الرئيسية / صفحات مميزة / “عن معركة دمشق” مقالات مختارة

“عن معركة دمشق” مقالات مختارة

«معركة دمشق»: مأزق النظام ومخاطر الاستيهام/ صبحي حديدي

تبدو حال الكرّ والفرّ العسكرية، شرق وشمال العاصمة دمشق وفي محور جوبر ـ القابون وساحة العباسيين تحديداً؛ وكأنها تحديث جديد لخلاصة مشهد عسكري قديم نسبياً، حكم توازنات القوّة بين النظام السوري وفصائل المعارضة المسلحة منذ أواسط تموز (يوليو) 2012. آنذاك، للتذكير، كانت المواجهات العسكرية في إطار عمليات «بركان دمشق»، أو «زلزال سوريا»، قد أسفرت عن اشتباكات واسعة النطاق في أحياء الميدان وجوبر والقابون، ثمّ برزة والقدم وكفر سوسة والتضامن. وآنذاك، للتذكير أيضاً، جرى تفجير مقرّ «مكتب الأمن القومي» ومقتل عدد من كبار أركان النظام، أمثال آصف شوكت وهشام بختيار وحسن توركماني ومحمد الشعار وداود راجحة.

هي، كذلك، حال تراكمت عناصرها خلال عدد من المواجهات العسكرية اللاحقة، التي يمكن تصنيفها تحت مسمّى «معركة دمشق»، بصفة عامة؛ ولكن في هذا المحور ذاته، جوبر ـ القابون، بصفة محددة: مطلع شباط (فبراير) 2013؛ نيسان (أبريل) 2015، في محيط مخيم اليرموك؛ وأيلول (سبتمبر) 2015، في تل كردي وعدرا وحرستا؛ ضمن معارك أخرى. ولعلّ الجديد الأبرز، في الحال الراهنة، هو المشاركة ـ الأشدّ كثافة، من أيّ وقت مضى ـ لوحدات «حزب الله» اللبناني، وميليشيات «حركة النجباء» و»لواء أبو الفضل العباس» العراقية، في القتال إلى جانب النظام، وهذا مؤشر على مأزق النظام؛ وغياب «جيش الإسلام» عن المشاركة في القتال، وهذا مؤشر على مأزق الفصائل المسلحة.

الثابت، مع ذلك، أنّ هذه الجولات، حتى حين تبدو فارقة في معطيات عديدة، لا تنتهي إلى صناعة منعطفات كبرى في انقلاب الموازنات العسكرية بين النظام والمعارضة المسلحة؛ ولا تفرض، بالضرورة، تبدلاً متميزاً في أنساق «المزاج» الشعبي داخل العاصمة دمشق (في صفوف ما يُسمّى بـ»الأغلبية الصامتة»، خصوصا)، أو خارجها، هنا وهناك في الجغرافيا السورية المتقطعة؛ ثمّ على نطاق أقليمي، أو دولي. صحيح، في المقابل، أنها قد تضيف إلى طاولات المفاوضات، في استانة أو جنيف أو…، ورقة ضغط إضافية ما، لصالح المعارضة؛ إلا أنها لا تحمل جديداً ترجيحياً مؤثراً في الميزان القائم راهناً.

ومن جانب آخر، إذا جاز أن تُوْضَع جولات مثل هذه في سياق أعرض هو «معركة العاصمة» (وهذه تسمية معقدة ومركبة، ومجازية ربما، لا تقتصر البتة على الفعل العسكري وحده)؛ فإنّ من الحكمة، والواقعية أيضاً، أن لا تُهدَر آثارها في طراز من حمّى التلهف على تحميلها أكثر، بكثير غالباً، مما تحتمل من مغزى ومعنى. واضح لكلّ ذي بصيرة أنّ وصول المواجهات إلى أطراف ساحة العباسيين كفيل بممارسة أقصى الضغوط على النظام، في المستويات السياسية والعسكرية والمعنوية.

وهذا ما حدث، بالفعل، في مواجهات صيف 2012، حين أبدى النظام علامات متزايدة على مزيج من الذعر والارتباك والتوحش، فأقام طوقاً أمنياً حول الأحياء، ونشر وحدات من الحرس الجمهوري، واستخدم المدفعية الثقيلة من ذرى جبل قاسيون، وتولت الحوامات مهامّ الاستطلاع والإسناد الجوي، وبعض عمليات القصف العشوائي أيضاً. كذلك كانت المواجهات قد امتدت من حيّ الميدان إلى مناطق واسعة من الأحياء المجاورة، في التضامن، والزاهرة، ونهر عيشة، والعسالي، والقدم، والحجر الأسود؛ بالإضافة إلى حيّ الشاغور، التاريخي بدوره، وحيّ ركن الدين العريق. الخطوة التالية كانت اضطرار النظام إلى سحب وحدات كبيرة، ولكن منتقاة بعناية بالغة، من القوّات الموالية التي كانت منتشرة في الجولان المحتلّ (وبينها اللواء 90، في المثال الأبرز)؛ واستقدامها إلى محيط العاصمة وريف دمشق، ووضعها تحت تصرّف أركان الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري.

ليس أقلّ وضوحاً، على الجانب الآخر، لدى فصائل المعارضة العسكرية، ولكن تلك السياسية أيضاً؛ أنّ التهليل المبكّر لانتصارات «نوعية»، أو الحديث عن «تحرير العاصمة»، يمكن أن يتكشف عن درجة قاتلة من خداع الذات، واستيهام الانتصار، وانقلاب الكرّ المؤقت إلى فرّ مستديم!

القدس العربي

 

 

معركة جوبر وإعادة ضبط التوازنات/ بكر صدقي

الهجوم المباغت الذي شنته الفصائل المعارضة على جبهة جوبر، شرقي العاصمة دمشق، خلخل الوضع القائم في تلك المنطقة منذ سنوات، بل غير صورة الوضع الميداني تغييراً انقلابياً في عموم سوريا، الأمر الذي ستكون له تداعياته السياسية في اجتماعات جنيف التي تستأنف يوم الجمعة 24 آذار/مارس، لحظة كتابة هذه السطور.

فقبل معركة جوبر، كانت الصورة قاتمة من وجهة نظر المعارضة بعد هزيمتها القاسية في شرق حلب، وتجريف وادي بردى من سكانه ومقاتلي المعارضة فيه، ووصول مفاوضات تسليم حي الوعر في حمص إلى لحظاتها الأخيرة. انتشى المحور الروسي ـ الإيراني بانتصاراته تلك وجعل تابعهما السوري يستعيد آماله القديمة في قول كلمة «خلصت» (انتهت).

أما اليوم فالنظام في أقصى حالات ارتباكه، لا يعرف كيف يحرك قواته المحدودة والميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات الداعمة له من جبهة إلى أخرى، بخاصة بعدما اندلعت معركة موازية في ريف حماة الشمالي والغربي، مع استمرار القتال في الجبهة الجنوبية في مركز محافظة درعا بالذات. وها هي الصواريخ تطلق للمرة الأولى على بلدة القرداحة ـ عاصمة الدولة الأسدية ـ في توكيد رمزي على استهداف رأس النظام نفسه وعصبه الاجتماعي.

فإذا أضفنا إلى كل هذه التطورات، الضربة العسكرية الإسرائيلية الأخيرة في عمق الصحراء الشرقية قرب حمص، والتعاطي المختلف لإسرائيل معها بالقياس إلى الضربات السابقة الروتينية، اتضح مدى الضعضعة التي بات النظام يعانيها، ومدى انقلاب التوازنات لغير مصلحته. ترى هل يمكن الاستنتاج من هذه التطورات أن السياسة السورية للولايات المتحدة بإدارتها الجديدة قد ارتسمت وبدأ وضعها موضع التطبيق؟ أم أن الأمر يتعلق بحلفاء واشنطن التقليديين، دول الخليج العربي وتركيا وإسرائيل، الذين يحاولون، كل لدوافع تخصه، وضع خريطة جديدة لتوازنات القوى في سوريا أمام الإدارة الأمريكية لأخذها بعين الاعتبار في رسم سياستها السورية؟

في كلتا الحالتين، ثمة وقائع جديدة قلبت، مبدئياً، آمال موسكو وطهران وتابعهما السوري في دمشق، وسيكون عليهم إعادة النظر في سياساتهم الحالية لمصلحة رؤية أكثر واقعية.

إدارة ترامب التي سبق وأعلنت موقفها العدائي من إيران، و«غازلت» الروس ظاهرياً، ولا مشكلة لديها ـ إلى الآن ـ مع نظام بشار الكيميائي، بدأت تنخرط عسكرياً في سوريا بصورة جدية في إطار الحرب المعلنة على «داعش»، وتتسارع استعداداتها لمعركة الرقة من خلال زج المزيد من القوات البرية، وزيادة وتيرة القصف الجوي للرقة وما حولها، والقيام بإنزال مظلي شارك فيه مقاتلون كرد من قوات حماية الشعب، قرب سد الطبقة. الغزل الظاهري مع روسيا بوتين لا يمكنه أن يغطي على قلق الدولة الأمريكية العميقة من تمادي روسيا في محاولاتها لتوسيع مجال نفوذها العالمي. فإضافة إلى قضم موسكو لجزيرة القرم والمقاطعات الشرقية لأوكرانيا، وتفردها بالمشكلة السورية حرباً ومساراً سياسياً، امتدت طموحات القيصر بوتين إلى شرق ليبيا من خلال نظام السيسي في مصر التي أجرت موسكو معها مناورات عسكرية مشتركة قبل أشهر قليلة. وأخيراً قبرص اليونانية التي ترى في روسيا الأرثوذكسية حامية لها من تركيا بأكثر مما يمكن لليونان أن يقوم به في دور الحماية هذا.

إذا نظرنا إلى خريطة النفوذ الروسي الآخذ في الاتساع، لرأينا أنها تسعى إلى تطويق أوروبا من الشرق والجنوب من خلال السيطرة على خطوط إمدادات النفط والغاز، الأمر الذي يشكل السلاح الأقوى لروسيا في صراعها الدولي مع المعسكر الغربي.

من غير المتوقع أن تقف واشنطن مكتوفة اليدين أمام هذا التحدي الروسي. ولعل الخطاب العدائي لترامب ضد إيران يستهدف أصلاً فك عرى التحالف الإيراني ـ الروسي الذي يتجلى بأكثر صوره وضوحاً في سوريا، على غرار ما فعلته روسيا مع تركيا لفك عرى تحالفها التاريخي مع الغرب في إطار حلف الناتو.

ويلاحظ أن الناتو هو الذي يواجه التوسعية الروسية بصورة مباشرة، إلى الآن، بدلاً من واشنطن. فالتعزيزات العسكرية البحرية الأطلسية متواصلة في البحر الأسود. وقبل أيام قليلة أعلنت قيادة الحلف عن توجه 120 جنديا بريطانيا، معززين بأسلحة ثقيلة بريطانية وفرنسية، إلى أستونيا في بحر البلطيق المحاذي لروسيا مباشرةً. (نسجل هنا، بين قوسين، حصول الهجوم الإرهابي على مبنى البرلمان في لندن الذي قتل فيه خمسة أشخاص وجرح آخرون، بعد أيام معدودة على إرسال الجنود البريطانيين إلى بحر البلطيق. تبنت داعش العملية، ولكن من يدري من يقف وراءها من أجهزة الاستخبارات التي تخترق هذا النوع من المنظمات؟ ألم يتزامن إعلان داعش الحرب على تركيا، أيضاً، مع تداعيات ما بعد إسقاط تركيا لطائرة السوخوي الروسية؟ ولا نعرف شيئاً، بعد، عن ارتباطات القاتل القرغيزي الذي نفذ الهجوم الدموي على ملهى ليلي في إسطنبول في ليلة رأس السنة. فقد غابت أخباره عن الإعلام تماماً بعدما وقع في أيدي المخابرات التركية. ألا يحتمل أن تكون العملية هي الرد الروسي «العميق» على اغتيال سفيرها في أنقرة قبل مجزرة ملهى راينة بأسابيع قليلة؟).

