد روسيا لكي يشمل بندا يتعلق بمساعدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لنظام الأسد في سوريا، إذ قال السناتور ليندسي غراهام بانه ينوي تعديل المشروع الخاص الذي قدمه لكي يتضمن بندا يعاقب بوتين إذا استخدم الأسد أسلحة دمار شامل. وقدم غراهام تشريعات، في وقت سابق من هذا العام تتطلب موافقة الكونغرس قبل ان يرفع ترامب العقوبات الروسية المرتبطة بانتخابات تشرين الثاني/نوفمبر أو أنشطتها في اوكرانيا، وقد دعم قادة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ هذه التشريعات الهادفة إلى فرض عقوبات جديدة على روسيا بسبب أنشطتها في اوكرانيا وسوريا.

ويعبر مشروع القانون عن شعور الكونغرس بان «المجتمع الدولي يجب ان يجري تحقيقا كاملا في مزاعم ارتكاب الاتحاد الروسي لجرائم حرب من خلال أعماله العسكرية في سوريا». أما روسيا فقد ردت على الغارة الجوية الأمريكية بالقول بانها عمل عدواني.

السرد الأمريكي لرواية المعاناة السورية يركز في الأسابيع الأخيرة على ان المجتمع الدولي على مدى ست سنوات، لم يعاقب الأسد على جرائمه حيث قامت قواته باستخدام الغازات السامة ضد شعبه مما أسفر عن مقتل العشرات من الأبرياء بمن فيهم الأطفال والنساء مما يدل على تجاهل تام لحرمة الحياة الإنسانية، وان الولايات المتحدة اضطرت أخيرا لاتخاذ اجراء بسبب عدم قيام المجتمع الدولي باتخاذ الخطوات اللازمة لوضع حد للمذبحة، وهذا السرد ينسجم مع تصريحات ترامب الأخيرة حينما دعا جميع الدول المتحضرة إلى الانضمام للولايات المتحدة في السعي لانهاء المذابح واراقة الدماء في سوريا، وهناك شبه اجماع في الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية على ان إدارة الرئيس السابق باراك اوباما قد ارتكبت خطأ استراتيجيا كبيرا عندما تراجعت عن معاقبة الأسد بشكل عسكري بعد تجاوزه (الخط الأحمر) لان ذلك أسفر بطريقة غير مباشرة عن مقتل أكثر من 400 ألف مدني في القتال الدائر.

والأحداث كانت مزعجة ومرعبة بطريقة من الصعب فهمها، وفقا لأقوال العديد من صناع السياسة وقادة الرأي في الولايات المتحدة، حيث قصف الجيش السوري المستشفيات والعيادات ومراكز الاغاثة، وتم اسقاط البراميل المتفجرة على الأحياء السكنية بهدف الحاق أقصى عدد من الضحايا، اما روسيا فقد استمرت في تمكين الاسد من خلال منع التحركات الدبلوماسية الهادفة إلى تحميله مسؤولية أفعاله حتى تتمكن موسكو من الاحتفاظ بمكان قدم ونفوذ في منطقة الشرق الأوسط.

وقدمت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هالي، استعراضا مسرحيا عبر تقديم صور الأطفال الذين قتلهم الأسد ولكن خطوتها لفتت الانتباه بشكل مذهل إلى خطورة وشناعة الحرب في سوريا مما سمح لها بتقديم رؤية ملخصها بان الدول قد تلجا أحيانا إلى العمل بدون انتظار الأمم المتحدة في رسالة واضحة بان المحفل الدولي لم يكن فعالا بما فيه الكفاية عند الحاجة.

ما الذي يمكن ان تقوم به الولايات المتحدة في سوريا؟ يجيب المحلل ارمسترونغ ولييام ان الولايات المتحدة يجب ان تمضي قدما في الشأن السوري ولكن بتوازن دقيق للغاية حيث يجب على واشنطن تجنب التورط في صراع عسكري طويل الأمد في سوريا لأنه سيجلب أمريكا إلى مواجهة مباشرة مع روسيا وإيران. ومن ناحية أخرى، أشار ترامب إلى صعوبة العثور على حل من خلال مجلس الأمن بسبب الدعم الدبلوماسي الروسي للأسد ولكن أمريكا لن تسمح بان تفشل الهيئة الدولية في الاستجابة للفظائع الأخلاقية. ويرى ولييام ان الوقت حان لوضع حد لهذا الرعب مشيرا إلى ضرورة قيام الولايات المتحدة باتخاذ موقف قيادي بجرأة والسعي إلى حلف جديد لوقف الدمار واراقة الدماء والقتل.

 

 

 

 

ما بعد توماهوك: الإعلام مشتّت بين ترامب والأسد/ دجى داود

لن تتوقّف آثار صواريخ توماهوك بين ليلةٍ وضحاها. فالضربة الأميركية على قاعدة الشعيرات في محافظة حمص وسط سورية، ليل الخميس – الجمعة، فاجأت الإعلام، حول العالم، وأعادت خلط الأوراق حول مواقف الصحافة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فأعربت صحف عالميّة عن رضاها من “الرسالة” التي وجّهها الأخير لرئيس النظام السوري بشار الأسد، بأنه “لا يمكن أن يفلت من العقاب”، بينما بدا الإعلام الروسي والأميركي المحافظ غاضباً من القرار، ومحذّراً من تداعياته.

موقف “واشنطن بوست” كان بارزاً بعد الضربة، وهي المناهضة لترامب في سياساته. ورأت الصحيفة في افتتاحيّتها يوم الجمعة، أنّ قرار الضربة العسكرية في سورية صحيح أخلاقياً، وقد يفتح المجال على مجموعة من الفوائد، فنظام بشار الأسد قد يرتدع عن استخدام الغاز السام ضد المدنيين، وهي جريمة حرب شنيعة، إن تم السكوت عنها، قد تجعل العالم وليس فقط سورية، أكثر وحشيّة.

وأضافت “يجب أن يكون لروسيا وإيران سبب آخر لإعادة تفكيرهما حول دعم الديكتاتور المغرق بالدم في دمشق، أو الموافقة على صفقة تتخلّص منه. أنظمة مارقة أخرى وممولوها يجب أن يعيدوا حساباتهم حول كيف سيكون ردّ فعل الولايات المتحدة لاستفزازهم”. واعتبرت أنّ الأهم في ذلك كلّه، أنّ “حلفاء الولايات المتحدة سيكون لديهم الآن سبب للأمل في أنّ ترامب قد يملأ فراغ القيادة العالميّة، في الشرق الأوسط وما بعده، والذي تركه قرار الرئيس باراك أوباما بعدم تطبيق خطوطه الحمر حول استخدام سورية للأسلحة الكيميائية”.

من جهتها، كانت “نيويورك تايمز” متردّدة في دعم ترامب. فبينما أكّدت “الشعور بالرضا” نتيجة قرار الضربة، طرحت العديد من الأسئلة التي تثير الاضطراب حول “ما بعد”. وقالت الصحيفة في افتتاحيّتها يوم الجمعة “احتاج بشار الأسد أن يفهم أنّه في النهاية هناك ثمن لوحشيته، في هذه الحالة استخدام الأسلحة الكيميائية مع السارين”.

وأضافت “لكنّه صعب أن لا نطرح أسئلة تثير الاضطراب حول قرار ترامب، من بينها “ما هو القانوني؟ ما هو القرار المتهور والمعزول والذي لا يدخل ضمن استراتيجيّة حل للمعضلة السورية، البلد المهشم ليس فقط بالحرب الأهليّة بل أيضاً بالحرب ضد داعش؟”، معتبرةً أنّه حتى الآن ليس هناك أي دليل على أنّ ترامب فكّر في الآثار المترتّبة على الخيار العسكري أو عرِف ماذا سيفعل بعده.

أسئلة “نيويورك تايمز” كانت مدار جدلٍ بين مؤيدي ترامب أيضاً. فانتقد إعلاميّون أميركيّون معروفون بتأييدهم لترامب، قراره بالضربات على قاعدة الشعيرات، معتبرين أنّه تحوّل عن سياسة “أميركا أولاً” التي بنى حملته الانتخابيّة عليها.

وكتبت المعلّقة المحافظة آن كولتر على “تويتر” إنّ “هؤلاء الذين أرادوا أن نتدخل في الشرق الأوسط انتخبوا مرشحين آخرين”. وأضافت في تغريدة أخرى “ترامب بنى حملته الانتخابيّة على عدم التدخل في الشرق الأوسط قائلاً إن تلك السياسة تساعد أعداءنا وتخلق المزيد من اللاجئين… ثم رأى صورةً على التلفزيون”، قاصدةً صور ضحايا مجزرة خان شيخون التي قصفها النظام السوري بالكيماوي الثلاثاء الماضي.

أما المذيعة المحافظة لورا إنغراهام، وهي من أبرز الداعمين لترامب أيضاً، فحذرته من “بدء المحافظين الجدد وإعلام الإستابليشمنت بالإشادة به”.

من جهته، علّق الكاتب لموقع InfoWars المتخصّص بنظريات المؤامرة وتأييد ترامب، بول جوزيف واتسون قائلاً “ترامب لم يكن دمية بوتين فإذاً. لقد كان دميةً للدولة العميقة والمحافظين الجدد فقط”، مضيفاً “رسمياً أنا خارج قطار ترامب”.

العلاقة بين روسيا والولايات المتحدة تلك، حلّت سؤالاً على أغلب الصحف العالميّة، تحديداً بسبب إشادة ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من مرة، وقرار إدارته بتبديل الأولويات في سورية لجهة إزاحة الأسد. لكنّ الصحف الروسيّة كانت الأكثر تشديداً على ذلك الجانب، معتبرةً في تعليقاتها، أمس السبت، أنّ القرار العسكري الأميركي ينسف العلاقات الروسية الأميركية ويرفع التحديات للأمن العالمي.

ووجّه الإعلام الروسي انتقادات لإدارة ترامب، مردداً كلمة “العدوان” التي استخدمها الكرملين بعد ساعات على وقوع الضربات. وركّز على إبراز التداعيات السلبية للضربة مثل بدء تقدم مسلحي “داعش” ونسف العلاقات الروسية الأميركية، والنفقات المالية التي تكبدتها واشنطن لشن العملية، والتذكير بأنها أجريت دون التنسيق مع الكونغرس.

وعنونت صحيفة “كومسوموإسكايا برافدا”: “ترامب نبش توماهوك الحرب”، معتبرةً في أحد مقالاتها أنّ الهدف من الضربات الأميركيّة هو إبعاد روسيا من سورية كلياً، وجَعْلِنا نبدو كالحمقى”. أما صحيفة “موسكوفي كومسوموليتس”، فعنونت أيضاً “دونالد نبش توماهوك الحرب”، معتبرةً أنّ “المدعو حليف روسيا ترامب نبش فأس الحرب ورماه مباشرةً على حليف روسيا”، مضيفةً أنّ “القول إنّ قرار ترامب نسف العلاقات الروسية الأميركية قد يكون مبالغةً، لكنّ مستوى التهديد للعلاقات ارتفع بشكلٍ كبير”.

أما صحيفة “فزغلياد” فقالت الجمعة إن ترامب خسر معركته مع “الإستابليشمنت” وعجز عن انتهاج سياسة مستقلة. وفي مقال بعنوان “ترامب لم يعد يحكم أميركا”، ذكرت الصحيفة أن “الضربات الأميركية على القاعدة السورية وضعت نقطة نهائية في محاولات ترامب انتهاج سياسة مستقلة”، مضيفة أنه “بعد أقل من ثلاثة أشهر على تنصيبه، انتصر “الإستابليشمنت” في واشنطن على الرئيس الأميركي الـ45 الذي دعا سابقا إلى التعاون مع روسيا في مجال مكافحة الإرهاب”.

الجدل هذا لم يقتصر على روسيا وأميركا، بل امتدّ إلى الصحف والقنوات العالميّة الأخرى. وقالت صحيفة “ذا غارديان” البريطانيّة في افتتاحيتها يوم الجمعة إنّ الضربة الأميركيّة جاءت بعد أيام من مجزرة الكيماوي في خان شيخون، لكنّها أتت أيضاً بعد سنوات من تكدّس الأدلة حول التعذيب والوحشية واستهداف المدنيين والمؤسسات الطبيّة والاستخدام المستمرّ للكلورين من قبل النظام السوري.

وتحت عنوان “عالمٌ تحدده دوافع ترامب”، قالت الصحيفة إنّ “المسؤولين على الجانبين، الذين يدعون لاستخدام القوة لإزاحة بشار الأسد، والذين يخطّئون التدخل العسكري، يسألون ما الذي تغيّر. فعدم اليقين مشحونٌ بحقيقة أنّ الهجوم طلبه دونالد ترامب، النرجسي المتقلّب الذي لا يملك نظرةً متماسكة حول العالم، أو بوصلةً أخلاقيّة، وهو الذي طالب أوباما مراراً بعدم التدخل بعدما استخدم الأسد غاز السارين في الغوطة عام 2013”.

وخلصت الصحيفة إلى أنّ هذا القرار، وحده، لن يوقف الجرائم الممنهجة ضد الإنسانيّة. قد يردع النظام عن استخدام غاز السارين مجدداً أو الانغماس المعلن في الفوضى. قد يوقف آخرين عن استخدام مثل هذه الأسلحة… كلّ تلك أهداف مهمّة، لكنّها مجتزأة وغير مكتملة. فتناقض ترامب ولاأخلاقيّته يتجليان في محاولته منع اللاجئين السوريين”، مضيفةً أنّنا “لسنا قريبين من حلّ لتراجيديا سورية ولا لإعادة تأكيد رؤية الولايات المتحدة للنظام القائم على القواعد، مهما كان معيباً… فالعالم القائم على ردود فعل ترامب لا يمكن أن يكون آمناً لأحد”.

موقف “ذا تايمز” البريطانيّة كان مبنياً على مدح الرئيس الأميركي، فقالت إنّ ترامب قام بتحرك ذكي في الشرق الأوسط. وفي افتتاحيّتها، أمس السبت بعنوان “توماهوك في الفجر” قالت الصحيفة إنه من الواضح أن الضربة العسكرية على قاعدة سورية كانت تهدف لمعاقبة الأسد بعد استخدامه غاز السارين ضد المدنيين ولردعه عن شن المزيد من الهجمات الكيماوية.

وفي افتتاحيّتها، أمس السبت، قالت “دايلي تيليغراف” البريطانيّة إن صورايخ توماهوك الأميركية أطلقت القوة الكاملة لقوة عظيمة ضد دولة مارقة.

وتحت عنوان “العالم في حاجة لزعامة صارمة”، قالت الصحيفة إنّ الضربة الجوية كانت استخداماً مناسباً للقوة دفاعاً عن مبدأ إنساني، معتبرةً أنها لم تكن إجراءً حربياً، بل استعراضاً للقوة.

في فرنسا، قسمت “ليبراسيون” تحليلها بين أهمية معاقبة بشار الأسد وبين الوضع الإنساني للسوريين وراحة سورية. ونشرت افتتاحيّة يوم الجمعة عن الضربة الأميركية بعنوان “ترامب أو الجانب الجيد لعدم القدرة على التنبؤ”، اعتبرت فيها الكاتبة ألكسندرا شواتزبرود أنّ الإظهار لبشار الأسد أنه لم يعُد آمناً تحت المظلّة الروسية هو خيار جيّد، لكنّ الراحة لن تأتي لسورية إلا عندما تصمت المدافع.

وقالت شواتزبرود إنّ الضربات العسكرية كان لها جانب تحرّري، أو شعور بالراحة بعد كلّ تلك السنين من السماح، فبشار الأسد اعتقد أنه آمن تحت المظلّة الروسيّة، وهذا اعتقاد خاطئ، نسفه له دونالد ترامب. هناك جانب جيد لعدم القدرة على التنبّؤ، لكن لا يسعنا إلا الشعور بالخوف عندما نفكّر في نتائج التدخلات العسكريّة الأميركيّة في المنطقة.

وأضافت “سنكون مرتاحين حقاً عندما تسكت أصوات المدافع في سورية. فزيادة قصفٍ للقصف، ودمار للدمار، ووفيّات للأموات لا يمكن أن يكون استراتيجيّة. “خَلَصْ”، كما يقولون باللغة العربيّة”.

ورأت الصحيفة أنّه كان من الجيّد القول لبشار الأسد إنه لا يمكن أن يفلت من العقاب، ولكن لا يمكن الذهاب للحرب والسماح باحتماليّة افتعال حريق عالمي، بل يجب الاستفادة من توازن القوى الجديد لإعداد لقاءٍ بين جميع الفئات المعنيّة والاتفاق على استراتيجيّة حلّ مقبولة من قبل الجميع… للجميع ما عدا بشار الأسد الذي أكّد هذا الأسبوع أنه من المستحيل أن يكون جزءاً من المعادلة المستقبليّة”.

العربي الجديد

 

 

 

عصافير “توماهوك”/ حسام كنفاني

ما بعد الضربة الأميركية في سورية لن يكون كما قبلها. المقولة لا تتوقف عند ما يحدث على الساحة السورية بشكل أساسي، على الرغم من أن العملية العسكرية جاءت رداً مباشراً على مجزرة خان شيخون التي نفذت بالأسلحة الكيماوية، بل إن لها أبعاداً تتخطّى هذه الحدود إلى الفضاء العالمي، ولا سيما في ظل الفراغ الذي خلفه انسحاب الإدارة الأميركية السابقة من الملفات الدولية، أو عدم التصرّف بفاعلية فيها. اليوم، يبدو أن هذا الفراغ في طريقه إلى الامتلاء مجدّداً، بعدما حقق الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، قاصداً كان أم لم يقصد، مجموعة من الأهداف، وأرسل كمية من الرسائل عبر زخّة “توماهوك”، والتي يمكن القول إنها أسقطت كمية من العصافير في ضربة واحدة.

بعيداً وقريباً من الساحة السورية، العصفور الأول، وربما الأساسي، هو الإشارة إلى أن “الشرطي” الأميركي عاد إلى أرض الملعب، ولا بد من الآن وصاعداً أن يحسب له حساب في أي تحركات تجري مستقبلآً على الساحة الدولية، التي لعبت بها روسيا منفردة خلال السنوات القليلة الماضية، بعدما اختارت الإدارة الأميركية الابتعاد عن المواجهة القاسية في علاقتها مع موسكو، وركنت إلى عصا العقوبات والدبلوماسية الناعمة التي لم تؤت أكلها، بل ساهمت في زيادة النفوذ الروسي وتمدّده، وصولاً إلى الساحة الأوروبية.

الأمر اليوم من الواضح أنه يسير في خط آخر، بعدما اختار ترامب تحدّي “الفيتوهات” الروسية في مجلس الأمن، والتحرّك منفرداً على الأرض السورية، في تأكيد أن حقبة أوباما انتهت إلى غير رجعة، وأن لدى سيد البيت الأبيض الجديد رؤية مختلفة جداً لإدارة ملفات المنطقة. ولا يتوقف الأمر بالضرورة عند سورية، فحجر “توماهوك” موجه أيضاً إلى إيران وكوريا الشمالية، إضافة إلى سائر الدول والمنظمات التي تصنفها الولايات المتحدة “مارقة” أو “إرهابية”.

ومن الواضح أن الرسالة هذه وصلت إلى الأطراف “المعادية” والحليفة أيضاً، فالضربة كشفت عن عجز روسي عن الرد، وهو ما كان يقيد أوباما في السنوات الماضية، مخافة الدخول في حربٍ عالميةٍ مفتوحةٍ لا تقتصر على سورية. إذ تمترست موسكو خلف الإدانات في المرحلة الأولى، وبات واضحاً أنها تخشى الدخول هي أيضاً في المواجهة، وتفضل انتظار ما ينوي سيد البيت الأبيض القيام به، وما هي الخطوة اللاحقة التي قد يقدم عليها. الأمر نفسه، وإن بدرجة أقل بالنسبة إلى إيران، ولا سيما أن روسيا تبدو المستهدف الأول.

على المقلب الآخر، أعطت الضربة الأميركية جرعاتٍ معنويةً عاليةً لـ “الحلفاء”، وهو ما توضح من التصريحات المتلاحقة للمسؤولين في تركيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، حتى إن وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، سار في خط تصعيدي بإلغاء زيارته إلى موسكو، في خطوةٍ قد تتبعها خطوات باتجاه تعزيز القطيعة والمواجهة مع موسكو.

إضافة إلى هذه الأهداف، أو العصافير التي اصطادها ترامب بزخة “توماهوك”، هناك أهداف داخلية أيضاً، ولا سيما في ما يخص التهم التي يواجهها فريق حملته الانتخابية، ووضعته في خانة التحالف والتنسيق المباشر مع روسيا، وهو ما أدى إلى استقالة عدد من أفراد فريق إدارته. الضربة والمواجهة القائمة حالياً، تصب في سياق نفي هذه التهمة، وتبرئة ساحته من كونه “دمية بوتين”، كما كان يحلو للإعلام في الولايات المتحدة وصفه. ويمكن القول إن الهدف تم تحقيقه، بعدما بات حديث الصحافة الأميركية هو مواجهة ترامب وبوتين.

من الواضح أن صواريخ “توماهوك” لم تصب مطار الشعيرات فقط، بل كانت لها أهداف بعيدة المدى، تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية، عنوانها “العودة الأميركية”.

العربي الجديد

 

 

 

 

تغيير “قواعد اللعبة”/ محمد أبو رمان

ثمّة مساحةٌ ما تزال غامضةً في السياسة الأميركية تجاه سورية بين تصريحاتٍ متعدّدة، للرئيس الأميركي دونالد ترامب ومسؤولين في إدارته، تعلن التخلي عن فكرة إسقاط الأسد كلياً ليس فقط عملياً، كما كان حاصلاً، بل حتى رسمياً وعلنياً، والقيام بقصف صاروخي لقاعدة جوية سورية فجر السبت الماضي، بل وتقديم تصريحات مناقضة للتصريحات السابقة، بعدم وجود دور للأسد في مستقبل سورية.

على الرغم من أنّ الضربة محدودة، وليست مؤثرةً بما يصل إلى محاولة إسقاط الأسد أو الضغط العسكري عليه، إلاّ أنّها حملت رسالةً أهم من حجم الضربة نفسها، تتمثل بتغيير قواعد الصراع في سورية، ليس على صعيد مصير الأسد الذي ما يزال الأكثر غموضاً في السياسات الأميركية، بل فيما يتعلق بالدور الأميركي في الصراع السوري، ففحوى الرسالة للسوريين والروس والإيرانيين هي: نحن هنا، ولا يجوز تجاوز الولايات المتحدة بعد اليوم في الشأن السوري.

إذا تجاوزنا السؤال المربك عن إسقاط النظام السوري أو إبقائه، فإن هنالك تحولين كبيرين رئيسين حدثا في السياسات الأميركية تجاه سورية، كما تشي بذلك المؤشرات الأولية على سياسة الرئيس ترامب.

يتمثل التحول الأول في عدم تسليم سورية للروس والإيرانيين، وحتى للأتراك أو أي طرفٍ آخر، والخروج من المعمعة، بدعوى عدم التورّط في حالة فوضى طائفية وعرقية، والرغبة بعدم الغرق في مستنقع المنطقة التي تتفكّك، كما كانت عليه حال مقاربة الرئيس السابق باراك أوباما، فإدارة ترامب، على النقيض من ذلك، تريد أن تمتلك نفوذاً كبيراً في سورية، والتأثير في حاضرها ومستقبلها، وهنالك تسريبات، على درجة من الواقعية، بالتفكير بإنشاء قواعد عسكرية متعدّدة، وتأهيل مطارات عسكرية، وتعزيز تحالفاتها وعملياتها العسكرية، سواء مع الأكراد أو مع دول عربية مجاورة، مثل الأردن، ومع حلفائها الغربيين، بخاصة البريطانيين والفرنسيين، وتعزيز وجودها العسكري بإرسال مزيد من الجنود والمدربين الأميركيين، والتصدّي لقيادة معركة الرقة مباشرة، ومحاربة تنظيم داعش.

ويتمثل التحول الثاني، في المقاربة الأميركية، في إعادة تعريف الأهداف الاستراتيجية في سورية، إذ كانت سابقاً مقتصرةً على هزيمة “داعش”، أمّا الآن فأصبحت مزدوجة، بإضافة تحجيم النفوذ الإيراني في سورية، وقطع الطريق على بناء مجال استراتيجي جديد لطهران، يمتد إلى البحر المتوسط، عبوراً إلى العراق والأراضي السورية.

يبدو الهدف الأول أقل تعقيداً سياسياً وعسكرياً، ومن الواضح أنّ الرئيس ترامب أكثر تصميماً من أوباما على إنهاء دويلة “داعش” في العراق وسورية، وقد حدّد إطاراً زمنياً، وزاد بصورة ملحوظة من الجرعات العسكرية، ليضمن القضاء على التنظيم في المدن هذا العام.

أما الهدف الثاني، تحجيم إيران، فهو أكثر تعقيداً وصعوبةً في التحقيق والإنجاز، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ستسعى إلى السيطرة على مناطق في سورية عبر شبكة تحالفاتها، والدخول بقوة على مسار تقرير مستقبل سورية، إلاّ أنّها ستكون حذرةً في التعامل مع طهران، وعدم الدخول معها في صدام عسكري مباشر، لما تمتلكه الأخيرة من نفوذ عسكري ومليشيات في العراق وسورية، وقدرة على تهديد المصالح الأميركية والوجود العسكري لواشنطن في الدولتين، من ناحية، ولوجود المحور الإيراني- الروسي من ناحية ثانية.

ستسعى السياسات الأميركية إلى كسر ما يسمى “الهلال الشيعي”، عبر قطع الطريق عليه في سورية، وتعزيز قوة الأكراد حليفاً موثوقاً، بخلاف الأتراك وحكومة بغداد. وفي الأثناء، ستحاول فك الشراكة بين إيران وروسيا، ما يتطلب تقديم جائزةٍ مغريةٍ بديلةٍ للروس عن التمسك بكل من الأسد وطهران. كيف؛ هل ستكون في القرم، كما لمّح الملك عبدالله الثاني في مقابلته مع صحيفة واشنطن بوست، أخيرا؟ ليس واضحاً بعد.

على الأغلب، الخطط السياسية والتكتيكات والتفاصيل غير مكتملة بعد، لكن ما هو أهم أنّ الأهداف أعيدت هيكلتها، وقواعد اللعبة تغيرت، أيها السادة.

العربي الجديد

 

 

 

 

“حوار” في سماء سورية/ بسام مقداد

قبل ساعات من الضربة الأميركية لسوريا ،  وحين كان الصمت مطبقاً في موسكو ، وساحة الإعلام متروكة للأميركيين ، أطلق الكرملين ، في وقت متأخر من المساء ، تصريحاً ملفتاً ، في محاولة واضحة للإلتفاف على الإستعدادات الأميركية للضربة على سوريا . فقد قال الناطق باسم الكرملين ، أن موسكو لا تمنح الأسد تأييداً مطلقاً ، و”ليس صحيحاً القول ، أن موسكو بوسعها إقناع الأسد بكل ما يريدونه في موسكو ، فهذا ليس “صحيحا بالمطلق ، لأن الدعم غير المشروط مستحيل في العالم المعاصر” .

وفي السياق عينه ، كان المستشرق ألكسي مالاشنكو ، عضو مجلس الخبراء في وكالة نوفوستي الرسمية ، قد قال ل”المدن” ، في اتصال معه قبل ساعات أيضاً من الضربة الأميركية ، بأن روسيا تبحث منذ زمن عن بديل للإسد ، وأنه قد جرى التداول بإسمين أو ثلاثة ، “لا أذكرهم ، لكن الأسماء لم تكن جدية” . وقال الرجل ، انه يجد صعوبة في إتهام الأسد بالهجوم الكيميائي في إدلب،”لأنه ليس غبياً لكي يصدر أمراً كهذا ، خاصة بعد تصريحات الأميركيين ، بأنهم لا يحاربون ضده” . وحين قالت “المدن” للمستشرق ، بأنه إذا لم يكن الأسد غبياً ، فإن هناك إذاً من زين للأسد سيناريو الهجوم الكيميائي من أجل تغيير التوجه الأميركي المعلن ، قال مالاشنكو ” إذا هناك في محيط الأسد من يعمل ليس للأسد فقط ، بل لجهة أخرى أيضاً” .

ويُذكر في هذا الصدد ، ان الناطقة باسم الخارجية الروسية قد أعلنت في وقت سابق ، أن الفيديوهات الآتية من سوريا “قد جرى تمثيلها ، لأن المسعفين يتصرفون بهدؤ مفرط ، وليسوا محترفين”. كما أن رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الدوما ليونيد سلوتسكي ، قد أكد في تصريح  لصحيفة روسية الجمعة في السابع من الجاري ، قال فيه، بأن ” الهجوم الكيميائي في إدلب قد يكون استفزازاً مفبركاً من أجل إعادة الولايات المتحدة إلى التمسك بإسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد”.

وفي إطار مناورة موسكو الإلتفافية هذه تأتي المقالة ، التي نشرتها صحيفة الكرملين الخميس المنصرم في 6 نيسان/أبريل، تحت عنوان “علاقات ترامب- بوتين تعرضت لهجوم كيمائي ” . فقد كتبت الصحيفة تقول ، بأن “مصلحة الكرملين بسيطة ، وهي مساعدة ترامب أن يبقى ترامب “، بينما مصلحة أعدائه مناقضة تماماً ، وتتمثل في “عدم السماح لترامب بأن يصبح رئيساً كاملاً للولايات المتحدة الأميركية  لا في السياسة الداخلية ولا في السياسة الخارجية على وجه الخصوص” . وتقول الصحيفة ، بما أن ترامب معادٍ لتدخل الولايات المتحدة العسكري في شؤون الغير ، فإنه ينبغي ، بشتى السبل، “تعقيد علاقته مع بوتين ، الذي ينادي في حقل الشؤون الدولية بمقولة عدم التدخل ” . فإذا ما تمكن بوتين وترامب من إيجاد لغة مشتركة ، فإن هذا يهدد كل نمط الزعامة الأميركية ، كما ترسمه النخبة الأطلسية .

وتتساءل الصحيفة ما إن كانوا سينجحون في جعل أميركا وروسيا تتصادمان في سوريا ، وتجيب هي نفسها بالنفي ، لأن ما لم ينجح في العام 2013 لن ينجح الآن . وذلك لأن البلدين يحاربان الآن في سوريا ، خلافاً لما كان عليه الأمر من قبل ، ولأن الرئيس الأميركي يميل ، أكثر من أوباما حتى ، إلى الإستخدام المحدود للقوة العسكرية، والذي ، من الواضح ، أنه لا يريد بدء عهده بعملية عسكرية منفردة وأكثر من خطرة .

كما ترى الصحيفة ، أن “الإستفزاز” في إدلب لن يتمكن من ضرب الحوار الأميركي ــــ الروسي، الذي “يحتاج إليه بشدة دونالد ترامب”. وليس لأنه “عميل” أو “معجب” ببوتين ، حسب الصحيفة ، بل لأنه يدرك بانه، إذا ما خضع للإستفزازات وسمح لنفسه بالإنخراط في المجابهة مع روسيا ، فلن يتمكن من تنفيذ شيئ من مخططاته الكبيرة . وفي سياق “حرصها الشديد” على تنفيذ وعوده الإنتخابية  ، تنصحه الصحيفة ، بأنه من أجل أن يجعل أميركا “عظمى” ، عليه أن يحرم النخبة القومية الأطلسية من الحق في رسم سياستها (أميركا) ونهجها ومصيرها ، “وهذا ما  يدركه ترامب جيداً” ، برأي صحيفة الكرملين .

لكن ، خلافاً لاوهام الكرملين هذه وآماله في حوار روسي ـــ أميركي سهل في ظل دونالد ترامب ، جاءت الغارة الأميركية لترسم سقفاً جديداً لهذا الحوار الذي سوف يستأنف بالتأكيد . لكن الإدارة الأميركية ، التي تُعلن عن استعدادها لتكرار الضربات على سوريا ، حين ترى ذلك ضرورياً ،  وتستعد لإقرار قانون بتشكيل “محكمة جنائية هجينة” أميركية، يشارك فيها محامون وقضاة وإختصاصيون أميركيون وسوريون  ودوليون لمحاكمة المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في سوريا ، لن تعود إلى مماحكات المفاوضات ، التي كانت تجري في عهد أوباما. والحوار، الذي يمكن أن تعود إليه أميركا، قد أعلنت ، عبر غارة السابع من الجاري ، إطاره وشروطه ، التي نسفت أوهام روسيا حول تفردها في الحل والربط في سوريا ، وهو لن يكون ، كما يبدو حتى اللحظة لا في جنيف ولا في أي مكان آخر،  بل سيكون في السماء السورية وعلى أرضها، عبر مواصلة قتل شعبها وتدمير عمارها ،  في خضم الصراع بين اللاعبين الإقليميين والدوليين على الزعامة في المنطقة والعالم .

