الرئيسية / صفحات مميزة / عن مصير ادلب –مقالات مختارة-

عن مصير ادلب –مقالات مختارة-

إدلب على مفترق طرق بين نيات واشنطن وموسكو… وتمدد «النصرة»/ إبراهيم حميدي

الجيش الروسي أوقف الغارات الأميركية على «القاعدة» وخطة دمشق وطهران للسيطرة على المحافظة

إدلب ليست «أكبر معقل لتنظيم (القاعدة) في العالم» وحسب، بل إنها «تضم عشرة آلاف قيادي وعنصر في تنظيم (القاعدة)، هم الأخطر عالمياً». هذا ما يعتقده مسؤولون أميركيون ويقولونه في اجتماعات مغلقة مع حلفائهم الدوليين والإقليميين في إشارة إلى «جبهة النصرة» وفصائل مقربة منها موالية لـتنظيم «القاعدة» و«داعش».

بالتوازي مع المعركة التي يخوضها التحالف الدولي بقيادة واشنطن ضد «داعش» لتحرير الرقة شرق سوريا، بدأت واشنطن في التركيز على إدلب في الخطاب السياسي والإعلامي وتمهد الأرضية لـمعركة كبرى قادمة، ما يعني مع أسباب أخرى أن المشهد السوري الراهن ليس نهائياً وأن البلاد مقبلة على حروب أخرى.

اللافت، أن الجيش الروسي أوقف الغارات الأميركية التي بدأت في ريفي إدلب وحلب في بداية العام الحالي وشملت ضربات جوية لمئات من قياديين في «القاعدة» و«جماعة خرسان» التابعة له أو قياديين في «جبهة النصرة» و«جيش الفتح». موسكو أبلغت واشنطن أن إدلب ضمن منطقة النفوذ الجوي لطائراتها باعتبار أنها تقع غرب نهر الفرات ومنطقة النفوذ الجوي الأميركي تقتصر على شرق النهر، ما قد يعطي فكرة عن نيات روسية لتحويل إدلب إلى «مشكلة دولية» تدفع واشنطن إلى التنسيق الإلزامي مع موسكو.

جذور القلق

قلق واشنطن له جذور تعود إلى ربيع 2015 وقتذاك، استطاع «جيش الفتح» الذي يضم فصائل إسلامية بينها «جبهة النصرة» و«أحرار الشام الإسلامية» و«جند الأقصى» بتنسيق مع «الجيش الإسلامي التركستاني» (من أويغور الصين) للسيطرة على كامل محافظة إدلب الواقعة بين حلب واللاذقية. واستفاد من صواريخ «تاو» الأميركية المضادة للدروع التي سلمتها غرفة العمليات العسكرية بقيادة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي إيه) جنوب تركيا إلى فصائل «الجيش الحر» في خوض معارك رئيسية لطرد قوات الحكومة من أرياف إدلب وحماة وحلب.

وكي لا تتكرر تجربة الرقة، شكل «جيش الفتح» مجلساً محلياً لإدلب وأبقى على موظفي المؤسسات الحكومية وعملها بما في ذلك المحامون والمدارس. كما شكل «قوة تنفيذية» تضم ممثلي الفصائل. كما أبقت الدول المانحة على دعمها للمؤسسات غير الحكومية الغربية العاملة في إدلب.

لكن ذلك، لم يلق آذاناً صاغية لدى مسؤولي الاستخبارات والجيش في واشنطن. بل العكس، إذ كان صدى انتصارات المعارضة الاسلامية مفزعاً في واشنطن ومهد الطريق لعدم وجود «فيتو» أميركي على تدخل الجيش الروسي في سوريا سبتمبر (أيلول) 2015 تحت عنوان «إنقاذ دمشق من داعش» ثم القضاء بالحرب و«التسويات» على المعارضة المعتدلة. كانت واشنطن ترى طائرات روسية تدمر حلفاءها في «الجيش الحر». أقصى ما تفعله هو دعوة موسكو إلى «التركيز على ضرب الإرهابيين» مع رفض التدخل العسكري لحماية حلفائها على الأرض… إلى وصول الحال إلى ما هو عليه، وهو تسليم واشنطن بهيمنة روسية – إيرانية على دمشق وتوسيع مناطق سيطرة قوات الحكومة خارج حدود «سوريا المفيدة» وقبول الوصول إلى دير الزور شرقاً لبلوغ منابع الغاز والنفط.

الخوف من بديل النظام أو عدم وجود بديل للرئيس بشار الأسد، تقولهما موسكو في الجلسات الرسمية. لكن «القلق المزدوج» في واشنطن من «داعش» موجود منذ أيام إدارة الرئيس باراك أوباما. وإذ بدأ التعبير عنه بتشكيل التحالف الدولي لهزيمة «داعش» شرق سوريا، فإن أرضية النظر إلى إدلب باعتبارها «إمارة قاعدية» تعود أيضا إلى زمن إدارة أوباما إذ نقل عن وزير خارجيته جون كيري قوله في أكثر من مناسبة قبل أن يترك منصبه بداية العام إن «أياماً سوداء قادمة في إدلب».

لكن الجديد أن إدارة دونالد ترمب، وضعت أولوية محاربة «داعش» وأن الرئيس ترمب أجرى سلسلة من التغييرات التي سهلت العمليات العسكرية بحيث أعطى صلاحيات للقادة المحليين على الأرض للقيام بعمليات عسكرية من دون انتظار قرار سياسي. كما فوض ترمب وزير الدفاع جيم ماتيس بالعمليات واتخاذ القرارات العسكرية لتحقيق الهدف هزيمة «داعش».

في بداية العام، كانت هناك خطتان لهزيمة «داعش» على طاولة ترمب: واحدة، تضمنت إرسال 30 ألف جندي بتعاون تركي وإقليمي للانقضاض على «داعش» في الرقة. الثانية، محددة المهمة والزمن بتصميم المبعوث الأميركي بريت ماغورك وتضمنت تطوير «قوات سوريا الديمقراطية» العربية – الكردية التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية العمود الرئيسي للوصول إلى 50 ألف مقاتل عربي وكردي.

خطة ماغورك، لاقت آذاناً صاغية لدى ترمب لاعتقاد الإدارة الأميركية أن «وحدات حماية الشعب» نجحت في تحرير عين العرب (كوباني) بداية 2015 مقابل «فشل» فصائل «درع الفرات» العربية – السنية نهاية 2016 في توسيع نفوذها شمال حلب للوصول إلى خمسة آلاف كيلومتر مربع والاكتفاء فقط بألفي كيلومتر مربع وتكبدها خسائر كبيرة ما أدى إلى ترسيم خطوط النفوذ بين القوات المدعومة من الجيش التركي والأخرى التي يدعمها الجيش الأميركي والقوات الحكومية المدعومة من روسيا بين مدينتي منبج والباب بعد تحريرهما من «داعش» في ريف حلب.

وأمام القلق التركي من السلاح الثقيل والدعم الأميركي لـ«وحدات حماية الشعب» الكردي الذراع العسكرية لـ«الاتحاد الديمقراطي»، وافق وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس على تقديم وثيقة شهرية لنظيره التركي فكري إشيك تتضمن قائمة بالسلاح المسلم مع وعد باستعادته لدى الانتهاء من هزيمة «داعش». كما أن ماغورك، غير المحبوب في أنقرة، زار تركيا أكثر من عشرين مرة خلال سنتين لطمأنة نظرائه الأتراك و«تحذيرهم» من عدم إغلاق الحدود مع سوريا قرب محافظة إدلب التي باتت تتوسع عليها «النصرة»، كما فعل سابقاً لدى ممارسة ضغوط على أنقرة لـ«خنق» تنظيم داعش شرق سوريا.

اللافت، أن إدارة ترمب قررت في خضم الحرب على الإرهاب وقتال «داعش» وتمهيد الأرضية لقتال «النصرة» إلغاء البرنامج السري الذي تديره «وكالة الاستخبارات الأميركية» منذ يونيو (حزيران) 2013 لدعم «الجيش الحر» جنوب تركيا وشمال الأردن وكان أحد أهدافه دعم المعتدلين ضد المتطرفين وقتال قوات الحكومة السورية وإيجاد منصة نفوذ بالملف السوري عبر تدريب وتسليح وتمويل نحو خمسين ألف مقاتل شمال سوريا وجنوبها.

أيضا، تراقب واشنطن نتائج «التسويات» التي تقوم بها دمشق وموسكو لنقل آلاف من عناصر «النصرة» وعائلاتهم من مناطق مختلفة في سوريا وشرق لبنان إلى محافظة إدلب كان آخرهم «أبو مالك التلي» من جرود عرسال، ما أعطى الإشارة للجيش اللبناني لبدء حملة «فجر الجرود» بدعم من الجيش الأميركي لطرد «داعش» من شرق لبنان قرب حدود سوريا.

ضربات استباقية

استطاعت دول داعمة لـ«النصرة» إقناع قيادتها بتغيير اسمها إلى «فتح الشام» العام الماضي ثم التحالف مع فصائل أخرى لتشكيل «هيئة تحرير الشام» بداية العام بمشاركة فصائل أخرى. وفي مارس (آذار) الماضي، قال المبعوث الأميركي مايكل راتني في بيان: «في ضوء هذه التطورات التي حصلت، أن المكون الأساسي لهيئة تحرير الشام هي جبهة النصرة، وهي منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب (في قرارات مجلس الأمن الدولي). وهذا التصنيف ساري المفعول بغض النظر عن التسمية التي تعمل تحتها وأي مجموعات أخرى تندمج معها، وأن هيئة تحرير الشام هي كيان اندماجي وكل من يندمج ضمنه يصبح جزءاً من شبكة القاعدة في سوريا». وزاد: «صاحب السلطة الحقيقية في هيئة تحرير الشام هو أبو محمد الجولاني، وهو المتحكم من الناحية العملياتية، وهدفه الذي يسعى إليه دائماً هو خطف الثورة. وإن منهجه ومنهج جماعته هو التغلب، الذي ما هو إلا وجه آخر للاستبداد، أما الآخرون ممن تولوا المناصب التجميلية مثل أبو جابر فهم مجرد كومبارس»، في إشارة إلى المهندس هاشم جابر الذي انشق من «حركة أحرار الشام» وترأس «هيئة تحرير الشام».

لكن الإشارة الأبلغ جاءت من ماغورك الذي قال في خطاب متلفز في «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن قبل أسابيع، إن إدلب هي «أكبر معقل لتنظيم (القاعدة) في العالم بعد 11 سبتمبر 2011، حيث ركز تنظيم (القاعدة) على إدلب التي تضم نائب التنظيم أيمن الظواهري»، أي «أبو خيري المصري» الذي قتل بغارة أميركية ضمن سلسلة من الغارات ضربت قياديين في «القاعدة» قبل أن توقفها موسكو.