إذا كانت علاقة المخابرات الروسية بالعمليات الإرهابية المذكورة أعلاه هي من باب التكهنات المستندة إلى تاريخ طويل من حروب الجاسوسية القذرة بين الدول، فالتنافس الأمريكي ـ الروسي في سوريا تجلى بوضوح وعلنية في تسابقهما على كسب ود قوات حماية الشعب الكردية وتأمين حمايتها من تركيا. وإذا كان الأمريكيون يدربون المقاتلين الكرد على الإنزال المظلي في الشرق، فالروس تمركزوا عسكرياً في عفرين غرباً. وعبر الأتراك عن استيائهم من الحماية الروسية للقوات الكردية في عفرين، بأن استدعت الخارجية التركية القائم بالأعمال الروسي في أنقرة لإبلاغه احتجاجها على مقتل جندي تركي على الحدود، برصاصة أطلقتها قوات حماية الشعب من منطقة عفرين.

ويمتد التنافس الأمريكي ـ الروسي على كسب ود الحليف المحلي، من «روج آفا» كما يسمي حزب الاتحاد الديمقراطي مناطق سيطرته في شمال سوريا، إلى إسرائيل التي يفوق عدد زيارات رئيس حكومتها نتانياهو إلى موسكو عدد زياراته إلى واشنطن، منذ اندلاع الصراع في سوريا وعليها. لعل الجديد في الغارة الإسرائيلية الأخيرة على مواقع قرب تدمر، هو تظاهر موسكو بعدم الرضى عنها إرضاء لحليفها الإيراني، في حين أن التنسيق العسكري قائم بين روسيا وإسرائيل منذ التدخل الروسي المباشر في سوريا، بما في ذلك «الخط الساخن» بين قاعدة حميميم الروسية في اللاذقية وتل أبيب. ولكن، مع ذلك، من المحتمل أن العملية الإسرائيلية هي أقرب لأجندة واشنطن، وفيها تسجيل نقطة لمصلحتها ضد موسكو.

بالعودة إلى الجبهات التي أشعلتها المعارضة المسلحة في قلب العاصمة دمشق، إضافة إلى الجبهة الجنوبية وجبهة حماه، يمكن القول إن مجمل هذه التطورات الميدانية تأتي في ظل غطاء عربي واضح من التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام التابعة لهذه الدول.

من زاوية النظر السورية، لا تشكل هذه التطورات الإيجابية بدايةً الطريق لإسقاط النظام، وإن كان من المتوقع أن مصيرها لن يكون كمصير سابقاتها في حلب. بل المرجح أن توازن القوى الجديد في قلب العاصمة سيتحول إلى وضع جديد لفترة مديدة، حارماً النظام من «نعمة» استقرار الوضع الأمني في عاصمته. لن يكون بوسعه، بعد اليوم، أن يستقبل الوفود البرلمانية والإعلامية الغربية في «بيته» ليقول لها: انظروا إلى الحياة الطبيعية في دمشق. هذا هو مستقبل سوريا بقيادتي. فالحركة مشلولة في كامل شوارع العاصمة التي قطعتها قوات النظام بحواجز ونقاط تفتيش، على ما نقلت مختلف وسائل الإعلام.

سنرى كيف ستنعكس مجمل هذه التطورات على «العملية السياسية» المستأنفة في جنيف وما زال الأمريكيون غائبين عنها. وإن كان من المتوقع أن تدور في الحلقة المفرغة ذاتها بدون أي نتائج عملية.

القدس العربي

 

 

 

دروس عملية دمشق/ بشير البكر

أثارت العملية العسكرية التي شنتها فصائل معارضة ضد مواقع النظام السوري في مدخل دمشق، يوم الأحد الماضي، موجة ارتياح واسعة بين المعارضين السوريين. ومع ذلك، كان الملاحظ من ردود الفعل أنها اتسمت بالحذر الشديد، وعدم الرهان أن تؤدي العملية إلى إسقاط النظام الذي يضع كل ثقله في العاصمة، باعتبارها حصنه الأخير.

 

مصدر الارتياح أن العملية حملت عدة رسائل للنظام السوري، والأطراف الساهرة على الدفاع عنه، وحمايته من السقوط طوال ست سنوات. وقبل كل شيء، فإن أبرز ما كشفت عنه العملية هو هشاشة النظام الذي اهتز بفعل الصدمة، وظهر عليه الارتباك الميداني. وعلى الرغم من أنه يحتفظ في محيط دمشق بقوات نخبةٍ من الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة، والمليشيات الشيعية اللبنانية والعراقية، فإنه لم يتمكّن من صد هجوم مئات المقاتلين الذين استطاعوا التقدّم ميدانياً بسرعة شديدة.

بعد 24 ساعة من بدء العملية، تحوّلت إلى كر وفر، إذ شن النظام هجوماً مضاداً يوم الاثنين، استعاد من خلاله أهم المواقع التي خسرها، لكنه لم يتمكّن من الاحتفاظ بها سوى ساعات، ورجعت المعارضة لتستولي عليها، وتخلق حالة كبيرة من الارتباك داخل النظام ووسط البيئة الحاضنة وفي الشارع الدمشقي، بالإضافة إلى الخسائر العسكرية الملموسة في صفوف قوات النظام.

الدرس الأكبر موجه للروس والإيرانيين، وهو أن إعلان تثبيت نظام الأسد والانتصار على الثورة السورية أمر غير وارد إطلاقاً، لأنه لم يعد لدى السوريين الذين قاموا من أجل الخلاص من آل الأسد ما يخسرونه. وبالتالي، لن يجدوا من بين الذين فقدوا ذويهم ودُمرت بيوتهم من يمكن أن يقبل بالحياة مع الأسد وأتباعه في بلد واحد، وإذا كانت المعارضة غير قادرة على إسقاط الأسد، فإن الأسد غير قادر على القضاء على المعارضة.

وتلفت العملية نظر الروس إلى أن إجبار السوريين على توقيع صكوك استسلام أمر غير ممكن، فلا يوجد ممن قاتلوا النظام من يقبل رمي سلاحه، والتسليم بمشروع روسيا إعادة إنتاج الأسد، ومثال ذلك مواجهة مخطط التهجير الذي بدأ منذ عام 2012، حين وضعت روسيا الثوار أمام أحد خيارين: “المصالحة” مع الأسد بشروطه أو التهجير نحو إدلب. ومن هنا، بدأت مسيرة الحافلات الخضراء التي نقلت آلاف المقاتلين من ريف دمشق وحمص وحلب وريف اللاذقية من المقاتلين الذين رفضوا المعادلة الروسية.

على الروس أن يتوقفوا عن سياسة المكاييل المتعدّدة، فإذا أرادوا بناء عملية سلمية جادة، عليهم وقف سياسة قتل السوريين من أجل الضغط على الثورة لتقديم تنازلات، وعليهم إذا أرادوا المساهمة في حل دائم في سورية أن يتخلوا عن الأسد.

ويتمثل الدرس الثاني في أن العملية جاءت على أبواب انعقاد الجولة الخامسة من مفاوضات جنيف التي كان النظام يستعد كي يُفشلها، لأنها مرشحةٌ للدخول في جدول الأعمال الذي جرى الاتفاق عليه في جنيف 4، ولم يشكل مصدر ارتياح للنظام.

أما الدرس الثالث فهو يعيد وضع مسار أستانة على طاولة البحث جدياً، فالعملية التي قامت على أساس وقف إطلاق النار حرفها الروس عن هدفها الفعلي، ولم تتمكّن من تحقيق وقف النار بسبب استمرار خروق النظام، واستغلال التأييد الروسي من أجل استمرار عمليات التهجير من محيط دمشق وحمص.

وفي جميع الأحوال، توجه العمليات صفعة كبيرة للإيرانيين الذين كانوا السباقين إلى المشاركة في قتل السوريين، من أجل تحقيق أطماع استعمارية في سورية، تحت ذرائع دينية. وفي كل يوم يمر، يزداد إصرار الشعب السوري على محاربة إيران، بوصفها قوة احتلال، ومهما كسبت على الأرض، فإن السوريين لن يتعاطوا مها إلا كاحتلال أجنبي.

العربي الجديد

 

 

 

«غزوة دمشق» … فائض قوة أم ضعف؟/ حسين عبد العزيز

شكل الهجوم المباغت الذي شنته فصائل المعارضة بقيادة «فيلق الرحمن» و «جيش الإسلام» و «هيئة تحرير الشام» على جبهة جوبر عند المدخل الشمالي لمدينة دمشق، تطوراً مهماً على صعيد العمليات العسكرية في العاصمة السورية، وقطيعة مع «الستاتيكو» العسكري الذي هيمن عليها منذ خمس سنوات.

ثمة تساؤلات كثيرة عن توقيت الهجوم وأسبابه. هل هو مرتبط بفائض في القوة لدى فصائل المعارضة بعد تحييد خلافاتها الجانبية لتحقيق انتصارات عسكرية مستدامة؟ أم أن الأمر مرتبط بتكتيك هدفه تحسين شروط التفاوض مع توجه النظام نحو فرض تسوية على حي برزة والقابون وتشرين؟

منذ نهاية عام 2012 بدأ النظام إقامة سياج عسكري – أمني في محيط دمشق، أعقبه سياج آخر بعمق نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي المحيطة بالعاصمة التي تتبع إدارياً ريف دمشق.

وبين هذين السياجين بقي كثير من البلدات والأحياء تحت سيطرة فصائل المعارضة من شمال غرب العاصمة (قرى وادي بردى، قدسيا، الهامة) إلى الغرب (معضمية الشام)، إلى جنوب العاصمة (داريا، ومخيم اليرموك) إلى الشرق (الغوطة الشرقية)، وانتهاء بالأحياء المطلة على البوابة الشمالية والشمالية الشرقية للعاصمة (حي جوبر، القابون، برزة، حي تشرين، التل).

استخدم النظام سياسة الحصار الخانق مع ضربات عسكرية مستمرة لإبقاء فصائل المعارضة والأهالي تحت واقع عسكري- إنساني صعب للغاية، فنجح في تحويل مناطق سيطرة المعارضة إلى جزر جغرافية منعزلة.

ومع انقلاب الموازين العسكرية لمصلحته إثر التدخل الروسي، بدأ النظام العمل على وضع تسويات خانقة في القرى والبلدات بمحيط دمشق، فبدأ بالبلدات الواقعة جنوب العاصمة وغربها ثم شمالها الغربي، بسبب خصوصيتها لـ «حزب الله» وإيران.

في شباط (فبراير) الماضي استأنف النظام حملة عسكرية واسعة على حيي القابون وتشرين لم تعرف منذ ثلاثة أعوام، تزامنت مع مفاوضات لإخراج حي برزة من المعركة، خصوصاً المناطق القريبة من القابون، قاطعاً بذلك اتفاقات الهدن التي تمت بينه وبين هذه الأحياء في عام 2014.