المدن

 

 

 

 

الضربة تُقلق بوتين/ عصام الجردي

منذ قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين احتلال شبه جزيرة القرم في 2014، بدأ بوتين يربح في السياسة ويخسر في الاقتصاد. بعد تدخله العسكري المباشر في الحرب السورية في 2015 لدعم النظام التوتاليتاري في دمشق، وبدء الطيران الحربي الروسي غاراته الوحشية ضد معارضي النظام والمدنيين تكرس هذا الواقع. الاقتصاد الروسي يعاني تراجعاً في النمو سنوات ثلاثاً على التوالي. بعدما تجاوز الناتج المحلي في 2013 مستوى تريليوني دولار أميركي إلى 2231.8 مليون، تراجع في نهاية 2015 نحو تريليون إلى 1331.2 مليون دولار أميركي. ويعتقد أنه تراجع إلى ما دون ذلك في نهاية 2016 بتراجع النمو.

الضربة العسكرية الأخيرة التي قامت بها البحرية الأميركية ضد قاعدة الجوية السورية بأمر مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعني بحسابات زعيم الكرملين محاولة أولى لضرب صورته رئيساً شعبوياً. ومن وجهيها السياسة والاقتصاد معاً. إضافة إلى ما تمثله معطىً جديداً في الحرب السورية التي بدا فيها بوتين عاملاً مقرراً شبه وحيد. ولا يختلف الأمر سواءٌ جاء قرار ترامب تغييراً جوهرياً في الموقف الاميركي تجاه الحرب في سوريا لإطلاق مفاوضات جدية على أساس قرارات جنيف 1 والمرحلة الانتقالية تكون الإدارة الأميركية جزءاً منها إلى جانب الكرملين، أم لناحية هزّ العصا لتعديل قواعد اللعبة العسكرية، والحدّ من استخدام النظام السوري القوة المفرطة ضد المدنيين بالسلاح الكيميائي أو بالبراميل المتفجرة. ولو أن الاحتمال الأول يبقى مرجحاً. رد فعل بوتين الأولي على الضربة الأميركية بإعلانه وقف التنسيق مع القوات الجوية الاميركية في سوريا، على خطورته عملياً، لا يتعدى محاولة لترميم هيبته التي اهتزت.

استثمر بوتين في المشاعر الوطنية العميقة لدى الروس باستعادة شبه جزيرة القرم لمنع أوكرانيا من الالتحاق بحلف الناتو. قبِل الروس نتائج العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية التي فُرضت عليهم وتمّ تجديدها أواخر العام الماضي. التبعات على الاقتصاد والمؤشرات الاجتماعية لم تكن كافية ليفقد بوتين شعبيته في استطلاعات الرأي. اعتمد برامج تكيف استثنائية مع الصين وتركيا وبعض الدول الآسيوية، للحد من تراجع تجارة السلع والخدمات من خلال آلية سداد بالعملات المحلية بدلاً من الدولار الأميركي واليورو. بيد أن العقوبات المضادة التي فرضها بوتين وتناولت منع تصدير مواد غذائية وفاكهة وخضر روسية إلى دول الاتحاد الأوروبي، أسهمت في خفض الصادرات الروسية من خارج منظومة النفط والغاز. تراجع الروبل الروسي بنحو 50% على العملات الرئيسية منذ 2014، الذي كان يفترض معه إكساب الصادرات الروسية تنافسية في الأسواق الخارجية لم يظهر له أثر ملموس مع العقوبات المضادة. في الوقت الذي استمر الباب موصداً في وجه واردات روسيا من التكنولوجيا عالية المستوى  الأوروبية والأميركية.

فاتورة الحرب السورية على روسيا بقيت غير واضحة. مجموعة “آي آيتش أس جاينز” المتخصصة قدرت في تقرير صدر  في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2015، تكلفة النشاط العسكري الروسي في سوريا بنحو المليار دولار أميركي سنوياً. خلا خسائر الطائرات الحربية المحتملة. تغير الواقع بعد عامين كثيراً. وارتفعت التكلفة زمنياً ونوعياً نتيجة الزجّ بأجيال جديدة من الصواريخ المتطورة والطائرات والفرقاطات البحرية. إضافة إلى عديد القوات المسلحة. بعد الضربة الأميركية لقاعدة الشعيرات، والتطورات التي لا بدّ أن تترتب عليها تجاه مستقبل الحرب في سوريا، ستزداد قيمة الفاتورة المالية للقوات الروسية هناك بلا جدال. ولا يستبعد أن يكون بوتين قد بدأ في تعزيز قدرات الجيش الروسي في سوريا كماً ونوعاً بعد الضربة الاميركية للتو. ومستمرٌ في ذلك. ما سيرهق الخزانة الروسية بمزيد من العجز.

هذا يعني أن الارتفاع الذي طرأ على أسعار النفط منذ وضع اتفاق أوبك لخفض المعروض بدءاً من 2017 موض التنفيذ، سيكون بلا أثر يذكر على المركز المالي للدولة. وتمثل صادرات النفط والغاز لروسيا نحو 59% من إيرادات الموازنة. إتفاق خفض المعروض النفطي أسهمت به روسيا بجدية من خارج دول أوبك. وكانت قادرة على تجويفه لو لم تلتزمه. وزير المال الروسي أنطوان سيلينوف وضع 80 دولاراً أميركياً سعراً للبرميل كي تتوازن الموازنة الروسية. ولا يعتقد أن السوق ستبلغه في الأمد المنظور. لو قُدر للحرب في سوريا الاستمرار بلا أفق، ومعها الجهد العسكري الروسي هناك، من المشكوك فيه أن يتمكن بوتين من تمويل استثماره في المشاعر الوطنية الروسية بمزيد من التكلفة من دون ثمن يدفعه في الداخل من رصيده السياسي. وهذا لم يكن يحصل من قبل.

روسيا من الدول الأقل ديناً عاماً في دولة بحجمها. لا يزال دينها دون 60% إلى الناتج. الرقم المعياري الدولي. هي أفضل من الدول الصناعية مجتمعة. لكنها تواجه مشكلة تراجع النمو. ورقم الأخير في حال طردية مع نسبة الدين. مشكلتها الأخطر تتمثل في ديون شركات القطاع الخاص جرّاء التراجع الاقتصادي. بما في ذلك شركات القطاع العام وحصتها زهاء 55% الاقتصاد. ديون الشركات غير المصرفية نحو 370 مليار دولار أميركي. أي اكثر من 7 أضعاف الدين العام. وجزء كبير منها بضمانة الدولة تبعاً لملكيتها في تلك الشركات.

كثير من الضباب يلف علاقة النظام السوري بتمويل آلة الحرب الروسية المعلّق عليها. بعض التقارير الغربية تتكهن في أن إيران تتحمل جزءاً من التكلفة لاستمرار النظام جزءاً أساسياً من استراتيجيتها في المنطقة. وهي لم تتمكن من كسر القيد المالي لاسترداد كل أموالها المحجوزة في الخارج رغم الاتفاق النووي. وتمني نفسها بمشاريع إعمار بعد نهاية الحرب السورية. الروسي الذي يدير اللعبة والعِصمة في يده، والقادر أكثر من إيران بأشواط التزام مشاريع الإعمار والغاز والنفط، يعيد حساباته الآن بعد الضربة الأميركية. لو دخل الاميركي في لعبة الحرب والسلام، ومعه الدول الأوروبية، فحسابات المشاريع والاعمار ستتغير بدورها، وستتكشف التزامات سوريا غير المعلنة في الاتفاقات مع روسيا لتغطية نفقات الحرب والدفاع عن النظام ورئيسه. في مقالة سابقة كتبنا عن شروط تمويل الإعمار الموقوفة على الحل السياسي. قلق بوتين مضاعفٌ الآن. صورته التي استثمر فيها من مال الخزانة الروسية. والاتفاقات المعقودة مع النظام لاسترداد تكلفة حمايته. مع ذلك، فضربة ترامب حمّالة أوجه لم تتظهر بعد.

المدن

 

 

 

 

حين قرر ترمب!/ تركي الدخيل

في 21 أغسطس من عام 2013، استخدم نظام الأسد، الكيماوي ضد المدنيين بسوريا. حينها اعتبر أوباما ذلك الفعل بالمتجاوز لـ«الخطوط الحمراء»، همّ بضربةٍ لكنه فضّل الذهاب إلى موافقة الكونغرس، سرعان ما تلاشت الفكرة، وعاد أوباما إلى ضعفه الطبيعي… كسل العالم كله، وأصيب بإحباطٍ إنساني غير مسبوق، لأن أمريكا هي قائدة العالم، والقوة الأعظم، والدولة الأقدر على مواجهة التحديات التي تصيب المجتمعات، ومن دون أمريكا لا يوجد نظام دولي، ومن دون دورها تتضاءل قيمة السياسات والتحالفات.

على النقيض من أوباما يأتي ترمب، تصريحات قليلة جداً، وتهديدات أقل، غير أنه فعّال بقراراته، مقدام غير هيّاب، باغت نظام الأسد فجراً، مدمّراً مطار الشعيرات، الذي انطلقت منه طائرات القتل الكيمياوي.

الفرق بين إدارتين، إدارة سابقة لا تعكس قوة أمريكا ولا عظمتها، وأخرى جديدة تمثل أمريكا الطبيعية، التي تتدخل، لحماية المجتمعات من المجازر الدموية!

 

 

 

 

 

الدعاية المضادة للضربة الأميركية/ عبد الرحمن الراشد

جاءت ردود الفعل من طهران وموسكو ودمشق، تماماً كما هو متوقع؛ بيانات شاجبة للقصف الأميركي لمطار الشعيرات العسكري، رداً على جريمة القتل الجماعي بالكيماوي الذي ارتكبه النظام السوري. كان هذا في النصف الأول من نهار يوم الجمعة، اليوم الذي استيقظ الناس فيه هنا على مفاجأة الموقف الأميركي الجديد.

لاحقاً، في ذلك اليوم، أمطرت الدعاية الثلاثية؛ الروسية والإيرانية والسورية، الإعلام ووسائل التواصل بكميات كبيرة من الأخبار المزورة التي تشكك في حقيقة أن النظام هو من ألقى حقاً المواد السامة على سكان مدينة إدلب، روجوا رواية تقول إن المعارضة هي من قصفت المنطقة، ثم رواية جديدة تدعي أن الطيران السوري بالفعل قصف مناطق «المعارضة الإرهابية المسلحة»، وصادف أنها أصابت مخزناً للإرهابيين فيه مواد كيماوية، مماثلة للتي استخدمها تنظيم داعش في العراق من قبل. أي أن المعارضة هي من ارتكب جريمة امتلاك السلاح الكيماوي المحرم دولياً. الرواية لم تصمد طويلاً إلا لدى المؤيدين أصلاً لمعسكر دمشق.

ثم عدلت الدعاية موضوعاتها في اليوم التالي، لمواجهة التطور الجديد، وهو ردود الفعل العربية الواسعة المرحبة بالموقف الأميركي. فقد انقلب الموقف الشعبي العربي إلى مرحب وشاكر بعد أن كان غاضباً من إدارة الرئيس دونالد ترمب، بسبب أخبار اتهمتها بالتضييق على المسلمين اللاجئين والمسافرين.

ورداً على الشعور بالانتصار والفرح بالقصف الأميركي انطلقت أخبار مكذوبة تدعي أن الضربة العسكرية الأميركية مجرد مسرحية بالاتفاق مع روسيا. ونُشرت صور مزورة تظهر بعض الطائرات محروقة في داخل مخابئ خرسانية لم تتعرض للقصف، من أجل تكذيب رواية القصف الأميركي. وانتشرت مجموعة أخرى من الأخبار تعترف بالضربة، لكنها تقول كانت فاشلة لم تحقق شيئاً.

صحيح أن التأثير على الرأي العام السوري والإقليمي جزء مهم من الحرب النفسية، لكنه ليس الحاسم. فالعمليات العسكرية عادة هي أعمال سياسية. وراء القصف الأميركي رسائل سياسية موجهة للحكومات السورية والإيرانية والروسية. أما الرسائل للرأي العام السوري فتأتي في المرتبة الثانية. القصف دمر بضع طائرات وقتل ستة عسكريين من النظام، لكنه سيهز قناعة الموالين للنظام حتى لا يراهنوا عليه، وكذلك سيعطي جرعة من الأمل للمعارضة، بعد خيبات سياسية، وهزائم عسكرية، منيت بها في الفترة الأخيرة.

قصف مطار الشعيرات لن يوقف عدوان التحالف العسكري الموالي لنظام دمشق، بدليل أنه استأنف قصف المدنيين في اليوم نفسه إمعاناً في التحدي للجميع. ولن يغير موازين القوى على الأرض. ومن المستبعد أن تليه هجمات عسكرية أميركية جديدة، لأن تصريحات مندوبة واشنطن لدى مجلس الأمن حصرت احتمال التدخل العسكري لبلادها بمعاودة النظام السوري استخدام الأسلحة الكيماوية فقط، وهو أمر مستبعد في الوقت الحالي.

الجديد والمهم هو التموضع السياسي، يبدو أن إدارة ترمب غيرت موقفها وقررت أن تكون طرفاً في الأزمة السورية، كما يبدو من تصريحاتها. ففي السابق كانت تقول إنها معنية فقط بمحاربة «داعش» في سوريا فقط. وبالتالي فإن النصر الذي أعلنته دمشق، وحلفاؤها، يبدو أنه أصبح بعيداً. إلى أسبوع مضى، كانت معظم القوى الإقليمية والدولية قد أعلنت، أو بلغت موافقتها، على الحل السوري وفق رغبة موسكو، ففرضت بقاء الأسد وإنهاء المعارضة المسلحة. وجاء الهجوم الكيماوي، وكذلك الهجمات الأخرى على المناطق المدنية، والتصريحات المتعجرفة لمسؤولي الحكومة السورية ضد دول المنطقة، لتقلب مواقف الدول الأخرى وتعيد التفكير في الوضع برمته. مرة جديدة أثبت نظام الأسد أنه لا يستطيع تغيير سلوكه، وهو المسؤول عن الانتكاسة الكبيرة، بغض النظر فيما إذا كان الإيرانيون والروس موافقين على جرائمه.

الشرق الأوسط

 

 

حبذا لو تكون بداية النهاية/ إياد أبو شقرا

بعيداً عن صخب الإدانة «القومية» التكاذبية. بعيداً عن التباكي على «سيادة» مشكوك في وجودها منذ تحوّلت سوريا إلى صندوق بريد إقليمي ودولي. وبعيداً عن جعل حق الإنسان بالعيش، بل بمجرد التنفّس، في أسفل الأولويات التي تثرثر بـ«ممانعة» زائفة و«عروبة» فولكلورية…

بعيداً عن كل ذلك، ينبغي القول إن المسؤول الأول عن تعرّض تراب سوريا للانتهاك هو مَن لم يؤتمن عليه يوماً، ولم يُقِم لسلامة المواطن وكرامته وزناً.

أنا لست من محبّذي الاستقواء بالأجنبي. وحتماً، لست من الشامتين بنكساتنا وهزائمنا. ولا من الداعين إلى اغتصاب أراضينا، وتشريع أبواب ما يفترض أن تكون «أوطاننا»، لا معتقلات مخصّصة لتدجين الناس وإذلالهم، أمام الأجانب.

إطلاقاً. أنا ممّن تؤلمهم كثيراً «نزهات» الطيران الحربي الأجنبي – من كل الجنسيات – فوق ديار العرب، التي سلبها من أهلها بعض أهلها… لا «العدو الغاصب» الذي هاجمناه لفظاً لقرابة 70 سنة. ويسوءني جداً عجز هؤلاء «البعض» عن التصدّي له، بينما يتقنون بحكم العادة والوراثة التصدي للمواطن المسكين عندما يهبّ للمطالبة بأبسط حقوقه الإنسانية.

بعد الضربات الأميركية على قاعدة الشعيرات الجوية في محافظة حمص، التي كانت لسنوات خلت من منصات الموت المصبوب على مدن سوريا وقراها، سمعت أصواتاً عربية مستنكرة، تتصرّف على أساس أن القتل بشتى الأسلحة خير وسيلة لـ«التحاور» مع الاحتجاجات. والأدعى إلى السخرية تصوير هذه الأصوات الضربة الأميركية على أنها:

أولاً، اعتداء على «سيادة» سوريا، وكأن سوريا تبدأ وتنتهي بنظام يساوم حتى في هذه اللحظة مع قوى على ترتيبات تقسيمها وفرزها دينياً ومذهبياً وعرقياً، ويرعى عملية تبادل سكاني ممنهجة برعاية دولية.

وثانياً، أنها «عقاب» للنظام على «وقوفه ضد احتلال إسرائيل لفلسطين»، كما أتحفتنا بالأمس الدكتورة بثينة شعبان.

الحقيقة، أن ثمة علاقة تبادل منافع مشبوهة بين النظام السوري وداعميه (على رأسهم إيران) من جهة، وتنظيم داعش وأمثاله من الجماعات المتطرفة التي لم تؤمن أساساً بانتفاضة الشعب السوري، ولم تناضل في صفوفها، بل قاتلتها وعملت على شرذمتها وتفجيرها من الداخل في كل مناسبة.

هذه الصورة كانت متوافرة للولايات المتحدة والدول الغربية. واشنطن، بالذات، كانت تعرف كثيراً عن الوضع السوري إبان حكم الرئيس السابق باراك أوباما، غير أن أولويات أوباما كانت في مكان آخر.

كان التفاهم الاستراتيجي مع إيران في رأس اعتباراته. وفي هذا السبيل كان مستعداً – على رأس أركان إدارته ومستشاريه – للتضحية بالشعب السوري، وبحلفاء واشنطن وأصدقائها في الشرق الأوسط، من أجل إرضاء طهران، وتركها تتمدد في المشرق العربي من جبال زاغروس إلى شاطئ المتوسط الشرقي، ومن مياه الخليج إلى مضيق باب المندب.

على امتداد 6 سنوات من عمر «الانتفاضة الثورة»، وبالذات منذ 3 سنوات منذ انكشاف حقيقة موقف أوباما، تلقى نظام بشار الأسد وداعموه في طهران وموسكو كل الطمأنة اللازمة لكي يصعّد عسكرياً، ولا سيما في ظل استمرار:

أولاً، رفض واشنطن فرض «ملاذات آمنة» و«مناطق حظر طيران» لردع النظام وحماية المدنيين المهجّرين والنازحين، على وقع استخدام روسيا والصين «الفيتو» تلو «الفيتو» ضد اتخاذ المجتمع الدولي إجراءات لمنع النظام من قتل الناس.

ثانياً، رفضها بإصرار، رغم المناشدات المتكرّرة، تقديم السلاح النوعي المطلوب لمواجهة ترسانة النظام، المخدومة عبر جسر جوي دائم من موسكو.

ثالثاً، رفضها اتخاذ أي موقف جدّي حازم من التدخل العلني النشط للميليشيات التابعة لإيران، التي أسهمت في مفاقمة الاستقطاب الطائفي وغذّت نوازع الإحباط واليأس، وبالتالي، التطرّف… في نفوس المواطنين.

رابعاً، رفضها دعم خيارات الاعتدال والانفتاح داخل الانتفاضة السورية عبر الإجراءات آنفة الذكر، ثم التذرّع – بعد ذلك – بأن المعارضة «عاجزة»… عن مواجهة النظام. وبعدها العمل على تشجيع الميليشيات الانفصالية، ليس على حساب وحدة أراضي سوريا فحسب، بل أيضاً وحدة أراضي جاراتها، وبالأخص، تركيا.

خامساً، رفضها التحسّب، ثم التصدي للتدخل الروسي المباشر الذي بات اليوم حقيقة واقعة في مناطق متعددة من سوريا. ولقد أسهم هذا التدخل في مضاعفة محنة التهجير – ولا سيما بعد مأساة حلب – وإعطاء هذه المحنة أبعاداً دولية انعكست مآسي إنسانية وصعوداً لتيارات اليمين العنصري المعادي للأجانب في أوروبا.

بناءً عليه، أدت إدارة باراك أوباما، التي امتنعت حتى عن «ردع» الأسد، إلى تشجيع طهران وموسكو على تولّي زمام المبادرة في الشرق الأوسط، وإضعاف مواقف قوى كانت ترى في الولايات المتحدة صديقاً إن لم يكن حليفاً. والمؤلم في الأمر، أن هذه السياسة السلبية جعلت الكلفة الإنسانية والسياسية في سوريا باهظة، وإمكانية تغليب لغة الاعتدال على التطرف ضعيفة. ومن هنا، يمكن القول إن لجوء الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترمب إلى قصف المطار الذي انطلق منه أخيراً الطيران الحربي حاملاً الغازات السامة لأهالي خان شيخون، يشكل بداية ردع.

كل ما كان مطلوباً من واشنطن أيام أوباما «الردع» الذي لم يأتِ. ردع آلة الموت والتهجير ورُعاتها ومحرّكيها.

وهذا يعني أنه لا يجوز أن تظل الضربة ردة فعل عابرة، بل يجب أن تكون مقدمة لاستراتيجية حقيقية، تتعامل بواقعية وصراحة مع قوى ثبت بالدليل القاطع أنها لا تقيم وزناً للحوار والتفاهم والتعايش وحقوق الإنسان.

لقد واصل نظام الأسد وداعموه مسلسل القتل، خصوصاً بعد إعلان واشنطن أن إزاحته ما عادت أولوية لها. وهذا يعني أنه لا نفع يرتجى من أي حوار معه. إذ لا يمكن القضاء على التطرف الداعشي إلا عبر دعم خيار الاعتدال، ولا فرصة أمام الاعتدال إلا بإزاحة من استغل غول التطرف، ودفع المظلوم واليائس إلى السكوت عنه.

باختصار، إنهاء هذا النظام ليس مطلوباً «كرمى لعيون» دونالد ترمب، بل احتراماً لذكرى الأطفال حمزة الخطيب ووسيم زكّور وإيلان الكردي وآية وأحمد عبد الحميد اليوسف… واحتراماً لدموع عمران دقنيش… وآلام كل أم وأب وأخت وأخ على امتداد سوريا.. .

الشرق الأوسط

 

 

 

سوريا… واستيقظت أميركا/ عبدالله بن بجاد العتيبي

الضربة الأميركية بتسعة وخمسين صاروخ توماهوك لإحدى أهم القواعد الجوية التابعة لنظام بشار الأسد هي الحدث الذي كان منتظراً منذ سنواتٍ رداً على حجم البشاعة التي أبداها نظام الأسد في قتل شعبه والتحالف الذي تم تعزيزه بين الأسد وإيران وروسيا.

إنه حدثٌ يمثل خطوة مهمة بحدّ ذاته، بغض النظر عن الجدل حول ما سيلحقه، إنها رسالة بالغة الأهمية للحلفاء الثلاثة في سوريا بأن مرحلة انتهت وأخرى ابتدأت فيما يتعلق بالأزمة السورية وكل ما يتبع ذلك.

ما يمكن أن يقال حول هذه الضربة المستحقة هو أنها تغيير مهم لقواعد اللعبة في سوريا، تقول لروسيا صراحة بأن عليها أن تعرف حجمها الطبيعي بعيداً عن طموحات التوسع ودعم المشروع الإيراني التخريبي في الشرق الأوسط ودعم نظام الأسد المجرم.

مضى عهد أوباما المتخاذل الضعيف والانعزالي وجاء عهد ترمب الذي يريد أن يعيد للولايات المتحدة هيبتها ويرعى مصالحها الكبرى ويدافع عن حلفائها ولا يسمح لروسيا ولا لغيرها بالتلاعب بالأنظمة الدولية واستخدام الأسلحة المحظورة دولياً دون رادعٍ، ملايين المشردين السوريين ومئات الآلاف من القتلى والجرحى من الشيوخ والنساء والأطفال كلهم حمولة أخلاقية بشعة ستظل سواداً قاتماً في تاريخ أوباما.

في النهاية فإن الحلول السياسية هي الأبقى والأكثر دواماً ولكنها الحلول السياسية التي تتغير صياغتها وعدالتها بالقوة على الأرض وباستخدامها وبالتهديد بها، ويمكن تذكر تذمر جون كيري في آخر عهد أوباما من أنه لا يسمح له حتى بالتهديد باستخدام القوة، الوضع اليوم مختلفٌ والعالم كله يعلم ذلك يقيناً بعد هذه الضربة العسكرية.

قوة روسيا الحقيقية ومعها إيران وتابعهما الأسد في السنوات الأخيرة إنما جاءت في الأساس بسبب تخلي أوباما عن العالم بأسره وتنازلاته المضرة بالمصالح الأميركية أولاً وبمصالح العالم من بعد، بينما صرّح الرئيس ترمب بأن «أميركا أولاً» وهذه الضربة تنطلق من هذا المبدأ، هي ليست فعلاً خيرياً لأحدٍ ولا خدمة لحليفٍ، وهذا ما لم يكن يفهمه أوباما.

كان قرار تجريب صرامة ترمب خطأً استراتيجياً، من الأسد وإيران وروسيا، وقد جرّبوه فأتاهم الجواب فعلياً بالصواريخ الأميركية لا بالتهديد ولا بالوعيد، وأثبت أنه حين يضع خطاً أحمر فإنه يعنيه وليس كمثل خطوط أوباما التي لم تزده سوى وهن وسخرية.

هذه الضربة العسكرية هي رسالة واضحة لكل أشرار العالم بأن النظام الدولي عاد له من يحميه ويصونه بعيداً عن كل محاولاتهم الخطيرة في السنوات الثماني الماضية من نظام الأسد إلى النظام الإيراني إلى كوريا الشمالية.

بعد الحرب العالمية الثانية كاد العالم ينسى الأسلحة الكيماوية وبشاعتها وفتكها وشناعتها، ونتذكر في المنطقة استخدام صدام حسين لها في مذبحة حلبجة 1988 أي قبل تسعة وعشرين عاماً، وقد أعادها للواجهة من جديد نظام الأسد، الذي ارتكب المجزرة تلو المجزرة بالسلاح الكيماوي وبمشاركة فاعلة من إيران وروسيا، ولكنه بعد هذه الضربة لن يفكر لا هو ولا حلفاؤه في استخدامه مجدداً، لأن الضربة والتأييد الدولي الواسع الذي حصلت عليه تقول صراحة إن ثمة قيادة جديدة عادت للعالم الذي كان يفتش عنها، والمواقف الأوروبية في مجلس الأمن أوضح مثالٍ.

أيدت المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج العربي الضربة العسكرية كما أيدها عددٌ من الدول العربية والكثير من الدول حول العالم، لأنها تمثل رادعاً حقيقياً عن الفوضى التي كانت تعيث فساداً في سوريا، ولأنها تعيد ترتيب التوازنات الدولية في المنطقة وتوضح لروسيا تحديداً أن شهر العسل الذي منحها إياه أوباما لترتكب المجازر وتدعمها قد ولى وانقضى، وأن الحل في سوريا سيبنى على توافقات دولية بمعايير أكثر عدالة واتزاناً.

ستتجه إيران إلى ترتيب بيتها الداخلي وتتجه من جديدٍ للاعتماد على المحافظين سياسياً وتقوية الحرس الثوري، وستتجه لطريقتها الثابتة في نشر الإرهاب ودعمه سنياً وشيعياً، تنظيماتٍ وميليشياتٍ، ولكنها ستضطر مجبرة وخائفة وحذرة للتخفيف من استخدام الإرهاب ذلك أنها تعلم جيداً أن إدارة الرئيس ترمب بكاملها تعرف جيداً وبالتفصيل علاقاتها الواسعة ورعايتها الكاملة للإرهاب وبالتالي فإن أي خطوة غير محسوبة ستضرّ بها ضرراً فادحاً.

وفيما يتعلق بمواجهة تنظيم داعش سيكتشف العالم بسرعة أن مهمة القضاء عليه لا تمثل معجزة كما كان يصوّرها أوباما بل هي أمرٌ سهلٌ حين يتمّ التعامل معه بالجدية المطلوبة والفهم العميق، شذّاذ آفاقٍ ومجرمون وجهلة وجدوا فراغاً سياسياً فملأوه بدعمٍ إقليمي ودوليٍ، وستفرّ قياداته إلى ملجأ سريعٍ يكمن في إيران نفسها أو عبر تسهيل مرورهم لأفغانستان من جديدٍ في رحلة عودة سترعاها كما رعت رحلة القدوم أول مرة بعد 2003.

داعمو الأسد من بقايا اليسار العربي المتهدّم ومدّعو القومية العربية والناصرية وأذناب محور ما كان يعرف بالمقاومة والممانعة سيرتفع صوتهم بنفس الخطاب المتهالك القديم الذي عفّى عليه الدهر وشرب، وستنكشف عورتهم في الدفاع عن نظامٍ لم يشهد القرن الحادي والعشرون له مثيلاً في الإجرام والوحشية، وسيذهب لتّهم وعجنهم أدراج الرياح لأن التاريخ مضى في دربه والدول والشعوب تتعامل مع الواقع وتفتش عن المصالح وتشرئب أعناقها لمستقبل أفضل.

احتار هؤلاء تجاه هذه الضربة العسكرية وسيحتارون أكثر تجاه الترحيب العريض الذي حظيت به من الشعب السوري نفسه ومن ممثليه في المعارضة وفي الجيش السوري الحرّ كما احتاروا من قبل مطلع سبتمبر (أيلول) 2011 حين خرج الشعب السوري بأسره مطالباً بالحماية الدولية.

من الطبيعي أن تكون السعودية هي الدولة العربية الأولى التي أعلنت دعمها للضربة العسكرية فهي كانت من أول يومٍ تقف بقوة مع الشعب السوري المظلوم ودافعت وتدافع عن حقوقه وترفض قاتليه وقد جاءت اللحظة التي يبدأ منها تعديل موازين القوى دولياً وإقليمياً تجاه أزمتهم الطويلة ومأساتهم الاستثنائية.

ليس من مصلحة روسيا بأي معيارٍ أن تدخل في حربٍ باردة جديدة مع أميركا وحلفائها، فضلاً عن حربٍ ساخنة، فهي تعلم أنها ستخسر قطعاً، وربما تصعد خطابياً لتحمي بعض مكتسباتها وليس أكثر من ذلك.

أخيراً، أرادت روسيا التعبير عن موقفٍ حادٍ فخطب مبعوثها في مجلس الأمن مهدداً متوعداً، وأثناء خطابه أعلنت وزارة الدفاع (البنتاغون) أنها تشك في دورٍ روسي في «مجزرة خان شيخون» بعدها أعلن بوتين عن أسفه لما أحدثته الضربة من ضررٍ في العلاقات مع واشنطن..

 

 

 

 

 

هجوم الشعيرات… خطوة مهمة لكنها لا تكفي/ سلمان الدوسري

فجر الجمعة الماضي كان علامة فارقة في تعاطي الولايات المتحدة الأميركية مع الأزمة السورية، فعندما انطلق 59 صاروخاً من طراز توماهوك باتجاه مطار الشعيرات، كان ذلك إيذاناً بأول هجوم مباشر على نظام بشار الأسد تقوم به الولايات المتحدة منذ اندلاع الثورة السورية قبل 6 سنوات، هذا الهجوم أيقظ نوماً سريرياً عميقاً مارسته السياسة الأميركية تجاه تعقيدات حرب أفرزت أسوأ أزمة إنسانية في التاريخ الحديث، بالطبع من المبكر الحديث عما إذا كانت واشنطن بدأت فعلياً في تصحيح مواقفها وعدم الجلوس في مقاعد المتفرجين، فربما تكون مجرد خطوة يتيمة ورد فعل وقتي لمجزرة حدثت مثلها عشرات المجازر من نظام بشار الأسد، إلا أنها على الأقل إشارة أن العالم أمام إدارة أميركية جديدة فعلت في أقل من أربعة أشهر ما لم تفعله نظيرتها السابقة في ثماني سنوات.