بحثت «النصرة» مرات عدة بعد سيطرة «جيش الفتح» تشكيل «إمارة» في إدلب على غرار «الخلافة» المزعومة لـ«داعش» في الرقة، لكنها اختارت التلحف بالمجتمع السوري وقتال قوات الحكومة وتأسيس شبكات خدمة وتشريعية ومدنية في مناطق وجودها وتعزيز قدرتها العسكرية بفرض أخذ حصة من الأسلحة التي تقدم للفصائل المعتدلة، إضافة إلى تدريب عناصرها وجيل جديد من المقاتلين.

وبعدما ابتلعت «جبهة ثوار سوريا» بقيادة جمال معروف في إدلب و«حركة حزم» في ريف حلب قبل سنوات، هزمت «النصرة» ضمن تحالف «هيئة تحرير الشام» منافستها «حركة أحرار الشام الإسلامية» وبسطت سيطرتها على معظم محافظة إدلب خصوصاً الشريط الحدودي مع تركيا بما في ذلك معبر باب الهوى وتواصل تخريج جيل جديد من مقاتليها. وجاء هذا بمثابة ضربة استباقية أمام الضغوطات التي تتعرض لها «النصرة» بسبب تنفيذ ثلاث من أربع اتفاقيات لـ«خفض التصعيد» شملت جنوب غربي البلاد وغوطة دمشق وريف حمص، نصت على بدء الفصائل المعارضة قتال أو إبعاد «جبهة النصرة».

من جهته، قال راتني إن الهجوم الذي شنته «هيئة تحرير الشام» ضد «حركة أحرار الشام» في إدلب «يعرض مستقبل شمال سوريا لخطر كبير، وشهد شمال سوريا واحدة من أكبر مآسيه… وفي حالة هيمنة (جبهة النصرة) على إدلب سيكون من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية باتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة». وأضاف: «يجب أن يعلم الجميع أن الجولاني وعصابته هم المسؤولون عن العواقب الوخيمة التي ستحل بإدلب».

و«أحرار الشام» التي تعتبر أكبر فصيل إسلامي مقاتل اختار عناصره في إدلب عدم قتال الحلفاء في «النصرة» الذي أيضا لعب قادتها بالترهيب والترغيب دوراً في استسلام آلاف المقاتلين من «الأحرار». لكن ذلك، رسم بوادر تحالفات جديدة تضم كتلتين. واحدة بقيادة «النصرة» وتضم في جوانبها فصائل متشددة مثل «جند الأقصى» المبايع لـ«داعش»، إضافة إلى «الجيش التركستاني الإسلامي» الذي يضم نحو 2500 عنصر من الأويغور في الصين.

بعد «الحسم» كثف زعيم «النصرة» أبو محمد الجولاني اتصالاته مع كتل وشخصيات في «المعارضة المعتدلة» لإقناعهم بتشكيل «إدارة مدنية» في إدلب، إضافة إلى عرضه إلى دبلوماسيين غربيين لإرسال عناصر التنظيم لقتال «داعش» شرق البلاد.

لكن الرد الأميركي كان: «خطة (النصرة) الاختباء وراء إدارة مدنية مجرد أساليب مراوغة… وهذه الإدارة مجرد واجهة زائفة»، بعدما حذر راتني: «من الصعب إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية المطلوبة» ضد إدلب.

حملة مضادة

في المقابل، تواصل فصائل في «الجيش الحر» وشخصيات معارضة حملة لإبعاد «المعتدلين» عن «النصرة» وتجنيب إدلب مصير الرقة أو الموصل، خصوصاً أن محافظة إدلب باتت تضم أكثر من مليون شخص من سكانها الأصليين ونازحين من محافظات أخرى بينها شرق حلب وريف دمشق، وهم في أمس الحاجة إلى المساعدات الإنسانية.

قيادي في «أحرار الشام» كان حذر بعد تذوق الهزيمة من «النصرة» من تحويل إدلب إلى «الرقة الثانية أو الموصل الثانية»، كما أن نشطاء حاولوا التجمع وتشكيل أجسام سياسية معتدلة تحافظ على اللون المدني المعتدل في إدلب بما في ذلك جبل الزاوية حيث تقع مدينة كفرنبل التي سميت ذات يوم بـ«العاصمة الثقافية للثورة السورية»، لكنها تخضع حالياً لحدود «النصرة».

عدد كبير من 1500 منظمة وجمعية مدنية وتنموية تعمل في مناطق المعارضة، قرر تركيز العمل في محافظة إدلب لتلبية الحاجة وصرف الموازنة بعد إغلاق الأبواب أمام مناطق أخرى بسبب سيطرة قوات الحكومة عليها أو رفض دمشق إعطاء موافقات. لكن في الأيام الأخيرة، بدأت الدول المانحة، بينها الدول الأوروبية التي صرفت 12 مليار دولار أميركي قيمة مساعدات إنسانية خلال سبع سنوات، التفكير فيما يمكن فعله بعد بسط «النصرة» سيطرتها على إدلب.

السؤال: كيف يمكن مواصلة تقديم المساعدات في مناطق هيمنة «النصرة» المصنفة بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي تنظيما إرهابياً؟ هل وقف الدعم يخدم «النصرة» أم يضرها؟

في خضم المشاورات بين الدول المانحة والجمعيات السورية، قررت وكالة التنمية الألمانية، بوابة تنفيذ المشاريع، تعليق نشاطاتها في إدلب ما عقد العمل على باقي الدول والمؤسسات الدولية. وكان راتني قال إن واشنطن لا تزال ملتزمة توصيل المساعدات عبر قنوات تتفادى سقوطها في أيدي المتشددين، مكررا مخاوف عبرت عنها منظمات غير حكومية وهيئات معنية بتقديم المساعدات بعد مكاسبهم في الآونة الأخيرة.

نشطاء مدنيون معارضون قلقون من أن وقف التمويل للمؤسسات المدنية بمثابة إشارة أو ضوء أخضر لبدء العمل العسكري ضد إدلب.

خيارات المستقبل

تقف إدلب على مفترق طرق. موسكو منعت دمشق وطهران من تنفيذ خطة عسكرية للسيطرة على إدلب، وهي تراقب ما يحصل ووقف مع أنقرة وطهران اتفاقا لـ«خفض التصعيد» في أربع مناطق تشمل إدلب.

وقعت موسكو مع واشنطن وعمان اتفاقاً تنفيذياً يتعلق بجنوب غربي سوريا (درعا والقنيطرة والسويداء) واتفاقين آخرين يتعلقان بغوطة دمشق وريف حمص. لكن المحادثات لا تزال جارية لتوقيع اتفاق تنفيذي في إدلب. وأجرى كبار المسؤولين العسكريين في روسيا وإيران وتركيا محادثات في الأيام الماضية ركزت على إدلب. كما أن الاجتماع المقبل للدول الثلاث في آستانة، الذي تأجل قليلاً، سيتناول إدلب واحتمال رسم خطوط القتال بين «النصرة» وباقي الفصائل واحتمال نشر مراقبين وضمانات تركية لنشر الشرطة العسكرية الروسية، خصوصاً في ضوء التقديم في الاجتماع الفني الأخير لـ«ضامني» مسار آستانة.

موسكو، التي تملك قاعدتين على بعد حجر من إدلب في اللاذقية وطرطوس، تقف بين خيارين: الأولى، الرغبة في إقناع واشنطن لتشكيل جبهة مشتركة بين الجيشين الأميركي والروسي لقتال «النصرة» في إدلب باعتبار أن التحالف الدولي ضد «داعش» لا يضم روسيا والتحالف الروسي – العراقي – الإيراني – السوري لا يضم أميركا. هناك قناة اتصال بين الجيشين الأميركي والروسي في عمان وأخرى رفيعة بين واشنطن وموسكو، لكن الكرملين يريد تحالفاً عسكرياً أوسع.

الثانية، مباركة عرض تركي بقبول إيراني لتشكيل تحالف جديد باسم «سيف إدلب» لدعم فصائل في «الجيش الحر» لقتال «النصرة» في إدلب تحت غطاء مدفعي تركي وجوي روسي.

أنقرة، الغاضبة من واشنطن لميلها لدعم أكراد سوريا، بات موضوع إدلب يحظى بأولوية لتخوفها من ارتداداتها الأمنية والبشرية على جنوب تركيا. والعرض التركي إلى روسيا وإيران في إدلب، الذي يتضمن في أحد أبعاده تعاونا ثلاثياً لضد «وحدت حماية الشعب» الكردية المتحالف مع الجيش الأميركي شرق نهر الفرات وتحظى بحماية قواعده عسكرية، انطلق من تغيير الأولويات التركية التي باتت ثلاثاً: محاربة الإرهاب، الحد من مشكلة اللاجئين، منع قيام «كيان كردي» على اعتبار أن أكراد سوريا امتداد لأكراد تركيا.

طهران، ليست في عجلة من أمرها. كانت رتبت أمر قريتين شيعيتين في ريف إدلب، وهي مستعدة لدعم تنظيمات تابعة لـ«الحرس الثوري» للمشاركة مع «حزب الله» والقوات الحكومية السورية للأطباق من جهات عدة على إدلب عندما يحين الميعاد. لكن دمشق، التي تريد الجائعة إلى إدلب، تبحث عن مقاربة عسكرية تتضمن «قتل القياديين الأجانب والعرب وإيجاد مخرج للسوريين بينهم».

أما واشنطن، ترى إدلب «معقل القاعدة» لكن صلاحيات التحالف الدولي ضد «داعش» لا تشمل العمل في إدلب الخاضعة للروس. خيارات، واشنطن واسعة شرق نهر الفرات حيث تعتبر منطقة نفوذ لها وأقامت قواعد لدعم الأكراد ومقاتلين في «الجيش الحر» لقتال «داعش»، على عكس الخيارات الضيقة في «سوريا المفيدة».

واشنطن، ليست بصدد الدخول في تحالف عسكري مع موسكو، وهي تتابع الاتصالات الثلاثية إزاء إدلب، لكنها تشكك في قدرة تركيا على قتال «النصرة»، وتطلب منها خنق التنظيم ومنع وصول السلاح والمدد إليه في إدلب مع إضافتها عنصرا جديدا إلى القاموس السياسي وهو «البيئة الحاضنة» لتنظيم «القاعدة».

