الرئيسية / صفحات مميزة / في أزمة المعارضة السورية: ميشيل كيلو

في أزمة المعارضة السورية: ميشيل كيلو

 

ميشيل كيلو

سياسات التيار المذهبي المدعوم خليجياً تأخذ سوريا إلى طريق مسدود يزداد  انغلاقاً، ما يهدد المستقبل بفراغ قاتل محمّل بشتى أنواع المخاطر. لقد بلغ  البطر بهذا التيار أن فرض على السوريين رجلا اختير بطريقة غير توافقية،  وبأسلوب احتيالي يتقنه أرباب التنظيمات المذهبية.

عند بداية الثورة، كانت الأزمة العامة سمة النظام، الذي فشل في معالجتها بالعنف وما اصطنعه من حلول كاذبة واحتيالية لها، لكنه نجح كما يبدو بوضوح في نقل أجزاء منها إلى المعارضة، مستغلاً طرفين برزا بالتدريج خلال الحراك، هما: العرب المتنافسون والمتصارعون على الغنيمة السورية من جهة، وبعض الجماعات المذهبية، العصبوية، الايديولوجية العقل والإقصائية النهج من جهة أخرى، التي غابت طيلة عقود عن سوريا تهمشت تماماً خلالها، ولم تتمكّن من ممارسة أي دور من أي نوع كان، وإقامة أي نوع مهما كان محدوداً من الحضور في الداخل السوري، لكنها تسللت إليه من خلال حقنها فيه من الخارج، بمعونة أجهزة مخابرات إقليمية تولت تنظيمها وتجنيد محازبين لها، ومدها بالأموال التي انهالت عليها كالمطر، ووضعت في خدمتها فضائيات نافذة ضخّمت وجودها وأبرزته بما لا يتناسب إطلاقاً مع حجمها في الثورة والوطن.

بدأت الأزمة من سيطرة عرب تنافسوا على القرار السوري باسم دعم الثورة، التي كانت تتعرض لعنف سلطوي ساحق دمر مدن سوريا وقراها، ووضع السوريين أمام إكراه السلاح والمال: للدفاع عن أنفسهم وتمويل التنظيمات المذهبية المغلقة، وتقديم بعض العون لمن هجروا من بيوتهم وهاموا على وجوههم في البلدان المجاورة أو داخل وطنهم، وتعززت من خلال سيطرة تيار مذهبي بعينه على ما سُمّي المجلس الوطني السوري، الذي شكّل بإشراف وضغوط خارجية وداخلية ليكون جهة رسمية مقابلة للنظام تمثل الشعب الثائر في الداخل، قيل في جلسة الإعلان عن تشكيلها والمؤتمر الصحافي الذي عقد لشرح سياساتها والإعلان عن وجودها: إنها المعارضة السورية والمعبر عن الثورة.

