الرئيسية / صفحات العالم / فتوى «جهاد النكاح» بين زعران الحروب و… مجاهديها

فتوى «جهاد النكاح» بين زعران الحروب و… مجاهديها

 

حازم الأمين

الإسلاميون مثلنا، أهل دنيا، وها هي فتوى «نكاح الجهاد» تُبشر بالزمن الذي افتتحوه في أعقاب حركة التـغيـير التي شـهدهـا الـعالم العـربي، بـعد أن كانت بواكيرها فـتاوى إرضاع الـكبـير ومعاشرة الزوجـة بعد موتـها وقـتـل ميكي ماوس وغـيرها.

هم أهـل دنيا وأهـل آخرة، وفي هـذا طمـع لا يـستقيم معه الإيـمان الذي يـدّعونه. فالشراهة التي أبداها هؤلاء في الإقـبال على المـلذات تبدو مدهشة في تفوقها على ما نبديه من إقبال، ذاك أننا وفي سياق إقبالنا الخـجول والـمرتـبك على مـا نريد من مـتع، نـبدو غـير مـحـصنين بـغير شـطـطنا الذي أمـلته عـلينا حـداثة متـعثرة لم تجد لنفسها نصاً ولا أثراً في ما ورثناه وما تـعلمناه وما عـشـناه. أما هم فسائرون إلى المتع بتصميم لا يهزه خجل، ولا يعتريه تردد. فالفـتوى أقـوى وإن جـاءت من خارج الـثقافة ومن خارج القيم.

لقد سبق أن ذهبنا إلى حروب كثيرة محمَّلين بنزواتنا ورغباتنا، لكن واحداً منا لم يقوَ على طلب المتعة في الحرب. كثيرون منا مارسوا متعاً، لكنهم مارسوها في العراء غير محصنين بنصوص، وكانوا كمن يسرق شيئاً ثم يعيده. طلبوا متعاً من خارج قيم الحرب التي خاضوها. القيم البشعة للحرب لم تكن تحتمل طلباً معلناً للمتعة على رغم بشاعتها. اليوم يأتي من يقول إن من حق المقاتل البعيد عن أهله أن يفعلها.

والحال أننا في ارتباكنا بمتعنا وفي تبديدنا إياها في حروب أخرى، نشبه أنفسنا أكثر مما يشبه الإسلاميون طالبو المتعة ومُفتوها أنفسهم. وعلى الأرجح أننا في ارتباكنا وترددنا أصبنا منها أكثر مما أصابوا هم. فالفعلة بالنسبة إليهم ليست تبادلية، هي تنفيذ لمضمون فتوى، وإحقاق لحق المجاهد، وفي هذا حرمان لها وله من الكثير من أوجهها.

ثم إن هذيان الفتاوى وما رافقه من صور وفيديوات وسجالات، أنزل الإسلاميين إلى سوية لم يسبق أن بلغناها، نحن زعران الحروب العادية وغير «الجهادية» ممن قاتلوا في الحروب اللبنانية السابقة أو مثيلاتها في بلدان أخرى. فهم في تظهيرهم رغباتهم وفي شطط كلامهم تولوا تهشيم صورة الشيخ التي خرجوا منها أصلاً. إنهم طالبو متعة وطالبو جهاد في آن، بينما نحن ذهبنا إلى «الجهاد» مخبئين متعنا وخجلين منها وسارقينها، معتقدين أنها تخالف نصوص الحرب التي ذهبنا لخوضها.

والشيوخ على ما تُظهرهم فضائياتهم وفيديواتهم، فقيرو خيال ومعرفة في ما يتكلمون. هم تماماً كما موجات المغنين غير الأكفاء، وإذا كان بعضهم وصل إلى المجلس النيابي في بلده على نحو ما جرى للشيخ السلفي الذي أصلح أنفه في مصر، أو تمكن من حجز منبر في مسجد كبير على نحو ما فعل شيخ «نكاح الجهاد» في تونس، فإن المغنين غير الأكفاء لا يقلون تأثيراً في مجتمعاتهم. ذاك أن شعبان عبدالرحيم وإن شكل إهانة للوجدان الطربي المصري، إلا أنه صار على كل شفة ولسان في القاهرة.