وما على أهل إدلب والنازحين إليها من جنوب البلاد ووسطها وشمالها وغربها وشرقها، سوى انتظار تفاهمات وصراعات دولية وإقليمية ليعرفوا مصيرهم.

الشرق الأوسط

 

 

 

سورية: صعوبات تواجه جهود تجنيب إدلب “السيناريو الأسود”/ عدنان علي

منذ سيطرة “هيئة تحرير الشام” (التحالف الذي تقوده جبهة النصرة) على معظم المحافظة قبل حوالي الشهر، تقف إدلب عند مفترق طرق، وسط سيناريوهات عدة مطروحة للتعامل مع هذا الوضع من جانب قوى محلية وإقليمية ودولية معنية بالصراع السوري. وهناك إجماع بين تلك القوى على أن تجنيب المحافظة “الأسوأ” يقتضي ضرورة تغييب “الهيئة” عن المشهد، بأية وسيلة ممكنة، سواء كانت سلمية أم عسكرية، وتولي إدارة المدينة من جانب كيان مدني مستقل فعلاً عن الفصائل المسلحة. لكن هذه الطروحات، والتي تكثف تركيا جهودها من أجل تطبيقها، تعترضها في الواقع صعوبات عدة، في مقدمتها رفض “هيئة تحرير الشام” حل نفسها، وضعف القوى الأخرى التي يفترض أن تتسلم إدارة المدينة من “الهيئة” وعدم تغطيتها إقليمياً ودولياً.

وفي هذا الاطار، تداولت وسائل إعلام تركية، ومنها صحيفة “يني شفق” المقربة من الحكومة، ما قالت إنها خطة تركية لـ”إنقاذ” المدينة من مصير أسود يعدّ لها من جانب الأطراف الأخرى الفاعلة في المشهد السوري. وتهدف الخطة إلى تجنّب سيناريوهات عدة من بينها هجوم من جانب قوات كردية مدعومة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، أو هجوم من جانب قوات النظام السوري مدعومة من روسيا وإيران. ويشار إلى أن هجومين من هذا النوع ستتخللهما عمليات قصف جوي مكثفة قد تدمر معظم المدينة، ويذهب ضحيتها آلاف المدنيين، فضلاً عن عمليات نزوح كبرى من المدينة التي تضم حالياً نحو مليوني نسمة، سيكون في معظمه باتجاه الأراضي التركية.

وبحسب ما تم تداوله، فإن المقترحات التركية تتضمّن إقامة إدارة مدنية محلية، وفتح المنطقة أمام نشاطات الحكومة السورية المؤقتة، وذلك لإلغاء مشروعية أي عملية عسكرية دولية في المدينة. كذلك تتضمّن انسحاب المعارضة المسلحة من مركز المدينة إلى مناطق الحراسة خارجها، ونقل عناصر المعارضة، على غرار ما حدث في عملية “درع الفرات” في جرابلس، إلى جهاز الشرطة الرسمي. وتنصّ المقترحات أيضاً على تسليم الخط الممتد من باب الهوى إلى ريف اللاذقية، على طول امتداد الحدود مع تركيا، لجماعات تحظى بدعم ومصادقة الحكومة التركية. ويقضي البند الأخير من هذه الخطة بأن تقوم “هيئة تحرير الشام” بحل نفسها، مع انضمام من يرغب من مقاتليها إلى جماعات معارضة أخرى، وخروج العناصر المتشددة إلى خارج حدود المحافظة.

وذكرت مصادر مطلعة أن ممثلي المعارضة ومنظمات المجتمع المدني وبعض قادة العشائر بدأوا بعقد اجتماعات طارئة في المدينة، بهدف مناقشة المقترحات التركية. وأوضحت أن الموقف الحاسم في هذا الصدد سيكون بيد “هيئة تحرير الشام” لتفوّقها العسكري في المدينة، مشيرةً إلى أن “الهيئة” وافقت على المقترحات التركية باستثناء البند الخاص بحل نفسها. وقالت المصادر إن حراكاً دبلوماسياً واجتماعات متلاحقة تجري في أنقرة، تتركز مع أطراف من المعارضة السورية في محاولة لإيجاد صيغة تقبل بها الجهات الدولية وتجنب المحافظة عواقب عملية عسكرية كبيرة، إضافة إلى الحفاظ على أكبر معاقل المعارضة السورية وعدم السماح بسقوطها لصالح قوات النظام. وذكرت الصحف التركية أن المباحثات التي تجري في العاصمة التركية تضم ممثلين عن الفصائل المسلحة في إدلب والهيئات السياسية ومنظمات المجتمع المدني، إضافةً إلى ممثلين عن العشائر.

ويتزامن ذلك مع حراك دولي تشهده أنقرة أيضاً، ويتركز حول بحث مصير إدلب، وبعد زيارة رئيس أركان الجيش الإيراني الجنرال محمد حسين باقري، إلى أنقرة، وصل إليها أمس الأربعاء، وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، قبيل زيارة مرتقبة لوزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، وبعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى الأردن يوم الإثنين الماضي. وتسعى تركيا لإقناع الأطراف الدولية بضرورة تجنب اللجوء إلى عملية عسكرية كبيرة يمكن أن تؤدي إلى تدمير محافظة إدلب وخلق أزمة إنسانية كبيرة.

وكانت مصادر تركية قد ذكرت أن روسيا طلبت من تركيا تأجيل بحث الاقتراح التركي بمهاجمة بلدة عفرين إلى ما بعد إنهاء ملف إدلب، والذي يشكل أولوية كبرى لموسكو بحسب الرد الروسي. ومن هذا المنطلق، تضغط أنقرة باتجاه حل سلمي للوضع في إدلب، والوصول إلى توافق مع روسيا والولايات المتحدة بشأن مهاجمة عفرين. وقال الصحافي التركي، أوكتاي يلماظ، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إنه ليس من السهل أن تكلل الجهود التركية بالنجاح، نظراً لكون “هيئة تحرير الشام” هي القوة المسيطرة في إدلب، وقد يحتاج الأمر إلى ضغوط دولية وشعبية محلية لإقناع “الهيئة” بحل نفسها وتجنيب المدينة السيناريو الأسوأ، والذي تخطط له بعض القوى بحجة محاربة الإرهاب والتطرف.

واستبعد يلماظ أن تتعاون تركيا مع مليشيات إيرانية في أي عمل عسكري في إدلب، ولا حتى مع إيران نفسها التي لم تعلن يوماً أن لديها قوات نظامية في سورية. ورجّح أنه إذا اضطرت تركيا لدعم عمل عسكري في المدينة فسيكون عملاً تركياً-روسياً وليس تركياً-إيرانياً، على أن يكون ذلك العمل الذي لا تفضله تركيا، هو آخر الحلول، وفق تعبيره. وأشار إلى أن تركيا باتت تفضل التعامل مع أطراف أخرى غير الولايات المتحدة، بسبب إصرار الأخيرة على الشراكة مع المليشيات الكردية التي تصنّفها أنقرة على أنها إرهابية وتقديم الدعم العسكري لها من دون مراعاة المصالح التركية. وأضاف أنه في حال فشلت المحاولات التركية لتجنيب إدلب عملية عسكرية، فإن خيار أنقرة على الأغلب سيكون محاولة التفاهم مع الأطراف الدولية حول عملية عسكرية ضد العناصر المتطرفة بالمحافظة، مقابل السماح للجيش التركي بالقيام بعملية عسكرية ضد الوحدات الكردية في عفرين.

وحول تصريحات أردوغان عن تعاون عسكري محتمل بين بلاده وإيران، رأى يلماظ أن المقصود بذلك على الأرجح هو العمل المشترك ضد التنظيمات الكردية المتطرفة في سنجار وشمال العراق، أو حتى داخل الأراضي السورية، وليس ضد محافظة إدلب. واعتبر يلماظ أن الوضع في إدلب معقد بعض الشيء، وقد فرض نفسه على الأجندة التركية بعد التطورات الأخيرة في المحافظة، بعدما كانت الأولوية التركية تتمثل في التركيز على كيفية إخراج المليشيات الكردية من عفرين.

وقبيل توسيع “هيئة تحرير الشام” سيطرتها على إدلب، كانت المباحثات بين روسيا وتركيا وإيران في إطار مباحثات أستانة، تتركّز على بحث آليات فرض منطقة عدم اشتباك في إدلب، وذلك من خلال نشر قوات تركية، أو تركية وروسية، في مناطق بالمحافظة لوقف الاشتباكات. لكن اليوم، يرى مراقبون أنه بات من الصعب تطبيق هذا المقترح.

في غضون ذلك، أعلن “الحرس الثوري الإيراني” أنه ليس لديه أي خطط للقيام بعمليات عسكرية خارج حدود البلاد. ونقلت وكالة “فارس” الإيرانية الرسمية عن العلاقات العامة لمقر “حمزة سيد الشهداء” التابع للقوة البرية لـ”الحرس الثوري”، نفيها تنفيذ أي برنامج عملاني خارج حدود إيران.

وفي ما يتعلق بالوضع داخل إدلب، ذكرت مصادر محلية في المحافظة لـ”العربي الجديد” أن “هيئة تحرير الشام” حلّت تقريباً كل المؤسسات المدنية في المحافظة، وطلبت من القائمين عليها إعادة تشكيلها على قاعدة التنسيق مع “الهيئة”، وإنْ كانت لم تظهر نيّتها التدخل بشكل مباشر في إعادة تشكيلها، وفق المصادر. وأشارت إلى أن العديد من المؤسسات في الداخل وافقت على نوع من التنسيق مع “الهيئة”. غير أن مجلس مدينة إدلب اتهم “الإدارة المدنية للخدمات” التابعة لـ”الهيئة” في بيان له الثلاثاء، بمحاولة إخضاعه لتبعيتها من خلال قرارات “متسارعة”. وأضاف البيان أن “الإدارة” اتخذت قرارات وخطوات متتالية، “خاصةً بما يخص الدوائر التي تتبع للمجلس محاولة إخضاعها لتبعيتها، فكانت قرارات أحادية”، مشيراً إلى أن المجلس “لا يُمانع في تبعية الدوائر لجهة مركزية”، لكن بشرط “وجود حكومة مدنية مستقلة معترف بها”.

وكانت “الإدارة المدنية للخدمات”، التابعة لـ”هيئة تحرير الشام” في الشمال السوري، قد بدأت إجراءات من شأنها فرض سطوتها على مجالس محافظة إدلب. وفي تعميم صدر مساء الإثنين الماضي، أعلنت الإدارة أن “المديرية العامة للإدارة المحلية هي الجهة الوحيدة المخولة بمتابعة أمور المجالس المحلية في المناطق المحررة”.