منع النظام العبور من حي برزة الذي يتمتع بموقع استراتيجي وإليه، لإشرافه على أوتوستراد دمشق- حمص، وقربه من مستشفى تشرين العسكري، وحي عشّ الورور، الذي يُعتبر من المناطق الموالية للنظام.

الهدف الرئيسي هو فصل حي القابون عن حيي تشرين وبرزة إلى الغرب، وفصله عن الغوطة في الشرق لقطع أي تواصل بينهما، وبالتالي قطع أهم شرايين الإمداد للغوطة الشرقية.

كانت خطة النظام تقضي بفتح معابر من الغوطة الشرقية إلى مخيم الوافدين لانتقال المدنيين فقط وترك المسلحين في الغوطة تمهيداً للعملية العسكرية الكبرى، لكن الأهالي رفضوا ذلك، فاضطر النظام إلى تعديل خططه والبدء بعزل القابون وحيي تشرين وبرزة، وفرض تسوية مجحفة قبيل الانتقال إلى معركة الغوطة الشرقية.

طالب النظام حي القابون بإغلاق أنفاق التهريب نحو الغوطة، وهو ما رفضته المعارضة، في وقت لم يغلق النظام معبر الوافدين الذي يمد الغوطة باحتياجاتها بسبب الأرباح الكبيرة التي يحصل عليها، حيث يتم بيع السلع بأسعار مضاعفة جداً لأهالي الغوطة.

وإذا أغلق النظام معبر الوافدين التابع له في مخيم الوافدين، فستكون الغوطة الشرقية قاب قوسين أو أدنى من كارثة إنسانية، ذلك أن معبر الوافدين وأنفاق التهريب شمال غرب الغوطة نحو القابون بقيت شريان الإمداد الرئيسي عقب خسارة المعارضة منطقة المرج الخصبة التي تعتبر السلة الغذائية للغوطة الشرقية.

ويشكل خروج برزة وتشرين والقابون من معادلة الصراع ضربة قاتلة للمعارضة في الغوطة الشرقية نتيجة خسارة خط الإمداد الرئيسي لها (المحروقات، الغذاء، الدواء، الذخيرة).

أمام هذه المعطيات، جاء الهجوم العسكري للمعارضة لتخفيف الضغط العسكري بعدما فقدت السيطرة على مناطق في القابون وبرزة في الآونة الأخيرة، وربط حي جوبر بحي القابون، وبالتالي ربط الأحياء المحاصرة عبر حي جوبر بالغوطة الشرقية أهم معاقل المعارضة في ريف دمشق.

لكن هذين الهدفين لا يمكن تحقيقهما إلا موقتاً، وربما لساعات، فمجمل هذه المناطق الممتدة من جوبر إلى القابون إلى برزة، هي عبارة عن جزر منعزلة محوطة بثقل عسكري كبير للنظام، ولا تستطيع المعارضة في واقعها الحالي تحقيق الترابط الجغرافي بينها، فلا تملك العديد البشري والسلاح الكفيل بتحقيق هذه الأهداف.

نعم، شكلت العملية مفاجأة للنظام وأربكته لساعات، وكشفت قدرة المعارضة على صنع المبادرة، لكن قيمة ذلك بالمعايير العسكرية لا تعدو الصفر، فالنظام استطاع السيطرة على معظم المناطق التي أخذتها المعارضة، حيث أعاد السيطرة على محور معمل «سيرونيكس»، جنوب غربي جوبر، في وقت استطاع الوصول إلى شركة الكهرباء شمال غرب جوبر، ليهيمن على مساحة واسعة، قبيل استكمال مسيره للسيطرة على المنطقة الصناعية التي تفصل القابون عن حي جوبر.

باختصار، لن تستطيع المعارضة تحقيق إنجاز نوعي يؤدي إلى تغيير في موازين القوى من شأنه أن يفك الحصار عن الغوطة الشرقية والأحياء الشرقية، إذ إن الحديث عن ربط الغوطة الشرقية بأحياء القابون وبرزة وحي تشرين أمر يبدو مستحيلاً، فأهداف المعارضة تتجاوز قدراتها العسكرية.

لكن إذا استطاعت فصائل المعارضة استيعاب هجوم النظام في معاقلها الأساسية، خصوصاً في حي جوبر والقابون، فإنها ستعزز موقعها التفاوضي حيال التسوية التي يسعى النظام إلى تحقيقها في الأحياء الثلاثة، وهذا هدف يبدو تحقيقه ممكناً.

* إعلامي وكاتب سوري

الحياة»

 

 

 

 

 

«فيلق الرحمن»: معركة جوبر دفاع عن النفس/ منهل باريش

الجيش الحر يتقدم في القلمون بهدف السيطرة على البادية

«القدس العربي»: استطاع مقاتلو «فيلق الرحمن» تثبيت نقاطهم في كتل الأبنية الكبيرة، تحديدا في معمل النسيج ومعمل الاوكسجين وشركة الكهرباء، بينما تراجع مقاتلو حركة «أحرار الشام الإسلامية» و«هيئة تحرير الشام» في محيط البانوراما من جهتي القابون وسيرونكس. هنا الأبنية صغيرة نسبيا وغالبا ما تكون بارتفاعات طابقية صغيرة، وهذا ما سهل تدميرها بقصف جوي مركز، زاد عن خمسين غارة، يوم الأحد الماضي.

وثبت «فيلق الرحمن» سيطرته النارية على كراجات العباسيين وشارع فارس الخوري الواصل بين الكراجات وساحة العباسيين. وتعد الكراجات حدا فاصلا بين الطرفين، كونها منطقة خالية من الأبنية ولا يمكن لأي منهما البقاء وتثبيت نقاط فيها.

وكبدت الفصائل قوات النظام خسائر كبيرة من قوات الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة وعناصر المخابرات الجوية، إثر المحاولات المتكررة لاسترجاع السيطرة على محيط كراجات العباسيين. وساعد المعارضة على الثبات المساحة المحدودة للعمليات، والتي تقدر بنحو 3كم. والسبب الذي منع استخدام الطيران في محيط العبـاســيين، هو قرب المسافة بين الطــرفين وكــثــافة الأبنية، فيما تفرد الطــيــران بالقصف في المنطقة المكشوفة في محيط البانوراما.

المتحدث الرسمي للفيلق، وائل علوان، وصف المعركة بأنها «دفاع عن النفس، فالغوطة أمام تحدّ وجودي في حال سيطرة النظام على حي القابون». وأضاف، في تصريح لـ«القدس العربي»، أن الهدف من المعركة هو «تخفيف الضغط عن حي القابون، ووقف سياسة القضم التدريجي التي يتعبها النظام».

ونفى علوان نية التقدم باتجاه العاصمة دمشق، وقال: «نحن ملتزمون باتفاقية أنقرة لوقف الأعمال القتالية». لكنه أشار، من جهة أخرى، إلى أن العلاقة بين الفيلق و«جيش الإسلام» جيدة وفي تحسن كبير. وعلق على الأخبار المتناقلة التي تحدثت عن منع جيش الإسلام من المشاركة بالمعركة، قائلاً: «نحن على تواصل دائم مع الجيش، والجيش يتحمل عبئا كبيرا في جبهة القابون، إضافة إلى الجبهات الشرقية، وكل ما في الأمر أن القطاع الذي تجري فيه المعارك هو قطاع فيلق الرحمن».

من الناحية السياسية، اعتبر علوان، المشارك في مباحثات جنيف حالياً في العاصمة السويسرية، أن «معركة جوبر ومعارك ريف حماة تخلق نوعا من التوازن مع النظام في المباحثات، وتقوي موقف المعارضة في الإصــرار علــى الانتقال السياسي».

إلى ذلك، سادت حالات ذعر وارتباك كبيرة في صفوف النظام، الذي قام باستقدام تعزيزات كبيرة إلى محيط ساحة العباسيين والبانوراما، ونشر الدبابات والمدرعات. وخيمت حالة خوف كبيرة على المدنيين الذين التزموا منازلهم خشية سقوط قذائف صاروخية عليهم، خصوصا في أحياء القصاع والتجارة القريبين من جبهة المعارك. وساهم في شدة الارتباك حجم التضخيم الإعلامي لنشطاء المعارضة على وسائط التواصل الاجتماعي، وبث الشائعات على مدار الأيام الثلاثة للمعركة.

وأصدر «فيلق الرحمن» بياناً رسمياً، نشره يوم الثلاثاء الماضي، حاول من خلاله تطمين أهالي العاصمة دمشق. وأكد البيان على الالتزام التام «بقانون النزاعات المسلحة وجميع الأعراف الدولية المتعلقة بالمعارك والنزاعات المسلحة». وشدد على «تحييد المدنيين بكافة أديانهم وطوائفهم وآرائهم عن دائرة الصراع وعن النيران المباشرة وغير المباشرة»، وكذلك «تحييد البعثات الدبلوماسية»، إلى جانب الالتزام «بحسن معاملة الأسرى» و«تأمين وحماية الطواقم الطبية والدفاع المدني وكافة المجموعات الإنسانية والإعلامية»، وتحييد «دور العبادة ورموزها والقائمين عليها عن الصراع والنيران المباشرة». ولاقى البيان ترحيبا واسعا في أوساط المعارضة السورية ونشطائها، كما وجه رسائل سياسية على كافة المستويات الإقليمية والدولية. وقد اعتُبر ردا مباشرا على ادعاء موسكو باستهداف أحد مبانيها الدبلوماسية وسقوط قذائف المعارضة عليه.

وتأتي معركة جوبر- القابون في سياق الرد العسكري ومحاولة فرض واقع جديد في خرائط السيطرة، تحديدا في المنطقة الجنوبية، التي ظلت ساكنة وهادئة لأكثر من عامين، باستثناء معارك «الجبهة الجنوبية» مع جيش خالد بن الوليد المبايع لتنظيم «الدولة الإسلامية». وهكذا بدأت معركة السيطرة على منطقة «المنشية» الاستراتيجية والتي تعتبر أعلى منطقة في مدينة درعا، وبرر قادة عسكريون في الجبهة الجنوبية سبب المعركة بانه قطع الطريق على محاولات النظام للتقدم إلى الجمرك القديم المحاذي للرمثا الأردنية، بهدف فصل مناطق سيطرة المعارضة في شرق درعا عن غربها.

وتتزامن معركة جوبر- القابون مع معركة كسر الحصار عن القلمون الشرقي، الذي تسيطر عليه فصائل من الجيش الحر أهمها «أسود الشرقية» و«قوات الشهيد أحمد العبدو»، إضافة إلى فيلق الرحمن وجيش الإسلام. وتهدف المعركة إلى وصل مناطق سيطرة الجيش الحر المدعوم أردنيا وأمريكيا، والمتمركزة في محيط التنف بالقلمون الشرقي، وطرد تنظيم «الدولة» من بادية الحماد المتاخمة للغوطة الشرقية في بير القصب، والريف الشرقي للسويداء. جدير بالذكر أن المسافة بين الجانبين تقل عن 18 كم، بين الكتيبة المهجورة وبير مداد من الشــرق، وبين محيط المحسة غرباً. وتعتبر السيطرة على بادية الحماد من قبل فصائل الجيش الحر بارقة أمل كبيرة، ستساهم في كسر الحصار عن الغوطة التي بدأت تختنق بعد خسارتها عشرات القرى وكامل مناطق البساتين فيها، سيما مع الضغوط العسكرية الروسية الهادفة إلى فرض هدنة بين النظام وفصائل الغوطة.