أمسكت الدول بالثورة من فوق، وأمسكت الفئة العصبوية بها من داخل المجلس وبأدواته، عبر ترتيبات اتخذها أعضاؤها فيما بينهم جعلت منها تنظيمات تظاهرت بعدم وجود صلة بينها، حصل لكل منها على عشرين صوتاً في المجلس، مع أنها كانت في الواقع تنظيماً واحداً تتكامل أنشطته وسياساته، كما لاحظ كل من كانوا في المجلس وتركوه فيما بعد لهذا السبب بالذات، بينما بقيت التنظيمات الأخرى متفرقة وهشة العلاقات، وتمكن المذهبيون من اختراقها بالألاعيب السياسية والتنظيمية والمال السياسي والضغط الحزبي، وباحتكار مواقع على الأرض استخدمت ضد الآخرين، في إطار سياسة هدفها الرئيس إيصال هؤلاء إلى السلطة بأي ثمن وبواسطة أية وسيلة مهما كانت، مع ما ترتب على ذلك من تشويه طابع المعركة الوطنية ضد النظام، ومن تحوّلها إلى معركة تكرر خلالها حديث يشبه ما كان يقال في ثمانينيات القرن الماضي، نزع الصفة الثورية عنها، وقلبها إلى صراع بين حزب حاكم وحزب يريد الحلول محله، تطلبت تطلعاته ورهاناته إقصاء غيره من قوى المعارضة عن مواقع القوة والقرار، واختراقه والتلاعب به، كما حدث عند تشكيل «المجلس الوطني» وبعده، الذي أقر الاستاذ صدر الدين البيانوني في حديث مع عناصر من الجماعة أن هذه استخدمت مرحلياً بعض من لا يتفقون معها في الرؤية والنهج، لاعتقادها أن وجودهم في المجلس يفيدها في علاقاتها مع الغرب، وعندما وطدت اقدامها تخلت عنهم أو اسقطتهم وأتت بغيرهم وهكذا دواليك، إلى أن بلغ بها اللعب حداً جعلها تعين بأصواتها رئيساً على المجلس لم ينل غير سبعة اصوات من كتلته داخله، وسقط بالتالي في انتخابات المكتب التنفيذي. بهذه السياسة، التي تتجاهل استحالة إسقاط النظام بقوة حزب أو تكتل بمفرده، واستحالة وصول أي حزب منفرداً إلى السلطة، لأن ذلك قد يفضي الى فوضى وحرب أهلية، خرجت المعارضة من فشل ودخلت في آخر، وفقد المجلس صفته الوطنية وانقلب إلى مكان للمكائد والإقصاء، وعجزت مكوناته عن بلورة وتطوير خط سياسي يترسم ممكنات التطور الثوري واحتمالاته، واتباع تكتيك يأخذ بعين الاعتبار استعمال الورقة السياسية بفاعلية، ويرفض إغلاق أبواب العمل السلمي وآفاقه التي من شأنها تجنيد قطاعات شعبية واسعة وراء الثورة وتشجيعها على النزول إلى الشارع للانضمام الى الثورة، وتعينها على انتاج نمط شعبي وديموقراطي من الوحدة الوطنية تحمله الحرية، يحافظ على وحدة الدولة والمجتمع ويتكفل بقلب موازين القوى لمصلحة الحراك الثوري. بهذا الإفقار للثورة وبتحويلها من نضال شعبي في سبيل الحرية إلى اقتتال مذهبي الخلفيات والمضامين، عنيف ومسلح، التقى في منتصف الطريق مع سياسات النظام، فأطال عمره وهدد حياة ملايين السوريين ووجودهم، ودمر اللحمة الوطنية ووحدة البلاد، دولة ومجتمعا، وبدّل طبيعة الثورة وجعلها عاجزة عن الذهاب إلى الديموقراطية بعد إسقاط النظام، وأكرهها على الدخول في طور أزمة دائمة، ستكون الفوضى نتيجته المباشرة، التي يراهن عليها بعض العالم الخليجي وإسرائيل واميركا.

