الرئيسية / صفحات الناس / غرب السكة وشرقها: محطات التاريخ والنزوح/ مصطفى أبو شمس

غرب السكة وشرقها: محطات التاريخ والنزوح/ مصطفى أبو شمس

 

 

حين جَلَسَت وفاء شبروني مراسلة قناة روسيا اليوم وسط السكة في بلدة سنجار لإعداد تقريرها عن المعارك هناك، كان وجع الطفولة يزداد في رحلة نزوح جديدة تسببت بها آلة الحرب التابعة لقوات الأسد وحلفائها، التي خلَّفت دماراً هجّرَ مئات الآلاف، واستولت على عشرات القرى الواقعة غرب وشرق السكة، ليُضاف إلى ألم النزوح ألمٌ آخر، ذلك أنه «لا قطار أحلام يمكن أن يمرَّ في الذاكرة من جديد».

على باب إحدى الخيام وقفَ الصغير أحمد، 13 عاماً، يفركُ يديه في محاولة لاستدعاء بعض الدفء في الجو الماطر، يرتدي «بيجامة» خضراء اللون قصيرة، وكنزة من الصوف بلا رسومات عليها، و«شحاطة» بلاستيكية أخفت إصبع قدمه الصغير لتظهر أصابعه الأربعة المتبقية من فتحتها.

«كلُّ ما كنتُ أحلم به هو أن أركبَ بالقطار»، قال أحمد حتى قبل أن نسأله عن أحلامه، في محاولة منه لاختصار الحديث، أو ربما لفتح حديث عن أحلامه المؤجلة أو ربما المندثرة.

يكفي أن تمرَّ بين الخيام المرصوفة بطريقة شبه عشوائية في معظم مدن وبلدات ريف حلب الغربي، لتلاحظ كمّ البؤس المرافق لنازحين جدد لم يُسعفهم الوقت بعد لإيجاد حلول تخفي بطون خيامهم الخاوية؛ بعضهم استعان بـ «طبليات من الخشب» ليرصف عليها بضع أوان منزلية وعبوات بلاستيكية لحلّ مشكلة المياه، فيما اكتفى آخرون بالركون إلى حالة من اليأس، فتركوا أثاثهم المهترئ ليأخذ مكانه كيفما اتفق في أرجاء الخيمة. أمام الخيام توجد «شحاطات» بلاستيكية ملونة بأحجام مختلفة، مليئة بالوحل، وبقايا ثياب مهترئة وُضِعَت لتغطي فتحات الخيام، وأطفالٌ ملأ اليباس وجوههم الصغيرة فتقشَّرَت بفعل البرد.

لم يلتفت الأطفال لنا نحن القادمون الجدد حين كنا نقفز على رؤوس أصابعنا خوفاً من الغوص في الوحل، ربما أعيتهم الأسئلة الكثيرة المطروحة عليهم، فملّوا تكرار الأجوبة ذاتها عن احتياجاتهم وأحلامهم ورغباتهم الصغيرة، أما كبار السن فقد ضاقوا ذرعاً بالحديث عن أحوالهم، بعد أن أمسوا خارج حسابات الوقت المريح، وبعيداً عن مدافئ الحطب القديمة والحليب الطازج ومواسم الخير في قراهم التي هُجِّروا منها، ليبدؤوا قسراً بإقحام أنفسهم في البحث عن تفسيرات سياسية أو أميّاتٍ بالعودة عبر مؤتمرات واجتماعات لم يفكروا بها يوماً، وينقلوا كلاماً مكرراً عن منطقة منزوعة السلاح تشمل قراهم برعاية روسية هذه المرة، حسب مقررات مؤتمر أستانة الأخير على حدّ قولهم. آخرون تحدثوا عن شائعة غرب السكة وشرق السكة التي انتشرت على الألسن، والسعيد وفقَ هذه الرواية هو من كانت قريته غربها، إذ يحق له الحلم بالعودة بعد أن تتراجع قوات النظام إلى الحدود التي رسمتها الدول المعنية التي أقرت لنظام الأسد بالمناطق الواقعة شرق السكة حتى مطار أبو الظهور. أما اليائسون من الرجال فراحوا يبحثون عن طريقة واقعية للحياة، فكثيرون منهم كانوا أبناء الخيام طيلة حياتهم، ما الذي سيتغير الآن؟! سيبحثون عن أماكن جديدة لنصب خيامهم وعن مراعٍ جديدة لمواشيهم. المهم أنهم لن يكونوا تحت رحمة النظام أو الروس، ولن يقبلوا بحلول بديلة.

