الرئيسية / صفحات الرأي / غربة الكاتب العربيّ لحليم بركات… تأثيرات المنفى والهجرة

غربة الكاتب العربيّ لحليم بركات… تأثيرات المنفى والهجرة


عبدالله أحمد

صدر أخيراً عن «دار الساقي» كتاب «غربة الكاتب العربي» للمؤلف والكاتب حليم بركات، ويتضمن مجموعة مقالات ثقافية حول عدد من أصدقاء الكاتب الأدباء وأعمالهم الروائية والشعرية والفنون الأخرى… نظرة اليها.

يقدم حليم بركات تعريفه للثقافة، فيعتبر أنها رؤى الحياة والكون وتصوراتها، وأساليب العمل المفضلة، والقيم، والإبداعات أو الفنون الأدبية، والفنون التشكيلية، والموسيقى والغناء والرقص، وغيرها، وثمة ما يسمى الثقافة السائدة، والثقافة النقدية المضادة، والثقافة التوفيقية. وثمة أيضاً ما هو ظاهر للعيان وما هو خفي، وما هو اتباع وما هو ابداع، وما هو عقلاني وما هو عاطفي.

يتبين ذلك كله من موضوعات هذا الكتاب المتنوعة بين الشعر كما يتمثل بأدونيس، والفكر كما يتمثل بهشام شرابي وإدوارد سعيد، والرواية كما تتمثل بجبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف والطيب صالح، وجبران خليل جبران الذي يجمع بين فنون مختلفة، وسعد الله ونوس المشرحي، ومروان قصاب باشي الرسام. كذلك يعنى الكتاب بتأثيرات العيش في المنفى كما في الوطن، والانتماء الطبقي، وهيمنة الدولة، وتوجهات الزمن بين المستقبلي والآني والسلفي.

يلفت حليم بركات إلى أن الهجرة تؤمن للإنسان الملتزم بقضايا مجتمعه تلك المسافة الضرورية التي يرى منها مجتمعه الأصلي بشموليته، فيتأمله متحرراً من أشكال الرقابة المباشرة. هذا البعد هو بمثابة التأمل الباطني بعد زمن طويل من الاندماج الكلي والغرق في متاهات التفاصيل والجزئيات والمخاوف التي يستبطنها الإنسان فتتحول إلى رقابة محبطة. وبكلام أدق، بقدر ما توفر الهجرة للإنسان مجالات العزلة والتحرر، تساهم في تشكيل المناخ الضروري لحصول الإبداع. وما دامت الهجرة كثيراً ما تتيح للمفكر الملتزم بقضايا مجتمعه مجالاً للتأمل وتوفر له أسباب التحرر من رقابة الثقافة المهيمنة وضغوطها، فإنها تمثل عامل إبداع. ومما يغني تجربة الهجرة ذلك الإحساس العميق بالنفي عن الوطن والحنين إليه وإبقاء صلة مكثفة معه، فالمبدع لا يستطيع أن يبتعد عن مصادر فكره، عن المجتمع وأحداثه وقضاياه، عن الناس الذين نكتب عنهم واليهم، عن المشاركة في التجارب والمعاناة. وكي تكون الهجرة عامل ابداع، لا بد من أن يظل المهاجر على صلة متعمقة بما في ذلك العودة بين الحين والآخر إن أمكن. أما حين تتحول الهجرة إلى انفصال دائم فإنها تعوق الإبداع، إذ لا يكون الإبداع خارج الصراع بل في صميمه.

المهاجر

هنا يميز الكاتب بين المهاجر الذي يندمج في مجتمعه الجديد والمهاجر الذي يحتفظ بمسافاته وانتماءاته. تكون الهجرة عامل إبداع حين يقيم المفكر صلة متعمقة مع مجتمعه والمجتمع الذي هاجر اليه مع إصرار على انتمائه الأصيل فيفكر من منظوره ويدافع عن قضاياه ويعيش معاناته. أما حين يتم الاقتلاع والاندماج في المجتمع الجديد، فيصبح المهاجر غالباً اتباعياً يقلد هذا المجتمع تقليداً حرفياً بفعل الخوف من أن يبدو مختلفاً.

ويتساءل المؤلف، هل يمكن للمفكر أن يجمع في الهجرة بين العزلة والتحرر من ناحية والمشاركة والانتماء ووحدة المعاناة من ناحية أخرى؟ بكلام آخر، هل يمكن الجمع بين الانفصال والاتصال، الغياب والحضور، البعد والقرب، الخارج والداخل، العزلة والانتماء؟ ويجيب الكاتب بالإيجاب، إذ تدلنا تجارب الهجرة التي اختبرها المفكرون العرب في أواخر القرن التاسع عشر والتي يختبرونها في الوقت الحاضر إلى أن بعض المهاجرين، من أمثال جبران خليل جبران وأمين الريحاني، كان أكثر صلة بالوطن من كثير من مفكرين آخرين لم يبرحوه بتاتاً. ونعرف أن الدور الريادي الإبداعي الذي قام به هؤلاء لم يكن صدفة، بل جاء نتيجة للهجرة والاتصال بالواقع العربي والحضارات الأخرى. كذلك ثمة معضلة أخرى، وهي أن الأنظمة التي أسهمت في هجرة المفكر حين فرضت عليه الاختيار بين التعاون بالخضوع أو الصمت أو الرحيل تحاول في الوقت الحاضر اللحاق بالمفكرين العرب في المهجر، وتستجلبهم بالترغيب هذه المرة فتنشئ لهم الصحف والمجلات والنوادي الثقافية ودور النشر والمعاهد. لكن ستبقى هناك نواة من المبدعين في الداخل والخارج تحمل الهاجس العربي بالتجدد وصنع المستقبل.

