الرئيسية / صفحات الثقافة / فـالبـلد لـم يعــد حصـة الأســد

فـالبـلد لـم يعــد حصـة الأســد

 


أندلـس الشـيخ

2011-06-24

( إلى شـهداء أهـلي في سـورية) داخـل البيت، أنت في متنـاول القهـر. خـارج البيت، أنت في متنـاول الخوف. هكـذا يقضي المواطن السـوري يومـه متنقـلاً مـا بين الكبت والصمـت، أي ما بين الانغـلاق والاختناق. وهـكذا يصبح في وطني انعدام التعبيـر، رغـم التلاقي والمصـافحة والعنـاق، ســمة اجتمـاعيـة عامـة يتحلى بهـا الجميع، حتى الأجنـة.

*** *** ***

عندمـا قتلـوا أهـل حمـاة

لـم أنبـس ببنت شــفة

عندمـا قتلـوا أهل جسر الشـغور

لـم أنبـس ببنت شــفة

عندمـا قتلـوا معتقلي سـجن تدمـر

لـم أنبـس ببنت شــفة

عندمـا قتلـوا الشـيوعييـن

لـم أنبـس ببنت شــفة

وعندمـا قتلوني

لـم ينبـس أحـد ببنت شــفة …

 

حتى آذار ( مارس) العـام الجـاري، كـانت هذه المقولـة السـوداء الفـاجـرة، حقيقـة تدلي بعمق الخوف القابع في نفوس الملايين من السـوريين. أمـا الآن، فكل شـيء قد تغير. لقد أصبحت هذه الكلمـات باطلـة، حيث طفـح حلم الحرية بالروح مطلقـاً فيهـا عنــان الصراخ.

*** *** ***

على الرغـم من إصـابة مخيلتي بالرعـاف، لا أسـتحضر في هذه الأيـام ولا جملـة شـعرية أو نثـرية لأدونيـس. كلوحـات دالي الدامعة، تسـيل من رأسـي صور أحـاول عبرهـا تخيل مجـرى الحيـاة في وطني، لا سـيما وأن عدوى العصيـان فيـه أخـذت تطـال معظـم المدن من القامشـلي إلى بصرى الشـام. وربمـا أعـزو سـيولة هذه الصور التي أسـتنبط غالبـاً عند أفول الشمس، إلى بُرك الدم التي أسـبح فيهـا ليـلاً، بُعيد رؤيتي شـريط الجرائم التي ترتكبـها ذئـاب النظـام السـوري في حق شـعب أعـزل، خرج إلى الشـوارع معبراً عن إرادتـه بوضع حـدّ ٍ لسـنين المهانة والذل التي عـاشها على مدار خمسـين عـاماً.

في هذه الفوتوغرافيـا الذهنيـة، تلحُّ صـورة صديقٍ لي في حي من أحيـاء دمشـق القديمة: ممـدوح الأهـدب. الشعر مائل إلى الحُمـرة والوجه ينقطـه النَمَـش والفـم يعض بطراوة خيوط الغبـار. وكأن عجلـة الزمن لم تدر، فها أنـا ألمـح صديقي كعادتـه ممـدد الجـسد أمـام بـاب الدار، أو مسـتند الظهـر إلى حائط الحارة، جـامعـاً الركبتين بالسـاعدين وشــابكاً أصابع اليدين بعضهـما بالبعض. في هذه الوضعيـة، يحاول ممدوح ما تيـسر له تكـوير جسـده السـقيم ليصبح مثل شـرنقة تلجـأ إلى آلهـة الداخل هربـاً من وجـه الحيـاة. وكمـا كان عليـه الحـال في الماضي، لم يزل منظـر صديقي يثير تارةً سخرية الأطفال وتارةً شـفقة الكبـار وتارةً فضول المـارة، أمـا العارف بقصـة هذا الشـاب الذي اقـتُلِع من بيت أهلـه ذات خريف ليُقتـاد إلى المجهـول، يتطلع إلى السـماء متنهـداً، لاعنـاً أمهـات الغدر وأعضـاء الظلـم التناسـلية. ففي ثمانينـيات القرن المنصـرم، اختفى صديقي عن باقي رفـاق الحي دون أن يتجـرأ أحد على الـسؤال عنـه، ولا حتى ذووه الذين اعتنقـوا بعد تواريـه رب الانتظـار. في الأشـهر الأولى من غيـابه، كـانت أم ممـدوح، حيث تحـول الجسـد إلى مقطـع طولي لخليـة وحيدة الوجـع، ترد باب البيـت دون أن تغلقـه، وذلك حتى سـاعة متأخـرة من الليل، عـلَّ من يـأتي لهـا بابنهـا المفقـود. وبعـد ثلاثـة عشـر عـاماً، أُعيـد صديقي إلى أهلـه في سـيارة ‘ بيجـو’ بيضـاء، وهو مختل عقليـاً إثر التعذيب الجسـدي والنفسـي الذي تلقـاه خلال سجنـه في أحد أنفاق أجهزة الأمن السـوري الخراب.