 

 

 

 

تقلب الوقائع السورية مجدداً/ وليد شقير

تقلبات المعادلة التي تتحكم بمصير سورية أخذت وتيرة متسارعة هذا الأسبوع، عبر وقائع كثيرة تزاحمت في الميدان العسكري، فالحرب السورية عوّدتنا في كل مرة ترسو الأمور على معادلة معينة خلال السنوات الماضية، على المفاجآت التي تعود فتقلب ما سبقها من أحداث بدت وكأنها ثوابت… وهكذا دواليك منذ عام 2011.

لا تلبث الوقائع تنبئ بأن النظام السوري إلى سقوط حتى يحصل ما يشير إلى ثباته، ولا تلبث التطورات العسكرية ترجح الحل السياسي حتى يتعثر هذا الحل، لأنه يقوم على نظرة أحادية الجانب، فتعود إلى الاشتعال جبهات جديدة وأخرى قديمة قيل إنها أُخمدت، فيخيب ظن من سيطر عليها من فرقاء الصراع.

القاعدة الوحيدة الصالحة للحكم على هذه الحرب المدمرة هي أنها مستمرة، وأن مصير النظام السوري برئاسة بشار الأسد يبقى مطروحاً على الطاولة ولو راجت في كل مرحلة مقولة أن الأسد باقٍ وردد ذلك حتى قادة دول غربية تفضل رحيله. بقاء الأسد يعني استمرار هذه الحرب، لأنه يستحيل تصور حل سياسي باستمراره. وهو نفسه أرسى هذه المعادلة، لأنه لم يتوقف عن تكرار، في كل مرة يحقق الروس والإيرانيون انتصاراً على المعارضة (ثم ينسبونه إلى «الجيش العربي السوري»)، أنه مصمم على استعادة كل الأراضي السورية من معارضيه، الذين يصفهم -معتدلين وتكفيريين- بالإرهابيين، على رغم جلوسه معهم للتفاوض في جنيف، فهو يدرك أن الحل السياسي يعني بالتعريف رسم مسار إنهاء حكم العائلة التي دمرت سورية وقتلت مئات الآلاف وشردت الملايين… فأي معارض سيقبل أمام المأساة بقاء الأسد في إطار الحل الذي يدعو ستيفان دي ميستورا إلى التفاوض عليه؟ وأكثر ما يخشاه أن تتقدم الدول والقوى التي تحارب «داعش» والإرهاب نحو هدفها، لأن هذا يقرّب طرح رحيله، بعد أن ربط مبرر بقائه بشعار إنهاء الإرهاب الذي ساهم هو في انتشاره وإطالة بقائه في بلاد الشام لتسويغ استمراره في السلطة، حين خيّر العالم: أنا أو «داعش».

الوقائع الجديدة (المرشحة لأن تعدَّل فيها وقائع لاحقة) تبدأ بما شهدته ضواحي دمشق من تقدم للمعارضة. ومع أن تهديد دمشق من المعارضة مجدداً يحرص القائمون به على حصره بهدف فك الحصار وتخفيف الضغط العسكري المستمر (الذي تغاضت عنه روسيا راعية وقف النار) من قوات النظام و «حزب الله» والميليشيات الإيرانية عن جوبر والغوطة الشرقية، فإن تمكُّنَ الفصائل المسلحة من إحداث تقدم في ريف حماة، و «الجيش الحر» من طرد «داعش» من غرب القلمون، أعطى هذا التطور بعداً آخر كسر «الحرم الدولي» حول استهداف العاصمة. ولا تتوقف هذه الوقائع عند تزاحم الدول الكبرى على تنفيذ الإنزالات لجيوشها، في مناطق السيطرة الكردية في الشمال السوري التي باتت موزعة بين أعلام تركيا في مدينة الباب وأميركا في منبج والحسكة، وروسيا في عفرين على آليات كل منها ومدرعاتها، في سياق التنافس على تحرير الرقة من «داعش»، باعتباره الخطوة الحاسمة على طريق القضاء على التنظيم، بعد أن تنجح عملية طرده من الموصل. فالاتجاه الأميركي نحو التسليم بأرجحية نفوذ روسيا في سورية، لم يكن يعني حتى أثناء ولاية باراك أوباما، إبعاد واشنطن بالكامل أو التسليم لفلاديمير بوتين باستخدام ورقة الدور الإيراني في بلاد الشام والإقليم، في لعبة التقاسم الدولي، ولا قبولها أن يأتيها القيصر إلى التفاوض متأبطاً ذراعي رجب طيب أردوغان والسيد علي خامنئي معاً.

من الوقائع أيضاً أن التحالف الدولي للقضاء على «داعش» والإرهاب لا يضم طهران، وتقوده واشنطن، التي أكدت أول من أمس دور السعودية والإمارات ومصر في الحرب على التنظيم، ونية إقامة «المناطق المستقرة» لإعادة النازحين.

من الوقائع الجديدة أن طهران تتهيأ للدفاع ضد سعي إدارة دونالد ترامب إلى وقف تدخلاتها الإقليمية في سورية واليمن والعراق والبحرين… عبر تصعيد انخراطها في الصراع في هذه الدول، بتسخير مزيد من الإمكانات العسكرية والمالية التي تستنزف اقتصادها الذي يتهم المرشد الأعلى علي خامنئي الرئيس حسن روحاني بالتقصير في معالجته. وتدفع طهران «حزبَ الله» إلى الساحات، ولا سيما سورية، بعد استراحة لمقاتلي الحزب إثر معارك حلب وغيرها التي كبدته الكثير من الخسائر.

لكل هذا أثره على القمة العربية في البحر الميت خلال أيام، بعد سلسلة خطوات لترتيب ما يمكن ترتيبه في البيت العربي، وبعد مبادرة المملكة العربية السعودية إلى حشد التأييد الدولي لمواجهة تدخلات إيران.

الواقعة الثابتة هي أن الشعب السوري سيبقى الضحية.

الحياة

 

 

 

 

قبائل الريف الدمشقي/ وائل عصام

يحكي «ختايرة» الريف الدمشقي قصصا كثيرة عن أهل دمشق وريفها في حقبة الاستعمار الفرنسي وما سبقها من العهد الفيصلي، ولكن ما لفت انتباهي هو الروايات الكثيرة عن النزاعات بين قرى وأحياء الغوطة الدمشقية والريف الغربي، حول تقاسم حصص مياه الري من الأنهار الصغيرة، التي كانت تروي بساتين الغوطة الغناء قبل أن يغزوها الإسمنت كالجراد.

ظلت النزاعات تتواصل لعقود وتصل في كثير من الاحيان  للاشتباك بالأيدي والفؤوس بين شباب القرى، بل إطلاق النار، مخلفة صدامات وجرحى كل عام، وعداوات بين العائلات تعكر صفو الغوطة الغناء، شبهها البعض بنزاعات القبائل العربية على الكلأ والماء، ورغم أنها كانت تهدأ لفترات وتعود، إلا أنها ظلت كما يبدو عصية على الحل، لذلك يقال إن بعض المسؤولين المحليين (ومنهم جدي علي رضا بيك النحوي الذي كان قائمقام دوما والزبداني  قبل مئة عام) كانوا يقضون معظم فترات عملهم في المصالحة بين وجهاء العائلات و»تبويس الشوارب» وتذكير المتخاصمين بأن هناك قضايا أكثر أهمية وأخطارا أكبر تواجه الشام كالاحتلال الفرنسي، الذي ما لبث أن ثبّت أقدامه بالبلاد، دون ان يشكل على ما يبدو دافعا لتوحيد المتعاركين في هذه المناطق، استشعارا بالتهديد الداهم.. بدليل استمرار هذه النزاعات، بل وتصاعدها بعد دخول الفرنسيين، كما يقول أحفاد من شهدوها.

تذكرت هذه الحوادث وأنا اتابع معارك الريف الدمشقي الأخيرة في جوبر على تخوم ساحة العباسيين، إذ كانت تدور معارك أخرى على تخوم تلك المعركة بين أنصار هذا الفصيل ومطبلي ذاك الفصيل، كل يتهم الاخر بالخذلان وجميعهم أبناء الاحياء الريفية نفسها، أحدهم ينشر دبابات بوسط دمشق يقول ان فصيله دمرها فيرد عليه آخر من فصيل منافس قائلا إنها ليست سوى هياكل قديمة لدبابات إسرائيلية في معرض للنظام السوري عن حرب تشرين. وغيرها من المناوشات المعتادة والمكررة ككل مرة توحي بان هناك من لا زال في «سنة اولى ثورة».

ما يهمنا هنا هو تأصل روح التباغض بين المنتمين للفصائل في منطقة واحدة فقط، فنحن هنا نتحدث عن معركة في منطقة واحدة هي الغوطة، يفترض ان يجمعها قرار عسكري وسياسي واحد، لكن المفارقة أن أكبر فصائل الغوطة لم يكن مشاركا بالاعداد للعملية التي قادتها النصرة وفيلق الرحمن لخصومات باتت معروفة بينهم، أي أن القوى المسلحة للمعارضة ظلت عاجزة حتى اليوم وبعد ست سنوات من توحيد صفوفها في منطقة صغيرة جغرافيا ومهمة استراتيجيا كالغوطة، بينما تقاتل عشرات الاصناف العسكرية للنظام وميليشياته والمجاميع المسلحة لحزب الله وغيره بغرفة عمليات واحدة، في كل سوريا، بل ربما يتعدى التنسيق ليصل عسكريا وأمنيا الى كل جبهات العراق وسوريا اذا اقتضى الامر.

صحيح أن النصرة استطاعت توحيد مجاميع جهادية مع فصائل جيش حر صغيرة ضمن تحالفها هذا، الذي ظل بقيادة النصرة، القوة الفعالة الوحيدة تقريبا القادرة على شن هجمات ضد النظام منذ عامين على الأقل، لتقود هذا الهجوم الذي أوقع خسائر في صفوف النظام في كل من ريف دمشق وريف حماة، لكن الصحيح ايضا ان هذه الخسائر بالارياف لا ينظر لها النظام سوى انها اصابات في «دشم» واكياس الرمل التي تحمي معاقل سيادة النظام ورمزية سلطته في مراكز المدن بدمشق وحماة، ولا يبدو ان تغيرا جوهريا سيطرأ على خريطة السيطرة، حتى إن تمكن الجهاديون من الدخول لاطراف المدن المركزية، فمعارك المدن الكبرى تعادل اضعاف معارك قرى الريف وهي قد تطول لسنوات، كما حصل في مدينة حلب، عندما ظل فرع واحد كالمخابرات الجوية خارج سيطرة الثوار لاربع سنوات، رغم سيطرتهم على كامل محيطه في ريف حلب الشمالي، والاهم من ذلك كله، وحتى نعود لحديثنا عن معركة الريف الدمشقي، انه ما دامت الذهنية الفصائلية كما هي منذ ست سنوات تفكر  بعقل «الضيعة» و»الحارة» وغير قادرة على العمل المركزي الموحد بين ثلاثة فصائل في منطقة صغيرة نسبيا ومهمة كالغوطة فإنها ستبقى تزرع دون ان تحصد.

