غطاء دوليّ


ليانا سعيد

بعد عام و نيف على اندلاع ثورة الكرامة، بعد محاولات المجتمع العربي المكشوفة بالضحك على اللحى و ادعاء الاهتمام بوقف حمام الدم السوري من خلال إرسال بعثة المراقبيين التي لم تكن سوا شاهدة عليه، بعد خيبة أمل كبيرة أصابت الشعب السوري الذي حاول ان يصدق ان أحدا يكترث لألمه، حاول المجتمع الدولي إظهار الرغبة في التدخل بالشأن السوري.

فجاء كوفي عنان بخطته الشهيرة ” النقاط الست” في منتصف آذار/مارس التي نصّت على وقف القتل من جميع الأطراف، و سحب القوات الحكوميّة للآليات الثقيلة من المدن، و إطلاق سراح المعتقلين، وصولاً إلى بدء عملية حوار سياسي، مع ضمان حرية التعبير و التظاهر، و نشر مراقبين دوليين لمتابعة الوضع الميداني. لتأتي موافقة الرئيس السوري على بنود هذه الخطة في ٢٥-٠٣ على أن يتم العمل بها ابتداءاً من ١٢-٠٤ .

منذ البداية لم يقتنع السوريون بان هذه الخطة ستكون اكثر من حبر على ورق، فقد جاءت

الوقائع لتؤكد أن الموت أصبح ضيفاً ملازماً، مكرماً دولياً على أرض سورية… و الخطة لم تزد الا قتلا و فناءاً لدماء الأبرياء،فعلى سبيل المثال لا الحصر، حصل في حمص وحدها استباحةً شنعاء للأرواح، بوسائل عدة، لعل أقساها المجازر التي لا توصف بعبارة ألطف من ” استنزاف ما تبقى من الإنسانيّة فوق تراب سورية تحت غطاءٍ يقال عنه دولي” لتكون حصيلة شهداء حمص خلال ثلاثة اشهر (من ١٠-٠٤ و حتى ١٠-٧ ) ١٢٠٠ شهيد:

مجزرة الرستن ١١/٠٤

مجزرة البياضة ١٢/٠٤

مجزرة حي الشماس ١٥/٠٤

مجزرة الحولة ٢٦/٠٥ التي كانت الأكثر دمويّة منذ بدء العمل بخطة عنان و أسفرت عن ١٠٩ شهداء

مجزرة البويضة ( عمال معمل السماد) ٣١-٠٥

مجزرة تلبيسة ١٠-٠٦

مجزرة الرستن ١٣-٠٦

مجزرة دير بعلبة ٢١-٠٦

مجزرة قلعة الحصن ٢٨-٠٦

مجزرة جورة الشياح ٠١-٠٧

مجزرة………….

بالإضافة إلى الالتزام الدقيق ببند حق التظاهر السلمي الذي أعطى كل متظاهر حق الذهاب لزيارة رفاقه المعتقليين و شرب فنجان تعذيب عند “بيت خالته”، و لسخرية الأقدار فان المساعدات الانسانية كان يسمح لها بكل شيئ الا الوصول الى الاماكن المتضررة، فضلاً عن منح الكثير ممن دفعتهم إنسانيتهم للمشاركة شرف الشهادة في سبيل ما أحبوا، أما عن دور الإعلاميين فحدث و لا حرج و لعل كل منا لديه تصوره الخاص عن مدى الحرية التي أعطيت لهم لينقلوا الواقع “كما وقع” و يصلوا إلى حيث وقع…

نزيف الدم السوري لم يتوقف ليتضاعف عدد الشهداء و يصل الى عشرين ألفا بعد ان كان عشرة الاف قبل بدء العمل بهذه المبادرة.

تصاعدت انتقادات المعارضة السورية لعنان، فاتهمته بالتساهل مع نظام الآسد من خلال تمديد المهل التي يقدمها له في وقت كانت فيه قواته تهاجم معاقل المعارضة التي رفضت مساعي عنان لإدخال إيران ضمن تجمع دولي يبحث حل الأزمة في سورية.

و اعتبر المراقبون خطة عنان ماتت سريرياً منذ آيار/ مايو بعد انتشار أنباء عن مجازر واسعة في أرياف حمص و حماة و ادلب…

بينما أثار النظام السوري البلبلة بطلبه الحصول على تعهدات خطيّة من دول مجاورة تعلن فيها الامتناع عن دعم المعارضة قبل الشروع بالتطبيق الكامل لما جاء به عنان.

أما فيما يتعلق بالمجتمع الدولي، فقد عاد و وجه ضربة قاسية لهذه المبادرة في ١٩ تموز عندما استخدمت روسيا و الصين حق الفيتو للمرة الثالثة في الملف السوري و ذلك ضد مشروع قرار كان يرمي الى وضع مبادرة سلام تعتمد على مشروع مطور لخطة النقاط الست شرط اعتماده تحت الفصل السابع الذي يجيز معاقبة الجهات المخالفة.