الهجوم على مطار الشعيرات، وإن كان لافتاً ومفاجئاً وتطوراً مهماً، فهو خطوة صغيرة جداً في تغيير الوقائع على الأرض وإنهاء المأساة السورية، ربما لو تم الهجوم عندما هدد باراك أوباما بالخطوط الحمر عام 2013 وقبل التدخل العسكري الروسي، لكان تأثيرها أكبر بكثير وساهمت في دعم المعارضة وإضفاء ضغط هائل على نظام بشار الأسد، فضربة منفردة بطبيعة الحال لن تغير من طريقة تعامل نظام الأسد البشع مع المدنيين، كما أنها لن تؤثر على قوته، حتى ولو كانت ستمنعه من استخدام الأسلحة الكيماوية قريباً، ومن جهة أخرى فإن واشنطن تعتبر أن النظام السوري استخدم الأسلحة الكيماوية في مجزرة خان شيخون، وترى أن من يستخدم هذا السلاح لا بد من معاقبته، وخلال الحرب الإيرانية – العراقية ساندت أميركا العراق ضد إيران، غير أنها سريعاً ما انقلبت ضد نظام صدام حسين إثر استخدامه السلاح الكيماوي في كردستان، كما أن هجوم الشعيرات يمكن اعتباره إنذاراً لموسكو في أن تكون هناك عواقب لأفعال حليفها الأسد، فالروس خدعوا المجتمع الدولي في اتفاق 2013 الذي أقر تسليم الأسد ترسانته من الأسلحة الكيماوية، مع علم موسكو باحتفاظه بمخزون مكنه من استخدامها لاحقاً دون مواجهة أي عواقب حقيقية من قبل المجتمع الدولي، ونفذ النظام غارات جوية على مدى سنوات قتلت مئات الآلاف من الأبرياء السوريين، واستخدم تكتيكات التجويع والاستسلام، وقصف المستشفيات مراراً، كما نفذ عدداً من الهجمات بالأسلحة الكيماوية، ومع ذلك لم يواجه الأسد أي عواقب فعلية ولو مرة واحدة على وحشيته هذه، أما هذه المرة فقد رأت إدارة ترمب أن عليها تدمير أحد مطارات نظام الأسد العسكرية لمنع طائراته من قصف الأبرياء وإسقاط غاز السارين عليهم.

صحيح أن الهجوم الأميركي على مطار الشعيرات خطوة رمزية هائلة، إلا أنها في الوقت نفسه ستعتبر تكتيكاً محدوداً إذا ما تمت مقارنتها بالوقائع على الأرض، وإذا كان شعار ترمب «أميركا أولاً»، فلا يعني هذا أن يكون تعريفه اللامبالاة الكاملة تجاه قضايا العالم، بل يعني أن تبقى أميركا قوية وتقود العالم، فالولايات المتحدة ليست سويسرا حتى تنأى بنفسها عن النزاعات الدولية، و59 صاروخ «توماهوك كروز» وحدها لن تغير من الأمر كثيراً، وإذا ما قررت الإدارة الأميركية استخدام الخيار المنخفض التكلفة نسبياً والمتمثل بالرد العسكري المحدود مثل ضربات صواريخ كروز، فيمكنها أيضاً أن تتخذ خطوة دولية فعالة ضد تصرفات نظام الأسد تقتضي بالدرجة الأولى ممارسة الضغوط من أجل تطبيق القرارات الدولية بإقامة مناطق آمنة.

على قدر ما أصابت ضربة مطار الشعيرات عدة عصافير بحجر واحد، فإنها مع مرور الوقت ستكون ذات أثر محدود إن ظلت خطوة يتيمة وليست استراتيجية جديدة. ست سنوات من الحرب أثبتت أن روسيا وإيران و«حزب الله» يعبثون وحدهم في الأراضي السورية دعماً لنظام منهار فعلياً، وربما تكون الضربة العسكرية لنظام الأسد خطوة أولى نحو إعادة الاعتبار للقرارات الدولية، وتحمل المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، دورهم في إنهاء المأساة السورية.. .

الشرق الأوسط،

 

 

 

 

ما تسلم الجرّة في كل مرة يا بشار !!/ محمد آل الشيخ

الأجدر ببشار الأسد، ومعه كاهن الفرس المقدس «علي خامنئي»، بأن يتحسّسا طول أُذُنيهما، عندما أقدما بحمق منقطع النظير على مجزرة (خان شيخون)، تلك الجريمة الشنيعة الحمقاء، التي أدت إلى استفزاز العالم من أقصاه إلى أقصاه، خاصة الولايات المتحدة، ورئيسها الشجاع «دونالد ترمب»، فانقلبت بسببها المعادلة، ومعها قواعد اللعبة في سوريا، رأسا على عقب؛ وأصبح بشار وبقاؤه في الرئاسة، أمرا محسوما، لن يستطيع حتى الروس الدفاع عنه، لأسباب موضوعية، وتحوّل هذا الوحش المغفل القميء، إلى جنازة تنتظر أن توارى التراب.

أزمة سوريا برمتها قبل قصف مطار الشعيرات، تختلف تماما عنها بعد القصف؛ فقد أحدث 59 صاروخا (توما هوك) قادمة من بارجتين أمريكيتين في البحر الأبيض المتوسط، إلى تغيير جوهري في موازين اللعبة، أدت فيما أدت إليه إلى أن أصبح بشار الأسد عمليا خارج إطار المفاوضات التي ستبدأ قريبا في جنيف، للاتفاق على حل سياسي للأزمة السورية الدامية.

أمريكا اليوم تدخل بقوة إلى ميدان الصراع والتجاذبات في الأزمة السورية، بموقفها (الجديد) المعلن، وفحواه: (ألا مكان لطاغية دمشق في أي حل سياسي مستقبلي)؛ وغني عن القول إن أمريكا إذا اتخذت موقفا، وجدت أن بواعثه تتعلق بأمنها القومي، فلن تستطيع قوة على وجه الأرض أن تقف ضدها.

ما فات على «بشار»، وكاهن الفرس «خامنئي» قراءته جيدا، أن ترامب إذا قال فعل، وأنه ليس أوباما، فاتخذا بقصف (خان شيخون) القرار الخاطئ في الزمن الخاطئ، حيث يتربع على عرش أمريكا الرئيس ترامب، وليس الرعديد المتردد باراك أوباما، الذي مسح بسمعة أمريكا، وهيبتها البلاط؛ فكان الرد مزلزلا، من شأنه أن يكون له على أرض الواقع عدة تبعات على أكثر من صعيد.

الضربة الصاروخية الأمريكية الخاطفة تحمل رسائل ذات مغزى لأكثر من طرف؛ أهمها رسالة لروسيا، فحواها أنها تجاوزت حجمها الحقيقي، وتوهمت أن (الاتحاد السوفييتي)، عاد من جديد، وتقمصت دوره حين كانت هيبته وجبروته ملء السمع والبصر، وصدقت الوهم، حتى جاءتها الصواريخ الأمريكية فجرا لتوقظها من أوهامها وأحلامها، وتعيدها في بضع ساعات إلى حجمها الحقيقي. الرسالة الثانية لإيران الملالي ومعها ميلشيات حزب الله، وأن عربدتهم في المنطقة زمن أوباما انتهت، وليس ثمة إلا الرد الحاسم الحازم والمدمر. الرسالة الثالثة لنظام الأسد، بأن التهرب من حلول الأزمة السورية سياسيا، سيفاقم من أزمته، ويزيد من مآزقه، ولن تستطيع لا روسيا ولا إيران حمايته من الغضب الأمريكي المزلزل، في عهد هذا الرئيس الجديد. الرسالة الخامسة لرئيس كوريا الشمالية الذي هو نسخة آسيوية من بشار، ولا بد من كبح جماحه. الرسالة الأخيرة، والمطمئنة لحلفاء أمريكا وأصدقائها، أن عهد «أوباما» الغابر مضى إلى غير رجعة، وأن عهدا جديدا ملؤه الوفاء للحلفاء، وردع الأعداء، قد بدأ فعلا.

قصف (خان شيخان) بالكيماوي، يبدو أنه حفر عدة قبور لكثير ممن ظنوا أن ترامب ليس إلا أوباما، يقول في الصباح قولا ويتراجع عنه في المساء، كما كان الراحل إلى مزبلة التاريخ أوباما. إنها الحقيقة التي غيرت تماماً كثيراً من المعادلات على الأرض السورية الجريحة.

الجزيرة السعودية

 

 

 

رد ترامب السريع يغير المعادلة في المنطقة/ جاسر عبدالعزيز الجاسر

عندما يقرن القول بالفعل يزداد احترامك لصاحب القرار، وهو ما تحقق للرئيس الأمريكي ترامب الذي كسب احترام الأمريكيين قبل غيرهم الذين ازدادت أعدادهم في أرجاء العالم، فقد استطاع ترامب وبقرار حاسم وجريء أن يعيد الاعتبار لأمريكا التي «قزَّمها» سلفه أوباما، والذي ترك روسيا وإيران تسرحان وتمرحان في المنطقة العربية مما أتاح لحليفهما الدموي بشار الأسد التمادي في قتل مزيد من أبناء الشعب السوري، والتي كان آخرها جريمة قتل عدد من أهالي وأطفال خان شيخون في إدلب باستعمال الأسلحة الكيماوية.

الرئيس ترامب أصدر قراره بالرد على الهجوم الإرهابي لعسكر بشار والذي نفذته الطائرات الحربية للنظام السوري انطلاقاً من مطار الشعيرات، والتي ألقت قنابل تحمل غازات سامة على المناطق الآهلة بالسكان والمستشفيات فقتل المدنيين ومنهم الكثير من الأطفال.

جريمة استعمال سلاح كيماوي، أحد الأسلحة التي تصنف ضمن زمرة أسلحة الدمار الشامل ضد المدنيين من مواطني الدول التي يفترض بالنظام الذي يحكم تلك الدول أن يحمي مواطنيه، لا أن يبيدهم باستعمال الأسلحة الكيماوية، جريمة لا يمكن السكوت عنها وترك من ارتكبها دون عقاب، إذ إن إهمال العقاب وترك المجرم الذي ارتكب هذا الفعل الشنيع يشجعه على تكرار جرائمه وهو بالفعل ما يفعله بشار الأسد ونظامه الذي استمرأ تحذيرات الرئيس الأمريكي السابق أوباما دون أن يفعِّل تهديداته واستقوى بالروس الذين وظفوا «الفيتو» لحمايته من أي عقاب دولي.

ولهذا، ففي ظل غياب إجراء فعَّال وقوي من أمريكا ومن مجلس الأمن الدولي تمادى بشار الأسد وأطلق يد المليشيات الطائفية والقوات الإيرانية على الأرض لقتل مزيد من السوريين، كما وظف الطيران الروسي الحربي وما تبقى من طيرانه الذي ترك لهم الروس تنفيذ المهام القذرة، فبالإضافة إلى تخصص الطائرات المروحية لنظام بشار الأسد بإلقاء البراميل المتفجرة التي تحدث آثاراً مدمرة على الأهداف التي تستهدفها، وجميعها مواقع مدنية من مساكن ومدارس ومشافٍ، أما ما تبقى من طيران حربي من أسراب السوخوي والميج فقد أضيفت لها مهمة قذف المواطنين السوريين بالأسلحة الكيماوية، إضافة إلى المهام التدميرية للمدن السورية، وخاصة ذات الكثافة السكانية.

الرد الأمريكي السريع الذي اتخذه الرئيس ترامب يغير كثيراً من المعادلات على الأرض السورية، فبعد القراءة الخاطئة لنظام بشار وحلفائه لقول المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة بأن إزاحة بشار ليس خياراً رئيسياً لأمريكا وأنه لا يأخذ الأولوية تمادى النظام وحلفاؤه من الروس والايرانيون والمليشيات الطائفية.

ورد الفعل الأمريكي يجسد عدداً من المتغيرات التي يجب قراءتها بتمعُّن من بشار وحلفائه، وأيضاً من الأطراف التي تخوض معارك على الأرض السورية، منها:

1 – أن الرئيس ترامب لا يناور ولا يتردد في إثبات رؤيته وأنه يقرن قوله بالفعل الذي لن يتأخر.

2 – الرد السريع والذي يمثل ضربة تمهيدية قد يعقبها فعل عسكري قوي إن لم يرتدع بشار الأسد وحلفاؤه يظهر أن الاستراتيجية الأمريكية، سواء في سوريا والعراق أو في المنطقة تغيرت تماماً عما كانت عليه في عهد الرئيس الأمريكي السابق أوباما.

3 – الفعل العسكري القوي الذي اتخذه ترامب ضد موقع عسكري يحظى بحماية وتأمين جوي من الروس يؤكد أن ترامب لن يتردد في استعمال القوة لإثبات الحضور الأمريكي القوي في المنطقة، والذي أتاح غيابه في زمن أوباما لروسيا وإيران تقوية نفوذهما في سوريا والعراق.

4 – تحرك ترامب السريع على أثر فعل همجي وإجرامي للأسد يؤكد أن ترامب لن يتساهل مع من يرتكب جرائم ضد الإنسانية، وهي عودة أمريكية لنصرة الحق والعدل في العالم، ويعطي ثقة لحلفاء أمريكا بقدر ما يقلق أعداءها في المنطقة، وبالذات ملالي إيران الذين كانوا بمأمن في عهد أوباما لعدم شمول إرهابهم الطائفي ضمن منظومة الإرهاب الدولي والإقليمي.

الجزيرة السعودية

 

 

 

 

المفاجأة الأميركية في سورية: ترامب يتجاوز أوباما بخطوة

واشنطن ــ أحمد الأمين

صدم التحول السريع في موقف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تجاه الحرب السورية الإعلام الأميركي، الذي لم يستوعب تحوّل ترامب من متهم بالتغاضي عن جرائم رئيس النظام السوري، بشار الأسد، إلى صاحب القرار السريع برد عسكري أميركي على استخدام قوات النظام السوري أسلحة كيميائية ضد المدنيين السوريين في خان شيخون.

قرار قد يكون الخطوة الحقيقية الأولى في طريق الإطاحة بنظام بشار الأسد، وقد انتظر العالم سنوات، دون جدوى، من أجل أن يتخذه الرئيس السابق، باراك أوباما، بعدما تجاوز الأسد الخطوط الأميركية الحمراء.

لقد فعل ترامب بالقضية السورية خلال أيام ما فشل أوباما في فعله طوال سنوات إقامته في البيت الأبيض. لذا اختارت وسائل الإعلام الأميركية المعادية للعهد الترامبي البحث عن ثغرة ما بالضربة العسكرية الأميركية للأسد، يمكن استخدامها في معركة تصفية الحسابات الداخلية مع سيد البيت الأبيض.

ما توقف عنده الإعلام الأميركي أيضًا هو توقيت ترامب في إعلان الضربة ضد نظام الأسد في سورية مع اجتماعه مع الرئيس الصيني، المخصص أصلًا لبحث الأزمة مع بيونغ يانغ والبرنامج النووي لكوريا الشمالية.

وتردد في واشنطن أن الرئيس الأميركي أبلغ نظيره الصيني شخصيًّا عن الضربات الأميركية في سورية خلال محادثاتهما في فلوريدا قبل الإعلان رسميًّا عنها. ورأى البعض في ذلك رسالة مباشرة إلى كوريا الشمالية، وربما لبكين، بأن الولايات المتحدة أيضًا جاهزة للحرب مع من لا يريد عقد الصفقات والتسويات السياسية.

وبحسب مزاعم ترامب، فإن سبب تحول الموقف من المسألة السورية يعود إلى صور الأطفال الذين قتلوا أو أصيبوا بالغازات السامة التي أطلقتها طائرات نظام الأسد في بلدة خان شيخون، فكانت الرسالة الأميركية الأولية تدمير القاعدة الجوية التي انطلقت منها الطائرات.

وفي قراءة أخرى، فإن التغير الدراماتيكي في السياسات الخارجية الأميركية يعود إلى تغيير جوهري في استراتيجية إدارة ترامب على صعيد السياسة الخارجية. والكلام هنا يتعلق بمعادلة علاقة واشنطن مع كل من موسكو وبكين.

أحد أوجه تفسير ذلك هو أن العقيدة السياسية الترامبية كانت تقوم على التقرب من موسكو والتحالف معها ضد الصين. ربما كان للمستشار الاستراتيجي في البيت الأبيض، ومنظر اليمين الأميركي المتطرف، ستيف بانون، باع طويل في إقناع ترامب بتلك العقيدة. لكن دفء الاستقبال الذي لاقاه الرئيس الصيني في منتجع ترامب في فلوريدا، واستبعاد بانون عن مجلس الأمن القومي، تفهم منهما رغبة أميركية في إصلاح العلاقة مع الصين، ما يقوي أوراق واشنطن بمواجهة موسكو.

ولعل العقيدة السياسية الأميركية الجديدة اختارت إفهام الروس أيضًا أنها لا تزال تملك المبادرة العسكرية في سورية والعراق واليمن وفي كافة زوايا الشرق الأوسط، وأن تزامن إعلانها عن التدخل العسكري في سورية مع القمة الأميركية الصينية ليس من قبيل الصدف، وأن على روسيا أن تضع حدًّا لمطامحها، وتفهم أن بحوزة الولايات المتحدة أوراق قوة استراتيجية ليس من السهل الوقوف في وجهها.

ولم يغب عن الإعلام الأميركي تسليط الضوء أيضًا على البعد الإيراني في تداعيات الضربة، واحتمالات رد فعل طهران وحزب الله على ضرب واشنطن لحليفهما في دمشق. هي أيضًا رسالة تحذير أميركية لطهران من مغبة المضي قدمًا في دعم نظام الأسد، والرهان على أي دور له في مستقبل سورية.

ورغم انتقادات وسائل الإعلام، وملاحظات بعض أعضاء الكونغرس حول ما اعتبروه تجاهلًا لصلاحيات الكونغرس، واتخاذ الرئيس قرارًا بالحرب دون الحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس؛ إلا أن جرأة القرار، وسرعة اتخاذه، لاقتا قبولًا كبيرًا في أوساط الرأي العام الأميركي الذي تعب من تقاعس إدارة أوباما عن اتخاذ القرارات.

ومن أبرز المؤيدين للعملية العسكرية في سورية، رئيس مجلس النواب، بول رايان، الذي طالب بمعاقبة بشار الأسد على الجرائم التي ارتكبها ضد الشعب السوري، كما أشاد بقرار الرئيس أبرزُ الأعضاء الجمهوريين في مجلس الشيوخ، مثل جون ماكين، تيد كروز، ماركو روبيو، لندسي غراهام، الذي طالب بالاستمرار في العملية العسكرية الأميركية بتصعيدها وتوسيعها بهدف الإطاحة بنظام بشار الأسد.

العربي الجديد

 

 

 

 

سينتظر المُعَوِّلونَ على ترامب في سورية طويلا/ أسامة أبو ارشيد

عندما سئل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال لقائه العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض، عمّا إذا كان سيقوم برد من نوع مختلف على مجزرة الغازات السامة التي ارتكبها نظام بشار الأسد في خان شيخون في ريف إدلب، كان جوابه: “سَتَرَوْن”. وفي المؤتمر الصحافي، عقب اللقاء، يوم الأربعاء الماضي، تركّزت معظم الأسئلة الصحافية الموجهة إلى ترامب على طبيعة الرد الذي يمكن توقعه من إدارته على المجزرة التي أودت بحياة عشرات المدنيين وإصابة مئات، ووصفها هو نفسه بـأنها “فظيعة”. وعبثاً حاول الصحافيون أن يحصلوا على جوابٍ واضح من ترامب الذي بقي يناور في الإجابة، من مثل أن المجزرة “لا يمكن التسامح معها”، وأنها “مدانة”. ومع اشتداد ضغوط الصحافيين عليه، بدأ ترامب يميل إلى التشدّد أكثر في نبرته نحو نظام الأسد، حيث قال إن الأخير “تجاوز خطوطاً عديدة”، وإن “موقفي تجاه سورية والأسد تغير كثيراً”. ومع ذلك، بقيت حلقة إجابات ترامب مغلقة من دون جوهر، اللهم إلا من تحميله إدارة سلفه باراك أوباما مسؤولية “الفوضى التي ورثها”، وتأكيده فيما بعد أنه “صاحب المسؤولية” اليوم، من دون تحديد كيف سيمارس مسؤوليته، على أساس أن ذلك أمر “لا يمكن أن يخبرنا كيف سيقوم به”.

يعود كلام ترامب الغامض عما ينوي فعله، إن كان لديه نية لفعل شيء، بالدرجة الأولى، إلى أن الرجل لا يملك رؤية ولا استراتيجية واضحة ومتماسكة في فضاء السياسة الخارجية، ومن ضمن ذلك منطقة الشرق الأوسط، فهذا رجل يقفز من موقف إلى آخر من دون منطق ولا إمكانية تفسير. فهو كان مؤيدا غزو العراق عام 2003 قبل أن يعارضه. وهو كان ضد “الخط الأحمر” الذي وضعه أوباما لنظام الأسد عام 2012 وحذّره فيه من مغبة استخدام الأسلحة الكيماوية. وكانت معارضة ترامب، حينها، “الخط الأحمر”، قائمة على أساس أن هذه ليست مسؤولية أميركا. ولكن، في مؤتمره الصحافي مع الملك عبدالله الثاني، عاب على أوباما إفقاده الولايات المتحدة مصداقيتها، عندما لم يضع “الخط الأحمر” موضع التنفيذ، في أغسطس/ آب 2013، بعد مقتل أكثر من 1400 سوري مدني في الغوطة الشرقية بغاز السارين في هجوم للنظام.. وقس على ذلك.

المشكلة الأكبر أن الغموض لا يلف مواقف ترامب ومقارباته فحسب، بل إن إدارته نفسها تعاني

“لا يملك ترامب رؤية ولا استراتيجية واضحة ومتماسكة في فضاء السياسة الخارجية”  من الغموض نفسه، بل قل الفوضى. فترامب دائما ما صرّح، في حملته الرئاسية، بأنه يعارض سياسة تغيير الأنظمة التي اتبعها سلفاه، أوباما وجورج دبليو بوش. بل إنه كثيرا ما لمّح إلى أن حكم الديكتاتوريين أفضل من فوضى وفراغ يترتبان على غيابهم. ويبدو أن الرئيسين، المصري عبد الفتاح السيسي، والسوري بشار الأسد، هما أكبر مستفيدين من هذا المنطق. وقد عبر عن هذا الموقف وزير الخارجية الأميركي، ريك تيلرسون، من أنقرة، الشهر الماضي، عندما قال إن مصير الأسد يحدّده الشعب السوري، وهي المعزوفة السمجة نفسها التي يطلقها الروس والإيرانيون لضمان بقاء الأسد حاكما على أطلال سورية، نيابة عنهما، بل قل كصبي لهما. وقد أعاد تيلرسون تأكيد المعطى نفسه، أواخر الشهر الماضي، عندما قال، في اجتماع في مقر وزارة الخارجية الأميركية لممثلي 68 دولة ومنظمة دولية، اجتمعوا لبحث تسريع الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إن محاربة التنظيم هي الأولوية الأولى لإدارته. ولكن، وبعد مجزرة خان شيخون، هدّدت السفيرة الأميركية في مجلس الأمن الدولي، نيكي هيلي، بأن بلادها قد تتصرّف بشكل منفرد، إذا لم تتحرّك الأمم المتحدة لمعاقبة نظام الأسد.

من نصدّق؟ بصراحة، لا أحد يعرف، فهذه إدارة تدير أزمة فشل حكم، وليس فقط أزمات، محلية وخارجية، تَعْرِضُ لها. وفي كل الأحوال، على من يُمَنِّي نفسه بأن إدارة ترامب ستتبنى منطق إطاحة الأسد أن يستفيق من كوابيس اليقظة، فهذا الثابت الوحيد الذي نعرف أن إدارة

“خطوط ترامب لن يكون حالها أفضل من “الخط الأحمر” لأوباما” ترامب تجمع عليه: إطاحة الأسد ليس خيارا.. على الأقل في المستقبل المنظور. وكما أن أوباما باعنا الوَهْمَ في سورية، فإن ترامب سيبيعنا الوَهْمَ نفسه إن قبلنا أن نخدع مرة أخرى. هو ماض في التحالف مع الروس في ما يسمونها “الحرب على الإرهاب”. كما أنه ماض في توطيد عرى التحالف مع معسكر الطغيان والقمع العربي، ونظام الأسد يبرز في محوري التقاطع هذين. وحتى تصعيد أميركي مفترض مع إيران لن يفضي، بالضرورة، إلى إطاحة الأسد، فمرة أخرى، فبالنسبة لترامب، ومن حوله، العدو الأول هي التيارات العنيفة، ثمَّ بعدها أي قوى حية تعبر عن طموحات الحرية والكرامة والاستقلال في المنطقة، خصوصا إذا كانت هويتها إسلامية. بمعنى آخر، لا يزال الدور على الأسد بعيدا أميركياً، من دون أن ينفي ذلك أن إدارة ترامب قد تقوم بعملية عسكرية محدودة، مثل قصف جوي لمطارات النظام وطائراته “قرصة أذن”، حتى لا يسرف في القتل بأسلحة مستفزّة “للضمير العالمي”. فالقتل بالوسائل التقليدية يؤدي الغرض نفسه ومن دون استفزاز! فلمن ينتظر فعل ترامب الموعود: للأسف، ستنتظرون طويلا، فـ”خطوطه” لن يكون حالها أفضل من “الخط الأحمر” لأوباما. وعلى الأرجح، سيبقى الأسد في كرسيه إلى ما بعد ترامب، كما بقي إلى ما بعد أوباما، اللهم، إلا أن يطاله ملك الموت بميتةٍ طبيعيةٍ، أو تطاله يد الثورة بطريقةٍ ما، أو عبر مساوماتٍ بين القوى التي تتصارع على أرض سورية، بعد أن يحقق كل طرف بعض ما يريد، بعيدا عمَّا يريده الشعب السوري المنكوب.

العربي الجديد

 

 

 

 

الضربة الأميركية: بدء تحجيم نفوذ إيران وحزب الله/ منير الربيع

الجميع كان في انتظار ما سيفعله دونالد ترامب في سياسته الخارجية، وتحديداً في سوريا، رغم أن المراهن الوحيد عليها كان النظام السوري. إذ اعتبر بشار الأسد أن ترامب لن يوجه ضربة له، خصوصاً بعد مواقف أميركية أكدت أن مصير الأسد يقرره الشعب السوري، بينما تريد واشنطن محاربة الإرهاب. وهذا ما فهم الأسد أنه ضوء أخضر لإطلاق يده مجدداً في سوريا. لكن ما فعله الرئيس الأميركي كان مغايراً، فأكد عملياً أنه مختلف عن سلفه، باراك أوباما، وأنه الرئيس الذي يفعل ولا يتكلم فحسب.

حتى الآن، لا تزال الضربة الأميركية في سوريا محدودة. ولم تخرج عن سياق التنسيق مع روسيا، التي أعلمت قبل إطلاق صواريخ توماهوك في اتجاه القاعدة الجوية السورية، التي انطلقت منها الطائرة التي قصفت خان شيخون بالكيماوي. وهذا يشبه إلى حد بعيد التنسيق الجوي الروسي الإسرائيلي عند قصف مواقع حزب الله وشحنات أسلحته، مع فارق وحيد أن واشنطن استهدفت نظام الأسد، فيما بدا الروس مرتبكين، واكتفوا بإعلان تعليق التنسيق الجوي، والدعوة إلى جلسة طارئة لمجلس الأمن لمناقشة الضربة الأميركية.

تحمل هذه الضربة أكثر من هدف. فهي ستفرض على أي طرف يريد تنفيذ أي ضربة عسكرية أو تحرك عسكري في سوريا، أن يفكر مليّاً قبل أن يخطي أي خطوة. ما قد يؤدي إلى تجميد العمليات العسكرية نوعاً ما، خوفاً من أي ردة فعل أميركية، وتقدّم الحل السياسي بشكل أو آخر. وسيؤدي إلى عودة أميركا بقوة إلى الساحة السورية، واستعادة دورها كعنصر مقرّر في التسوية المقبلة، على قاعدة التفاهم مع الروس. بمعنى أن سوريا أصبحت بين موسكو وواشنطن، وليس بين طهران وموسكو.

أحد أبرز الأهداف الأميركية هو تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، بعد مواقف عدة أطلقها ترامب في هذا المجال. وهذا ما بدأ بالتدخل الأميركي في الرقة، إذ إن الأميركيين يعتبرون أن الإيرانيين يريدون الربط جغرافياً بين سوريا والعراق عبر الرقة والموصل. وهو المشروع الأساسي لإيران لحماية خط الإمداد المباشر لنفوذها في البلدين، ومع حزب الله. بالتالي، فإن استخدام الكيماوي جاء كذريعة لتنفيذ الضربة، وإيصال رسالة أميركية إلى الإيرانيين أن طهران ليست هي من يقرر في تلك المنطقة، خصوصاً أن هذه الضربة تتزامن مع تعزيز الدعم الأميركي للأكراد في الرقة، وتنفيذ إنزال فيها.

وقد تكون هذه الضربة مقدّمة لإعادة البحث الجدي في إقامة مناطق آمنة في سوريا. وإذا ما عاد التنسيق والتفاهم بين موسكو وواشنطن، فسيكون بالتأكيد على حساب طهران وحلفائها في سوريا، خصوصاً أن المنطقة التي جرى استهدافها، وبمعزل عن إنطلاق طائرات الكيماوي منها، تمثّل العمق الإستراتيجي للنفوذ الإيراني في سوريا.

ربما تصل موسكو وواشنطن إلى تفاهم بعد هذه الضربة. لكن هذا التفاهم بالنسبة إلى الأميركيين، لن يشمل إيران وحلفائها في سوريا، لأن واشنطن وإسرائيل تعتبران أن المواقع الإيرانية والمواقع التابعة لحزب الله، هي أهداف مشروعة بالنسبة إليها. بالتالي، إذا أوقفت واشنطن الضربات ضد مواقع النظام السوري، فهذا لا يعني أن الضربات ضد مواقع حزب الله ستتوقف. وإذا طلبت موسكو من واشنطن وقف هذه الضربات، فإن الأخيرة ستطلب من الأولى المساعدة في تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا. وهذا الاستهداف العسكري سيتزامن مع الاستهداف المالي لحزب الله عبر الاجراءات التي ستتخذها واشنطن ضده، خصوصاً أن استهداف حزب الله في هذه المرحلة، لا يشكل عامل إنقسام دولي، كما يشكّله استهداف النظام السوري.

المدن

 

 

لماذا خان شيخون؟/ مهند الحاج علي

سؤالان أساسيان أثارهما استهداف خان شيخون بغاز السارين، يستدعيان الوقوف عندهما.

الأول طرحه بعض أنصار النظام السوري ورمادييه. لماذا يُكرر النظام اعتداء كاد يودي به المرة الأولى خلال ولاية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما؟ لا مصلحة لمنتصر في تبديد انجازاته، سيما لو كان في دهاء النظام وحنكته.

هذا السؤال يفترض أيضاً أن النظام السوري يُشبه صورته العلنية، أي الرئيس بشار الأسد وسيدته الأولى ووزراءه وديبلوماسييه من وليد المعلم وبثينة شعبان الى بشار الجعفري. ومثل هؤلاء، بحسب المنطق الساري وسط أنصار النظام، لن يرتكبوا هفوة من هذه النوعية.

لكن هؤلاء ليسوا النظام بأسره، بل واجهته. عمقه أجهزة الأمن والعسكر ومن خلفها المكونات الطائفية والطبقية. وهذا العمق المعني مباشرة بالحرب، ماكينة تعذيب وقتل لم تتوقف أو حتى تتراجع عن ارتكاب انتهاكات بحق معارضيها وبيئاتهم طوال السنوات الماضية، بغض النظر عن أي مفاوضات أو عملية سياسية. لكن ألا يتطلب هجوماً بالسلاح الكيماوي أوامر مركزية أو رفيعة المستوى؟ وحقيقة أن الاعتداء جوي، وفقاً لتقارير متقاطعة، تستبعد الى حد كبير، فرضية تغييب هرم القيادة أو بعضه على الأقل عن اتخاذ قرار بهذا الشأن.

لكن مشاركة بعض هرم القيادة على الأقل في القرار، يستدرج السؤال الثاني: لماذا خان شيخون دون غيرها وفي هذا الوقت تحديداً؟ 3 عناصر قد تُساعد على فهم دوافع هذه الضربة.

