الرئيسية / صفحات سورية / فيلم سوري رديء

فيلم سوري رديء


فلورنس غزلان

إن من حيث السيناريو أو الإعداد أو الإخراج ثم التنفيذ والإنتاج

بين سوريا الصورة ، التي يحلم فيها المواطن العادي والصورة التي يريدها النظام فارق شاسع كما الثرى والثريا.

منذ اندلاع انتفاضة الشباب السوري، التي بدأت ومازالت تصر على سلميتها، تحمل أغصان الزيتون وتتقدم نحو الأمل نحو رغبتها في تحقيق مطامحها ، تستعيد أغلى مايمكن للمواطن الفرد أن يعيشه ويحسه فوق أرضه وداخل حدود وطنه ، إنسانيته المهدورة وكرامته المهانة، لقد احتمل هذا المواطن عقوداً من القهر والذل ..دفع وبذل خلالها الغالي والرخيص وقدم التضحيات وحاول أن يتعلق بحبال الوعود الواهية كخيوط عنكبوت…لكن ومع استمرار نفس المدرسة ونفس العائلة ونفس القبضة الأمنية إلى درجة الاختناق ومنع الهواء عن رئتي مواطن شب اليوم عن طوق الخضوع والعبودية والذل، ورأى أمامه ومن حوله شعوباً تشبهه ، استطاعت أن تبدأ خطواتها الأولى على طريق التحرر وطريق سيادة المواطنة والقانون وسيادة القرار بيد الشعب ــ وهو العالم أن هذه السيادة قد نص عليها الدستور السوري، لكنها عُرقِلت عن قصد وعمد بفعل مَن يريد أن يجعل من الوطن مزرعة ومن الشعب قطعانه المطيعة ــ، تسارع الأحداث من حوله أيقظه من رعب العقود الطويلة ودفع به إلى الخروج من شرنقة القبضة الأمنية الحديدية وكسر أقفالها رغم ماتحتجزه خلف قضبانها من أعداد هائلة من معتقلي الرأي والضمير..وعلينا أيضاً ألا ننسى أن تركيبة النظام السوري هي الأشد قساوة وعنفاً وارتباطاً وثيقاً بالأمن وبالحلول الأمنية لكل قضايا الوطن منذ تولى حافظ الأسد السلطة وحتى اليوم..فعلى سبيل المثال لا الحصر

ورغم أن قانون الطواريء كان يحكم مصر في عهد مبارك، لكنه مُقيد إلى حد ما وهناك فسحة أكبر لحرية التعبير والتظاهر ، بالاضافة لإمكانية وجود قضاء يعتمد الاستقلال، ناهيك عن أن الأحزاب الحاكمة وذات الباع الطويل في كل من تونس ومصر، لكنها على الأقل ليست مسلطة على رقاب العباد كما هي الحال من خلال الدستور السوري بمادته الثامنة ، التي تجعل من حزب البعث” قائداً للدولة والمجتمع”..هذا الاحتكار للسلطة وحصرها بيد حلقة صغيرة ضيقة تُسَّير وتقرر الحياة بكل جوانبها الإقتصادية ، السياسية، الثقافية، الاجتماعية، واضعة الشعب برمته في خدمتها وخدمة مصالحها، تقرر بدلاً عنه باعتباره ” قاصر وغير مؤهل للديمقراطية” ــ حسب رواية الرئيس بشار الأسد.

مما سلف نرى مدى صعوبة التظاهر وحشد المتظاهرين في المدن الكبرى والعاصمة خاصة، فكل تظاهرمهما بلغت درجة سلميته حدها الأدنى” كحملة الشموع أثناء ثورة مصر ” حوربت وضربت بالسياط وأهينت واعتقلت..وحين أرادت أن تصدق ما يشيعه النظام ، من أن التظاهر السلمي حق مشروع ولا يقف أحد بوجهه أو يمنعه على المواطن!ــ حسب رواية دجالي النظام وأبواقه ــ، راح الأهالي يعرضون طلباتهم أمام وزارة الداخلية من أجل إطلاق سراح أبنائهم المعتقلين، فجوبهوا بالاعتقال والضرب وزج بهم وبأطفالهم بالسجون” يوم 16/3/2011″..فما بالك والتظاهر بالآلاف تردد وتطالب بالحرية والديمقراطية ورفع حالة الطواريء!..حينها ظهر للعيان الوجه الحقيقي للنظام وتركيبته العصية على كل إصلاح، ولم يتوانى عن استخدام أشد وأقذر أنواع العنف فتكاً وشراسةً، وكأني به يواجه عدواً لدوداً يحتل أرضه!! ــ مع أنه أجبن من أرنب بمواجهة العدو المحتل لأرضه ــ وهؤلاء أبناء وشباب وطنه لهم مطالب مشروعة وحقوق استبيحت وهدرت على مر عقود خلت.