فبينما ظل قادة الفصائل عاجزين عن تنظيم ادارة الانفاق وتجارتها الرابحة في الغوطة لسنوات (كما ظهر بين جيش الاسلام وفصيل آخر بتسجيل فيديو نشر حول نزاع على تمويل بملايين الدولارات) ولم يتنازل أحد للاخر عن نفق مختلف عليه، فانهم رفضوا التنازل عن اسماء ورايات اقطاعياتهم الفصائلية، لتبقى نصف الغوطة تتنازعها الرايات، ومشتتة القرار بالسلم والحرب، بينما نصفها الاخر يقرضه النظام بالهدن والتسويات.  انه عقل الضيعة الضيق، لا يصلح للمواجهة قبل ان يتطور لعقل «دولة»، انه ازمة قديمة متجددة، ينفق قادة الفصائل المناطقية في الغوطة كثيرا من جهدهم للهيمنة على بعضهم بعضا، وكما اقتتلت قبائل دير الزور على آبار النفط تتنازع قبائل الريف الدمشقي الفصائلية حول السيطرة على الانفاق، كمثال على عجزهم عن تنظيم وتأجيل صراعاتهم الثانوية أمام خطر داهم، تماما كما كان اجدادهم يتقاتلون على مياه الري وانهار الغوطة بينما الفرنسيون يحتلون البلاد.

٭ كاتب فلسطيني

القدس العربي»

 

 

 

 

الدفاع عن دمشق والضاحية/ احمد عياش

لم يكن أحد يتوقع ان يكون قلب دمشق ساحة معركة بين النظام السوري وحلفائه من جهة، وبين عدد من فصائل المعارضة التي جرى تصنيفها بانها خارج محادثات السلام في جنيف. وعندما نتكلم عن معركة يكون الامر متعلقا بحدث أمني يتجاوز الانفجارات والعمليات الانتحارية، إذ يكفي ان يخرج مسلحون في العاصمة السورية ليشتبكوا مع قوات النظام وحلفائه لنتبيّن ان موضوع أمن المدينة ليس محسوما بعد. ويقول زائرون لدمشق قبل المواجهات الاخيرة انهم وجدوا أنفسهم واقفين مرارا عند حواجز أمنية متعددة عندما كانوا يجتازون ليلا بضع مئات من الامتار في أحياء دمشق. فأين هي الاجراءات التي تبخّرت تماما في الايام الاخيرة؟

الرسالتان اللتان وجهتهما خارجية الاسد الى الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي تحدثتا عن “ثبوت تورط أجهزة المخابرات التركية والسعودية والقطرية” في مواجهات دمشق. وهذه المرّة لا توجد أية إشارة الى اسرائيل التي تمثل العنوان المفضل لتوجيه الانظار اليه، علما ان الايام الماضية حفلت بالتحليلات والمواقف بعد الغارة الجوية الاسرائيلية قرب مدينة تدمر قبل 9 أيام. ففي المعطيات التي جرى تداولها بعد غارة تدمر ان إسرائيل وجهت رسالة وبصورة معلنة في الميدان الى روسيا لتذكّرها بتعهداتها حيال الحد من نفوذ إيران وذراعها الاهم “حزب الله” في سوريا. وعلى ما يبدو انه بعد الاحراج الذي شعرت به موسكو وغطته باستدعاء السفير الاسرائيلي في موسكو، ابتعد الموضوع عن الاضواء ليتسرب بعده الكلام عن تقارب روسي – اميركي في الملف السوري. وستكشف الايام ما جرى بعد غارة تدمر على رغم انها لم تكن الاخيرة بحسب ما اوردته وكالة “تسنيم” الايرانية التي قالت ان قناة “اي 24” الاسرائيلية “إدّعت تنفيذ الكيان الصهيوني ضربة جوية ضد جبال قاسيون ونسبت الخبر الى وسائل اعلام سورية”.

في المشهد الموازي، تحدثت معلومات صحافية عن خطة أمنية انطلقت في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع حيث نفوذ “حزب الله” لمواجهة الفلتان. انها ليست المرّة الاولى التي يجري الحديث فيها عن خطة أمنية في هاتين المنطقتين. لكن وقبل الحكم على الخطة الجديدة أو لها، لا بد من الاشارة الى ظروف مستجدة قد تكون هي خلفية الاجراءات الامنية. ووفق بعض المصادر فإن “حزب الله” ما زال مهتما بشدة بمصير رجل الاعمال قاسم تاج الدين الذي جرى توقيفه في المغرب والذي تصفه هذه المصادر بانه رئة الحزب المالية التي يبلغ حجمها بضعة مليارات من الدولارات. وبالتالي هناك تحسّب لتداعيات هذا التطور على مستويات عدة في لبنان وخارجه. وقد أتى توقيف تاج الدين متزامنا مع دخول إسرائيل بلسان رئيس الاركان غادي إيزينكوت ولو متأخرا على موضوع مصرع القائد البارز في الحزب مصطفى بدر الدين العام الماضي في سوريا.

ثمة تحرك لافت من دمشق الى الضاحية. فهل هناك ما سيلي سقوط “داعش” النهائي قريبا؟ الانظار الان الى الرق

النهار

 

 

 

حول مفاجأة المعارضة للنظام السوري في دمشق

رأي القدس

بعد يوم واحد من إعلان قائد «حزب الله» حسن نصر الله أن «يوم الانتصار الكبير يقترب» وأن «مقاتلي المؤامرة المسلحة ضد سوريا قد هزموا» فاجأت المعارضة العسكرية السورية النظام وحلفاءه اللبنانيين والإيرانيين في عقر داره، العاصمة دمشق، منطلقة في هجوم مباغت وعنيف من أطراف حيّ جوبر شارك فيه آلاف العناصر، ما أدّى، حسب مصادر المعارضة على الأرض، إلى تدمير غرفة عمليات النظام وانهيار دفاعاته.

تعيد العمليّة إلى الأذهان بدايات الثورة السورية حين حاول المتظاهرون الوصول أكثر من مرة قادمين من أطراف دمشق الريفية إلى منطقة العباسيين، وهي تطلّ على أحياء غنيّة ومختلطة طائفيّاً (القصّاع والتجارة والعدوي)، وكانت قوّات الأمن والجيش السورية تواجههم بالرصاص والقنص والقصف، وهو ما سجّل دافعاً أوّلياً لاتجاه الثورة السورية نحو شكلها المسلّح اللاحق.

شهدت المواقع التي تهاجمها المعارضة حاليّاً، بعد ذلك، جولات عديدة كانت تعرّض أمن النظام للخطر الشديد، لكنها كانت تتوقّف أحياناً لأسباب عسكرية، أو نتيجة إيعازات من «حلفاء» المعارضة العرب بعد ضغوط أمريكية شديدة، إلى أن انتهى الحال بالطرفين إلى قبول ما يشبه الحدود لسيطرة كل طرف فيما استمرّ النظام بجولات القصف الجوّي التي لا تنتهي، والتي تمنع تحويل الأمر الواقع العسكري إلى حالة طبيعية، وقد تمّ «تشريع» هذا الوضع من خلال اتفاقات «مصالحة»، كما هو الحال في حي برزة، او اتفاقات وقف إطلاق نار، كما هو الحال في حيي تشرين والقابون.

تجيء العمليّة الكبيرة بعد محاولات النظام للتقدم في محوري برزة وتشرين حيث سيطرت على شارع رئيسي يربط الحيين الواقعيين في شرق دمشق وهو ما يمهد لعزل حيّ برزة، لكن رد المعارضة، لو تم تثبيته، يفتح حيّي جوبر والقابون الكبيرين على بعضهما ويوقف حصارهما معا.

تثبت العمليّات الأخيرة، مجدّداً، إمكانية ضعضعة سيطرة النظام وحلفائه على الأرض، رغم السيطرة الجوية والقوّة الناريّة والبشرية الكبيرتين اللتين يتمتع بهما، ولكنّها تثبت أيضاً ضعف القرار المركزيّ للمعارضة السورية، فـ»ملحمة حلب الكبرى» التي شهدت تحرير مناطق شاسعة وإخراج النظام من كليّات عسكرية محصّنة في الراموسة وغيرها، لم تتزامن مع هجمات أخرى في دمشق ودرعا وحماه وإدلب، حيث تتواجد قوّات كبيرة للمعارضة، بحيث تتشتّت جهود النظام العسكرية ولا يستطيع التركيز على جبهة واحدة، وهو الذي حصل وأدّى إلى كارثة كبرى في حلب، وقبلها داريّا وغيرها.

على الصعيد الإعلامي، ورغم الجرائم الهائلة التي ارتكبها النظام على مدى ست سنوات والمثبتة بالأفلام والصور والوثائق دوليّاً، فقد صار واضحاً أن الوزن الإعلامي للمعارضة على الساحة الدولية قد تراجع نتيجة التعقيد الكبير للوضع السوري، والتداخل الإقليمي الكبير، وتشرذم المعارضة وصعود اتجاهات متطرّفة داخلها، وفوق كل ذلك الجهد الإعلامي المنظّم، ليس للنظام وحلفائه والاتجاهات اليمينية المتطرّفة في الغرب فحسب، بل كذلك على أطراف محسوبة على الثورة السورية صار شغلها الشاغل تضخيم دور «جبهة النصرة» في أي معركة أو حصار لوصم المعارضة السورية، كلّها، بالإرهاب.

رغم الطابع المفاجئ والمؤلم لقوات النظام في دمشق، فإن المسار العامّ للثورة السورية يشير إلى خلل كبير في استراتيجية المعارضة، سياسياً وعسكريّا، يساهم فيه عدم وجود غطاء إقليمي فاعل ومؤثّر، كما هو الحال مع التحالف الروسي ـ الإيراني المساند للنظام، وهو ما أدّى ويؤدي إلى تراجعات جسيمة للمعارضة وانحسارات عن مناطق حافظت لسنوات طويلة عليها، وكذلك إلى تراجعات سياسية شهدنا فصولها بين مباحثات جنيف 1 وجنيف 4.

من جهة أخرى، فإن سنوات الثورة، وخوض النظام المريع في الدماء السورية، وتنازلاته المهينة لروسيا وإيران، لم يبق منه سوى الهيكل الشكليّ لدولة فاشلة وأشلاء نظام وراثيّ قروسطي بشع، وكل محاولات «بعثه» من موته الافتراضيّ ستتكلل بالفشل.

القدس العربي

 

 

 

 

الهجوم على دمشق: ضعف النظام وعزيمة المعارضة والحرب مستمرة/ إبراهيم درويش

طوال الحرب السورية التي دخلت عامها السابع هذا الشهر ظلت العاصمة دمشق بعيدة عن المواجهات التي دمرت حمص وحلب ودرعا ومعظم المدن الثائرة على النظام السوري. ومع أن الحرب كانت حاضرة في دمشق من خلال أصوات قنابل الهاون والتفجيرات الانتحارية التي تنفذ بين الفينة والأخرى، ظلت الحياة في المدينة حية، مطاعمها ونواديها وشوارعها تعج بالحياة والبهجة المبطنة بالخوف. وما يميز الجبهة الشامية كما كشف تشارلس غلاس بتقرير نشره موقع «نيويورك ريفيو أوف بوكس» (3/2/2017) فالحرب حول دمشق هي حسب الطلب. وكان الصحافيون الذين يزورون العاصمة بناء على أذونات من الحكومة يعودون بحس أن الحرب تجري في أماكن بعيدة وأن هناك «سوريا مختلفة» في دمشق. وزاد حس الأمان والثقة بالنفس بعد خروج المقاتلين من مدينة حلب نهاية العام الماضي بعد معركة دموية جرت أمام سمع وبصر العالم. وبعدها انحرف ميزان الحرب لصالح النظام أو هكذا بدا الأمر وأصبحت روسيا اللاعب الرئيسي على الساحة في لعبة تسوية هشة بدأت في أستانة عاصمة قازخستان والآن في جنيف. وبدا أن المعارضة للنظام التي انهارت في الشمال على طريق الخروج من اللعبة خاصة في ظل التغيرات التي شابت حلفاءها من دول الخليج المنشغلة بحروبها الإقليمية وتركيا التي يسكنها الخوف من كيان كردي على حدودها الجنوبية، يكون امتدادا لدولة حزب العمال الكردستاني الساعي لبنائها في تركيا منذ أكثر من أربعة عقود. لكل هذا وجد مقاتلو حي الوعر في حمص، آخر معاقل المقاومة في المدينة المحاصرين منذ سنين الحل بالخروج إلى إدلب وريفها.