وأكد ناشطون أن “هيئة تحرير الشام” عقدت اجتماعاً قبل أيام وسط مدينة إدلب مع عدد من منظمات المجتمع المدني وممثلي الحكومة المؤقتة في المجالس المحلية، وأبدت استعدادها للعمل مع هذه الحكومة. كذلك تحاول “الهيئة” التواصل مع عدة شخصيات قيادية في الفصائل المسلحة والسياسية بهدف التوصل إلى حل توافقي يجنب المدينة الضربة المحتملة، لكن معظم الشخصيات رفضت التعاون مع “الهيئة”.

وكان مجلس مدينة إدلب، المُشكل مطلع العام الحالي، قد أطلق مبادرة دعت إلى تشكيل “حكومة إنقاذ”، خلال اجتماع الأسبوع الماضي حضره معظم مؤسسات المجتمع المدني في إدلب ومحيطها. كذلك تبحث بعض هيئات المعارضة مثل الحكومة المؤقتة و”الائتلاف الوطني” و”الهيئة العليا للمفاوضات” في سبل تجنيب إدلب ضربة عسكرية تقوم بها بعض القوى الدولية بحجة محاربة الإرهاب، على أن يكون لهيئات المعارضة دور في إدارة المدينة بوصفها الجهة الوحيدة المخولة بذلك.

العربي الجديد

 

 

 

 

مشروع رؤية لإنقاذ محافظة إدلب/ مأمون سيد عيسى

أولا: إدلب والسيناريوهات المتوقعة

ثانيا: المشروع السوري/التركي المقترح

كانت محافظة إدلب أولى المحافظات السورية التي تحررت بالكامل من نير الأسد منذ سنتين ونيف، وقد يكون مقدرا لهذه المحافظة المنسية أن تتحول إلى محافظة ينظر إليها العالم ويتردد اسمها في وكالات الأنباء بعد أن رسمت لها صورة سوداء بأنها أصبحت المعقل الرئيسي لتنظيم القاعدة، وتواردت التصريحات غربية وروسية ملمّحة لمصير أسود ينتظرها على غرار الموصل أو الرقة رغم اختلاف الحالة.

تقع هذه المحافظة شمال غرب سوريا وتحاذي الحدود التركية، وتعادل مساحتها نصف مساحة لبنان، وهي تحوي ما يقارب ثلاثة ملايين نسمة نصفهم من الوافدين إليها.

كان يوليو/تموز الماضي تاريخا مفصليا في حياة المحافظة عندما سيطرت جبهة تحرير الشام -المعروفة بتنظيمها وتسليحها الجيد- على معظم مقار أحرار الشام، إضافة لسيطرتها على الحدود مع تركيا في كافة نقاط التماس، لتصبح “الجبهةُ” القوةَ الأولى في المحافظة بلا منازع.

الوضع الجديد سبّب انقساما في تكوينات المعارضة بشأن التعامل مع هذه المستجدات والسيناريوهات القادمة؛ فهنالك من يدعو إلى البحث عن حلول ليست عسكرية لهذا الوضع الجديد.

ومنهم من ينفخ تحت النار ويدعو لحصار محافظة إدلب، ويطلب التدخل الغربي أو الروسي لضرب جبهة تحرير الشام، وليس لديه مانع من أن يستهدف معها البشر والحجر. ومن المفارقة أن أصحاب هذا التيار يتوزعون على تيارات متضادّة (علمانية وإسلامية).

أيضا لا يجرؤ كثيرون على البحث عن مخرج للأزمة الحالية وتداعياتها المستقبلية، حتى لا يصنف بأنه متعاطف مع جبهة تحرير الشام وليس مع شعبه الموعود بالموت والدمار.

ويسعى هذا المقال لإيجاد رؤية مختلفة في التعامل مع مستجدات الأوضاع الحالية بإدلب، حيث سنستعرض في البداية السيناريوهات المتوقعة للمحافظة في ظل التحولات الكبيرة التي حدثت في يوليو/تموز الماضي، ومن ثم نطرح رؤيتنا للحل.

أولا: إدلب والسيناريوهات المتوقعة:

سننطلق في تصنيف السيناريوهات المتوقعة وفق رؤية سياسية تنطلق من حدوث تغييرات كبيرة مؤخرا على خريطة اللاعبين في الساحة السورية، بحيث أصبح اللاعبان الرئيسيان بها هما الولايات المتحدة وروسيا، وهناك تهديدات من كليهما باستهداف محافظة إدلب.

أ- السيناريو الروسي: من المتوقع أن يتم السيناريو الروسي تحت غطاء دولي بحجة مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم القاعدة، وربما تحصل روسيا على قرار من مجلس الأمن يعطيها الشرعية في هجومها على إدلب، ولكن من الممكن الاستغناء عن ذلك. وقد ألمحت روسيا إلى هذا السيناريو عبر تصريحات لمسؤوليها.

ومن المتوقع أن يعتمد هذا الهجوم -إن وقع- على “غارات إستراتيجية ” بالطيران والصواريخ، ستستهدف مقار جبهة تحرير الشام باعتبار أن الاستهداف سيحدث في مناطق آهلة بالسكان، وستكون الأبنية والمستشفيات والأسواق وسكان تلك المناطق هدفا إضافيا لإعادة الوضع الكارثي إلى ما قبل الهدنة، حين هدمت الطائرات الروسية والنظام مدنا وقرى بكاملها على رؤوس ساكنيها.

وسيكون الهدف الرئيس في تلك الخطة هو حصر فصائل المعارضة بمنطقة محدودة المساحة، ثم إجبارها على المصالحة ورفع الراية البيضاء، وسيُعطى للبقية الباقية من المعارضة نوع من السلطة على تلك المساحة ليتم تحويل الكتلة البشرية للمعارضة من عدوٍّ يواجه النظام إلى مجالس مدنية وأدوات شرطية، تعمل بمبدأ الحماية مقابل السلطة.

وبهذا يكون النظام قد أزال خطر المعارضة وحال دون أن تستجمع قواها مستقبلا، وتعاود الهجوم على جبهات الساحل وحماة وما تضمه من قرى موالية للنظام.

ويمكن أن يتم -في فترة لاحقة- تطبيق مرحلة محافظة إدلب -وهي الوحيدة تقريبا الباقية من المناطق المحررة- من اتفاق خفض التصعيد، بحيث يتم وضع قوات فصل روسية وتركية على الحدود بين مناطق المعارضة والنظام، وقوات لحماية الحدود التركية.

إن هذا الوضع سيعطي طمأنة للجانب التركي بأن مصالح دولته في أمنها الإستراتيجي قد تم حفظها، عبر ضبط حدوده وعدم دخول المليشيات الكردية إلى محافظة إدلب. ومن المؤكد أن تركيا لن تكون مرتاحة لهذا السيناريو، إلا أن خياراتها ستكون مبنية على مبدأ أقل الضررين، لكن هذا الخيار -وإن اشتركت فيه تركيا مجبرة- ربما يؤدي إلى خلق شرخ في العلاقة بين تركيا والحاضنة الشعبية للثورة السورية.

ب- السيناريو الأميركي الكردي:

ستخوض الولايات المتحدة معركتها في إدلب تحت شعار محاربة الإرهاب، لكنها في الحقيقة ستستكمل سياستها الرامية لإنهاء ما تبقى من الثورة السورية، وهي الأخيرة في ثورات الربيع العربي.

يقوم السيناريو على تصعيد الضربات الجوية الأميركية على نقاط محددة يتم رصدها حاليا، ثم يتبعها اقتحام المليشيات الكردية الانفصالية لمحافظة إدلب، في تماهٍ مع أطماع هذه المليشيات الكردية في التمدد إلى هذه المحافظة. وهذه الأطماع واضحة على خرائط ما يدعى منطقة غرب كردستان (روج آفا)، وتصريحات مسؤوليها.

ترفض تركيا هذا السيناريو وتعتبره تهديداً لأمنها القومي، لكن الأميركان سيستمرون في دعم المليشيات الكردية كما فعلوا في مناطق عدة من شمال سوريا، وأهمها في حاضرة المدن الشرقية الرقة.

سيشكل هذا السيناريو -إن حدث- ضربة قوية للأمن القومي التركي لأنه يؤدي إلى نشر المليشيات الكردية على جزء مهم من الحدود التركية مع سوريا، لتصبح تركيا دولة محاصرة ويتم إغراقها في صراعات طويلة الأمد مع الأكراد.

وهذا التخطيط الماكر لن يهدف إلى تجزئة سوريا فقط، بل وتركيا أيضا التي من الممكن أن يتم إجبارها لاحقا على الانسحاب من كافة المناطق التي دخلتها عبر عملية “درع الفرات”.

ج- سيناريو الحصار والاستهداف: من المتوقع أن يكون هذا السيناريو هو الأقل عنفا قياسا بالخيارات العسكرية التي تم ذكرها، حيث سيتم الأخذ بعين الاعتبار الضجة والمظاهرات والإدانات العالمية للقصف والمجازر التي رافقت قصف حلب، والتي من المتوقع أن تتكرر في حال العمل بالخيارات السالفة.

يقوم هذا السيناريو على إبقاء الوضع على حاله دون تقدم لأي من اللاعبين على الأرض نحو محافظة إدلب، مع استمرار الاستنزاف الطويل لجبهة تحرير الشام. وستعتبر الدولتان (روسيا وأميركا) أن الجبهة هي وريثة جبهة النصرة، وأنها عدو لا يختلف التعامل معه عما جرى مع تنظيم الدولة.

ولذلك من المتوقع أن يتم احتواء الجبهة ناريّا على الأرض، عبر الطيران وأعمال التصفية والاغتيالات السريّة للقيادات، وهذا مماثل لسياسة إسرائيل في قطاع غزة من حيث اصطياد القيادات والناشطين الإسلاميين.

سيكون معبر باب الهوى وفق هذا السيناريو مشابها لمعبر رفح، وقد بدأ فعلا هذا الحصار بتقنين عبور البضائع من معبر باب الهوى، إضافة إلى تجميد العديد من المنظمات الغربية عملها في محافظة إدلب. وستحصل مشكلة كبرى إذا تم حظر وصول الوقود إلى المناطق المحررة، حيث ستصاب تلك المناطق بالشلل التام.

ثانيا: المشروع السوري/التركي المقترح:

يقوم هذا المشروع على تفكيك وإلغاء جبهة تحرير الشام، وذوبان عناصرها السوريين مع عناصر كافة الفصائل في جيش وطني موحَّد، يعمل بأهداف الثورة السورية. ويتم ذلك عبر مراحل تبدأ بمؤتمر عام يتمخض عن حكومة يأمر وزيرُ دفاعها بحلّ كافة الفصائل، بما فيها جبهة تحرير الشام.