«هون ما في سكة»، أشار أحمد إلى بقعة الأرض الجديدة التي استوطنها مع أهله النازحين من بلدة سنجار، ليجيبه طفلٌ آخر كان إلى جواره: «الحمد لله ما في سكة هون، كان النظام لحقنا». تَعلَقُ في ذاكرة الأطفال أحاديث مجتزأة من كلام آبائهم عن رغبة قوات الأسد بالسيطرة على الخطوط الحديدية، وكأنهم يعودون بنا إلى قرن من الزمن، يوم كانت تلك القرى الهادئة الطينية منسيةً على الخارطة، قبل أن تمرَّ عبرها سكة الحديد التي تصل حلب بمدينة حماة، وتصبحَ مكاناً لتأمل المسافرين عبر زجاج القطارات، وفُسحةً لرؤية البساطة في القرى المتوزعة على جنبات الطريق في ريف حلب الجنوبي، وصولاً إلى أبو ظهور، فسنجار في ريف إدلب الجنوبي، ثم إلى حماة، ومنها باتجاه دمشق.

أغواني الحديث عن سكة القطار كمن وجد ضالته، وأعادني إلى طفولتي يوم كان بيتي في مخيم حندرات على بعد أمتار من سكة القطار، حين كُنّا نضع الحجارة عليها، وبعد مرور القطار نستخدمها للكتابة بعد أن تتحول إلى شيء يشبه الطباشير. حين كُنّا نلوح للركاب الجالسين في القطار ونحلم أن نكون مكانهم، وكيف كُنّا أحياناً نرميهم بالحجارة حين لا يردون على تلويحنا، أو حين نرى أطفال طلائع البعث في قطار المعسكرات التي كنّا نُستثنى نحن منها بحكم الدراسة في مدارس تتبع لليونيسيف في المخيمات الفلسطينية، المخيمات التي باتت عنوان المرحلة التي نعيشها اليوم، عشرات المخيمات النظامية ومئات المخيمات المبعثرة في أراضي الزيتون وفوق بعض التلال.

لا يذكر أحمد مرور القطار بشكل جيد، فآخر مرة اجتاز فيها قطارٌ سكة حديد بلدته سنجار كانت في العام 2012، ناقلاً عتاداً عسكرياً إلى حلب التي كانت الثورة قد اشتعلت فيها آنذاك. يومها هدَّدَ الثوار في سنجار بتفخيخها، ومنذ ذلك الوقت باتت السكة فارغة، وصار الأهالي يمنعون أطفالهم من اللعب حولها خوفاً من «المفخخات». كثيراً ما خالف أحمد وأبناء قريته التحذيرات، ليتخذوا من السكة مكاناً للعبهم، يسيرون خلف بعضهم في مقطورات تشبه القطار، يقلدون صوته ويركضون خلف بعضهم بعضاً بعد أن يضع كل واحد منهم يده على كتفي صديقه، ثم يلجأون إلى المحطة، ينتظرون فيها مرور القطار الحقيقي طيلة النهار، وهم يحلمون بالصعود إليه، ليروا بيوتهم من خلف النوافذ السميكة.

يذكر والد أحمد الذي شاركَ معنا في الحديث أنّ محطة سنجار بُنيت في سبعينيات القرن الماضي، وهي محطة حديثةٌ بالقياس إلى المحطات الأخرى القريبة، ومنها محطة أبو الظهور التي أُنشئت عام 1905 أيام الحكم العثماني، ويعود إلى أيام الانتداب الفرنسي بناؤها الأثري الذي لا يزال قائماً، وأدخلت عليه تعديلات وتوسيعات متعددة. وقتها كان اسمها محطة «أبو الظهر»، وكانت تُستخدم زمن القطار البخاري، وهذا ما يُفسِّرُ خزانات المياه الدائرية المتواجدة فيها، وتحتها مراجل لتسخين المياه. ومنها أيضاً محطة الوضيحي في ريف حلب الجنوبي، التي يقول كبار السن إن جمال عبد الناصر هو من قام بتدشينها أيام الوحدة بين سوريا ومصر.

كل تلك المحطات كانت تقود إلى مدينة حلب، التي بُنيت فيها أول محطة قطار عام 1905 في محلّة الجميلية، وما لبثت أن هُدِمَت عام 1950 لتُستبدَلَ بمحطة بغداد التي ما زالت قائمة حتى الآن، وأصبحت، للمصادفة أيضاً، مع عربات القطارات المتواجدة فيها، مخيماً للنازحين في منطقةٍ يسيطر عليها نظام الأسد، معظم سكانه من عمال محطات القطار وموظفي السكك الحديدية، وهم يعيشون ظروفاً تتشابه إلى حد التطابق مع ما يعيشه النازحون في مخيمات المناطق المحررة.