لغة

يشير المؤلف إلى أن ثمة نقاشاً حول هوية الكتابة بلغة أجنبية، وإلى من يكتب الكاتب وبأية مخيلة، وما هو دور هذه الكتابة ومكانها في التراث الثقافي؟ فيرى أن الكتابة بلغة أجنبية إلى كتاب عرب على صلة وثيقة وعميقة بالواقع العربي وتنبع كتاباتهم من الوعي واللاوعي الجماعي العربي ومن المخيلة العربية، هي إبداعات عربية. فكتابات محمد ديب وياسين وعبد الكبير الخطيبي والطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي ورشيد بوجدرة وعبد الوهاب المؤدب وغيرهم هي إبداعات عربية. وفي ما يتعلق بالأطروحة الرئيسة التي تتناولها هذه الدراسة، نجد أن الكتابة بلغة أجنبية تعطي هؤلاء كثيراً من الحرية في نقد المقدسات العربية وقد يكون من الصعب جداً أن يمارسوا مثل هذا النقد لو كتبوا بالعربية. ومن الغريب أن القارئ قد يتحمل نقد مجتمعه وثقافته باللغة الأجنبية أكثر مما يتحملها باللغة العربية.

هوية ثقافية

أما عن أسس المواجهة بين الشرق والغرب وما يمكن قوله عن الهوية الثقافية العربية وعلاقاتها بالثقافة الغربية، فيعتقد المؤلف بأنه مع أصدقائه المثقفين منفيون أو كثيراً ما يكون نفيهم نتيجة لالتزامهم بالقضايا العربية وارتباطهم بالمصير العربي ارتباطاً عضوياً. لذا لا يتكلم بركات من موقع محايد، ولا يمكن أن يكون كذلك ما دام يملك رؤية ويصارع صراعاً مزدوجاً ضد الثقافة العربية السائدة، وهي ثقافة قمعية، وضد الثقافة الغربية المهيمنة، وهي ثقافة مرتبطة بنظام رأسمالي عالمي يشوه المستغل والمستغَل معاً. ويرى حليم بركات أن أهم ما يمكن تحقيقه هو تجديد الالتزام بالقضايا العربية الأساسية من خلال عمليتي النقد الذاتي والمواجهة كجزء لا يتجزأ من نقد الآخر ومواجهته. فما دامت الثقافة العربية التقدمية الثورية في أزمة شأنها شأن الثقافة السائدة القمعية، ونعاني وجوداً هامشياً في كل من المجتمع العربي والمجتمعات الغربية المعادية، فيعتقد بركات بأننا نبالغ حين نتوقع أن يكون هذا اللقاء العربي- العربي في باريس منطلقاً للقاء عربي- غربي نطرح فيه الأسس التي قد تتيح نشوء حوار خلاق ومتكافئ بين الثقافتين العربية والغربية.

حسب بركات، فإن الكاتب الثوري هو الذي يشارك الكاتب الملتزم في اهتمامه بالقضايا السياسية العامة، كذلك يشارك المتمرد في نزعاته نحو نقد المجتمع ورفض التدجين والاتجاه نحو المستقبل والكتابة بلغة جديدة والاهتمام بالقضايا الميتافيزيقية. ذلك كله لا يمنعه من إقامة علاقة مشاركة مع السلطة. ولا بد من التأكيد على صعوبة إقامة مثل هذه العلاقة. فاهتمام الكاتب بالسياسة يفترض احتمال وقوع خلاف في الرأي مع السلطة. غير أن علاقة المشاركة المثلى بين الكاتب والسلطة لا تنكر الخلاف في الرأي، بل تؤكده لأجل قيام حوار حقيقي ينشأ عنه تبلور للأهداف والقيم والسبل التي يجب أن يتبعها المجتمع، كذلك تنشأ عنه مناعة ضد الجمود والتحجر ومقدرة على استيعاب الحقائق الجديدة والاستمرار بالنمو والتحرك بحرية. وعندما لا تتسامح الدولة بوجود خلاف في الرأي فتحاول الحد من حرية الكاتب، تتحول علاقة المشاركة إلى علاقة اضطهاد أو وصاية. في مثل هذه الحالة، يرفض الكاتب الثوري الاستسلام ولا بد له من النضال وتأكيد حريته، فهو ضد السلطة بقدر ما تحد من ممارسته لدوره.

الجريدة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...