أولاً، بلدة خان شيخون (حوالى 50 ألف نسمة قبل الحرب) تقع مباشرة على الطريق الدولي الذي يربط حلب بمدن حماة وحمص ودمشق. وهي أيضاً، إلى جانب موقعها الاستراتيجي، تُمثل قلب محور شهد أعنف المعارك وأهمها، وربما مدخلاً الى مدينة حلب من جهة، وبلدات موالية للنظام في ريف حماه.

ثانياً، تقع بلدة خان شيخون خلف أحد أبرز خطوط التماس المذهبية الأهلية في سوريا. هي القاعدة الخلفية لتماس بين مجموعة بلدات سنية ومسيحية وعلوية، تتقدمها من جهة النظام بلدة محردة حيث تتمركز ميليشيات شيعية إلى جانب ”الدفاع الوطني“. لذا تُمثل المنطقة خاصرة رخوة لمعاقل النظام و”خزانه“ البشري، تعرضت للتهديد إذ خسر البلدة تلو الأخرى، ما يُفسر الاعتداء بصفته محاولة لرسم خط أحمر.

ثالثاً، سبق أن شهد هذا المحور اعتداءات متكررة بغاز الكلور، وتحديداً بلدتي كفرزيتا واللطامنة، وفقاً لتقارير متكررة ومتقاطعة. كما تصاعد هذا النمط من استخدام الكيماوي حتى وقوع الاعتداء الأخير على خان شيخون. على سبيل المثال لا الحصر، ألقت إحدى طائرات النظام برميلاً يحمل مادة الكلور السامة على مستشفى اللطامنة، ما أودى بحياة أحد المرضي والطبيب علي الدرويش وأصاب آخرين نُقلوا الى مستشفى باب الهوى للعلاج من الاختناق. أحد الناشطين قدم روايات عن مقتل مسلحين اختناقاً خلال معارك مع قوات النظام، وهو ما يتوافق مع تقارير لصفحات المعارضة في بلدات المنطقة.

إذن، كان قصف خان شيخون بالكيماوي ذروة تصعيد ممنهج، لا حدثاً استثنائياً أو منفرداً. وبما أن أغلب هذه الاعتداءات لا تُوثّق بين المحاربين على خطوط التماس، يبقى علينا أن نكتشف من خلال خبراء وشهادات الضحايا، مدى اتساع رقعتها خلال الشهور الماضية.

المدن

 

 

 

غارة أميركية..لا تتحدى روسيا/ ساطع نور الدين

منذ أن قال الرئيس الاميركي دونالد ترامب  أنه غيّر  موقفه كثيراً من سوريا والرئيس بشار الاسد في أعقاب الهجوم الكيميائي على خان شيخون الثلاثاء الماضي، دار جدل حول ما إذا كان ترامب أوحى بذلك أنه كان يدعم الاسد ويؤيد بقاءه في السلطة ولا يعتبر إزاحته أولوية أميركية، كما افصحت المندوبة الاميركية لدى الامم المتحدة نيكي هايلي، أم أنه كان يلمح فقط الى أنه قرر التخلي عن الحياد السابق او اللامبالاة تجاه سوريا ومستقبل نظامها.

الغارة الصاروخية الاميركية على مطار الشعيرات العسكري جنوبي حمص، الذي إنطلقت منه الطائرة السورية المحملة بالسلاح الكيميائي، الثلاثاء الماضي، لا تحسم هذا الجدل، ولا تنهيه ، لكنها فقط تخرج ذلك السلاح المحظور من معادلة الحرب السورية..ربما لبضعة أسابيع أو أشهر  كحد أقصى ، على ما جرى قبل ثلاثة أعوام عندما أعلن المجتمع الدولي أن سوريا باتت خالية تماماً من الغازات السامة، تنفيذا لقرار مجلس الامن الرقم 2118، قبل ان تظهر أدلة جازمة على أن نظام الاسد عاود إستخدام تلك الاسلحة على أكثر من جبهة من جبهات القتال.

في تدميره مطار الشعيرات، قدم ترامب البرهان على تغيير عملي محدود في موقفه، وهو تغيير جوهري بالمقارنة مع سلوك سلفه باراك أوباما، الذي لم يكترث يوما للمذبحة السورية، بل شجع الاسد على مواصلتها.. لكنه ليس كافياً للتكهن في الخطوات اللاحقة التي سيتخذها الرئيس الاميركي الجديد في أعقاب تلك الضربة الموضعية، المنسقة سلفاً مع موسكو، والتي لا تمس في العمق الدور الروسي في سوريا ولا تتحداه، لا سيما وأنه سبقها بساعات بيان رسمي للكرملين، كان بمثابة الضوء الاخضر لواشنطن، يعلن بوضوح ان دعم روسيا لنظام الاسد ليس “بلا شروط”، ولا يبرر الاستخدام “المحزن جدا” لسلام الكيميائي.

الضربة الاميركية على مطار الشعيرات السوري الذي أفرغه الروس من معظم طائراته وطياريه قبل ساعات من إستهدافه، توفر فرصة ذهبية لترامب لكي يقدم نفسه كرئيس حازم ، قوي، حتى في مواجهة أصدقائه الروس الذين ساهموا بشكل او بآخر بوصوله الى البيت الابيض، وهي مساهمة ما زالت تخضع إدارته للحرج أمام الرأي العام والتحقيق في الكونغرس.. الذي يمكن ان يقرر الان أن يعيد النظر في تلك المسألة برمتها، او يؤجل البحث فيها الى حين، مفسحاً المجال لترامب لتنظيم علاقاته مع الرئيس فلاديمير بوتين.

في الدقائق والساعات التي اعقبت الغارة الصاروخية، لجأ الاعلام الاميركي الى الكثيرين من المسؤولين الاميركيين الحاليين والسابقين، والى الخبراء والباحثين، الذين أجمعوا على ان أميركا ليست في صدد الدخول في مواجهة بوتين، بل هي تطمح فقط الى تغيير سلوكه الفظ، وهي تاليا لا تنوي إسقاط بشار الاسد الان ، وليس لديها مثل هذه الخطة او مثل تلك الاولوية ، بل هي تهدف فقط الى تغيير سلوكه الوحشي الذي لا يمكن التسامح معه، حسب تعبير ترامب.

لن تؤدي الغارة الاميركية الى تعديل جذري في مسار الحرب السورية. هي بلا شك تحرم الاسد من أحد أهم عناصر قوته العسكرية، السلاح الكيميائي المحرم دوليا وإنسانيا وأخلاقياً، ولو لفترة محدودة، يجري خلالها إختبار مدى إستعداده للعودة الى طاولة المفاوضات في جنيف والتوصل الى تسوية سياسية تضمن إنتقالاً سياسياً منظماً للسلطة في أعقاب إنتهاء الولاية الحالية للاسد في العام 2021.

لكنه رهان قديم، وخاسر سلفاً : لن يوقف النظام الحرب، ولن يتخلى عن أي من أسلحته، لأن ذلك يعني سقوطه الفوري. ولن تتأهل المعارضة السورية لوراثته في المستقبل المنظور، لأنها أبأس من أن تنتظم في كيان واحد..ولن يقف الايرانيون  ومليشياتهم مكتوفي الايدي، أمام تلك المناظرة الاميركية الروسية التي تستعجل إنهاء دورهم السوري، كشرط لوقف الصراع على سوريا.

المدن

 

 

“ابو إيفانكا ترامب”/ وليد بركسية

من الطبيعي جداً أن يتحول الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى “بطل” في الشرق الأوسط، فتحركه الحاسم لضرب النظام السوري رداً على مجزرة الكيماوي الشنيعة في بلدة خان شيخون، جعلت صورته تنقلب رأساً على عقب في مواقع التواصل الاجتماعي، نحو بطل للعدالة ومخلص قادر على رسم البسمة على الوجوه، بفعل الحرب العادلة، بعدما كان أقرب إلى شيطان يستهدف إبادة العرب والمسلمين أو عميل خفي لروسيا أو مجنون يريد تدمير العالم.

هذه الحالة من البهجة الطاغية ليست حباً بالحرب نفسها، ولا ترحيباً بالقصف على بلد عربي، ولا تعبيراً عن نزعة دموية تحبذ العنف ولا فاشية عدمية تستبشر ببداية حرب عالمية تنهي الوجود. كل ما في الأمر أنه فرح عفوي خلقه النظام السوري بيديه، بسبب استمرار جرائمه لست سنوات كاملة من دون أن يوقفه أحد، وصولاً إلى مجزرة خان شيخون التي أحدثت غضباً يولده تتالي الشعور بالعجز. لو حدثت الضربة قبل 15 عاماً مثلاً، بعيد حرب العراق، ومن دون السياق الحالي لها، لكانت ردة الفعل العامة مختلفة تماماً من دون شك.

وكانت العفوية بارزة في التفاعل العام مع #الضربة_الأمريكية، سواء بتذييل صورة ترامب بكلمة “منحبك”، على طريقة الموالين للنظام السوري في تمجيد بشار الأسد، أو بإطلاق تسميات شعبوية عليه مثل “أبو إيفانكا ترامب” أو “أبو عمر ترامب”، وكلها تسميات يستمدها الخيال الشعبي من شعبوية ترامب من جهة، ومن كراهية شديدة لعنف النظام السوري وجرائمه، لتصبح تلك التسميات مزدوجة في سخريتها من النظام السوري وابتهاجها بالضربة الموجهة له، وليس تعبيراً حرفياً عن تنصيب ترامب ديكتاتوراً عسكرياً بتمجيده عبر مواقع التواصل بتلك الشعارات.

يذكر هذا الانقلاب الدراماتيكي بانقلاب صورة الشرير “البطريق”، عدو باتمان الأزلي، في سلسلة “غوثام” الشهيرة، بعد سلسلة من الحوادث التي تهز المدينة في الموسم الثالث بسبب الوحوش التي يطلقها “دكتور سترينج” طوال الموسم في أنحاء المدينة. تحرُّك البطريق لصد تلك الوحوش جعله يحظى بشعبية واسعة بين الناس الذين ضاق ذرعهم من تفشي الشر، لدرجة ينسون معها كل فظائع البطريق السابقة وينصبونه عمدة للمدينة، تماماً مثلما تجاوزت التعليقات قرارات ترامب بمنع المهاجرين من سبع دول ذات غالبية إسلامية من دخول الولايات المتحدة، والتي شكلت ذروة العداء الشعبي له في المنطقة.

والحال أن المشهد السوري المعقد نفسه كان سبباً في دفع التفاعل مع الضربة الأميركية ليأخذ هذا الشكل، إضافة لعدم تأكد أحد إن كانت الضربة رداً أميركياً لمرة واحدة ولن يتكرر في المستقبل بسبب الردع الروسي الحليف للنظام، أم أنه مؤشر لحقبة جديدة من توازن القوى يدفع نحو حل سياسي في النهاية، أم أن الأمر كله متعلق بشؤون ترامب المحلية وإثبات على تمايزه عن سلفه باراك أوباما الذي كان أول من هاجمه ترامب بعد خان شيخون. علماً أن طرح كل تلك التساؤلات كان مشروطاً بعدم الاهتمام بتقديم إجابات، أمام الشعور الذي تولده الضربة، خصوصاً بعدما انتشرت الصور الأولى لمطار الشعيرات الذي دمر بالكامل.

تحرُّك الموالين للنظام السوري ومحور الممانعة، لم يستطع إيقاف ذلك المد، لأن الحجج الكلاسيكية التي تم استخدامها في الجدال مع الطرف الآخر، مثل عداء أميركا للعرب والمسلمين واللعب على وتر القومية العربية البائدة ونظريات المؤامرة التقليدية والأهداف الخفية للضربة الأميركية بعد كل هذه السنوات من مجازر الأسد في البلاد بدت كلها وكأنها خطابات رسمية في ذكرى تأسيس حزب البعث… الذي يصادف اليوم! وليست تعليقات على الضربة الأميركية نفسها، هذا التباين حول “مركز الانتباه” بقي عائقاً دون خلق حوار في “فايسبوك” و”تويتر” على حد سواء.

وتجب الإشارة هنا، أنه بعد انقضاء ساعات المباغتة الأولى التي أحدثتها الضربة، بدا أن التهليل العام لها يحاول تشكيل سياق أكثر عمقاً لنفسه، لكنه رغم ذلك بقي متركزاً كشعور تنقله التغريدات والمنشورات أكثر من كونه حمل أفكاراً حول أهداف الضربة ورسائلها السياسية التي تكفلت وسائل الإعلام أصلاً بعرضها من كافة وجهات النظر.

وهنا بدأت عوامل جديدة تظهر في الصورة العامة، فالتهليل لترامب يقتضي بالضرورة الحديث عن تطور الدور الأميركي في سوريا، الذي تميز باللامبالاة السياسية من قبل الرئيس السابق باراك أوباما، الذي أحجم في اللحظات الأخيرة عن توجيه ضربة عسكرية مماثلة للنظام العام 2013 بعد استخدامه الأسلحة الكيماوية في الغوطة الشرقية حينها. انعكس ذلك في مواقع التواصل بعبارات مثل “هلأ صار فينا نقول يلعن روحك يا أوباما”، وهو تحوير لشعار معارض شهير آخر “يلعن روحك يا حافظ”، ثم القول أن تدخلاً عسكرياً من واشنطن حينها كان سيغير كل شيء في سوريا بما في ذلك التدخل الروسي لصالح النظام.

 

 

الهجوم الكيماوي امتحان لترمب/ عبد الرحمن الراشد

عدا أنه محرّم في كل الظروف والمناخات، أيضاً لم نعرف منطق النظام السوري في استخدامه السلاح الكيماوي المحرّم، ضد المدنيين في إدلب. لم تكن قواته هناك في وضع حرج، ولا يشكل الموقع المستهدف مكسباً استراتيجياً في الحرب الأهلية، وليس مفهوماً لماذا يتحدى النظام المجتمع الدولي وهو الذي صار يقف إلى جانبه لأول مرة منذ قيام الثورة قبل أكثر من ست سنوات!

إذن، لماذا استخدم الغاز السام ضد أحياء مدنية؛ الذي قتل أطفالاً ونساءً؟ لماذا غامر بارتكاب جريمة خطيرة ربما تؤدي به إلى محاكمة دولية، لماذا فعلها وهو يعلم علم اليقين أنها ستحرج حكومات الدول الغربية التي تبنت موقفاً مهادناً ومستعدة للقبول به، مخالفة بذلك رأي المنظمات الإنسانية والحقوقية، وجمهور كبير من المثقفين والعامة هناك؟

في الحقيقة، لا نجد سوى دافع واحد خلف هذه الجريمة البشعة، وهو أن حلفاءه؛ إما الروس أو الإيرانيين، يريدون امتحان حدود الحركة والقرار عند الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وربما إضعافه وهو الذي سبق له أن انتقد الإدارة الأميركية السابقة على ضعفها وتخاذلها في الهجوم الكيماوي الأول.

ما الذي يمكن للرئيس الأميركي أن يفعله؛ هل يعاقب النظام السوري مباشرة، كما تفعل إسرائيل عادة عندما تعد أنه يتخطى الحدود الحمراء، أم سيتخذ خطوة مضادة، مثلاً، بتسليح المعارضة السورية، أم يكتفي ببيان توبيخي وإنذار لا يلزم حكومته بأي عمل مستقبلاً في حال تجرأ النظام على فعلها مجدداً؟

إنه امتحان صعب لترمب الغاطس في معارك داخلية متعددة، وربما يخشى أن تزل قدمه في معركة خارجية فيغرق في رمال متحركة على الجبهتين.

قراءتي أن الهجوم الكيماوي على إدلب قد لا يكون إلا بداية لسلسلة من هجمات ينوي الخصوم إحراجه بها. ولن يكون مفاجئاً لنا في حال وقعت مواجهات بحرية في مياه الخليج أو امتداداته، أو عمليات خطف لأميركيين في لبنان، أو استهداف للقوات الأميركية في العراق المنشغل بحربه ضد «داعش». هذه كلها ضمن قدرات إيران التي سبق لها أن استخدمتها منذ مطلع الثمانينات عندما تولى «بروكسي» يمثلها في لبنان، وهو «حزب الله»، خطف عدد من الأميركيين؛ دبلوماسيين وأكاديميين، وكذلك قام بتفجير مقر المارينز في بيروت. وعندما اختلف مع الحكومة الفرنسية، أيضاً نفذ من خلال جماعاته عمليات دامية استهدفت المدنيين في شوارع باريس، لا تقل بشاعة عما ارتكبه تنظيم داعش حديثاً في أوروبا.

وبالتالي، فإنهم في طهران وموسكو يدرسون ردود الفعل في واشنطن على جريمة إدلب: ما قدرة ترمب على المواجهة، وما حدودها؟

امتحان صعب جداً تمر به إدارة ترمب. وفي رأيي، كان الأجدر أن تستعرض قوتها قبل أن توافق وتقدم تنازلات لمحور دمشق، وليس العكس؛ فتسليح المعارضة السورية المعتدلة بأسلحة نوعية كاف لإرسال رسالة بأنه يمكن تغيير معادلة الحرب في سوريا وجعلها صعبة على الجميع لا على السكان المدنيين فقط.

والهجوم الكيماوي على إدلب لا بد من أنه يقلق كثيرين؛ لأنه يوحي بأن محور دمشق ينوي توسيع دوائر المواجهة، وليس كما يُظن بأنه يحنّ للسلام.

* نقلا عن “الشرق الأوسط”

 

 

 

 

خان شيخون… اختبار ترمب الأول/ مشاري الذايدي

أغسطس (آب) 2013 قصفت قوات بشار الأسد بغاز السارين السامّ بلدات الغوطتين، فقتل أكثر من 1400 شخص، معظمهم نساء وأطفال.

انتظر العالم كله حينها، إلا العقلاء، رد فعل «الصابر الاستراتيجي» باراك أوباما على انتهاك بشار للخط الأحمر الذي رسمه له الرئيس الأميركي «العظيم».

ترقب الروس والإيرانيون، وأتباعهم بالعراق ولبنان واليمن، كيف ستغير المقاتلات الأميركية، وصواريخ التوما هوك، على قصر بشار في قاسيون، ومخابئ عصاباته بدمشق وطريق بيروت الدولي، مثلاً.

تمخّض الجبل فولد «حكمة» أوبامية، مع ابتسامة وخيلاء فارغتين.

بعدها استولى الروس، على المشهد، وعلموا أن مرحلة أوباما فرصة لا تعوض. الرئيس الحالي، دونالد ترمب، اتخذ من هذا الجبن الأوبامي، فرصة للتنديد به، وتبيان كيف أن خور أوباما هو الذي دهور الأمور في سوريا والعالم كله.

الآن كرّر نظام بشار جريمته ببلدة خان شيخون، بنفس غاز السارين القاتل، واستهدف 500 شخص جلهم من المدنيين والنساء والأطفال.

كالعادة، دافعت إدارة القيصر الروسي بوتين، بكل استغباء للناس، عن تابعهم بشار، بجريمة خان شيخون، وقالوا: العالم كله مستعجل، ويجب عليه الصبر – أينك يا صبر أوباما! – وإنه صحيح الجريمة «وحشية» لكن الرأي لدينا أن طائرات بشار إنما ضربت مخازن السارين التابعة لجبهة النصرة، فسبحان الله، ما تدري كيف صار الأمر، تسربت الغازات تلك، ولم تحترق، وصعدت للسماء، وهي رطبة بقطرات السم، ثم فجأة هطلت على الأهالي في خان شيخون! هذا ما جرى، بأمانة.

محامي النظام، المعلم وليد، سارع هو الآخر لترويج هذا الدجل، وقال نحن: «لم ولن نستخدم السلاح الكيماوي ضد الشعب والأطفال، ولا حتى ضد الإرهابيين»، على أساس أن ما جرى بالغوطتين في 2013 بسبب كائنات فضائية مريخية.

بالعودة لأخينا أوباما، فهو ظل مصمماً على خطئه، وقال قبل أيام من رحيله عن الرئاسة، مع «سي بي إس» الأميركية إنه «ارتجل» عبارة الخط الأحمر بخطاب ألقاه في البيت الأبيض سبتمبر (أيلول) 2012، قبل عام من جريمة النظام الكيماوية بالغوطتين.

يرتجل، فهو الخطيب المصقع!

على كل حال، ذهب أوباما، وجاء الناقد الأكبر له، دونالد ترمب، وجريمة خان شيخون أول اختبار له، فماذا سيفعل؟

هو علق بكلام قوي ضد بشار وختم: «تصرفات بشار الأسد الشريرة نتيجة لضعف الإدارة الأميركية السابقة وترددها».

كلنا نعرف ذلك، فكيف سيكون ترمب مختلفاً عن الواهم أوباما؟

عضو الكونغرس الأميركي توم كوتون طالب ترمب بـ«مواقف حازمة»، منبّهاً الجميع أن «ترمب هو الرئيس… ليس أوباما».

كيف سيردّ ترمب؟ تلك هي المسألة.

* نقلا عن “الشرق الأوسط”

 

 

 

ترامب والأسد… اللوم على أوباما/ بدر الراشد

موقف الإدارة الأميركية مرتبك تجاه قضايا المنطقة العربية، فبينما جاءت أولى مواقف إدارة دونالد ترامب ضد إيران صريحة كلامياً، كان موقفها ضعيفاً ومتخبطاً تجاه بشار الأسد في سورية حتى الآن.

أولى تصريحات البيت الأبيض بعد مجزرة خان شيخون كانت مزيجاً بين إدانة المجزرة ولوم إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما. يقول المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر “هذه الأفعال الشنيعة التي يرتكبها نظام بشار الأسد هي عواقب ضعف وانعدام عزم الإدارة السابقة”. ربما كان هذا التصريح ضعيفاً وسيئاً من الناحية الشكلية، فمن غير المعقول أن يستمر فريق ترامب بإدارة سياسات البيت الأبيض، وكأن الحملة الانتخابية لم تنته بعد. .. لكن، هل يتحمل أوباما مسؤولية ضعف الموقف الأميركي في سورية؟ نعم بالتأكيد.

تعود اللحظة الحاسمة لبلورة الموقف الأميركي تجاه سورية إلى عامي 2012 و2013، ففي سبتمبر/ أيلول 2012، أعلن أوباما أن الأسد “فاقد للشرعية وعليه التنحّي”، كما أعلن أن استخدام الأسلحة الكيماوية “خط أحمر”، وله “عواقب وخيمة” و”سيغيّر أي حسابات”.

كانت إدارة أوباما وحلفاؤها في المنطقة يدفعون بشدة باتجاه دور أميركي أكبر في سورية. إن لم يكن بتدخل واسع النطاق، فمن خلال فرض مناطق آمنة يحظر فيها الطيران، قاوم أوباما كل هذه الضغوط، حتى جاءت لحظة الحقيقة في أغسطس/ آب 2013، عندما ارتكب النظام السوري مجزرة جديدة باستخدام السلاح الكيمياوي في غوطة دمشق.

كان استخدام النظام للسلاح الكيماوي لحظة اختبار جدية لـ “خط أوباما الأحمر”، لكن الرئيس السابق غير مقتنع بالتدخل المباشر في سورية، ولو رمزياً.

رمت موسكو بطوق النجاة (أو حبل المشنقة) لأوباما في مأزق سورية على هيئة “مبادرة الكيماوي”. إذ اقترحت فرض رقابة دولية على مخزونات الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي يمتلكها النظام، وتسليم مخزوناته إلى روسيا، وهذا ما قبل به النظام في 9 سبتمبر/ أيلول 2013.

يصف أوباما لاحقا تلك اللحظات بـ “العصيبة”، في حواراته المطولة مع مجلة ذا أتلانتك، والتي نشرت تحت عنوان “عقيدة أوباما” (Obama Doctrine). كان الرئيس وحيداً في موقفه الرافض التدخل المباشر في سورية، وقف في وجه الجميع، خصوصا أركان إدارته آنذاك.

كانت تلك اللحظة حاسمة، لأنها أكدت ضعف الموقف الأميركي في سورية بصورة نهائية، وعدم قدرة (أو رغبة) أوباما على تغيير الأوضاع في سورية.

عودةً إلى إدارة دونالد ترامب اليوم، ومجزرة خان شيخون. صحيح أن تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض دقيقة بخصوص تحميل إدارة أوباما ضعف الموقف الأميركي في سورية. لكن، هل كان ترامب ليتخذ موقفاً مختلفاً آنذاك؟ لا يمكن الرجم بالغيب. من الصعب التنبؤ. ولسنا بحاجة لأن نتنبأ مع ترامب الذي يستخدم “تويتر” منذ 2009 وكتب قرابة 35 ألف تغريدة، فهناك موقف معلن فعلا، كتبه في 7 سبتمبر/أيلول 2013: “الرئيس أوباما، لا تهاجم سورية. لا توجد إيجابيات مقابل سلبيات هائلة. احفظ بارودك ليوم آخر أكثر أهمية”.

من بين أغلبية الجمهوريين والديمقراطيين الرافضين موقف أوباما آنذاك، كان ترامب يقف إلى جانب أوباما، في الخطوة التي تعتقد “إدارة ترامب” اليوم أنها أضعفت الموقف الأميركي في سورية، وتسببت بمجزرة خان شيخون.

الأهم هنا أنه من الصعب التنبؤ بمواقف دونالد ترامب تجاه المنطقة. حتى أشد حلفائه إخلاصاً، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بات متخوفاً من سياساته. والمخيف هنا أن سبب صعوبات التنبؤ لا يعود إلى امتلاك الرئيس سياسات مزدوجة، علنية وسرية. بل لأنه لا يمتلك أي سياساتٍ على الأرجح، فترامب خسر أكثر قضاياه وضوحاً وصلابة، معركة التأمين الصحي أو (أوباما كير)، فماذا سيفعل تجاه روسيا أو إيران أو سورية؟

العربي الجديد

 

 

شظايا الأسد في موسكو وطهران/ احمد عياش

الدقائق الاربع التي استغرقها إطلاق 59 صاروخا من المدمرتين الاميركيتين “بورتر” و”روس” في شرق المتوسط فجر الجمعة 7 نيسان 2017 مستهدفة مطار الشعيرات العسكري التابع للنظام السوري في ريف حمص، دخلت تاريخ الشرق المضطرب لترسم فاصلاً بين ما قبلها وما بعدها بالنسبة الى طريقة تعاطي الادارة الاميركية مع الازمة السورية. وبقدر ما كان دويّ الصواريخ الاميركية عاليا جدا على المستوى الميداني كان دويّها سياسيا أعلى بكثير بدءا من واشنطن التي غيّرت وجه أميركا جذريا مما كان عليه عام 2013 عندما كان الرئيس باراك أوباما في البيت الابيض، وبين عام 2017 حيث اليوم الرئيس دونالد ترامب. وفي خلاصة لهذا التحوّل ثمة إجماع على القول ان الولايات المتحدة الاميركية لن تكتفي بالاقوال فحسب بل هي ستقرنها بالافعال.

السؤال الان الذي لم يلق جوابا بعد: لماذا ردّ الرئيس السوري بشار الاسد على “تحية” الرئيس الاميركي له قبل أيام بأنه ليس على لائحة الاهداف الاميركية في الوقت الراهن بتنفيذ غارة الغاز السام على خان شيخون في إدلب؟ كثير من السياسيين في لبنان والذين تربطهم علاقات مع دمشق وموسكو، قبل غارة الكيماوي، هللوا للموقف الودي الذي أعلنته إدارة ترامب من رأس النظام السوري واعتبرته تحوّلاً يصب في مصلحة النظام لمدة طويلة. وفي المقابل شعر كل مناهضي النظام في لبنان والعالم بالمرارة وتخوفوا من أن يكون ذلك على حساب الحل العادل للأزمة السورية.

قبل غارة خان شيخون، تداولت اوساط قريبة من موسكو معلومات تفيد ان طهران لا تريد ان يكون هناك حل لهذه الازمة قبل أن تستكمل مخطط “سوريا المفيدة” الذي يعني توسيع نفوذ النظام السوري ليشمل المناطق الشمالية المحاذية للحدود مع تركيا. وهذا بطبيعة الحال يشمل محافظة إدلب التي تمثّل آخر معاقل المعارضة السورية الفعلية بكل أطيافها. فهل كان اللجوء الى السلاح الكيماوي بمثابة “الكيّ” الذي يدفع المعارضة الى الاستسلام بسبب عزلتها عن أي دعم فعلي لا سيما بعد التحول الاميركي من الاسد؟

ما استرعى الانتباه ان الضربة الاميركية غير المسبوقة حققت في وقت واحد مجموعة أهداف، أبرزها إقناع موسكو قبل زيارة وزير الخارجية الاميركي الثلثاء المقبل لروسيا، بأن تحترم قواعد السلوك الدولي في سوريا، وإرسال إشارة قوية الى طهران التي سارعت بعد سقوط الصواريخ في حمص الى نفي الانباء عن “مغادرة الديبلوماسيين الايرانيين وعائلاتهم الاراضي السورية”.

في لبنان، ما زال التفكير جاريا في مغزى التصريحات التي أطلقها الرئيس ترامب بعد غارة الكيماوي والتي تضمنت تهديدات شملت “حزب الله”. ما هو ثابت ان شظايا الصواريخ الاميركية التي طاولت الاسد أيقظت النيام في محور حلفاء النظام السوري الممتد ما بين طهران وموسكو مرورا ببيروت. ويبدو أن كل الحسابات القديمة حول أميركا يجري الآن سحبها من التداول.

النهار

 

 

 

 

صواريخ ترامب رسائل نارية كثيرة!/ راجح الخوري

هل هذا هو ترامب الآخر، ترامب الصارم والجاد والمخيف أيضاً، الذي فاجأ الجميع بمن فيهم شخصيات بارزة من الحزب الجمهوري، عندما اختار بطريقة “أضرب حديداً حامياً”، أن يوجّه مجموعة واسعة من الرسائل والإشعارات النارية عبر قاعدة الشعيرات السورية التي دمرها ولم يُصب جندياً روسياً واحداً من الذين كانوا فيها؟

الحجم السياسي الذي أحدثه القصف الصاروخي المحكم، أكبر بكثير من الحجم العسكري، ولو صارت الشعيرات ثانية قواعد سوريا العسكرية، بما فيها من مقاتلات روسية حديثة، وأولى الرسائل جاءت من أميركا المرتاحة لعودة هيبة واشنطن بعدما تراجعت كثيراً أمام موسكو. فقد أشاد جون ماكين وليندسي غراهام وماركو روبيو وبوب كروكر بترامب الذي دفن سياسة التخاذل الأوبامي، عندما قطف اللحظة المناسبة من بوابة الحس الإنساني بعد مجزرة خان شيخون الكيميائية، ليقول للأسد وحماته الإقليميين وحلفائه الروس “كفى، الأمر لي، أميركا تنتصر للعدالة”!

الأضرار السياسية للعملية ستكون عميقة وفادحة في روسيا، بعدما كان فلاديمير بوتين قد مضى بعيداً فوق رقعة تخاذل واشنطن، تغيرت قواعد اللعبة كلها ولا معنى لحديث موسكو عن تغيُّر في قواعد الاشتباك فوق سوريا. حاول الروس حفظ ماء الوجه بالإيحاء بأن واشنطن أعلمتهم سلفاً بالعملية، فرد جيمس ماتيز فوراً بالنفي، ولكن يكفي ان لافروف يأمل “ألا تتضرر العلاقات مع واشنطن”!

بعد مجزرة الغوطتين تمكن بوتين من تكبيل أوباما باتفاق نزع ترسانة الأسد الكيميائية، أمس تمكن ترامب من تكبيل تفرّد بوتين بسوريا وبغير سوريا، فلا يفلّ الحديد إلا الحديد، وكل الصراخ الروسي الذي سمعناه وسنسمعه لا معنى له، أكثر من يعرف ذلك هو بوتين الذي كان ارتعد لمجرد تهديد أوباما بالقصف عام ٢٠١٣، ولكن ها هو القصف ينزل جراحياً، فقط ستة قتلى ودمار قاعدة كبيرة وليس من نقط دم روسية!

مضحك تهديد موسكو بجلسة طارئة لمجلس الأمن الذي عطّلته بالفيتو ثماني مرّات لمنع الحل وانحيازاً الى النظام، مضحك أكثر القول إن التحضير للقصف سبق مأساة خان شيخون، التي حاولت موسكو التعمية عليها بذرائع لا تليق بدولة مثل روسيا!