نيران فوق دمشق

إلا أن الحرب السورية المتحولة دائما والمليئة بالمفاجآت اندلعت في قلب العاصمة دمشق، ووصل المقاتلون إلى ساحة العباسيين قبل أن يسترد النظام المبادرة ويقوم بالمواجهة. وكان الهجوم مفاجئا له ولمراقبي الشأن السوري، سواء بتوقيته أو بطريقة تنفيذه والقوى التي شاركت فيه، والمنطقة التي انطلق منها. وأدى في يوم الأحد الماضي لنشر الذعر بين سكان العاصمة حيث بدت الشوارع مقفرة وأغلقت المحلات والمدارس. وسقطت قنابل الهاون في المناطق السكنية وأزت المقاتلات العسكرية وتردد صوت قعقعة الرصاص في كل المدينة التي عادت إلى جبهات القتال في الحرب المستعرة منذ عام 2011. ويعتبر الهجوم المباغت الذي أطلق عليه «يا عباد الله اثبتوا» الأول من نوعه والذي يصل فيه المقاتلون إلى قلب دمشق منذ عام 2012. ورغم تأكيد جماعة عباد الرحمن التي قادت الهجوم على استعادة كل ما فقدته بعد رد النظام إلا أن الهجوم كما تقول صحيفة «واشنطن بوست» (21/3/2017) لن يقود إلى تقدم مستمر في المعقل الرئيسي لبشار الأسد، أي العاصمة والذي يبدو أن قواته استطاعت وقفه. ولكن المعركة الأخيرة كما قالت مصادر في المعارضة، جاءت كهجوم وقائي لإحباط تحرك للنظام كان يهدف لضرب آخر جيب لهم في الغوطة الشرقية وبالتالي استعادة السيطرة على ريف دمشق ونواحيها. ففي السنوات الماضية فرضت القوات الموالية للنظام حصارا على مراكز المعارضة وأجبرتها على الاستسلام ضمن ما أطلق عليها عمليات «المصالحة» وبالتالي اخضاع هذه المناطق بالقوة. ولم يتورع النظام في غالب الأحيان عن ضرب مراكز المقاتلين بالطيران والمدفعية بحيث سوى مناطقهم بالتراب.

دلالات

إلا أن المعركة الأخيرة التي اندلعت في دمشق والجبهة التي فتحتها المعارضة في ريف حماة وتقول إن النظام تراجع من مراكز مهمة فيها، تؤشر إلى عدة أمور وهي ضعف سيطرة النظام على الوضع بعد عام ونصف من المكاسب التي تمت بمساعدة الطيران الروسي والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، بشكل أعطى صورة أن الحرب قد انتهت بانتصار الأسد. وكما يتضح من تطورات الأسبوع الماضي فالمعارضة ليست لديها القدرة الكافية على الإطاحة بنظام الأسد ولا يملك الأخير الوسائل الكافية لهزيمة المقاتلين. ويرى أندرو تابلر، الزميل الباحث في معهد واشنطن «هذا لا يعني ان النظام سيهزم، فقواتهم (المعارضة) صغيرة وهم يقومون بهجوم في مكان ثم يتراجعون ليبدأوا الهجوم في مكان آخر، وهذا يحدث منذ سنوات». أي حرب استنزاف طويلة وحرب بلا نهاية. وتضع هذه الجهود الروسية للتوصل إلى تسوية أمام مأزق، فلطالما تحدث الروس عن إقامة قصيرة في سوريا وأنهم يرغبون بتسوية مرضية للأطراف وأنهم حريصون على مؤسسات سوريا وليسوا مرتبطين بالأسد كشخص. لكن التطورات الميدانية تجعل من التقدم على المستوى السياسي أمرا صعبا. وعلى ما يبدو فالعملية مصممة لتأكيد حضور المشاركين فيها ومحاولة منهم لتحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات وتعزيز صورتهم كقوى لا يمكن تجاوزها ميدانيا أو سياسيا. وفي هذا السياق كانت الولايات المتحدة في الأيام الأخيرة لإدارة باراك أوباما قد تراجعت عن الدبلوماسية وتركت القرارات للإدارة المقبلة. ولم تقدم إدارة دونالد ترامب سياسة واضحة من سوريا غير الحديث عن «سحق تنظيم الدولة الإسلامية» وإخراجه من «عاصمته» الرقة. وفي كانون الأول (ديسمبر) 2016 رعت روسيا وتركيا اتفاق وقف لإطلاق النار إلا أن النظام السوري واصل تقدمه في جيوب المعارضة حول دمشق. ومن هنا جاء الهجوم المباغت محاولة من المعارضة لإجباره على الإلتزام بالاتفاق كما قال وائل علوان، المتحدث باسم فيلق عباد الرحمن التي تعتبر المجموعة الرئيسية في الهجوم هو تذكير النظام بضرورة الإلتزام باتفاق وقف إطلاق النار وبالضرورة الدفاع عن القابون وحي جوبر الذي يعتبر من أكبر الجيوب الواقعة تحت سيطرة المقاتلين في الغوطة الشرقية.

خلافات المعارضة

ورغم تماسك الحملة والتنظيم في الهجوم الأخيرعلى دمشق إلا أن المحلل في الشؤون السورية أرون لوند في مؤسسة «سينتشري فاونديشين» أشار إلى المشكلة الفصائلية والخلافات التي عانت منها الثورة السورية. فعباد الرحمن المعتدل تعاون مع جماعة أحرار الشام التي يراها البعض متشددة لشن الهجوم إلا أن القوة الرئيسية في دمشق وهي جيش الإسلام الذي يعتبر المنافس الحقيقي لهما، لم يشارك في الهجوم بشكل يؤثر على نجاعة الحرب ضد النظام. مع أن الجهود المشتركة هي التي أدت لهذا الهجوم المفاجئ ونشرت الرعب في صفوف النظام الذي سارع لاستدعاء فرقه العسكرية والفرقة الرابعة التي تدافع عن العاصمة كي تستعيد زمام المبادرة. ويرى لوند أن وحدة المعارضة «تعني مشكلة حقيقية للحكومة». وعلق أرون أن الهجوم كشف عن وجود تصميم قتالي لدى المعارضة وفي الوقت الحالي لن تؤدي هذه العزيمة لهزيمة النظام إلا إذا تصدع من الداخل أو انهار بطريقة درامية فعندها ستكون للمعارضة فرصة للانتصار.

مظاهر ضعف

وفي المحصلة تكشف المواجهات عن فشل كل طرف في المعركة توجيه الضربة القاضية وتحقيق النصر. فكما تقول صحيفة «التايمز»(21/3/2017) فالهجوم يعتبر أخبارا سيئة لكن ليس للجهاديين. فهي سيئة للنظام، لأن العزيمة القتالية لدى المعارضة لم تمت كما كان يأمل بسقوط حلب. وهي سيئة له لأنه بات يعتمد كثيرا على الروس والإيرانيين الذين ساعدوه على تحقيق المكاسب الماضية. وعندما يغيبون فهو خاسر دائما. وبالسياق نفسه فالهجوم وإن عبر عن قوة المعارضة إلا أنه كشف عن محدودية ما يمكنها عمله. فالمقاتلون وإن وصلوا إلى قلب العاصمة واقتربوا من المدينة القديمة لكنهم يعرفون أن دمشق لن تسقط بأيديهم. وأهم ما يكشفه الهجوم الأخير هو طبيعة التحالفات المتحركة بين الفصائل السورية. فعندما يجد المعتدلون أن حلفاءهم في الغرب والخليج وتركيا قد توقفوا عن دعمهم فهم لا يجدون غضاضة من التعاون مع الجماعات الأخرى وإن كانت متشددة أو جهادية للدفاع عن أنفسهم. وبالنظر لما عانته الجماعات المعتدلة من ملاحقة النظام لها وتجاهله العناصر الجهادية التي ظلت تتوسع في الصحراء والمناطق الريفية- سواء كانت جبهة النصرة أم تنظيم «الدولة» – فإن التحالف بين الطرفين يثير قلق الأطراف الخارجية التي ظلت تحذر من صعود الجهاديين وتقول إنها لا تريد استبدال نظام ديكتاتوري بآخر جهادي. وهذه الأطراف لم تقدم للمعارضة ما يساعدها على النصر. ومن هنا فالتطور الأخير وإن كان محاولة من بعض الجهات لتعزيز صورتها إلا أنه يكشف عن نجاعة التحالف مع الجماعات الجهادية والنتائج التي يمكن أن يسفر عنها. خاصة أن خسارة الغوطة الشرقية ستكون ضربة أخرى للمعارضة، فهي من أكثر التجمعات السكانية الخاضة للمعارضة. وفي ذروة الحرب كانت تستطيع حشد قوات كبيرة أكثر من تلك التي صمدت ودافعت عن حلب.

دور الروس

وتظل المعركة على «حدائق دمشق» أو الغوطة رهن الأطراف الخارجية والخطوة المقبلة التي سيتخذها الروس والإيرانيون الذين يقفون وراء الأسد. وفي ظل محاولات موسكو التأثير على منطقة الشرق الأوسط واتخاذ سوريا نقطة انطلاق لها فإن التصريحات عن خطط لإقامة قاعدة عسكرية في عفرين ذات الغالبية الكردية شمال سوريا إشارة للرهان الروسي في سوريا، فموسكو تحاول الإمساك بأوراق اللعبة والتحالف والتعاون مع كل الأطراف- النظام والمعارضة وتركيا والأكراد- والجمع بين كل الأضداد. وقد يصبح الأكراد ورقة ضغط تلوح بها روسيا وبالضرروة أمريكا لإجبار النظام والمعارضة على تقديم تسويات. وفي ظل خسارة تركيا الرهان على منبج والرقة فسترتفع أوراق الأكراد في اللعبة السورية كما هي في اللعبة العراقية اليوم. وفي النهاية تظل المواجهات في دمشق وحماة علامة على أن الحرب مستمرة ولا مخرج لكل اللاعبين منها. فبالنسبة للروس الذين بنوا حساباتهم للتدخل لإنقاذ الأسد ومنع «فيروس» الثورات العربية أو تغيير الأنظمة فلا خطة خروج واضحة من المستنقع السوري. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد أعلن عن أنجاز المهمة أكثر من مرة ليعود ويزيد من قواته وانخراطه. وكما يقول الكسندر شوملين من المعهد الروسي لدراسة الولايات المتحدة وكندا «فلا مخرج يلوح في الأفق» حسبما نقلت عنه مجلة «إيكونوميست» (25/3/2017). وكما تظهر التحركات الإسرائيلية الأخيرة فهناك قلق من وجود إيراني طويل الأمد في سوريا. وكشفت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» (16/3/2017) عن خطط إيرانية لإقامة قاعدة عسكرية على البحر المتوسط. ومع مراوحة الجهود السلمية التي تقودها روسيا مكانها فهي تتعلم مثل الأمريكيين من قبلها أن تحقيق السلم أصعب من الانتصار في الحرب.