إن اقتراح هذا الحل -في الحقيقة- ليس تضامنا مع الجبهة، بل هو محاولة لوقاية إدلب وأهلها وضيوفها المليون من سيناريوهات الموت والخراب القادمة، وهو موت إما جوعا أو بالصواريخ والأسلحة المدمرة. كما أن هذا المشروع خطوة استباقية تعمل على منع اقتحام قوات النظام لهذه المحافظة، وما يمكن أن يسببه هذا الاقتحام من مجازر واعتقالات.

مراحل المشروع:

أ- المرحلة الأولى: تتألف هذه المرحلة من:

1- الدعوة إلى مؤتمر وطني عام للمناطق المحررة، تُدعى له مؤسسات المجتمع المدني والقيادات السياسية المحترمة.

2- سيؤكد المؤتمر أن مشروعه هو المشروع الوطني الشامل، وأن الثورة السورية مستمرة حتى إسقاط نظام بشار الأسد الإرهابي ومحاكمة مجرميه، ورحيل كافة المليشيات الطائفية والقوات الأجنبية عن سوريا، وصولا إلى سوريا مستقلة وموحدة تكون لكل السوريين، إضافة إلى التمسك بالحل السياسي العادل وفق مقررات جينيف.

3- سيقر المؤتمر اعتماد دستور 1950 لسوريا القادمة، مع ملاحظة أن تتماشى سائر القوانين مع الإسلام وعدم تعارض أي تشريع مع القرآن والسنة النبوية، وسيقر أيضا اعتماد علم الاستقلال.

4- تنبثق عن هذا المؤتمر حكومة مدنية مستقلة تدير المناطق المحررة وتضم الوزارات المهمة، وأهمها وزارة الدفاع والداخلية والعدل والخدمات.

5- يأمر وزير الدفاع بحل كافة الفصائل العسكرية بعد أن تكون اللجان التحضيرية للمبادرة قد اتفقت معها على ذلك.

ويتم تشكيل جيش وطني يضم من يرغب في الانضمام إليه من عناصر الفصائل شرط أن يكونوا حصرا من السوريين، وتستبعد أي عناصر مطلوبة دوليا بتهمة الانتماء إلى تنظيمات تم تصنيفها بأنها إرهابية. وهذا الجيش يوجد خارج المناطق المأهولة.

سيعمل وزير الداخلية على تكوين جهاز شرطة لحفظ الأمن، وتعمل وزارة العدل على إقامة مؤسسات قضائية مستقلة يحكمها قضاة أكفاء، وتعتمد في أحكامها على القانون العربي الموحد.

6- تكريس مبدأ حماية السوريين بكافة معتقداتهم ما عدا المتورطين بجرائم ضد الشعب السوري.

7- يتم ترحيل حل مشكلة المجاهدين الأجانب إلى مرحلة لاحقة، بعد أن تكون الحكومة قد رسخت كيانها في المناطق المحررة.

ب- المرحلة الثانية:

تقوم الحكومة -التي تم تشكيلها- بطلب التدخل التركي المؤقت لتثبيت الوضع الحالي، ومنع أي سيناريوهات أخرى تخطط لاستهداف أو اقتحام محافظة إدلب، على أن تكون مهمة التدخل ضبط الوضع الأمني وتشكيل قوات فصل مع مناطق النظام، وفي هذا تماهٍ مع مقررات أستانا وتمهيد لمرحلة العبور نحو اتفاقات جنيف.

وهناك مرتكزات لا بد من ذكرها:

1- من الممكن أن يسحب هذا المشروع -إن تم إقراره- أي ذريعة لقصف وتدمير محافظة إدلب بحجة وجود جبهة تحرير الشام، بعد أن يكون قد تم تفكيكها وذوبان عناصرها وأغلبهم من السوريين.

وفي هذا مقاربة لعملية حل الجيش العراقي نفسه أثناء حربه مع الأميركان، حيث لم يبق للولايات المتحدة حينها من تحاربه. وسيمنع أيضا سيناريو الحصار والتجويع الذي يمكن أن يطبق على هذه المحافظة، وكذلك سيناريو اقتحامها من قبل النظام وحلفائه ومن المليشيات الكردية.

2- إن تشكيل قوة عسكرية وطنية واحدة متماسكة سيمكّن من التهديد بأي عمل عسكري ضد النظام، وهذا سيؤدي إلى تقوية موقف المفاوض لسوري في المفاوضات السياسية الحالية، الذي يطبعه الضعف لعدم وجود قوة عسكرية موحدة تدعم موقفه.

3- يعتمد المشروع على إعطاء دور حالي لتركيا الدولة المسلمة السنية والضامنة لأهل السنة في مواجهة السيل الصفوي. وسيحافظ على مصالحها الإستراتيجية، ويمنع سيناريو تدفق أمواج عشرات وربما مئات الآلاف من النازحين إلى الحدود التركية، طلبا للأمان وهربا من الموت بسبب القصف أو الاقتحام.

لقد قدمنا فيما سبق رؤيتنا بشأن السيناريوهات المتوقعة لمحافظة إدلب وما تحمله من مخاطر حقيقية على البشر والحجر، وكذلك رؤية الناشطين الذين تعاونوا في تقديم أفكار طيبة بهذا الخصوص، حيث يأمل الجميع أن يحل السلام في ربوع هذه المحافظة الخضراء.

كاتب سياسي سوري ومدير طبي في منظمة عطاء الإغاثية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة

2017

 

 

 

 

 

 

مستقبل إدلب الغائم/ أحمد أبا زيد

(1)

تم في يوم 21 يوليو/ تموز توقيع اتفاقية بين حركة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام، تقضي بخروج الحركة من معبر باب الهوى الحدودي، ووقف إطلاق النار بينهما، وكان الاتفاق إعلان هزيمة كبرى لحركة أحرار الشام، وفي الوقت نفسه إعلانا ضمنيا أن هيئة تحرير الشام (مكونها الرئيس جبهة فتح الشام، جبهة النصرة سابقاً)، وزعيمها أبو محمد الجولاني، هما القوة المهيمنة على محافظة إدلب ومحيطها، وتتويجاً لسلسلة طويلة، ومستمرة، من حملات الجولاني ضد فصائل الجيش السوري الحر، والتي انتهت بالحملة على حركة أحرار الشام، حيث انتصر في معظم هذه المعارك.

سيطر الجولاني تباعاً على معابر باب الهوى وأطمة وخربة الجوز مع الحدود التركية، لاستكمال خطة فرض نفسه سلطة أمر واقع، على الدول التعامل معها، حسب تصوره. وبعد السيطرة العسكرية، طرح مشروع “الإدارة المدنية للشمال السوري” لاستكمال السيطرة مدنياً، وأرسل إلى المنظمات والمجالس المحلية والمناطق المختلفة، حتى المناهضة له، ليدخلوا ضمن هذا المشروع، مع تردّد كثيرين منهم خوفاً من أنهم سيكونون تحت سلطة هيئة تحرير الشام، المصنفة إرهابية، في حال دخولهم ضمن المشروع، أو أنه ستكون هناك بدائل من عناصر هيئة تحرير الشام أو الغرباء عن مناطقهم، في حال اعتزالهم العمل معه، مع تخوف الجميع من مغبة سيطرة هيئة تحرير الشام على المحافظة، وانقطاع المساعدات، وترقب حملة دولية ضمن حرب الإرهاب.

شهدت مناطق متعدّدة من محافظة إدلب وريف حلب الغربي مظاهرات شعبية ضد هيئة تحرير الشام، في أثناء الهجوم وبعده، واستطاعت هذه المظاهرات إخراج الهيئة من هذه المناطق، أو منعها من اقتحامها، كما جرى في معرّة النعمان والأتارب وحزانو وحزارين وسراقب، خصوصا أن الأخيرة شهدت تجربة ديمقراطية عبر انتخابات المجلس المحلي، قبل يوم من محاولة حركة تحرير الشام اقتحام المدينة. وشهدت كل هذه المناطق حملة رفع أعلام الثورة السورية فيها، لإثبات أن “إدلب خضراء” في رمز إلى أنها لا تؤيد الجهاديين الذين يرفعون اللون الأسود، وليسوا أصحاب الهيمنة فيها، لكن الهيئة أنزلت هذه الأعلام في أكثر من منطقةٍ تمكّنت من اقتحامها.

(2)

يبقى واقع السيطرة في إدلب أكثر تعقيداً من التسليم بأن المنطقة كلها تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، أو تنظيم القاعدة، حيث ما زالت هناك جيوبٌ تحت سيطرة فصائل عسكرية منافسة، أو معادية للهيئة، بالنسبة لريف حلب الغربي، حيث حركة الزنكي، أو جبل الزاوية وسهل الغاب وجبل شحشبو، حيث المجموعات التي قاومت الهيئة من أحرار الشام (خصوصا صقور

“شهدت مناطق متعدّدة من محافظة إدلب وريف حلب الغربي مظاهرات شعبية ضد هيئة تحرير الشام” الشام)، أو ريف حماة الشمالي، حيث توجد تشكيلات من الجيش السوري الحر، إضافة إلى المناطق متداخلة السيطرة في إدلب وريفها، وما هو أهم من ذلك هو مقاومة المجتمع المحلي للهيئة، وإخراجها من أكثر من منطقة، مثل سراقب وحزانو والأتارب ومعرّة النعمان، وإن كان هذا لا ينفي واقع هيمنة هيئة تحرير الشام حالياً في المنطقة وحدودها، وغياب المنافس الحقيقي لنفوذها على مستوى المحافظة.

تقتضي خطة الجولاني أن يفرض نفسه سلطة أمر واقع. ولكن مع وجود طيفٍ متنوع، عسكري ومدني، مسيطَر عليه في الواجهة أيضاً، لإثبات أن السلطة الجديدة ليست امتداداً لتنظيم القاعدة، لكنها تمثل المجتمع، ولكي يجبر الجميع على أن يكونوا معه في المركب نفسه، والسيطرة على المعابر الحدودية، وإن كان عبر واجهة مدنية، تأتي في سياق البحث عن تعامل مباشر مع الدول والمنظمات، والبحث عن تمويل مستدام أيضاً توفره حركة التجارة.