الإيرانيون الذين كانوا أكثر حذراً بعد خان شيخون، عندما نددوا بالعملية من أين أتت ولم يدافعوا عن حليفهم الأسد، تلقوا أمس رسالة قوية ليس لأنهم يتخذون الشعيرات قاعدة مهمة لإدارة عملياتهم في سوريا والعراق فحسب، بل لأن صواريخ ترامب الذي يهاجمهم ويعِد بردعهم، تستطيع ان تقصف تحدياتهم في مضيق هرمز وباب المندب.

كوريا الشمالية وصلتها رسالة حامية عبر الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي كان مجتمعاً مع ترامب في فلوريدا عندما أنطلقت الصواريخ، لأن ترامب يقول “سنسوي ملف بيونغ يانغ إن لم تفعل الصين”.

النهار

 

 

 

روسيا وليس سوريا/ سميح صعب

سوريا هي أولى حروب دونالد ترامب في العالم. هذا رئيس في أشد ما يكون حاجة الى نيل شرعية لرئاسته بعد الحملات الواسعة في الداخل الاميركي التي تقول بأن روسيا هي التي أوصلته الى البيت الابيض ولم يصل بأصوات الاميركيين.

وقبل ترامب فعلها جورج بوش الابن عام 2001 الذي كان ثمة تشكيك في شرعيته بعدما كان يؤخذ عليه انه وصل الى الرئاسة بقرار صدر عن المحكمة العليا بوقف فرز الاصوات في فلوريدا اثر اشكالات في أوراق الاقتراع. وبعد أشهر من انتخابه ذهب الى الحرب في افغانستان مستنداً الى هجمات تنظيم “القاعدة” في نيويورك وواشنطن ومن ثم ذهب في 2003 الى الحرب في العراق. وحاول بوش عبر هاتين الحربين صياغة رئاسته وإكسابها الشرعية.

واليوم ينطلق ترامب من خان شيخون كي يبدأ أولى حروبه التي عادت تجمع الاميركيين من كل الشرائح حولها قبل أن يبدأوا انتقادها في ما بعد عندما يبدأون بدفع الاثمان. ولم ينتظر ترامب اجراء تحقيق في ما جرى في خان شيخون، ولا صدور قرار من مجلس الامن حول الهجوم الكيميائي، بل سارع الى العمل العسكري الاحادي. وهذا نهج تسير عليه الإدارات الاميركية منذ انتهاء الحرب الباردة وحتى الآن وكأنه الدليل على أن اميركا لا تزال الدولة العظمى الوحيدة في العالم وأن لها الحق وحدها في قيادة العالم من دون منازع.

الرسالة الصاروخية الاميركية تتعدى النظام في سوريا ليصل صداها الى أسوار الكرملين. ونصها أنه ممنوع على روسيا أن تعود دولة ذات مكانة دولية على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، وأن كل ما يحكى عن عالم متعدد القطب لا يزال ضرباً من الوهم ما دامت الولايات المتحدة تتمتع بقوة اقتصادية تؤهلها لإنفاق أكثر من 650 مليار دولار على الموازنة العسكرية.

والرسالة الصاروخية الاميركية التي بعث بها ترامب الى سوريا بينما كان يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ في أحد منتجعات فلوريدا، تحمل تحذيراً واضحاً لبيجينغ كي تضبط جارها الكوري الشمالي وكي لا تذهب بعيداً في تحركاتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي في مناطق متنازع عليها مع اليابان.

منذ حرب العراق عام 1991 والولايات المتحدة تتصرف وكأنها شرطي العالم. لا يعني هذا أن مبدأ القوة الذي تعتمد عليه أميركا يضفي الشرعية على أفعالها. ومجدداً تعود واشنطن لخوض حروب لا ينجم عنها سوى تعزيز جانب القوى الجهادية في العالم. وكل ما قاله ترامب من انه لن يتبنى سياسة اسلافه في عملية بناء الامم في الخارج وتغيير الانظمة، لم يكن سوى خداع. والمشكلة ان اميركا تهدم دولاً وأنظمة وأن “داعش” و”القاعدة” يملآن الفراغ.

غريب هذا التواطؤ الموضوعي بين اميركا والجهاديين!

النهار

 

 

 

 

“العلوج الأمريكان”/ غسان حجار

هل يصدّق احد إمكان الحسم في سوريا لمصلحة النظام او المعارضة بعدما تحولت الحرب السورية حرباً دولية على المصالح المتعلقة إن بسوريا وخيراتها او بالنفوذ والمصالح في المنطقة ككل؟ نعم يمكن توفير الحل عندما يتفق الكبار على تقاسم جديد للنفوذ والمصالح، فينهون النظام المتعجرف، والمعارضات التي صار اكثرها ارهابياً، اذ ان التعايش مع الطرفين غير ممكن، وحياة الطرفين ايضا غير ممكنة. وما دام الاتفاق على البدائل صعبا ومعقدا وغير متوافر، فان الفصل الاخير للحرب يظل بعيدا.

النظام بعد كل الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه لن يكون قادرا، بشكله الحالي، على استعادة زمام المبادرة، وامساك الاقلية العلوية بمقاليد الحكم في ظل بحر هائج من الاكثرية السنية. والمعارضة، بما هي معارضات غير متفقة على الحد الادنى من النظرة والرؤية الى مستقبل سوريا، لا يمكنها تسلم الحكم ونقل انقساماتها وصراعاتها الى المؤسسات لتنفجر من داخلها.

امس، كانت غارة اميركية بالصواريخ على مطار عسكري سوري، اعتبر النظام انه كان اقوى منها، اذ صرح بانه افرغ القاعدة الجوية من طائراتها الحربية، وركز على وقوع اصابات مدنية، كأنه بذلك يرد على الرئيس الاميركي دونالد ترامب، ويتهمه بالفشل، وفي هذا شكل اضافي من التعجرف وعدم الواقعية في التعامل مع المستجدات، بل ادارة الظهر لها. الضربة ليست عسكرية بل سياسية، وهي لا تبدل في توازن القوى الميداني، بل تبدل في موازين القوى السياسية، ورسالتها الى النظام وايران و”حزب الله” اكثر منها الى روسيا التي ثبّتت موقعها في المعادلة الاقليمية، ولم يعد ممكنا تجاوزها، بل صار الاتفاق معها ضرورة لأي فريق آخر.

المشهد في سوريا لا يختلف كثيرا عما عرفه لبنان خلال الحرب التي امتدت خمسة عشر عاما، رغم كل المؤتمرات، والمبادرات، والادانات، والقرارات العربية والدولية التي ظلت حبرا على ورق الى ان حانت الساعة، ساعة الاتفاق بين القوى العظمى.

المَشاهد بالامس، وفي كل يوم، تعيدنا بالذاكرة إلى أيام “تنذكر وما تنعاد” عشنا فصول مآسيها، لتؤكد ان الوهن أصاب سوريا ولم يعد الخروج من المستنقع امرا سهلا، وقد مرت ست سنوات الى اليوم على تلك الحرب، رغم الإنكار الرسمي الذي سيظل سيد الموقف الى ما لانهاية، مذكرا بوزير الاعلام العراقي محمد سعيد الصحاف الذي استمر الى اللحظة الاخيرة يصف الاميركيين بالعلوج ويهزأ منهم قبل ان يصمت الى الابد.

القراءة الواقعية تفيدنا اكثر مما تفيد السوريين انفسهم، وذلك لإبعاد شبح انتقال الحرب الينا مجددا، والدفع لانسحاب اي فريق لبناني من سوريا، وتحديدا “حزب الله” الذي لعب دور قوات “الردع”، الى لبنان، وهو يدفع اثمانا باهظة، وربما يخرج كما خرجت القوات السورية من لبنان نتيجة اتفاقات دولية لا تقيم له اعتبارا.

النهار

 

 

خيارات أمريكا محدودة في سوريا/ وائل عصام

كان من المفترض توقع محدودية الضربة الامريكية لنظام الاسد منذ اليوم الذي اعلن فيه اوباما عن نية توجيه الضربة، فما بالكم ونحن بعد عدة سنوات، مالت فيها الكفة سياسيا وعسكريا لصالح الأسد وحلفه الإيراني الروسي في المنطقة.

منذ سنوات الثورة الاولى، فان السياسة الامريكية في سوريا بنت استراتيجيتها منذ البداية على محاولة اختراق الجماعات المعارضة المسلحة للثورة، وشراء ولاءاتها بالدعم، إن كان مباشرة أو من خلال الدول الحليفة لامريكا بالمنطقة، لضمان وجود سلطة في دمشق لا تختلف ولاءاتها عن باقي العواصم العربية المحمية امريكيا، وتمت خدمة هذا المشروع اعلاميا وثقافيا من الاجهزة التابعة للحكومات الداعمة، من خلال اشاعة خطاب ينتمي لادبيات غربية متصالحة مع سياسات الداعمين، أكثر منه انتماء لادبيات تعنى بقضايا العرب السنة وثوراتهم الغاضبة على الانظمة بالمنطقة.

ولما وجد الامريكيون أن الثورة السورية عصية على الهيمنة وان الجماعات السنية الرافضة للوصاية الغربية، أقوى عسكريا وشعبيا، من تلك القابلة بها، بدا أن زيادة قوة وسيطرة تلك الجماعات السنية الجهادية سيشكل تهديدا لمصالح الولايات المتحدة بالمنطقة، وتهديدا لحلفائها وعلى راسهم اسرائيل، التي قال مسؤولون فيها صراحة أنهم يخشون من هيمنة سنية معادية لهم في دمشق، وتفشي هذا التمرد في المنطقة، لذا تحولت الرؤية الامريكية للقبول ببقاء نظام الاسد بدلا من استمرار الدعم لمجموعات سنية غير منضبطة، وغير خاضعة للاجندة الغربية، خصوصا انه تكشف مع الايام أن بعض تلك التي تظهر انها معتدلة كجماعات الجيش الحر المرتبطة بغرف الدعم الغربي، إنما تحتفظ بعضها بروابط وعلاقات مع الجماعات الجهادية الاخرى.

وقد شرحتها اولبرايت في كتابها تحت عنوان «المعضلة الخبيثة»، موضحة صعوبة خيارات الامريكيين في سوريا بين رغبتهم برحيل الاسد وخوفهم من هيمنة سنية على دمشق، لا يمكن التفاهم معها لاحقا، لذلك دفع الامريكيون حلفائهم العرب لمحاولة تدجين كل الفصائل الرافضة للوصاية الغربية، والملتزمة بشعار الثورات العربية الداعي لاسقاط الانظمة، وليس التحالف معها كما فعلت الفصائل «المعتدلة» التي انتهى بها المطاف كقوات ضمن برنامج مكافحة الارهاب الامريكي، عاجزة عن خوض اي معركة فاعلة ضد الاسد الا بمعية النصرة وحلفائها الجهاديين.

وهكذا مع تصاعد خطر التمرد السني غير المنضبط غربيا بسوريا، وارتباطه بذاكرة الامريكيين بالمقاومة العراقية السنية، لم يجد الامريكيون من خيار امامهم لوقف هذا المارد السني الذي بدأ ينهض، سوى مزيد من التقارب مع ايران، التي تشاركهم العداء نفسه للتمرد السني بالعراق وسوريا، وكان هذا خيارا مناسبا ايضا لايران، التي استخدمت الامريكان كما قال السيستاني في عبارة نقلت عنه « كالثور الذي يحرثون عليه ارض السنة».

وهذا ما حصل فعلا، فمن يتساءل عن التدخل الامريكي عليه أن يتذكر أن الامريكيين يتدخلون فعلا في العراق وسوريا عسكريا، ولكنهم يقاتلون «مع» حكومة بغداد ودمشق والاكراد ضد اعدائهم في مدن العرب السنة، بالمقابل يقاتل الامريكيون «ب» السنة ومجموعاتهم الموالية لهم، لكن ضد مدن السنة الخارجة عن سيطرة حكومتي بغداد ودمشق والاكراد شمالا، ويعيدونها لسيطرة هذه الاطراف الثلاثة المعادية للعرب السنة، ولم يحدث أن هاجم الامريكيون بلدة أو جماعة جهادية شيعية أو ميليشيا تابعة للاسد أو الاكراد برفقة قوات تابعة لحكومتي بغداد ودمشق أو الاكراد.. فالتدخل الامريكي حاصل، ولكن من يستفيد منه حسب اجندته هو الطرف الكردي والايراني الذي يملك مشروعا ورؤية وتحالفا صلبا، اما بالنسبة للقوى السنية فانها تستخدم في التدخل الامريكي، ليس حسب اولويتها هي، بل حسب الاولوية والاجندة الامريكية، التي تكون ضد مدن السنة وحواضرهم، ليتم تدميرها وإخضاعها وتسليمها لخصومها في حكومات بغداد ودمشق والقوى الكردية في شمال العراق وسوريا.

اذن، الضربة المحدودة هي امتداد لسياسات امريكا المحدودة بسوريا وليس استثناء. امريكا التي أبلغت فصائل المعارضة الموالية لها قبل ثلاث سنوات انها أوقفت دعمها لهم في سبيل اسقاط الاسد، وامريكا التي تبنت سياسة فعلية على مدى السنوات الثلاث الماضية وبالتنسيق مع روسيا مؤخرا تحارب فيها خصوم الاسد وايران، وامريكا أبرمت اتفاقا استراتيجيا بتسوية الملف الايراني النووي، واضطرت لاغضاب اسرائيل في هذا الامر علنا، وأمريكا التي تنخرط قواتها بشراكة عسكرية منذ سنوات مع قوات الحكومة العراقية وميليشيا الحشد الشيعي، الذين يحظون بزيارات السفير الامريكي ببغداد، امريكا هذه لا يمكنها قلب كل سياساتها هذه مره واحدة، ولا تمتلك الارضية الملائمة لها في العراق وسوريا للانخراط في مشروع معاكس للحلف الايراني المستقوي بتحالف قطب دولي روسي، أعده الايرانيون كذخيرة لمثل هذا اليوم، بينما لا يملك العرب وحكوماتهم أي تحالف ذي قيمة يمكنه فرض اجندته، ولن يكون من السهل على امريكا تنفيذ سياسات مواجهة عسكرية ضد عدوين أو خصمين صلبين في الوقت نفسه بالمنطقة، الجهاديين السنة والجهاديين الشيعة، وهذا بالضبط ما حدا بها إلى استمالة ايران واحزابها الشيعية في العراق، لانها كانت غير قادرة على مواجهة التمرد السني، وأي تهديد لتمرد شيعي، كما بدا أن التيار الصدري يلوح به بدعم ايراني، وتنفيذا لسياستها البراغماتية التي لا غنى عنها في الواقع للتعامل بحالة متشابكة في العراق، لم تجد الولايات المتحدة بدا من التقارب مع القوى الاساسية والعسكرية المتماسكة في العراق، وهما القوتان الكردية والشيعية، اللتان امتلكتا ايضا قيادتين ومرجعيتين ذاتيتي السيادة نسبيا مكنتهما من الاستفادة من الامريكيين لمصلحة تثبيت سلطتيهما في العراق الجديد.

وهكذا رغم أن الولايات المتحدة تدخلت بالعراق باقصى اشكال التدخل، وهو العسكري، بما يزيد عن مئة الف جندي، فإنها عجزت عن منح أي نفوذ لحلفائها من الشيعة كاياد علاوي أو سياسيي السنة الذين طردوا واحدا تلو الاخر بطريقة مهينة، مقابل هيمنة كاملة لحلفاء ايران الشيعة على السلطة، لذلك علينا أن نفهم أن الولايات المتحدة لا تستطيع التدخل الا على ارضية مهيئة ، وان وجود قوى متماسكة محلية اخرى قد يعيق تحقيقها لاهدافها وان بدت كقوة عظمى، كما اعترف اوباما نصا في خطابه عندما قال «لقد تعلمنا درسا قاسيا في العراق.. القوة العسكرية لا يمكنها فعل كل شيء»، ولكن الوعي الشعبي العربي لا يرغب بتقديم اسباب وتفسيرات لكيفية النزاع بعيدا عن قوالب جاهزة يحفظها، واعتاد على الحلول الخارجية مقابل عجزه عن ايجاد اي حلول ذاتية، وألف تقديس القوى الدولية في تعبير عن عجزه الدائم عن القيام بأي جهد لمواجهة التحديات لانه غائب كعربي منذ قرون عن ادارة سياسات بلاده المنوطة للاخرين.

الدول والحكومات العربية الموالية للامريكيين، التي حولت بلادها لمحميات امريكية تريد أن ترى بقية البلدان العربية الثائرة خاضعة للامريكيين مثلها، وقد نجحت بالفعل في وأد عدد من ثورات الربيع العربي، وتواصل سياسية الخطف الممنهج لإرادة ووعي جمهور الثورات بالتخلص من الهيمنة، سواء كانت هيمنة ايرانية أو غربية، وهكذا فانها تطرح اسئلة مزيفة حول قدرة الدور الامريكي على تخليص البلاد من نظام الاسد، وتمجيد التدخل الامريكي وإن كان بلا جدوى في ظاهرة جديدة اطلق عليها «منحبكجية ترامب»، والخطير بالامر أن هذا الخطاب يصب في صالح دعاية نظام الاسد وايران تماما القائلة بان ثورات السنة هي حركات مدعومة من الغرب، بينما هي لم تتلقى من الغرب سوى مداهنة نظام الاسد، والقتال مع حليفته ايران بدعم عربي رسمي ضد التمرد السني منذ احتلال العراق، وكأن امريكا كانت يوما صديقة لنضال وتطلعات العرب ورفيقة كفاحهم ومناصرة قضاياهم، وكان المطلوب هو نشر ثقافة ترسخ القبول بالعبودية والخضوع لهيمنة شرقية فارسية أو غربية امريكية، ويبقى على العربي الاختيار بين السيدين الايراني أو الامريكي، كأنه تحويل من ثورة بمشروع تحرر عربي إلى عرض محدود لتحسين ظروف العبودية لا التحرر منها..

كاتب فلسطيني

القدس العربي

 

 

 

 

الضربة الأمريكية: تحذير للأسد أم مقدمة لإطاحته؟

رأي القدس

لقيت الضربة الصاروخية التي نفّذتها القوّات الأمريكية ضد قاعدة الشعيرات، مقرّ انطلاق الهجمات الكيميائية للطائرات الحربية السورية على بلدة خان شيخون، ترحيباً واسعاً من دول الخليج وتركيا والأردن، وابتهاجاً شديداً لدى المعارضة السورية التي طالبت بعض شخصياتها بإقامة منطقة حظر جوي فوق سوريا واستمرار الضربات، كما لقيت تأييداً من حلفائها في بريطانيا وفرنسا وكندا.

من الجهة الأخرى قامت روسيا بتعليق تفاهمها مع أمريكا على تنسيق عمل الطيران بينهما، واعتبر مجلسها للأمن القومي ما حصل «عملاً إرهابيّاً»، وأعلنت أنها ستعزز الدفاعات الجوية السورية، فيما قام النظام السوري بالتهديد بالانتقام من المعارضة، وقام حليفه «حزب الله» اللبناني، بتهديد واشنطن بانعكاسات خطيرة على مصالحها في المنطقة العربية برمّتها.

بعض تصريحات اليمين الغربي المساند لروسيا والأسد ندّد بالضربة الأمريكية، كما فعلت مرشحة اليمين العنصري الفرنسي مارين لوبان، وجاءت ايضاً من أطراف أخرى مثل السفير البريطاني السابق إلى سوريا بيتر فورد، الذي تساءل إن كان الأسد «أحمق ليستخدم السلاح الكيميائي»، وهو «تحليل» ركيك يكشف وجود تيار قويّ من التواطؤ الغربيّ الخفيّ والمعلن مع حفلة التعذيب المستمرة التي يقوم بها نظام الأسد ضد شعبه.

لا يحتاج الأمر كثير تدبّر لاستيعاب أهداف الهجوم الكيميائي الجديد، وفهمه خصوصاً في سياق «أرباح» النظام السوري من الهجوم الكيميائي الكبير عام 2013، والذي أدّى، فعليّاً، لإعادة شرعنة النظام السوري مقابل تسليمه الأسلحة الكيميائية (ثم إعادة تصنيعها واستخدامها بعد إقفال الأمم المتحدة للملف!).

استخدام النظام السوري لأسلحة التدمير الشامل كان امتحانا جديدا للعالم ليتأكد من صحة المعادلة الثنائية التي قام عليها واعتبر أنه بفضلها أصبحت لديه رخصة قانونية للإبادة الجماعية لشعبه، وهي، أولاً، إسهامه الهائل في اضطهاد جماعة تنتمي لدين تعتبر أطراف واسعة في الغرب أنه سبب للإرهاب، وثانياً، «حماية الأقليات» (كما تفعل، حسب افتراضه، إسرائيل).

دفاع روسيا الشرس عن هذه المعادلة دليل على شيوعها وصلابتها، وجاذبية روسيا لدى اليمين العنصري الغربي عموما (وفي أوساط إدارة ترامب نفسها إلى وقت قريب)، دليل آخر عليها.

مجازفة النظام المحسوبة جاءت بعد تصريحات عديدة أمريكية أنه لم يعد مستهدفاً وأن على الجميع تقبله كجزء من الواقع السياسي، كما كانت بعد يوم واحد من عملية بطرسبرغ، بحيث نشر الأسد غازات السمّ ضد شعبه لإرضاء رغبة القيصر الروسي بالانتقام.

إعلان ترامب عن الهجوم جاء من منتجعه في فلوريدا حيث كان مجتمعا برئيس الصين شي جينبينغ، وهو أمر ساهم ربما في اتخاذ بكين موقفاً معتدلاً حثّت فيه «على ضبط النفس»، وهو أمر يشابه تصريح السلطات المصرية، التي عاد رئيسها مبتهجاً من لقائه بترامب الأسبوع الماضي، حيث اتخذت «منزلة بين المنزلتين» داعية روسيا وأمريكا «لاحتواء أوجه الصراع للوصول إلى حل شامل ونهائي للأزمة».

تدل ردود الفعل العالمية، بشكل جليّ، على أن تأثير الضربة يفيض عن الموضوع السوري، كما يوضّح ردّ فعل الكرملين العنيف عليها أنها فُهمت كتحذير لروسيا (وكذلك للصين وكوريا الشمالية وإيران) وهو ما يجعلها نقطة بداية قد تغيّر قواعد اللعبة بشكل يجعل مصير بشار الأسد ونظامه تفصيلاً في استراتيجية أمريكية أكبر بكثير تتعلّق بحيثيات سيادة واشنطن على العالم وليس على المشرق العربي فحسب.

زيارة وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون إلى موسكو الأسبوع المقبل ستحدد، عمليّاً، حدود التفاهمات الممكنة بين القيادتين الأمريكية والروسية، وإذا استمر قرع طبول التحدّي الروسية لقرار واشنطن، الذي يعني عمليّاً، إسقاط شرعيّة الأسد، فالأغلب أن المنطقة ستشهد تصعيداً غير مسبوق بين الطرفين وحلفائهما على الأرض، وليس مستبعداً أن يمتدّ هذا الأمر إلى تركيا وأوكرانيا وشرق أوروبا وبعض الدول الإسلامية التي تدور في الفلك الروسي.

القدس العربي

 

 

 

 

الضربة الأميركية في سورية: تأييد لترامب وتمهيد لمحاصرة إيران/ فكتور شلهوب

خلقت الضربة الأميركية، دينامية جديدة للأزمة السورية. غيّرت حسابات وقواعد لعبتها. تركتها معلّقة بين المزيد من التصعيد والتعقيد، وبين إمكانية تعويم الدبلوماسية. انعكس ذلك في طوفان الردود الأميركية التي أيّدت يأغلبها بشكل عارم قرار الرئيس دونالد ترامب، بين من دعا إلى وشجع على توسيع دائرة القصف، ومن أوصى بالتريث لانتظار معرفة رد الفعل الميداني، في حين أنّ قلة قليلة اعترضت أو تخوّفت على القوات الأميركية المتواجدة داخل سورية، بينما تبدو الإدارة الأميركية مؤيدة للرأي الثاني.

“مستعدون لفعل المزيد” قالت السفيرة الأميركية نيكي هالي، في مجلس الأمن الدولي. هو تحذير من عواقب الرّد على الضربة، يحتمل التأويل. تأويل أنّ الإدارة ليست في وارد الاصطدام المباشر مع النظام السوري، أو أنّ ما حصل ليس غير البداية في مواجهة غير مباشرة وطويلة.

ولا تخفي بعض دوائر حقل السياسة الخارجية، خشيتها من أن تتطوّر العملية لتؤدي إلى الدوران في دوامة “الرّد والرّد على الرّد”. احتمال دفع ببعض الجهات في الكونغرس إلى المطالبة بفتح نقاش حول الموضوع، وإشراك مجلسي الشيوخ والنواب في القرار حوله.

وتنطوي مثل هذه الدعوة على تخوّف من “الانزلاق” إلى مواجهة أكبر أو إلى “تورّط” مديد. والمعروف أنّ الدستور يخوّل الكونغرس “وحده” إعلان الحرب. ولو أنّ هذا الأخير لم يمارس هذا الدور منذ الحرب العالمية الثانية عندما أعلنها على اليابان. ترك للرئيس حرية التصرّف العسكري لفترة شهرين قابلة للتجديد. وهذا ما يمارسه الرئيس ترامب الآن في سورية.

ومن هنا استحضرت الضربة هاجس التورّط المكلف في العراق. بل يصحّ أن تستحضر سيناريو ما سمعه صدام حسين من السفيرة الأميركية عشية غزوه للكويت. فما سمعه النظام السوري من البيت الأبيض وأركان في الإدارة، قبل ثلاثة أيام من الضربة، هو في مضمونه نفس ما قالته السفيرة للرئيس العراقي آنذاك.

تشجيع غير مباشر وبما يؤدي إلى الوقوع في شرك فخ ربما يكون قد جرى نصبه بعناية، وعن سبق تصوّر وتصميم. ذلك أنّه يصعب، إن لم يكن يستحيل، اعتماد التفسير الذي قدّمته الإدارة الأميركية لانكفائها بعد 48 ساعة عن موقفها بالنأي عن الوضع السوري، ومصير رئيسه بشار الأسد، الذي تركته للشعب السوري للبتّ بشأنه. زعمها بأنّها تأثرت بمشهد ضحايا الكيماوي في خان شيخون، لا يسوّغ الالتفاف 180 درجة، وقبل أن يجفّ حبر موقفها الصريح، للقيام بعملية بهذا الحجم. لاسيما أنّها الضربة الأميركية الأولى من نوعها في تاريخ الأزمة السورية. ثم إنّ الحرب السورية حافلة بالمآسي التي لم تحرّك أحداً لمثل هذا الرّد.

في ضوء ذلك، يجوز الاعتقاد بأنّ الضربة، تندرج على الأرجح في خانة سعي الإدارة إلى خوض مواجهات محدودة في الخارج، تكون من الصنف الذي يجري توظيف مردوداته في الداخل، وبما يساعد الرئيس ترامب على تجاوز أزمات إدارته. ووفق هذا السيناريو، فإنّ إيران هي المعنية بالنهاية من هذا التصعيد في سورية. ويأتي ذلك في إطار العمل على تطويق النفوذ الإيراني، والتصدّي لمواقعه في المنطقة.

ومن هنا كان رفع القيود عن بيع السلاح للسعودية، لتمكينها من التفوّق في حربها في اليمن، مع النظر جدياً في تقديم الدعم اللازم لاستعادة ميناء الحديدة من يد الحوثيين. كما كانت الزيارات الأخيرة للعراق، والتي قام بها وزير الدفاع جايمس ماتيس، ثم رئيس الأركان جوزيف دانفورد، ومعه مستشار الرئيس وصهره جاريد كوشنر، لتطمين القيادة العراقية، في ظل تنامي الدعوات الأميركية لتقليص الدور الإيراني في العراق.

ومؤخراً جاء دور سورية، وزيادة عدد القوات الأميركية فيها استعداداً لاسترداد مدينة الرقة من سيطرة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش)، مع تزايد الحديث عن القوى المدعومة من إيران في سورية، والتوعّد بتسوية الحسابات معها.

إذا كان الأمر كذلك، فإنّ من غير المجازفة القول بأنّ مسلسل المواجهات طويل.

العربي الجديد

 

 

 

 

فعلها ترامب/ بيار عقيقي

أعاد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تركيز دور بلاده في العالم، في سعيه إلى “أميركا عظيمة”. 59 صاروخاً من نوع “توماهوك” على مطار الشعيرات، شرقي حمص السورية، كانت كفيلة بتأييد أغلبية دول الكوكب الإدارة الأميركية الجديدة. أعلن ترامب عن وجوده بهذه الضربات، معيداً “الهيبة” الأميركية إلى الساحة الدولية، الهيبة التي سقطت بفعل تردّد سلفه باراك أوباما.

قبل إتمام المائة يوم الأولى في عهده، كشف ترامب عن نياته السورية. يريد التفاوض هناك مع الروس، لا مع غيرهم. ضرب مطار الشعيرات يُمكن وصفه بأنه خطوة شبيهة بقصف بارجة نيوجيرسي الأميركية مواقع في لبنان، في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990). مع فارق أن الضربة التي حصلت عام 1983 لم تؤدِّ إلى فعل عسكري محدّد، بل أفسحت المجال أمام قيام محاولات سياسية لإنهاء الحرب في البلاد. لم ينسّق الأميركيون في حينه مع أحد، ما أجّج نيران الحرب اللبنانية، أما أمس، فإن غارات ترامب من المفترض أن تفضي إلى تسريع الجهود السياسية في سورية.

وفقاً لكرونولوجيا الضربات الأميركية، فإن ترامب أبلغ الروس والإسرائيليين ومعظم دول الغرب بالضربة. لا الروس حرّكوا منظومة “إس 300″، ولا ترامب قصف أماكن وجود القوات الروسية في الشعيرات. كل شيء بدا “مرسوماً” بين الفريقين، فالرئيس الأميركي سبق له أن أكد “عدم نيته مواجهة روسيا، بل التعاون معها”. كما أن الردّ الفعل الروسي تجلّى في عبارة للكرملين سبقت الضربات، جاء فيها إن “دعم موسكو بشار الأسد ليس غير مشروط”.

بهذه الضربات، أفهم الأميركيون الجميع، خصوصاً إيران ودول الجوار السوري، أن “القرار في سورية يعود للأميركيين وللروس”. بالتالي، ستتخذ المفاوضات السياسية منحىً أكثر ليونةً من كل الأطراف السورية، في سبيل الوصول إلى حلّ سياسي، بحسب النظرة الأميركية ـ الروسية المشتركة سورياً. ما سيؤدي إلى تراجع ميداني مفترض، لكل القوى العسكرية غير المحسوبة على الروس أو الأميركيين، ويقطع الطريق على نوايا “الحشد الشعبي” العراقي مواصلة الطريق إلى سورية، حسبما أعلن مسؤولوه في وقتٍ سابق، بعد “تحرير الموصل العراقية من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)”. ومن المفترض أن يلي تلك الضربات تنسيق ميداني بين الروس والأميركيين في معركة الرقة المرتقبة.

ثنائية أميركا ـ روسيا في سورية ستكون أساس التعاون المشترك عالمياً، من سورية إلى كوريا الشمالية وبحر الصين الجنوبي وأوكرانيا وأفغانستان وإيران واليمن وغيرها. استعاد البلدان لغة الثنائية القطبية، في ظلّ تضعضع الهيكل الأوروبي، ومنعاً لبروز قوى أخرى كالصين مثلاً. أما العتب المتبادل فليس سوى أداة أساسية في رفع سقف الشروط بين واشنطن وموسكو، لا يتجاوز سقفها التفاهم غير المعلن بينهما.

الأساس في سورية أن الضربات لا تهدف لا إلى دعم المعارضة السورية، ولا إلى إسقاط النظام السوري، بل إلى ترسيخ النفوذ الأميركي، تماماً كما حصل في العام 2015 حين قصف الجيش الروسي من بحر قزوين 24 صاروخاً في سورية، معلناً أنه “سيد المنطقة الممتدة من بحر قزوين إلى البحر المتوسط”، شاملاً إيران وتركيا والعراق وسورية ولبنان. ترامب فعل الأمر نفسه، للقول إن في سورية سيدين لا ثالث لهما: هو وفلاديمير بوتين.