حتى اللحظة حاول حُواة النظام ـ على تعدد وجوههم وأدوارهم ــ أن يُخرجوا أرانباً ومناشفاً تنشف عرقهم البارد من قبعات سلطتهم سموها أرانب الإصلاح..ولم نرَ أي حمامة بيضاء تدعو للسلام وحقن الدماء، بل المزيد من بيانات التهديد والوعيد ” بيان وزارة الدفاع” ، والمزيد من مونولوجات ومسرحيات يؤديها ملثمين ابتدعتهم إدارات فروع الأمن ــ في درعا على سبيل المثال ــ وكان معد المسرحية من الغباء بشكل أنه اعتمد أبنية سكنية تقع في منطقة ” الحرش أو الخزان” الواقع في المنشية الأقرب للحدود الفاصلة بين الجمرك القديم درعا / الرمثا الأردنية *ــ ويبعد عن منطقة التظاهر أكثر من ثلاثة كيلومترات، فيطلب رجال الأمن ” الممثلين” من سكان بنايتين سكنيتين إخلاء بيوتهم والخروج منها للضرورة الأمنية، مستخدمة أسطحة البنايتين كديكور لبعض الرماة من رجال الأمن وبعض بلطجيته” أو مايسمونها الآن باللجان الشعبية” وطلب المخرج للمسرحية قسماً آخرمن الممثلين ” رجال الأمن طبعا” أن يأخذ مكانه خلف مباني الجمرك القديم وبالضبط داخل هذه المنطقة الحرجية والتي يقع خلفها بيوت سكنية يمكن لسكانها أن ترقب عن كثب مايحدث، وبعد أن تموضع كلٌ في مكانه وبدأوا بإطلاق النار كل باتجاه الآخر دون وقوع إصابات واستدعوا التلفزيون السوري بطاقم مكتبه الموجود في درعا للتصوير على أن القسم المتواجد داخل الحرش هم” عصابة تقتل رجال الأمن والمتظاهرين بنفس الوقت”!!، ومن شدة غباء المخرج ترك سيارة الأمن البيضاء والمعروفة لدى كل السكان تشهد على وجودهم !!..وما أن خرجت سيارة التلفزيون حتى واجهها المواطنين بالحجارة ، وفيما بعد أشعلوا النيران بمكتب التلفزيون نتيجة لتواطؤهم القذر في التمثيلية الأقذر..هذه هي وبالتفصيل حكاية ” العصابة المندسة ،التي يأويها أهل درعا!!، ويطبل ويزمر لها التلفزيون السوري، وتصدر وزارة الدفاع بيانها التهديدي المدفوع من طرف وحيد هو المتمكن والممسك بخيط التأديب لدرعا وسكانها ويبحث كل يوم عن حكاية جديدة ويفبرك كل يوم قصة جديدة ” مرة عن عصابة ،وأخرى عن دخلاء من الخارج، وثالثة عناصر مشبوهة، وأخرى مؤامرة تحاك عربيا ودولياً ضد النظام السوري الممانع”!..مسرحية أو فيلم هندي رديء الإخراج والأداء والسيناريو..بل ما أغباه من نظام!!..يبحث عن شرعنة لعنفه المفرط والفريد، لقتله المتعمد والصريح لأبناء شعبه…يبحث عن حجة تعطيه حق القتل أكثر مما قتل حتى الآن..ونفس الحبكة تتكرر في دوما ، اللاذقية، بانياس، الصنمين، انخل، جاسم، حرستا، دير الزور..حمص..أما أعداد المعتقلين فهي بإزدياد يومي ، مستمر ومطرد، ولم تكتفِ أبواق النظام بالنفاق والكذب والتلفيق، موحية للعالم والإعلام أنها” ضحية مؤامرة ، وأنها تريد حماية الشعب وتسعى للحفاظ على أمن الوطن والمواطن من العصابات الدخيلة”! ..حقاً هي عصابات دخيلة ..حتى الأصوات البعثية الوفية طيلة عمرها للنظام أقيلت من منصبها ــ ” سميرة مسالمة رئيسة تحرير جريدة تشرين الرسمية”ــ علماً أن كل ماقالته لايتعدى أن يكون جزءاً صغيراً من الحقيقة الفاقعة، وسبقها إلى التصريح والتلميح ” عضو مجلس الشعب السيد يوسف أبو رومية، والذي حذفت مداخلته من النشر وتعرض للسؤال أمنياً عمن سرب شريط مداخلته للإعلام” ، وكلنا يعلم أن ماقاله لم يتعدَ ربع الحقيقة..لأنه أدان العصابات الأمنية الدخيلة وأشار بالبنان إلى من يقترف الإجرام بحق المتظاهرين العزل، السؤال الذي يطرح نفسه..لماذا لايسمح النظام إذن لأي مؤسسة إعلامية غربية أو عربية من دخول المدن المنتفضة؟!،… على الأقل كي تقول حقيقة مايجري وتصوره. ..وتضع الحقائق أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، فإن كان النظام محقاً فستوضح صورة حقيقته، وإن كان ظالماً فسيظهر مدى عنفه وظلمه…حتى التلفزيون السوري عندما صور مقابلة لأحد المصابين في مدينة دوما” ريف دمشق” ..لم يتم عرض الشريط المسجل لهذا الرجل..الذي قام بإنقاذه من ” البلطجية أو الشبيحة” التابعة لأمن النظام عميد في سلك الشرطة..وكم من شرطي وجندي قتلوا في درعاــ لأنها الوحيدة التي تصلني منها المعلومات تباعاً ــ لأنهم رفضوا الانصياع لأوامر قادتهم في توجيه رصاصهم لصدور أبناء الشعب، كل عنصر قتل داخل صفوف الجيش والشرطة، ويحاول النظام أن يظهرها كحالات اعتداء من الشعب على الجيش والشرطة كي يتسنى له الفصل وبث التفرقة، لكن الشعب أكثر وعياً وذكاءً من معدي الأفلام الهندية الرديئة في أجهزة الأمن، فيرد على بطلان أفلامهم ورداءة فبركتها بالهتاف ” ايد واحدة ايد واحدة الجيش والشعب ايد واحدة”… اليد التي قتلتهم هي نفس اليد ، التي تقتل المواطنين المتظاهرين العزل.