‘ يصبح الوطن فكرة حزينـة عندمـا يقع تحت سـطوة الطغـاة’، ينتابني هذا القول عندمـا أسـتعيد صورة ممدوح الذي أحسـبه الآن ينظر إلى ما يدور حولـه، وربمـا من غيـر أن يدرك أن البلد الذي عذبـه حتى الجنون لم يعد حصـة الأسـد.

*** *** ***

باللغـة يسـتطيع المـرء التعبيـر عمـا يراه أو يشـعر به. هذا في عمـوم الأمـر. لكن في بعض الأحيـان، مـا نشـاهده ونحسـه هو على درجـة من الكثافـة والعمق، بحيث يتعذر علينـا قولـه أو ترجمتـه بالكلام. وهذا مـا نضعـه عادةً في خانة ‘ اللامـوصـوف’ أو ‘ ما يعجز عنه اللسـان’ أو ‘ يُعلى على الوصف’. ولتخطي هذا العقـم اللغوي، قام شـعراء اليونان القديمة من أمثـال فيرجيل باللجـوء إلى الغنائيـة من أجل تخصيب العبارات، وجعلهـا أكثر نطقـاً. في حين أن ‘ أهل التنزيـه’ من أمثـال يوحنـا الصليب عمدوا إلى نعت الشيء بنقيضـه، أو إلى اسـتخدام ما يسـمى في علوم اللغـة بـ ‘ الضديدة’.

بعض الصور التي نراهـا في سـورية هي صور ‘ حرب’، بكل ما تحمله هذه المفردة من معنـى. هذه الصـور الحمـراء التي نُبصـر، لا يسـتطيع أن يعبر عنهـا لا رنين حروف محمود درويـش ولا حتى جمـل أنسـي الحاج الضوئيـة. بينمـا تسـعى للدلالـة عنهـا أو رسـمهـا بشـكل جزئي فقط، ‘ نجـاة من وارسـو’ أرنولد شـونبيرغ، ‘ غيرنيـكـا’ بيكاسـو، و الدمـع المطلق والمحبوس.

*** *** ***

قـال لي أحـدهم أن عمـر أميرالاي، من أوائل من لوى عنق الصمت في وطني، يرقد متوهج الروح في حي الشـيخ محيي الدين في العاصمـة دمشق. أتوسل إلى من يقيـم بالجوار أن يضع ياسـمينة بيضـاء على الضريح، وأن يوشوش من خلف شـاهدة القبر في أذنيـه، قائلاً له أن مـا كانت تحلم به عيناه من وراء عدسـة التصوير هو في طـور الإنجـاز.

*** *** ***

أمـي تحب ورق العـنب

أقاصيص الريحـان البلدي

تمـارين البوطي السويدية

وحسـن نصـر اللـه

فـكيف أحـن إلـى أمي؟؟

*** *** ***

 

بعض الأحيـان تملأ صدري هذه الصـلاة الرجيمـة :

تبـاً

كيف أغفـر لوطنٍ

أفسـد حواسـي الخمـس

جعل الكتابـة لي

مثل القتـل

فعـل انتقـام؟

*** *** ***

لـو أمضي معهـم إلى سـاحة تودي بنـا إلى فضـاء الحريـة

لـو أمضي معهم إلى سـاحة تودي بنـا إلى فضـاء

لـو أمضي معهـم إلى سـاحة تودي بنـا

لـو أمضي معهـم إلى سـاحة

لـو أمضي معهـم إلى

لـو أمضي معهـم

لـو أمضي

لـو

 

* كـاتب من سـورية

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

44 + = 51

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...