ليست الصواريخ الـ59 مجرد أدوات لقصفٍ محدود في سورية فقط، بل رسالة تفيد بأن أميركا ـ باراك أوباما انتهت إلى لا رجعة، وأن أميركا ـ دونالد ترامب تعمل وفقاً لشعار “أميركا أولاً”. ترامب رجل أعمال أولاً وأخيراً، لا يهمه ما يحصل خارج الولايات المتحدة إلا في سياق انعكاسه على الداخل، وعلى المنظومة الاقتصادية التي يعمل على تغييرها. كما كسب معركته الخاصة في الكونغرس وداخل حزبه الجمهوري. هو ليس ملاكاً مرسلاً، فمرسوم الهجرة ضد ست دول إسلامية ما زال “صامداً”.

العربي الجديد

 

 

 

 

 

لا تقولوا “أميركا ضربت سورية”/ محمد أبو الغيط

ما إن سقطت الصواريخ الأميركية على مطار للنظام السوري، إلا وظهرت موجة من الفزع بين من يردّدون “أميركا ضربت سورية”. أحياناً نحتاج مناقشة التعبيرات في حد ذاتها كما نناقش ما وراءها.

لدينا هنا سؤال بغاية البساطة: ماذا تعني “سورية” في العبارة السابقة؟ لو كان المعنى هو الأرض السورية فبهذا التعريف أميركا تضرب سورية منذ أكثر من عامين بالفعل. كأن القصف الأميركي ضد “داعش” غير محسوب لسببٍ ما، على الرغم من أنه أضخم حجماً وزمناً، وبرفقة تحالف دولي يمثل نحو 60 دولة، منها دول عربية، كالإمارات التي اشتُهرت منها الطيارة مريم المنصوري قائدة إف 16، وأيضاً الأردن التي فقدت طيارها معاذ الخطيب فوق الأرض السورية.

وبهذا التعريف أيضاً، فإن روسيا تضرب سورية منذ عامين في قصفٍ شمل أغلب المحافظات السورية، ومن قبلها شاركت إيران، ومعها مليشيات شيعية عراقية ولبنانية وأفغانية، تواجه مليشيات سنية من عشرات الدول، وبعض فصائل المعارضة مدعومة من دول خليجية. .. كل هذا قديم، فما الجديد إذن؟

أما لو كان معنى “سورية” هو المدنيين السوريين، فبهذا المعنى أيضاً قتل التحالف الدولي مدنيين سابقاً، في مايو/ أيار 2015 أصدرت وزارة الدفاع الأميركية أول اعتراف رسمي، حين اعتذرت عن “مقتل طفلين على سبيل الخطأ في قصف استهدف جماعة خراسان”. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، اعترف الجيش الأميركي بمقتل 64 مدنياً بالخطأ خلال غارات من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 إلى سبتمبر/ أيلول 2016. المرصد السوري لحقوق الإنسان وثق أعداداً أخرى لضحايا قصف التحالف في وقائع، قالت وزارة الدفاع الأمريكية إنها تحقق فيها.

على الجانب الآخر، وثق المرصد نفسه أيضاً سقوط 5013 مدنياً على يد القصف الروسي، والعالم كله شهد القصف الجنوني من الطيران الروسي على حلب.

وبشكل عام، تجاوز إجمالي قتلى الحرب في سورية على أقل تقدير 300 ألف ضحية. كل هذا قديم، فما الجديد إذن؟

قال بعضهم إن نتيجة القصف هي التطور الأهم، فالمشهد يذكّرنا بإسقاط أميركا صدام حسين، ولو تكرّر هذا في سورية سيتم تقسيمها. لكن مشكلة هذا الطرح أنه نظري وقديم، يتجاهل الواقع الواضح: سورية تم تقسيمها بالفعل.

هناك مناطق يحكمها بشار، ومناطق للمعارضة المصنفة معتدلة (وهي مناطق مقسمة)، ومناطق يحكمها تنظيم الدولة الإسلامية، ومناطق تحكمها هيئة تحرير الشام (جبهة النُصرة سابقاً)، ومناطق يحكمها الأكراد الساعون إلى جمهورية روج آفا.

هذا المناطق منفصلة تماماً كأنها دول أخرى بالفعل، لكل منها حاكم مختلف، ونظام مختلف، وقوات عسكرية مختلفة، وآليات اقتصادية لجمع الضرائب، وآليات خدمية للأهالي، وهيئات قضائية، وغيرها من مقومات الدول.

إذن، الجديد الوحيد أن هذا القصف استهدف نظام بشار الأسد. لذلك من يستخدم مصطلح “أميركا ضربت سورية” هذه المرة، من دون أن يستخدمه في سابقاتها، فهو يقصد، عمداً أو يستبطن في لا وعيه، أن سورية هي سورية الأسد فقط، وما سواها ليس سورية، أو ليس سورية الأصلية بشكلٍ ما.

لعقود طويلة، رسخت الأنظمة العربية عميقاً في نفوس شعوبها أن الوطن يتجسّد في النظام الحاكم، وربما في شخص الرئيس تحديداً.

على من يرون أنفسهم مدافعين عن قيمٍ ديمقراطية أن يدقّقوا في اختيار ألفاظهم، وأن يسائلوا أنفسهم كي يتأكدوا ألا تتسرّب إلى خطابهم أفكار أو ألفاظ تنتمي إلى ما يحاربوه. ما غرسته الأنظمة، بإعلامها ومدارسها وسلطاتها، الفكرية قبل العسكرية، استغرق سنوات ليتأسس عميقاً، وسيستغرق سنواتٍ ليُنتزع تماماً.

سواء سعدتم أو غضبتم بما حدث، فلتسموا الأمور بمسمياتها أولاً، ثم اختلفوا كما تشاؤون: أميركا قصفت مطارا عسكرياً لنظام بشّار.

العربي الجديد

 

 

 

ترامب مُتعلِّم سمعي بصري.. ولذلك تدخل في سوريا

لم تظهر مجزرة خان شيخون وحشية النظام السوري الذي استخدم السلاح الكيماوي فقط، بل أثبتت أيضاً، وربما للمرة الأولى منذ انطلاقة الثورة السورية، أهمية العمل الذي يقوم به الناشطون الإعلاميون في توثيق ما يجري من فظائع وجرائم ضد الإنسانية في البلاد، حيث لعبت صور المجزرة التي بثها الناشطون ووسائل الإعلام المعارضة، دوراً جوهرياً في اتخاذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراره بالضربة العسكرية الأولى لواشنطن ضد نظام الأسد، بعدما كان دورها محصوراً في السابق بحشد الرأي العام العالمي فقط من دون تأثير حقيقي.

وكشفت صحيفة “واشنطن” بوست” نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية، أن صور المجزرة وحدها ما جعل ترامب ينتقل في سياسته تجاه سوريا، من اللامبالاة الكاملة وفق شعار “أميركا أولاً”، إلى إطلاق 59 صاروخ توماهوك كروز على مطار الشعيرات الذي انطلقت منه الطائرات المحملة بالأسلحة الكيماوية.

وأكد مسؤولون كبار في الإدارة وأعضاء في الكونغرس، أن ترامب تأثر بشكل خاص بصورتين. الأولى، تظهر مجموعات الأطفال خائري القوى الذي يتم رشهم بالماء بقوة في محاولة لتطهيرهم من غاز الأعصاب السام المستخدم في الهجوم. والثاني لأب مفجوع يحمل جثّتي طفليه التوأم اللذين لفّهما بنسيج أبيض ناعم، وهي الصورة التي انتشرت في نطاق واسع عبر “تويتر”.

وقد يرتبط ذلك بشكل جوهري بشخصية ترامب نفسها. فعندما بدأ الرئيس الجديد بتلقي تقاريره الاستخباراتية اليومية في كانون الثاني/يناير الماضي، قدم فريقه طلباً إلى أجهزة الاستخبارات بأن يتم تقليل عدد الكلمات وزيادة الرسوم والصور، لأن ترامب متعلم بصري – سمعي. وبالمثل قام فريق ترامب بتفتيت خطة أوباما للطوارئ في سوريا إلى جرعات قابلة للهضم في عقل ترامب عبر تكثيف الصور في المعلومات المقدمة إليه، بما في ذلك الصور الأخيرة من مجزرة خان شيخون.

وأفاد أحد كبار مستشاري البيت الأبيض، أن ترامب تابع المجزرة طوال اليوم وخلال الليل عبر شبكات الأخبار، ثم تحول إلى كبار موظفيه ليقول كم هي اللقطات مروعة وفظيعة في سوريا. فيما وصفته مستشارة ترامب كيليان كونواي بأن ما شهده العالم في ترامب هو شخصيته كقائد في مهمة وأب وجَدّ، مضيفة أن الرعب الذي بثته الصور لكل العالم كان من الصعب تجنبه وتجنب نظرات أولئك الأطفال، لأي أحد شاهد الصور، بما في ذلك ترامب شخصياً.

رغم ذلك، يرى السيناتور الديموقراطي كريس مورفي، في تصريحات صحافية، أن انعطافة ترامب القصوى في أقل من 24 ساعة من سياسة اللامبالاة نحو الانخراط في الاشتباك، بهذه الصورة، تؤكد أنه لم يجعل من سوريا أولوية لإدارته، وأن القرار ليس سوى رد فعل عاطفي تجاه ما شاهده الرئيس الأميركي على التلفزيون، مبدياً قلقه من الطبيعة الوهمية لهذه السياسة الخارجية وازدرائها للسلطة التي يمتلكها الكونغرس في ما يتعلق بقرارات الحرب الخارجية. ورد مساعدو البيت الأبيض بأنه رغم صحة تأثير الصور بشكل واضح على ترامب، إلا أنها لم تكن وحدها ما أدى إلى اتخاذ القرار بالضربة، بل إنه اتخذ القرار بعد التشاور مع مستشاريه في عملية تداولية وشاملة.

 

 

 

حزب الله- ترامب: مواجهة مباشرة؟/ منير الربيع

سارع حزب الله إلى إدانة الضربة الأميركية على مطار الشعيرات العسكري، مؤكداً أنه سيبقى إلى جانب سوريا ومحور الممانعة. بمجرد هذا التأكيد، لا بد من البحث عما قرأه الحزب من وراء دخان الصواريخ، واستدعى تأكيده استمراره في معركته السورية. لربما الحزب يستشرف ما سيكون مقبلاً من اجراءات أميركية. إذ إن في تقديرات البعض أن الخطوة الأميركية لن تكون الأخيرة، وإن كانت محدودة حالياً، إنما ستكون حاضرة عندما تدعو الحاجة لذلك.

تنقسم الآراء، حيال الضربة الأميركية وتداعياتها، البعض يعتبر أنها وقفت عند هذا الحد، فيما البعض الآخر، يرى أنها تنطوي على ما هو غير ظاهر حتى الآن، وإذا غيّرت ما تسعى إليه واشنطن في السياسة، فلا حاجة لها. أما إذا بقي الاستعصاء على حاله، فقد تكون هناك حاجة إلى تكرارها. وبين الموقفين، هناك من يعتبر أنه لو لم يستشعر حزب الله خطراً ما من العودة الأميركية، لما كان أصدر هكذا بيان وكان اكتفى بالإدانة.

في تقدير الحزب، وفق مصادر قريبة منه، فإن الضربة ستقف عند هذا الحد، وما أراد ترامب فعله هو إيصال العديد من الرسائل بضربة واحدة، لأنه لا يريد العودة إلى ذلك، فهمّه الآن “أميركا أولاً”، وثانياً مواجهة الصين. بالتالي، هو غير جاهز للدخول في حرب عسكرية في سوريا، إنما أراد توجيه هذه الضربة أولاً، لإيصال رسالة إلى الداخل الأميركي بأنه مختلف عن سلفه باراك أوباما، وبأنه مستعد لتوجيه ضربة تزعج الروس، ليؤكد أن لا علاقة لروسيا بإنتخابه رئيساً. كما أنه يريد امتصاص الصدمة العالمية والأصوات المتعالية المنددة باستخدام السلاح الكيماوي، وكي لا يظهر بأنه وقف متفرجاً ومكتوف الأيدي. كذلك، أراد توجيه رسالة بأنه يعيد عظمة أميركا، وعودتها إلى الشرق الأوسط، وعدم ترك روسيا وحدها هي الدولة المقررة في المنطقة. ووفق وجهة النظر هذه فإن الضربة لن تحمل مزيداً من التداعيات.

في المقابل، هناك وجهة نظر أخرى، تفيد بأن هناك سياسة دولية جديدة في المنطقة، تقودها واشنطن. وهذا ما عبّر عنه الرئيس سعد الحريري صراحة. وتؤكد مصادر قريبة منه أن الحريري في أجواء تلك السياسة ووجهتها في المرحلة المقبلة، بناء على معلومات حصل عليها من خلال اللقاءات التي عقدها مع مسؤولين عرب وأجانب. وتلفت المصادر إلى أن الحريري يشدد على وجوب الحفاظ على الإستقرار في لبنان وإبعاده عن أي تداعيات لما قد يحصل في سوريا.

إلى الآن، لا يبدو أن هذه الضربة، ستؤثر على مسار الأمور العسكرية في سوريا، إذا لم تستكمل بخطوات لاحقة،. أما في السياسة، فقد تجبر الجميع على العودة الجدية إلى طاولة المفاوضات. بمعزل عن الاستعداد لمعركة الرقة ودحر تنظيم داعش، مقابل استعداد دول عربية للتدخل في هذه المعركة أو لاستلام الأرض فيما بعد عبر الحديث عن انشاء حلف عربي لمواجهة الإرهاب بالتحالف مع الإدارة الاميركية. ولكن إذا ما حصل ذلك سيكون له تبعات وإنعكاسات، وسيكون مقروناً بالبحث في كيفية انشاء مناطق آمنة في سوريا، ستؤدي إلى تحجيم نفوذ حزب الله وإيران على الرقعة السورية، خصوصاً في المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا، إذ إن أكثر من مسؤول أميركي زار لبنان، وقائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي زار جرود عرسال للإطلاع على واقع المنطقة عن قرب. وإذا ما أنشئت منطقة آمنة في تلك المنطقة، فهذا يعني أنها ستتعارض مع سيطرة حزب الله.

وهذا ما تربطه المصادر، بالزيارة السرية التي أجراها مسؤول أميركي إلى بيروت في الساعات الماضية، والتقى فيها عدداً من المسؤولين من بينهم قائد الجيش جوزف عون، وجرى بحث مختلف الأوضاع، والمساعدات الأميركية للجيش لمحاربة الإرهاب. وتهدف الزيارة إلى الطلب من المؤسسة العسكرية اللبنانية ضبط الحدود والحفاظ على الإستقرار والبقاء على الحياد، في حال تعرّض أي موقع داخل الأراضي اللبنانية أو في المناطق الحدودية المتداخلة لضربة معينة. وهذا ما قد ينطوي عن نية أميركية بتوجيه ضربات عسكرية ضد مواقع للحزب.

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه التهديدات الإسرائيلية الموجهة إلى حزب الله، وتنامي الكلام عن إمكانية إندلاع حرب بين الطرفين، برز خبر بالأمس، عن عثور شعبة المعلومات على 4 قذائف صاروخية صالحة للإستعمال في منطقة البابلية قرب صور. ليس بالضرورة أن يكون لذلك أي خلفية، ولكن هناك من يعتبر أنه قد يكون تلويحاً جديداً من قبل الحزب بالرد على أي اعتداء قد يتعرض له سواء كان في لبنان أم في سوريا، عبر توجيه صواريخه نحو إسرائيل. وفي هذا السياق، هناك من يتحدث عن أن واشنطن طلبت من إسرائيل اعتماد سياسة عدم الرد على أي عمل إستفزازي قد تتعرض له من لبنان، لأنها هي التي ستقوم بالرد على هكذا عمليات.

المدن

 

 

 

 

الضربة الأميركية تذكير للأسد بالخروج من وهم الحماية الروسية

عمل عسكري محدود يحمل رسائل إلى إيران وروسيا ويعطي انطباعا بأن إدارة ترامب تخلصت من مخلفات سياسة أوباما المترددة حيال الملف السوري.

 

واشنطن – عكست الضربة الأميركية لمطار الشعيرات العسكري في سوريا جدية رسائل إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى الرئيس السوري بشار الأسد وداعميه الروس والإيرانيين.

وقالت مراجع سياسية عربية في واشنطن إن الهجوم الصاروخي على القاعدة السورية كان رسالة واضحة إلى الأسد بأن يخرج من وهم المنعة بوجود روسيا، وأن تعطيل الفيتو الروسي لقرارات مجلس الأمن لن يحول دون القصاص من النظام السوري ولو في شكل تحرك أحادي.

وأشارت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي خلال اجتماع لمجلس الأمن إلى أن الأسد كان يظن أنه يستطيع الإفلات، معتقدا أن “روسيا ستقف في ظهره”.. و“هذا تغير الليلة الماضية”.

وأضافت أن بلادها “قامت بخطوة مدروسة جدا (…) نحن مستعدون للقيام بالمزيد، لكننا نأمل بالا يكون ذلك ضروريا”.

واعتبرت المراجع أن الرد الأميركي السريع على الهجوم الكيماوي في إدلب يعطي انطباعا جديا بأن إدارة ترامب بدأت بالتخلص من مخلفات التردد الذي طبع السياسة الأميركية في فترة باراك أوباما، وهو ما استثمرته قوى إقليمية ودولية للتدخل في سوريا بشكل مباشر أو عن طريق وكلاء محليين.

ومثلت الضربة اختبارا جديا لمدى استعداد روسيا لحماية حليفها الأسد من الضربات الجوية المفاجئة. وكان واضحا وجود تنسيق بروتوكولي بين موسكو وواشنطن حول الضربة، وهو تقليد تحتكم إليه القوى الكبرى في ما بينها.

وقال مسؤولون أميركيون إنهم أخطروا القوات الروسية بأمر الضربات الصاروخية قبل حدوثها وإنهم حرصوا على تفادي إصابة جنود روس في القاعدة.

وأضافوا أنه لم تقع ضربات على أجزاء من القاعدة كان جنود روس موجودين فيها. لكنهم قالوا إن الإدارة الأميركية لم تسع لنيل موافقة موسكو.

ويبدو أن موسكو تجنبت الرد الاستباقي على الصواريخ الأميركية ضمن هذا التقليد، تماما مثلما تعاملت مع القصف الإسرائيلي المتكرر ضد مواقع الأسد، أو ميليشيا حزب الله اللبناني.

وأعلن الجيش الروسي الجمعة أنه “سيعزز” الدفاعات الجوية السورية بعد الضربة الصاروخية الأميركية على قاعدة عسكرية لنظام دمشق، وفق ما قال المتحدث العسكري.

وقال إيغور كوناشنكوف “من أجل حماية البنى التحتية السورية الأكثر حساسية، سيتم اتخاذ سلسلة من التدابير بأسرع ما يمكن لتعزيز وتحسين فاعلية منظومة الدفاع الجوي للقوات المسلحة السورية”.

وتشعر روسيا بإحراج مزدوج بسبب هذه الضربة، فهي من ناحية كسرت الانطباع السائد بأن الأسد في حمايتها.

ومن ناحية ثانية بات واضحا أنها لم تنجح بإلزامه الحفاظ على الخطوط الحمراء في الصراع، وبينها عدم استعمال الكيماوي والكف عن استهداف المدنيين في حربه مع المعارضة.

وأحرجت الضربة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي نجح لأكثر من عام في الظهور كزعيم جاد في حماية حلفائه، وقادر على فرض رؤية بلاده في الملف السوري على مختلف الخصوم.

وقال الكرملين إن بوتين اجتمع مع مجلس الأمن الروسي الجمعة وبحثوا بقاء سلاح الجو الروسي في سوريا في أعقاب الضربات الصاروخية الأميركية.

فيما أعلن فيكتور أوزيروف رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد الروسي وهو المجلس الأعلى للبرلمان إن “نظامي إس-300 وإس- 400… يضمنان بشكل كاف أمن قواتنا المسلحة على الأرض وكذلك عن طريق البحر والجو”.

ويميل خبراء ومحللون إلى أن الضربة الصاروخية على مطار الشعيرات ستزيد من التنسيق الروسي الأميركي حول سوريا لمنع أي صدام غير مخطط له، وهو ما قد يساعد على الإسراع بالتوصل إلى حل سياسي عبر الضغط على الأسد والمعارضة وحلفائهما الإقليميين.

ويعتقد أستاذ العلاقات الدولية في المدرسة العليا للاقتصاد والسياسة في موسكو ليونيد سوكيانين أن روسيا لن تغير موقفها من دعم الأسد بعد الضربة الأميركية.

ولكنها بالتأكيد ستكون حريصة على الضغط على الأسد للتعاون بشكل حقيقي في المفاوضات لبدء مرحلة انتقالية حقيقية تركز على الحفاظ على مؤسسات الدولة مع إمكانية حدوث تغييرات في شخصيات النظام في إطار تفاهم سوري ودولي.

وقال سوكيانين لـ“العرب”، “عقدة بقاء أو رحيل الأسد ستبقى قائمة حتى تحدث تفاهمات دولية لصيغة سوريا ما بعد الأسد، وهل ستكون خلال المرحلة الانتقالية أم من خلال الانتخابات، فموسكو حريصة على السماح للأسد بأن يرشح نفسه للانتخابات، ولكن هذه النقطة متروكة للتفاوض السوري – السوري والتفاهمات الدولية”.

وأكد سوكيانين أن الضربة لن تجبر موسكو على تقديم تنازلات، ولكنها لن تقدم غطاء بلا حدود للأسد، فروسيا تقول دائما ليتفاهم السوريون على من يحكمهم.

واعتبر المحللون أن الرسالة الأميركية الثالثة، بعد رسالتي الأسد وروسيا، موجهة إلى إيران ليس فقط في سوريا، ولكن في بقية الملفات الإقليمية، وخاصة في العراق باعتباره الساحة الرئيسية للصراع مع واشنطن.

وستفهم طهران بشكل قطعي أن إدارة ترامب لا تمتلك الكثير من سعة الصدر لتصبر على أسلوبها المتحدي والذي يبالغ في اختبار صبر واشنطن مثلما جرى مع السفن الأميركية في مضيق هرمز، وسعى الحوثيون إلى استنساخه في باب المندب.

لكن مراقبين في واشنطن حذروا من أن تراهن دوائر إقليمية على الهجوم الصاروخي على أنه قرار من ترامب بالانخراط في النزاع السوري على الطريقة الروسية.

ولا يرجح المراقبون أن تكرر واشنطن ضرباتها في أماكن أخرى من سوريا، معتبرين أن هدفها ليس الإطاحة بالأسد أو تغيير موازين القوى لفائدة المعارضة ولا الاشتباك مع روسيا، وإنما التأكيد على تغير المزاج الأميركي تجاه الملف السوري ومختلف اللاعبين داخله.

وأبلغ مسؤول دفاعي أميركي رويترز بأن الهجوم “مُفرد” ما يعني أنه من المتوقع أن يكون ضربة واحدة وأنه لا توجد خطط حاليا للتصعيد.

وكتب المحلل السياسي كيفن درم، في مجلة “مذر جونز” ذات الاتجاه الليبرالي “لا نتوقع الكثير من الهجمة الجوية إلا إذا ذهب ترامب إلى أبعد منها، فهي لا تثبت أن مزاجه للسياسة الخارجية قد تغير، أو أنه قد أظهر عزمه وحسمه”.

وأضاف كيفن درم أن “الرئيس الأميركي بالكاد فعل أصغر وأكثر الأشياء الاعتيادية التي فعلها الرؤساء الأميركيون في ظروف مثل هذه”، في إشارة إلى أن ترامب لن يذهب إلى أبعد من بعث رسالة بهجومه الجوي، ولن يمضي في الحل العسكري إلى أبعد من هذا الحد.

وقال المحامي الأميركي ديفيد فرنتش “إذن ستكون هذه الضربة الوحيدة، وما لم تكن فعالة بشكل غير اعتيادي وغير مسبوق فإن هنالك فرصة ضئيلة لكي تشكل تأثيرا ماديا على نظام الأسد أو مسار الحرب الأهلية نفسها”.

وقال وزير الخارجية الأميركي إن الضربة لا تعني تغير السياسة الأميركية الأشمل بشأن سوريا.

وأضاف “هذا يدل بوضوح على أن الرئيس مستعد لاتخاذ تحرك حاسم عندما يتطلب الأمر… لن أحاول بأي شكل أن أفسر ذلك بأنه تغير في سياستنا أو موقفنا في ما يتعلق بأنشطتنا العسكرية في سوريا حاليا. لم يحدث تغيير في هذا الوضع”.

العرب

 

 

 

 

مجزرة الكيماوي ليست سبب تبدل موقف ترامب من سوريا/ محمد قواص

في الساعة السابعة مساء، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نظيره الصيني شي جين بينغ على مأدبة عشاء رسمية في منتجع مارالاغو. بعدها بحوالي ثلاث ساعات أطل ترامب على شاشات التلفزيون وهو يقف أمام منصة في غرفة عمليات مؤقتة ليعلن عن إطلاق 59 صاروخا من طراز توماهوك باتجاه أحد المطارات السورية، في أول هجوم مباشر على نظام بشار الأسد تقوم به الولايات المتحدة منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا منذ 6 سنوات، ليبدأ مع هذا الإعلان انتهاء عصر أوباما والدخول في عهد ترامب.

 

لا خطى ثابتة في السياسة

لم يكذب سفير الولايات المتحدة في سوريا روبرت فورد حين أبلغ وفدا من المعارضة بأن بلاده لن تعمل على إسقاط نظام بشار الأسد وأن عليهم العمل تحت سقف تسوية مع هذا النظام، وأن واشنطن والمجتمع الدولي لن يدعما عملية تسقط نظاما وتقيم آخر يروق للمعترضين.

كان السفير نفسه، الذي استبعد عن هذا المنصب لاحقا، وهو الذي قام رفقة سفيري بريطانيا وفرنسا بزيارة المتظاهرين ضد النظام في مدينة حماة في صيف عام 2011، يتكلم من موقع الصديق والمؤيد لثورة السوريين، محاولا تخفيف أبعاد الزيارة لحماة وعدم تحميلها معاني تتجاوز حدود التضامن الشكلي أو المبدئي مع حراك شعبي سلمي ضد نظام استبداد.

تعاملت واشنطن، كما العواصم الغربية، مع الحراك السوري في بادئ الأمر بصفته الرومانسية التي تحكيها الروايات حول انتفاضات الشعوب ضد الطغاة على النحو السوريالي الذي شهدته بلدان أوروبا الشرقية غداة انهيار جدار برلين الشهير.

لم تكن تلك العواصم تحمل ودا لنظام الأسد لكنها لم تكن تخطط لإسقاطه، وجلّ ما قاربته هو مواكبة حراك السوريين وتصويب مسالكه بما لا يحدث انقلابا في توازن المنطقة واستقرارها. كان في ذهن أصحاب القرار في عواصم القرار هدف واحد ومقياس واحد: أمن إسرائيل.

لم تخف اللوبيات القريبة من الدولة العبرية امتعاضها من ثورة السوريين، ليس هياما بالأسد ونظامه بل لأن نظام دمشق احترم منذ عام 1973 خطوط إسرائيل الحمراء ولم يسمح بأي تجاوز يقلق أمن إسرائيل على جبهة الجولان. يتذكر جنرالات إسرائيل أن النظام السوري هو الذي حاصر الصعود الفلسطيني في لبنان من خلال التدخل العسكري السوري في لبنان عام 1967، وهو الذي اصطدم بالفصائل الفلسطينية متحالفا مع الميليشيات المسيحية آنذاك، وهو الذي أشرف ضباطه على إسقاط مخيم تل الزعتر… إلخ.

ولم يكن السلوك السوري آنذاك دفاعا عن لبنان وسيادته، بل كان فرضا لوصاية دمشق على القرارين اللبناني والفلسطيني معا. وتثمّن تل أبيب أن دمشق قامت باستنزاف القوة الفلسطينية التي كانت تقلق إسرائيل على نحو وبأشكال لم تكن الدولة العبرية قادرة على تحقيقها.

ثم أن استراتيجيي إسرائيل يقدرون لنظام دمشق استكماله الورشة التي باشرتها تل أبيب مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 بقيادة آرييل شارون، حين قامت بطرد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من الأراضي السورية، وقامت باغتيال القيادي الفتحاوي الرفيع سعد صايل (أبوالوليد) في منطقة البقاع اللبناني التي كانت قواتها تشرّف عليها، وصولا إلى محاصرة “أبوعمار” في مدينة طرابلس في شمال لبنان التي لم يكن لينجو منها لولا تدخل سلاح البحرية الفرنسي الذي قام بإجلائه من المدينة، انتهاء بمطاردة واعتقال واضطهاد الفتحاويين في سوريا ولبنان تحت عنوان “الزمر العرفاتية”.

لم تر إسرائيل مصلحة في استبدال نظام في دمشق تعرفه وتدرك مفاتيحه وقواعد العمل معه بآخر قد يكون أكثر قبولا بالنسبة إلى السوريين لكنه أكثر غموضا بالنسبة إليها. عملت منابر إسرائيل في الولايات المتحدة كما في إسرائيل نفسها على الدفاع عن بقاء الأسد بصفته الأكثر ضمانا لأمن الدولة العبرية، ما تداعى على القرار الأميركي في مقاربة المسألة السورية. بدا أن لا مصالح لواشنطن وأوروبا في سوريا، وأن هذه الدول لن يقلقها الحدث السوري على مآسيه طالما أنه لا يمثل قلقا لتل أبيب.

إعادة التموضع

تحركت واشنطن بغضب في عهد الرئيس السابق باراك أوباما حين استخدم النظام السوري أسلحة كيماوية ضد غوطة دمشق عام 2013. يدرك العارفون أن هذا الانزعاج الأميركي الذي كاد يحرّك قطعا بحرية أميركية باتجاه الشاطئ السوري لم يكن وليد حرص على مدنيي سوريا فقط، بقدر ما كان نتاج قلق مما تشكله سابقة استخدام سلاح دمار شامل على أمن إسرائيل. تحركت موسكو استجابة لغضب واشنطن وأشرفت على تسليم نظام دمشق ما زعم أنه كامل سلاح سوريا الكيماوي.أدرك أوباما انسداد الخيارات التي يستطيع سلوكها تحت سقف عقيدته الشهيرة في مقاربة العالم ومقاربة الشرق الأوسط. حصل أنه التقى بنظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة الأمم المتحدة في خريف عام 2015. وحصل أن الأخير حرّك قاذفاته لتصب نيرانها فوق الأراضي السورية بعد ساعات على هذا الاجتماع.

ببساطة لا يمكن فهم ذلك إلا في سياق “وكالة” منحتها واشنطن برضى غربي كامل لروسيا لمعالجة الملف السوري والشروع في الجراحات الضرورية لإعادة استقرار ما إلى هذه الفوضى المنفلتة.

يستنتج الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه الأيام أن إدارة أوباما مسؤولة عن التدهور الخطير الدراماتيكي في سوريا على النحو الذي يسمح بارتكاب مجزرة خان شيخون الكيماوية. يتحدث سيّد البيت الأبيض الجديد عن “فراغ” سببته إدارة السلف على نحو يوحي بأن خططا لملئ هذا الفراغ تعدها إدارة الخلف.

قارب رجل أميركا الأول المسألة السورية بصفتها “وديعة” لدى روسيا سيجري التفاوض حولها من ضمن ورشة إعادة قراءة طبيعة العلاقات المقبلة بين الولايات المتحدة وروسيا. وذهبت الدبلوماسية الأميركية في الأيام الأخيرة إلى إرضاء موسكو بالحديث عن تخلي واشنطن عن أي أولوية لإسقاط الأسد، بما دعّم الأفكار التي تطلقها تيارات اليمين المتطرّف في أوروبا حول هذا الشأن.

كان في ذهن ترامب أن مصير زعيم النظام السوري تفصيل داخل ورش المداولات المقبلة في العالم، لا سيما موقع ووظيفة روسيا داخل الصراع الأميركي الصيني وفق خططه. شيء ما تبدّل سريعا في موقف الولايات المتحدة من الشأن السوري. ليس دقيقا أن مجزرة خان شيخون هي وراء هذا الانقلاب الدراماتيكي في مزاج واشنطن، بل إن تلك المجزرة كانت المناسبة التي توفّرت لإفراج الولايات المتحدة عن تحولاتها.

لم يكن صدفة إبعاد مستشار الرئيس المقرّب ستيفان بانون عن مجلس الأمن القومي، فذلك مؤشر على تقدّم المؤسسات الأمنية والعسكرية التقليدية داخل حلقة القرار الاستراتيجي الأميركي على حساب البيت الأبيض. في ذلك أيضا أن الانتشار العسكري الأميركي في العراق وسوريا والتموضع الأميركي السياسي الاستراتيجي داخل الشرق الأوسط، باتا يستدعيان موقفا شفافا مباشرا يضع خطوطا وعلامات وقواعد وخرائط لعودة الولايات المتحدة بحيوية وقوة للعب الدور الأساسي الأول في الشرق الأوسط.