ونزع شيوخ الفتاوى عن سياق صعود الإسلاميين في ظل «الربيع العربي»، وهي مهمة يحاول بعض مثقفي «الإخوان المسلمين» القيام بها، مهمة من المستحيل إنجازها. إنهم أبناء شرعيون لهذا الصعود، و «الإخوان» أنفسهم في سعيهم إلى طرد هؤلاء من موجة صعودهم، يعودون للتحالف معهم في أوقات الضيق. فالشيوخ السلفيون هم مَنْ يتولى الدفاع عن الرئيس المصري محمد مرسي في الفضائيات الدينية، ثم إن الأخير لا يخلو أداؤه من سقطات شيوخ الفتاوى، ذاك أن اللغة التي لا تسعفه في الكثير من خطبه، إنما تفعل ذلك بسبب انتمائها إلى قاموس شيوخ الفتاوى، وهي بذلك عاجزة عن تلبية مَنْ يرغب في مخاطبة المصريين وغير المصريين من غير جمهور الشيوخ. فالرجل تعثر باللغة الإنكليزية على رغم أنه درس في أميركا، وهو أتى بحركات لا يأتي بها الرئيس أثناء وقوفه إلى جانب رئيسة بلد آخر (انغيلا مركل) لأنه سليل بداهة في الأداء الجسماني، لا نص ولا فتوى تنزع عنها شرعيتها.

والفتاوى، سليلة صعود الإسلاميين، إنما أيضاً المؤشر الأبرز على صعوبة صمودهم في ما وصلوا إليه، ذاك أنها غريبة فعلاً عن الثقافة التي يدعون تمثيلها. ولا نعني هنا الثقافة الإسلامية، إنما ثقافة المجتمعات التي صدروا عنها. فـ «إرضاع الكبير» أصاب من الذهول في الوعي المحلي ما يفوق ما أصابه في الوعي العالمي، وها هو «جهاد النكاح» يترنح تحت وطأة السخرية التي خلفها. بل إن الاقتراب من نقاش تلك الفتوى بغير السخرية يعرّض المُقدم عليه لأن يصيبه شيء من السخرية، فها هو وزير الشؤون الدينية التونسي نور الدين الخاتمي عرضة لسهام الضحك الأسود نتيجة رده على مفتي «جهاد النكاح» بعبارة: «إن هذه الفتوى لا تُلزم غير مُطلِقها من الشعب التونسي ومن مؤسسات الدولة».

كم يبدو طلب المتعة في «بلاد الجهاد» صورة عن السلطة المرتجاة، وكم تبدو الفتوى مؤشراً إلى نوعها وإلى مضمونها، وكم يبدو ذلك غير شرعي إذا ما قسناه بقيم الثورات التي انطلقت طالبة شرعيتها من الحق في المساواة وفي التعبير، وفي كسر احتكار التمثيل وتزويره. فطلب المتعة ينطوي بصيغته هذه على مقدار من العسف والاحتكار والتسلط، ذاك أنه مطلب بحق بدهي يتمثل في «إمتاع المجاهد»، على ما يرمز الأخير من صُوَر للسلطة وللذكورة ولادعاء الحق، فيما تذهب السيدات من تونس إلى سورية بـ «إرادتهن» المزورة قاطعات الحدود وواصلات إلى مدن السكود… فقط من أجل «المجاهدين».

قد لا تكون هذه هي الحقيقة، إنما هي صورة عن الحقيقة المرتجاة كما يشتهيها شيوخ «الجهاد» ومفتوهم.

إنهم ذاهبون إلى الدنيا، وليسوا ذاهبين لملاقاة وجه ربهم. لكن دنياهم غير دنيانا، فهي واضحة وحادة وغير مترددة ومسنودة بنص يدعي الحق بكل شيء، فيما دنيانا عاثرة ومترددة، غير واثقة من حقها بشيء.

نحن زعران الحروب… وهم مجاهدوها.