من يعتقد أن هذا النظام مازال قادراً على الإصلاح، ليس خاطئاً فحسب، بل ربما متخوفاً مرتاباً من جهة، أومازال يعلق آمالاً على فاسد بلغ فساده درجة التفسخ، فكيف يمكن إصلاح أو إعادة الحياة لجيفة؟!

كان هذا ممكناً قبل أن يغلو النظام بدم الشعب السوري، كان هذا ممكناً قبل أن نرى البشاعة والفظاعة اللاإنسانية متجسدة في اعتقال وتعذيب أطفال درعا، كان هذا ممكناً قبل غزو قوات ماهر الأسد وقتلهم بحقد أعمى يفوق الوصف وبسحلهم لجثث الشهداء بعد موتهم!، كان هذا ممكناً قبل أن يضربوا بقسوة ويعتقلوا بعشوائية من شوارع وبيوت كل المدن السورية دون سبب أي مواطن رفع صوته بكلمة أو هتف بمطلب أو استضافته إذاعة أو تلفزيون خارج حدود التغطية الأمنية السورية….ثم كان هذا ممكنا لو أن النظام بدرت منه بعض الإشارات والمبادرات أثناء ثورتي تونس ومصر، أخذ العبرة والدرس واستبق الأحداث فانفتح على الشعب وأظهر فعلاً حسن نية، كان هذا ممكناً لو أن لديه أذناً تصغي للشعب وتسعى لفهمه..تؤمن به كشعب له حقوق… فأطلق على الأقل سراح المعتقلين السياسيين ، ورفع حالة الطواريء وإلغاء وصاية حزب البعث وقيادته القطرية على الشعب السوري وكأنه عبارة عن ” 23 مليون طفل”!! ودعى لفتح حوار وطني مع كافة أطياف ومكونات الشعب السوري، لدراسة إمكانية التعديل الدستوري وإصدار قوانين للأحزاب وللجمعيات والتمهيد لانتخابات حرة ونزيهة يقررها الشعب، ويترشح لها كل مواطن يجد في نفسه الأهلية والكفاءة على اختلاف الأعراق والأجناس والمذاهب..حينها يكون قد جنب الوطن مزيداً من السفك لدماء أبنائه، وحينها يكون قد جنب سلطته وضَّيق من سعة وعمق الهوة القائمة اليوم بينه وبين الشعب، وانعدام الثقة به وسقوط مصداقيته لدى أصغر وأكبر مواطن..لكن يبدو أن هذا النظام يشبه في مقدار خوائه وهوامه بنفسه درجة ماوصل إليه شقيقه القذافي..ولايريد أبداً ولا يرغب بالخطو باتجاه الناس، لأنه يعلم أن تركيبته الأمنية ، التي اعتمد عليها وعلى قوة عنفها في حل كل أزماته..مازالت سيد الموقف ومازالت اللغة الوحيدة التي يفهمها ، لهذا اختلفت شعارات بداية الانتفاضة السورية في أيامها الأولى عما هي عليه اليوم..فقد حرص القمع والعنف على زج الشعب في جدول من الدم لايريد له أن يتوقف ولا يريد أن يعلن أنه ممكن أن يخسر، ولا يريد أن يعترف للشعب بحقه بالحرية والكرامة..ولا يريد حتى أن يعترف بأن لديه شعب واعي وقادر على امتلاك زمام أموره…ومازال ينظر إليه من عليائه وأنه الفرد القائد ..وماهم إلا عبيد ورعايا..مَن يحمل كل هذا الجهل عن شعبه لايستحق أن يقوم فوق رأسه…لأن الشعب أساساً لم يختره بل فُرض عليه، والآن يريد هذا الشعب أن ينفض يديه من هذا الميراث السيء ومن هذه المسرحية الهزلية المميتة.

• *عن شهود عيان من أبناء المنطقة ، حيث الحي الذي ولدت وعشت فيه نصف عمري

باريس11/03/2011

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...