الرئيسية / صفحات مميزة / فلتان أم اختراق أمني!!!!!

فلتان أم اختراق أمني!!!!!

 


ماجد حبو

يتداول الإعلام السوري في الآونة الأخيرة , بل ومنذ بداية الاحتجاجات الشعبية في سورية , رواية عصابات مندسة مسلحة سلفية تقتل عناصر وأفراد من الجيش السوري على طول وعرض البلاد , وخصوصاً في الأماكن الأكثر حراكاً مثل درعا , حمص , بانياس , والفاصل في ذلك شدة وقوة المظاهرات الشعبية  ” وباستثناءات قليلة خاصة ببعض المناطق ” وبالمقابل ينشر النشطاء الشباب صور وروايات تكذب مثل تلك الرواية , مفادها بأن القتل يتم من قبل الوحدات العسكرية الأكثر ولاءً للنظام تجاه أفراد الجيش التي ترفض الأوامر العسكرية بإطلاق النار على المتظاهرين العزل , وأقلها تتحدث عن سيناريوهات معده سلفاً لتشويه ذلك الحراك وطبعه بصبغة مسلحة لإفراغه من محتواه الوطني السلمي , ولا يغيب عن البال بطبيعة الحال حالة الانفلات الأمني و ركاكة التنظيم المرافق لحركة ” جيش في مواجهة شعب “يحضرني في السياق , الماضي غير البعيد تجارب مماثلة في الشكل والأداء الأمني ودوافعه في حالات الأزمات وما ينجم عن ذلك من نتائج مخطط لها سلفاً , أم عفوية الأداء.

في عام 1980 كنت أودي الخدمة الإلزامية في مدرسة المدفعية بحلب برتبة ضابط صف , وللعلم كانت مدرسة المدفعية من المواقع المستهدفة لتنظيم الإخوان المسلمين في صراعها المسلح مع النظام _ ربما كون قائد مدرسة المدفعية آنذاك كان العميد محمد علي غانم قريب فيصل غانم رئيس سجن تدمر السيئ السمعة والصيت – يومها تم انتدابي لأكون ” مرافق عسكري ” لباص المبيت التابع للمدرسة كما كان العرف الأمني سائد آنذاك .

كان باص المبيت يخرج من المدرسة بعد نهاية الدوام النهاري ليوزع الضباط وضباط الصف والعسكريين الأفراد وفق خط سير محدد ومعروف , ليعود في اليوم الثاني عند الصباح وبنفس خط السير , في الوقت الذي أقوم فيه ,أنا وثلاثة آخرين بحماية الباص في حال تعرضه إلى كمين أو إرباك أمني ما , بواسطة سلاح فردي ” كلاشنكوف ” .

كان مألوفاً أن يتم اختيارنا على أرضية انتمائنا الديني ” للاعتقاد لدى الأجهزة الأمنية بأننا – أي الأقليات الدينية – الأكثر ولاءً للنظام ” , لكن الأمر على الرغم من الخطورة الشديدة الملتصقة به كان مفرحاً بالنسبة لي كوني أتخلص من البقاء في المدرسة بعد نهاية الدوام النهاري لأعيش نصف يومي بصفتي المدنية بعيداً عن العسكرية المرهقة والعديمة الجدوى .

يومها كانت حلب تعيش أياما لا تحسد عليها كما الكثير من المناطق في سورية .

قمت باستئجار شقة في وسط المدينة ” حي السليمانية ” ذات الغالبية المسيحية الصرفة [ والتنويه للغالبية الدينية ذو دلالة ستأتي لاحقاً ]  مع زميلي وابن بلدي المرافق معي في باص المبيت .

ومع كل صباح وبحدود السابعة صباحاً كنا نقف بلباسنا العسكري الكامل مع السلاح في زاوية شارع السليمانية عند ” صيدلية الوطن ” القريبة من فرع الأمن السياسي بحلب , وفي بعض الأحيان كنا نتمشى لعشرات الأمتار لنتجمع مع مجموعة أخرى من الزملاء لنوفر على باص المبيت التوقف لأكثر من مرة.

كنا من الوضوح والرتابة اليومية للسلوك لدرجة بأن المشاة العاديين في الشارع من القاطنين في المنطقة نتبادل التحيات , حتى وكأننا أصبحنا جزء من المشهد اليومي للشارع بنفس الوقت والمكان , كما كان الحال عليه في حال مرور ” الدوريات المشتركة ” كوننا ” رفاق السلاح ” .

كل ذلك لم يحول عن تلك الحادثة المهولة التي كادت أن تؤدي بحياتنا جميعاً في إحدى الصباحات الخريفية , حيث كانت رائحة الموت تفوح في كل مكان بحلب .