الحياة

تعليق واحد

  1. لماذا لا تتدخل روسيا وترسل آلاف الحوريات؟

    سهيل كيوان
    التركيز على الهامشي لإبعاد الأنظار عن الحدث الأساسي، هو سياسة مارستها وتمارسها السلطات الظالمة حسب أهوائها في مواجهة المعارضين في كل زمان ومكان، وذلك بما يخدم سياستها وتطويل أمد بقائها، فهي قد تضخّم حدثا عاديًا وحتى تافهًا، فتجند له إعلامها وتحوله الأهم في حياة الناس، تركز عليه فيناقش وتُدبج حوله المقالات والدراسات وتجند الأموال لدعمه أو محاربته، في الوقت الذي تتجاهل فيه الجوهري والأهم والمصيري.
    السلطة الغاشمة تحاول التقليل من شأن خصومها وإهانتهم، تحقيرهم، المسّ بسمعتهم، وتصغير شأنهم في عيون الجماهير، في حقبة تاريخية ما اتهم الشيوعيون بأنهم يمارسون نكاح المحارم، عندما كانت مهمة الأنظمة محاربة الشيوعية كقوة صاعدة على صعيد العالم، وقد اتهمت هذه الحركة بالإباحية والإلحاد لتسهيل محاربتها، وهذا حد جدًا من توسّعها وانتشارها بالفعل.
    للعامل الجنسي أهمية كبيرة في السلم وفي الحرب،
    ويلعب دورًا قويًا في تحفيز الجنسين على الإبداع في أي مجال يلتقيان فيه، ومعروف أن المؤمنين الأتقياء وُعدوا إلى جانب طيبات الجنة بالحوريات لإمتاعهم وبدون أي قتال أو عمل استشهادي، ويشهد تاريخنا أن سبي الجواري كان حافزًا قويًا للقتال وتقدم الصفوف في الفتوحات الإسلامية.
    كذلك فإن النساء يخدمن في معظم الجيوش الغربية إلى جانب الرجال، ومهماتهن لا تقتصر على القتال، كثيرات منهن يحملن خلال الخدمة العسكرية بغير قصد أو عمدًا كي يتم إطلاق سراحهن من الخدمة وربما يحصلن على مكافأة، الجيش الإسرائيلي مكون من ذكور وإناث، وتلعب المجندات دورًا كبيرًا في رفع معنويات الجنود، وكثيرًا ما تشاهد جنديًا ومجندة في مكان عام يتبادلان القبل، فالجنس طبيعة بشرية قوية، هناك من يوجهها وينظمها لتخدمه، وهناك من يوظفها سياسيًا بهدف الإساءة وتشويه الخصوم والأعداء.
    استخدم الجنس خلال الثورة في مصر، حين اتهمت البطلات المشاركات بالمظاهرات في الميادين بالانحلال الأخلاقي، بعد انتصار الثورة وفي زمن الدكتور مرسي حاول رجال دين أو طفيليات متسلقة على الدين تحقير المعارضات لحكم الإخوان والاستخفاف بهن، بل أن بعضهم راح يبرر الاعتداء والتحرش بهن حد الإغتصاب، فيقلب الأمور ويحملهن المسؤولية، كذلك راح بعض العلمانيين وخصوم الإخوان يبحثون عن -فضائح إسلامية- مثل خلوة غير شرعية بين ناشط إخواني أو سلفي ملتحٍ وسيدة محجبة، فرسموا وكتبوا وضخّموا وشوّهوا.
    التهمة جاءت معاكسة في الوضع السوري، فالمتهم بالنكاح غير المشروع والانحلال والشهوانية هي الحركات الإسلامية المنضوية تحت لواء الثورة ومحاربة النظام،والذي يوجه الإتهام هو النظام الذي يتغنى بالعلمانية والتحرر وحقوق المرأة، حيث ركز في حربه الإعلامية على فتاوى بعض المعتوهين وضخمها وجعلها السّمة الأساسية للثورة، وآخرها ما سمي بفتوى ‘نكاح الجهاد’ التي نسبت لشيخ سعودي أنكرها بدوره!
    وسواء أفتى أم لم يفت بها، فهذا ليس صلب الموضوع ،ولا الهدف الذي انطلقت الثورة لأجله ودفعت بعشرات الآلاف من أبنائها.
    إسرائيل في حربها ضد الفلسطينيين استغلت سلاح الجنس، فقد بثت في عام النكبة الرعب ليس بقتل وطرد الناس من بيوتهم فقط، بل ببث الرعب من خلال التهديد بانتهاك الأعراض والاغتصاب، الأمر الذي جعل مئات آلاف من الفلسطينيين يتركون قراهم من دون قتال خشية على أعراضهم.