أبو علي السعيد رجلٌ سبعيني انضم إلى دائرة الحديث، قال إن تلك المحطات كانت تشكل ذاكرة البلد، فجميع من هم في جيله يذكرون بحميمية المبنى القديم لمحطة أبو الظهور، وكيف كان كبار السن والشبان يجلسون على جانبي السكة، يتبادلون الأحاديث والتبغ، ينظرون إلى عربات القطار الذي كان يمر محملاً بالبضائع أحياناً، وأحياناً أخرى بنساء جميلات حاسرات الرأس عليهن علائم الترف، ورجال بقبعات، وكيف قسمت المحطة وسكة القطار البلدة إلى قسمين، السوق الغربي أي غرب السكة والشرقي أي شرق السكة: «لم نكن نعلم أن السكة سترسم حدوداً جديدة لتقسمنا نحن، سابقاً كنا نجتازها بفشخة واحدة».

يتكلم معظم الأهالي على خط سكة قطار حلب حماة باللهجة البدوية، فمعظمهم ينحدرون من أصول بدوية لعشائر كالموالي والحديديين والبكارة. معظم الموالي انضموا إلى صفوف الثورة السورية، وكذلك الأمر بالنسبة للحديديين، إلا أولئك الذين يرتبطون بوزير الدفاع السابق فهد جاسم الفريج واللواء جمعة الجاسم، فقد آثروا البقاء إلى جانب النظام. ذلك بالإضافة إلى القريتين الوحيدتين اللتين تعود أصول سكانهما إلى عشيرة البكارة، قريتي الصراع والطرق، اللتين كانتا مع الثورة بكاملهما تقريباً. شكَّلَت العشائرُ فصائلَ عسكرية انضمّت إلى ركب الثورة منذ بدايتها، كأحرار العشائر ولواء أحرار الموالي، بالإضافة إلى تشكيلات كثيرة عند الحديديين أبرزها أحرار الحديديين، وشاركوا في معظم التشكيلات الكبرى كأحرار الشام وغيرها، وعند دخول هيئة تحرير الشام إلى المنطقة واستيلائها على كافة المناطق هناك، آثر كثيرٌ من أبناء العشائر الانسحاب من الفصائل العسكرية، بينما انخرط قسمٌ صغيرٌ منهم في صفوف الهيئة للبقاء في ركب مقاومة النظام.

تضم تلك المنطقة عشرات القرى الصغيرة ذات الطبيعة الجغرافية السهلية وأعداد السكان القليلة، وهذا ما سهّلَ السيطرة عليها من قبل قوات الأسد، التي بدأت منذ نهاية شهر تشرين الأول 2017 بمحاولات للسيطرة على قرية أبو دالي والمشيرفة والقرى المحيطة بها. المقاومة العنيفة التي واجهتها قوات الأسد هناك استمرت 72 يوماً، لتلتفَّ قوات الأسد على المنطقة من جهة الشرق من قصر علي باتجاه الهوية، وتسقط بعدها أبو دالي والخوين مطلع 2018. لم يقف النظام عند الخوين كما كانت تظن الفصائل الموجودة هناك، التي اعتقدت أن هدف الأسد سيقف عند حدود هذه المنطقة، فاتجه نحو بلدة سنجار الاستراتيجية، وبدون مقاومة تذكر استطاع السيطرة على قرية الزرزور، وبدأت القرى والبلدات تسقط بسرعة ليصل إلى تلة الأنديرا جنوب سنجار بنحو 4 كم، وهي تلة استراتيجية تطل على الريف الجنوبي لمدينة إدلب بالكامل، ويحاصر بعدها سنجار من ثلاثة محاور، من جهة الغرب بعد سيطرته على سرجه وكفريا، ومن الجنوب بعد سيطرته على الشيخ بركة، ومن الجنوب الشرقي بعد استيلائه على تل الأغر.

وسّعَ النظام دائرة سيطرته أيضاً في الشمال الشرقي بعد سيطرته على الجديدة ورملة وفراع وفريع، ليدخل إلى بلدة سنجار في 7/1/2018، ويتجه بعدها في المحور الغربي للسيطرة على قرية إسطبلة جنوب غرب المطار، وتل الهوتة على سور المطار بعد يومين من دخوله إلى سنجار.