تغير الموقف من سويا

للمراقب أن يتأمل الجلبة التي يحدثها الزعماء العرب على أبواب البيت الأبيض لاستنتاج خطوط التحالف الأميركي العربي الجاري بناؤه في المنطقة. تحوّل الموقف المصري بشكل حاسم في مسألة إدانة السياسة الإيرانية. وأعادت أرامكو السعودية ضخ النفط إلى مصر، فيما أوقفت الأخيرة عقودا لاستيراده من العراق.

بدا أن المفاعيل الأميركية تخصّب تموضعات وتصوّب مواقف وترتّب اصطفافات على نحو لا يحتمل لبسا أو لغطا أو إنصاف مواقف حذقة. فإذا ما كانت واشنطن ترسل قبل أيام إشارات تسووية إلى روسيا من الشرفة السورية عشية زيارة وزير خارجيتها ريكس تيلرسون إلى موسكو الأسبوع المقبل، فإن واشنطن نفسها بدّلت مضمون الرسائل وذهبت من خلال ضرباتها الصاروخية الأخيرة، خدمة لنفس الزيارة.

من على باب البيت الأبيض، وبصحبة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، يعلن دونالد ترامب الأربعاء أن موقفه تبدّل من المسألة السورية بعد خان شيخون. كان بإمكان الرجل أن ينتظر تحقيقا يستغرق أشهرا، وكان بإمكانه أن يشكك في مسؤولية النظام عن ذلك ويتساءل عن مصلحة دمشق في ذلك، وكان بإمكانه أيضا أن يتبنى الرواية الروسية على ركاكتها حول الحادثة، لكنه لم يفعل.

بدّلت واشنطن موقفها قبل المجزرة. بدا أن الولايات المتحدة تريد أن تكون فعلا لا رد فعل، وأن تفرض روايتها وتترك للآخرين التفاعل معها. تحدث ترامب عن “فراغ” سببته إدارة أوباما في سوريا والشرق الأوسط و”أنا اليوم سأتحمل مسؤولياتي في هذا الشأن”. كرر الرجل مقته للاتفاق النووي مع إيران بصفته “أسوء اتفاق”. وحين سُئل عمّا ستفعله بلاده ضد الميليشيات الإيرانية في سوريا، أجاب دون تردد “ستصلهم الرسائل”.

يكره ترامب الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولطالما أمعن في هجائهما أثناء حملته الانتخابية. قبل أن يدلي ترامب بدلوه بحضور ملك الأردن كانت مندوبته في مجلس الأمن نيكي هالي تكشف عن رسالة مرمّزة يسهل فك رموزها “عندما تفشل الأمم المتحدة باستمرار في مهمتها القاضية بتحرك جماعي، هناك أوقات في حياة الدول نجبر فيها على التحرك بأنفسنا”.

الولايات المتحدة توحي بتجاوز المنظمة الأممية والعودة إلى أزمنة التدخل عبر القوات المتعددة الجنسيات. قد لا يكون الأوروبيون بعيدين عن همّة للتدخل لإخماد البركان السوري. أوحى مؤتمر بروكسل حول سوريا بالحاجة الأوروبية للكلام عن إعمار سوريا ووقف تدميرها، وأوحى موقف لندن وباريس من مصير الأسد نفسه بأن علل أوروبا باتت متصلة بالوباء السوري وأن شفاء ذاك بات مرتبطا بعلاج ذلك، حتى لو كان آخر العلاج الكيّ.

صحافي وكاتب سياسي لبناني

العرب

 

 

أوباما توعّد الأسد بالخطوط الحمراء وترامب نفذ الوعيد/ أحمد أبو دوح

الضربات الصاروخية التي استهدفت مطار الشعيرات السوري وضعت حدا لمرحلة من عدم اليقين في الموقف الأميركي تجاه سوريا، وأذنت ببداية مرحلة جديدة من تقاسم النفوذ مع الروس.

توعد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بخطوط حمراء قبل وقوع هجوم كيماوي على غوطة دمشق عام 2013 أوقع أكثر من ألف قتيل من النساء والأطفال والشيوخ، دون أن ينفذ وعيده. جاءت إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعد هجوم مماثل أوقع أقل من مئة قتيل فقط، كي تنفذ ما توعد به أوباما.

هذا التناقض هو انعكاس للهوة في نظرة كل من الإدارتين الأميركيتين السابقة والحالية لدورهما في سوريا. ترامب يريد تصحيح مفاهيم محددة عند روسيا وإيران تحديدا بأنهما لا تملكان سوريا حصرا. أوباما لم يجد مشكلة في ذلك.

الضربات الصاروخية التي استهدفت مطار الشعيرات السوري وضعت حدا لمرحلة من عدم اليقين في الموقف الأميركي تجاه سوريا، وأَذنت ببداية مرحلة جديدة من تقاسم النفوذ مع الروس.

صواريخ توماهوك التي هطلت على المطار وسحقته بالكامل هي شد أذن من الأميركيين لنظام بشار الأسد. لا بسبب الهجمات الكيماوية التي وقعت الثلاثاء في خان شيخون فقط، بل من أجل إعلان موقف. بقدر ما أن هذا الموقف موجه للروس والإيرانيين خصوصا، فهو أيضا رسالة مزدوجة موجهة لحلفاء الولايات المتحدة.

منذ تولي ترامب الحكم في يناير الماضي، ظلت أيادي الأوروبيين على قلوبهم. كان الصمت الأميركي بالنسبة إليهم إشارة إلى تحول جذري في المقاربة الأميركية بين إدارتين ورئيسين، أحدهما يملك تطلعات يسارية غير واقعية للعالم، والآخر شعبوي ولا يمكن توقع ما سيقوم به.

اعتقاد الأوروبيين أن هذه المقاربة الأميركية الجديدة ستظل ثابتة إلى ما لا نهاية كان ساذجا. الصمت الأميركي لم يكن سوى انتظار لثغرة مناسبة تستطيع الولايات المتحدة أن تتسلل منها مرة أخرى إلى سوريا.

لا يهتم دونالد ترامب في سوريا سوى بمصلحة إسرائيل وتقليص نفوذ إيران، إلى جانب تنظيمي داعش والنصرة وأي جهاديين آخرين. لا نظام الأسد ولا المعارضة ولا القضية التي اندلعت من أجلها الحرب تعني ترامب في شيء.

لكن مساعديه في البيت الأبيض والبنتاغون لهم وجهة نظر تقوم على أن سقوط الأسد ليس في مصلحة الولايات المتحدة، على الأقل في المدى المنظور. لهذا السبب كانت الضربات عقابية، وليس أكثر من ذلك.

في سوريا هزيمة تنظيم داعش عسكريا وهزيمة إيران سياسيا هما أولوية أولى وثانية لواشنطن الآن. الفرق بين إدارة ترامب وإدارة أوباما أن الإدارتين تؤمنان بضرورة تأجيل إسقاط نظام الأسد، لكن الإستراتيجية المتبعة إلى حين حصول ذلك تختلف بينهما تماما.

أوباما كان يؤمن بترك الثمار تنضج على فروع الأشجار، إلى حين سقوطها بين يديه من تلقاء نفسها. هذا يعني ترك القدر السوري يغلي إلى النهاية، بغض النظر عن النتائج. ترامب يفكر بطريقة أكثر براغماتية.

الكثير من المسؤولين الأميركيين اليوم لا يمانعون من توظيف الأسد في الحرب على الجهاديين، دون الحاجة إلى تنسيق مباشر معه. الخطوة التالية هي تخييره بين رحيل إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية الداعمة لهما، أو رحيله هو شخصيا.

النظام السوري سيخرج من الضربات الأميركية على القاعدة الجوية السورية من دون خسائر. الأسد يعلم أن ترامب احتاج هذه الضربات أكثر من المعارضة أو الدول الداعمة لها. هو يعلم أيضا أن العقاب كان منسقا مع الروس.

أسهم ترامب داخل الولايات المتحدة صباح الجمعة صارت في عنان السماء. غياب سياسة أميركية فاعلة في سوريا كان مسألة تشعر الجمهوريين والديمقراطيين معا بالعجز. المفارقة اليوم هي أن الديمقراطيين يبدون أكثر تشددا تجاه الأسد من الجمهوريين. في ظهورها الأول منذ انزوائها عن الأنظار، قالت هيلاري كلينتون الجمعة “أعتقد حقا أننا في حاجة إلى تدمير سلاح الجو السوري لمنع احتمال قصف الأبرياء ورمي قنابل السارين عليهم مرة أخرى”.

تصريحات كلينتون هي غطاء سياسي لتصرفات ترامب. الضربات الأميركية الجمعة هي أول نقطة يمكن للجانبين التوافق حولها، وهي بداية لعلاج الانقسام الذي خلفته الانتخابات الرئاسية.

السلوك المتهور لترامب مطلوب اليوم. العالم الذي كان يشكو من “بلطجة” الولايات المتحدة واندفاعها من قبل، صار يفتقد هذه الشخصية الأميركية كثيرا. تجربة حكم أوباما كانت مؤلمة لكل الحلفاء، في أوروبا والشرق الأوسط، وصولا إلى جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ.

الضربات الصاروخية على مطار الشعيرات هي رسالة أميركية بعلم الوصول إلى كل الدول المارقة أيضا، من إيران وكوريا الشمالية، وحتى كوبا وفنزويلا. ضربة ترامب على الطاولة صارت مسموعة في كل أرجاء العالم.

من خسر في سوريا حقا إثر هذه الضربات هي تركيا. تسرع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتشنج وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو في تأييدهما للضربات سيكون لهما ثمن فادح. منذ اليوم على الأتراك أن ينسوا تحالفهم الهش أصلا مع الروس.

بوتين على علم طوال الوقت بأن أحدا لا يمكنه الوثوق بأردوغان. أردوغان ابن السياسة البراغماتية الفجة، لكن أيديولوجيته الإسلامية الممسوحة بنزعة قومية طغت على هذه البراغماتية وجعلته يبدو كمهرج أمام خصومه وحلفائه.

تسرع أردوغان بتأييد إنشاء مناطق آمنة بمجرد صدور كلام مبدئي من إدارة ترامب عن اعتمادها، أحدث شرخا في التفاهمات التي كانت تجمعه بموسكو. التهليل للضربات الأميركية على مطار الشعيرات سينهي قدرة تركيا على الفعل في سوريا حتى نهاية الحرب. أردوغان يشبه الفرس الجريح الذي ذهب تحت الأقدام بمجرد احتدام المعركة.

زمام الأمور اليوم باتت في أيدي الولايات المتحدة وروسيا حصرا، ولم يعد مسموحا لأي قوة إقليمية مهما كانت بتوجيه دفة الأحداث. هذه الفوضى انتهت.

روسيا أيضا خاسرة. إعلان موسكو تعليق اتفاقها مع واشنطن لتفادي وقوع حوادث جوية فوق سوريا هو تهور غير محسوب العواقب. أي احتكاك في الجو بين الجانبين قد يضعنا على شفا حرب عالمية ثالثة.

الروس يريدون إظهار أن بوتين من الممكن أن يكون أكثر اندفاعا من ترامب، وأن استعراض القوة الأميركية ليس بالخطوة الكافية لتخويف بوتين أو جعله يأخذ خطوات إلى الوراء.

لكن الجانبين لا يريدان أكثر من ذلك، لأنهما غير مستعدين لتحمل العواقب. هذا هو السبب وراء إصرارهما على إتمام زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى موسكو خلال أيام.

خطوة ترامب الواسعة تجاه سوريا هي إعلان لكل دول المنطقة عن أن روسيا لم تعد هي القوة الكبرى الوحيدة في الشرق الأوسط. الضربات على مطار الشعيرات هي نهاية لمرحلة الهيمنة الروسية التي بدأت بتدخل روسيا العسكري في سوريا في سبتمبر 2015.

الحضور العسكري الأميركي في المنطقة في تصاعد. زيادة حجم القوات في الكويت، وتعزيز القوة التي تقف خلف الخطوط الأمامية في معركة الموصل، كانا احتكاكا على الحافة مع النفوذ الروسي. مع ذلك ظلت هذه الخطط العسكرية خارج نطاق التأثير الروسي.

لكن خلال شهر واحد ظهرت قوات أميركية على الأرض في منبج، وأمسكت قوات خاصة أميركية بزمام معركة الطبقة حول سد الفرات إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية. وقتها تحول الحضور الأميركي فجأة إلى مصدر قلق وإزعاج في موسكو، بعدما بات يشكل تهديدا جيوسياسيا يخصم من نفوذ روسيا.

كما كان الهجوم الكيماوي على غوطة دمشق عام 2013 بداية لتسليم مفاتيح سوريا إلى روسيا، سيكون الهجوم الكيماوي على خان شيخون وضرب مطار الشعيرات بداية لمعادلة صفرية لا تستطيع موسكو فيها التحرك دون الاستماع إلى واشنطن.

كاتب مصري

العرب

 

 

 

 

 

رسائل وتداعيات الضربة الأميركية في سوريا/ د. خطار أبودياب

رسالة واضحة من المؤسسات الأميركية فحواها أن موسكو لا تتحكم لوحدها بالورقة السورية، وأن واشنطن مصممة على استرجاع زخم فقدته إبان إدارة أوباما.

 

فعلها “الدونالد” ولَم يتردد في إحياء الردع الأحادي الأميركي انطلاقا من الساحة السورية في قلب الشرق الأوسط الملتهب. عبر هذه الضربة التحذيرية والمحدودة ضد قاعدة الشعيرات الجوية التي انطلق منها سرب طائرات قامت بالمجزرة الكيميائية في خان شيخون، نلمس تمهيدا لتغيير في قواعد اللعبة إن لناحية عدم إفلات المنظومة الحاكمة من العقاب أو باتجاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالذات الذي استفاد من تساهل الإدارة السابقة كي يكرس انتدابا على سوريا بالتناغم مع النفوذ الإيراني. وبالطبع يتوجب الحذر من استنتاجات متسرعة قبل اتضاح مآل الحوار المنتظر بين الجانبين الأميركي والروسي قبل أيام من زيارة وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى موسكو.

لن تعدل هذه الضربة، التي فيها جانب استعراضي، في أولويات واشنطن. لكن بالإضافة إلى رسائلها المتعددة الاتجاهات، ستلي هـذا التطور على الأرجح بلـورة سياسة أميركية متماسكة وفعالة في الملف السوري.

ما بعد الهجوم الكيميائي في خان شيخون ليس كما قبله، ومما لا شك فيه أن هول الصدمة إزاء الشراسة وقتل الإنسانية وعدم احترام اتفاق العام 2013 دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليعلن من دون مواربة أن “سوريا باتت مسؤوليتي” وسرعان ما تغيرت اللهجة في واشنطن.

لم يعد يسري مفعول تصريحات الأسبوع الماضي عن ترك مصير بشار الأسد معلقا مع إمكان التسليم ببقائه أو بتأهيل نظامه، وبات خيار إزاحتـه في مرحلة لاحقة مطروحا.

وهناك بالطبع من يتساءل عن أسباب إقدام النظام السوري على القيام بهجوم كيميائي، بينما ميزان القوى يميل لصالحه وهو غير مضطر عسكريا إلى ذلك، وعلى الأرجح ارتكب بشار الأسد خطأ في التقدير واعتبر أنه غير خاضع لأي عقاب ممكن وأنه يملك رخصة مفتوحة للقتل بعد تصريح أميركي عن عدم أولوية إسقـاط النظام، وهكذا يشبه هذا الوقوع في المحظور ما ارتكبه الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عندما فسر كلام السفيرة الأميركية إبريل غلاسبي في يوليو 1990 بـأنه نوع من الضـوء البرتقالي للمغامرة في الكويت وكانت النتيجة المعروفة. بيد أن تمادي النظام في استخدام كل أساليب القتل ومتاعبه العسكرية في ريف حماة ليس بعيدا عن تمركز حاضنة قاعدته السياسية، ربما يفسر سبب هذا التهور والثقة الزائدة بالنفس.

لن تعدل هذه الضربة، التي فيها جانب استعراضي، في أولويات واشنطن. لكن بالإضافة إلى رسائلها المتعددة الاتجاهات، ستلي هذا التطور على الأرجح بلورة سياسة أميركية متماسكة وفعالة في الملف السوري

مقابل هفوة أو خطيئة المنظومة الحاكمة في دمشق، والتي حصل الكثير مثلها في السنوات الأخيرة، أتت المفاجأة من ردة الفعل الأميركية لأن إدارة دونالد ترامب المتعثرة وجدت ضالتها عند ارتكاب النظام السوري هذه الحماقة كي تتحرك، تماما ولو وفق مقاييس أخرى كما حصل إبان الحرب العالمية الثانية عندما شن الجنرال الياباني ياماموتو هجوم بيرل هاربر الذي كان سبب دخول أميركا الحرب.

إزاء إقلاع صعب للرئيس الجديد إن في موضوع قراراته التنفيذية حول الهجرة وتأشيرات الدخول، أو في موضوع التأمين الصحي الذي أقره باراك أوباما، وأمام حملة الشكوك المحيطة بعلاقة فريق ترامب الانتخابي مع روسيا بوتين وخاصة بعد إقصاء الجنرال مايكل فلين عن مجلس الأمن القومي وإبعاد ستيف بانون المثير للجدل (المستشار الاستراتيجي للرئيس) عن المشاركة في عضويته، أثرت هذه العوامل الداخلية في قرار ترامب الذي انتهز الفرصة كي يثبت بعده عن “بوتين”، وفي نفس الوقت يسترجع هيبة أميركا كما وعد خلال حملته الانتخابية.

ونظرا لأن ترامب وعد أيضا باحتواء إيران ويعمل على فك الارتباط الاستراتيجي بين موسكو وطهران، أراد الرئيس الأميركي من وراء هذه الرسالة العسكرية المحدودة (حتى هذه اللحظة لأن التتمة تتوقف على ردة الفعل الروسية وتفاعلات هجوم التوماهوك) توجيه رسـائل سياسية قـوية عن القيادة الأميركية ومحاولة تبييض الصـورة بالنسبة للـدفاع عـن القيم الإنسانية.

ومن رسائل هذه الضربة رسالة واضحة من المؤسسات الأميركية فحواها أن موسكو لا تتحكم لوحدها بالورقة السورية، وأن واشنطن مصممة على استرجاع زخم فقدته إبان إدارة أوباما.

ومن الرسائل الأميركية الأخرى هناك طمأنة واشنطن لحلفائها الإقليميين وتبين ذلك من ردود الفعل المرحبة من المملكة العربية السعودية وتركيا وإسرائيل في آن معا.

بعد أقل من مئة يوم على بدايات صعبة ومتعثرة لولايته، يلبس الرئيس دونالد ترامب ثوب القائد الأعلى ويُقلد سلفه الجمهوري دونالد ريغان حينما أمر بضرب ليبيا في العام 1986، بعد اتهام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي بالوقوف وراء الاعتداء على ملهى في برلين الغربية، سقط فيه جنود أميركيون.

وبالطبع ستكون لهذه الضربة ضد مطار الشعيرات مفاعيلها على مدى أسرع مما كانت انعكاسات ضربة ريغان.

وفي خطابه بعد الهجوم كان دونالد ترامب واضحا عندما قال “لقد فشلت سنوات من المحاولات السابقة لتغيير سلوك الأسد، وقد فشلت فشلا ذريعا، ونتيجة لذلك، لا تزال أزمة اللاجئين تتفاقم، ولا يزال استقرار المنطقة يتزعزع ويهدد الولايات المتحدة وحلفاءها”.

هكذا لم يعد اقتلاع تنظيم داعش ومحاربة الإرهاب الأولوية المطلقة بشكل معزول عن باقي أوجه المأساة السورية.

انطلاقا من السيطرة على مطار الطبقة والانطلاق إلى الرقة ودير الزور تأمل واشنطن في التحكم في منطقة حيوية بعد طرد داعش منها، والسعي بعد هذه الرسالة القويـة إلى الحوار مع موسكو لتقليص الدور الإيراني وإبعاد الميليشيات الموالية لإيران. وتحقيق هذين الهدفين يسهل إنجاح العملية السياسية وفق القرار 2254. بيد أن هذا التصور الأميركي الأولي لإستراتيجية عمل في سوريا سيخضع لتداعيات ضربة السابع من أبريل وتفاعلاتها.

أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك باريس

العرب

 

 

أميركا دولة عظمى من بوابة خان شيخون/ حامد الكيلاني

الخوف القادم هو إقدام المحور الإيراني بقيادة نظام الولي الفقيه والنظام السوري وحرسهم الثوري وبأسلوبهم المعتاد على استثمار الضربة الكيميائية في خان شيخون لارتكاب حماقات أخرى في سوريا أو العراق.

وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف نفى وجود أي علاقة للتفجير في سان بطرسبرغ بسوريا، لكن هذا الرد أو النفي يمكن أن يفسرا لنا الانتهاك الخطير الذي حصل في اليوم التالي بالقصف الجوي لمدينة خان شيخون في محافظة إدلب السورية بالصواريخ الكيميائية المحمّلة بغاز السارين، كما تشير الأعراض الأولية وحجم الإصابات الفادحة مع اعتبار روسيا للخرق الأمني لأراضيها تهديدا شخصيا لفلاديمير بوتين، على حد وصف الكرملين.

الطلعات الجوية للروس وللنظام السوري كانت مؤثرة ومعلومة على مدى الأيام التي سبقت الضربة الكيميائية؛ روسيا من جانبها بادرت إلى نفي وجود مهمّات قتالية لطيرانها الحربي دون تعليقات مضافة أو إدانة، وكذلك فعل النظام السوري مستندا إلى تسليمه كامل سلاحه الكيميائي في العام 2013 إلى المنظمة الدولية المختصة بعد الأحداث المروّعة في جريمة الغوطة الشامية؛ ويسجل في الجريمتين عدم قدرة النظام على إطلاق عبارة “سقوط ضحايا من شعبنا” كما هو معتاد في قضايا مشابهة وأقل تأثيرا تحدث في أي مكان من هذا العالم.

الإبهام والغموض في خان شيخون والغوطة يعودان إلى اغتنام التناقض في عقلية نظام مختل، كيف؟ في 21 أغسطس 2013 كانت اللجنة الدولية لتقصي الحقائق قد وصلت إلى دمشق والقصف الكيميائي وقع على بعد كيلومترات معدودة، ولأن التحقيقات أكدت بعدها مسؤولية النظام عن المجزرة، ثم نفاذ النظام بجلده منها بالتواطؤ الروسي وعبور الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كسقف أعلى لاختبار صبر المجتمع الدولي والإدارة الأميركية على الجرائم والانتهاكات المستمرة، وكان السلاح الكيميائي تحديدا بمثابة سيف مسلط على رقبة النظام.

حينها كيف جازف الحاكم بوضع رأسه في المقصلة؟ في وقت بدا فيه الروس أكثر استرخاء والرئيس فلاديمير بوتين لم تكن تحيط به العقوبات إثر تدخله في ما بعد في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم وسلسلة ردود الأفعال الدولية، ولم تطأ أقدام جيشه وتتوغل في مستنقع قاعدة حميميم ومنها إلى كامل التراب السوري والغوص مع الميليشيات الإيرانية في محور ثلاثي ارتكب وسَوَّق لكل مقتنيات وصادرات المشروع الإيراني باستغلال الحرب على الإرهاب لمساومة العالم على الرضوخ لتجاوزاته الإقليمية.

النظام الحاكم في سوريا عام 2013، دون أدنى شك، لم يكن يجرؤ على خرق محددات الخط الأحمر وركل الهيبة الأميركية؛ الرئيس باراك أوباما كان جادا في طرحه بتحذير النظام السوري بعدم تجريب وضع السياسة الخارجية لإدارته على المحك؛ لكن مع ذلك تجرّأ النظام وأقدم على جريمته؟ الجنون والتخبط قد يبرران الفعل لمعرفتنا بحالة النظام الحاكم في سوريا ومستوى الهستيريا وحجم المأزق الذي كان فيه؛ لكن هذا الطرح يُنصِف النظام ويقدم لسذاجته في اختيار توقيت الضربة الكيميائية مع وجود اللجنة الأممية لتقصي الحقائق كمحاولة منه لتثبيت حقيقة عدم وجود نظام لأي دولة بهذا المستوى من البلادة والغباء يتبنى دليل إدانته بارتكاب الجريمة وبحضور اللجنة على مقربة من مكان وقوعها.

بالمقابل ألقى النظام الحاكم، وهنا نؤكد أن هذه الطروحات تستند على تثبّتنا من أن النظام هو من ارتكب الجريمة على ضوء التحقيقات في ما بعد، بكل عُهدَة السذاجة والتخبط على المعارضة التي تتشوّق لإلصاق تهمة تجاوز الخط الأحمر به كوسيلة لتحريض الإدارة الأميركية على ردة فعل تتناسب مع هيبة الدولة الكبرى، وذلك يتماشى مع أجواء التصعيد والتوقعات.

أي أن النظام طرح نفسه كنظام سياسي مترفّع عن القيام بمثل هذه الجريمة مع وجود اللجنة الدولية والتحذير المسبق، لأن ذلك يشكك في سلامته العقلية والفكرية بإدارة الصراع الداخلي كدولة لها علاقات خارجية وحضور في الأمم المتحدة، ولهذا الأقرب والمستفيد الأكبر هو قوى المعارضة التي روّج لها النظام في إعلامه وسياساته كقوى إرهابية بمجموعها تسعى إلى السلطة وتقويض المؤسسات والتلويح بمخاطر سقوط الدولة وانتشار الإرهاب، كمحصلة حتمية للانهيار إلى العالم.

بعد خان شيخون يتكرر السؤال الذي ينقذ النظام الحاكم كما المتهم المجنون في محكمة: هل يجرؤ نظام حاكم نجا بصعوبة من مصير محتوم بعد تجربة وتداعيات كيميائي الغوطة على القيام بجريمته ثانية في إعادة لاختبار صبر الإدارة الأميركية الجديدة

بعد خان شيخون يتكرر السؤال الذي ينقذ النظام الحاكم كما المتهم المجنون في محكمة: هل يجرؤ نظام حاكم نجا بصعوبة من مصير محتوم بعد تجربة وتداعيات كيميائي الغوطة على القيام بجريمته ثانية في إعادة لاختبار صبر الإدارة الأميركية الجديدة للرئيس دونالد ترامب والمجتمع الدولي، وفي ظروف بالغة التعقيد وبغاز السارين وبقصف جوي لا تخطئه العلوم الحديثة للرصد وتعقب الأقمار الصناعية وأجهزة المعلومات الأرضية المنتشرة؟

ماذا بعد حجم التوثيق للانتهاكات والمجازر والإبادات والخروقات لكل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وما مثال قصف قافلة الشاحنات المحمّلة بالمساعدات التابعة للأمم المتحدة إلا صورة لسياسة تجويع وحصار المدن والتهجير والتصفيات الجسدية في المعتقلات والسجون وتبييض سجلات العقارات والتلاعب بالملكيات الخاصة لتطبيق سياسات بعيدة الأمد لخلق الفوضى والنزاعات لأجيال قادمة.

هل يحتاج النظام لارتكاب مجزرة لتأليب العالم ضده؟ وما هي الرسائل من قصف خان شيخون بالكيميائي؟ النظام يعاود الرهان على سذاجة اتهامه، وتفنيده ثم اختصاره بعدم وجود سلاح كيميائي منذ عام 2013.

لكن ما إن مضت ساعات على الضربة الكيميائية في خان شيخون حتى بدأت برامج التضليل والتشتيت والتبرير من قبل روسيا والنظام بإعلامهما أو بالتصريحات والتحليلات البعيدة عن أبسط الالتزامات الأخلاقية، لكننا لن نتوقف عندها إلا بما تؤكده من استعجال وعدم إتقان في كتابة سيناريو مكتمل ومُقنِع، إنما تعاملا بنظام القطعة مع المعلومات والصور والتحليلات العلمية، وأخيرا بعد أن اصطدما بجزع المجتمع الدولي من تصرفاتها عادا إلى ارتداء قناع بلا ملامح لتلافي المأزق ببرودة دم امتاز بها القتلة على مر التاريخ.

الحقيقة إن الشفقة تحضر، وهي في الفلسفة أقسى مراتب الأحكام بالإدانة على نظام أو شخص كالحاكم في سوريا، لأن الجريمة المرتكبة تدلل على غياب مطلق لأدوات الحكم أو السيادة أو اتخاذ القرارات؛ الرسالة روسية هذه المرة، ورغم انفعاليتها لكنها اختبار للإدارة الأميركية وبتوقيت مبكر وعلى مقياس هزّ وجدان بقايا الضمير الإنساني، والمعنى كامن في الامتحان الأقسى لإدارة الرئيس دونالد ترامب وتخييرها بين أميركا الدولة العظمى أو أميركا “بزنس” أولا.

كل ما سيأتي، في حالة التغاضي عن جريمة أو فضيحة خان شيخون، لن يكون إلا إعادة مملّة لسياسة جون كيري – سيرجي لافروف وغياب الدور الأميركي في الأحداث الكبرى الخطيرة في منطقة الشرق الأوسط التي تسببت بها رؤية الرئيس باراك أوباما؛ لكن بعد الضربة الأميركية لمطار الشعيرات عادت أميركا إلى دورها كدولة عظمى من بوابة المدينة المنكوبة بالكيميائي.

من كارثة خان شيخون، على المجتمع الدولي فتح الملفات القديمة التي أغلقتها توافقات المصالح على نتائج معيّنة والقبول بها كحقائق مطلقة بالتراضي، ومنها الملف الكيميائي السوري والملف الكيميائي الإيراني، وعدم تجاهل التقارير العلمية للمنظمات المعنية وتتبّع خيوطها لفضح الجرائم والإبادات المعلومة بأثر رجعي والتي أريد لها أن تغلق نهائيا لأغراض سياسية.

فالخوف القادم هو إقدام المحور الإيراني بقيادة نظام الولي الفقيه والنظام السوري وحرسهم الثوري بأسلوبهم المعتاد على استثمار الضربة الكيميائية في خان شيخون لارتكاب حماقات أخرى في سوريا أو العراق في عملية تثقيب لعجلة ردود الفعل السياسية والإعلامية لتخفيف حركة الضغوط وتسارعها، وتحويل التحقيقات المرتقبة إلى تحقيقات ثانوية أيضا في مناطق أخرى.

الموصل هي المكان الأكثر صلاحية لتداخل الخنادق وأذرع الإرهاب من داعش إلى المندسين المجهولين الذين أعلن قائدهم قبل أيام ولاءه المطلق لوصايا المرشد الإيراني وفخره بالعمل تحت إمرة قاسم سليماني.

تبقى الأسئلة متصلة، لكن أهمها هل يجرؤ الأسد على إحراج موقف روسيا أمام العالم ومفاجأتها بالضربة الكيميائية دون الاتفاق والتنسيق المسبق معها؟ وماذا عن صراع الإرادات على الأرض السورية بين إيران وروسيا؟

بعد أن فشلت روسيا في سوريا وماطلت في الدفاع عن جرائم النظام، جاء الرد الأميركي وقال ترامب كلمته “لست أوباما والنظام الحاكم في سوريا تجاوز الخطوط الحمراء بجريمته المروعة”. الإيجاز في الكلمات تحوّل دون تأخير إلى 59 صاروخا استهدفت مطار الشعيرات وهو من ضمن 4 قواعد رئيسية ومن بين 26 مطارا عسكريا. المتغيرات قادمة وخان شيخون بداية لمرحلة جديدة اختصرت أهوال المأساة السورية.

خان شيخون سيناريو بائس وصورة لرذائل السياسة واحتقار لحق الحياة؛ لكن مصير البشرية يكمن في الصمود وتخطي الابتذال وإعادة اختراع عائلة إنسانية لن تبخل علينا باحترام ما يَحتَضِرُ في قلوبنا من عائلتنا القديمة.

كاتب عراقي

العرب

 

 

 

 

الإبادة.. استراتيجية نظام الأسد/ سلام السعدي

الأمم المتحدة لا تطلق على ما يحدث في سوريا اسم إبادة جماعية، مثلما أنها لم تعتبر المذابح التي ارتكبت من قبل الصرب ضد مسلمي البوسنة والتي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين عملا من أعمال الإبادة.