القدس العربي»

 

 

 

معركة دمشق منطلقاتها ومآلاتها/ هبة محمد

دمشق ـ «القدس العربي»: وصف المحلل العسكري محمد خير العطار في تصريح خاص لـ«القدس العربي» معركة شرق دمشق بـ «المعركة الناجحة» كونها استغلت عنصر المفاجأة للنظام السوري في الدرجة الأولى، والرأي العام المحلي والدولي، وقال: ان العملية العسكرية التي فجرتها كل من «أحرار الشام وهيئة تحرير الشام وفيلق الشام» نجحت نجاحا كبيرا في كسر وتيرة العمل الجاري منذ ما يقل عن سنة ونصف أو أكثر من ذلك، وكان نجاحها باهرا حيث أنها اختارت الجبهة التي رصد لها النظام أكبر قوة عنده وهو القطاع الشرقي للعاصمة، والتي لم تكن مغلقة يوما، فالنظام استنفر لها كل قدراته واستنفذ فيها غالب طاقاته.

وأضاف العطار ان اختيار هذا القطاع لفتح معركة يعتبر أمرا مهما جدا، لأنها اكتسحت قوة النخبة لدى النظام، ودخلت مناطق لم تدخلها منذ بداية الثورة، ووصلت إلى ساحة العباسيين وشارع فارس الخوري، وشارع العدوي، وبعض الكتل المحيطة بهم.

لمعركة شرق دمشق صدى إيجابي في رأي المحلل العسكري الذي رأى أن المعركة التي لم تزل قائمة، أفهمت الجميع بأن الثورة مستمرة، ولم تزل كاملة في نفوس الثوار، وقوية وقادرة على أن تحدث تغيرا مهما، في أهم الجبهات، وقد أوصلت المعركة رسالتها هذه للداخل والخارج، حيث أضفت ظلالها على مؤتمر جنيف، التي تمثلت بمحاولة الجعفري الضغط على فود المعارضة المفاوض بسبب اتهامه لممثلي الفصائل، بأنها قد شاركت بالعمل العسكري في دمشق وحماة، الأمر الذي يعطي دلالة واضحة بأن الجعفري ومن خلفه نظام بشار الأسد في أزمة حقيقية.

طرق امداد

وقال محمد خير العطار ان استمرار المعركة يتعلق بأمور عدة، قد لا نحيط بها كاملة، فالقدرات القتالية للفصائل المشاركة، ومخزونها المادي، من مواد اغاثية وذخيرة وأسلحة، وتوفر طرق امداد، والمعنويات العالية لدى مقاتليها، كل هذا يؤثر على مدى استمرارية المعركة، ومن جهة أخرى فإن حالة الهلع التي ظهرت على جنود النظام، والحالة المعنوية لقواته، ومقدرته على زج فصائل أخرى في المعركة، كلها عوامل تؤثر على مدى استمرار المعركة لفترة طويلة.

وعن غياب أكبر فصائل المعارضة المسلحة في العاصمة وريفها عن معركة دمشق، قال المحلل العسكري، إن غياب جيش الإسلام له تأثير كبير من الناحية المادية والمعنوية على الفصائل المشتركة، فجيش الإسلام هو القوة الأكبر عددا في تلك المنطقة، والأكثر تسليحا، وغيابه على المعركة قد يكون له تأثير سلبي واضح.

أما الأهم تأثيرا في توازن المعركة هو غياب الغوطة الغربية عن هذه المعركة، فغياب داريا ومعضمية الشام، الخاصرة الغربية لدمشق، كان لها الأثر السلبي الواضح، اذ أنهما كانتا المرشحتين للفزعة وتشتيت قوات النظام في مثل هذه معركة.

وقال الناشط الميداني فارس عبد الرحيم لـ «القدس العربي»: ما تعيشه العاصمة السورية، دمشق اليوم من تشديد أمني وحظر تجوال، لم يمر عليها منذ أعوام، فخرق المعارضة السورية المسلحة لخطوط الأسد النارية المحيطة بدمشق، جعل الأسد في موقف محرج أمام الحليفين الروسي والإيراني.

وأضاف، المخابرات السورية ضاعفت أعمال الاعتقال والقبضة الأمنية على غالبية أحياء العاصمة دمشق، وخاصة تلك المتصلة منها بشرقي العاصمة ووسط دمشق، كما أكد المصدر ان النظام السوري والميليشيات العراقية وحزب الله ضاعفوا جميعهم أعداد الحواجز العسكرية في عموم دمشق، بهدف تقطيع أوصال دمشق وفرزها إلى قطاعات عسكرية وأمنية لتسهيل مشروع السيطرة والقبضة الأمنية عليها.

ميليشيات شيعية تدخل حلبة المعارك

وأضاف فارس عبد الرحيم «عجز الفرقة الرابعة التي يقودها العميد ماهر الأسد شقيق بشار الأسد، وكذلك فشل قوات الحرس الجمهوري في رأب الصدع، أدى لتدخل مباشر من قبل الميليشيات الطائفية العراقية إلى حلبة المعارك».

واستطرد، ان ساحة العباسيين المطلة على منطقة المواجهات وكذلك الطرق المؤدية إلى حي جوبر دمشقي الذي انطلقت منه المعارضة المسلحة، جميعها نقاط عسكرية تخضع للسيطرة المباشرة لميليشيات حزب الله اللبناني، ولواء أبو الفضل العباس العراقي، وحركة النجباء التابعة للحشد الشعبي العراقي بالإضافة إلى ميليشيا لواء «الأمام الحسين» العراقي.

بدورها، أكدت قاعدة حميميم العسكرية الروسية الواقعة على الشريط الساحلي السوري (القاعدة الروسية) عبر قناتها الرسمية في تطبيق «تلغرام» إن معارك العاصمة دمشق تشهد مشاركة قوات عسكرية حليفة للنظام السوري غالبيتها من العراق في صد الهجمات.

وأشادت القاعدة الروسية بتلك القوات فقالت «هذه القوات تمتلك خبرات عالية في مكافحة الإرهاب» فيما أكدت مصادر إعلامية متنوعة مشاركة الطائرات الحربية الروسية في قصف المواقع التي سيطرت عليها المعارضة السورية شرقي دمشق، وخاصة كراجات العباسيين الذي له الأهمية الجغرافية الكبيرة.

 

 

لماذا تبدو فرص المعارضة محدودة في تحقيق تقدم في ريف دمشق؟/ وائل عصام

قادت هيئة تحرير الشام مع حلفائها هجومين على قوات النظام في ريفي حماة ودمشق، وكان من الممكن ومنذ البداية توقع محدودية تأثير تلك الهجمات على مراكز سلطة النظام في مدينتي حماة ودمشق بالنظر لعدة عوامل ظلت تتحكم في مديات وفرص المعارضة المسلحة على مدى سنوات النزاع المسلح الخمس الماضية. لكن الملفت ان هجوم ريف دمشق في جوبر، القابون على تخوم ساحة العباسيين التي لم تتمكن المعارضة المسلحة من السيطرة عليها ولا مرة في السنوات الماضية، هذا الهجوم تم اجهاضه بصورة أسرع مما كان متوقعا، ولعل ذلك يرجع لعدة اعتبارات، منها ان جيش الإسلام أكبر فصائل الغوطة في دوما (وان عدديا) لم يشارك في العملية، بل انه لم يكن يعلم بها حسبما صرح، ليقود العملية منافسه في الريف الشرقي فيلق الرحمن والنصرة باسمها الجديد للمرة الثالثة «تحرير الشام». ورغم ان تحالف النصرة في سوريا المشكل من مجموعات جهادية في الغالب، بات هو القوة العسكرية الأكثر تنظيما وتأثيرا في العمليات ضد النظام في العامين الأخيرين، إلا انه لا يملك امكانيات كبيرة لتنظيم هجوم فعال بريف دمشق كتلك التي يملكها في جيب ادلب وريف حماة، فهو لا يملك هيمنة على فصائل ساحة الريف الدمشقي الشرقية بوجود جيش الإسلام الذي يرتبط معه بعلاقة طالما كانت مأزومة مع النصرة والجهاديين، فكريا وتنظيميا، والأمر نفسه مع باقي فصائل الغوطة المتنازعة فيما بينها كجيش الامة الذي اعـــدم قائده بسجون جيش الإسلام قبل ان يتلاشى.

وبسبب هذه الخريطة المشتبكة لفصائل الريف الدمشقي التي تتوزع فيها السيطرة على المناطق كالاقطاعيات تبدو فرص تكوين جسد عسكري يفكر برأس واحد في الغوطة مستحيلة، وهكذا فان وضعا فوضويا كهذا ظل ينهك قوى المعارضة بسوريا على مدى خمس سنوات لا يمكن ان ينتج قوة عسكرية مؤهلة لمواجهة النظام وحلفائه من الميليشيات الذين ينتظمون في النهاية في مرجعية قرار عسكري وسياسي واحدة.

الأمر الثاني يذهب بالخريطة الفوضوية السابقة نفسها لكن على المستوى السياسي وليس فقط العسكري، فبينما تصر المجموعات الجهادية على خيار المواجهة المسلحة فان مجموعات الجيش الحر المحدودة التأثير اجمالا في مناطق المعارضة، انخرطت في طريق التسوية السلمية ووصلت لمرحلة تسليم مناطق كاملة بالريف الدمشقي للنظام ضمن تسويات بعد الحصار، فالخيار العسكري لم يعد مرجحا لدى فصائل مرتبطة بحكومات الدعم العربية ومنها جيش الإسلام، وهو فصيل يقود ممثله فريق التفاوض المتواضع مع النظام في جنيف، وسبق للدولة الداعمة الأساسية لجيش الإسلام وهي السعودية ان أعلنت على لسان وزير خارجيتها الجبير انهم يقبلون ببقاء مؤسسات الدولة السورية وبضمنها الجيش الحكومي، وتركيا التي ترتبط بعلاقة وطيدة ببعض فصائل الحر والفصائل الإسلاموية ومنها جيش الإسلام بالتنسيق مع الولايات المتحدة، أعلنت على لسان وزير خارجيتها موقفا يعطي شرعية واضحة لقوات النظام، انها لا تمانع في سيطرة جيش النظام على الأراضي السورية ومنها منبج، فكيف يمكن تصور ان فصيلا منخرطا في هكذا مشروع تسوية سيكون متحمسا ومهيئا لمواجهة عسكرية جادة مع النظام وهو يسيطر على مقدرات أكبر كتلة سكانية للمعارضة على تخوم دمشق؟

لقد أدى الانخراط في مشروع التسوية مع النظام، ان كان من خلال الدول العربية أو التواصل مباشرة مع النظام، إلى ان يصبح هذا الجيب في الريف الدمشقي في حال أشبه بالهدنة، وهكذا فانه لا يمكن ان تكون العاصمة دمشق مهددة فعلا بوجود هكذا قوى مسلحة لم تعد تؤمن كثيرا بلغة السلاح، وهي اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام والتي ما زال يتحدث بها الأسد في المفاوضات، ولا يمكن توقع تحقيق شيء يذكر من شن هجمات «موسمية» كل عام أو نصف عام على قوات النظام المرتاح نسبيا في دمشق، والقول انها ستهدد فجأة قصر الأسد في العاصمة دمشق الأكثر تحصينا، بينما دلت أمثلة أخرى انه ورغم سيطرة فصائل أكثر قوة وتنظيما على نصف حلب المدينة فإنها عجزت عن السيطرة على فرع أمني واحد داخل مركز المدينة رغم معارك استمرت سنوات، ورغم السيطرة على معظم الريف المحيط بالمدينة، لان النظام كان ينظر لهذا المحيط الريفي في النهاية كمصدات دفاعية عن مراكز السيادة في المدن، وهو لا يملك قدرة عددية ولوجستية على تغطية الأرياف فيركز على عواصم المحافظات الأكثر رمزية لبقاء سلطته.

