الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سمير العيطة / عودة إلى المربّع الأوّل/ سمير العيطة

عودة إلى المربّع الأوّل/ سمير العيطة

في صيف 2011 وبعد أن انتفضت أغلب أنحاء سوريا نصرة لدرعا وحوران نادت السلطة القائمة في سوريا إلى حوار وطنيّ، في الوقت الذي كان تعمل فيه على إخماد الثورة وزجّ الجيش والأجهزة الأمنيّة في قمعٍ دامٍ، عبر تبنّي الحلّ العسكري الأمني. في المقابل، وبالتزامن مع ذلك، بدأت بعض أطياف المعارضة بالتجمّع في ما سيغدو المجلس الوطني، الذي نادى بقرارٍ من مجلس الأمن لحماية المدنيين، أي بتدخّل خارجيّ.

كان السؤال حينها: كيف يُمكن لحوار سياسيّ وطنيّ أن يقوم في ظلّ البنادق والدبّابات ومن دون أن تكون سلطة القرار القائمة مساهمة مباشرة فيه؟ وكيف يُمكن لثورة وطنيّة أن تحقّق طموحاتها في ظلّ تدخّل عسكريّ خارجيّ؟ في مثل ذلك السياق ظلت مقرّرات الحوار حبراً على ورق، ونشأت معارضة سياسية في منظور احتلال موقع الممثّل الوحيد للشعب بدل الانخراط في جهد توحيد القوى لمقاومة الاستبداد.

اليوم وبعد ثلاثة أعوام من انتفاضة شعبيّة تحوّلت ببعض وجوهها إلى حربٍ أهليّة دمّرت البلد وأدّت إلى مقتل مئتي ألف سوريّ وجرح أضعاف ذلك وتشريد الملايين، الذين اضطرّ بعضهم للتسوّل وصولاً إلى موريتانيا وإفريقيا، وبعد فشل جولتي تفاوض في جنيف، استمرّت السلطة في الحلّ العسكريّ الأمنيّ كحلٍّ وحيد، وعاد مفاوضو الائتلاف منتشين بانتصارهم الإعلاميّ يطالبون بالذهاب إلى مجلس الأمن. وكأنّ شيئاً لم يكن.

اللافت في هذا كلّه أنّه يأتي، برغم تغيّرات كبرى حصلت سواء في تركيبة السلطة القائمة المدعومة إيرانيّاً وروسيّاً، واغتيال قادة كبار في خليّة الأزمة، أو تغيّرات في تركيبة جسم المعارضة المدعوم خليجيّاً وغربيّاً، بعد فشل المجلس الوطنيّ وخلق الائتلاف وتوسعته، وكذلك بالرغم من قبول الطرفين بوثيقة «جنيف 1» التي تقضي بتوافقهما على سلطة انتقالية، لا نقل السلطة من أحدهما إلى الآخر.

ما لم يتغيّر بشكلٍ جوهريّ حتّى الآن هو بالتحديد موقف الدول الداعمة لكلا الطرفين، مع فارق أساسيّ بين الشهور الأولى للثورة واليوم، هو في حجم ووتيرة القتل والخراب والفوضى، وانتشار السلاح بأيدي الجميع، وانخراط مقاتلين أجانب على مختلف جبهات النزاع السوري الدموي المدمّر، وبروز تنظيمات جهاديّة متطرّفة يُقال الكثير عن ولاءاتها المتباينة وعن الأهداف التي تخدمها!

المنطقان المتناقضان ما زالا لم يعترفا حتّى الآن أنّه لن يسمح لأحدهما أن ينتصر على الآخر، وكلّ ما سيتمّكنان أخذ سوريا إليه هو الثنائية القائمة في بلدٍ مثل لبنان بين فريقين يفرض عليهما التوافق مرحليّاً، في حين سيبقيان كلاهما عاجزين عن إنقاذ بلدهما من انفصام المواطنة وضعف الدولة اللذين أخذت إليهما الحرب الأهليّة، في ظلّ انفلات أمنيّ لا أحد يعرف من يحرّك إرهابييه. وأيّة تسوية، حتّى لو انتهت إلى وقف القتال وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ستُبقي البلاد خارج معادلات التقدّم والحرية والسيادة.

لقد ترسّخ المنطقان في الأذهان. مع ذلك يبقى السؤال مطروحاً عن منطقٍ ثالث يتبنّى، ويدافع عما هو حيويّ ولا بدّ من صيانته في ما يدّعي الطرفان تمثيله: السيادة من ناحية، والحرية والكرامة من ناحية أخرى.

بالتأكيد ليس سهلاً أن يظهر هذا المنطق الآخر بقوّة، مع أنّه القاسم المشترك الأكبر بين أغلبيّة السوريين، مثل ما هو موقفهم من مكافحة الإرهاب، إرهاب الدولة وميليشياتها، كما إرهاب التنظيمات المتطرّفة. الصعوبة هي في الإمكانيّات وفي صيرورة التطوّرات الإقليميّة والدوليّة. ذلك أنّ المنطقين السائدين وراءهما دول وأموال وسلاح وأجهزة أمن ووسائل إعلام كبيرة تشّوه كلّ ما هو حيويّ وأساسيّ للخلاص.

ليس في عهدة المنطق الثالث سوى عهد مواطنة وحسّ فطريّ وطنيّ لسوريين ينتمون إلى مذهبيّات وقوميّات واتجاهات ايديولوجيّة متعدّدة، لكن يضمّهم مجتمع وحلم بمواطنة واحدة منفتحة متعدّدة ذات هويّة راسخة في الواقع والتاريخ.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...