مع استهداف مدينة إدلب بالسلاح الكيميائي ووقوع نحو مئة ضحية من المدنيين السوريين، تعود التساؤلات مجددا عن مرتكب ذلك العمل الإرهابي الشنيع. أنصار النظام السوري وبعض المتابعين “المحايدين” يشككون في أن ينفذ نظام بشار الأسد عملا يلهب نيران العداء ضده بعد أن بدأت تخبو خلال الأشهر الأخيرة. هل يمكن لعاقل أن يفعل ذلك؟ يردد هؤلاء نافين التهمة الموجهة للنظام أو حائرين في طبيعة تكوين الدولة الأسدية ومدى الجنون الذي غرقت فيه.

تكررت تلك التساؤلات قبل نحو أربعة أعوام بعد استخدام السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية والذي كاد يؤدي إلى ضربة عسكرية أميركية ضد النظام كانت لتغيّر من مجريات الحرب. ولقطع الشك باليقين، لا بد من التأكيد على أن عدة تحقيقات دولية مستقلة أجريت في عدة مناسبات استخدم فيها نظام الأسد السلاح الكيميائي خلال الأعوام الماضية، وقد خلصت جميعها إلى تأكيد مسؤولية الأسد. السؤال إذن، لماذا يواصل النظام فعل ما يبدو أنه ضد مصلحته؟

التفسير الأول يتعلق بالضعف الشديد الذي فتك بجيش النظام والذي يجبره في عدة مناسبات على استخدام السلاح الكيميائي. عندما استخدم النظام السوري السلاح الكيميائي للمرة الأولى في شهر أغسطس من العام 2013، كان في حالة تهاو سريع في أماكن متفرقة من سوريا.

كانت الغوطة الشرقية قد تماسكت عسكريا، ولم يعد بوسع النظام تنفيذ اقتحامات كما كان يفعـل طيلة العـام 2012. وبصورة عـامة، شهـد هذا العام تشكيل أكبر الفصائل العسكرية للمعارضة بعد سلسلة من الاندماجات العسكـرية بين فصـائل متعددة. لـم يوقـف هذا الزخم العسكري المتصاعد إلا دخول تنظيم الدولة الإسلامية داعش على المشهد.

من هذا المنطلق استخدم نظام الأسد السلاح الكيميائي في العشرات من المناسبات بحسب ناشطين. ولم تحظ حالات استهداف جبهات القتال والمواقع العسكرية بالتغطية اللازمة. كما لم يحظ استهداف مواقع سقط فيها عدد قليل من المدنيين باهتمام إعلامي كبير. يحمل هذا التحليل قدرا من الصحة.

ولكن، لو كان الهدف الوحيد للنظام السوري هو دعم مواجهاته العسكري ضد المعارضة بسلاح نوعي لقصر استخدامه على المعارك العسكرية المعزولة، وتجنّب بذلك التنديد الدولي وسيناريوهات المحاسبة.

يتعلق التفسير الآخر بالأهداف بعيدة المدى للنظام السوري. إذ لم تعد استراتيجية نظام بشار الأسد تقتصر على البقاء في الحكم بل على حكم بلد ذي تركيبة سكانية جديدة يعتبرها أكثر استقرارا.

بهذا المعنى، يستغل نظام الأسد الحرب لإجراء تغيير ديموغرافي يجعل سوريا أكثر مواءمة لتأبيد حكم عائلة الأسد، وذلك من خلال انتهاج سياسة مزدوجة تتضمن الإبادة والتهجير الطـائفي القسري. منذ تحـول الثورة السورية إلى صراع عسكري ضد النظام، عمل الأخير على إبادة السكان في المناطق الثائرة ذات الغالبية السنيّة. سكان الأرياف على وجه خاص نالوا القسط الأكبر من المذبحة.

عرّفت الأمم المتحدة الإبادة الجماعية في العام 1948 على أنها عمل يرتكب بقصد التدمير، سواء الشامل أو الجزئي، لمجموعة قومية أو دينية أو عرقية. وأضافت أن الإبادة يمكن أن تتم سواء عبر القتل المباشر أو باستهداف أماكن عيش تلك المجموعة ومصادر رزقها ودفعها للتهجير. كما تتيح الأمم المتحدة الرد العسكري على الإبادة الجماعية سواء ارتكبت في زمن السلم أو الحرب.

لكن الأمم المتحدة لا تطلق على ما يحدث في سوريا اسم إبادة جماعية، مثلما أنها لم تعتبر المذابح التي ارتكبت من قبل الصرب ضد مسلمي البوسنة والتي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين عملا من أعمال الإبادة.

تقصر الأمم المتحدة تعريفها على الجرائم التي تحدث في فترة قصيرة وتذهب ضحيتها أعداد كبيرة جدا من البشر مثل الهولوكوست في ألمانيا وإبادة الأرمن في تركيا. ويمثل ذلك خللا في التعريف الذي وضعته الأمم المتحدة، إذ أنه لا يحدد رقما معينا للضحايا.

حدثت المجزرة السورية على مدى سبع سنوات وامتد نطاقها ليشمل الآلاف من المواقع التي تتضمن البلدات الصغيرة والقرى والمدن وحتى السجون في سوريا.

الأهم أن الإبادة التي شنها النظام السوري تضمنت أيضا سياسة التهجير القسري للسكان وذلك بعد استهداف جميع المدن والبلدات المحررة بالغارات اليومية لجعل الحياة مستحيلة.

كما مارس النظام سياسة حصار مئات الآلاف من السوريين ومنع الغذاء والدواء عنهم لدفعهم للمغادرة. المفارقة أن عمليات التهجير القسري حدثت خلال العامين الماضيين بإشراف الأمم المتحدة.

تلك السياسات لا تتضمن قتلا مباشرا ولكنها تؤدي إلى نفس النتيجة التي حددها تعريف الأمم المتحدة للإبادة: التدمير الجزئي أو الكلي لمجموعة دينية أو عرقية أو إثنية.

يدعو العديد من الخبراء إلى تعريف جديد لجرائم الإبادة يكون أكثر دقة وشاملا للمذابح الصغيرة المتفرقة، فضلا عن سياسيات إخضاع السكان بالوسائل الاقتصادية لدفعهم للمغادرة. ولكن تعريف الأمم المتحدة الحالي يمكّن قادة العالم من التملص ممّا يحدث في بلدان مختلفة، حيث تتواصل الإبادة والتهجير القسري.

كاتب فلسطيني سوري

العرب

 

 

 

ترمب يزأر.. وأسئلة سورية معلقة!/ جميل الذيابي

«أحياناً لا تجد الإجابات عن الأسئلة التي تحاصرك، فلا تملك إلا التململ أو التجاهل أو الوقوف على سطح مبنى قديم؛ لتتأمل زرقة السماء، وحركة المجرات، وتعُد النجوم، وأنت ترتشف قهوة داكنةَ السواد، تشبه واقع الحال العربي «المقطع الأوصال»، ثم تزفر من قسوة الصورة، تظل واقفاً «بائساً» «مختشباً»، على شرفة عربية «آيلة للسقوط»، وأنت تستعرض شريط الأحداث السياسية، والشعارات والكلمات والتصريحات، ثم تدير ظهرك لتلك النافذة «الخجولة»، مصوِّباً عينيك على الشاشات الإخبارية، لتشاهد أخباراً مأسوية عاجلة تنقل عمليات قتل واغتيالات ومآسي ومذابح، لا يسلم منها أحد حتى النساء والأطفال الأبرياء.

تحل نوبات البكاء، وتمسح عينيك بمنديل من دم، ويظل قلبك يرتجف، ورئتاك تنهمران بالدموع. هكذا هي الحال في سورية وأنت تشاهد الموت والجثث وأشلاء الأطفال الأبرياء في كل البلدات وتحت الأنقاض».

هكذا بعض ما كتبت متلوعاً في عام 2012، على وقع حمام الدم في سورية.

تأملوا.. بعد مضي أعوام عدة لم يتغير شيء، فما لبثت أن وقعت مجزرة «الكيماوي» في الغوطة الشرقية (21 أغسطس 2013)، التي راح ضحيتها 1127 مدنياً سورياً، 201 منهم نساء، و101 طفل، ها أنا أكتب الآن على وقع مذبحة خان شيخون في 2017 التي لقي فيها أكثر من 100 مدني مصرعهم، بينهم 20 طفلاً بريئاً وبالكيماوي نفسه!

ما أظلم النظام البعثي في سورية وما أكثر جرائمه، وما أظلم القوى التي تدعمه: روسيا وإيران وتابعها «حزب الله» وتلك الميليشيات الطائفية. لا شك أن الضربة الأمريكية لنظام الأسد تبعث الأمل لكنها ليست كافية بل تحتاج إلى تكتل وتكامل دولي لإسقاط نظام المجرم.

وعلى رغم مرور أكثر من ستة أعوام.. لا يزال العالم غارقاً في الجدل أمام نفس الصورة، وعاجزاً في أكبر مؤسساته الأممية (مجلس الأمن) عن اتخاذ قرار ينقذ شعباً.

وتنتهي الاجتماعات المغلقة والمفتوحة إلى دماء وإحباطات.

روسيا مسلحة بالفيتو، وتتنزه بالطائرات في أجواء سورية كل يوم لإفناء شعب لا ذنب له. كم من السوريين هجِّروا من ديارهم بسبب النزاع؟ ثمانية ملايين سوري يعيشون لاجئين ومشردين، كأتعس ما تكون الحال. آلة بشار الأسد العسكرية التي تعززها الطائرات الروسية والميليشيات الإيرانية الأصيلة والوكيلة أبادت 500 ألف سوري، نصفهم من الأطفال والنساء..

والعالم يتفرج.. والجامعة العربية تجتمع وتنفضّ.. ومجلس الأمن يتلقى لطمات الفيتو الروسي مذبحة تلو مجزرة، والسوريون يموتون، وبراميل المتفجرات، وبراميل الغاز السام، وقذائف

الدبابات وصواريخ الطائرات لا تتوقف. والأسد يتفنن ويتلذذ بأكل لحم شعبه مشوياً، ومشوهاً، ومُدمىً.

عام سابع بدأ وبارود ونيران بشار وحلفائه لا تنتهي. و«داعش» يجز الرؤوس. والسوريون يُهجَّرون ويشردون وينزحون نحو موت جديد. ستة أعوام مضت وروائح الجثث أضحت مقيمة في كل بلدة وقرية ومحافظة سورية.

أين إرادة المجتمع الدولي لإسقاط نظام المجرم؟ ماذا أصاب العرب بعد أيام فقط من لقاء قادتهم على شط البحر الميت حيث رفرفت أعلام النظام السوري القاتل؟

كيف تجرأ النظام الأسدي على زيادة وتيرة سفك الدماء، وتدشين المجازر والمذابح، ونحر النسوة والأطفال، وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها؟ لقد تجرأ على تلك الفظائع؛ لأنه أَمِن العقاب الدولي، مطمئن إلى أن هناك قوى أكثر شراً منه تدعمه لا تبالي مثل «نيرون» تتفنن بحرق النظام العالمي في سبيل ضمان هيمنتها، وتحقيقها ما تعتبره نصراً على القوى التي تنافسها.

كيف يمكن إرساء مبدأ العدالة للشعوب لئلا تجد الأمم المتحدة مصير عصبة الأمم، وتصبح شريعة الغاب، و«القروش الكبيرة تأكل الأسماك الصغيرة» أساساً للنظام العالمي في القرن الـ 21.

الأكيد أن سورية تقطع من الوريد إلى الوريد، وأضحت أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تكون، أو لا تكون.

إما أن يرفع العالم المعاناة عن شعبها، وإما نشيعها إلى مصير قاتم.

السؤال اليوم..

هل العالم على شفير مواجهة عالمية كبرى على الأراضي السورية؟!

هل سيبقى الدور العربي على الهامش حيال كارثة تواجه شعباً عربياً؟. الموقف السعودي السريع المؤيد للضربة العسكرية الأمريكية ضد نظام الأسد مهم و«متقدم»، ولو كانت الضربة محددة.

المخالب الأمريكية تعود للمنطقة.. والدب الروسي يدرس حلوله مع القتلة، ولكنه يعرف أن «نزهة أوباما ولت» وصرامة ترمب حضرت.

ترمب قال وفعل.. الرسالة الأمريكية وصلت للكرملين والملالي والأسد، لكنها ليست كافية قبل الشروع في خطة إسقاط نظام المجرم بشار الأسد ووضعه في «الزنزانة» ومحاكمته كمجرم حرب.

عهد ترمب ليس كعهد أوباما. المرحلة مختلفة. المنطقة ملتهبة، ومقبلة على المزيد من النار والبارود، والتضحيات، والمواجهات الكبيرة لحسم الملفات المؤجلة والمعلقة.

عكاظ

 

 

 

 

عودة أمريكا/ يحيى الأمير

تسعة وخمسون صاروخا أمريكيا من نوع توماهوك تستهدف مطار الشعيرات العسكري التابع لنظام الأسد والذي انطلقت منه الطائرات التي نفذت المجزة الدامية في خان شيخون الثلاثاء الماضي، وتدمر المطار وتكشف عن عودة أمريكية للمنطقة بعد الانسحابات السابقة والفراغات التي تسببت بها إدارة أوباما السابقة.

الآن سينبري لك عروبي عتيق يستنكر عليك أن تؤيد أن قوة أجنبية تقصف أرضا عربية مسلمة، لا عليك فهو ذاته الذي كان يرى في ميليشيا حزب الله مقاومة وفِي أمينها العام قائدا للمقاومة إبان العبث الذي ارتكبه الحزب العام ٢٠٠٦، علما أنه لا سوريا ولا جنوب لبنان لم تعد أرضا عربية منذ بدأ ذلك التوغل الإيراني وتبعه ذلك التدخل الروسي.

في الثامن عشر من ديسمبر العام ٢٠١١ عبرت آخر عربة أمريكية مدرعة من الفرقة الثالثة الحدود العراقية باتجاه الكويت معلنة الانسحاب الأمريكي من العراق بعد تسع سنوات خلفت ما يزيد على أربعة آلاف قتيل وأكثر من 30 ألف جريح أمريكي، كان إنزال العلم الأمريكي في الحفل البائس الذي شهده مطار بغداد إيذانا باندلاع صراعات عراقية طائفية وتوغل إيراني وتغيير ديموغرافي كبير انطلقت أعماله صبيحة اليوم التالي للانسحاب، وهو ما فاقم الوضع في العراق وجعل منه دولة فاشلة تتنازعها الحروب والصراعات الطائفية والتوغل الإيراني.

كان الانسحاب الأمريكي لإدارة أوباما في تلك الحقبة جزءا من عملية استقبال الربيع العربي في المنطقة وتجسيدا لنظرية الإدارة من الخلف، كان الإدارة الأمريكية آنذاك ترى أنه حان الوقت ليتولى الشارع إدارة كل قضاياه في إعلان لمرحلة جديدة من الفوضى لم يكن الفتور الذي أصاب علاقة واشنطن بالحلفاء الأقرب في المنطقة إلا إحدى نتائجها.

في الواقع أن قائد أمريكا هو الذي يدرك مسؤوليتها وموقفها الحقيقي المفترض من العالم، فقدر أمريكا أن تكون لديها مسؤولية تجاه العالم بصفتها نموذجه الأبرز على مستويات القوة والتنوع والتأثير، وبلا مبالغة كما هو دور المملكة العربية السعودية الأخلاقي تجاه منطقتها وأمنها. وهو ما يفسر البيان السعودي الموفق الذي تلا الضربة الأمريكية على مطار الشعيرات.

لم تكن جريمة خان شيخون هي الجريمة الأولى التي ترتكبها ميليشيا الأسد بحق المواطنين السوريين، في الثاني عشر من أغسطس العام ٢٠١٣ كانت الغوطة الواقعة شرق دمشق على موعد مع جريمة بشعة استخدم فيها نظام الأسد الغازات الكيماوية وسقط ضحايا بالمئات، ومثلت تلك الحادثة تجاوزا للخطوط الحمراء التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي السابق أوباما مهددا أنه لن يسمح لنظام الأسد بتجاوزها، ورغم المحاولات الكبرى التي بذلتها دول المنطقة وعلى رأسها المملكة لحث واشنطن والمجتمع الدولي على القيام بدوره اكتفى الرئيس المثقف أن يعبر البيت عن قلقه، كانت تلك الردود تطمينا لنظام الأسد أن خطوط أوباما الحمراء ليست كذلك ليبدأ بعدها زمن البراميل المتفجرة والأسلحة المحرمة دوليا في أبشع مجازر شهدها العصر الحديث.

سوف يكون من الملائم جدا لواشنطن أن تعود إلى المنطقة عبر أبرز ملفاتها وقضاياها وهي الملف السوري، وسيكون من الأقرب للشارع العربي وهو يرى شيئا ما يسعى لإنهاء تلك المأساة الإنسانية التي عايشها لمدة ست سنوات. وسيكون للشارع العربي أيضا فرصة أن يرى أن الدول التي وقفت مبكرا ضد نظام الأسد كانت تدرك أن القتل التدمير الذي بدأ لن ينتهي إلا بقوة ردع دولية كبرى.

عكاظ

 

 

 

 

هجوم «ترامب» في سوريا: الجيد والسيء.. والقبيح

ترجمة وتحرير أسامة محمد – الخليج الجديد

بناء على أمر من الرئيس «دونالد ترامب»، قام الجيش الأمريكي بإلقاء العشرات من صواريخ كروز على قاعدة جوية سورية أطلقت من خلالها أسلحة كيماوية هذا الأسبوع أدت لقتل مدنيين سوريين من بينهم عدد من الأطفال. ويندد نقاد «ترامب» بالضربات كدليل على تهوره وتورط أميركا غير الحكيم في الحرب الأهلية السورية. ويحتفل مؤيدوه بالهجوم كعلامة على التصميم الأمريكي الذي كان مفقودا خلال السنوات الثمان الماضية، فضلا عن أنه رسالة إلى الأشرار في العالم.

هل يجب علينا أن ندين أو نثني على قرار «ترامب»؟ الجواب، بالطبع، ليس من السهل، حيث لدي أسئلة أكثر من الإجابات.

الجيد

عندما كانت إدارة «أوباما» تتجه نحو رد عسكري على الهجوم الكيميائي السوري عام 2013 لإنفاذ خطها الأحمر المعلن، على الرغم من أنني لم أؤيد هجوما بدون الحصول على شعبية واسعة، ودعم من الكونغرس والحلفاء، فقد لاحظت أن أي شيء أقل من الهجوم الكبير لتدمير قدرات الأسد الجوية لن يرسل رسالة قوية بما فيه الكفاية. ونحن نعلم جميعا ما حدث بعد ذلك، وبطبيعة الحال، فقد تعرض الرئيس «أوباما» لانتقادات شديدة لعدم تصرفه (ولكني أرى أن الخطأ الأكبر هو الخط الأحمر، وليس الفشل في فرضه). وحقيقة أن معظم ترسانة الأسد الكيميائية قد دمرت لاحقا في اتفاق توسطت فيه روسيا ووفر مكاسب صافية لمصالح الولايات المتحدة.

أما في الوقت الحاضر، في حين أعتقد أن الرد الدبلوماسي المدعوم بالتهديد الموثوق به للعمل العسكري كان سيحقق استجابة أكثر حكمة لجريمة الحرب الأخيرة التي ارتكبها نظام «الأسد» يمكن للمرء أن يجادل أن صواريخ كروز قد تعيد الردع مع «الأسد» بقدر ضيق فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيميائية. ومع ذلك، فإنني أشعر بالقلق من أن تركز الهجوم على قاعدة جوية واحدة يمكن أن ينظر إليه من قبل «نظام الأسد» على أنه ليس أكثر من عملية رمزية. وماذا لو فعل «الأسد» ذلك مرة أخرى؟

الجيد، كما ترون، هو على الأرجح ليست جيدا. بل هناك مشاكل أكبر مع هذا الهجوم.

السيء

لقد كان خطر التصعيد العسكري مع روسيا أحد الاعتراضات المتكررة على الهجوم العسكري الأمريكي على «نظام الأسد«. وفي حين أن الكثيرين قد رفضوا هذه المخاوف (وهي من وجهة نظري غير مشروعة)، حيث يمكن للجميع أن يوافقوا على أن مثل هذا التصعيد سيكون أكثر احتمالا إذا كانت الضربات الأمريكية ستقتل عددا من الأفراد العسكريين الروس الموجودين في مواقع مشتركة مع العسكريين السوريين. وبينما يزعم وزير الخارجية «ريكس تيلرسون» أن موسكو أبلغت بالهجوم في وقت مبكر لأغراض نزع التعارض، فإن هناك جزءا من القاعدة قيد البحث يديرها الجيش الروسي. ولا يزال من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان ذلك صحيحا وما الذي حدث لأي موظفين روسيين متمركزين هناك. ولكن هذا الخبر تركني غير مستقر. حتى لو لم يصب الروس في هذا الهجوم وإذا رفضت موسكو التصدي للتصعيد ردا على ذلك، فيمكنكم التأكد من أن هناك انتقام روسي في مكان آخر في نهاية المطاف. ربما ستكون هناك تكلفة مقبولة لهذا من البيت الأبيض، وربما لا.

ثانيا، كان تحفظ «أوباما» لشن هجوم في عام 2013 يعتمد جزئيا على رغبته في الحصول على دعم الكونغرس، وقد كانت هذه هي الغريزة الصحيحة. فقد كشفت استطلاعات الرأي الشعبي فى ذلك الوقت عن عدم وجود تأييد عام للهجوم. وأفادت معظم التقارير أن القرار لن يحصل على تأييد الأغلبية في الكونغرس. ولا يزال يتعين على المشرعين الأمريكيين إجراء تصويت سريع على المشاركة العسكرية الأمريكية في الحرب الأهلية السورية بينما لا تزال السلطة التنفيذية تشن حربا بلا قيود.

ثالثا، لا يمكن أن ينظر إلى ضربات صواريخ كروز في معزل عن أمور أخرى وينبغي قياسها في سياق تصاعد تدخل أمريكا في الحرب في سوريا. من الغارات الجوية، إلى تدريب وتجهيز القوات الأصلية في عهد «أوباما»،تصاعد تدخل الولايات المتحدة في ظل «ترامب» ليشمل نشر مدفعية البحرية الأمريكية و الجيش الأمريكي، والآن لدينا هذه الضربات. هذا خط زمني خطير.

القبيح

لقد أدان «ترامب» توجه «أوباما» لشن هجوم بعد استخدام الأسد الأسلحة الكيميائية عام 2013 وطالبه بالذهاب إلى الكونغرس للموافقة عليه. وفي الحملة الانتخابية، كرر «ترامب» أنه سيعمل مع «الأسد» وروسيا لمحاربة الإرهاب. والمشكلة الحقيقية، التي أصر عليها مرارا وتكرارا، هي الدولة الإسلامية بدلا من «بشار الأسد». لقد سمعنا مرارا أن «ترامب» كان واقعيا ولم يكن مهتما بالتدخل الأجنبي. قبل أيام قليلة، بدا أن كبار أعضاء الإدارة يقبلون بأن «الأسد» باق. ومع ذلك، بعد هجوم الأسلحة الكيميائية هذا الأسبوع، قال «ترامب» أنه سيكون هناك رد، وكان هناك بالفعل. وفي حين أن الهجوم الكيميائي كان مروعا بلا شك، فإن الأسد يقتل المدنيين بالرصاص والقنابل منذ سنوات بأعداد أكبر بكثير. ولكي يكون ذلك مباشرا، فإن الذي يخيفني هو سرعة تغيير «ترامب» لسياسة قائمة منذ فترة طويلة ولأسباب غير واضحة. إنني أشعر بالقلق إزاء ما يبشر به من قرارات بشأن الحرب والسلام على مدى السنوات الأربع أو الثمان المقبلة.

المصدر | ريان إيفانز – وور أون ذا روكس

 

 

 

«إيكونوميست»: «دونالد ترامب» يضرب «سوريا الأسد».. ما الذي يعنيه ذلك؟

ترجمة وتحرير شادي خليفة – الخليج الجديد

لا شك في أنّ «دونالد ترامب» كان حريصًا على تأكيد حسمه للأمور، على النقيض من التردّد الذي كان سمة سلفه. وكانت هناك تلميحات في وقتٍ سابقٍ من الأسبوع أنّ الرئيس يفكر في القيام بشيءٍ ما. وبعد الهجوم الذي شنته القوات الجوية السورية باستخدام غاز الأعصاب، والذي تسبّب في قتل أكثر من 85 شخصًا في مدينة خان شيخون التي يسيطر عليها المعارضون في 4 أبريل/نيسان، قال الرئيس أنّ «بشار الأسد»، الديكتاتور السوري، قد تجاوز «العديد من الخطوط الحمراء». وفي الساعات الأولى من يوم الجمعة 7 أبريل/نيسان، جاء أوّل ردٍ عملي من «ترامب».

وقد أطلقت السفن الأمريكية 59 صاروخا من نوع كروز على مطار الشعيرات، التي يُعتقد أنّ الطائرات التي حملت القنابل الكيميائية التي ضرب خان شيخون قد انطلقت منه. وكانت الضربة محدودة وموجهة. وعلى الرغم من ذلك، فقد أزالت فكرة أنّ استخدام أي نوع من القوة ردًا على السلوك البربري لـ«نظام الأسد» لم يعد ممكنا بسبب مخاوف المواجهة مع حليفه الروسي، والذي يعمل في سوريا منذ سبتمبر/أيلول عام 2015، وتمّ إبلاغ الروس بالضربة مسبقًا، لكن لم يتم استشارتهم على ما يبدو. وليس من الواضح ما إذا كان الروس قد كانوا متواجدين فى القاعدة. لكنّ التحذير، الذي لا شك في أنّه قد نُقِلَ إلى السوريين، يبدو أنّه قد أعطاهم الوقت الكافي لإخلاء بعض طائراتهم على الأقل. علاوة على ذلك، من الناحية العسكرية، لن تحدث العملية فرقًا يذكر في قدرات «نظام الأسد».

وسيحظى السيد «ترامب» بالثناء بسبب رغبته في تقديم أكثر من مجرد بيان حول انتهاك النظام السوري للمعايير الدولية والتزاماتها، وهو الذي يحدث منذ توقيعه عام 2013 على اتفاقية مكافحة استخدام الأسلحة الكيميائية. وفي الماضي، بدا السيد «ترامب» غير مبالٍ بفكرة التدخل الإنساني. ولكن في مواجهة مثل هذا العمل الاستفزازي الذي ارتكب خلال فترته الرئاسية، فإنه سأل جنرالاته عن الرد المناسب، وقد أشاروا عليه. ويستحق فريق الأمن القومي المحترف الذي أصبح الآن مكونًا من وزير دفاعه، «جيمس ماتيس»، ومستشاره لشؤون الأمن القومي، «هربرت رايموند ماكماستر»، الثناء على ذلك، لكنّ القرار النهائي كان بالطبع للرئيس.

ويأسف العديد من مسؤولي حقبة «أوباما» لأنّ إدارتهم لم تقدم شيئًا مماثلًا. ولا يزال «أوباما» يؤكد أنه فخور بالاتفاق الذي تم التوصل إليه مع روسيا عام 2013، في أعقاب هجومٍ أكثر خطورة، لتجريد «الأسد» من أسلحته الكيميائية مقابل منع الضربات الجوية التي كان «أوباما» قد هدد بها من قبل. ومن الواضح الآن أنه حتى على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها مفتشو الأسلحة، فقد أخفى «الأسد» بعض ترسانته الكيميائية الضخمة بقصد استخدامها مرة أخرى في حين اعتقد أنّه يمكنه الإفلات هذه المرة.

والسؤال الآن هو ماذا سيحدث بعد ذلك. ومن المقرر أن يلتقي «ريكس تيلرسون»، وزير «ترامب» الذي لم يكن في الصورة تقريبًا، بالرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» في موسكو الأسبوع القادم. واتهم السيد «تيلرسون» روسيا إما بأنّها «”متواطئة» في الهجوم أو «غير كفؤة» بسبب عدم قدرتها على كبح جماح حليفها. وقبل أيامٍ قليلة فقط، كان مسؤولو «ترامب» يشيرون إلى أنّه لم يعد هدفًا للإدارة إزالة «الأسد» من السلطة كشرطٍ مسبق للوصول إلى إلى اتفاقٍ حول إنهاء الحرب في سوريا، وهي الحرب التي أودت، على الأرجح، بحياة نصف مليون شخص. فهل غير «ترامب» رأيه؟ أو هل هي مجرد صفعة للأسد وتحذير للروس من أنّه لن يسمح للأسد أن يفعل الأمور دون عقاب؟ وهل تواصل أمريكا تجنب مسار مفاوضات السلام؟ من المؤسف أنّ «تيلرسون» قد صرّح بعد الهجوم بأنّ السياسة تجاه سوريا لم تتغير.

وتوجد شكوك أخرى أيضًا. فماذا لو تخلى «الأسد» عن الأسلحة الكيميائية لكنّه واصل إسقاط البراميل المتفجرة على المدنيين، فهل سيرغب «ترامب» في إيقافه؟ أم أنّ ذلك سيكون مسموحًا به كما كان قبل أيامٍ قليلة فقط؟ إذا كانت الأولى، فما هي مخاطر التصعيد التي يمكن أن تؤدي إلى مواجهةٍ أكبر بكثير مع روسيا وحليف «الأسد» الآخر، إيران، خاصةً إذا انزلق التصعيد العسكري إلى جعل تغيير النظام كهدفٍ له؟ حتى الآن، ليس هناك ما يدل على أنّ الهجوم بصواريخ كروز سيتكرر مرة أخرى، لكنّ هذا بالطبع من الممكن أن يتغير.

على أي حال، كانت آفاق التعاون مع موسكو في حملتها على (الدولة الإسلامية) في سوريا ضئيلة بالفعل، وربما أصبحت الآن محكوم عليها بالموت. هل سيصعب ذلك الموقف على أميركا وحلفائها إكمال مهمة طرد تنظيم الدولة من عاصمته الرقة وأماكن أخرى في سوريا؟ وهل هناك الآن خطر أكبر من أن تتحول الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران في العراق، والتي تقاتل إلى حدٍ ما إلى جانب الأمريكيين في معركة استعادة الموصل، لتصبح ضدهم في وقتٍ ما؟

سيكون من المثير للاهتمام أيضًا أن نرى ما يعنيه هذا بالنسبة للعلاقة الأوسع مع روسيا، والتي كان «ترامب» حريصًا على تطويرها. ولن يتجاوز الرد الروسي على الضربة الصاروخية القول. وكان رد الفعل الأولي من الكرملين هو وصف العمل الأمريكي بأنّه انتهاك للقانون الدولي، لكن قد يقرر «بوتين»، البراغماتي، أنّه لا شيء يحتاج إلى مزيدٍ من العمل. وفي إطار تحذير روسيا من الهجوم، قد تكون بعض النقاط قد خضعت بالفعل للاتفاق، وخاصةً إذا أشار «بوتين» إلى استعداده لمزيد من كبح جماح «الأسد» في المستقبل. وعلى الرغم من نبرة «تيلرسون» القاسية في وصف دور روسيا، كان «ترامب» أكثر اعتدالًا، ووصف الهجوم الكيميائي بأنّه «يومٌ حزينٌ جدًا بالنسبة لروسيا».

وفي الداخل، سيجني «ترامب» على الأقل بعض الفوائد قصيرة الأجل. فالطريقة السريعة التي نفّذ بها العمل تخلق فرضية مضادة حول صورة التشوش والارتباك التي تظهر عليها إدارته عادةً، وخاصة في التوتّر الأخير حول الرعاية الصحية. وقد تستغرق حقيقة استعداد الرئيس لخطر المواجهة مع روسيا بعض الوقت والقليل من التكهنات في ظلّ الحديث عن علاقته بالكرملين وتدخّل روسيا لدعمه في الانتخابات. وقد يبدأ بعض الصقور الجمهوريين، مثل السيناتور «جون ماكين»، الذي كان ينتقد الدّور السلبي لأمريكا في سوريا، وكذلك تقارب «ترامب» مع «بوتين»، في رؤيته الآن بصورةٍ جديدة وأكثر احترامًا. وكذلك عند بعض الديمقراطيين.

أيًا كان ما حدث، فقد أظهر السيد «ترامب» قدرته على المفاجأة.

المصدر | إيكونوميست

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...