المقاومة كانت ضعيفة جداً، واقتصرت على بعض الأهالي، لتنطلق بعدها معركة رد الطغيان في 11/1/2018، التي استعادت خلالها فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية عدداً من القرى الاستراتيجية غرب السكة، من خلال معارك كرّ وفرّ استمرت عشرة أيام، استخدمت قوات الأسد فيها سياسة الأرض المحروقة، لتستعيد معظمها باستثناء بعض القرى غربي مطار أبو الظهور وتل سلمو في خاصرة المطار الجنوبية، ثم تسيطر على مطار أبو الظهور العسكري بعد معارك عنيفة مع القوات المدافعة عنه، ليعلن النظام سيطرته على المطار في 22/1/2018.

ترافقت معارك النظام بحسب أهالي المنطقة مع تقدم لداعش من أماكن تواجده في ريف السلمية الشمالي الغربي باتجاه مناطق الرهجان في نهاية شهر تشرين الأول 2017 عبر وادي العزيب، ويسيطر بعدها على عشرات القرى في المنطقة، مثل معصران وطوطح وحجيلة وعبيان، فيما انتشرت مقولات تفضي إلى أن هذا التقدم جاء عبر موافقة لقوات الأسد التي مرّ داعش في المناطق سيطرتها حوالي عشرة كيلو مترات دون أن تستهدفه. ومع تقدم قوات النظام انسحبت هيئة تحرير الشام من المناطق الغربية المواجهة لداعش خوفاً من وقوعها بين فكي كماشة، تاركةً رسم الحمام والمناطق التي حولها بعد أن كانت متحصنة فيها لصد تنظيم داعش، لتنسحب منها في بداية كانون الثاني 2018، ويدخلها التنظيم أمام أعين النظام الذي لم يستهدف التنظيم بطلقة واحدة، ما غلَّبَ الرأي في تلك المناطق عن تواطئ بين داعش وقوات الأسد للسيطرة على المنطقة.

لم يكن للعشائر دور كبير في المعركة، فهي لم تعد منظمة بعد أن انضم أبناؤها للهيئة، وكانت المقاومة عبارة عن حالات فردية أهمها على تلة الأنديرا وفي قرية الشيخ بركة، ولكن كثافة القصف وغياب السلاح الثقيل الذي قال أبناء المنطقة إن الهيئة سحبته من هذه المناطق، كونها مكشوفة ومعرضة للقصف من قبل الطائرات، جعل الاستمرار في المقاومة مستحيلاً أمام كثافة نيران المدفعية والطائرات.

أدت سيطرة قوات الأسد على تلك المناطق إلى نزوح كبير، تجاوز عدد النازحين فيه 354567 شخصاً بينهم 215792 طفلاً و64218 رجلاً و74557 امرأة، حسب إحصائية منسقي استجابة شمال سوريا، وقد توجّهَ معظم النازحين إلى ريف حلب الغربي والشريط الحدودي من محافظة إدلب.

انقسمَ الناس في تحليلاتهم السياسية، فبعضهم رأى أن هذا التقدم تم بالتواطؤ مع الفصائل العسكرية تنفيذاً لمقررات أستانة، وعليه فإن النظام سيصل إلى مطار أبو الظهور وسيقف هناك، ثم يتراجع إلى شرق السكة ليسلم القرى غربها لقوة روسية فتصبح منطقة منزوعة السلاح. ورأى آخرون أن النظام قوي ولم يعد هناك مقاومة مسلحة، وكل منطقة يريدها سيأخذها، ولن يتراجع عن هذه المناطق بل سيتقدم نحو مدينة إدلب. وهناك قسمٌ أخير يثق بقدرة الثوار على إعادة ترتيب صفوفهم وتحرير مناطقهم.

بعيداً عن التحليلات السياسية والعسكرية الجافة، أطلق أبو علي طرفةً رغم ما يعيشه من ظروف قاسية، إذ أخبرنا أن قوات النظام تاهت بعد أن تم تفكيك أجزاء من سكة الحديد وسرقتها، وهذا ما جعلها تتابع للسيطرة على بعض القرى غرب السكة مُخالفةً بذلك مقررات أستانة. ضحك أبو علي لبرهة ثم قال: «رجعوا السكة… بترجع البلد».

موقع الجمهورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“تحملت نساء الكثير من الألم”:قابلة تنظيم الدولة تعلن ندمها/ *تامر الغباشي

      على مدار أربعة عقود، ساعدت سميرة النصر على ولادة آلاف الأطفال في ...