حاولت هيئة تحرير الشام، في هذا السياق، التواصل مع الحكومة التركية، ومع منظمات دولية، وحتى مع جهات أميركية، ومع مؤسسات المعارضة السياسية، مثل الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة، ومع المجلس الإسلامي السوري. وأرسل الجولاني إلى شخصيات معروفة في أوساط الثوار السوريين بمعاداتها للهيئة ولشخص الجولاني، يطلب اللقاء والحوار معهم، في محاولاتٍ مستميتةٍ لنيل شرعيةٍ من هذه الجهات، وتجاوز عزلة التصنيف والرأي العام، ولإثبات “الاعتدال” والاستعداد لتقديم الخدمات، على الرغم من أن بروباغندا الحشد والتعبئة التي استعملتها هيئة تحرير الشام (وقبلها جبهتا فتح الشام والنصرة) ضد خصومها كانت هي بالضبط التعاون مع هذه الجهات.

على الرغم من انتصار هيئة تحرير الشام، ومن قبلها جبهة فتح الشام وجبهة النصرة، في غالبية معاركها ضد فصائل الجيش الحر، ثم ضد أحرار الشام، في إدلب، إلا أن هذا لا ينفي وجود الانقسامات والتفكك داخل حركة تحرير الشام. وبطبيعة الحال، لم يقاتل الجولاني بكل مكونات الحركة، وإنما بمجموعات عسكرية مضمونة الولاء، مثل “جيش النصرة”، وهو بمثابة قوات نخبة على المستوى الأيديولوجي والعسكري ضمن جبهة النصرة.

وعلى الرغم من أن هيئة تحرير الشام قامت تحت شعار كيان اندماجي لفصائل جبهة فتح الشام وحركة الزنكي والمنشقين عن أحرار الشام (جيش الأحرار) مع مكونات أصغر، إلا أنه لم

“لم يقاتل الجولاني بكل مكونات حركة أحرار الشام، وإنما بمجموعات عسكرية مضمونة الولاء، مثل “جيش النصرة”  يتحقق اندماج ضمن الهيئة، ولا توحد في الرؤية تجاه العلاقة بالفصائل الأخرى. وكان الجولاني فقط من يتبنى القتال المستمر ضد الجيش الحر و”أحرار الشام”، ونتج عن هذا الانقسام خروج حركة الزنكي من الهيئة (يوليو/ تموز 2017)، وتعليق “جيش الأحرار” عملهم، وانشقاقات فردية. وهو ما يعني أن التنظيم الموجود حالياً قد عاد عملياً إلى جبهة فتح الشام، أو بالأحرى إلى جبهة النصرة. ومن المتوقع أن يزداد هذا الانقسام بعد خطوات الجولاني لإظهار الاعتدال، ومع فشل خطته لدمج الفصائل، أو فرض سلطة أمر واقع، ومع تنامي الغضب الشعبي جراء الأزمة الاقتصادية ومخاوف الحرب الدولية.

ويتوقع أن تعلن هيئة تحرير الشام قريبا عن مجمل مشروعها الجديد في “الإدارة المدنية”، بعد خطواتها المتسارعة في ‏الفترة ‏السابقة في اللقاءات ومحاولة إدراج المجالس المحلية والمؤسسات التعليمية والمدنية ضمن مؤسساتٍ مركزيةٍ، تتبع لهذه الإدارة ‏المدنية ‏التي تديرها الهيئة بشكل مباشر.‏

(3)

ينبغي أن تنطلق الخطوات الدولية حول إدلب من تمكين المجتمعات المحلية في إدلب وتمثيلها، وهي المجتمعات التي كانت من الحواضن والحوامل الأولى للثورة السورية ضد نظام الأسد، إضافة إلى التحديد الدقيق للمشكلة المتعلقة بالجولاني والمجموعات المرتبطة به، وليس توسيعها لتشمل المنطقة والسكان، وإلا قد تؤدي إلى نتائج خطيرة، تتجاوز مصير هيئة تحرير الشام.

خرجت إدلب ومحيطها (ريف حلب الغربي، ريف حماة الشمالي) عن سيطرة نظام الأسد، بعد انفجار الانتفاضة الشعبية فيها، وظهور مجموعات الجيش الحر الأولى من السكان المحليين، وهذه الحواضن المحلية الأولى للثورة على النظام، مثل جبل الزاوية ومعرّة النعمان والأتارب، كانت الأكثر معارضة لتنظيم داعش، ثم تنظيم القاعدة، وتشهد ساحاتها مقاومة مدنية مستمرة ضد هيئة تحرير الشام.

وينبغي الحذر من التعامل الدولي، والأميركي خصوصا، مع إدلب عبر سياسات حرب الإرهاب المتبعة في الموصل أو الرقة أو دير الزور، والتي ظهرت في قصف المدن، باعتبارها جغرافيا

“يجب الحذر من منح الجولاني أرضية استقرار أو شرعية أو تمويل” مستباحة تحت سيطرة الإرهاب، أو منح دور لنظام الأسد أو المليشيات الإيرانية أو روسيا في السيطرة على إدلب، برصيدهم الوافر من جرائم الحرب والمذابح والدمار في ذاكرة السوريين وبيوتهم، أو دعم تمدّد حزب الاتحاد الديمقراطي المرتبط بحزب العمال الكردستاني، ما سيجعل المعركة مع المجتمع كله، بدلاً من عزل هيئة تحرير الشام والجولاني عن هذا المجتمع، حيث سيدافع الشبان عن مناطقهم لا عن الهيئة، وسيؤدي إلى محرقةٍ للسكان والمدن. ولكن الكلفة الأخطر من حلب وموصل جديدة في إدلب ستكون على استقرار المنطقة ومستقبلها إلى أمد بعيد، حيث ستضمر فرص النزوع نحو الاعتدال والاستقرار والحلول السياسية، بينما الأفق مفتوحٌ للاستبداد والقوتين، الإيرانية ‏والروسية، لصياغة مستقبل المنطقة وشعوبها بالحديد والنار وخطط التهجير والإبادة، حتى تحصل على “مجتمع متجانس”، حسب ‏تعبير الأسد.‏

على الدول والأطراف المتفاوضة الآن حول إدلب أن تتذكّر أنه، كما يجب الحذر من منح الجولاني أرضية استقرار أو شرعية أو تمويل، يجب الحذر أيضاً من معاقبة المجتمع ومستقبل المنطقة، بدلاً من تحريره، ودعم جهود الديمقراطية والاستقرار والعدالة، ولا يتم ذلك حين تصبح حرب الإرهاب غطاء لشرعنة الاستبداد، وتكريس جذور الفوضى والإرهاب والعنف وأسبابها في المنطقة… حرب الإرهاب على هذه الصورة هي مصنع الإرهاب المستدام.

العربي الجديد

 

 

أنقرة في ورطة إدلب وضجيج شمال سورية/ سمير صالحة

يؤكد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن ما يجري في شمال سورية هو أبعد من مسألة مواجهة التنظيمات الإرهابية والحرب على داعش، “لذلك نحن ملزمون بتوسيع نطاق العمليات العسكرية التركية هناك، لغمس خنجر في قلب الإرهاب”. تحارب أنقرة، منذ سنوات، تنظيمات إرهابية عديدة، في مقدمتها حزب العمال الكردستاني في تركيا، ونسخته طبق الأصل حزب الاتحاد الديمقراطي، ثم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وها هي اليوم وجها لوجه مع مجموعات جبهة النصرة.

مشكلة تركيا هي ليست فقط في تنافس هذه المجموعات للسيطرة على مناطق حدودها الجنوبية، بل تعرّضها الدائم لاتهاماتٍ يوجهها الحلفاء أحيانا بشأن وجود علاقة تربطها ببعض هذه التنظيمات، كما فعلت واشنطن، عندما تحدثت مطولا عن خدماتٍ تركيةٍ قدمت لتنظيم داعش. وها هي اليوم تكرّر الأمر نفسه في موضوع جبهة النصرة في إدلب. تردد القيادة السياسية التركية أن هدف تهم من هذا النوع إضعاف الموقف التركي في سورية ومحاصرتها لإخراجها من المعادلة هناك، لذلك هي تصر على عملية عسكرية جديدة في الممر الرابط بين منبج وعفرين والتمدد حتى شمال إدلب، إذا ما وجدت ضرورةً في ذلك، لسحب ورقة جبهة النصرة من يد واشنطن.

تتخبط السياسة التركية السورية منذ أشهر وسط إعصار شمال سورية. من نصب لأنقرة هذا الفخ، وكيف نجح في إبعادها عن نقاشات التغيير في سورية ومستقبل النظام في دمشق، وما هي حظوظها في الخروج من المستنقع بأقل الخسائر والأضرار؟ هل ستسمح تركيا للولايات المتحدة الأميركية بتسليم شمال إدلب لقوات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، كما فعلت في الرقة خلال عمليات طرد “داعش”. ولكن بذريعة القضاء على جبهة النصرة هناك هذه المرة؟

كيف ستكون ارتدادات ذلك على مسار عملية “درع الفرات” ومستقبلها، ومطلب تطهير مناطق غرب النهر، وتحديدا منبج من وجود وحدات قوات سورية الديمقراطية التابعة لحزب الاتحادي الديمقراطي (الكردي) بزعامة صالح مسلم؟ هل أضرمت تركيا النار في سفن العودة، وباتت جاهزة لمغامرة عسكرية أكبر في منبج وعفرين وإدلب، وهي تعرف أن ثمنها هو توتير علاقاتها أكثر فأكثر مع واشنطن، والسقوط في فخ احتمال وجود التفاهم الأميركي الروسي على حسابها؟ هل قوات الجيش السوري الحر والمعارضة السورية المعتدلة جاهزة عسكريا لدعم تركيا في خطوةٍ مصيريةٍ من هذا النوع، وإتمامها ميدانيا بنجاح؟

تصر أنقرة على وجود خطة تستهدف أمنها القومي مباشرة، عبر محاولة إنشاء كيان كردي في شمال سورية، يجمع بين مناطق الحدود العراقية والواجهة الشمالية الغربية في سورية،

“قد ترضى تركيا بخطة مساوماتٍ تبعد شبح الكيان الكردي المستقل عن حدودها الجنوبية” ويتضمن فتح نافذة كردية تطل على البحر الأبيض المتوسط. وتعتبر أيضا أن واشنطن نجحت في تعطيل آخر تفاهمات لقاء أستانة الثلاثي الذي دعا إلى إنشاء منطقة تخفيض التوتر في إدلب، بفتح الطريق أمام بناء قوة محلية جديدة هناك، بإشراف جبهة النصرة وحلفائها المحليين، ورفع شعار ضرورة القضاء على هذا التنظيم الإرهابي، قبل طرح أية خطة أمنية في المدينة.