سيارة بيجَو بيضاء اللون تمزق سكون الصباح قادمة في الطريق ذي الاتجاه الواحد من الجهة المخالفة , كان ذلك لوحده كافياً لإثارة التساؤل والريبة في نفوسنا , وما زاد عن ذلك فجأة بروز عدة فوهات رشاشات من نوافذ السيارة التي كانت تمضي بسرعة عالية وباتجاهنا مباشرة , كانت الملابس المدنية بارزة للعناصر الخمسة التي كانت تستقل السيارة المشبوهة , هذا المشهد جمد ولثوان الدم في عروقنا , وخصوصاً للذاكرة القريبة جداً لحدوث حوادث مماثلة من مهاجمات لتجمعات عسكرية من قبل العناصر المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين واستهدافهم , كانت ردة الفعل الأولى من قبلنا هو هروب أحد المرافقين المسلحين باتجاه مدخل البناية المجاورة لوقوفنا , كان ذلك كافياً وبشكل  أوتوماتيكي لإطلاق نار مباشر من الرشاشات البارزة من نوافذ السيارة القادمة قبل توقفها وفتح الأبواب الأربعة للسيارة وقفز جميع من فيها بأسلحتهم المصوبة اتجاهنا , كان المشهد من الرعب والصدمة أن استمريت بجلستي على عتبة أحد الدكاكين المغلقة ممسكاً برشاشي من جهة الفوهة عاجزاً عن القيام بأي إجراء تقتضيه الحالة التي كنا بها , بينما رفع شريكي في السكن سلاحه بوضعية نصف تهيؤ , كانت الشاهد تتلاصق بصورة يعجز الذهن عن ترتيبها حتى اليوم بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً . الصدمة والرعب ورائحة الموت كانت قريبة جداً لدرجة عدم قدرة الذهن على إدراكها والتصرف حيالها .

كانت حركات وتصرفات العناصر الخمسة التي قفزت من السيارة بأسلحتهم تجمد الدم في العروق , مهما كانت درجة الحيطة والحذر بل والتدريب العلي على المواجهة العسكرية فهي قد لا تنفع بشيء في لحظة المواجهة الحقيقة مع الموت المباشرة .

وحده صوت المقدم ميخائيل صاحب الكرش المدور من قطع تسلسل المشاهد وتتابعها الدموي :

– يا ابني نحن ضباط مسالمين من الجيش السوري ….!!!

– ليش هرب المرافق ؟؟؟ صرخ من بدا بأنه قائد المجموعة !!!!

– مين إنتوا؟؟ تماسك صوت المقدم ميخائيل قليلاً بعد أن أحس بأن ثمة مجال للتحادث بالكلمات .

-نحن دورية من المخابرات العسكرية , صاح قائد المجموعة .

تنفست المجموعة نصف تنهيدة بينما بقي الرعب مسيطراً على الجسد والروح , فقد كان مألوفاً حالة الإنتحالات التي تتم وبشكل متبادل من الطرفين ” قوات أمنية بلباس مدني , وجماعات مسلحة من الإخوان المسلمين بلباس عسكري ” وهو ما يفسر حالة الرعب المتبادل لدى الجميع , وغياب الثقة بأي شخص مهما كانت درجة المعرفة به , وعدم الركون إلى الزي أو المظهر العام .

كان فرع الأمن العسكري الذي يقوده آنذاك العقيد ” مصطفى التاجر ” قد تعرض ولمرات عديدة لهجمات مسلحة من أفراد تابعة للإخوان المسلمين ترتدي ملابس عسكرية للدوريات التي تخرج من الفرع وبمهام محددة باتجاهات خطط لها , تبين فيما بعد بأنها ثمة اختراق أمني يقوم به أحد الضباط العاملين في الفرع “النقيب محمد المصري “من تسريب خط سير الدورية , فكانت المحصلة وقوعها في كمائن تؤدي بها كلها .

– يا ابني نحن عسكريين بملابس عسكرية , وواقفين على موقف باص المبيت الذي يعرفه الجميع , وبالأخص الأفرع الأمنية !!! عاد صوت المقدم ميخائيل هادئاً .

– نحنا كنا جايين بس لنتأكد من ذلك !!! قال قائد المجموعة الأمنية , ثم أردف :

– هروب المرافق خلانا نشك بهذا الشيء !!!!

ومع استرداد الأنفاس , والكلمات المطمئنة من هنا وهناك , وعودت المرافق الذي وجهت له الملامة من الجميع متناسين بأن للخوف والرعب منطقه الخاص , مضى ذلك الصباح مخلفاً في الذاكرة سؤال لم أستطع الإجابة عليه لحين الساعة :

– هل كان ذلك سوء إدارة أو فلتان أمني ؟؟؟ أم لربما كان من الممكن الاستفادة مما كان من الممكن حصوله ولو بطريقة غير مقصودة بإدعاء القول: بأن مجموعة مسلحة قامت بالهجوم على ضباط وجنود في موقف تابع لباص المبيت في منطقة مسيحية , للاستفادة مما ممكن أن يستفاد منه في المواجهة المسلحة بشقها الإعلامي ؟؟؟ مع العلم بأن أحداث مشابهة حدثت كثيراً تبادل فيها الطرفان الاتهامات بالقتل ” الشيخ أحمد الشامي , الدكتور محمد الفاضل …. وغيرهم آخرين !!! ”

والجواب عند الله … أو للتاريخ !!!

ماجد حبو    10-06-2011

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...