    في الانتفاضة الثانية حاولت إسرائيل الإثبات للعالم بأن رجال العمليات التفجيرية الذين يضحون بحياتهم ليسوا سوى مرضى جنس، يطمحون بالحوريات التي وعدوا بها في الجنة، وكأنه ليس للفلسطينيين قضية احتلال ولا تهويد ونهب أرض ولا قضايا أسرى ولا طرد من البيوت ولا إذلال يومي على الحواجز، ولا يشغل بال الشباب الفلسطيني سوى النكاح وبأعداد هائلة، وقد تواطأ بعض الكتاب والمفكرين والسياسيين العرب مع هذه الرواية وراحوا يتداولونها ويكتبون ويجتهدون بالإساءة لمن ضحوا بأرواحهم، خدمة مجانية منهم لاحتلال ظالم سعى ويسعى إلى شيطنة المقاومين الذين ضحوا بأغلى ما يملكون، علمًا أن عمليات استشهادية كثيرة نفذها شبان وشابات لا ينتمون للحركات الدينية، وسبق الجميع بهذا الشهيدة سناء المحيدلي وهي من أوائل الاستشهاديات في الجنوب اللبناني علمًا أنها تنتمي لحزب علماني.
    السلطات السورية حاولت منذ البداية أن تشوه وجهة ثورة الشعب السوري وأهدافها، كان التركيز على الشيخ عدنان العرعور، فانتقت بعض أقواله، وقررت أنه هو الذي يمثل الثورة متجاهلة القيادات والشعارات العلمانية الإنسانية، ومئات الآلاف الذين كانوا ينشدون ويدبكون في الشوراع ويهتفون-سلمية سلمية-إسلام ومسيحية، هكذا زج النظام بسلاح المذهبية-سنة-شيعة-مسيحيون- لتشويه أهداف الثورة.
    الحرب الإعلامية بين بعض متعصبي السنة والشيعة ليست جديدة،اليوتيوب مكتظ بأشرطة مستفزة من الطرفين منذ سنين طويلة، يركز فيها الطرفان على قضايا الجنس والموقف من المرأة، ومعظمه تشويه للإسلام ومن الطرفين.
    ثم جاء دور توظيف الغرائز فروّجوا قصة تزويج القاصرات السوريات في مخيمات اللاجئين في الأردن ،وكأن الثورة تتحمل مسؤوليته لو حصل بالفعل، كذلك اغتصاب النساء اللاجئات في المخيمات على الأراضي التركية وبالعشرات، وكأنه لا وجود لنظام ولا منظمات ولا أحزاب ولا إنسانية ولا إسلام في تركيا، ثم جاء’نكاح الجهاد’، والفياغرا والمناديل المعطرة استعدادًا للقاء الحوريات،وبعض التصريحات البلهاء، هكذا بكل بساطة في محاولة لشيطنة الثورة والثوار، وكأنما كل هذه الدماء الطاهرة سالت وتسيل لإشباع الغرائز الحيوانية، ولكن إذا صح هذا، فما هي المشكلة بأن تتدخل روسيا الحليفة الكبرى للنظام وتقوم بتشغيل عصابات الاتجار بالرقيق لتحل القضية خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، فبإمكان روسيا أن تغمر سوريا بعشرات آلاف الشقراوات اللاتي يُبعن كرقيق في طول وعرض الكرة الأرضية، حينئذ لا داعي لكل هذه الدماء لإشباع رغبات ونزوات ذكور المسلمين وتنقذ النظام من أزمته.
    لا شك أن هناك من يسيء بالفعل، والمشاركون في الثورة ليسوا قديسين بملايينهم، وقد يتصاعد هذا السيل من الفتاوى التافهة، والكذب والفبركات،وتصرفات البعض الحيوانية، والجرائم التي يرفضها كل صاحب ضمير وحسٍ بشري،ولكن تبقى الحقيقة الراسخة والساطعة، وهي أن الثورة ما كانت لتكون وتستمر رغم كل هذا القمع والشراسة والتضحيات لولا أن الشعب بغالبيته هو الذي يحركها، وليس حفنة من الشاذين أو المعتوهين جنسيًا ونفسيًا وفكريًا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...