وقد رفضت الولايات المتحدة إدراج حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على لائحة التنظيمات الإرهابية التي أعلنتها تركيا، وقررت تجميد دعم قوى المعارضة السورية المعتدلة، وتمسّكت بإرسال شحنات السلاح والعتاد إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي). وحملت الإدارة الأميركية أنقرة مسؤولية الكشف عن خريطة وجود قواعدها العسكرية السرية وانتشارها في سورية. ثم قطعت واشنطن طريق تقدم القوات التركية وتمددها في منبج وعفرين، وعمدت إلى تجميد تفاهمات أستانة الثلاثية عبر اتفاقيات بديلة مع روسيا في أكثر من بقعة جغرافية سورية، وتراجعت فرص خطة منطقة تخفيض التوتر في إدلب وحظوظها، وهذه كلها مؤشراتٌ تعكس حقيقة الجفاء والتباعد واحتمالات القطيعة التركية الأميركية في سورية. كما أن واشنطن تحاول إلهاء أنقرة على أكثر من جبهة داخلية وخارجية، فهل بين أسباب التوتر الخليجي الخليجي محاولة إشعال أزمة إقليمية تشغل تركيا وإيران مثلا، وتبعدهما عن ساحة العمليات السياسية والعسكرية الأميركية في سورية؟ وهل تحريك مجموعات جبهة النصرة في إدلب رسالة إلى تركيا، قبل غيرها، أنها ملزمة أولا بتجاوز هذا العائق، بعد تخليها عن الالتزام بما أرادته واشنطن في الرقة ومحيطها؟ ثم هل الضغوط المحلية والإقليمية والدولية التي تتعرّض لها المعارضة السورية، بهدف إعادة سورية الثورة إلى المربع الأول قبل ست سنوات، وقبول تفاهم لا غالب ولا مغلوب، تعني أن المنهزم الوحيد في الثورة السورية هو تركيا، ومن راهن عليها، وأن الثمن الأقل الواجب دفعه هو قبول مشروع تقسيم سورية إلى كيانات وكانتونات عرقية ومذهبية؟

تراهن حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا على رفض غالبية الشعب السوري، وحتى نظام

“لا أحد

في تركيا

يريد

مغامرة عسكرية” الأسد نفسه، خطط ما يسمى المجلس التأسيسي للنظام الفيدرالي، ودعوات إلى إجراء استفتاءات وانتخابات فيدرالية، تمهد لتقسيمات إدارية وتنظيمية جديدة في سورية فاقدة للشرعية، وجاءت عن طريق لعب ورقة الأمر الواقع، في تغييب متعمّد للشعب ومؤسّساته، وتقول إن السوريين تعلموا الدرس العراقي، لكن ذلك وكما يبدو لن يكفيها.

على أية جبهة سورية ستحارب تركيا؟ في منبج أولا، وبهدف إنجاز عملية درع الفرات أم في عفرين، في إطار خطة سيف الفرات، ومنع دمج الكانتونات الكردية بعضها ببعض، وهي الخطة البديلة التي دفعت أنقرة إلى التحرك في إطار “سيف الفرات”، أم ستقرّر التمدد والانتشار عسكريا نحو إدلب بالتنسيق مع الروس، لسحب ورقة جبهة النصرة من يد واشنطن، وحليفها المحلي صالح مسلم؟

لا أحد في تركيا يريد مغامرة عسكرية من هذا النوع، من دون التنسيق مع موسكو على الأقل. لكن هناك من يردد أيضا أن ما ستفعله أنقرة إذا ما شعرت بأن التفاهمات الأميركية الروسية في شمال سورية تتقدم على حسابها هو التحرك باتجاه إيران، على الرغم من معرفتها بخطورة لعب هذه الورقة، ولأن طهران ستحاول حتما المساومة على حصة النظام، وإشراكه في عمليةٍ من هذا النوع.

قد ترضى تركيا بخطة مساوماتٍ تبعد شبح الكيان الكردي المستقل عن حدودها الجنوبية، وتفتح الطريق أمام تسويةٍ سياسيةٍ تنهي الأزمة السورية التي تحمّلت أعباءها سنوات. لكن ما ستقوله وتفعله إيران مهم أيضا، عندما تتأكد أن مشروعا من هذا النوع يستهدف مصالحها ونفوذها.

لماذا الحديث اليوم عن احتمال حدوث تفاهمات تركية إيرانية جديدة في سورية؟ وهل قبول رئيس الأركان الإيراني دعوة نظيره التركي لبحث تحسين العلاقات العسكرية والأمنية، بعد 28 عاما من التأخر، رسالة إقليمية حول احتمال انبعاث الدخان الأبيض التركي الإيراني من مقر قيادة الأركان التركية في أنقرة؟

في العلن، سلحت أميركا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي بذريعة الرقة، لكنها في الخفاء هي تريده أن يكون جاهزا لخوض معركة وجود في شمال إدلب، هذه المرة، للدفاع عن مشروع

“تحاول واشنطن، بكل الطرق، ترك تركيا بين خيارين، أحلاهما مر في سورية” الكيان الكردي الموحد في شمال سورية. جبهة النصرة هي التي ستتعاون معها لإنجاح المخطط، هذه المرة، تماما كما فعلت “داعش” في الرقة. لا غرابة في أن يغير حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي اسمه بين ليلةٍ وضحاها، فيضيف غطاء القوات الديمقراطية، وأن تتحول جبهة النصرة إلى هيئة لتحرير الشام. الغرابة هي في أن لا نرى التنظيمين يدخلان في أي تصعيد عسكري أو سياسي ضد بعضهما، وأن يتجاهلا طريق الشام في حراكهما.

قصة الأسد والثعلب والحمار معروفة، لكن التذكير بها ضروري هنا. دخل الحمار والثعلب في نقاش حاد حول لون العشب، فقال الأول إنه بنّي، بينما أصر الثاني على أنه أخضر. تطوّر النقاش، وكاد يتحول إلى شجارٍ، دفعهما إلى الاحتكام أمام ملك الغابة الذي أعلن، من دون تردّد، أن الحمار على حق، وأمر بمعاقبة الثعلب. غضب الأخير من قرار الأسد، واعترض متسائلا كيف يعاقبه على ذلك، وهو يعرف جيدا أنه ليس مخطئا، فرد الأسد ساخرا: أنا لا أعاقبك على مسألة لون العشب، فهو أخضر طبعا، بل لأنك قبلت الدخول في نقاشٍ من هذا النوع مع الحمار.

تحاول واشنطن، بكل الطرق، ترك تركيا بين خيارين، أحلاهما مر في سورية: توريطها أكثر فأكثر في المستنقع السوري، أو إجبارها على الخروج من المشهد بملء إرادتها، بسبب حجم التهديدات والمخاطر. تقول أنقرة بصوت مرتفع إنها لن ترضخ. لن يراهن الخبراء الأتراك حتما على الفرج القادم من الحرب في شبه الجزيرة الكورية، أو التوتر الهندي الصيني.

العربي الجديد

 

 

هل تلاقي إدلب مصير الرقة أو الموصل؟/ عمر كوش

تتحدث مختلف الأوساط السياسية والعسكرية المهتمة بالشأن السوري عن مصير مدينة إدلب وريفها، مرجّحة أن معركة إعادة السيطرة عليها المؤجلة قادمة لا محالة، والمسألة مسألة وقت لا أكثر، حيث يُعتقد أن المدينة ستواجه مصير الرقة السورية أو الموصل العراقية، ما يعني تعريضها للدمار والخراب، والأهم هو الكارثة الإنسانية التي سيتعرض لها أهلها وسكانها ونازحوها، من قتل وتشريد وعمليات انتقام وحشي، كالتي وقعت في الموصل وفي الرقة وسواهما.

ويبدو أن قادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD) في سورية الذين يتلقون توجيهاتهم من قادة جبل قنديل في حزب العمال الكردستاني التركي (PPK)، لا يخفون تلهفهم للسيطرة على محافظة إدلب، وما بعدها، بدعم أميركي، بغية توسيع مناطق سيطرتهم ووصل الكانتونات التي يسيطر عليها جناحهم العسكري، بقوة السلاح، في شرق نهر الفرات بتلك التي في غربه، وصولاً إلى تحقيق حلم إقامة دويلةٍ لهم، تبدأ من القامشلي في الشمال الشرقي من سورية وتنتهي في جبل التركمان في الشمال الغربي منها، وإيجاد نافذةٍ لها تطل على البحر الأبيض المتوسط.

ويلاقي هذا السيناريو دعم بعض أركان الإدارة الأميركية، خصوصاً في وزارة الدفاع

“لا يمكن لأنقرة أن تتفرّج على فتح نافذة لحزب الاتحاد الديمقراطي المعادي لها على البحر الأبيض المتوسط”  (البنتاغون) والبيت الأبيض، بحجة محاربة الإرهاب والقضاء على تنظيم القاعدة الذي تبايعه جبهة فتح الشام (جبهة النصرة). لذلك تحاول الإدارة الأميركية التفاهم والتنسيق مع روسيا حول كيفية تنفيذه، وأخذ دعم بريطانيا وفرنسا وسواهما، الأمر الذي تعارضه أنقرة بشدة، وتعتبره تهديداً مباشراً لأمنها القومي، لذلك يكثف المسؤولون الأتراك لقاءاتهم مع المسؤولين الروس ورصفائهم في نظام الملالي الإيراني، ويقدمون سيناريوهاتٍ بديلةً لتفويت الفرصة على المحاولات الأميركية الرامية إلى التدخل عسكرياً، عبر تقديم الدعم لما يسمى “قوات سوريا الديمقراطية” المكونة بشكل أساسي من مليشيات “وحدات حماية الشعب” (YPG) الكردية، التي تمثل الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سورية. كما تجري أنقرة، في هذا السياق، اتصالات مكثفة مع ممثلي فصائل المعارضة السورية والتنظيمات الموجودة في محافظة إدلب، بهدف التوصل معهم إلى حلّ يجنبها أي عمل عسكري بقيادة الولايات المتحدة.

وتطرح أنقرة حلاً سياسياً بديلاً، ينهض على تشكيل هيئة إدارة محلية مدنية للمدينة وريفها، تتولى مهام إدارة شؤونها اليومية والإنسانية، وإبعاد الفصائل والتنظيمات المسلحة عن التدخل في إدارتها، ودمج أفراد هذه المجموعات المسلحة في جهاز شرطة، يتكفل بحفظ الأمن، إضافة إلى حل “هيئة تحرير الشام” التي تضم جبهة تحرير الشام وحركة نور الدين الزنكي ولواء الحق ولواء أنصار الدين وجيش السنة وسواها.