ليأتي الجنرال روبرت مود رئيس فريق المراقبين الدوليين السابق في ٢٧/٠٧ بتصريحه الذي اكد فيه أن ” هي فقط مسألة وقت قبل أن يسقط نظام يستخدم القوة العسكرية الثقيلة و العنف المفرط ضد السكان المدنيين، سقوط الاسد لا يعني بالضرورة نهاية الصراع المستمر منذ ١٦ شهر”

“المهمة المستحيلة” هذا ما أطلقه البعض على خطة عنان الذي اعتبرها “على حد قوله” واجباً مقدساً عليه القيام به لمساعدة الشعب السوري على إنهاء أزمته الدامية و رأى أن تكلفة الدماء الباهظة و تأثير الوضع السوري على الأمن و السلم الدوليين يبرر إيجاد جهود سلمية لإنجاز اتفاق نقلٍ للسلطة.

“لم أتلق الدعم الذي تتطلبه المهمة، هناك انقسامات داخل المجتمع الدولي، كل ذلك أدى إلى تعقيد واجباتي” بهذه الكلمات أوجز كوفي عنان خبر استقالته في ٠٢/٠٨،

و أكد عنان بعد إعلانه عن رغبته بالاستقالة أن كلاً من ازدياد عسكرة الوضع في سوريا ، و الانقسام في مجلس الأمن صعبا من مهمته…

تباينت مواقف الدول الاعضاء في مجلس الأمن حول قرار الاستقالة، ليحمل البيت الابيض مسؤولية الاستقالة للدور الروسي و الصيني و موقفهما من الأزمة و استخدامهما حق النقض “الفيتو” في وجه مشاريع قرارات مجلس الأمن أما عن موقفهم من عنان فقد عبرت عنه سوزان رايس “عمل صعب جداً و عنان قام بالمهمة بشكلٍ رائع و من الطبيعي أن يكون أخيراً قد شعر بالإحباط”. بالنسبة للموقف الروسي فقد جاء على لسان بوتين الذي أعرب عن اسفه واصفا عنان بانه رجل محترم جداً و دبلوماسي ممتاز، و أمِل ان يستمر العمل بخطته كونها الحل الوحيد للازمة السورية. بينما كان فشل مجلس الأمن هو السبب في استقالة عنان حسب رأي أشتون رئيس الاتحاد الاوروبي…

نظراً لكون ” وحدة الموقف الدولي ” ما زالت مجرد وهمٍ، وأن هذا المجتمع لم يتوانى أطرافه عن تبادل الاتهامات فيما بينهم في وقت كان الشعب السوري بحاجة إلى صاعقة الإنعاش، سيكون من المستحيل إرغام الحكومة السورية و كذلك المعارضة على القيام بما يلزم لبدء عملية سياسية منفذة لدماء ما تبقى من سوريين….

و هكذا و بعد مرور أربعة أشهر و نيف على بدء خطة النقاط الست، و استقالة مبعوثها، يعود المجتمع الدولي ليجتمع من جديد دون أي جديد في مواقف أطرافه…و بعد بحث دام عدة أيام بحثاً عن بديل وقع اختيار بانكي مون على الدبلوماسي الجزائري المخضرم الاخضر الإبراهيمي ليتولى رئاسة البعثة ،و بين تخبطات الأخير في تصريحات مبهمة و غير واضحة حول مستقبل ايجاد حل سلمي سياسي أبعد ما يكون عن تفكير النظام و أعوانه و معارضة متسرعة في أخذ المواقف المسبقة المبنية على أسس غير موضوعية لا يدري أحد في صالح من تقع، ينتظر الاعلام العالمي لقاء المبعوث الجديد لبشار الأسد في دمشق في أرض هذا الأسبوع و كأن الأخير بحاجة لمن يقنعه برفع الساطور عن رقاب المستضعفين من الشعب السوري …

يذكر أن الإبراهيمي “٧٨ عاما” كان وزيرا للخارجية الجزائرية، و عين مبعوثاً خاصاً للأمم المتحدة إلى العديد من المناطق الملتهبة في العالم، و وسيطا لحل العديد من النزاعات. كان ممثل الامم المتحدة في افغانستان بين عامي ١٩٩٧-١٩٩٩ و من ثم بين ٢٠٠١-٢٠٠٤ بعد الإطاحة بنظام طالبان، تقاعد في نهاية ٢٠٠٥ و وافق في ٢٠٠٩ على ترؤس مجموعة خبراء مستقليين لتقديم توصيات حول مجلس الأمن و طاقم الامم المتحدة في العالم. و كان أحد أعضاء مجموعة” القدماء” التي تعمل على تسوية النزاعات في العالم و ينتمي إليها كبار الشخصيات العالمية…

بين عنان و الإبراهيمي، هل سيحصل تغير؟ هل ستنفذ خطة ماتت منذ زمن؟ هل سيضاعف أعداد الشهداء كما حصل في أول محاولة قادها عنان؟ هل الشعب السوري سيُضحك عليه مجدداً و سيتقبل استمرار خطة لم تمنحه سوى الموت تحت اسم مبعوث جديد؟؟ أم أن الإبراهيمي سيترك بصمته و يكسر التوقعات و يستطيع إنجاز” المهمة المستحيلة”؟؟ هذا ما ستحمله لنا الايام المقبلة لنرى كم من الدماء الغالية سندفع مقابل الوقت الذي يمر دون أي تحرك دولي حازمٍ…

تعليق واحد

  1. حكي حلو كتير و منطقي

أضف رد على wisam إلغاء الرد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...