الرئيسية / صفحات الثقافة / عودي يا أيتها اللحظات/ لقمان ديركي

عودي يا أيتها اللحظات/ لقمان ديركي

 

 

 

عودي يا أيتها اللحظات الغابرة عودي. قولي لنا أن ما جرى منام.

عودي يا أيتها اللحظات الغابرة عودي. عودي لكي نعاينكِ لحظة لحظة. لم نهتم لأمرك وقتها. لم نعرف قدرك في تلك اللحظات. عودي يا أيتها اللحظات.

عودي لكي نعيشك كما كان يجب. كي نمنحكِ حق حصولنا عليكِ. كي نلمسكِ ونتذوقكِ ونلوككِ ونتلمظ بطعمك ونبتلعك ببطء عارفين أنكِ لن تكوني لنا في قادم اللحظات.

عودي يا أيتها اللحظات القديمة عودي. عودي كي نعيشكِ دون الخوف المعشش فينا. دون ذلك الفيروس المتجول في قلوبنا وأرواحنا وأذهاننا. عودي كي نقول لمن سيأتي من بعدنا بأننا عشناكِ. كي نقوم بوصفكِ كما يليق أمام الغرباء.

عودي لنعاينكِ جيداً. لنعيشكِ بأقل قدر من الحذر والأخطاء. كنا مبتدئين في الحياة. وممنوعين من العيش. وحالما عرفنا كيف نعيش عرفنا أيضاً أنكِ لن تعودي. عودي بكامل قسوتكِ. بصعوبة الحصول عليكِ ذاتها. عودي كما كنا نسرقك وقتها. كما كنا نقتلعكِ من براثن الضواري. كما كنا نقتنصك في غفلة من الحراس. عودي يا أيتها اللحظات.

عودي لنخلطكِ جيداً مع شوارع المدينة. لنعيشكِ في الأروقة التي كانت. لنحتضنكِ تحت شمس كانت. لنعانقك في ليل الشام.

عودي يا أيتها اللحظات عودي. كي نفتقدكِ بجدارة الآن. كي نشعر بألم الفراق حقاً. كي نتحدث بطلاقة عنكِ. كي نرسمك بوضوح دونما غبش على الزجاج. كي نظهركِ بكامل ألوانك وملامحكِ. كي نحدد ملامحكِ دونما ارتباك ناسين وضع الإطار.

عودي يا أيتها اللحظات. عودي كعاصفة تقتلعنا من هذا الزمان إلى ذاك المكان. وترمينا كلٌّ إلى عنوان. لنرى إذا ما كان شارع العابد ما زال يصل إلى السبع بحرات. وأن الصالحية ما زالت تودي إلى فندق الشام.

عودي يا أيتها اللحظات الغابرة عودي. عودي بنا للحظات. دونما صدمات. قولي لنا أن ما جرى منام. وأن الحياة ما هي إلا لحظات.

وها نحن مع لحظات جديدة الآن. ها نحن في قلب الزمان. لكن بلا مكان. بلا حنين إلى ما قد نصل ونراه. بلا أشواق إلى ما فقدنا. بلا أمل أن نراه كما كان. فعودي يا أيتها اللحظات عودي.

لا مكان تتوق إليه يا أيها الإنسان. لا مكان كنتَ ذات يوم بين أجنابه تمشي وتهيم وتنظر حولك يميناً أو شمال. فترى فتاتك على النافذة تحادث الجوار. لا مكان إليه تعودين. ومن بيتك تخرجين فتلمحين شاباً تيبس على زوايا انتظاره العمياء. يرمي بنظراته خبط عشواء. لا مكان تعود إليه فتلمس جدرانه الصماء. وتدعس برفق على أحجاره السوداء. فعلامَ تعود اللحظات بك إلى ذاك المكان؟!

لم يعد العنوان موجوداً. لم يعد الوصول إليه ممكناً. لم يعد العنوان فيه يصل إلى عنوان. وصار لقاء الإنسان بالإنسان فيه صدفة من صدفات المكان. ملمس الرحم الذي طُرِدتَ منه لم يعد كما كان. صار مستحيلاً الآن.

المدن

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...