ولدى أنقرة سيناريو عسكري بديل، ناقشه عسكريون من نظام الملالي الإيراني وعسكريون روس، يقضي بأن تدخل فصائل الجيش السوري الحر المنضوية تحت قوات “درع الفرات” من الشمال باتجاه إدلب، فيما تتقدم المليشيات الإيرانية من جنوبها بغطاء جوي روسي. وتحسباً لذلك، حشد الجيش التركي العديد من وحداته العسكرية على الحدود التركية المتاخمة لمخافظة إدلب، لكن هذا السيناريو يحتاج إلى موافقة أميركية غير مضمونة، كما أن موافقة الروس أيضاً غير مضمونة، كونهم ينظرون دوماً إلى الأميركيين في كل ما يفعلونه في سورية، ويفضلون التنسيق العسكري معهم، مثلما فعلوا في اتفاق وقف إطلاق النار في المنطقة الجنوبية.

غير أن الساسة الأتراك يدركون تماماً صعوبة تنفيذ الحل العسكري في إدلب، والتكلفة الباهظة له. لذلك يواصلون مشاوراتهم مع الساسة الروس وساسة نظام الملالي الإيراني من أجل التسريع في ضم إدلب إلى مناطق خفض التصعيد، حسبما جرى التوافق عليه في اجتماع أستانة السابق، وناقشوا ذلك مع وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، خلال زيارته الأخيرة إلى أنقرة. لذلك تراجع رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، عما أعلنه سابقاً، كي يؤكد أن أمر إدلب لم يحسم بشأن عملية عسكرية تركية فيها، بعد أن كان قد تحدث عن عملية “درع فرات” جديدة فيها، لكنه استدرك أن إدلب محافظة سورية متاخمة للحدود التركية، وأن بلاده سترد بطريقة مناسبة على الإرهاب بكل أشكاله، وخصوصاً خارج حدودها.

ولا شك في أن تركيا لا تريد حدوث مأساة إنسانية جديدة على حدودها الجنوبية، قد تدفع مئات

“الساسة الأتراك يدركون تماماً صعوبة تنفيذ الحل العسكري في إدلب” آلاف السورييين للجوء إليها، إضافة إلى تخوّفها من اعتماد أميركي جديد على مليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، في عملية عسكرية ضد الفصائل السورية المعارضة في إدلب، على غرار ما قامت به في معركة السيطرة على محافظة الرقة، حيث سلمت الولايات المتحدة الأميركية أمر المعركة إلى مليشات “وحدات حماية الشعب” الكردية، بحجة طرد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) منها، واستبعدت أي دور تركي في هذه المعركة. لذلك تبذل أنقرة مساعيها الدبلوماسية والسياسية، بغية التوصل إلى حلّ يتم فيه استبعاد السيناريو الأميركي. والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد: هل ستقف تركيا متفرّجة على معركة إدلب، بحجة القضاء على جبهة النصرة هذه المرة؟

وضع إدلب مختلف بالنسبة إلى تركيا عن الرقة، فمناطق هذه المحافظة تحاذي مباشرة الحدود التركية مع سورية، ووقوفها متفرّجة يعني إنشاء كيان لحزب الأتحاد الديمقراطي الكردي، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في تركيا، والذي يخوض معارك عنيفة مع تركيا. لذلك لا يمكنها أن تتفرّج على فتح نافذة لهذا الكيان المعادي لها على البحر الأبيض المتوسط، والأرجح أنها لن تسكت، حتى وإن اقتضى الأمر قيامها بعملية “درع فرات جديدة”.

جميع حقوق النشر محفوظة 2017

العربي الجديد

 

 

 

 

هل يجنّب تراجع “هيئة تحرير الشام” إدلب الكارثة؟/ محمد أمين

تتكثف الجهود من أجل تجنيب محافظة إدلب، شمال غربي سورية، سيناريو الرقة، أو الموصل العراقية، في ظلّ ضغط جهات إقليمية ومحلية على “هيئة تحرير الشام”، التي تشكّل “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً) مكوّنها الأساسي، وتفرض سيطرة شبه مطلقة على المنطقة، من أجل الاستجابة لهذه الضغوط، وحل نفسها.

في هذا السياق، أبدت الهيئة على لسان قائدها أبو هاشم الشيخ، استعدادها، يوم الجمعة، لـ”تجرّع السم، وحلّ نفسها”، مشترطة أن “تحلّ جميع الفصائل التابعة للمعارضة السورية المسلحة العاملة في الشمال نفسها، وتنضم تحت قيادة واحدة”. وشنّ الشيخ في خطبة له، هجوماً على المعارضة السورية، معتبراً منصاتها صناعة إقليمية ودولية. واتهم المجتمع الدولي، وعلى رأسه روسيا والولايات المتحدة، بـ”التحضير من أجل إنهاء الثورة، والتوصّل لحلّ سياسي يُبقي بشار الأسد في السلطة”.

وجاء حديث الشيخ بعد أيام من مقترحات تركية سرّبتها صحف مقرّبة من الحكومة التركية، لتجنيب محافظة إدلب عملية عسكرية واسعة بهدف القضاء على “هيئة تحرير الشام”. ورأت الصحف أن “ذلك سيؤدي إلى كارثة إنسانية كبرى في حال حصل، باعتبار أنه يقيم في محافظة إدلب أكثر من مليوني سوري، وعدد كبير منهم نازحون”. ودعت المقترحات التركية إلى “تشكيل هيئة إدارة محلية مدنية للمحافظة، وتحويل مقاتلي المعارضة السورية في مختلف الفصائل إلى جهاز شرطة يتكفل بحفظ الأمن، وحل هيئة تحرير الشام بشكل كامل”.

وتحاول تركيا تجنّب الأسوأ على حدودها الجنوبية، فشنّ عملية عسكرية واسعة النطاق تعني عشرات آلاف اللاجئين إلى الأراضي التركية المكتظة أصلاً بالسوريين. كما تشعر أنقرة بأنها “تحمل مسؤولية أخلاقية تجاه الشمال السوري”، مع اعتبار محللين أتراك بأن “بلادهم باتت في ورطة، وتحاول سحب ورقة جبهة النصرة من يد واشنطن”. وتنظر أنقرة بعين الخشية إلى محاولات ربما تلجأ إليها واشنطن عبر إفساح المجال أمام “قوات سورية الديمقراطية” بالتوجّه غرباً للقضاء على “هيئة تحرير الشام”، مع ما يعنيه ذلك من خطوة واسعة تجاه ترسيخ أقدام إقليم ذي صبغة كردية، يمتد من الحسكة شرقاً إلى شواطئ المتوسط غرباً. وهو ما تعتبره تركيا مساساً بأمنها القومي ومستعدة لدخول حرب لمنعه. ويحاول النظام وحلفاؤه تجميع المعارضة السورية في محافظة إدلب، في نطاق جغرافي ضيق يدفع الفصائل إلى الاحتراب الداخلي، والاقتتال مع “جبهة فتح الشام”، ومن ثم يتم إنهاك المعارضة، ما يدفعها إلى قبول حلول تطيل من عمر النظام.

في المقابل، بدأت “هيئة تحرير الشام” بإجراء مراجعات، حسبما أكدت مصادر مقرّبة من الهيئة لـ”العربي الجديد”. وذكرت المصادر أن “قيادة الهيئة بدأت بالفعل إجراء مراجعات وقراءة مشهد الصراع من زوايا جديدة تراعي التطورات العسكرية والسياسية والتي لا تصب في صالحها”. وأشارت المصادر إلى أن “قيادة الهيئة لا تريد لحركة أحرار الشام، أو فيلق الشام، الاستفراد بالشمال السوري، لهذا طالبت الفصائل بحل نفسها، والاندماج في جسم واحد”، موضحة أن “صراع الرايات في شمال غربي سورية، هو الذي أدى إلى هذا الاستعصاء الذي يحتاج إلى تنازلات مؤلمة من الجميع لتجنّب مصير تنظيم داعش في شرقي سورية”.

من جهته، رأى المحلل العسكري السوري العقيد مصطفى بكور، أن “مطالب هيئة تحرير الشام بحلّ فصائل المعارضة غير ممكنة”، مضيفاً، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “المطلوب دولياً هو حلّ هيئة تحرير الشام، لا حلّ الفصائل الأخرى”. وأعرب عن اعتقاده أن “محافظة إدلب لن تواجه مصيراً مماثلاً لمصيري الرقة والموصل”، مشيراً إلى أنه “ربما تمارس ضغوط على هيئة تحرير الشام، تتبعها تنازلات من الهيئة، تؤدي إلى حل يرضي الطرفين”. ورأى أن “لدى الهيئة ديناميكية التراجع في اللحظات الأخيرة”، معرباً عن اعتقاده بأنها “باتت مهيئة للتنازل”.

وكانت “هيئة تحرير الشام” شنّت أواخر الشهر الماضي، على نحو مفاجئ هجوماً على مقرّات “حركة أحرار الشام”، كبرى الفصائل المعارضة في محافظة إدلب، وسيطرت على المعابر الحدودية مع تركيا، فباتت مطلقة السيطرة على أهم مناطق المعارضة السورية والقوة العسكرية الضاربة بعد السيطرة على مخازن الأسلحة التابعة للحركة.

وللهيئة آلاف المقاتلين، مع أسلحتهم الثقيلة، وقد اكتسبت خبرة قتالية لا يستهان بها جراء قتالها قوات النظام ومليشيات تابعة لإيران. ولكن طغيان “جبهة فتح الشام” (جبهة النصرة سابقاً) بقيادة أبو محمد الجولاني، على الهيئة وتفرّدها بالقرار دفع “حركة نور الدين زنكي” المتمركزة في ريف حلب الغربي للانفصال عنها في الشهر الماضي، كما أن هذا التفرد أدى إلى تكريس سياسات متشددة مع المدنيين لفرض توجّهها العقائدي، وهو ما أدى إلى فجوة بين الهيئة والسوريين الرافضين لها. وظهر ذلك في التظاهرات الرافضة لوجود “هيئة تحرير الشام” في محافظة إدلب. فتراجعت الهيئة عن الدخول للعديد من مدن المحافظة وبلداتها، وفي مقدمتها معرة النعمان، الموقع البارز للمعارضة عسكرياً. وقد رفضت المجالس المحلية في مدن محافظة إدلب وبلداتها أخيراً دعوة من الهيئة لإقامة إدارة مدنية، معتبرة هذه الخطوة “متأخرة”، كما أنها بمثابة غطاء لسيطرة الهيئة على المحافظة بغطاء مدني، ومحاولة جديدة للتستر وراء واجهات تتبع فعلياً لها، لتجنب الغضب الدولي المتصاعد.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...