الرئيسية / كتاب الانتفاضة / صبر درويش / فقراء حيّ التضامن يُسقطون نظام الأسد

فقراء حيّ التضامن يُسقطون نظام الأسد


دمشق ـ صبر درويش

في «التضامن» نسيج سكاني معقد، فمن جهة يعد الحيّ واحداً من أضخم الأحياء الدمشقية وأكثرها كثافة سكانية، ومن جهة أخرى، يضم حي التضامن واحداً من أكبر التنوعات السكانية في البلاد؛ وإلى جانب ما ذكرنا، ينفرد الحي في أنه واحداً من أكثر الأحياء فقراً وشقاءً من بين أحياء العاصمة دمشق المتعددة.

يحيط بحي التضامن مجموعة من الأحياء كمخيم فلسطين ومدينة يلدا والحجر الأسود.. إلخ، وجميعها تتشابه في نسيجها السكاني وبنيتها الطبقية، بينما تشكل هذه الأحياء بمجموعها ما يمكن أن نسميه بأحزمة الفقر المحيطة بالعاصمة دمشق.

يقطن حي التضامن ثلاث تجمعات سكانية كبرى، تجمّع يضم مهاجرين قدامى من محافظة دير الزور وريفها، ويعرف مكان سكنهم بحي الديرية، وتجمّع مؤلف من مهاجرين قدموا من محافظة ادلب وريفها، ويعرف مكانهم أيضاً بحي الأدالبة، وتجمع ثالث يضم عدد من الأقليات القادمة من مناطق مختلفة كمدن الساحل السوري، ومن محافظة السويداء ومدينة السلمية، وبعض السكان من الفلسطينيين.

ورغم التنوع المناطقي والمذهبي الواضح لسكان الحي إلا أن ما يجمعهم أكبر بكثير، فهذا التنوع لا يعدو كونه شكلاً، بينما المضمون هو تشابه الجميع في واقع الفقر والقهر الاجتماعي الذي يرزحون تحته. فغالبية سكان الحي من المهاجرين من الريف السوري إلى دمشق، وأغلبهم ينحدر من بيئات فقيرة ومسحوقة (وهو السبب الأساسي لهجرتهم)، وهو ما يشكل الوجه الشاحب لحي التضامن.

كان دخول حي التضامن على خط الثورة موقفاً حاسماً، فالفقراء هم من يجيد منطق الجدّ لا اللعب، وهم وليس سواهم من يعنيه السير في الثورة حتى نهايتها المأمولة، أي اسقاط النظام، اذ ليس لديهم ما يخسرونه سوى فقرهم وتعاستهم.

في الحقيقة كان دخول حي التضامن والكتلة التي يمثلها، أجواء الحراك الثوري، يعد مؤشراً وتحولاً مهماً في سيرورة الثورة السورية، في العاصمة دمشق بشكل خاص، والثورة السورية بشكل عام.

خرج حي التضامن في عشرات التظاهرات السلمية المطالبة باسقاط النظام، وكان غالبية المشاركين من حيّي الديرية والأدالبة، بينما تكفل شارع الشبيحة المعروف بشارع نسرين، بقمع هذه التظاهرات؛ وفعلاً تعرضت التظاهرات لقمع شديد على يد قوات الأمن السوري والشبيحة المرافقين لهم، كما تم اقتحام الحيّ مرات عدة على يد قوات الجيش التابعة للنظام، وعندما وصلت الأمور إلى مرحلة بات من الصعب تحملها من اعتقال وتنكيل بأهالي الحي، انفجر الصراع الدائر بكفاحه المسلح.

يحدثنا أبو تركي، وهو من مقاتلي الحي يقول: كلنا كنا من المتظاهرين السلميين، ولم نفكر مطلقاً بحمل السلاح، حتى أنني وبشكل شخصي لم أؤدّ خدمة العلم ولم أمسك بندقية في حياتي، إلا أن شدة التنكيل التي تعرض لها سكان الحي على يد الشبيحة تحديداً، أجبرتنا على حمل السلاح دفاعاً عن أنفسنا وعن أهلنا، فلا أحد منا يقبل المهانة مهما يكن.

لا شيء يدعو إلى التشكيك في هذه الشهادة، فعشرات الناشطين الذين التحقوا بكتائب الجيش الحر، أكدوا على ذلك، وكثيرين منهم أبدى حنينه لمرحلة التظاهرات السلمية.

وفي اللحظة التي حمل فيها ثوار حي التضامن السلاح، اشتعلت المنطقة بالكامل، وامتد لهيب الثورة حتى وصل إلى واحدٍ من أهم الأحياء الدمشقية على الاطلاق، أي حي الميدان. وخلال بضعة أيام سيفقد النظام السوري السيطرة على الكتلة السكنية الممتدة من حي الميدان مروراً بمخيم اليرموك الفلسطيني والحجر الأسود وحيي القدم والعسالي… في الحقيقة سيفقد النظام السوري السيطرة على أغلب المدن والأحياء الواقعة إلى الجنوب والجنوب الغربي من العاصمة دمشق بما فيها أهم حيّين، أي التضامن من جهة الطرف الجنوبي للعاصمة والميدان في قلب العاصمة. وفي عموم هذه الكتلة الجغرافية ستجري اشتباكات عنيفة بين قوات الأمن والجيش الموالية للنظام، وكتائب الجيش الحر التي تعهدت بالدفاع عن هذه الأحياء. وفي الأسابيع الأولى سيخسر النظام معركته لصالح بسط كتائب الجيش الحر سيطرتها على المنطقة بالكامل.

في الحقيقة لن ينتظر النظام كثيراً، إذ سيباشر قصف حي التضامن والأحياء المحيطة به، بكل أنواع الأسلحة الثقيلة، بدءاً بالطيران الحربي وصولاً إلى المدافع وراجمات الصواريخ، سيسقط العشرات من الشهداء، ومئات الجرحى، ستهدم البيوت على رؤوس ساكنيها (كما يشهد على ذلك شارع دعبول في حي التضامن)، وستبدأ الأسر بالنزوح من المنطقة هرباً من ويلات قصف النظام العشوائي على الأحياء. وفي هذا السياق، لن يسلم مخيم اليرموك الفلسطيني من ذلك القصف، ستسقط عليه عشرات القذائف، وسيودع الكثير من الشهداء الفلسطينيين، ولتدخل المنطقة في عنف فرضه النظام، قل نظيره.

اليوم تبدو شوارع حي التضامن خالية تماماً من السكان، فلا شيء سوى الريح تعصف في الأحياء، ومقاتلو الجيش الحر منتشرون فيها، يدافعون بكل ما أوتوا من عزيمة الثوار، عن حيز يعتبرونه قلعتهم الأخيرة، إذ لا خيار أمامهم سوى الصمود، فالثوار يقاتلون على جبهات عدة، ويقاومون واحداً من أعتى النظم في العالم، فكيف يصح القول بأنهم مهزومون ما داموا يقاومون؟ إنهم حقاً الفقراء الذين يجيدون منطق الجد لا اللعب.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...