تقلص مناطق سيطرة المعارضة

الأمر الآخر الذي يفسر صعوبة تنفيذ هجوم مؤثر ضد النظام في دمشق من الريف، ان العامين الأخيرين شهدا ضمورا وتقلصا في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في ريف دمشق، وآخرها كان المعضمية وداريا في الريف الغربي وهما تحملان رمزية كبيرة للمعارضة، ومع انحسار مساحة الحركة ضمن الريف وانقطاع خطوط الامداد تصبح فرص تنسيق هجوم كبير ومؤثر ضد دمشق محدودة، حتى لو افترضنا ان هناك جسدا عسكريا موحدا وكفوءا، فلا يمكن تصور ان مناطق محاصرة تماما يعيش سكانها في وضع خانق، مقطوعة خطوط الامداد تماما يمكن ان تشكل أرضا داعمة لهجوم جدي يشكل تهديدا على قوات النظام التي تتمتع بفضاء جغرافي واسع من الحركة والامداد. ومجرد النظر لخريطة دمشق ومحيطها، نجد ان مناطق المعارضة المتبقية في الغوطة شرق دمشق تكاد تكون جزيرة صغيرة في بحر يحيطها بالكامل من قوات النظام، ومن الصعب ان تتمكن نقطة صغيرة من تشكيل موجة غارقة، بعد خمس سنوات تخللتها فرص مواتية لشن هجمات مؤثرة عندما كانت مناطق سيطرة النظام في دمشق هي من تبدو كجزيرة وسط بحر الريف المحرر.

القدس العربي

 

 

 

قدرات النظام السوري والمعارضة على فتح جبهات متعددة/ رائد الحامد

ركزّت الاستراتيجيات القتالية لقوات النظام السوري والقوات الحليفة على تقليل الجبهات القتالية إلى حدها الأدنى نتيجة النقص الحاد في أعداد المجندين في صفوفه واتساع رقعة القتال وتعدد الجبهات وتباعدها. ويعتمد النظام في الإبقاء على مجموعات مسلحة شبه عسكرية، قوات الدفاع الوطني والميليشيات الشيعية، في مناطق متدنية الأهمية لاستراتيجيات قيادات النظام والمستشارين الروس والإيرانيين على صعيد الجغرافية الحيوية أو الأهمية العسكرية.

واستفاد النظام كثيراً من اتفاقيات الهدنة والمصالحات المناطقية في ريف دمشق لتفريغها من المسلحين تحت مسمى «تسوية أوضاع المسلحين» والتي بموجبها يتم سحب أسلحتهم وتهجيرهم إلى محافظات أخرى لتخفيف المخاطر والحد من التهديدات التي يُمكن أن تتعرض لها العاصمة دمشق، مركز الحكم. كما أنّ هذه التسويات تعني انتهاء العمليات القتالية والتي تُتيح الفرصة للنظام لترشيد استخدام العنصر البشري والمناورة بقواته في الجبهات الأخرى.

في مقابل ذلك، يمكن لفصائل المعارضة المسلحة العمل على أكثر من جبهةٍ قتاليةٍ في وقتٍ واحد لإرباك قوات النظام الذي يتعذر عليه القتال على جبهات متعددة بكفاءة مقاربة لقتاله في جبهة واحدة أو جبهتين إثنتين.

وأشارت تقارير إلى انتقال فوج المغاوير وعدد من وحدات الفيلق الخامس من محور تدمر، وانتقال قوات النمر من ريف حلب الشرقي إلى جبهة ريف حماة التي فتحتها المعارضة المسلحة بعد يومين من معركة دمشق وسيطرت على بلدة وعدة قرى وعشرات النقاط والحواجز، كما اضطرات قوات النظام إلى سحب لواء الجولان من محور معارك تدمر إلى محور معارك حي جوبر في دمشق.

هناك ثمّة جبهات متعددة يمكن للمعارضة المسلحة فتحها في توقيت واحد أثبتت الأحداث الأخيرة إمكانية ذلك خلافا لما كان شائعا بافتقار المعارضة المسلحة للقدرات العددية والتسليحية لفتح أكثر من جبهة.

وتتوزع قوات المعارضة على جغرافيات واسعة تشمل معظم خطوط التماس مع قوات النظام في مناطق سيطرته، فيما يتركز معظم الجهد القتالي لقوات النظام على جبهات ريفي درعا الشرقي والغربي والغوطة الشرقية في حرستا وحزرما، وعلى جبهات الساحل والقلمونين الشرقي والغربي، إضافة إلى جبهة بلدة تادف شرق مدينة الباب شمال حلب.

تُشير وقائع السنوات الأخيرة من الصراع السوري المسلح إلى عجز واضح لدى قوات النظام في القتال على أكثر من جبهة قتالية واسعة في الوقت نفسه، لكنّ التدخل العسكري الروسي في صيف 2015 أعطى لقوات النظام فرصة لتجديد حيوية قواته التي كانت على وشك الانهيار، وفقاً لتصريحات أدلى بها الرئيس السوري بشار الأسد في تموز/يوليو2015 قال فيها «أن الجيش السوري قد تعبْ». كما شهدت الساحة السورية نشاطات لمجموعات شيعية مسلحة وفدت إليها من العراق ولبنان وأفغانستان، ومن إيران أيضاً بصفة مستشارين في الحرس الثوري.

ومُنذ التدخل العسكري الروسي اعتمد النظام استراتيجية إعادة إخضاع المناطق حول العاصمة إلى سيطرته، وقد حقق نجاحات متواصلة بدءا من بلدات سحم ويلدا وغيرهما جنوب العاصمة وداريا والمعضمية ووادي بردى في الغوطة الغربية مروراً بالهامة وقدسيا ومنطقة التل وصولا إلى الغوطة الشرقية التي ظلت تنفرد باشتباكات متواصلة ضمن حدود الدفاع عن المناطق وسكانها، وقد زادت مساحات سيطرة قوات النظام في مناطق ريف دمشق ولم تخسر أي مساحة معتبرة طيلة نحو عامين.

هشاشة دفاعات النظام

في المعايير العسكرية، أفصحت المعارك في شرق العاصمة عن هشاشة دفاعات وتحصينات النظام التي انهارت بشكل غير متوقع خلال الساعات الأولى للعملية العسكرية قبل أن تستعيد هذه القوات توازنها ثانية بجلب تعزيزات إضافية وتدخل الطيران الحربي، لكنّ معركة دمشق قد لا تعني الكثير في استراتيجيات النظام لتأمين محيط العاصمة وتحصينها وإبعاد المعارضة المسلحة عنه وإجراء تغييرات في التركيبة السكانية، باستثناء إعادة النظر في أولويات المناطق التي يستعيد النظام سيطرته عليها وفقاً لحسابات خاصة تتعلق بحجم القوات المدافعة عنها، واستعداد الفصائل والشخصيات الفاعلة للمصالحة مع النظام الذي يستخدم القوة المفرطة في إرغامهم على القبول بالهدن والمصالحات.

نهاية شباط/فبراير سيطرت وحدات من الجيش السوري على الأجزاء الشمالية والشمالية الغربية من مزارع حي القابون، شمال شرقي العاصمة، مع غارات مكثفة استهدفت الأحياء السكنية في الحي المتاخم لحي برزة الذي يخضع هو الآخر لسيطرة المعارضة المسلحة التي رفضت مهلة زمنية حددها الجيش لتسوية أوضاع المسلحين، كما حدث قبل أسابيع في منطقة التل القريبة من حي برزة والتي وافقت الفصائل على إخراج المسلحين والقبول بالمصالحة مع النظام.

واستهدفت قوات النظام من خلال هجومها على مزارع حي القابون السيطرة على كامل حيي القابون وبرزة لربط الأطراف الشمالية الشرقية للعاصمة مع الغوطة الشرقية، لكنها فشلت في تحقيق هدفها واكتفت بسيطرتها على بعض الأجزاء التي تحوي مداخل ومخارج الأنفاق التي تربط حي القابون مع حي جوبر لتضييق الحصار وإرغام الفصائل على القبول بالتسوية مع النظام وتسليم أسلحتهم ومغادرتهم إلى محافظات أخرى، وهي استراتيجية ناجحة طبقها النظام في عشرات المناطق بريف دمشق.

ما لم تواصل المعارضة المسلحة معركتها المتداخلة الهجومية الدفاعية في محيط دمشق بما لا يعطي أيّ فرصة لقوات النظام لإعادة ترتيب صفوفها ثانية بعد حالة الإرباك التي أصابتها، فمن المؤكد أن النظام سيقوم بصياغة أولويات زمنية تعطي الأسبقية لإدخال الغوطة الشرقية في المدى القريب ضمن استراتيجياته لاستعادة السيطرة عليها في إطار استراتيجية أشمل لاستعادة السيطرة على كامل جغرافية الأراضي السورية؛ ولتحقيق ذلك قد يستعين بالطيران الحربي الروسي أو القاذفات الاستراتيجية في مرحلة لاحقة تتوقف على قدرة المعارضة المسلحة في مواجهة النظام والدفاع عن مناطقهم، خاصة ان هذه المعركة رسمت خطوط تماس جديدة وضعت مركز الحكم في دائرة التهديد.

قياساً إلى معارك سابقة مماثلة في حلب ودرعا وحماة وغيرها، يبدو من الصعوبة بمكان التكهن باستمرار قتال الفصائل لفترات زمنية لاحقة بشكل متواصل، سواء في جبهة حماة أو جبهة دمشق التي افتتحتها هيئة تحرير الشام في 19 آذار/مارس بتفجير سيارتين مفخختين على مراكز القيادة والسيطرة لقوات النظام في حي جوبر، شرق مركز العاصمة، مع هجوم لعدد من «الانغماسين» على مواقع أخرى هاجــمــتـها مجمــوعات مسلحة من فيلق الرحمن، أحد أهم فصائل المعارضة المسلحة في الغوطة الشرقية.

سيبقى السؤال الأكبر، هل سيكون مصير الأحياء الشرقية للعاصمة دمشق شبيها لمصير مدن وبلدات مثل حلب وغيرها تؤول بعد معارك كبرى إلى إعادة سيطرة قوات النظام على تلك الأحياء وإرغام المسلحين والسكان المؤيدين للثورة على النزوح منها بدعم روسي إيراني مشترك، ولا مبالاة دول إقليمية مثل تركيا وأخرى عربية معنية بالأزمة السورية، ومباركة أوروبية أمريكية غير معلنة يمكن استشعارها من موقف الصمت حيال أزماتٍ سورية مشابهة؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...