بهذه السياسات المدمرة، حقق التيار المذهبي السيطرة على المجلس الوطني وحشر الثورة في ازمات ارادتها بعض دول الخليج، الرافض للبديل الديموقراطي والخائف من احتمالاته السورية، ثم فاقم هذه الازمات عبر تشكيل الائتلاف، الذي تبين أنه ما كنا نخشاه ونحذر منه: إعادة هيكلة للمجلس الفاشل، الذي بدا عجزه واضحاً عن إصلاح نفسه، فقد اعطيت الكتلة العصبوية التي هيمنت عليه 40 % من اعضاء التنظيم الجديد، الذي ما لبث ان تحول الى مكان اضافي تمسك به وتعزز من خلاله خطها التخريبي. لذلك، شكل الائتلاف منعطفاً حقيقياً في أوضاع المعارضة، فقد سلم بغلبة التيار المذهبي على التيار الديموقراطي في تمثيل المعارضة، رغم أنه لا يملك غلبة على الأرض بل هو التيار الأضعف شعبياً ووطنياً. إلى هذا، تسببت طريقة تأسيسه في إسقاط الموانع والاعتبارات التي كانت تحول دون تدخل خارجي مفتوح في الشؤون السورية، وفي حصول التيار المذهبي على نسبة من العضوية أكبر من التي كانت له في المجلس، كما في تهميش التكتل الديموقراطي، الامر الذي ساعد الخارج على تهميش الائتلاف ومصادرة قراره، وهو ما تأكد من خلال دعوة قطر والسعودية إلى إعادة هيكلة وحدات كثيرة من «الجيش الحر» من دون أن تتم دعوته للحضور، شأن سفراء الدول وضباط المخابرات الأجانب، مع أنها كانت قد اعترفت به ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب السوري، ومرجعية سياسية للجيش، الذي اخترقته وجعلت قسماً كبيراً من انشطته رهن تفاهماتها وصراعاتها، فكانت خطوتها دليلا إضافيا على أن التهميش والتبعية هما مصير معارضة، تراجع دور التيار الديموقراطي فيها وساد المذهبيون عليها ومادوا، إلى أن بلغ البطر بهم حداً جعلهم يفرضون على السوريين رجلاً اختير بطريقة غير توافقية، وبطرق احتيالية يتقنها ارباب التنظيمات المذهبية، مثلت تسميته مرحلة جديدة في تهافت المعارضة وخروج التيار الممسك بقراراتها على أية معايير وطنية وخيارات جامعة، رغم ما قدّمه التيار الديموقراطي له من عروض حوارية تستهدف بلورة تفاهمات وطنية عامة تضمن انتقالاً سلمياً إلى سورية آمنة، يضبط مجالها السياسي الموحد من فوق، ما يمكن أن يتخلق فيها من فوضى سلاح على مستوى قاعها الاجتماعي، كي لا تدخل في طور يصعب التحكم به والتصدي لمشكلاته، وتضيع تضحيات الشعب وتطلعاته الثورية ونزوعه المفعم بالتضحية إلى الحرية والعدالة والمساواة، وتواجه بلادنا خطر الانفراط والتشرذم والحرب الأهلية.

بانقسام المعارضة إلى جهة مسيطرة في «المجلس» و«الإئتلاف» ضعيفة في الشارع الشعبي، وأخرى مستبعدة عن تمثيلها الحقيقي في هذين التنظيمين، رغم حضورها الواسع على الأرض، وبالرعونة التي يقرر بواسطتها تيار بمفرده مصير سوريا، وبالعمل الإقصائي القائم على الشللية والتواطؤ والخديعة والإفساد، تكتمل في موازاة أزمة النظام أزمة المعارضة، التي يتصارع قادتها ويقاطعون بعضهم بعضاً، ويشد كل واحد منهم اللحاف إليه ليبقى غيره بلا غطاء، ويشوه سمعة الطرف الآخر ويهدده بالطرد من جنة المال السياسي والاستقبالات والأسفار والمهمات المأجورة، ويرميه بالخيانة وبالخروج على «الوطنية» ومقتضياتها… الخ. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كانت المذهبية وتيارها سينجوان من الأزمة التي فرضتها على تمثيل المعارضين الرسميين، لو لم يقدم شعب سوريا أعز التضحيات كي تبقي شعلة الثورة مستعرة، ويحال بين النظام وبين سحق الثورة؟

تأخذ أزمة المعارضة، التي تسببت بها سياسات التيار المذهبي، بلادنا إلى طريق مسدود ويزداد انسداداً باضطراد، بينما يتهاوى النظام أكثر فأكثر، وتواجه سوريا فراغاً قاتلاً يهدد جدياً وبطريقة غير مسبوقة راهنها ومصيرها المتعدد الاحتمالات، والمحمل بشتى أنواع المخاطر، فلا بد إذن من إخراجها من هذه الحال، دون إبطاء وتردد ووفق خطة مدروسة وعقلانية، تتضمن اجوبة حقيقية على اسئلة الواقع، التي غدت محرجة جداً، بينما غدا هو كارثياً بكل معنى الكلمة، كي لا نخرج من معضلة الاستبداد البعثي وندخل في معضلة مذهبية لا تقل استبدادية عنها، إن قبلناها كان فيها هلاك وطننا وشعبنا، ونهاية سوريا كوطن.

كيف نخرج من هذا المأزق؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...